← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ﴾. أي إن أبت أمه أن ترضعه أو انقطع لبنها، فأردتم أن ترضعه أجنبية فلا حرج. قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم﴾ أي إذا سلمتم للأم ما [فرضتموه] عليه من الأجرة بالحساب. وقيل: معناه: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة من الأب والأم، قاله قتادة. وقيل: معناه: وإذا سلمتم إلى الأم الذي أعطيتموها على الأجرة بالمعروف. وقال سفيان: " إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرونها حقها بالمعروف، فليس عليكم جناح فيما صنعتم من الاسترضاع إذا أبت الأم رضاعه أو انقطع لبنها ". وقيل: معناه: إذا سلمت أم الولد، فرضيت برضاعه من غيرها، لتعتد

стр. 737

هي وتتزوج ورضي الأب بذلك. قوله: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية. هي ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠] قاله عثمان بن عفان وابن الزبير، فنسخ أربعة أشهر وعشر الحول. وأما الوصية فنسخها آية الميراث. وروي عن ابن مسعود أنه قال: " نسخ منها الحوامل ". قيل: ليس هو بنسخ، وإنما هو بيان أن الذي في " البقرة " لغير الحوامل وغير المدخول بهن، وزيدت العشرة / على الأربعة أشهر لأن في ذلك يتبين الحمل. وقال سعيد: " في العشر ينفخ فيه الروح ". قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 738

أي إذا تمت العدة فلها أن تتزوج من شاءت. / ﴿بالمعروف﴾ أي بولي وصداق. قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾. هو أن يعرض لها في العدة، فيقول: " إنك لجميلة، وإن النساء من حاجتي، وإني فيك لراغب حريص، ولأحسنن إليك " ونحوه. قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾. أي أخفيتم الخطبة ولم تبدوها، لا حرج في جميع ذلك. قال جابر بن زيد: " ﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾: قال: هو الزنا ". وقاله الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: " سراً نكاحاً ". وأصل السر الغشيان من غير وجهه. وقال ابن عباس: لا تواعدوهن سراً، ألا ينكحن غيركم، ولا تعاهدوهن

стр. 739

على ذلك. وقال مجاهد وعكرمة: " لا تعاهدها على النكاح و [تأخذ ميثاقها ألا] [تتزوج غيرك، تفعل ذلك معها] سراً ". وقال ابن زيد: " ﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾: لا تنكحوهن وتخفوا النكاح، فإذا خرجت من العدة، أظهرتموه ". واختار الطبري أن يكون السر الزنا. قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾، هو التعريض المذكور. قال ابن زيد: " نسخ هذا كله بقوله: ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾. وأكثر الناس على أنه محكم، وأنه كله نهي عن عقد النكاح في العدة، ثم أرخص في التعريض الذي [ليس هو] بوعد ولا عقد.

стр. 740

ومعنى ﴿يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾: تنقضي العدة. وقال السدّي: " حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وهو الكتاب الذي ينقضي ". وقاله قتادة، وهو قول ابن عباس والضحاك. قوله: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. رفع الله الحرج عمن طلق المفروض لها الصداق قبل أن يدخل بها. ومعنى ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: تجامعوهن. قاله ابن عباس وغيره. ومعنى: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾: رفع الجناح أيضاً عمن طلق التي لم يفرض لها قبل الفرض، فمعناه: أو توجبوا لهن فريضة. قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس وغيره: " هو واجب للتي لم يفرض لها؛ يمتع الموسر

стр. 741

بخادم، والوسط بالورق، ودون ذلك بالكسوة والنفقة ". وقاله قتادة. وقال أبو حنيفة: " يمتع التي لم يفرض لها، إذا طلق قبل الدخول بنصف مقدار صداقها ". وبه قال الشافعي، ولم يجد / نصفاً من غيره. وأوجب علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ المتعة لكل مطلقة. وبه قال الحسين فرض لها أو لم يفرض دخل بها أو لم يدخل. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " لكل مطلقة متعة إلا التي سمى لها صداقاً ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها ". ومذهب مالك أنه لا يجبر على المتعة أحد من المطلقين إنما هو ندب، وبه قال شريح.

