← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

وقال المبرد: معناه / سلمنا سلاماً، فهو مصدر عنده. وأبو حاتم يرى أن " سلاماً " وقف كاف، قال سلاماً كاف أيضاً. قوله: ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ أي: قال لهم إبراهيم سلام عليكم. ومن قرأ سلام فمعناه قال لهم إبراهيم: أنتم سلام ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أي: ننكركم ولا نعرفكم. قال: ﴿فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ﴾ أي: عدل إليهم، ورجع في خفية. ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ جاء أضيافه بعجل مشوي سمين، وكان عامة مال إبراهيم ﷺ البقر. في هذا الكلام حذف، والتقدير: فقربه إليهم فأمسكوا عن الأكل، فقال: ألا تأكلون؟ ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر في نفسه منهم خوفاً حين امتنعوا من الأكل. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ﴾ أي: عليم إذا كبر.

стр. 7002

قال مجاهد: هو إسماعيل، وقال غيره هو إسحاق. ومذهب الطبري. وهو الصواب إن شاء الله أنها: سارة الحرة، وأم إسماعيل إنما كانت أمة اسمها هاجر. ويدل على أنه إسحاق قوله في موضع آخر ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فهذا نص ظاهر لا يحتاج إلى تأويل. ﴿فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ﴾. المعنى: فأقبلت امرأته سارة في صرة أي: في صيحة. ومعنى أقبلت: أخذت في فعل الأمر، وليس هو بإقبال / نقلة من مكان.

стр. 7003

وهو كقول القائل (أقبل فلان يشتمني، أي: أخذ في ذلك). وقال قتادة: في صرة: في رنة. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: في صرة: في صيحة. وقال بعضهم تلك الصيحة هو قوله: " فصكت وجهها ". قال ابن عباس: لطمته. وقال السدي: لما بشر جبريل ﵇ سارة بإسحاق ضربت وجهها تعجباً. وقال مجاهد: ضربت جبهتها تعجباً. وقال سفيان: وضعت يدها على جبهتها تعجباً. وقيل: إنما ضربت وجهها بأصابعها. ثم قال: ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي: أنا عجوز عقيم فكيف ألد، والعقيم

стр. 7004

التي لا تلد. ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: قالت لها الرسل هكذا قال ربك، أي: كما أخبرناك وقلنا لك. ﴿إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم﴾ أي: الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم، وبما كان وبما كائن. قال: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون﴾ أي: قال إبراهيم للرسل: ما شأنكم أيها الرسل وما نبأكم، قالوا: إنا أرسلنا ربنا إلى قوم مجرمين، أي: كافرين. ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ أي: من السماء نرسلها عليهم. ومعنى ﴿مِّن طِينٍ﴾ من أجر مسومة عند ربك: أي: معلمة. وقيل: معناه: مرسلة. من سومت الإبل: إذا أرسلتها. وقال ابن عباس مسومة: مختوم عليها، يكون الحجر أبيض عليه نقطة سوداء، ويكون أسود عليه نقطة بيضاء. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: للمعتدين حدود الله .

стр. 7005

وعن ابن عباس في " مسومة " أنها المعلمة بعلامة تعرف بها الملائكة أنها للمسرفين في المعاصي. وقيل: إنه كان مكتوب على كل حجر أسم من يهلك به. قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين (*) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ أي: من كان في قرية لوط وهي " سدوم " وهم لوط وابنتهاه، أنجاهم الله مع لوط. وجاز إضمار القرية ولم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم. وقيل الهاء في " فيها " للجماعة. ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا﴾ أي: في القرية ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ وهو بيت لوط. قال ابن زيد: ما كان مع لوط مؤمن واحد، وعرض عليهم أن ينكحوا بناته رجاء أن يكون له منهم عضد يعينه (ويدفع عنه)، ﴿قَالَ ياقوم هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يريد النكاح فأبوا عليه.

