Полный текст (8 396 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وقال القاسم: " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر ".
قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله ".
وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة.
وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل/ شيء جرزته فقد يسرته والياسر الجازر. وفقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور.
ويقال للضارب بالقداح " يَسَرٌ وأَيْسَارٌ ".
وقيل: إن " يَسْراً " جمع " لِيَاسِرٍ "، ثم يجمع " يَسَرٌ " على " أَيْسَارٍ " وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء/ منهم لتعدل
стр. 667
أحوال الناس، ولذلك قال: ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ ".
والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: " الأغفال/ والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام.
والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمبسل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء.
وقوله: ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾.
هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور.
﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.
أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن
стр. 668
جبير " لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت/ ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت ".
فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة ".
وروي أن عمر رضي الله عن هـ كان يقول: " اللهم بيّن لنا في الخمر "، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر﴾ الآية، فقرئت ع ليه، فقال: [اللهم بين لنا في ال خمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا ".
فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه
стр. 669
السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣] أي واكتساب الإثم. فهذا النص ظاهر في التحريم مع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر.
وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه.
وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به.
وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس.
стр. 670
قوله: ﴿قُلِ العفو﴾. أي تتصدق بما فضل عن أهلك.
قال السدي: " كانوا يعملون كل يوم فيما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه ".
وقال ابن عباس: " العفو ما لا يتبين/ خروجه من المال ".
وقال طاوس: " العفو اليسير من كل شيء ".
وقال اليزيدي: العفو هو ما أطلقته من غير أن تجهد فيه نفسك ".
وقيل: ما فضل عن أهلك.
وروي أن هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ نزل في رجل أتى إلى النبي [ ﷺ ] فقال: " إن لي ديناراً "، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى
стр. 671
خَادِمَكَ. [قال: إن] لي أربعة، قال: أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ، قال: إن لي خمسة. قال: أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال: إن لي ستة، قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ".
يريد لي بالدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين// وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده.
وقيل: العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: " العفو الصدقة عن ظهر غنى ".
وروي عن ابن عباس في حد العفو: " أمر النبي ﷺ [ أن يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير.
وقال الربيع: " العفو/ ما طاب من المال ".
/ وقال قتادة: " العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله ".
стр. 672
قال ابن عباس: " هي منسوخة بالزكاة ".
وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة.
وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض.
قوله ﴿كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدنيا والآخرة﴾.
معناه: مثل ما بيك لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية منهما.
وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما.
وقيل: / في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: " يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة "، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون.
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.
стр. 673
كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك للنبي [﵇]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قاله ابن عباس وغيره.
وقيل: إنه لما نزل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم.
﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾. أي يعلم حين تخلط مالك إلى مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين.
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ﴾. أي: لحرم عليكم مخالطتهم
стр. 674
فتتبعون ويشق ذلك عليكم.
وقيل: معناه: لأَوْيقَكُمْ فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم.
قال أبو إسحاق: " معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون ".
وأصله من: " عَنِتَ البَعِيرُ " إذا حدث في رجله كسر بعد جبر.
قوله: ﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩].
أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره.
قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾.
قال ابن عباس: " عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥].
وقال عكرمة والحسن: " نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب ".
стр. 675
وكذلك قال مالك: " هي منسوخة "، وهو قول سفيان.
وقال ابن جبير: " الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يع ن بها/ غيرهن ".
وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عن هـ. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف.
وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما.
وقال/ ابن عمر: " حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في " براءة " وغيرها؛ قال: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه.
стр. 676
وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه.
وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: " أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ " إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء.
وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: " الآباء أحق بالميراث من الخال ". ولا حق للخال في الميراث.
وحكى نفطويه في كتاب " التوبة " له أن العرب تأتي بأفعال على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. / والثاني أن يكون إيجاباً
стр. 677
للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير.
وقيل: / المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك.
وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن " أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجتكم "، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها.
ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك.
وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.
стр. 678
ثم قال تعالى: ﴿أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ﴾.
أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده.
وروي أن هذه الآية نزل في كناز بين الحصين/ [الغنوي أبي] مرثد بعثه/ رسول الله [ ﷺ ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقل لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقالظ: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل.
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض﴾.
стр. 679
كان أصحاب النبي [﵇] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [﵇] عن ذلك، فعرفتهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال.
ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾.
أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار.
وقيل: معنى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ طهراً غير حيض.
ومعنى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال السدي: " قل يا محمد: قل هو قذر/ "، وكذلك قال قتادة.
وقال مجاهد: " ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل هو دم ".
стр. 680
والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض فبي بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: " ما يدعمحمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه ".
فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قل عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح.
ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
وقال عكرمة والشعبي: " لا بأس بإتيانها دون الفرج " [يريدان الفخذ].
стр. 681
وقال الثوري: " لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم ".
فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: " يتصدق بدينار أو بنصف ".
وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره.
وقال الأوزاعي: " إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينارً ".
