← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

وقوله: ﴿المؤمن﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره. وقيل: معناه: اليذ يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس. وقوله: ﴿المهيمن﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد. وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ. وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء. وقله: ﴿العزيز الجبار﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من " أجبر "، وهذا قول مردود، لأن " فعالاً " لا يكون من " أفعل " ولكنه من " جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم ". وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.

стр. 7317

وقيل: هو من من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد. وقوله: ﴿المتكبر﴾ معناه العلي فوق خلقه. وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء. وقوله: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً / له، وبراءة مما يقول المشركون. قال: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿المصور﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء. وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك. ثم قال: ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها. ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق. ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.

стр. 7318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الممتحنة مدنية ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية. أي: يأيها الذين صدقوا محمداً وما جاء به لا توالوا المشركين ولا تناصحوهم ولا تودوهم، يعني أهل مكة (وهم من) كفروا بما جاءكم من الحق، يعني القرآن. ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني: من مكة من أجل إن آمنتم بالله ربكم. ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم على صحة ويقين اعتقاد أنكم خرجتم جهاداً مجاهدين في الله ، وابتغاء مرضاته سبحانه فلا تودوا المشركين وتناصحوهم وتسرون إليهم بالمودة. ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أي: بسركم وعلانيتكم في مناصحتكم

стр. 7319

وصحبتكم لهم وغير ذلك. ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ أي: ومن يودهم وينصحهم فقد جار عن قصد الطريق المستقيم. والباء في " بِالمَوَدَّةِ " زائدة عند الفراء، وهي متعلقة بالمصدر عند البصريين. ويروى أن هذه الآية [نزلت] في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان قد كتب إلى مشركي مكة يطلعهم على أمر النبي ﷺ وخروجه إليهم. قال علي رضي الله عن هـ: " بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال فانطلقنا نتعادى

стр. 7320

حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، قالت ما معي كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، وقال علي لها: والله ما كذب رسول الله ﷺ قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت أمراً ملحقاً إلى قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم، فأحببتُ إِذا فاتني ذلك النسب أن أتخذ عندهم يداً يحمونني بها في قرابتي ولم أرد ارتداداً عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ أما أنه قد صدقكم، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: أما أنه شهد بدراً، فقال اعملُوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال سفيان: فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله:

стр. 7321

﴿سَوَآءَ السبيل﴾ ". ومعنى: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي: في المستقبل، وقد ذكر معنى هذا الحديث عروة بن الزبير وابن عباس وقتادة ومجاهد (أن مجاهداً قال: نزلت) في ابن بلتعة وقوم معه كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم. ويروى: أنه كان في كتابه / إلى أهل مكة أن [رسول الله ﷺ يريد غزوكم مثل الليل والسيل وأقسم بالله] لو غزاكم وحده لنصره الله عليكم فكيف وهو في جمع كثير. ويروى: " أنه خاطب أهل مكة يخبرهم بقصد النبي ﷺ إليهم فقال له النبي ﷺ ما حملك على هذا، فقال: والله يا رسول الله ما نافقت منذ أسلمت، ولكن لي بمكة أهل مستضعفون ليس لهم من يعرفهم ويذب عنهم، فكتبت كتابي هذا أتقرب به من قلوبهم وأنا أعلم أنه لا ينفعهم وأن الله بالغ أمره، فعذره النبي ﷺ وصدقه،

стр. 7322

وأراد عمر ضرب عنقه فقال له النبي ﷺ ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". قال أبو حاتم: ليس من أولها وقف تام إلى ﴿وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾. وقال محمد بن عيسى: ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ وقف، وقال غيره: إن جعلت ﴿تُلْقُونَ﴾ نعتاً " لأولياء " لم تقف على " أولياء " وإن جعلته مبتدأ وقفت على " أولياء ". وقال القتبي: ﴿بالمودة﴾: التمام. [قال يعقوب]: و ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ وقف كاف. وقال أبو حاتم: هو وقف بيان. قال القتبي: هو تمام، ولا يصح هذا لأن " وَإِنْ تُؤْمِنُوا " معمولة