стр. 7006

قال قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم الله ليعلموا أن الإيمان عند الله محفوظ فلا ضيعة على أهله. أي: أبقينا في قرية لوط عبرة وعظة لمن خاف عذاب الله؛ لأنها انقلبت بأهلها، فصار أعلاها أسفلها، وأرسلت الحجارة على من غاب منهم عن القرية. والمعنى عند الفراء: وتركناها آية، " وفي " زائدة. قوله: ﴿وَفِي موسى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ﴾. أي: وفي موسى آية أيضاً إذ أرسلناه إلى فرعون بمصر. ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بحجة تبيّن لمن رآها حجة لموسى ﷺ على صحة ما يدعو إليه، فهو معطوف على " وفي الأرض " (ومثله " وفي ثمود " كله معطوف بعضه على بعض مع الاعتراضات بين المعطوف والمعطوف عليه، وكذلك " وقوم

стр. 7007

نوح " على قراءة من خفضه هو معطوف أيضاً على " وفي الأرض "). قال: ﴿فتولى بِرُكْنِهِ﴾ أي: فأدبر فرعون بجنوده وقومه عن الإيمان لما أتته الآيات البينات. قال مجاهد: بركنه: بجنده وبأصحابه. وقال قتادة: بركنه: بقوته. وقال ابن زيد: بركنه: بجموعه التي معه. وقرأ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٧٩] أي: لو أن لي قوة من الناس، أو آوي إلى ركن / أجاهدكم به. قال الفراء بركنه: بنفسه.

стр. 7008

وحقيقة بركنه في اللغة، بجانبه الذي يتقوى به. ثم قال: ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي: قال ذلك فرعون في موسى. قال أبو عبيدة: إن " أو " بمعنى الواو و " أو " على بابها عند البصريين، ومعناها أنهم قالوا: هو ساحر يسحر عيون الناس أو هو مجنون به جنة. قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ أي: أخذنا فرعون وجنوده بالغضب فألقيناهم في البحر فغرقناهم. وقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ معناه: وفرعون مسلم؛ أي: أتى ما يلام عليه. قال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح﴾ [أي: وفي عاد عبرة أيضاً وعناية لكم حين أرسلنا عليهم الريح] التي قد عقمت عن الخير، لا رحمة فيها ولا تلقح / نباتاً ولا تثير سحاباً.

стр. 7009

وروى ابن أبي الدنيا أن الريح كانت تمر بالمرأة في هودجها فتحملها [وبالقوم من عاد فتحملهم وبالإبل والغنم فتحملها]، وتمر بالعادي الواحد بين القوم فتحمله من بينهم والناس ينظرون، (ولا) تحمل إلا عادياً. قال ابن المسيب: هي الجنوب.

стр. 7010

وكان النبي ﷺ يقول: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. وقال علي بن أبي طالب: هي النكباء. وقال عبيد بن عمير: الريح العقيم تحت الأرض الرابعة، وإنما أرسل منها في بلاد عاد بقدر منخر الثور. وقوله: ﴿كالرميم﴾ معناه كالنبت إذا يبس ودرس، وأصل الرميم: العظم البالي المتقادم. وقال ابن عباس: كالرميم: كالشيء الهالك، وقال مجاهد: وقال قتادة:

стр. 7011

كالرميم رميم الشجر. قال: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ عبرة وعظة. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ﴾ إلى ثلاثة أيام. ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ﴾ وقيل معناه: تمتعوا إلى وقت فناء آجالكم. أي قال: ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي: تكبروا عن طاعة ربهم. قال مجاهد: عتوا: علوا. وقال ابن زيد العاتي: العاصي التارك لأمر الله. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة﴾ أي: صاعقة العذاب. ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي: فجأة، ومعنى ينظرون أي ينتظرون، لأنهم وعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام، وجعل لنزوله علامات. فظهرت العلامات في الثلاثة الأيام، فأصبحوا في اليوم الرابع موقنين بالعذاب ينتظرون حلوله. قال: ﴿فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ﴾ أي: فما استطاعوا من دافع لما نزل لهم من عذاب الله، ولا قدروا على نهوض به.

стр. 7012

ثم قال: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ أي: وما كانوا يقدرون على أن يستقيدوا ممن عاقبهم. قال قتادة: معناه: وما كانت لهم قوة يمتنعون بها من العقوبة. من نصب " قوماً " عطفه على الهاء، والميم في فأخذتهم الصاعقة أي: أخذتهم وأخذت قوم نوح. وقيل التقدير: وأهلكت قوم نوح. وقيل التقدير: وأذكر قوم نوح. وقيل هو معطوف على الهاء في قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ أي: أخذنا فرعون وجنوده وأخذنا قوم نوح؛ لأن الفريقين ماتوا بالغرق. ومن خفض عطفه على عاد، وفي عاد، وفي قوم نوح، والتقدير على

стр. 7013

الخفض: وفي قوم نوح أيضاً عبرة وعظة لكم إذا أهلكناهم من قبل ثمود لما كفروا وكذبوا نوحاً. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن الحق مخالفين لأمر الله، فكله معطوف على ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ﴾. قوله: ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾. نصب السماء على فعل مضمر تقديره: " وبنينا السماء بنيناها بأيد " أي: بقوة وقدرة، أي: والسماء رفعنا سقفها بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسفيان وغيرهم. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لذوو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه. أي: والأرض جعلناها فراشاً للخلق ومهاداً، فنعم الماهدون نحن لهم.

