Полный текст (8 396 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي العلامات.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
قال/ ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها ".
وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي تطعون ".
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال علي رضي الله عن هـ: " من الذهب والفضة، الجياد منها ". أي زكوا من ذلك.
وقيل: من الحلال.
وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض﴾: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة ".
﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾:
أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه
стр. 842
زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [﵇] / بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: " كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء.
وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ".
أي لاتتدصقوا من الحرام. وتصدقوا من الحلال.
стр. 843
قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ﴾.
أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم.
وقرأ الحسن " أن تُغْمَضُوا " بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة.
قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: " تَغْمِضُوا " بفتح التاء، وكسر الميم.
وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم.
стр. 844
وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم "، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة ".
وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم في من الإ ثم ".
قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ﴾.
أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد.
/ ﴿حَمِيدٌ﴾ لمن تصدق بطيب ماله.
قوله: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾.
أي يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة.
﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين].
﴿والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً﴾ أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة.
وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه
стр. 845
عليك "، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق ".
وقال قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم ".
﴿والله وَاسِعٌ﴾ يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه.
وروي أن في التوراة مكتوباً: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ".
وفي القرآن نظير/ هذا، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩].
قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾.
قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن/ مقدمة ومؤخرة وناسخة ومنسوخة،
стр. 846
ومحكمة ومتشابهة ".
وقال قتادة: " الحكمة: الفقه في القرآن ".
وقال مجاهد: " الحكمة: الإصابة في القول ".
وقال ابن زيد: " الحكمة: العلم بالدين ".
قال مالك: " الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقة فيه، والاتباع له ".
وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: " الحكمة: التفكر في أمر الله والاتباع له ".
وعنه أيضاً أنه قال: " الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين والعمل به ".
وقال مالك: " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في القلوب من رحمته وفضله ".
стр. 847
وقال الربيع بن أنس: " الحكمة: الخشية ".
وقال السدي: " الحكمة: النبوءة ".
وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه ".
وقال ابن زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين ".
وقال مجاهد أيضاً: الحكمة: القرآن ". وقاله الضحاك.
قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾.
أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ابن سلام.
قوله: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾.
стр. 848
الهاء " في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء.
و" ما " لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله.
قال الحسن: " قال رسول الله ﷺ : " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ/ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمُ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلٍ ".
وقال الحسن أيضاً عن النبي ﵇ أنه قال: " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، وَقِرَاءَةُ القُرْآن ".
وقَال: " أَفْضَلُ النَّفَقَةِ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَالِدَيْكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَلَدِكَ وَزَوْجَتِكَ وَعِيَالَكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله " هذا معنى الحديث.
стр. 849
قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة.
قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية.
قال الربيع: " كل مقبول، إذا كانت النبية خالصة، والسر أفضل ".
وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع.
قال [ابن عباس: " صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ضعفاً. وصدقة الفريضة في العلانية/ أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفاً ".
وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: " يُكَفِّرْ " بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء.
وقيل: معناه: ويكفر الله، و " مِنْ " للتعبيض.
ومعنى ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وَجَلٍ
стр. 850
من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها.
وقيل: " من " زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها.
قوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من أخفائها وإعلانها.
ومعنى ﴿خَبِيرٌ﴾ / ذو خبر.
قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.
هذا مثل/ ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ [البقرة: ١١٩]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر. ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفقه للهداية.
وهذا الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله﴾.
стр. 851
وقيل: " نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت مِن بِر جدها [أبي قحافة] إذ لم يسلم/ وغيره، فتصدق عليهم ".
قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: " كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم ".
وروى ابن جبير أن النبي ﷺ " كان لا يتصدق على المشركين حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم.
وقال ابن زيد: " لك ثواب نفقتك، وليس علكيم من عمله شيء ".
وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون.
قال مالك: " يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما ".
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
стр. 852
أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: " إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِالْصَدَّقَةِ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْسَّائِلِ فَيُرْبِيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مَثْلَ أُحُدٍ ".
وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َيَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ [التوبة: ١٠٤].
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾.
اللام متعلقة بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ للفقراء الذين من حالهم وقصتهم - ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾. وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة. ومعنى ﴿أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره.
وقال ابن زيد: " كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفاً فهم محصرون ".
стр. 853
وقال السدي: " معناه: حصرهم المشركون بالمدينة ".
﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض﴾.
أي تقلباً ولا تصرفاً في المعاش والتجارات.
وقال ابن جبير: " نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو.
قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره " نَعِمَ " و " يَئِسَ "، يأتي المستقبل بالفتح والكسر.
وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: " يَعْهِدُ وَيَعْهَدُ.
ومعنى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل﴾.
أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها.
تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود.
стр. 854
وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد.
وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قال السدي.
وقال ابن زيد: " هي رثاثة ثيابهم، / لأن الجوع خفي ".
ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد الميم.
قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً/﴾.
أي إلحاحاً، أي لا يشملون الناس بالسوال، ومنه اللحاف.
والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافاً.
وهو كقول امرئ القيس:
стр. 855
" عَلَى لاَ حِبٍ لاَ يَهْتَدِي لِمَنَارِهِ ".
أي ليس فيه منار فيهتدي به.
ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح.
ويقال: " أَلْحَفَ الرجل " و " أَلَحَّ " و " أَخْفَى "، بمعنى واحد.
قوله: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾.
قال ابن عباس: " نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ؛ كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً. وبالنهار درهماً، وسراص درهماً، وعلانية درهماً ".
وقيل: " إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله ".
ذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري.
стр. 856
/ وقال أبو أمامة: " نزلت في أصحاب الخيل ".
وكذلك قال الأوزاعي: " هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار " وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى أنها في الخيل أكثر أهل التفسير.
