Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع.
﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم.
وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإِارة البعيد فقال: " وتلك " وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب الله قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحد منهم إلى على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
стр. 6617
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: " مُبلسون: متغير حالهم ".
وقال الزجاج: " الملبس: الساكن، الممسك إمساك يائس من فرجٍ ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم
стр. 6618
فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [الؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم)
стр. 6619
فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بالحق﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
ثم قال: ﴿أَمْ أبرموا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك
стр. 6620
يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون ".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمراً ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
стр. 6621
مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ ... ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى " أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماعالله كلام عبادة ".
قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
стр. 6622
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس / معناه: لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين " (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. ف " إن " معنى: (" ما " التي للنفي).
стр. 6623
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾، أي: أول من يعبد الله بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: " لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له ".
فجعل " إن " للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت " إن " بمعنى " ما " أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت " إن " للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد
стр. 6624
علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى " العابدين " الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيد مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السماوات والأرض﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
وقوله: ﴿رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون:
стр. 6625
﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم خوضهم في الباطل.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الحكيم العليم﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء وفي الأرض الله)، وهي
стр. 6626
مروية عن عمر وأُبي.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك وكله وفي تدبيره وبيده.
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لمن عبدهم، قال مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم
стр. 6627
يشفعون لمن أراد الله .
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولون خلقهم الله.
ثم قال: ﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون أتباع رضاه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب " وقيله " عطفه، عند الأخفش على " سرهم ونجواهم " (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
стр. 6628
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى " وعنده علم الساعة ") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول " يعلمون " المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول " يكتبون " المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ " الساعة "، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
стр. 6629
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن تدعوهم وننذرهم لا يؤمنون. وهذا قول كان يقول له النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو / قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في " وقيله " عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧]- الآية.
ثم قال تعالى: ﴿فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم
стр. 6630
وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله .
وقد نهى النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: " فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم ".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم إن تماديتم على كفركم.
стр. 6631
سورة الدخان
مكية
قال الحسن: "من قرأ سورة الدخان ليلة الجمعة غفر له".
ومن رواية ابن وهب أن النبي ﷺ قال: (من قرأ يس وحم الدخان في ليلة جمعة إيماناً واحتِسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
стр. 6632
وقال ﷺ : "مَنْ قَرَأَهُمَا فِي يَوْمٍ في أَولَ نَهَارهِ لَم يُدْرِكُهُ ذَنْب إِلاّ الشّرْكُ بالله سُبْحَانَهُ".
قال تعالى: ﴿حم* والكتاب المبين﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
وقوله: ﴿والكتاب المبين﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في وقوله: ﴿والكتاب المبين﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
стр. 6633
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و " لا " صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوارة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل الثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
стр. 6634
قال ابن عباس: أنزل الله القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قد تفرق فيها الأرزاق وتقضي الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحداً ولا يزاد فيهم أحد.
стр. 6635
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يجل بهم العذاب بكفرهم.
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى " يفرق ": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " (تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى "، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ
стр. 6636
النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ".
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
стр. 6637
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً / فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن " يفرق " يدل على " يؤمر " فانتصب " أمراً " على المصدر وعمل فيه المعنى.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول ل " مرسلين "، وجعل " الرحمة " هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه
стр. 6638
مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من " أمراً ".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. " وإنا أنزلناه جواب القسم.
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ وهو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
стр. 6639
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
ثم قال تعالى: ﴿فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: " فارتقب " محذوف، وهو النقكة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع " العذاب " مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
" وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: " اللَّهُمَّ سِنِينَ
стр. 6640
كَسِني يُوسُفَ ".
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمرو والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: " أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا
стр. 6641
قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ : ﴿ فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّهَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ ".
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
ثم قال: ﴿يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
ثم قال تعالى: ﴿أنى لَهُمُ الذكرى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم
стр. 6642
التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العذاب قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
стр. 6643
والعامل في " يوم نبطش ": " منتقمون ". /
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل: التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه " منتقمون ".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد " إنَّ " لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار " اذكر " أحسن الوجوه، وذلك أن الله جا ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في " يوم نبطش " فعلاً مضمراً يفسره " إنا منتقمون ".
ولا يحسن أن يعمل فيه " منتقمون "، لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل " اذكر " مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله بأعدائه يوم القيامة.
стр. 6644
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي " كريم عند ربه . وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
. ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أدوا إِلَيَّ عِبَادَ الله إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون " عباد ": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
стр. 6645
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليَّ عباد الله أي: خلوا
стр. 6646
سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله إني آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إني آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون﴾، أي: قال لهم موسى ": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
стр. 6647
وقال قتادة معناه: " أن ترجمون بالحجارة ".
وقال الفراء: " الرجم - هنا - القتل ". استجار بالله واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون﴾، أي: أذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هؤلاء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
قوله: ﴿أَنَّ هؤلاء﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما
стр. 6648
جئتهم به.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
ثم قال: ﴿واترك البحر رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه
стр. 6649
آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً " رهواً ": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى / هذا القول يكون في الكرم حذف.
والتقدير: فسرى موسى بعبادي
стр. 6650
ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل اتفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى ﵇ أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه اكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى
стр. 6651
كريم: حسن).
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن " فَكِهينَ " بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
стр. 6652
قال السدي: " لما قُتل الحسين بن علي ﵇ بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها ". وقال عطاء: " بكاؤها " حمرة أطرافها ".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً،
стр. 6653
أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ ".
ومن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عن هـ) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه
стр. 6654
وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ العزيز الرحيم﴾، أي: ولقد نجى الله بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك:
стр. 6655
من القتالين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيات مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله به.
следующие страницы →