← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ. . .﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا. . .﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين. . .﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى " أَلاَ " [و] بمعنى " حَقاً ". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا

стр. 8017

كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ". وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت.

стр. 8018

قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو " الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. " كلا " عند أبي حاتم بمعنى " ألا ". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته.

стр. 8019

وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من " كلا "، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ لالهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك ﵀: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه/. وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون.

стр. 8020

وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: " جاءني زيد "، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنعك جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً.

стр. 8021

- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم﴾. أي: لَوَارِدُهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا. - قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار. . .﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذي بَرَّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: " [هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر ". وسأل ابن

стр. 8022

عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: " هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين ". وروي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاعج: هي " السماء السابعة ". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم.

стр. 8023

وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: " لفي السماء عند الله ". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: " فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى ". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي " الجنة ". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟. . . قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله،

стр. 8024

[لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عند فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ المقربون﴾. وعن ابن عباس: أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء ﴿﴾ وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ " عشرين ". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون.

стр. 8025

والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ المقربون﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار

стр. 8026

والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. - ثم قال: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " (على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ ".

стр. 8027

قال مجاهد: ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾: " من اللؤلؤ والياقوت/ ". - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط.

стр. 8028

- ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ. . .﴾. أي: خلطه مسك. وقال علمقة: " طعمه وريحه مسك ". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، آخر: شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله ( مُقَدَّمَ) شرابهم، كان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: " طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك ".

стр. 8029

وقال أبو الدرداء: هو شراب مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقال ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال:

стр. 8030

لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الأنهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر " خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وَخِتَامأً "، " والخَاتَمْ " الاسم. - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فلتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه.

стр. 8031

والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمْ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سمنتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا

стр. 8032

الخمر. وقال الضحاك: " هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب ". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب " عين "، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِ " يسقون "] عيناً، (أي): ما [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت " تسنيماً " [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن

стр. 8033

" تَسْنِيماً " اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و " عين ": نكرة. ومعنى " عَيْن ": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم/ على شيء، استهزاءً بهم). - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾.

стр. 8034

أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: " معجبين ". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عن هـ وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ﴾.

стр. 8035

أي: وإذ رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء الضالونَ عن محجة الحق. - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعلموا] بطاعة ربهم. - ثم قال تعالى: ﴿فاليوم الذين (آمَنُواْ) مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم.

стр. 8036

وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [طلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: - ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾.

стр. 8037

- ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد؟ وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار﴾] أو لم يجاوزوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

стр. 8038

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة إذا السماء انشقت مكية - قوله تعالى: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ إلى قوله: ﴿(إلى أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: إذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه

стр. 8039

قال: " ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن " يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: " سمعت لربها ". وهو قول مجاهد وقتادة الضحاك وسفيان.

стр. 8040

وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة بها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ قال: " إذَا كَانَ يَومُ

стр. 8041

القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِنَ بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ. . . ". - ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقّ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى ". وقال قتادة: " أخرجت (أثقالها) وما فيها ".

стр. 8042

- ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر بها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذ السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يا أيها الإنسان﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، في أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء/.

стр. 8043

وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انقشت، فمأ من أوتي كتابه بيمينه. - ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً،

стр. 8044

فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: " إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله ". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له

стр. 8045

[سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عن ها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: " اللهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلْت: يَا رسُولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ ". وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: " قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : [ إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جَلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب ".

стр. 8046

قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب " أن عائشة رضي الله عن ها قالت: " يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ،

стр. 8047

فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ الله [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ ". - وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حساباً يسيراً إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتاب بيمينه أو بسلمة بن عبد [الأسد]، وهو ألو من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة. - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخرة السورة. (أي): وأما من أعطى كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى

стр. 8048

إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم بأنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: " تجعل يده من وراء ظهره ". روي أنه يعني بن الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالها. - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾.

стр. 8049

أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و " ياويلاه ". تقول لعرب دعا فلان لَهفَه: إذا إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: " يدعوا بالهلاك ". - ثم قال تعالى: ﴿ويصلى سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجه بعد إنضاجه] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنه صلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾.

стр. 8050

أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بلى). . .﴾. (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً لا يخاف عقاباً. - ثم قال: ﴿بلى﴾ أي: بلى يبعث/ ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ

стр. 8051

يَقُول فِي دُعائِهِ: " اللهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ " (اي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس.

стр. 8052

وقال مجاهد: " الشفق: النهار كله ". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر.

стр. 8053

ومن [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ . وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ " وَمَا لفّ ". وعنه: " وَمًا جمع. . . ". وعنه: " وما أظلم عليه، وما دخل فيه ".

стр. 8054

وقال عكرمة: (وما وسق) " وما [ساق] من ظلمة ". وهو قول الضحاك: - ثم قال تعالى: ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾. قال ابن عباس: ﴿اتسق﴾: استوىى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا اتسق﴾ إذا كاجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا اتسق﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا اتسق﴾. إذا استدار. - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها

стр. 8055

الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهمه إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ . والمعن: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال.
следующие страницы →