стр. 7323

" ليخرجون ". ثم قال: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً﴾ أي: أن يصادفكم هؤلاء الذين تودون إليهم بالمودة / يكونوا لكم حرباً، ويبسطوا إليكم أيديهم بالقتل وألسنتهم بالشتم، وودوا لو تكفرون فتصيرون مثلهم. قال: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ أي: لن تنفعكم عند الله يوم القيامة أقرباؤكم ولا أولادكم الذين من أجلهم ناصحتم المشركين، وكتبتم إليهم بالمودة فيكون العامل في الظرف: ينفعكم. وقيل: / العامل فيه " يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ " ومعنى يفصل بينكم؛ أي: يدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار. ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: ذو علم وبصر بجميع أعمالكم، وهو مجازيكم عليه فاتقوا الله في أنفسكم. ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ﴾ الآية. أي: قد كانت لكم أيُّها المؤمنون قدوة حسنة تقتدون بها في إبراهيم صلى الله عليه وسلم

стр. 7324

خليل الرحمن والذين معه. قال ابن زيد هم الأنبياء إذ قالوا لقومهم يعني الكفار: ﴿إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ﴾ أي: متبرئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام. ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء أَبَداً﴾ أي: وظهرت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء على كفركم أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده فتفرده بالعبادة. ثم قال: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ﴾ أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في هؤلاء المذكورين إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فإنه لا أسوة لكم في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدو الله، وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن، فكان إبراهيم يدعو له ويقول: اللهم اهد أبي، فلما مات على الكفر تبرأ منه وهو قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وكذلك أنتم أيُّها المؤمنون يجب لكم أن تتبرءوا من أعداء الله المشركين به ولا تتخذوهم أولياء حتى يؤمنوا. قال مجاهد: نُهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا لآبائهم المشركين، وهو معنى قول قتادة ومعمر وابن زيد.

стр. 7325

وقوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ استثناء ليس من الأول. ثم قال: ﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ [أي: ما أدفع عنك عقوبة الله لك على كفرك، ثم قال:] ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾. أي: عليك توكلنا في جميع أمورنا، وإليك رجعنا وتبنا مما تكره إلى ما تحب وترضى. ﴿وَإِلَيْكَ المصير﴾ أي: مصيرنا يوم القيامة. قال: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هذا كله حكاية عن قول إبراهيم ﵇، أي: لا تعذبنا بأيدي الكافرين، ولا بعذاب من عندك فيفتتن الكفار ويقولون: لو كانوا على حق ما أصابهم هذا. قال قتادة: معناه لا تظهر الكفار علينا فيفتتنوا بذلك. وقال ابن عباس: معناه: لا تسلطهم علينا فيفتتنوا. ﴿واغفر لَنَا رَبَّنَآ﴾ أي: أستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها. ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ أي: أنت الشديد الانتقام من أعدائك، الحكيم في تدبيرك خلقك.

стр. 7326

ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة. ثم قال تعالى: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ أي: القدوة بإبراهيم ومن معه إنما هي لمن آمن بالله ورجا ثوابه، وخاف عقابه، وآمن باليوم الآخر فهو بدل بإعادة الجار. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ أي: ومن يتول عن الاقتادء بإبراهيم والأنبياء معه (صلى الله عليهم وسلم) فيخالف سيرتهم وفعلهم فإن الله هو الغني عن اقتدائه بهم، الحميد عند أهل المعرفة به. قال: ﴿عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾. [أي]: عسى الله أن يوفق من عاديتم فيه عن المشركين إلى الإيمان فتعود العداوة (مودة) ففعل ذلك سبحانه. و ﴿عَسَى﴾ من الله: واجبة، فأسلم كثير منهم، وصاروا إخواناً لمن كان يعاديهم، وكانت المودة بعد الفتح وقبله. (وروي: أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في أبي سفيان، جعل بينه وبين أبي سفيان مودة بأن تزوج ابنته أم حبيبة، بعد العداوة التي كانت بينهما وقبله). قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح، تزوج النبي ﷺ أم حبيبة. / ﴿والله قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على ما يشاء.