стр. 7014

قال: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ التقدير: ومن كل شيء خلقناه زوجين، أي: جنسين ذكراً وأنثى وحلواً وحامضاً، قاله ابن زيد والفراء. وقيل معناه: خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة، والهدى والضلالة والإيمان والكفر، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن. قاله مجاهد. وقال الحسن: هو مثل الشمس والقمر. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون فتعلمون أن القادر على ذلك مستوجب للعبادة / والطاعة. قال: ﴿ففروا إِلَى الله إِنِّي لَكُمْ﴾ أي: فاهربوا من عذاب الله إلى الله بالإعمال الصالحات. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقابه، وأبين لكم النذارة. (وقيل معناه: فروا إلى الله من أمر الله). س قال: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ أي: لا تعبدوا إلهاً آخر، إنما هو

стр. 7015

الله واحد، إني لكم منه نذير مبين كالأول. فالأول تخويف من الله لمن عصاه من الموحدين، والثاني تخويف لمن عبد معه غيره من المشركين، " وكذلك " تمام عند أبي حاتم وأحمد ابن موسى وعند غيرهما " مبين " الثاني، والكاف من " كذلك " إن وقفت عليها في موضع رفع، أي: الأمر / كذلك، ومن ابتدأ بها، فهي في موضع نصب. أي: فعل قريش مثل فعل من كان قبلهم في قولهم للرسول ساحر أو مجنون، والتقدير كما كذبت قريش محمداً كذلك كذبت الأمم من قبلها رسلهم، وكما قالت في محمد قريش، كذلك قالت الأمم (قبلها، كأنهم تواصوا على ذلك). أي: كما فعلت قريش بمحمد ﷺ وكذلك فعلت الأمم قبلها. قال: ﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ﴾ أي: أوصى بذلك بعضهم بعضاً.

стр. 7016

قال قتادة: معناه: كأن الأول أوصى الآخر بالتكذيب. ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لم يتواصوا بذلك لكنهم اتفقوا في الطغيان والعصيان فركبوا طريقة واحدة في التكذيب لرسلهم، والكفر بالله سبحانه. قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين حتى يأتيك أمر الله فيهم. ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: لا يلومك ربك على إعراضك عنهم. وقال ابن زيد: معناه: بلغت ما أرسلناك به فلست بملوم. قال قتادة: ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية اشتد على أصحاب النبي ﷺ ، وظنوا أن الوحي قد أنقطع، وأن العذاب قد حضر فأنزل الله بعد ذلك ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين﴾. وقال الضحاك: التوالي منسوخ؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم، والموعظة لهم، والمعنى وذكِّر يا محمد من أرسلت إليه، فإن العظة تنفع أهل الإيمان بالله. وقيل: المعنى: وذكَّرهم بالعقوبة والهلاك وبأيام الله. وليس قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ بوقف؛ لأنه لم يؤمر بالتولي فقط، بل أمر معه

стр. 7017

بالتذكير. والتمام ﴿تَنفَعُ المؤمنين﴾. يعني: من المؤمنين المتقدم ذكرهم، لم يخلق المؤمن من الجن والإنس إلا للعبادة. يعني: من علم منهم أنه يؤمن، فخلقه لما علم منه، وهو الإيمان. وقيل معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفوني، فكل الخلق مقر بالله عارف به كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥]. وقيل المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأستعبدهم واختبرهم، فقد استعبد الجميع وأمرهم ونهاهم، فكفر فريق، وآمن فريق على ما علم منهم قبل خلقه لهم. ويدل على أن الآية ليست على العموم كثرة من يموت قبل وجوب العبادة عليه، نحو الأطفال، وكثرة من يعيش معتوهاً لا تجب عليه عبادة، فدل ذلك على أن الآية خصوص فيمن علم منه العبادة والطاعة من الجن والإنس خلقه (له) ليعبده