وقال سعيد بن جبير: " عليه عتق رقبة ".
وقال الحسن: " عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان ". وجماعة/ الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ.
قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد الثوري.
стр. 682
وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: " لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدمع، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله ".
وهو قول سالم/ بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء ".
وهو معنى قراءة من قرأ: " حتى يَطْهُرْنَ " مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم.
وفي مصحف أبي وابن مسعود: " حتى يتطهرن " بالتاء أي بالماء
стр. 683
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. هذا قول الجماعة.
وقال مجاهد وطاوس: " إذا تطهرن للصلاة ".
فليس يجب للقارئ أن يقف على " يطهرن " في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: " يتطهرن بالماء " وقربها بعد التطهر بالماء إجماع.
قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج.
وقال مجاهد: " ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ أمروا أن يأتوهن من حيث نهو عنه ". يعني ياتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يتعتزلوه في الحيض وهو الفرج.
стр. 684
فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في/ الفرج دون غيره. وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن.
وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم بهن وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم.
قوله: ﴿يُحِبُّ التوابين﴾.
أي الراجعين/ عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو/ ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل.
وقال مجاهد: " ﴿وَيُحِبُّ المتطهرين﴾: أي الذي لا يأتون النساء في أدبارهن ".
وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودا بعد التوبة. و ﴿المتطهرين﴾ يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر.
стр. 685
وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء/ لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع.
ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء.
وأتى " المتطهرين " بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر.
وقوله: ﴿أنى شِئْتُمْ﴾. أي مقبلة ومدبرة في الفرج.
ومعنى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾.
أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: " نساؤكم موضع حرِث لكم ".
стр. 686
وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر.
[وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: ﴿أنى شِئْتُمْ﴾: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته ".
وروي عن ابن عباس أنه قال: " كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [﵇]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في
стр. 687
العربية أن يكون ﴿أنى شِئْتُمْ﴾ بمعنى من أي وجه شئتم.
قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضع يف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبلار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه.
وقد قال مسروق: " قلت لعائشة رضي الله عن ها: " ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا/ الجماع ".
ويدل على منعه قوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ/ أنى شِئْتُمْ﴾ والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون/ إلا جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرب الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر.
стр. 688
وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: " سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى فقال: قال الله : ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾، وهل يكون الحرب إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت ".
وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: يا أباع عبد الكله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرب إلا في موضع الزرع؟.
أتسمعون الله يقول: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ قائمة فقاعدة وعلى
стр. 689
جنبيها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: " يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي ".
قال أبو أحمد مكي: " [وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه ".
وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت/ مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: " كذبوا علي، عافاك الله ".
وقد روي في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: " أنى شئتم من قبل الفرج ". قاله ابن جبير ومجاهد.
وعن/ ابن عباس أن النبي ﵇ قال في حديث له طويل: " يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ
стр. 690
مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَنَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ ".
وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن البي [﵇] قال: " إنّ الله لاَ يَسْتِحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ ".
وقال أبي بن كعب: " من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين ".
وقال ابن مسعود: " محاش النساء عليكم حرام ".
وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: " الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش ".
стр. 691
قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾.
يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ [الأعراف: ٨٠]، فكيف يبيح الفاحشة؟ / وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد.
وفي قول الله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] دلالة على المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله:
﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يراد به الفرج، لأن " ما " بمعنى " الذي ". " والذي " لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: " من خلق لكم، لكان المراد النساء لأن " من " لمن يعقل فلما جاءت " ما " وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاص/خلق الأزواج وهو الفرج.
وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ " معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن ".
стр. 692
وقد كثرت الروايات عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك. وقوله: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾.
قال ابن عباس: " اذكروا الله عند الجماع ".
وقيل: معناه طلب الولد.
وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة.
وهو الخير هو المفعول الثاني " لقدموا ". فهو مردود على ماقبله من قوله، ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية.
قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾.
معناه: أن يقول الرجل إ ذا سئل في خير أو صلاح: عَليَّ يمين أن لا أفعل. فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله ط طاوس وغيره.
стр. 693
وقال ابن عباس: " هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يُكفِّر ويفعل ما حلف عليه ".
وقال الضحاك: " هو الرجل يُحَرِّمُ ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله أن يُكفِّر ويأتي الحلال ".
وقال السدي: " ﴿عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ألا تكلمه/ ولا تصله ".
وقال مالك: " بلغني أنه حيلف بالله في كل شيء.
قال ابن عباس: " معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ولكن كفِّروا إيمانكم واصنعوا الخير ".
وقوله: ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه.
ثم قال: ﴿وَتُصْلِحُواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين/ إذا عصياه، غضباً عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه.
وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: " هو الرجل يحلف على
стр. 694
شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفّر ".
وقالت عائشة رضي الله عن ها: " لا تحلفوا بالله وإن بررتم ".
وقال ابن جريح: " نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ولا يعطيه شيئاً ".
والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: " هذا الأمر عرضة لك " أي قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير.