стр. 7327

﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو ستر على ذنوب من أناب وآمن وذو رحمة بهم أن يعذبهم على ذنوبهم بعد أيمانهم وتوبتهم منها. قال: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ / الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ. . .﴾ الآية. قيل: أن هذه الآية إنما هي في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، سمح الله للمؤمنين بالمدينة أن يبروهم ويحسنوا إليهم، فهي مخصوصة محكمة قاله مجاهد. وقيل هي منسوخة بآية السيف، قاله قتادة وابن زيد. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء بينهم وبين النبي ﷺ عهد من المشركين لم ينقضوه، وهم خزاعة، قاله أبو صالح. وقال الحسن: خزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف، فسمح لهم أن يبروهم ويحسنوا إليهم، ويفوا لهم بالعهد. وقيل: الآية عامة محكمة في كل من بينك وبينه قرابة، جائز بره والإحسان إليه إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين وإن كان مشركاً، ولا يجب قتال من لم يقاتلك

стр. 7328

من الكفار حتى تدعوه إلى الإسلام فإن أبى فاقتله. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين قَاتَلُوكُمْ فِي الدين﴾ الآية: إنما ينهاكم الله عن مودة من قاتلكم في الدين، وأخرجك من بيته في الدين، يعني بذلك كفار أهل مكة، قال مجاهد. قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ﴾ (من دار الحرب) ﴿فامتحنوهن الله﴾. أي: إذا جاءكم النساء مهاجرات من دار الحرب فامتحنوهن، وكانت محنة النبي ﷺ لهن أن يحلفن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس الدنيا، وبالله ما خرجت (إلا حباً لله ولرسوله). / وعن عائشة رضي الله عن ها " أن النبي ﷺ إنما كان يمتحنهن بآخر السورة. قوله: ﴿على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿مَعْرُوفٍ﴾ ".

стр. 7329

قالت: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وإذا لقررن بذلك قال لهن النبي ﷺ إنطلقن فقد بايعتكن، قالت ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت فما أخذ رسول الله ﷺ على النساء إلا ما أمره الله به. وعن ابن عباس: أن المحنة كانت أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً (رسول الله). وقال مجاهد: ﴿فامتحنوهن﴾: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن [أو سخط أو غيره، ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن]. قال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن إلا حب الإسلام (وأهله والحرص عليه)، فإن أقررن بذلك قبِل منهن.

стр. 7330

وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك، فذلك المحنة. وروى ابن وهب عن رجاله أن قوله: " إِذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُهُنَّ ". نزلت في امرأة حسان بن الدحداحة وهي أميمة بنت بشر امرأة من بني عمور ابن عوف، وأن سهل بن حنيف تزوجها حين فرت إلى رسول الله ﷺ فولدت له عبد الله بن سهل، وأن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ نزل في امرأة لعمر بن الخطاب تركها بمكة كافرة ولم يطلقها حتى نزلت هذه الآية فطلقها عمر فخلف عليها معاوية. وقوله: ﴿الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ أي: أعلم بمن جاء للإيمان ممن جاء لغير ذلك. ثم قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار﴾ أي: إن أقررن بالمحنة بما عقد عليه الإيمان فلا تردوهن إلى الكفار /، وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان بينهم وبين مشركي مكة إذ صد النبي ﷺ عن البيت في صلح الحديبية أن يرد

стр. 7331

المسلمون إلى المشركين من جاء منهم إلى المسلمين مسلماً، فأبطل الله ذلك الشرط في النساء غذا جئن مؤمنات ونسخه، وأمرهم ألا يردوا من جاء من النساء مؤمنة، وهذا من نسخ القرآن للسنة. وقوله: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا تحل المسلمة للكافر ولا الكافر للمسلمة. ثم قال: ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ [أي وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات ما أنفقوا] على النساء في الصداق، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. ثم قال: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: لا حرج عليكم أيُّها المؤمنون أن تنكحوا من جاءكم من المؤمنات المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن. وكان الزهري: يقول إنما أمر الله جل ذكره بِرد صدقاتهن إليهن إذا (حبسن عنهم) إذا هم ردوا على المسلمين من حبس عنهم من / نسائهم. وقال الشافعي: ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ منسوخ، واحتج من قال بهذا القول أن النبي ﷺ لما أمر أن (ترد عليهم) صدقات النساء المهاجرات إليه، المؤمنات قد