стр. 7018

كما علم منه ذلك؛ فيجازيه على ذلك، لأن علمه بطاعتهم لا يجازون عليها حتى يخلقهم ويعملون، فخلقهم ليعملوا فتقع المجازات على ما ظهر من طاعتهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك، فإنما عني أنه خلق المؤمنين من الجن والإنس الذين تنفعهم الذكرى لعبادته فكانوا كذلك كما قال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقد قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ [الإنسان: ٥]. ثم قال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان: ٦] يعني الأبرار خاصة المذكورين ليس يريد كل عباد الله، فهذا مثل ذلك، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ في الآية. معناها: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي اختياراً. (وقيل معناه: ما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدون). وقال ابن عباس: إلا ليعبدون؛ أي: من خلقت منهم لعبادتي خصوصاً يعني المؤمنين منهم.

стр. 7019

وقال زيد بن أسلم: إلا ليعبدون: هو ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة. وقال سفيان، معناه: من خلق للعبادة منهم لم يخلق إلا لها. وقال ابن عباس: لم يخلق الفريقين إلا ليقروا بالعبادة طوعاً وكرهاً، فيكون عاماً وعلى الأقوال الأول يكون مخصوصاً. وقيل: المعنى ما خلقهم إلا ليأمرهم بالعبادة، فمن تقدم له منهم في علم الله الطاعة أطاع أمره، ومن تقدم له في علم الله المعصية عصى أمره. قال ابن عباس: معناه: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها. وقيل المعنى ما أريد أن يرزقوا أنفسهم، وما أريد

стр. 7020

أن يطعموا عبادي /. أي: إن الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم. ذو القوة المتين: أي: ذو القوة الشديدة. قال ابن عباس: المتين: الشديد. قال: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي: فإن للذين أشركوا بالله من قريش نصيباً من العذاب مثل نصيب أصحابهم من الأمم الماضية التي أشركت كما أشركوا، وكذبت كما كذبوا. وأصل الذَّنُوب: الدَّلْوُ العظيمة، وهي السجل كانوا يقتسمونها على الماء فيستسقى هذا حظه ونصيبه، وهذا حظه ونصيبه، فسمي الحظ والنصيب الذَّنُوب على الاستعارة. وقوله: ﴿فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [أي: فلا يستعجلوا] العذاب فإنه آتيهم كما أتى الأمم الماضية الكافرة مثلهم. وقال ابن جبير معناه: فإن للذين ظلموا من قريش سجلاً من العذاب مثل سجل أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلوا ذلك وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد.

стр. 7021

أي: فقبوح لهم من يومهم. وقيل المعنى: فالواد السائل في جهنم من قيح وصديد لهم في يوم القيامة.

стр. 7022

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة و الطور مكية سورة والطور مكية: قوله: (وَالطُّورِ) إلى قوله: (مِنْ دَافِعٍ) [١ - ٧]. هذه الأقسام أقسم الله بها أن عذابه لحال واقع لا بد منه. والتقدير: ورب الطور، ورب كتاب مسطور. فالطور جبل، قال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم فارتفعت وشمخت، إلا الطور فإنه تواضع وقال: أرضى بما قسم الله [لي]، فكان الأمر عليه.

стр. 7023

وقيل هو بمدين وهو طور سيناء. قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ رواه أحمد بن صالح عن نافع بالصاد، وأكثر الرواة عنه بالسين كالجماعة على خط المصحف، والسين هو الأصل، وإنما جاز فيها الصاد لأجل الطاء التي بعدها ليكون النطق (بمطبق مستقر قبل مطبق مجهور) والسين مهموسة وليست بمطبقة، فالفظ بها قيل: حرف مجهور فيه تكلف واختلاف في عمل اللسان، وإذا قرأت بالسين كان عمل اللسان في تسفل ثم يتصعد بعد ذلك، ففيه بعض المشقة ولهذا نظائر كثيرة قد مضت.

