Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
أي: وما يدريك - يا محمد - لعل هذا الأعمى الذي أعرضت عنه يتطهر من ذنوبه.
- ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾.
(أي): [أو] يتعظ [فينفعه] الاتعاض.
- ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ استغنى * فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾.
(أي): أما من استغنى بماله، فأنت تتعرض له رجاء أن يسلم. قال سفيان: " نزلت في العباس ".
وقال مجاهد: " نزلت في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ".
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى﴾.
أي: وأي شيء عليك - يا محمد - ألا يتطهر من ذنوبه وكفره بالإسلام؟!
стр. 7947
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى * وَهُوَ يخشى﴾.
أي: وأما الأعمى جاءك يسعى وهو يخشى الله [ويتقيه].
- ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهى﴾.
(أي): تُعْرِض وتتشاغل بغيره.
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
أي: ليس الأمر كما تفعل يا محمد. وقيل: المعنى: ألاّ إنها تذكرة. والوقف عند نافع ونصير على ﴿كَلاَّ﴾ على التأويل الأول.
- وقوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
стр. 7948
قال الفراء: المعنى أن السورة تذكرة. وقيل: المعنى (أن) الأنباء والقصص تذكرة.
(وقيل: المعنى أن القصة التي عوتبت فيها يا محمد تذكرة) وعظة.
- ﴿فَمَن شَآءَ/ ذَكَرَهُ﴾.
أي: فمن شاء من عباد الله ذكر تنزيل الله ووحيه فاتعظ به.
فالهاء في ﴿إِنَّهَا﴾ للسورة أو للقصة، والهاء في [﴿ذْكِرَةٌ﴾] للتنزيل والوحي.
- ثم قال تعالى: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾.
أي: هذه العظة والقصة في صحف قد كتبتها الملائكة في صحف مكرمة، أي: عزيزة.
- ﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾.
стр. 7949
يعني: مرفوعة في اللوح المحفوظ عند الله.
- وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾.
يعني: الملائكة. وواحد السفرة: سافر. قال ابن عباس وقتادة: سفرة: " كتبة ".
وعن قتادة أن السفرة هم القراء. وعن ابن عباس.
أيضاً هي " الملائكة ". قال ابن زيد: هم " الذين يحصون
стр. 7950
الأعمال ". وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، فكان السفرة هم الملائكة الذين يَسفِرون بين الله وبين رسله بالوحي. وهذا (هو) اختيار الطبري.
- وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
قال وهب بن منبه: السفرة الكرامُ البررةُ: أصحابُ محمد ﷺ و ﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع بار، ككافر، وساحر وسحرة.
والمستعمل في كلام العرب أن يقولو: " رجل بَرّ "، و " امرأة برّة "، فإذا جمعوا ردوه إلى جمع (بار، فقالوا: رجال بررة. وقال النحاس: الأبرار جمع) بَرٍّ، والبَرَرَة جمع بَارٍّ.
стр. 7951
- ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾.
أي: لعن الكافر [و] أهلك، ما الذي أكفره مع ظهور الآيات وبيا (ن الحق)؟! ف ﴿مَآ﴾: استفهام على طريق التوبيخ والتقرير.
وقيل: إنها نزلت في عتبة بن أبي لهب، وكان قد آمن، فلما نزلت سورة: (والنجم)، ارتد، فدعا عليه النبي ﷺ فقتله الأسد في قصة طويلة.
وقيل: ﴿مَآ﴾: تعجُّب، أي: هو ممن يقال فيه: ما أكفره إذا تمادى على كفره مع ظهور الآيات والحجج.
قال مجاهد: كل شيء في القرآن " قتل الإنسان " أو " فعل الإنسان " فإنما عنى
стр. 7952
به الكافر، وكل " قُتِل " في القرآن [فمعناه]: لعن.
- ثم قال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾.
أي: أعجبوا (له)! من أي شيء خلق الله الكافر حتى يتكبر عن طاعة الله. ثم بين الشيء الذي خلقه منه فقال:
- ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾.
أي: (من) ماء حقير خلقه فكيف يتكبر مَن أصلُه هذا.
- وقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
أي: قدره أحوالاً: نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم، ثم. ..
وقيل: معناه: قدرة حسناً أو قبيحاً، ذكراً وأنثى.
- وقوله: ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾.
قال ابن عباس: يعني يسره لطريق الخروج من بطن أمه.
