← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

يَقُول فِي دُعائِهِ: " اللهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ " (اي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس.

стр. 8052

وقال مجاهد: " الشفق: النهار كله ". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر.

стр. 8053

ومن [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ . وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ " وَمَا لفّ ". وعنه: " وَمًا جمع. . . ". وعنه: " وما أظلم عليه، وما دخل فيه ".

стр. 8054

وقال عكرمة: (وما وسق) " وما [ساق] من ظلمة ". وهو قول الضحاك: - ثم قال تعالى: ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾. قال ابن عباس: ﴿اتسق﴾: استوىى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا اتسق﴾ إذا كاجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا اتسق﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا اتسق﴾. إذا استدار. - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها

стр. 8055

الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهمه إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ . والمعن: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال.

стр. 8056

[وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على

стр. 8057

المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد الأهوال. - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. - ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾.

стр. 8058

أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهمه. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كان خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً.

стр. 8059

وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير/ فإن وقعت اللشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعلموا الأعمال الصحالة لهم عند الله ثواب منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: " غير منقوص ". وقال مجاهد: " غير محسوب ". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

стр. 8060

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة البروج مكية قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج " [يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب ". قال مجاهد: " البروج: النجوم ". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات المنازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً].

стр. 8061

وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين﴾. ثم قال تعالى: ﴿واليوم الموعود﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: " الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة ". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ

стр. 8062

وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود ": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: " الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة ". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].

стр. 8063

وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد " أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة ". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ ( قال): " أكثر علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة " وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود * النار ذَاتِ الوقود﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم.

стр. 8064

ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقال: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبو علي أن يقروا بذلك، فقالت [ابسط] عليه السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبو فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت:

стр. 8065

خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فقذفه في لنار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. /وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك قال بعض العلماء فيه [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. وقوله: ﴿النار﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها.

стр. 8066

والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم مالك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه.

стр. 8067

قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال واصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه.

стр. 8068

وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: " إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحل الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عن الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر

стр. 8069

الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقلتها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها ذلك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ مقال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: /ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال

стр. 8070

له/ ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته حتى بلغ (إلى الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال اذهبوا به حتى تبلغوه ذورة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلبما بلغ ذورة الجبل قال الغلام: اللهم اكفينهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال: فذهبوا، فلما توسطوا البحر قال الغلام: اللهم فاكفينهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس

стр. 8071

برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. اقل: فقال لها صبيها: يا أمه، أمضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار ". وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرتقهم. وقوله: ﴿ذَاتِ الوقود﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود " الحفرة تحفر في الأرض. وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذا الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا

стр. 8072

القوه في النار. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾. أي: سلطان ذلك كله. ﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق

стр. 8073

في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس.

стр. 8074

قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء/ والخمر، واللبن والعسل.

стр. 8075

﴿ذَلِكَ الفوز الكبير﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لتشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمة على كفرهم وتعذبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبث والجزاء. وهذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿الودود﴾ أي: ذو المحبة.

стр. 8076

وعن ابن عباس أنه قال: ﴿الودود﴾: " الحبيب ". وقال ابن زيد: ﴿الودود﴾: " الرحيم ". ثم قال تعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾. وقال ابن عباس: ﴿المجيد﴾: " الكريم ". ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذي تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود.

стр. 8077

ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط باعمالهم محصيا عليهم حتى يجازيهم عليها. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد " كريم " وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: " في أم الكتاب ". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتاً

стр. 8078

للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال تعالى مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ " عند الله ". وقال أنس بن مالك: " إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل ". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآ، رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة]

стр. 8079

حمراء قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إلا اله إلا هو.

стр. 8080

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة والسماء و الطارق مكية قوله تعالى: ﴿والسمآء والطارق﴾ إلى آخرها. هذا (قسم) أقسم ربنا تعالى بما شاء، وتقديره: ورب السماء والطارق. ثم بين الطارق فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب﴾ أي: النجم المضيء، يقال: طرقنا فلان: إذا أتى بليل. قال ابن عباس: معناه: " والسماء وما يطرق فيها ". قال قتادة: " يطرق بالليل ويخفى بالنهار ".