стр. 7332

شرط لهم رد النساء على كا حال، فأمر الله ألا يردهن إليهم غذا أتين مؤمنات، وجعل رد الصداق عوضاً من ردهن [ليتم] العهد الذي بينه وبين قريش، فإذا لم يكن عهد مثل ذلك في الرد وأتت امرأة من عند المعاهدين مؤمنة / لم يلزم أن يرد عليهم صداقها، فإن كان العهد مثل عهد النبي ﷺ لقريش، لم يلزم أيضاً أن يرد عليهم صداقها، لأن الشرط في النساء قد أبطله الله، فهو منسوخ باطل ولا عوض للباطل، مع أنه لا يجوز أن يشترط / إمام في العهد رد النساء بحكم الله، وإذا لم يشترط ذلك فلم يلزم رد الصداق، لأن الصداق إنما كان عوضاً عن شرط قد وقع، ثم نزل القرآن بعده فنسخه، فإذا لم يجز عقد ذلك الشرط لم يجز العوض منه، فهو كله منسوخ بحكم الله في منع رد النساء المؤمنات إليهم. ومذهب مالك أن الصلح على رد الرجال إليهم جائز. ومذهب الكوفيين أنه منسوخ ولا يجوز. ثم قال: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ أي: لا تمسكوا بعقد نكاح الكوافر من غير أهل الكتاب، فهي مخصوصة. وقيل هو عام نسخ منه أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥].

стр. 7333

ولما نزلت هذه الآية طلق المؤمنون كل امرأة مشركة لهم في مكة، منهم عمر وغيره. ثم قال: ﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ هذا خطاب للمؤمنين الذين ذهب نساؤهم إلى المشركين (فأمرهم الله أن يطلبوا صدقات نسائهم من المشركين ويدفعوا إلى المشركين صدقات من جاء من النساء مؤمنات، يعني من تزوج منهن في مكة أو في المدينة، فإذا تزوجت المهاجرة من عند المشركين بالمدينة وجب على زوجها [أن يرد الصداق على زوجها] الذي كان لها بمكة، وإذا تزوجت المرأة التي تخرج إلى المشركين بمكة وجب أن يطلب زوجها المؤمن صداقها الذي دفع إليها من المشركين. قال ابن شهاب: أقر المؤمنون بحكم الله ، فأدوا صدقات من تزوجوا ممن جاءهم من النساء مهاجرات مؤمنات، وابى المشركون أن يقروا بحكم الله سبحانه من أداء صدقات من تزوجوا من النساء اللواتي فررن إليهم من عند المسلمين، هذا معنى قوله. وهذا حكم أطله الله المؤمنين / عليه ولم يأمر به الكفار لأنهم لا يأتمرون

стр. 7334

(بهذا وهو مثل قوله: ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥] فهو حكم أطلع الله المؤمنين عليه) وإن كان الذين أوتوا الكتاب لا يأتمرون بذلك ولا يحلون لأنفسهم طعام المؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: هذا الذي حكمته بينكم هو حكم الله فيكم وفيهم، فاتبع المؤمنون الحكم وامتنع منه المشركون، وطالبوا النبي وأصحابه برد النساء على ما عقد عليه العهد فلما امتنع المشركون من رد صدقات نساء المؤمنين أنزل الله جل ذكره. ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكفار فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾. هذا قول الزهري، فأمرهم الله إذا غنموا من المشركين غنيمة، وصارت لهم على المشركين عقبى خير، أن يدفعوا إلى من ذهبت امرأته إلى المشركين صداقه الذي كان دفع إليها من الغنيمة إذ امتنع المشركون من رد الصداق. وقال مجاهد وقتادة: هذا إنما هو فيمن فر من نساء المؤمنين إلى الكفار الذين

стр. 7335

ليس بينهم وبين المؤمنين عهد ولا صلح. ومعنى: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي: فأصبتم عقبى خير من غنيمة. وقال الأعمش: هي منسوخة. وقيل: معناه: أن الله أمر المؤمنين أن يعطوا لمن ذهبت زوجته إلى المشركين من صدقات المهاجرات إليهم من عند المشركين، فإن بقي في أيدي المؤمنين فضل من الصدقات ردوه إلى المشركين، هذا كله معنى قول الزهري. وقال غيره: إنما أمروا أن يدفعوا إلى من ذهبت زوجته إلى المشركين من غنيمة وفيء إذا افتتح عليهم به، وهو قول (مجاهد وقتادة). وأكثر العلماء / على أن هذا الحكم منسوخ، لأنه إنما كان مخصوصاً في ذلك العهد بعينه. قال الزهري: انقطع هذا يوم الفتح. وقال قتادة: نسخ الله هذا في سورة براءة. / وقال الثوري: لا يعمل به اليوم.