وهو قول السدي وقتادة وأبي صالح، وهو اختيار الطبري، لأن قبله ذكر
стр. 7953
خلقَهُ من نطفة وانقتالَه من (حال إلى) حال في الرحم، فوجب أن يُتْبِعه بذكر خروجه من الرحم ليكون الكلام كله في معنى واحد.
وقال مجاهد: هو طريق الخير والشر كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. وعنه أيضاً أنه سبيل الشقاء والسعادة. وقال الحسن: سبيل الخير يسره له.
وقال ابن زيد: هداه إلى الإسلام ويسره له.
- ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾.
أي: أماته بعد إحيائه له عند انقضاء أجله وجعل له قبراً ولم يجعله ممن يُلْقى على وجه الأرض، فهذا كله من نعم الله على ابن آدم.
يقال: " قَبَرْت الرجل ": [إذا] أدخلته في القبر، و " أَقْبَرْتُهُ ": إذا جعلت له قبراً. والمعنى: فصيره ذا قبر.
стр. 7954
- ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾.
أي: أحياه بعد موته. يقال: أحيا الله الميت وأنشره بمعنى. ونَشَر الميّتُ: حَيي هو نفسُهُ.
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾.
أي: ليس الأمر ما يقول هذا الإنسان من [أنه قد أدى] حق الله في نفسه وما له، لم (يقض) ذلك، ولا يقدر عليه.
قال مجاهد: لا يقضي أحد أبداً ما افترض الله عليه.
- ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾.
هذا كله تنبيه من الله لعباده على نعمه عليهم. ومن قرأ (أنّا) بالفتح،
стр. 7955
فقال أبو حاتم: هو بدل من الطعام.
وهو قول الفراء و [أبي] عبيد. وتقديره: فلينظر الإنسان إلى صبنا الماء. وهو قول فيه بعد، لأن الثاني [ليس هو الأول] ولا [بعضه] ولا مشتملاً عليه.
(وقيل: إنما فتحت على أنها رفع بالابتداء. ولا يُحسّن سيبويه الابتداء " بأنّ " المفتوحة، وأيضاً فإنه لا خبر لها).
стр. 7956
وقيل: (إن) التقدير: لأنّا صببنا. وقيل: ﴿أَنَّا﴾ في موضع رفع [على] إضمار مبتدأ، والتقدير: إلى طعامه، طعامه: صبّ الماء. . . ز
وقيل: ﴿أَنَّا﴾ بدل الاشتمال من طعامه. والمعنى: فليعتبر الإنسان ويعلم قدر نِعَم الله علي وكيف سبب له [كمال طعامه] الذي به قوامه، [بأن أنزل] الغيث من السماء فصبه على الأرض صباً، ثم شق للغَيْثِ الأرض شقاً/ فأنبت فيها حباص، يعين الزرع وسائر الحبوب.
- ﴿وَعِنَباً﴾.
стр. 7957
يعني: الكوم، أي: وكُروم عِنَب.
- ﴿وَقَضْباً﴾.
يعني: القت. وأهل مكة يسمون القت الصغير القضب، كأنه قطع مرة بعد مرة. يقال: قضبه: إذا قطعه.
وحكى أبو عبيدة أنه الرطبة وقاله الضحاك.
وقال الحسن: " القضب: العلف ".
- ﴿وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾.
يعني البساتين التي قد حوِّط حلها بالبنيان. والغلب: الغلاظ، يعني:
стр. 7958
وأشجار حدائق غلاظ. [يقال]: رجل أغلب للغليظ الرقبة.
قال ابن عباس: الحدائق الغلب: ما التف من الشجر واجتمع.
وقاله مجاهد.
وعن ابن عباس أيضاً: الغلب: الطول.
(وقال قتادة: هي النخل، الكرام)، وقاله ابن زيد.
- ثم قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾.
يعني بالفاكهة: ما يأكله الناس، والأب: ما تأكله الأنعام من المرعى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة. وعن ابن عباس أيضاً
стр. 7959
أنه " الثمار الرطبة ".
- ثم قال تعالى: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾.
(أي: متعة لكم، يعني الفاكهة ما قبلها، ولأنعامكم). يعني: الأبّ.
- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾، إلى آخر السورة.
أي: فإذا قامت القيامة، والصاخة: اسم من أسماء يوم القيامة.
قال ابن عباس: الصاخة: القيامة.
وقال عكرمة: هي النفخة الأولى.
والطامة الكبرى: النفخة الثانية. فالأولى يموت بها كل حيّ. والثانية يحيى بها كل ميت.