стр. 8081

قال ابن زيد: العرب تسمي الثريا النجم. وحكى الفراء: ثقب [النجم] إذا ارتفع. وقال: هو زحل. ويقال: ثقب الطائر إذا ارتفع وعلا. قال مجاهد: ﴿الثاقب﴾: الذي يتوهج. ثم قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. من خفف [لما]، فتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، " فما " زائدة مؤكدة، " وإن " مخففة من [الثقيلة]. ومن شدد [لما] جعلها بمعنى " إلا " لغة في هذيل، و ﴿إِن﴾ بمعنى " ما ". والمعنى: ما كل نفس نفس إلا عليها حافظ من ربها يحفظ عملها [و] يحصي

стр. 8082

عليها ما تكسب من خير وشر. قال ابن عبس: معناه: كل نفس عليها حفيظ من الملائكة. وقال قتادة: " حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم قُبضت إلى ربك. وقال الفراء: كل نفس عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى المقدور. ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ/ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾. أي: فلينظر الإنسان المكذب بالبعث بعد الموت، المنكر قدرة الله على ذلك من أي شيء خلق. ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي: مدفوق. فيعلم أن من خلقه من ماء فصوره وسواه [بشراً]، (وهو) قادر أن يعيده بشراً بعد موته، وذل أهون وأيسر فيما تعقلون بينكم. قال الكسائي والفراء: أهل الحجاز أفعل الناس لهذا: يأتون بفاعل بمعنى مفعول إذا كان نعتاً، يقولون: سر كاتم وماء دافق، أي: مكتوم ومدفوق. وهذا

стр. 8083

عند البصريين لا يقاس عليه، وإنما يأتي في مالا يكشل. ولا يجوز رجل [ضارب] بمعنى مضروب، لأن فيه بطلان الكلام كله وفساد المعاني. وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾. أي: يخرج الإنسان من بين صلب الرجل وترائب المرأة. وواحد الترائب: تريبة. ومعنى الكلام: [منهما]. وقرأ عيسى بن عمر: " (بين) الصلب " بضمتين. وقال إبراهيم بن عرفة: الترائب في اللغة: ضلوع الصدر، واحدها تريبة. قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة من صدر المرأة. وسئل عكرمة عن الترائب فقال: " هذا ووضع يده على صدره بين ثدييه " وعن ابن عباس: أنها " بين ثديي المرأة ".

стр. 8084

وقال ابن جبير: ﴿والترآئب﴾ [الصدر]. وقاله ابن زيد. وقال مجاهد: ﴿والترآئب﴾: " ما بين المنكبين والصدر ". وعنه أيضاً: أن الترائب " أسفل من التراقي ". وقال سفيان: الصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة فوق الثديين. فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ على هذا الأقوال للإنسان. وعن قتادة أنه " يخرج من بين صلب الرجل ونحره ". وعن ابن عباس أن الترائب أطراف الرجل: اليدان والرجلان والعينان. وقاله الضحاك. وعن ابن جبير أيضاً أن الترائب أضلاع الرجل التي أسفل الصلب. وقيل: الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد.

стр. 8085

فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ على هذه الأقوال الثانية يعود على الماء. والمعروف في كلام العرب أن الترائب موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه من صدرها. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي: إن الله [على] رده هذا الإنسان المنكر للبعث (بعد الموت) بعد موته لقادر في يوم تختبر السرائر. فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان. هذا قول قتادة، وهو اختيار الطبري: لأن بعده: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي: على رده حياً في هذا اليوم الذي تختبر فيه سرائر الخلق فيكشف المستور منها. وهذا التأويل فيه بُعْدٌ في العربية، لأن العامل على هذا التقدير في ﴿يَوْمَ﴾ ﴿رَجْعِهِ﴾ فهو داخل في صلته. وقد فرق بين الصلة والموصول بخبر (إن)، وهو ﴿لَقَادِرٌ﴾. وذلك لا