стр. 7024

ومعنى المسطور: المكتوب. وهو الصحيفة، قيل يعني به ما تكتب الحفظة وتستنسخ من أعمال بني آدم التي سبقت في علم الله قبل خلقه لهم. أي: يعمر بكثرة الدعاء والغشيان، روى أنه بيت في السماء بحيال الكعبة من الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبداً. وروي أنه كذلك في كل سماء بيت يقابل الذي تحته، وكلها تقابل الكعبة. وعن ابن عباس أنه كان يقول: إن لله في السماوات والأرضين خمسة عشر بيتاً، سبعة في الأرضين وسبعة في السماوات والكعبة محادية كلها. روي أن النبي ﷺ قال: " رفع لي البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟

стр. 7025

قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا ". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً. وعنه قال: هو في السماء السادسة. وعن ابن عباس أنه قال: هو بيت حذاء العرش. وقوله: ﴿والسقف المرفوع﴾ يعني به السماء. كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقوله: ﴿والبحر المسجور﴾. قال مجاهد: المسجور الموقد، ومثله ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أوقدت من شجرة التنور إذا أوقدت، وهو قول ابن زيد.

стр. 7026

وسأل علي بن أبي طالب رجلاً من اليهود فقال له: أين جهنم، فقال اليهودي: في البحر، فقال علي: ما أراه إلا صادقاً. وقال قتادة: المسجور: المملوء بالماء. وقيل معناه: المملوء بالنار. وقال ابن عباس: المسجور: الذي ذهب ماؤه، وسجره: ذهب مائه حين يفجر. وعن ابن عباس أيضاً المسجور: المحبوس. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ قال: هو بحر تحت العرش. أي: هو كائن ليس له راد يرده عن الكفار يوم القيامة، " وَإِنَّ " هي جواب القسم. قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً﴾ إلى قوله: (وَلَا تَأْثِيمٌ) الآيات [٩ - ٢١].

стр. 7027

معناه أن عذاب ربك يا محمد لحال بالكافرين في يوم تمور السماء موراً: أي: تدور وتتحرك. قال مجاهد: تمور مَوْراً: تدور دوراً. قال قتادة: مورها: تحركها. وقال الضحاك: مورها: استدارتها وتحركها لأمر الله موج بعضها في بعض. وقال ابن عباس: مورها: تشققها. وقيل: معنى تمور: تَتَكَّفأ كما تَتَكفَّأ السفينة حتى تذهب فلا تكون شيئاً،

стр. 7028

وتسير الجبال عن أماكنها كما تسير السحاب. وقيل: ﴿وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً﴾، أي: تسير عن أماكنها من الأرض، فتصير هباءً منبثاً. أي: فالواد السائل من قبح وصديد في جهنم لهم، ودخلت الفاء في " فويل " لجواب الجملة التي قبلها؛ لأن الجملة فيها إبهام، فشابهت الشرط فجوبت بالفاء كما يجاب الشرط. أي: في فتنة واختلاط في الدنيا غافلين لاهين عما هم صائرون إليه. أي: يدفعون ويرهقون إليها دفعاً. يقال هذه النار التي كنتم تكذبون

стр. 7029

وتجحدون، أي: تردونها وتصلونها. أي: يقال لهم يوم القيامة حين يعاينون العذتب، [أفسحر هذا الذي وردتموه أم أنتم لا تعاينونه وهذا الكلام معناه التوبيخ والتقريع]، وتحقيق العطف أن معناه: " بل أنتم " فهو خروج من أمر إلى أمر، أي: لا تبصرون الحق، وقد كانوا يبصرون، لكنه توبيخ لهم وتقريع وتوقيف على صحة ما كانوا يكذبوا به من النار، فهو من بصر القلب لا من بصر العين. قال: ﴿اصلوها فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذوقوا حر هذه النار فاصبروا على ألمها وشدتها أو لا تصبروا على ذلك، سواء عليكم أصبرتم أن جزعتم، لا بد لكم من الخلود فيها مجازاة لكم بأعمالكم في الدنيا وكفركم بالله سبحانه فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عنهم دليله قوله بعد ذلك: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: سواء عليكم الجزع والصبر. أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين ونعيم في الآخرة. وقال الحسن: ﴿المتقين﴾ هم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما أفترض عليهم.