وقال الحسن: (يصيخ) لها كل شيء، أي: يصمت لها كل شيء.
стр. 7960
والصاخة في الأصل الداهية.
قال الطبري: وأحسبها مأخوذة من قولهم: صخّ فلان فلاناً: إذا أصمه. ولعل الصوت هو الصاخ. قال: فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون ذلك لنفخة الصور.
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾.
(أي: فإذا جاءت الصاخة في يوم يفر المرء من أخيه) وأمه وأبيه، وفراره منهم حذر من مطالتبهم إياه بمظالم لهم عليه. وقيل: معنى فراره عنه لئلا يرى ما ينزل به.
- ثم قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
(يعني: لكل واحد من هؤلاء المذكورين ذلك اليوم شأن يغنيه).
стр. 7961
عن شأن غيره.
قال قتادة: " أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس ". " وسألتْ عائشة رضي الله عن ها رسُول الله ﷺ : كيفَ يُحْشرُ الرّجال؟ فقال: حُفةً عُراةً، ثمّ سألتْهُ: كيفَ يُحشَرُ [النساء]؟ فقال: كَذَلِكَ حُفاةً عُراةً، فقالت: واسَوْأَتَاه من يوم القيامة!!
فقال: عن أيّ شيء تَسأليني؟ إنّهُ قدْ نَزَلت عليَّ آيةٌ لا يضرّك كَانت عليكِ ثِيابٌ (أمّ لا، قَالَت): أيّ آيةٍ [هِيَ يا نبيّ الله]؟
قال: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. قال قد شغله عن صاحبه ".
стр. 7962
يقال: غَنيْتُ بالمكان. أي: أقمت به فيكون معنى ﴿يُغْنِيهِ﴾ أي: يقيم عليه.
- ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾.
أي: وجوه قوم يومئذ مشرقة مضيئة ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ من السرور بما أعطاها الله من النعيم، ﴿مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [لم] ترجوه من الزيادة وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضي الله عن هم.
يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وكل مضيء (فهو مسفرٌ. ويقال للمرأة إذا ألقت خمارها أو نقابها أو [برقعها] قد سفرت) عن وجهها.
- ثم قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾.
وهي وجوه الكفار. روي أن البهائم التي يصيرها الله تراباً يومئذ بعد القصاص يحول ذلك التراب غبرة في وجوه أهل الكفر.
стр. 7963
- وقوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾.
أي): تغشى [تلك] الوجوه ﴿قَتَرَةٌ﴾ أي: ذلة.
ثم بين تعالى من هو، فقال:
- ﴿أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾.
أي: الكفرة بالله ورسله وكتبه، الفجرة في دينه لا يبالون ما أتوا من معاصي الله ومحارمه.
стр. 7964
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة كورت
مكية
- قوله تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ إلى آخرها.
معنى كورت: ذهب ضوءها.
وقال ابن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش.
قال أبو العالية: حدثني أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينا
стр. 7965
الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس وبينا هم كذلك إذ تناثرت النجوم، وبينا هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختطلت الدواب والطير والوحوش وماج بعضهم في بعض.
وقل: ﴿كُوِّرَتْ﴾: جمع بعضها إلى بعض، ورمي بها كما تجمع العمامة إذا كورت على الرأس ولفت.
- وقوله: ﴿وَإِذَا النجوم [انكدرت]﴾.
أي: تناثرت وتساقطت من السماء من أيدي الملائكة، لأنهم يموتون.
يروى أنها معلقة بين السماء والأرض، مثل القناديل، بسلاسل من نور، وتلك [السلاسل] بأيدي ملائكة من نور، فإذا كانت النفخة الأولى مات من في
стр. 7966
السماوات (ومن في) الأرض إلا من شاء الله، فَتَنَاثَر الكواكب عند صوت الملائكة كيف شاء الله. وأصل الانكدار: الانصباب.
قال قتادة ومجاهد والربيع: ﴿انكدرت﴾: تناثرت وتساقطت. وقال ابن زيد: ﴿انكدرت﴾: رمي بها من السماء إلى الأرض.
وقال ابن عباس: " ﴿انكدرت﴾: تغيرت "، من قولهم: " ماءٌ كَدِرٌ "، أي: متغير اللون.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ﴾.
أي: سيَّرها الله، فكانت سراباً وهباءً منبثاً.
قال مجاهد: ﴿سُيِّرَتْ﴾ أي: ذهبت.