стр. 742

وقال ابن المسيب: / " كانت المتعة واجبة بالآية التي في الأحزاب لقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ / سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قال: " ثم نسختها التي في البقرة لقوله: ﴿حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ولم يقل: " حقاً عليكم " ولا " واجباً عليكم ". وقد أجمعوا / أن المطلقة قبل الدخول لا تضرب بالمتعة مع الغرباء كان قد فرض لها أم لم يفرض، فدل على أنها غير واجبة، فصارت المتعة في البقرة ندباً لمن أحسن واتقى لا فرضاً. وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ﴾ أي على قدر يسره، ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾: أي على قدر عسره للتي لم يسم لها صداقاً، ولم يدخل بها خاصة ". ومعنى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، أي الجناح مرفوع / عنكم في الطلاق قبل المسيس لأنه يجوز أن يقع بعد المسيس الجناح على المطلق، وذلك الذي يتزوج للذوق. قال النبي ﷺ : " إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلاَ الذَّوَّاقَاتِ " فَرَفْعُ الجناح في الطلاق قبل المس يدل على أنه قد يقع في الطلاق بعد المس وهو ما ذكرنا. وقيل: إنما رفع الجناح عن طلاق التي لم يدخل بها، لأن الرجل يطلق متى شاء

стр. 743

[حائضاً كانت أو طاهراً]، ولا عدة ولا سنة في طلاقهن، وليس ذلك في المدخول بها، لأنه إن طلق وهي حائض وجب عليه مراجعتها، ولحقه ضيق وإثم إن تعمد مخالفة السنة، ولزمت العدة. قوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية. بيّن الله في الآية التي قبلها حال من لم يفرض لها، وحض على المتعة لها على قول من قال: هو ندب، وفرضها على قول من قال: هو فرض، ثم بين في هذه الآية حال المطلقة قبل الدخول التي قد فرض لها فرضاً أن تعطى نصف الطلاق الذي فرض لها. وهذه الآية تبيين لصدر الآية التي قبلها لأن قوله: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ هي المفروض لها. وقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، فهي غير المفروض لها، فكرر هذه الآية في

стр. 744

التي قد فرض لها للبيان والتأكيد. وقال قتادة: هذه الآية/ نخست التي قبلها لأنه لم يفرض لها أولاً شيئاً، وجعل لها متعة، ثم فرض لها الآن نصف الصداق ولا متعة لها ". وهو قول الربيع وجماعة معه. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾. يريد إلا أن تعفو الثيب أو البكر التي زوجها غير أبيها التي لا ولي لها عن أخذ نصف الصداق. قال ذلك ابن عباس، وهو قول الجماعة من التابعين والفقهاء. قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾. قال ابن عباس: " هو ولي البكر إذ كانت لا يجوز أمرها في مالها فله أن يعفو عن النصف إن شاء، فإن أبت جاز فعل الولي ".

стр. 745

وهو قول الحسن وعطاء وإبراهيم وعكرمة وطاوس وربيعة وزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي ويشريح وأصحاب ابن مسعود والشعبي وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الزهري وغيره: " هو الأب في انبته البكر، أو السيد في أمته لهما أن يعفوا، وإن أبت ". وهو قول مالك. قال مالك: " هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته ". وليس له أن يعفو ولم يقع طلاق، إنما العفو طلاق، وكل ذلك في التي لم يدخل بها. وقاله علي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير. وروي أيضاً عن ابن عباس: " أن الذي بيده عقده النكاح هو الزوج المطلق ".