стр. 7336

وعن عائشة رضي الله عن ها: أن هذه الآية ﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ لما نزلت كتب المسلمون إلى المشركين أن الله قد حكم بكذا وكذا ونصوا الآية، فكتب إليهم المشركون: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئاً، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به، فأنزل الله: " وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ. . . الآية. قال: ﴿يا أيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ﴾ الآية. أمر الله نبيه ﵇ أن يقبل من جاءه من المهاجرات من عند المشركين إذا أقررن بأنهن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين. وقوله: ﴿وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ معنى: بين أيديهن: ما كان من قبله حرام أو حبسة أو أكل حرام. ومعنى: بين أرجلهن: الجماع ونحوه من حرام. وقيل: بين أيديهن: يعني ألسنتهن وأرجلهن: فروجهن. وقيل معناه: ولا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهم. ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: يطعنك فيما تأمرهن به.

стр. 7337

وقيل هو ألا ينُحْن، قاله ابن عباس، وقال أنس بن مالك. وقال زيد / بن أسلم: هو ألا يخمشن وجهاً، ولا يشققن جيباً، ولا يدعون ويلا، ولا ينشدن شعراً. قال قتادة: ذكر لنا " أن النبي ﷺ أخذ عليهن النياحة وأَلاَّ يحدثن الرجال إلا رجال ذَوُو محرم منهن ". وروى ابن المنكدر: " أن نساء جئن إلى النبي ﷺ يبايعنه فقال في ما استطعتن وأطقتن، فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا ". وهذه الشروط كلها ليست على الإلزام، إنما هي على الندب، لأن الإجماع على أنه ليس على الإمام أن يشترط هذا على من أتته مؤمنة، فدل هذا على أنه على الندب، وقد قيل أنه منسوخ بالإجماع.

стр. 7338

وقوله: ﴿واستغفر لَهُنَّ الله﴾ أي: سل الله لهن المغفرة. / ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو ستر على ذنوب من أمن وتاب من ذنوبه وذو رحمة به أن يعذبه بعد توبته. قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا توالوا اليهود ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة﴾ قد تركوا العمل لها وآثروا الدنيا. وقيل: معناه: قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم أن يرجعوا إليهم قاله ابن عباس والحسن. (وقيل: معناه: كما يئس الكفار من الموتى من الآخرة، لذلك يئس هؤلاء اليهود من الآخرة). وقال قتادة: معناه: قد يئس اليهود أن يبعثوا كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات. وقيل: المعنى: قد يئس اليهود أن يرحمهم الله حين رأوا النار، وظهر لهم عملهم كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات.

стр. 7339

وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين ماتوا أن يرحمهم الله حين عاينوا ما عملوا، فكذلك يئس هؤلاء اليهود من رحمة الله سبحانه في القيامة، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد وعكرمة. وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. " فمن " على الأقوال للتعدية، وعلى هذه الأقوال لإبانة الجنس.

стр. 7340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الصف مدنية سورة الصف مدنية عند قتادة عند ابن عباس قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الآيات [١ - ١٢]. معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه. هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد

стр. 7341

تولوا عن النبي صلى الله عيله وسلم حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله على ذلك بهذه الآية. قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ " أَنْ " في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. فالمعنى: لِمَ تقولون / قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم / ما لا تفعلون. وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 7342

وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله وأفضل، فنزلت: [﴿يا أيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾. وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله لعملناها حتى نموت، فأنزل الله فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت فقُتِل شهيداً ﵀.

стр. 7343

وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان. قال: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ المحبة من الله قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية / قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه. وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص. قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.

стр. 7344

قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا. وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ﴾. واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم. ﴿فَلَمَّا زاغوا﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب. وقال أبو أمامة: هم الخوارج. وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية. ثم قال: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم﴾.

