← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾. أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد ﷺ يعني قريشاً وكفار العرب. وقيل: هم اليهود. وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائ الإيمان. ﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾. هو إشارة إلى الكفر. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِف توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه. والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿الذي﴾، أو على إبراهيم ﷺ . ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد.

стр. 807

قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾. الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس. وقيل: هي تعود على إبراهيم ﷺ . / والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سا بن نوح. قاله مجاهد. قال قتادة: " نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل ". أخبر الله نبيه ﷺ بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد ﵇ عندهم/ ممن

стр. 808

يقرأ [الكتاب فينقل منهان وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق. قال مجاهد: " نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود ﷺ ، وذو القرنين ﵇. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي ". قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: " أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر ". قال له إبراهيم: " فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها/ إن كنت صادقاً من مغربها ".

стр. 809

قال الله: ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾. أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: " فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ " أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ ف " الذي " في موضع نصب، على هذه القراءة. قال قتادة: " دعا نمروذ/ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. / فبهت الذي كفر " فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: " أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو ق ل: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت.

стр. 810

قال زيد بن أسلم: " كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم ﵇، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم ﵇ إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي/ جئت به. فعلم أن الله قد رزقه [فحمد الله

стр. 811

تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: أجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جمعه، وأمر الله الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبقى إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عيه بعوضة فدخلت في منخره، فمكمث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته. وقال السدي: " لما أخرج إبراهيم ﷺ من النار، أدخل على الملك، ولم يره

стр. 812

قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على ألهتكم، وأن النار لا تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءاتيناهآ إبراهيم على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قوله: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾. أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم/ عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه. / قال الفراء والكسائي: " معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: هل رأيت كالذي حاج، أي كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه ". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: " الم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية. قوله: ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾.

стр. 813

قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: " وهو عزير ". وقيل: هو أرميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر. وقال مجاهد: " هو رجل من بني إسرائيل ". وقال وهب بن منبه: " القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يحُيْى/ هذه الله بعد موتها ". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي. وكذلك قال قتادة/ وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: " وقف عليها عزير ". وقال ابن زيد: " هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم]

стр. 814

الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها ". ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾. أي خالية من أهلها. ﴿على عُرُوشِهَا﴾. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: " قَرَبْتُ الماءَ " إذا جمعته. وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها. وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها. قال وهب بن منبه: " أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ

стр. 815

بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب/ لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حوليها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم

стр. 816

لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة/ عام ". وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه ". قوله: ﴿فانظر إلى/ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. من قرأ " نُنْشِرُهَا " بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: " أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله:

стр. 817

﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، أي ارتِفعوا وانْضَموا. قال وهب بن منبه وغيره: " معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً. قال وهب: " كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". قال السدي: " كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت/ وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر

стр. 818

الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". ومن قرأ [بوصل ألف " أعلم " جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: " اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير ". قال الضحاك: / " أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهئته، فقال له الله جل ذكره: ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ذلك وحيي كله قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ". وكذلك قال قتادة.

стр. 819

وقال: ابن زيد: " أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط ". قال ابن زيد: " جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، / حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى. ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ". وقال الله له ذلك يأمره به. ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري.

стр. 820

فالعطف في قوله: ﴿أَوْ كالذي﴾ مردود على معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن معناه: هل رأتي مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾، تقديره: " أو رأيت مثل الذي مر ". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، ف " شهدوا " معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: " بعد أن/ آمنوا وشهدوا ". وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. قال الأعمش: " جاء شاباً وولده شيوخ ". وقال السدي: " جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه. فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير. قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار ".

стр. 821

وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى إرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل. وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير. وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من " السَّنَةَ "، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله. ومن قرأ " يتَسَنَّه " فأصله يتسنن، من " سَنَّ المَاءَ " إذا تغير. فمعناه لم يتغير