стр. 746

ومعنى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾: أي يعفو الزوج فيعطي الصداق كله. والذي يرد هذا أن العفو إنما هو ترك ما يجب للعافي. هذا أصله في اللغة. وليس هو موضوعاً على إعطاء الرجل ما لا يلزمه فإضافته إلى الولي أولى به وأبين في الخطاب، لأنه ندب إلى أن يترك ما وجب لوليته. ومن كلام العرب: " عفا ولي المقتول عن القاتل "، أي ترك له حقه من الدية. وليس/ يقال: " عفا القاتل "، إذا أعطى أكثر من الدية التي تلزمه ولو كان العافي الزوج يعطي الصداق كله، لكانت الترجمة عن هذا بالهبة أولى منه بالعفو لأنه إذا أعطى الصداق كله فهو واهب، وليس بعافٍ إنما العافي من يترك حقه، ليس هو من يهب ماله. وأيضاً فإنه قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يريد الزوجات المالكات لأنفسهن، ثُمَّ قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾، فهذا ثالث غير الأول والثاني ولا ثالث إلا الولي. وأيضاً فإن الله إنما ذكر العفو بعد/ وقوع الطلاق، فكيف يقال لمن طلق ولا

стр. 747

شيء في يديه/ أنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الآن [لا] عقدة في يديه إذ قد طلق. وقيل: إنما هو مخاطبة للأزواج الذين دفعوا الصداق/ كله، ثم طلقوا قبل الدخول فندبوا [إلى أن يعفوا] عن نصف الصداق ولا يرجعون به على الزوجات. وهذا القول يدل على أن الآية خاصة في بعض الأزواج، وليست الآية كذلك، إنما هي عامة اللفظ. ويدل على أيضاً على أن المراد به غير الأزواج قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾، والمطلق لا عقدة بيده من إثبات نكاح التي طلق قبل الدخول/ إنما عقدة نكاحها بيد الولي، فهو المراد. وكذلك غير المطلق لا عقدة بيده، إنما عقدة النكاح للولي، وإنما بيد الزوج عقدة نكاح نفسه، وبيد الولي عقدة نكاح المرأة. وأيضاً فإن معنى: ﴿عُقْدَةُ النكاح﴾ أي نكاحها. والألف واللام عوض من الهاء كما قال: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النزعات: ٤١]. أي: مأواه، فكان رد الضمير المحذوف إليهن، لأنهن أقرب ذكر في قوله:

стр. 748

﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ أولى به. قوله: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾. هذا مخاطبة للأولياء والمطلقات المالكات أمرهن. وقيل: خوطب بذلك أزواج المطلقات في أن يتركوا الصداق كله إن كان قد ساقوه قبل الطلاق إلى الزوجة. قوله: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل﴾. أي لا تتركوا فعل الخير فيما بينكم؛ يتفضل الزوج على المرأة بإعطاء الصداق كله فإن لم يفعل فتنفصل برد نصف الصداق الذي وصل إليها، أو تترك الكل فذللاك فضلها. قال مجاهد: " هو إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها واجب ". وقال السدي وعكرمة وسفيان وابن زيد مثله. قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾.

стр. 749

قال ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد وغيرهم: " الوسطى صلاة العصر " وروي ذلك عن النبي [ ﷺ ] . وقال زيد بن ثابت وابن أبي ذئب: " هي الظهر ". وروي ذلك عن ابن عمر. وروي أن النبي ﵇ كان يصلي في الهاجرة والناس في هاجرتهم، فلا يجتمع إليه أحد، فتكلم في ذلك فأنزل الله: ﴿والصلاة الوسطى﴾، يريد الظهر. وقال قبيصة بن ذؤيب: " هي المغرب لكونها بين الليل والنهار ".

стр. 750

وقال جابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة: " هي الصبح/ لكونها أيضاً بين الليل والنهار ". ولقوله: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قانتين﴾. والقنوت إنما يكون في الصبح. وهو [أيضاً مروي] عن ابن عباس [وعلي بن أبي طالب] / وهو قول الربيع وعبد الله بن شداد بن الهاد، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول مالك. وهو قول أبي أمامة الباهلي وزيد بن أسلم وعبد الله بن عمر. وقد تظاهرت الأخبار عن النبي [﵇] أنها العصر. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح.