стр. 7967
وقيل: ﴿سُيِّرَتْ﴾: قلعت من أصلها فصارت بين المشرق والمغرب فصارت كالهباء المنبث.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا العشار عُطِّلَتْ﴾.
أي: وإذا الحوامل من الإبل التي قد بلغت في الحمل عشرة أشهر، وذلك أعز ما تكون عند أهلها لقرب نفعها من الولد واللبن، قط عطلها أهلها وأهلموها فلا يسألون عنها لهول ما فَجِئَهُم. والعشار: جمع عُشَرَاء، يقال: " ناقةٌ عُشَرَاءٌ ": إذا أتى على حملها عَشَرَةُ أشهر.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾.
قال ابن عباس: حَشْرُ البهائِمِ موتُها.
وقال (أبي) بنُ كعب: ﴿حُشِرَتْ﴾: " اختلطت ".
стр. 7968
وقال قتادة: ﴿حُشِرَتْ﴾: جمعت فأميتت بعد أن يقتص لبعضها من بعض. وهو اختيار الطبري لقوله: ﴿[وَأَرْسِلْ] فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: جامعين له الناس، ولقوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩]، أي: مجموعة.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾.
قال أبي بن كعب: ﴿سُجِّرَتْ﴾: اشتعلت ناراً.
وقد سأل علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ رجلاً من اليهود فقال له: أين جهنم؟ فقال: البحر، (فقال): ما أراه إلا [صادقاً]، وقرأ: ﴿والبحر المسجور﴾ [طه: ٦]، ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾. وقال ابن زيد: ﴿سُجِّرَتْ﴾: أُوقِدَتْ فصارت نيرانا، وقاله سفيان. وقال
стр. 7969
الربيع بن [خثيم]: ﴿سُجِّرَتْ﴾: " فاضَتْ ".
وقال الضحاك: " فجرت ".
ودليله قوله في الانفطار: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، فكيف يخبر عنها في هذه السورة بأنها تسعر ناراً، [و] يخبر عنها في [السورة] الأخرى بأنها تفجر؟! بل الخبر في السورتين عن تفجيرها أولى.
وقال قتادة: ﴿سُجِّرَتْ﴾: ذهب ماؤها وغار.
وقال الحسن: " يبست "، وهذا موافق لقول الضحاك وموافق لمعنى ما في السورة الآخرى من ذكر التفجير، لأنها إذا فجرت ذهب ماؤها، وإذا ذهب ماؤها يبست، فالمعنى متَّفِق في ذلك.
وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر [تكوَّر] الشمس والقمر فيه،
стр. 7970
[وتتناثر] الكواكب ثم تسجر فتكون جهنم. وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم [وسط] الأرض، أسفله آبارٌ مطبقة بنحاس تسجر يوم القيامة.
وقال (أبو) عمران الجوني: بلغنا أن دون العرش بحاراً من نحاس تسجر يوم القيامة.
стр. 7971
والمسجور [و] السَّاحر في اللغة: المَلآنُ، فمعنه - على قول من جعله جهنم - أنها تملأ ناراً.
وقيل: هي بحار في جهنم، إذا كان يوم القيامة سجرت بأنوا العذاب، أي: ملئت [بذلك]. [روي أن الأوزاعي وقف على بحر الشام، فقال: هذا بحر، وتحته نار، وتحت النار بحر، وتحت البحر نار، حتى أتى على سبعة أبحر وسبعة أنوار. ثم قال: ينصب عليه الماء يوم القيامة، تشتعل نيرانه فتصير جهنم].
وقوله: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ: هو الرجلان (يعملان) بعمل أهل الجنة أو
стр. 7972
بعمل أهل النار. فَيُقْرَنُ كل شكل بشكله. ودليله قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، أي: وأشكالهم في الشر.
وقال عكرمة: يقرن الرجل الصالح بقرينه الصالح - في الدنيا - في الجنة [ويقرن] الرجل الطالح بقرينه [الطالح] الذي كان يعينه في الدنيا على ذلك في النار، ومكذلك تزوج الأنفس.
وقيل: معناه أن نفوس المؤمنين تقرن/ بحور العين. وتقرن نفوس [الكفار] والمنافقين بأنفس الشياطين.
وقال الحسن: ﴿زُوِّجَتْ﴾ " ألحق كل امرئ بشيعته ".
стр. 7973
(وقاله قتادة)، (قال): يلحق اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى.