стр. 8086

يحسن. ولكن يكون المعنى على ما قال قتادة، ويكون العامل في ﴿يَوْمَ تبلى﴾ ﴿نَاصِرٍ﴾ أي: فما للإنسان من قورة يرد عن نفسه بها ولا ناصر ينصره في يوم تبلى السرائر. وقال الضحاك: المعنى (أن الله) على رد الإنسان ماء كما خلقه من ماء لقادر فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ أيضاً للإنسان. وقال مجاهد وعكرمة: المعنى أن الله على رد الماء في الإحليل لقادر. فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للماء، وهو معنى قول ابن زيد. وعن الضحاك أيضاً أن معناه أن الله على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، ومن الصبا إلى النطفة، لقادر. فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان. وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال " ائتمن الله خلقه على أربع: على الصلاة والزكاة والصيام والغسل من الجنابة، وهي السرائر التي يختبرها الله يوم القيامة ".

стр. 8087

قال عطاء في قوله: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ قال: ذلك الصوم والصلاة وغسل الجنابة. يقول في الدنيا إذا شاء: قد صمت، ولم يصم، وقد صليت، ولم يصل، وقد اغتسلت ولم يغتسل. وقال قتادة: " إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيراً وأعلنوه [إن استطعتم]، ولا قولاة إلا بالله ". وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾. أي: فما للإنسان الكافر بيوم تبلى السرائر من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره (فيستنقذه من العذاب، وقد كان في الدنيا يرجع إلى قوة من عشيرة يمتنع بها ممن أراده بسوء، وناصر ينصره) مما ظلمه، هذا معنى قول قتادة ومعمر. ثم قال تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾. أي: ورب السماء ذات المطر، أي: ترجع بالغيوث وأرزاق العباد كل عام،

стр. 8088

ورب الأرض ذات الصدع، أي: ذات الصدع بالنبات. قال ابن عباس: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: " السحاب في المطر ". وقال الحسن: " ترجع بأرزاق الناس كل عام ". وقاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: " السحاب يمطر ثم يرجع بالمطر ". وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: شمسها وقمرها ونجومها، يأتين من هاهنا. والرجع: تجمع على " رجعان " سماعاً على غير قياس، وقياسه [أرجع] (ورجوع). قال ابن عباس: ﴿ذَاتِ الصدع﴾ أي: " ذات النبات ". وقال قتادة: تنصدع عن النبات. وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ الصدع﴾ أي: ذات الانشقاق للنبات.

стр. 8089

ثم قرأ: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: ٢٦] الآية. وقال أيضاً: صدعها: الحرق. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. هذا جواب القسم، أي: إن هذا القول أو الخبر الذي تقدم ذكره لقول ذو فصل، أي: يفصل بين الحق والباطل ببيانه. وقيل: الجواب: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ﴾، لأن " إن " بمعنى " ماء "، وهو حسن، وهو أقرب من غيره إلى القسم، فهو أليق به. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ﴾. وقال ابن عباس: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي: " لقول حق ". وقال قتادة: ﴿فَصْلٌ﴾: حكم.

стр. 8090

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾. أي: وما هو بالعبث ولا الباطل ولا اللعب. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾. أي: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله ووعده ووعيده يمكرون مكراً، وأمكر مكراً، أي: أجازيهم على مكرهم. فسمى الجزاء مكرا لأنه جزاء المكر، فسمي باسم ما هو مجازاة عنه وإن لم يكن مثله، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمي جاء السيئة سيئة إذ هي جزاء لها وإن لم يكن الجزاء سيئة، ومكره - تعالى ذكره - بهم: إملاؤه لهم واستدراجه إياهم. والمعنى: أنهم يكيدون النبي وأصحابه كيدا، وأجازيهم على كيدهم جزاء. ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾. أي: فلا تعجل يا محمد على الكافرين بالعقاب، أمهلهم قليلا حتى يأتي وقت حلول النقمة بهم. قال ابن عباس: الرويد: القريب. وقال قتادة: " الرويد: القليل ". قال ابن زيد: معناه: أمهلهم ولا تعجل عليهم، تركهم حتى إذا أراد الانتصار منهم أمره بحربهم وقتالهم والغلظة عليهم فأهلكهم ببدر بالسيف.
следующие страницы →