стр. 751

قال مالك: " الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك ". قال مالك: " والصبح لا تجمع إلى غيرها، وقد يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ". قال مالك: " وهي كثيراً ما تفوت الناس ويتلهون عنها ". قلت: وصلاة الصبح أفضل الصلوات، ولذلك أكد الله في المحافظة عليها، يدل على ذلك قول النبي ﵇: " مَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً، وَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لِيْلَةٍ ". وقال: " بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتْمَةِ والصُّبْحِ، لاَ يَسْتَطِيعونَهُمَا ". وقال: " لَوْ يَعْلَمُوَ مَا فِي الْعَتْمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ". ففضل العتمة والصبح على سائر الصلوات، ثم فضل الصبح على العتمة

стр. 752

فدل على أنها أفضل الصلوات، فهي الوسطى. وقد قال عمر: " لأن أشهد صلاة أحب إلي من أن أقوم ليلة ". وقد قرأ الرؤاسي: ﴿والصلاة الوسطى﴾ بالنصب، بمعنى: وألزموا الصلاة، وقد روي عن عائشة رضي الله عن ها أنها أثبتت في المصحف: " والصلاة الوسطى، وصلاة العصر "، بالواو. وكذلك روى نافع أن حفصة أمرت أن يكتب ذلك في مصحفها، وقالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأها كذلك ". وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى/ غير العصر، لأن سيبويه قد حكى: " مررت بأخيك وصاحبك " والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن عطفت بالواو.

стр. 753

الصلاة الوسطى هي أفضل الصلوات إعادتها بلفظها بعد أن دخلت في جملة الصلوات كما قال: ﴿وملائكته﴾ [البقرة: ٩٨]. ثم قال: ﴿وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]، وكما قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ/ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. فأعاد " جبريل وميكائيل " وقد دخلا في جملة الملائكة، وأعاد " النخل والرمان "، وقد دخلا في جملة الفاكهة، وذلك لفضل فيهما، فأعيدا للتنبيه على الفضل، فكذلك الصلاة الوسطى أعيدت لأنها أفضل الصلوات. وقد بينا أن صلاة الصبح أفضل الصلوات فهي هي بغير شك. وقرأ ابن عباس: " والصلاة الوسطى صلاة العصر " على التقدير. وذكر ابن حبيب عن بعضهم أنها صلاة الجمعة، وهو قول شاذ. وأصل القنوت/ الطاعة، وهو أيضاً طول القيام. وقيل: هو هنا السكوت لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة.

стр. 754

قال زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قانتين﴾، فأمرنا بالسكوت. وقيل: القنوت هنا الدعاء. وقيل: هو الركوع/ والخشوع في الصلاة. وقال مجاهد: " هو غض البصر/ في الصلاة وضم الجناح وطول الركوع وأصله كله يرجع إلى الطاعة ". قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾. نصبهما على الحال. والمعنى: فصلوا في هذا الحال. والرجال جمع راجل، والمعنى: " فرجالاً " أي مشاة على أرجلكم " أو ركباناً " وهو جمع راكب. وزذلك في الخوف من العدو، وقال: يصلي كيف قدر ماش وراكب. فمعناه: وإن خفتم من العدو أن تصلوا قياماً في الأرض فصلوا ماشين وركباناً،

стр. 755

وكيف قدرتم إيماء وغير إيماء، وذلك على قدر شدة الخوف والمسايفة. قوله: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله﴾. أي إذا أمنتم من عدوكم فاشكروا الله كما خفف عنكم وعلمكم ما لم تعلموا من أحكامه. وقال ابن زيد: " معناه إذا أمنتم من العدو فصلوا كما افترض عليكم. تم الجزء الخامس.