وقال عكرمة: معناه: وإذا النفوس ردت إلى الأجساد، فتقرن كل نفس بجسدها. وهو قول الشعبي.
-[ثم قال تعالى]: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ﴾. ﴿بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.
أي: طلب منها من قتلها؟ توبيخاً له، أي: وقيل لها: من قتلك؟ ولأي شيء قتلت بغير ١ذنب؟ توبيخاً لقاتلها. وأصل الوأد في اللغة: الثِّقْلُ. يقال: وَأَدَهُ [يَئِدُهُ] وَأْداً: إذا أثقله، فكأنه يُثْقِلُ المولودة بالتراب. ومنه: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]
стр. 7974
وكان أهل الجاهلية يقتلون بناتهم، فوبخهم الله بذلك. [وقرأ] ابن عباس وجابر ابن زيد: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، أي: سألت قاتلها: بأي ذنب قتلها.
وقيل: معناه: سألت ربها عن ذلك على طريق التوبيخ والتقرير للقاتل.
روي أن الجاهلية لما زعمت أن الملائكةَ بناتُ الله، ألقى الله بغض البنات في قلوبهم، فكان بعضهم يكسو بنته جبة صوف [أو شعر] ويجعلها ترعى الغنم
стр. 7975
بغضاً فيها.
وكان بعضهم يدفنها حية، وبعضهم يقتلها، وبعضهم يلقيها في بئر ويلقي التراب عليها.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ﴾.
أي: وإذا صحف أعمامل العباد نشرت لهم بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات والسيئات.
قال قتادة: " صحيفتك يا ابن آدم تملى [ما] فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة ".
وقيل: (المعنى): نُشِرَ مَا فيها من أعمال بني آدم.
روي أن في السماء مَلَكاً (اسمه) " السِّجِلُّ "، تَرفع إليه الملائكةُ الحفظةُ [كل يوم] أعمال بن آدم، ما كتبوا بالليل والنهار، فينظر في تلك الكتب فيرى ما لهم وما عليهم، فيطرح منها قول الرجل: اخْرُجْ، كُلْ [اشْرَبْ]، ونحوه مما ليس فيه
стр. 7976
ثواب ولا عقاب، ثم تطوى تلك الكتب ويطبع عليها كل يوم وليلة، فلا تفتح إلى يوم القيامة، فتنشر للحساب، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. أي: [نطوي] السماء (كما يطي) ذلك الملك الكتب التي فيها أعمال بني آدم.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾.
قال الفراء: " نُزعت وطويت ". وفي قراءة عبد الله: " قُشِطَتْ "، بالقاف. وهما لغتان. والأصل الكاف. قال مجاهد ﴿كُشِطَتْ﴾: " جذبت ".
وقيل: معناه: ﴿كُشِطَتْ﴾ عمن فيها (كما) يكشط الجلد عن الكبش.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ﴾.
стр. 7977
أي: أُوقِد عليها فَأُحْمِيَتْ لأهلها.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾.
أي: قربت [وأدنيت] من أهلها.
- ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾.
هذا جواب ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ وما بعده. وإلى هذا أَتَى بالقصة من أولها، أي: إذا وقع كل ما ذكر من الحوادث، علمت (كل) نفس ما أحضرت من خير أو شر، وما أخرت.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ: " إلى هذا جرى الحديث ". والمعنى: ما وَجَدَته حَاضِراً، كما يقال: " أَحْمَدْتَ الرَّجل ": إذا وجدته محموداً.
- ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس * الجوار الكنس﴾.
(لا) زائدة مؤكدة، والمعنى: أقسم بالخنس، وهي النجوم الدراري الخمسة،
стр. 7978
تَخْنَسْ في مجراها فترجع وتكنس [فتصير] في بيوتها كما تكنس [الضباء] في الغار وهي بهرام -[وهو] المريخ - وزحل وعطارد والزهرة والمشتري. قال علي: الخنس: " النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل ". وقال [بكر] بن عبد الله: " هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق ". وهو قول الحسن ومجاهد.
وقال قتادة كقول الحسن، [قال]: هي النجوم تبدو بالليل وتكنس
стр. 7979
بالنهار.
وقال عبد الله بن مسعود: هي بقر الوحش. وكذلك قال النخعي وجابر بن زيد.
وقال ابن عباس: هي الظباء، وهو قول ابن جبير والضحاك. وإنما يقال لبقر الوحش والضباء " خُنْسٌ "، لأن الواحد أخنسُ والأنثى خَنْسَاءُ، أي: قصيرات الأنوف.