стр. 822

فأبدلوا من النون/ الآخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: " تَقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ "، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة. وقرأ طلحة من مصرف: " لَمْ يَسَّنَّ " أدغم التاء في السين. وقد قال بعض أهل اللغة: " لَمْ يَتَسَنَّ " من أَسِنَ الماء إذا أنتن. ويلزمهم من هذا " يَتَأَسَّنْ ". وقال الشيباني: " هو من قولهم: " حَمَأٌ مَسْنُونٌ ". ومعنى " يَتَسَنَّ ": يتغير. ولا يجوز عند أأبي إسحاق أن يكون من " مَسْنُونٍ " لأن معنى " مَسْنُونٍ "، مصبوب. والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية/ تقول في تصغيرها: " سُنَيْهَةٌ " على قول من قال: " يَتَسَنَّه ". و " سُيينةٌ " على قول من

стр. 823

قال: " يتسن ". قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾. " إذا " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ". وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ﴾: " ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم ". قال قتادة: " مر إبراهيم ﵇ على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ". وكذلك قال الضحاك. وقال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان/ يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾؟، ليرى ذلك/ عياناً ". ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك

стр. 824

دخل عليه. وقال السدي: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم ﵇ بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم ﷺ أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، / وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ ق ل: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت. أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، وليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم ﵇ ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة

стр. 825

الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم ﵇ ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمني عند ربه من قرة العين والكرامة إلا صورتك/ هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله " عكلى محمد " وعليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حين أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك ". وقال ابن عباس: " ما في القرآن آية أرجى عندي منها "، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. وقال عطاء بن أبي رباح: " دخل قلب إبراهيم ﷺ بعضُ ما يدخل

стр. 826

قلوب الناس ". وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾، وَقالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ". واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [﵇] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. وقد قال النبي [﵇]: " ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ ". وهذا القول من نبي الله ﷺ إنما هو على التواضع والتذل لله، ونفى التكبر كما قال: " لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ " ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. ويجوز أن يكون قوله: " نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم "، يعني به أمته، كأنه

стр. 827

صلى الله عليه وسلم يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه. وقال قال سعيد بن جبير: " معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً ". وعن ابن عباس: " ليطمئن قلبي " في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه ". ولم يرد أن إحياء المتى يطمئن به. قال أبو إسحاق: " ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة ". قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير﴾. قال مجاهد/ وابن جريج وابن زيد: " أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة ".

стр. 828

وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب. قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: / " صُرْ وَجُهَكَ إِلَيَّ " أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. وفي الكلام حذف: " وقطعهن بعد الضم ". وقال مجاهد: " ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ ". وقال أبو عبيدة: " صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرْت] بالضم: جمعت ". وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. وقيل: معنى الكسر: قطعهن.

стр. 829

/ قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. ويكون في الكلام تقديم/ وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي فقطعهن. وقد قال عطاء: " ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: / أضممهنَّ إليك ". وقال ابن زيد: " أجمعهن ". وقال قتادة: " أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل ". قال ابن جريج: " جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ ﷺ ] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله ، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الآخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة

стр. 830

الأخرى، وكل بضعة وكل عظم بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إ لى الرأس الذي [في يده] ". قوله: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره. قوله: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾. قال الطبري: " هذه الآية مردودة إلى قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ وإلى الآيات التي بعدها ". قال السدي: " نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله ويخرج ". والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: " مثل نفقة الذين ينفقون "، ودل " ينفقون " على النفقة فحسن حذفها. وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: " لما نزلت: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله

стр. 831

كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية، قال النبي ﵇: " اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي "، فنزلت: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾. فقال رسول الله ﷺ : " رَبِّ زِدْ أُمَّتِي " فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ". قال مالك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها ". قال مالك: " وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ". قلت: والصبر على طاعة الله وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره. ثم قال: ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضاً إن شاء. وقيل: ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ هو المنفق في سبيل الله ، يزيد على سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك/ عن ابن عباس. قوله: ﴿والله وَاسِعٌ﴾.

стр. 832

أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء. ﴿عَلِيمٌ﴾. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله. وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده. / قوله: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ﴾. قال الكلبي وغيره: " أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى ﵇ بأربعة آلاف دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي نصفها،

стр. 833

وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله ﷺ خيراً. وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين ". ثم " الآيات لكل " من فعل مثل فعلهما. وهذه الآيات فيما قال ابن زيد:: هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل للمجاهدين شيئاً ". وقيل: هي عامة، علم الله أقوماً يمنون بعطيتهم فقدم في ذلك. قال زيد بن أسلم: " إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكي سلامك عنه ". يعني الذي تصدق عليه. قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾. " قول " مبتدأ، و " معروف " نعته، والخبر محذوف كأنه " أمثل " و " أولى ". و " مغفرة ": مبتدأ و " خير من صدقة " الخبر.