стр. 756

قوله: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً﴾ الآية. في هذه الآية نسخان، نسخت آية المواريث الوصية. وقيل: الوصية منسوخة بقول النبي ﷺ : " لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ "، ونسخت ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ الحول. وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو تخصيص ونقص؛ وذلك أن المرأة كانت إذا توفي زوجها سكنت، وأنفق عليها حولاً إن شاءت. فنسخ ذلك آية الميراث. مقاله الربيع وغيره. وقال مجاهد: " الآية محكمة، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها إن شاءت ". ومعنى ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي لا تخرج إلا أن تشاء الخروج، فيبطل حقها بخروجها وهو قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي ليس لها شيء إذا خرجت، وكان ذلك المقام عليها إباحة وندباً ولمي يكن فرضاً، فلها الخروج متى أحبت.

стр. 757

قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف﴾. عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يمدخل بهن وهي ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال عطاء: " عني بها كل مطلقة أن لها متاعاً حقاً على المتقين كالثياب والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة ". وقال ابن زيد: " هذا يوجب المتعة/ لكل مطلقة ". هذا معنى قوله. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت﴾. قال ابن عباس: كانوا أربعة ألاف خرجوا فراراً من الطاعون ". وقيل: فراراً من الحمى، حتى إذا كانوا بموضع شاء الله فيه موتهم أماتهم، فمر بهم نبي فدعا ربه أن يحميهم فأحياهم.

стр. 758

وروي أن نبياً من أنبياء الله أمر قومه أن يخرجوا إلى عدوهم فجبنوا وكرهوا الخروج، وقالوا: إن الأرض التي تخرجنا إليها فيها الطاعون، وكانوا سبعين ألفاً، ففروا من الطاعون أن يأتيهم في بلادهم، فلما توسطوا البلاد أماتهم الله، فسمي ذلك الموضع واسطاً، وهي واسط العراق، فخرج نبيهم في طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى قد أنتنوا فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب، كنت في قوم يحمدونك ويكذرونك فبقيت وحيداً. فأوحى الله إليه أني قد جعلت/ حياتهم إليك. فقال: / أحيوا بإذن الله، فحيوا. فتلك الرائحة فيهم. وقيل: إن اسم ذلك النبي حزقيل. وقال وهب بن منبه: " أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة فشكو ما أصابهم إلى نبيهم وتمنوا الموت لما هم فيه. فأوحى الله إليه: أي راحة لهم في الموت، أيظنون أنني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فاطلق إلى جبانة كذا، فإن فيها أربعة

стр. 759

آلاف وهم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، فقم فيهم [وناجهم. / وكانت] عظامهم قد تمزقت وتفرقت، فنادى النبي على نبينا وعليه السلام: يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم، ثم نادى: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم الجلد. ثم نادى: يا أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا فكبروا تكبيرة واحدة ". وقال الضحاك: " هم ألوف كثيرة أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله ففروا من الجهاد، فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم أن يعاودوا الجهاد، ودل على ذلك قوله: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقيل: كانوا أربعة آلاف من بني إسرائيل عصوا الله، وصرفوا عن

стр. 760

الجهاد، وقالوا: البلاد التي تقصدها بلاد طاعون. فأماتهم الله عقاباً لهم، ثم أحياهم بدعاء نبيهم وتضرعه إليه. وقال السدي: " كانت قرية عند واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية، وهلك أكثر من بقي في القرية، فلما ارتفع الطاعون/ رجع الهاربون إلى القرية. فقال الذين بقوا من أهل القرية: لو صنعنا مثل ماصنع أصحابنا بقينا ولئن وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن معهم، فوقع من قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ثم نزلوا بواد أفيح فناداهم ملَك من أسفله، وآخر من أعلاه أن موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي، فوقف عليهم، وجعل يفكر في أمرهم، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وقيل له: فنادِ فيهم. فنادى: يا أيتها العظام: إن الله يأمركِ أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض، فاجتمعت، ثم/ ناداها فاكتست اللحم ثم ناداها فقامت ".