وقيل للنجوم " خُنَّسٌ "، لأنها تخنس، أي: ترجع في مجراها، من قولهم: خَنَست
стр. 7980
عن الرجل: إذا تَأَخَّرْت عنه.
ويقال: خَنَسْتَ عن الرجل: إذا استَتَرْتَ عنه، فلذلك قال الحسن: هي النجوم تخنس بالنهار أي: تستتر فيه، والكنس: المستقرة، والكِنَاسُ: أن تتخذ البقرة الوحشية من/ الشجرة القديمة بيتاً تأوي إليه.
وقيل: الكنس سبعة: الشمس والقمر [والمشتري] وعطارد والمريج وزحل والزهرة.
أقسم الله - جل ذكره - بها، والتقدير: فأُقْسِمُ [برب] الخنس، والله - جل ذكره - يقسم بما شاء من خلقه.
- ثم قال تعالى: ﴿والليل إِذَا عَسْعَسَ﴾.
стр. 7981
(قال ابن عباس رضي الله عن هـ: ﴿عَسْعَسَ﴾: " أدبر ". وهو قول علي ومجاهد وقتادة.
وقال زيد بن أسلم ﴿عَسْعَسَ﴾: ذهب.
وقال الحسن: ﴿عَسْعَسَ﴾: إذا غشي الناس بظلامه. وهو قول الفراء.
والعرب تقول: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر فلم يبق منه إلا اليسير.
وقيل: هو من الأضداد.
стр. 7982
وقال المبرد: ليس هو من الأضداد، لكن يقال: عسعس إذا لم يستحكم ظلمته، فهذا يصلح لأوله ولآخره.
- ثم قال تعالى: ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾.
ي: أقبل وتبين. والتقدير: وَضَوْءُ الصبح إذا أقبل.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
هذا جواب القسم المتقدم.
[وأجاز] الكسائي " أنَّهُ " بالفتح على معنى: أقسم أنَّهُ.
والمعنى: إِنَّ هذا القرآن لقول رسولٍ كريمٍ عن الله بَلَِّغَهُ، يعني جبريل ﵇ كريم عند مرسله.
وقيل: الرسول [الكريم: محمد] ونسب إليه القرآن فجعل من قوله لأنه
стр. 7983
يعمل بما فيه، ويقول به وهو مذهبه، كما تقول: فلان يقول يقول مالك ويقول الشافعي، أي بمذهبه. فأضاف القول إليه لانتحاله إياه. كذلك من جعله جبريل، أضاف القول إليه؛ لأنه ينزل به من عند الله، فهذه إضافة لفظ دون معنى.
- وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾.
يعني جبريل، أي: صاحب قوة على ما كُلِّف من تبليغ الوحي، مكين عند رب العرش، أي: متمكن الحال والدرجة عند ربه.
- ثم قال تعالى: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾.
أي: مطاع في السماء، تطيعه الملائكة، [أمين] عند الله على وحيه إلى أنبيائه.
قال أبو صالح: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ قال: " جبريل أمين على أن يدخل سبعين سُرْادِقاً من نور بغير (إذن] ".
قال ابن عباس والضحاك: هو جبريل.
стр. 7984
- ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.
يعني [محمد] ﷺ ، أي: ليس (هو) بمجنون كما قال المبطلون.
- ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين﴾.
[أي]: ولقد رأى [محمد] جبريل ﵇ في صورته في الناحية [التي] تتبين فيها الأشياء، فيرى من قبلها وذلك ناحية مطلع الشمس من قبل المشرق.
وقال قتادة: ﴿بالأفق المبين﴾، كنا نُحَدِّثُ أن الأفق من حيث تطلع الشمس ويجيء النهار.
قال ابن عباس: رأى محمد جبريل على صورته عند الله.
قال ابن مسعود: رأى جبريل له خمسمائة جناح وقد سد الأفق.
стр. 7985
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ﴾.
من قرأه بالضاد غير مرفوعة فمعناه: وما محمد على القرآن ببخيل، بل [يبذله] ويدعو له ويغظ (به). ويذكر به ويعلمه. ومن قرأه بالظاء مرفوعة فمعنه: بمتهم.
أي: ليس هو بمتهم على القرآن، بل هو أمين عليه وعلى تبليغه كما أوحي إليه.
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾.
أي: وما القرآن الذي جاءكم به محمد ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾، أي]:
следующие страницы →