стр. 7345

أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد. ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ " ساحر " فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين. قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله الكذب﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام. ثم قال: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى. قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون بمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر. /

стр. 7346

ثم قال: ﴿والله مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته. قال: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله يعني به الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى / ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام. روي عن أبي هريرة رضي الله عن هـ أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ . وعن عائشة رضي الله عن ها أنها قالت: " قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل

стр. 7347

﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم ". أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم. ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية. ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ / خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها. قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم " يغفر " لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.

стр. 7348

وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر. وقال الفراء: / ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: " هَلْ أَدُلُّكُمْ " وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل. وقد قال علي بن سليمان: " تؤمنون " عطف بيان على " تجارة ". وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون " يغفر " جوابا بالاستفهام (كأنه قال: " بدل تؤمنون "). وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً. ﴿ذَلِكَ الفوز العظيم﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره. قوله: ﴿وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ إلى اخر السورة الايات

стр. 7349

[١٣ - ١٤]، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح لكم قريب، " فأحرى " في موضع خفض عطفاً على " تجارة " عند الأخفش. وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار الطبري لأجل رفع " نصر " و " فتح " على البدل من " أخرى "، فيكون المعنى على قول الفراء أنه وعدهم على إيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة وهي غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتبتدئ ﴿نَصْرٌ مِّن الله﴾، أي: هو نصر، ولا تقف على قول الفراء، لأن (نصراً بدلٌ) من " أخرى ". ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر من الله لهم وفتح عاجل.

стр. 7350

ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله﴾ أي: لأنبيائه ولأوليائه ولدينه، ومن أضاف " أنصاراً " إلى الله احتج بقوله: " نَحْنُ أَنْصارُ اللهَِّ " وهو اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه. وفي حرف عبد الله: " أَنْتُمْ أَنْصارَ اللهَِّ " بالإضافة والإيجاب، وأيضاً فإنه جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل ويُنَون، فكانت إضافته أولى، ومن لم يضف قال بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه لاسم الفاعل. وحقُّه إذا أريدَ به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع فيه على إضافته. وقوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ الكاف من " كَمَا " في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما]. وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصاراً مثل أنصار عيسى. قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. ذكر لنا أنه " بايع النبي ﷺ ليلة العقبة اثنان وسبعين رجلاً من الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعونه على محاربة

стр. 7351

العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك / ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل الله بهم ذلك ". قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم. قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله.

стр. 7352

قال ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنَّبَطية، فيكونون على هذا في قوله " قالَ الْحَوارِيُّونَ " يعني به حواري عيسى. قال الضحاك: هم غسالون مَرَّ بهم عيسى فآمنوا واتبعوه. وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق وخالصه: حَوَارَى. وقال القتبي: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ أي: مع الله، وهذا عند بعض العلماء لا يجوز كما لا يجوز " قمت إلى زيد " بمعنى " مع زيد " و " إِلى " على بابِها، ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، فالمعنى: قال الحواريون نحن أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق. ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ يعني: بعيسى. قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى

стр. 7353

أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيُّكم يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في درجتي، قال فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم /، [الثالثة]، فقال أنا قال نعم أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت إلى السماء، قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفع إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ما شاء فينا ثم رفعه إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعثه الله محمداً ﷺ ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد ﷺ وكفرت طائفة به. وقيل: آمنت طائفة بعيسى ﷺ وكفرت أخرى به.

стр. 7354

ثم قال: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ﴾ يعني: إظهار دين محمد على دين الكفرة. قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم الإسرائيلية. وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون. ثم قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم بالحجة الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته. قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل. وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا

стр. 7355

منهم بمحمد ﷺ بتصديق محمد ﵇ إيّاهم أن عيسى / عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك. ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية بالحجة والبرهان على الكفار. قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى ﷺ ظاهرة بتصديق محمد ﷺ لهم بأن عيسى روح الله وكلمته. وقيل: فأصبح من آمن مع عيسى عالياً على من كفر به. يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه.
следующие страницы →