стр. 761

وقد قيل: إن معنى ألوف مؤتلفون. قوله: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قيل: هو أمر مراد للذين أحياهم الله بعد موتهم لأنهم فروا من الجهاد فماتوا. وقيل: هو عام لجميع الخلق. قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ﴾ الآية. قال ابن زيد: " هذا في الجهاد يضاعف له بالواحد سبعمائة. ولما نزلت الآية، قالت اليهود: " هو فقير يستقرض "، يُمَوِّهُونَ بذلك على الضعفاء، فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].

стр. 762

وقال السدي: " هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو؟ ". " وروي أن هذه الآية نزلت في أبي [الدحدح الأنصاري كان من أفاضل الأنصار رحمه/ الله. ولما حض الله المؤمنين على الصدقة، قال: يا رسول الله، ربنا يستقرض منا؟ قال رسول الله [﵇]: نعم، ليعظم بذلك ثوابك، فقال يا رسول الله، والله ما أَمْلِكُ غير حائطي، وقد جعلته لله وأرضى بثوابه. ثم مضى إلى الحائط وفيه امرأته وصبيانه، فصاح من خارج بامراته: خذي بيد الصبية فاخرجي، فإني سمعت الله يستقرض خلقه ليعظم بذلك ثوابهم فأقرضته حائطي. فقالت له امرأته: لا تقيل ولا تقال، ربح بيعك. وأخذت بيد الصبية، وخرجت والنخيل موقورة رطباً وزهواً. فقال رسول الله ﷺ : " كم من غدق مذلل في الجنة لأبي الدحداح ".

стр. 763

وقالت اليهود: " إنما ربنا فقير يستقرض منا، ولم نر غنياً يستقرض من فقير. فأنزل الله، ﴿لَّقَدْ [سَمِعَ الله قَوْلَ] الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآيات. وعن الحسن أنه قال في حديث له طول: " لما نزلت الآية أتى أبو الدحداح النبي ﷺ وقال: يا نبي/ الله إني قد أقرضت الله حائطي. فقال له رسول الله ﷺ /: أَيُّ أَحَدِهِمَا يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ؟ قال: اختر خيرهما. قال: أَبْشِرْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ، فَإِتنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَ لَكَ ذَلِكَ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفِ أَلْفٍ. قال: فمضى أبو الدحداح وأخرج أولاده من الحائط وجعل يخرج التمرة من فم هذا ومن حجر هذا، ومن كم هذا، ويلقيها في الحائط وأنشأ يقول: " يَا أُمَّ دَحْدَاحِ هَدَاكِ الهَادِي ... إِلَى سَبِيلِ الخَيْرِ وَالرَّشَادِ بيني مِنَ الحَائِطِ وَسْطَ الوَادِي ... فَقَدْ مَضَى قَرْضاً إِلَى التَّنَادِ أَقْرَضْتُهُ الهَ عَلَى اعْتِمَادِ ... طَوْعاً بِلاَ مَنٍّ وَلاَ ارْتِدَادِ

стр. 764

إِلاَّ رَجَاءَ الضِّعْفِ فِي الْمَعَادِ ... فَوَرِّطِي الحَائِطَ قَبْلَ الغَادِ وَارْتَجِلي بالْفَقْرِ وَالأَوْلادِ/ ... قَبْلَ تَدَاعِيهِمْ إِلَى الجَدادِ وَاسْتَبْقِي وُفقْتِ لِلرَّشَادِ ... إِنَّ التُّقَى وَالبِرَّ خَيْرُ زَادِ قَدَّمَهُ الْمَرْءُ إِلَى الْمَعَادِ ... " فأجابته أم الدحداح: " بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَلاَحْ ... مِثْلُكَ أَجْرَى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ وَانْتَهَزَ الحَظَّ إِذَا الحَظُّ وَضَحْ ... قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي مَا صَلَحْ بِالْعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَهْوِ الْبَلَحْ ... وَاللهُ أوْلَى بِالَّذِي كَانَ مَنَحْ

