← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

كريم: حسن). ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم. وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن " فَكِهينَ " بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف. وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.

стр. 6652

قال السدي: " لما قُتل الحسين بن علي ﵇ بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها ". وقال عطاء: " بكاؤها " حمرة أطرافها ". وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً،

стр. 6653

أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ ". ومن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عن هـ) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة. قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه

стр. 6654

وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله. وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ العزيز الرحيم﴾، أي: ولقد نجى الله بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم. ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان. قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك:

стр. 6655

من القتالين. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم. قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم. ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيات مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله به.

стр. 6656

وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً. روي أن الله أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا / فرقعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسلة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيهاغ. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت. ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد

стр. 6657

أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم. وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه. قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي:

стр. 6658

إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب. ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد ﵇ ومن آمنوا به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين. ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري. وقالت عائشة رضي الله عن ها: كان " تبع " رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه. قال كعب: كان " تبع " ملكاً من الملوك، وكان قومه كهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده. فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل

стр. 6659

قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله قومه ولم يذكره. قال أبو عبيدة: " تبع " اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه. وروي سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: " لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) " أَسْلَمَ ". وقوله: ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة

стр. 6660

بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم. وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به. ينبه جل ذكره وخلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثاً، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾، أي للحق والعدل. ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.

стр. 6661

وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على " تبع ". يقدر أن قوله: " والذين من قبلهم أهلكناهم " مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره " أهلكناهم " على أن يكون الذين عطف على " قوم " وَأَتَمُّ منه " مجرمين ". (ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم). ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. " يوم " بدل من " يوم " الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.

стр. 6662

﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم. قال قتادة: " انقطت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ / خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به ". والمولى والولي في اللغة: الناصر. وقول النبي ﷺ : " مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ " في تفسيره ثلاثة أقوال: - أحدهما: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه. - والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي. - والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن

стр. 6663

زيد قال لعلي: لبست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ : " من كنت مولاي فعلي مولاه ". ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم﴾ " من " عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله. وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقيل: " من " رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله (" فمن " على هذا القول بدل من " مولى " أي: لا يشفع إلا من رحم الله).

стр. 6664

وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على " ينصرون " إن جعلت " من " (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته. فإن جعلت " من " بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون. وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في

стр. 6665

الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشْفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ اَهْلِ الجنَّةِ ". وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله. ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد ودعا أًحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.

стр. 6666

وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد. والعجوة صنف من التمر طيب. ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر. فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.

стр. 6667

وقال ابن عباس: " لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم ". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل. قال: ﴿كالمهل يَغْلِي فِي البطون﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها. وقال ابن عباس: " كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت ". (وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا

стр. 6668

المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ " وقيل: " المهل " عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم. وقوله: ﴿كَغَلْيِ الحميم﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول. ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف. يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.

стр. 6669

وقوله: ﴿إلى سَوَآءِ الجحيم﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار. ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم. ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك. قال قتادة: " نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: " أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى " فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ أي: المدعي ذلك " ، وفيه نزلت: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] /، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩].

стр. 6670

فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول. وقوله " ذق " عند من كسر " إن " واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح " أن " فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم. وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته. " وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: " إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ

стр. 6671

﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلَ البِطْحَاءِ، وَإِنِّ لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله ". ثم قال: ﴿إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشْكُّونَ. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ [المائدة: ٢٧]. قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عن هـ: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.

стр. 6672

ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر ولده أن يعطيَه فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحد إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد. ووصف المقام " بأمين " لأنه يؤمن فيه. والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام). ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات. ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾. السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.

стр. 6673

وقوله: " متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً. ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء. وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: " أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون ". والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: " زوجناهم بعيسى عين "، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.

стр. 6674

ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى " أُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " والفصيح: ارجعن موزورات. ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يذحر في الدنيا. ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. ف " إلا " هاهنا قريبة المعنى من " بعد ".

стр. 6675

وقال بعض النحويين " إلا " هنا بمعنى " سوى " أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣]. وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى " سوى "، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة. فيحتمل معنى الآية إذا كانت " إلا " بمعنى " سوى " أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) / وهذا محال. وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ الموتة الأولى﴾ على الاستثناء المنقطع.

стр. 6676

ولذلك أجاز بعضهم الوقف على " الموت " (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن " إلا " بمعنى " بعد "، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك. (والأحسن أن يكون " إلا " بمعنى " غير "، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا). ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾، أي: نجاهم منه. ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر. وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾. (وقيل العامل: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).

стр. 6677

وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾. وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة. وقيل: سماه " تفضلاً " لأنه غفر لهم صغائرهم لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة. وقيل: إنما سماه " تفضلاً " لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: " مَا اَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ. قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ اَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ ".

стр. 6678

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون). ثم قال تعالى: ﴿فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.

стр. 6679

سورة الجاثية مكية قوله تعالى: ﴿حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في " حم ". والمعنى هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لأيات لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً. ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله في الأرض من دابة تدب عليها من غير

стр. 6680

جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله اخترع جميع ذلك. ثم قال تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقاً لأن عنه يتكون الرزق في الأرض. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها. ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّا ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق. ﴿ءايات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه. وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات﴾ النصب في " ءايات " حسن على معنى: وإن في

стр. 6681

خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم. ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه. أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾. والوجه الثاني: ترفع " الآيات " بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً. والوجه الثالث: أن ترفع على الابتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].

стр. 6682

وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ - إلى قوله - ﴿ءايات﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه. والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما " إن " وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ " في مع " الاختلاف " كما أعدت أولا " في " مع " خلقكم ". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه " إن " وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض " الاختلاف " وتنصب " الآيات ". ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه " في " وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت " في " لم يكن عطف

стр. 6683

على عاملين. ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين. وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف " واختلاف " على " خلقكم " وعطل " آيات " على موضع " آيات " الأولى. قال: / فقد صار العطف على عاملين إجماعاً. وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبر. وحكى الفراء رفع " الاختلاف " ورفع " الآيات ". جعل " الآيات " هو " الاختلاف ". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة. وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين،

стр. 6684

ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة. ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣].

стр. 6685

ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وءاياته يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون. ومن قرأ بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه تؤمنون أيها المشركون. ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟ روي أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ . فالمعنى: الواد سائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع

стр. 6686

لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره. فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة ". ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً﴾، أي: وإذا علم عذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزواً، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.

стр. 6687

ثم قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم. وجمع في قوله: ﴿أولئك﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم. ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً. ﴿وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً. ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب. ثم قال تعالى: ﴿هذا هُدًى والذين كَفَرُواْ بآيات رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز. قال المبرد: " الرجز: أغلظ العذاب وأشده ".

стр. 6688

قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره. ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا. وقرئت: " جميعاً منة "، أي من " عليكم بذلك منة).

стр. 6689

ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها وينطقون. و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد). ومن قرأ " منة " وقف على " جميعاً "، ثم ابتدأ " منة " إن في ذلك "، أي: من عليكم بذلك منة. ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى. والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فمن كفر به ونقمه منهم يغفروا. ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله في الآخرة هؤلاء /

стр. 6690

الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك. وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين. وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ في النظر والقياس.
следующие страницы →