وقال السدي: " نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات ".
وقال غيره: " نزلت بعد نزولها ".
قوله: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال ابن عباس: " هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: " لا والله، بل
стр. 695
والله ". وكذلك قالت عائشة رضي الله عن هـ.
وقال مجاهد: " هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو ".
وقال أبو هريرة: " لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو يقين منه، ثم يظهر له خلاف ظنه ". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين المعفو/ عنها. وروي مثله عن ابن عباس.
وروي عنه أيضاً أنه قال: " هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله/، وأعلمه أنه لا يؤخذه على ذلك ". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس.
стр. 696
وقال عطاء بن يسار: " هو الخطأ في اليمين ".
وقال الحسن وغيره: " هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر له خلاف ذلك، فلا كفاركة عليه ولا إثم "، وهو قول أبي هريرة المختار.
وقال طاوس: " هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم "، وذكر قول النبي [﵇]: " لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ ".
وقال: ابن جبير: " هو الرجل يحلف أن يعفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه ".
وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: " لا كفارة في معصية ". وكذلك قال ابن عباس.
وقال الشعبي: " كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها ".
стр. 697
وقال: [زيد بن] أسلم: " هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. فهو لغو ولا كفارة/ فيه ".
وقال: ابن زيد: " هو قول الرجل: " أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله إلاهاً إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه ".
وقال الضحاك: " اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر ".
وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن التكفير يسقط الإثم ".
وقال إبراهيم: " هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه لغو ".
стр. 698
واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه.
قال نفطويه: " اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي طرحته ". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما في عرض الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة.
والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضاً ما ليس بيمين نحو قول الرجل: " لا وحياتك " وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن المتقدمي الذكر.
وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الإيمان التي تكون لغواً. فأما ما كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله يؤخذ على ذلك بما شاء إن شاء.
стр. 699
وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة/ مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فيصام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون.
[كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم.
وقال قتادة: " المؤاخذة هنا في الإيمان الفاجرة إنما هي الزام الرجل الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه/ صادق، فهو لغو يمين ولا كفارة فيه، ولا إثم ".
وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم.
وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: " يؤخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه
стр. 700
الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إ ذ حلف وهو يعلم أنه كاذب ".
والأيمان/ عند أكثر الفقهاء ثلاثة:
- اللغو؛ وهو قوله: " لا والله وبلى والله فلا شيء فيها ".
- والثانية: العمد؛ وهو أن يحلف متعمداً ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن يفعله ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩].
- والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كذاب فلا كفارة فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
وقل زيد بن أسلم: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: " هو الشرك
стр. 701
بالله والكفر لا اليمين ". يريد قول الرجل: أنا كافر بالله إن فعلت وأنا مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم يعتقده بقلبه، فهو اللغو الذي قال فيه: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾.
ومن قال: " أقسمت ألا أفعل "، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه، وكل/ أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته.
وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: " عليه لكل آية كفارة "، وبه قال الحسن البصري.
وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: " لا كفارة فيه لعظمه، وجلالة قدره ".
والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جلّ ذكره وحلف به، فيه كفارة يمين عند مالك وغيره.
ومن قال: " حلفت " ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم يكن عليه شيء.
стр. 702
هذا قول مالك وغيره.
ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي وغيره: " لا شيء عليه ".
وروي عن عمر رضي الله عن هـ، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من التابعين.
وقال مالك: " يخرج ثلث ماله " وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد قبل: يعني بما جعل على نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: " يهدي بدنة ".
وقال/ جابر بن زيد: " إن كان ماله كثيراً نحو ألفين فعشرة، وإن كان وسطاً نحو ألف، فسبعة، وإن كان قليلاً نحو خمسمائة فخمسه.
ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند أبن المسيب والقاسم بن محمد.
стр. 703
وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة/ وغيرهم/ " عليه كفارة يمين ". وهو قول الشافعي.
وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: " يمشي كما حلف ".
وقال ابن شبرمة: " يحرم من يومه ".
وقال مالك رضي الله عن هـ: " إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه ".
ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن.
وقال عطاء: " يتصدق بشيء من حنث في العتق ".
وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: " يعتق من حلف إذا حنث ".
وقوله: ﴿والله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل
стр. 704
اعتقاد الأيمان/ الكاذبة فلا يعاجلهم بها.
وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ الآية.
الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. وكذلك روي عن علي رضي الله عن هـ، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف في غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح.
وقد ق ل مالك رضي الله عن هـ: " من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها فليس بمولي ".
وقال ابن مسعود: " يكون مولياً إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ ". وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول
стр. 705
مالك. كما أن سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب.
وروي عن ابن عباس أنه قال: " لا يكون مولياً حتى يحلف ألا يطأها أبداً ".
وقال مالك رضي الله عن هـ والشافعي: " إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ يطلق طلقة بائنة تملك بها نفسها، وله مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق ".
وقد قال جماعة: " إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها "، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما.
وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك والشافعي وغيرهما.
следующие страницы →