стр. 765

مَعْ عَاجِلِ التَّضْعِيفِ فِيمَا قَدْ شَرَحْ ... وَالمَرء يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَحْ طُولَ اللَّيالِي وَعَلَيْهِ مَا أجْتَرَعْ ... " فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " إِنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ ". ومعنى ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ - بالصاد - أي يقبض الأرزاق فيضيقها على من يشاء ويبسطها فيوسعها على من يشاء. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي إليه مرجعكم في معادكم. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ/ مِن بَعْدِ موسى﴾ الآية. معنى أَلَمْ تَرَ، في جمع القرآن: ألم تعلم، ألم يبلغك خبرهم يا محمد. والملأ هنا أشرف القوم ووجوهم، جمع لا واحد له من لفظه. والنبي، قال

стр. 766

السدي: اسمه سمعون، سمي بذلك لأن الله سمع دعاء أمه وأجابها في أن وهبها إياه فسمته سمعون إذ قد سمع دعاءها. وقال وهب: اسمه إسمويل. وقيل: هو يوشع بن نون، قاله قتادة: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما وذلك بعد موت موسى. قال السدي: " كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة/ وكان ملك العمالقة جالوت، فظهرت العمالقة على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية فسألوا الله أن يبعث إليهم/ نبياً يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلك من عندهم، فلم يبق إلا أمرأة حبلى من شيخ من سبط النبوة، فأخذوها وحبسوها في بيت خوفاً أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبتهم في ولد ذكر منها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يزرقها غلاماً، فولدت غلاماً، فسمّته سمعون إذ قد سمع الله دعاءها فيه فكبر وتعلم التوراة فأتى جبريل ﵇، والغلام نائم إلى جنب الشيخ فدعاه بلحن الشيخ،

стр. 767

فقام الغلام وقال: يا أبتاه، أنت دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا، فيفزع الغلام. فقال با بني، أرجع فننم. فدعاه جبريل الثانية. فأتى الغلام الشيخ فقال: دعوتني؟ فقال له: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كان الثالثة ظهر جبريل ﵇، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك نبياً. فأتاهم فكذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك. فقال لهم سمعون: عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. فقالوا وكيف لا نقاتل، وقد غلب علينا وأخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". أي أسر منهم من أسر فأخرج من دياره وأبنائه، وهم في وقت قولهم قد كانوا في ديارهم وأبنائهم، ولكن المعنى: أن من أسر منهم قد فُعِلَ به ذلك، فأُخبروا عن أنفسهم والمراد به بعضهم، فهو عام يراد به الخصوص. فأما قوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾، فقد ضعف قراءة من كسر السين لأنه يلزم أن يجيز " عَسِيَ أَنْ أَقُومَ "، وذلك لا يقال.

стр. 768

قال أبو حاتم، " لا وجه للكسر، ويلزم منه فَعَسِيَ ﴿أَن يَأْتِيَ بالفتح﴾ [المائدة: ٥٢]. وقد حكى أهل اللغة؛ يعقوب وغيره/، " أن الكسر مع المضمر خاصة، لغة ". قال أبو غانم: " هي لغة أهل الحجاز يكسرون مع المضمر خاصة ". قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾. قال لهم ذلك سمعون بأمر الله له، [فلم يرضوا] به، وكان طالوت هو من سبط ابن يامين بن يعقوب، فقالوا: أنى يكون له الملك علينا، وهو من سبط ابن يامين، ولا ملك فيه. ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك﴾. لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾: عابوه/ بفقره. قيل: طالوت كان سقاءً وكان دباغاً.

