Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.
стр. 7771
جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه].
يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك.
- وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾.
معناه عند ابن عباس: (" فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه ". وعنه أيضاً أن [معناه]: " فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه ". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ " فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه ". وقال الضحاك: " فاتبع مافيه ".
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فابتع قرآن، أي: اعمل به.
- وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
стр. 7772
أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروةا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك.
стр. 7773
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾.
أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم ولا تجازون على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة.
(ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى " حقاً " أو بمعنى " ألا ". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله).
- ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾.
стр. 7774
أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير.
- ثم قال: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: " تنظر إلى ربها نظراً ".
قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: " أي حسنة: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق ".
وقل عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣].
стр. 7775
[وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: " نظرت إليه " بمعنى انتظرته، وإنما يقال: " نظرته " بمعنى انتظرته.
أيضاً فإنه لا يجوز " أنتظرت زيداً " بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن
стр. 7776
يقال: " [وجهي] منتظر لك ".
فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: " قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. وقال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الكله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره.
وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ
стр. 7777
وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنَّ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَِّكُمْ - / لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُونُوا ".
وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم﴾ الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨ - ٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي
стр. 7778
الأبدان والأقدام إلى [الوجوه]- لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه]- يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الالله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد.
فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن
стр. 7779
معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [المرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى:
﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحادتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة.
стр. 7780
ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية.
وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ لا تراه.
و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ﴾
стр. 7781
بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ كإداركه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى:
стр. 7782
لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء.
وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَأ تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ " وفي بعض الرواية: " لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ " وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ
стр. 7783
سَحَابٍ "، وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ "، وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ ".
وقد ذكر النحاس في " تضارون " و " تضامون " واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه.
" تُضَارَونَ " / و " تُضَامُّون " مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز " تُضَارُّونَ " (و) " تُضَامُّونَ " مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز " تَضَامُّونَ " مفتوح الأول مشدداً، وأصله: " تَتَضامُّونَ "، (ثم حذفت إحدى التاءين ك
﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز " تَضَّامُّونَ " مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن
стр. 7784
تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلكك يجوز " تُضَّامُّونَ " و " تُضَّارُّونَ " على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام.
والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم.
ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته.
стр. 7785
- ثم قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾.
أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. وقال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ " كاشرة ".
وقال قتادة: " كالحة عابسة ".
- ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: " داهية ". وقال قتادة: " تيقن أنها ستدخل النار "، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره.
- ثم قال: ﴿كَلاَّ. . .﴾.
أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى " حقاً "، أو بمعنى " إلا ".
стр. 7786
فيبتدأ (بها).
- ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾.
يعني النفس عند الموت وحشرج بها.
- ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.
أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: " من طبيب وشاف "، وهو قول الضحاك
стр. 7787
وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟
يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ.
- ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾.
أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه.
- ثم قال تعالى: ﴿والتفت الساق بالساق﴾.
أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: " آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة ". وقال الضحاك: معناه: " أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة
стр. 7788
يجهزون الروح ". وقال قتادة: ﴿والتفت الساق بالساق﴾: " [الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة ". وقيل: " عمل الدنيا بعمل الآخرة ".
وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: " ساق الآخرة بساق الدنيا "، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: " قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى.
و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار
стр. 7789
القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] " بلاء ببلاء ".
- ثم قال تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾.
أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه.
- ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾.
أي: لم يصدق ولم يصل، ف " لا " نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة.
ولكنه ﴿كَذَّبَ وتولى﴾.
أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة.
стр. 7790
- ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾.
أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يتمطى﴾: " يتبختر ". قال زيد بن أسلم: ﴿يتمطى﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق ن المطا، وهوالظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ : " إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ " ويجوز أن يكون من مططت، ثم
стр. 7791
[أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: " تَظَنَّيْتُ " في " تَظَنَّنْتُ "، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل.
- ثم قال تعالى: ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾.
هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله ﵇ أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيِابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أولى لَكَ فأولى * (ثُمَّ أولى لَكَ فأولى)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ/ اللهُ
стр. 7792
بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقُهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ " والعرب تقول: " أولى (لك: كدت تهلك ثم (أفلت) ". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد. وقال بعض أهل المعاني: ﴿أولى لَكَ﴾ هو " أفعل " الذي للتفضيل بمنزلة " أخرى لك " و " أقبح لوجهك "، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهمه من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يوقولوا: " أيل "، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت
стр. 7793
ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين.
- ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾.
أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: " لا يفترض عليه عمل ولا يعمل ". يقال: " أسديت الشيء " بمعنى: أعلمته.
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى﴾.
أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على أحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟!
стр. 7794
- ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً.
- ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾.
أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً.
- ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾.
أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكرواً وإناثاً.
- ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾.
أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً على أن يحيي الموتى بعد مماتهمه؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى.
стр. 7795
قال قتادة: " كان يقول: سبحانك، وبلى ".
وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِيَ﴾، وهو غلط عن الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.
стр. 7796
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإنسان
مكية
- قوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
" هل " [في هذا] الموضع خبر لا جحد. وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئاً مذكوراً.
стр. 7797
وهذا كما تقول للرجل -[تقرير -]: هل أكرمتك؟ قد [أكرمه]، هل أحسنت إليك؟ وقد أحسن إليه. وتكون " هل " جحوداً في غير هذا الموضع، نحو قول الرجل الآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاماً، وهو بابها.
وقد أجاز ابن كيسان أن تكون " هل " في الآية استفهاما على بابها، كما تقول: هل بقيت في أمرك؟.
والإنسان في الآية: آدم ﵇، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: إنما [خلق] الإنسان حديثاً، وما نعلم من خليقة الله كانت بعد الإنسان، يقول: خَلْقُ الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق.
стр. 7798
والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة. وذلك أربعون سنة في ما روي. فكان في ذلك الوقت شيئاً غير مذكور.
وقيل: الجن هنا غير معلوم، [الله يعمله]. وقيل: الإنسان هنا يراد به الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا خلاف]، وقال مالك: الحسن هنا: ما مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن يخلق آدم.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾.
أي: خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ماء قليل في وعاء. و (أمشاج): أخلاط.
стр. 7799
يقال: مَشَجْتُ هذا بهذا، أي: خلطته. وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف وأشراف. وقيل: مَشْجٌ مثل عدل وأعدال.
وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة. وهو معنى قول مجاهد والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين.
وعن ابن عباس أيضاً أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك. وقاله أيضاً عكرمة وقتادة.
وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة. روي ذلك عن ابن مسعود.
стр. 7800
وقاله أسامة بن زيد عن أبيه.
وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة تكون خضراء وحمراء) /، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نُجَيْح.
فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، فتقديره: من نطفة ذات أمشاج.
стр. 7801
ومعنى ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ نختبره.
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
أي: ذا سمع وذا بصر لِتَقُوم عليه الحجة. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعاً بصيراً من نطفة أمشاج لنختبره. وقد رُدَّ [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم والتأخير. ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهر لغير علة.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾.
أي: إنا بينا له طريق لاحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾ قال: [ننتظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى " إما " في هذا الموضع كمعنى: [" أو " إلا أنها] تدل على
стр. 7802
المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران.
وأجاز الفراء أن [تكون] " ما " زائدة [و " إن "] للشرط.
والمعنى على هذا: " إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر ". وفيه بعد لأن " إن " التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: " إن كان شاكراً أو كان كفوراً ".
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾.
أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم
стр. 7803
﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد.
فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب.
حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف
стр. 7804
بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل.
فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا " أفعل منك ". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأن أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾].
وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾.
أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب
стр. 7805
محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور.
وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من " كافور ". ومن جعل الكافور صفة للشرب بنصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب
стр. 7806
على المدح] وقيل: التقدير: " من عين "، قلما حذف الحرف نصب.
وقال الحسن: " الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر] ".
وقال محارب بن دثار: إنما سمو أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق.
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه ".
стр. 7807
قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: " قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك ".
- (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله. . .﴾.
أي: يشربها. وقل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ [المطفيين: ٢٨]، وهو الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك).
- ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾.
стр. 7808
أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها/ حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أ، يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء.
- قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾.
أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه.
وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً.
قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾: " بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة ".
стр. 7809
وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾: " في غير معصية "، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً.
(قال قتادة) " استصار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض ".
وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً].
يقال: استطار الشيء إذا انتشر.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ. . .﴾.
أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً. . . ً﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيرا﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال:
стр. 7810
وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: " ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين ". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار.
- ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله. . .﴾.
أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه.
- ﴿لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ. . .﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم.
следующие страницы →