стр. 834

قال الضحاك: " إن تمسك مَالَكَ خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى ". قوله: ﴿والله غَنِيٌّ﴾. أي عنى عن ما يتصدق به بالمن والأذى. ﴿حَلِيمٌ﴾. لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذة، وقيل: المعنى: قول جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أى ومَنٌّ ". قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم﴾ الآية/. أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل الرياء صدقة المتصدق المافق/ الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي. والمراد في قوله: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بالله﴾.

стр. 835

هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك. وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول الناس: " ما أكرمه! ما أفضله "، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير. فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾. الصفوان: الحجر الأملس. وقرأ ابن المسيب والزهري: " صَفَوَانٍ " بفتح الفاء. وحكى قطرب " صِفْوَانٍ " بكسر الصاد. قال الأخفش: " صَفْوَانٌ، جماعة صَفْوَانَةٍ ". وقال غيره: " هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته

стр. 836

ولا غيره ". مَثَّلَ الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين للرياء. ومعنى: ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾. أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا في الدنيا لأنه كان لغير الله. ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾. أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من ق ل: أراد بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع/ وغيرهما. قوله: ﴿وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ [أَمْوَالَهُمُ] ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾. ضرب الله الآية الأولى مثلاً لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية

стр. 837

مثلاً لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، أي يقيناً وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح. وقال مجاهد: " يثبتون: أين يضعون أموالهم ". قال الحسن: " يعني زكاتهم ". وروي عن قتادة: " ﴿وَتَثْبِيتاً﴾: احتساباً من أنفسهم ". وعن الحسن أنه قال: " يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك ". قوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾. شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى.

стр. 838

وقال الضحاك: " هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه ". والهاء في ﴿أَصَابَهَا﴾ تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في " يصبها ". قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. أي فهي لا تخلف؛ لابد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره. وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. / أي ارتفعت من: " ربا " إذا زاد. قال مجاهد: " الربوة المكان الظاهر المستوي ". وكذلك قال الحسن. وقال الضحاك: " الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ". وقال السدي: " ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابية من الأرض " يريد المنخفض. وقال ابن عباس: " الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه

стр. 839

الأنهار " / وتقدير الكلام عند المبرد: " فطل يكفيها ". وعلى ذلك يستحسن الوقف على ﴿فَطَلٌّ﴾. وقدَّره غيره. " فهو طل " أو " أصابها طل ". قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية. قوله: ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾. على تقدير: " وقد أصابه الكبر "، ولذلك عطفه على " أَيَوَدُّ " وهو مخالف له. وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: " أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر ". وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ذرية ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، فعند ذلك

стр. 840

احترقت جنته، فانطقع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شيببته وقلة عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد شيئاً من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته. قوله ﴿إِعْصَارٌ﴾. أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود/ والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة. وقال الحسن: " ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: ريح فيها برد شديد ". ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ﴾. أي هكذا البيان المُتَقَدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف.

стр. 841

﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي العلامات. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال/ ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها ". وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي تطعون ". قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال علي رضي الله عن هـ: " من الذهب والفضة، الجياد منها ". أي زكوا من ذلك. وقيل: من الحلال. وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض﴾: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة ". ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾: أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه

стр. 842

زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [﵇] / بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: " كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء. وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ". أي لاتتدصقوا من الحرام. وتصدقوا من الحلال.

стр. 843

قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ﴾. أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم. وقرأ الحسن " أن تُغْمَضُوا " بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة. قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: " تَغْمِضُوا " بفتح التاء، وكسر الميم. وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم.

стр. 844

وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم "، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة ". وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم في من الإ ثم ". قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ﴾. أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد. / ﴿حَمِيدٌ﴾ لمن تصدق بطيب ماله. قوله: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾. أي يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة. ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين]. ﴿والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً﴾ أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة. وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه

стр. 845

عليك "، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق ". وقال قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم ". ﴿والله وَاسِعٌ﴾ يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه. وروي أن في التوراة مكتوباً: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ". وفي القرآن نظير/ هذا، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩]. قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾. قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن/ مقدمة ومؤخرة وناسخة ومنسوخة،
следующие страницы →