стр. 769

قال وهب بن منبه: " لما سألوا نبيهم أن يبعث الله إليهم ملكاً يقاتلون معه سأل نبي الله في ذلك، فأمره أن ينظر إلى قرن في بيت فيه دهن، فقيل له: هذا الدهن/ إذا نشَّ عند دخول رجل فهو الملك، فَأَدْهِنْ رأسه منه ومَلَّكْهُ عليهم، فأقام النبي ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه. فخرج طالوت يوماً في طلب دابة له، ومعه/ غلام له فمر ببيت النبي فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن دابتنا ليرشدنا إليها، ويدعو لنا بخير، فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن دابتهما ويسألانه الدعاء، إذ نش الدهن الذي في القرن، فأخذه النبي وقال لطالوت: قَرِّبَ رأسك فَدَهِّنْهُ من الدهن، [ثم قال] له: أنت ملِك بني إسرائيل. فشاع الأمر في بني إسرائيل [وأتت] عظماء بني إسرائيل لنبيهم وقالوا: ما لطالوت يُمَلَّك علينا ونحن أحق بالملك منه لأنك قد علمت أن الملك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: ﴿إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾: أي اختاره وزاده بسطة في العلم والجسم ".

стр. 770

وقال السدي: " لما سألوه ملكاً يقاتلون معه أتاهم بعصا، وقال: إن صاحبكم طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، فقال لهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا ما كنت قط أكذب منك الساعة ". قال ابن عباس: " كان من بني إسرائيل سبط نبوة وسبط خلافة، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، فلذلك قالوا: ﴿أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ أي من أين له ذلك؟، وليس هو [من أحد] السبطين ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ﴾، لأنا من أحد السبطين ". وقال غيره: " [كان طالوت من سبط قد أتوا] ذنباً فنزع منهم الملك، فلذلك أنكروا أن يكون ملكاً إذ هو من سبط قد أتوا ذنباً، ونزع منهم الملك ". قال وهب بن منبه: " كان طالوت يطول بني إسرائيل من منكبيه إلى فوق؛

стр. 771

يزيد ذلك على أطولهم ". قوله: ﴿والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾. أي: يضعه حيث يشاء. ﴿والله وَاسِعٌ﴾. أي: يوسع من فضله على من يشاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أحق بالمملكة، وبما فيه حسن العاقبة وهذه الآية تدل على جواز إقامة المفضول لأن نبيهم كان أفضل من طالوت فقد قدم المفضول على الفاضل. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية. دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفاً واختصاراً كأنهم قالوا: ما آية ملكه وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة. وهذا التابوت كان عندهم من عهد موسى ﷺ وهارون/، فسلبهم إياه ملوك من أهل الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت.

стр. 772

قال ذلك/ قتادة والربيع، قالا: " كان التابوت في البرية، وكان موسى ﷺ / خلفه عند فتاة يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت. وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على الأعداء، ويقدمونه أمامه إذا قاتلوا أهل الكفر. فلما عصوا الله وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في مخرأة عناداً وتصغيراً له. فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله بالواسير، فضاقوا بها ذرعاً وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع رأيهم على أخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبت، فحملته الملائكة حتى وضعته بين بين إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكاً. وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على الكفار. فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه أسفل

стр. 773

الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم/ جالوت، وكان طالوت قد أعطاه الله شجاعة وقوة وشدة وبطشاً، وكان الكفار قد جعلو التابوت في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح مكنسة رؤوسها، وبعث الله على أهل تلك القرية فأراً يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتاً قد أكلت ما جوفه، فاستشأموا بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة،، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت معها فأخرجوه من بين أظهركم. فدعوا بعجلة فحلموا التابوت عليها ثم علقوها بثورين ثم ضربوا على جنوبها. فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب ". وقال ابن عباس: " لم يبق من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة

стр. 774

أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت/ الملائكة التابوت بين السماء والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه. وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا بين أيديهم التباوت ". قال ابن عباس: " بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة ". قال وهب: " كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين ". / قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾. قيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. قال ذلك على بين أبي طالب. وروي عنه أنه قال: " هي ريح خجوج ولها رأسان ".

стр. 775

وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنباً كذنب الهر ". وقال السدي: " هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها رضاض الألواح. وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد ". وروي عن وهب بن منبه " أن السكينة روح/ من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء، بين لهم ما يريدون ". وقال ابن جريج: " سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها ". وقال الربيع: " السكينة الرحمة ". وقال قتادة: " السكينة الوقار ". وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهرّ
следующие страницы →