стр. 7030

وقال ابن عباس: إنما سمي المتقون لأنهم ذكروا الله عند طاعته فأخذوا بها تقية له، وذكروه عند معصيته فتركوها تقية له. قال ميمون بن مهران: [لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه]. وقال الحسن: من اتقى الشرك فهو متق، ولو زاد الحسن في قوله " والكبائر " لكان قولاً مختاراً. وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه في مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراماً فيكون حجاباً بينه وبين

стр. 7031

الحرام، فأن الله قد بين للعباد ما هم صائرون إليه. وقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الخير أن تفعله. قوله ﴿فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. أي: عندهم فاكهة كثيرة. تقول العرب: هو رجل تامر ولابن: إذا كان عنده تمر كثير ولبن. وقيل معنى فاكهين: طيبي الأنفس، ضاحكين بما أعطاهم ربهم في الآخرة من النعيم وبما دفع عنهم من عذاب النار. قال: ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي: يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة هنيئاً، لا تخافون انتقالاً ولا موتاً ولا هرماً ولا مرضاً جزاء لهم بعملكم في الدنيا.

стр. 7032

﴿مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [أي]: على نمارق وعلى سرر جعلت صفوفاً. وترك ذكر " النمارق " لدلالة الكلام عليها /. ثم قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: جعلنا للذكور من هؤلاء، المتقين أزواجاً بحور عين قربناهم بهم. والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة. والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن سعة. قال الضحاك: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾، بيض حسان العيون /. والحَوَرُ في اللغة: البياض، ومنه قيل الحواري، وقيل: للقصار حوار، ولصفوة الأنبياء حواريون.

стр. 7033

﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾: تمام عند نافع. قال: ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾. قال ابن عباس: هو المؤمن (يرفع الله ذريته) لتقر بذلك عينه وإن كانوا دونه في العمل. وعن ابن عباس أنه قال: المؤمن تتبعه ذريته بإيمان يلحق الله به ذريته الصغار التي لم تبلغ الإيمان. وروى عبادة بن الصامت عن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده إن أطفال المسلمين ليقدسون حول العرش، ويسبحون، ويحمدون الله، وما من أحد أكرم على الله منهم، فإذا كان يوم القيامة يقول الله ﵎: ادخلوا الجنة

стр. 7034

فيقولون: ربَّنا وآباؤنا، فيقال لهم ويقولون ثلاث مرات: وآباؤنا فيقول الله في الثالثة: ادخلوا الجنة وآباؤكم معكم. قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي: ولم ينقص الآباء من عملهم شيئا. وقال الضحاك معناها: من أدرك ذريته الإيمان فعمل بطاعتي ألْحقتهم بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار أيضاً على ذلك. وقال ابن زيد بمثل هذا القول إلا أنه جعل الهاء، والميم في ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ من ذكر الذرية، فالمعنى عنده: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بالإيمان [ألحقنا بالذرية] أبناءهم الصغار الذين لم يلحقوا الإيمان ولم يبلغوا العمل. وقيل المعنى: إن الله ذكره ليضل (الذرية الجنة) بعمل الآباء إذا كانوا مؤمنين من غير أن ينقص الآباء من أجرهم شيئاً، قاله عامر وابن جبير.

стр. 7035

وقال النخعي: يعطي الله ذرية الرجل إذ اتبعوه على افيمان من الأجر مثل ما أعطاه الآباء من غير أن ينقص الآباء شيئاً من أجرهم. وقاله الربيع. وقال قتادة: عملت الذرية بطاعة الله، فألحقهم الله بآبائهم وما نقص الآباء من أجورهم شيئاً. ثم قال: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي: كل إنسان مرتهن بما عمل من خير وشر، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. أي: أمددنا هؤلاء الذين اتبعتهم ذريتهم بإيمان مع ذرياتهم بفاكهة وبلحم مما يشتهون من اللُّحمان. قال: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً﴾ أي: يتعاطون في الجنة كأس الشراب، ويتناولونه بينهم. لا لغو في الكأس: أي: لا يلغو من شربها كما تفعل خمر الدنيا. ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ أي: ولا يأثم من شربها كما يأثم من شرب خمر الدنيا. وقيل: التأثيم هنا: الكذب، واللغو: الباطل.

стр. 7036

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: " يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. ثم قال: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) [٢٤] أي: قال بعضهم

стр. 7037

لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ : " " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ". قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ وهو الظل ذو ثلاث / شعب.

стр. 7038

قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ / نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ البر﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما

стр. 7039

هو كأحدهم، فأنزل الله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر " منون " لأنه مضعف من قوله " حبل منين " إذا كان بالياً ضعيفاً. أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بهاذآ﴾ أي: أن تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم

стр. 7040

ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و " أَمْ " في هذا كله بمعنى " بل ". ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. " أم " في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا ياتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون.
следующие страницы →