← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

ثم قال: ﴿أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسول ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان). و" في " بمعنى " اللام " والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه. . وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بم الخطاب رضي الله عن هـ قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله في هذه الآية. ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين

стр. 7282

يجعلها الله في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوفقهم. ثم وعدهم بالجنة. فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عن هـ بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة. ثم قال: ﴿أولئك حِزْبُ الله﴾ أي: جنده وأولياؤه. ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.

стр. 7283

سورة الحشر مدنية قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: (شَدِيدُ الْعِقَابِ) الآيات [١ - ٧]. أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه. ثم قال: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول

стр. 7284

الحشر / [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروي الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر. قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر. وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.

стр. 7285

ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم / لشدتهم واجتماع كلمتهم. ﴿وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمروهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ [الحشر: ١١] الآية. وقوله: ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عن هـ. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة. ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي ﵇ وأصحابه.

стр. 7286

وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " نصرت بالرعب على مسيرة شهر ". ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه. وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه،

стр. 7287

المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا. ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد فمعناه: يهدمونها أياً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك. وقيل: إنهم / لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.

стр. 7288

قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد. قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل. ثم قال ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود. وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن. والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد. ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ أي: لولا أن الله ( قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار. قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.

стр. 7289

والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا. وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي ﵇ قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.

стр. 7290

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله ، وأمر رسوله ﷺ ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، " فذلك " على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر. ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة. قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾. أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة

стр. 7291

جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قوله ابن عباس وابن جبير والزهري. وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان. وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.

стр. 7292

وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل. وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل. وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي. وروي: " أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ " الآية ". وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [ أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن

стр. 7293

بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون. والياء في " لينة " منقلبة عن واو / لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة. ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير. قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. / (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم

стр. 7294

صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره. قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم أنه نصرهم وكفاهم. قال ابن عباس: " أمر الله رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك

стр. 7295

وقرى ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (النفقة ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا نورث " ما تركنا صدقة ". ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ ، فأنزل الله ﴿ مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾.

стр. 7296

ثم قال: ﴿ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى. ثم قال: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضري وغيرهم. قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾. أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية. وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به

стр. 7297

النبي صلى الله يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول. وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي ﵇ خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر. ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله . ثم قال: ﴿واتقوا الله﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.

стр. 7298

قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾. أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش. قال مجاهد: / جعل / الله ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله ورسوله ﷺ . ﴿ أولئك هُمُ الصادقون﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم. قال: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها. ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً

стр. 7299

مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء. روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون / الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.

стр. 7300

وقال ابن زيد: " لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله ، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية. وقال رسول الله ﷺ : إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ : أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله ". قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة. روى أبو هريرة: " أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما

стр. 7301

يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا ﵀، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ". ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾. أي: ومن وقاه الله شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة. والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال. وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.

стр. 7302

وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة ". قال: ﴿والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾. أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم. ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار. قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ. . .﴾ الآية. ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.

стр. 7303

وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار. قال ابن أبي ليلى كان الناس / على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم). ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾. يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما

стр. 7304

حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك. قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم / حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين. ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم. وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾، هم بنو قريظة. وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنفقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين. وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله

стр. 7305

شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط. قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ الله﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله . ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله ، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد. قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾. أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.

стр. 7306

﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾. يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببعض بعضهم لبعض). ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر. وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق. وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود. وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب. قال: ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 7307

أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، " فالكاف " في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، " وقريباً " نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ والمعنى: أن الله أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنفقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر. وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير. ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله على كفرهم به، " والوبال ": ثقل المكروه، ومنه: " طعام وبيل ": أي: ثقيل وخم.

стр. 7308

ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنفقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله وخادعه سبحانه. قوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾. قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه. روي عن علي رضي الله عن هـ أنه قال: " إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة،

стр. 7309

فسجد [له]، فلما سجد له / قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. / وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امراة ترعى غنماً، كان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخواتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن

стр. 7310

ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وقول الشيطان: ﴿إني أَخَافُ الله (رَبَّ العالمين)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له. وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليهم، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.

стр. 7311

فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل. وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.

стр. 7312

قال تعالى /: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء. قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة. وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة. ثم قال: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد. قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده. ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم / من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون " أنفسهم "

стр. 7313

على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به. ثم قال ﴿أولئك هُمُ الفاسقون﴾ أي الخارجون عن طاعة الله . قال ﴿لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم. ﴿أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون﴾ أي الناجون مما حذروا. ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم. ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم. والنصب في " خالدين " والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف. ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين. وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله " عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ " فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز. /

стр. 7314

قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله﴾. أي: لو أنزل الله هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من الآ يؤدي حق الله المفترض عليه، وقد ا، زل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه. قال / قتادة: فعذر الله الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه. وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع. ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفركون فيها فيعتبروا ويزدجروا. قال: ﴿هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ أي: (الذي يتصدع

стр. 7315

الحبل له ويذل من خشيته) وهو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم. قال: ﴿هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره. ﴿الملك القدوس﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك. وقيل: ﴿القدوس﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر). والأرض المقدسة: المطهرة. وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط. وقوله: ﴿السلام﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.

стр. 7316

وقوله: ﴿المؤمن﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره. وقيل: معناه: اليذ يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس. وقوله: ﴿المهيمن﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد. وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ. وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء. وقله: ﴿العزيز الجبار﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من " أجبر "، وهذا قول مردود، لأن " فعالاً " لا يكون من " أفعل " ولكنه من " جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم ". وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.

стр. 7317

وقيل: هو من من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد. وقوله: ﴿المتكبر﴾ معناه العلي فوق خلقه. وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء. وقوله: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً / له، وبراءة مما يقول المشركون. قال: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿المصور﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء. وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك. ثم قال: ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها. ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق. ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.

стр. 7318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الممتحنة مدنية ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية. أي: يأيها الذين صدقوا محمداً وما جاء به لا توالوا المشركين ولا تناصحوهم ولا تودوهم، يعني أهل مكة (وهم من) كفروا بما جاءكم من الحق، يعني القرآن. ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني: من مكة من أجل إن آمنتم بالله ربكم. ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم على صحة ويقين اعتقاد أنكم خرجتم جهاداً مجاهدين في الله ، وابتغاء مرضاته سبحانه فلا تودوا المشركين وتناصحوهم وتسرون إليهم بالمودة. ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أي: بسركم وعلانيتكم في مناصحتكم

стр. 7319

وصحبتكم لهم وغير ذلك. ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ أي: ومن يودهم وينصحهم فقد جار عن قصد الطريق المستقيم. والباء في " بِالمَوَدَّةِ " زائدة عند الفراء، وهي متعلقة بالمصدر عند البصريين. ويروى أن هذه الآية [نزلت] في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان قد كتب إلى مشركي مكة يطلعهم على أمر النبي ﷺ وخروجه إليهم. قال علي رضي الله عن هـ: " بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال فانطلقنا نتعادى

стр. 7320

حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، قالت ما معي كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، وقال علي لها: والله ما كذب رسول الله ﷺ قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت أمراً ملحقاً إلى قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم، فأحببتُ إِذا فاتني ذلك النسب أن أتخذ عندهم يداً يحمونني بها في قرابتي ولم أرد ارتداداً عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ أما أنه قد صدقكم، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: أما أنه شهد بدراً، فقال اعملُوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال سفيان: فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله:
следующие страницы →