قوله: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ﴾.
معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجنون.
والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قاوا: " يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً﴾ [المعارج: ٤٣] إلا أكله الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويقسطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون ".
قال ابن جبير: / " يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه ".
стр. 857
والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله.
وكان أهل الجاهلية إذا حل أحدهم الأجل في دين/ عليه، يقول الذي عليه الدين: " زِدْنِي في الأَجَل وَأَزيدُكَ فِي دَيْنِكَ "، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه الدين: " أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ فِي دَينك "، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع والدين، وغير ذلك ما قد أحكمته السنة وفسره العلماء.
وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: " كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبَا ".
قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له.
стр. 858
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾.
أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه.
والموعظة: القرآن.
ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال غيره: " من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب النار ".
قوله: ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾.
معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما/ نهو عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا﴾.
معناه: / يا أيها الذين صدقوا محمداً: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على رؤوس أموالكم.
ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا عليهم فقبضوا بعضاً، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي
стр. 859
مما زاد على رأس المال.
قال ابن المسيب: " لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما يؤكل ويشرب ". يعني في المبايعة.
وفسره بعض العلماء فقال: " ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، فلا تأخذ إلا وزناً بوزن، ومثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فَزِدْ واستزد يداً بيد ".
قال عبد الله بن سلام: " أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرى منها مثل أن يضطجع الرجل مع أمه ".
وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عن هـ أنه قال: " درهم ربا أشد من/ ست وثلاثين زنية ".
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " الرِبَا سَبْعُونَ حُوباً، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ".
стр. 860
قال ابن مسعود: " الربا بضع وسبعون بابا ".
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله﴾.
أي فأيقنوا بحرب.
وقال الأصمعي: " معناه: كونوا على علم ".
ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾. أي تركتم الربا.
﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أموالكم﴾. بلا زيادة.
﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾. فتأخذون ما ليس لكم.
﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾. فتنقصون من رؤوس أموالكم.
وروى المفضل عن عاصم: " لا تُظْلَمُونَ وَلاَتَظْلِمُونَ "، المفعول قبل
стр. 861
الفاعل.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. أي إن وقع ذلك.
ولا خبر ل " كان "، هي " كان " التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر.
وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: " وإن كان ذو عسرة في الدين فظرة إ لى ميسرة ".
وفي مصحف عبد الله: " وَإِنْ كَانَ ذَا " بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي " كان " الناقصة على هذا.
وقرأ مجاهد: " فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِ هِي "، بضم السين، وصلت الهاء بياء.
وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث.
стр. 862
قال الأخفش: / " ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن " مفعلاً " في الكلام كثير ".
وقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾. هو من التأخير. ورفعها على معنى: " فعليكم نظرة ".
/ وحكى أبو إسحاق: " فناظرة " من التأخير.
وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. ورد أو حاتم ذلك وقال: " إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥].
والمعنى: " إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة ".
وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على
стр. 863
المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين.
روي عن النبي ﵇: " أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه ".
وقال قوم: " إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: ﴿إِنَّ الله/ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
قال ابن عباس: " نزلت في الربا ".
/ وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت.
стр. 864
قوله: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي وصدقه رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل.
وقال قتادة: " ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير ".
وقال غيره: " ذلك على المعسر خاصة ".
قال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: " آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها ".
قال ابن عباس: " آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾.
كذلك قال السدي وعطية وابن جريج.
واليوم في هذا يوم القيامة.
стр. 865
وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله.
ويروى أن النبي ﵇ قال: " أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثُمَانَينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ".
ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه.
وروي أنها نزل على النبي ﵇ قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي ﵇: " اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا ".
وقال مقاتل: " نزلت قبل/ وفاته بتسع ليال ".
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾.
قال ابن عباس: " نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم ". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام.
стр. 866
وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري " أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين ". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد.
/ وقال عطاء: " أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهو مذهب الطبري.
وقال أبو سعيد الخدري: " كان ذلك فرضاً ثم نسخه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي.
وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي.
стр. 867
وقال الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد ". وقال: " من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإ شهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها/: " لا تكتبوا ولا تشهدوا ". بل لك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ عند عدم الكاتب والشهود ".
قال أبو محمد رضي الله عن هـ: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب ".
جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ولا يحمل
стр. 868
على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل.
قوله: / ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾.
قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دُعي إلى ذلك.
قال الضحاك: " نسخها: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ﴾.
وقال السدي: " لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغاً ".
﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾.
أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل/ الذي له الحق شيئاً.
قوله: ﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق﴾. أي من عليه الدين.
﴿سَفِيهاً﴾. أي جاهل بالصواب الذي يمليه عليه الكاتب.
﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره.
وقال السدي: " السفيه الصغير ".
стр. 869
وأصل " السفيه " الخفيف العقل من قولهم: " تَسَفَّهَتِ الْرِّيحُ الشَّيْء " إذا استخفته فحركته.
قال السدي: " الضعيف الأحمق ".
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك.
وقال ابن عباس: " ولي الدين هو الذي هو عليه " أي فَلْيُقِرْ وَلَيُّهُ بِمَا عَلَيْهِ وَلْيَشْهَدْ.
وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم.
فالهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ تعود على الدِّين أو على صاحب الدَّين أو على المطلوب.
قوله: ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾.
اختير " فَعِيلٌ " لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عُرف بالشهادة والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: " فُلاَنٌ شَهِيدِي وَشَاهِدِي ".
стр. 870
قوله: ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي من الأحرار المسلمين.
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان﴾.
قال ابن بكير: " هذا مخاطبة للحكام "، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم الرجلين. لأن فاعلاً لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده ".
ومعنى الآية/ عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ رجلين، أو رجلاً وامرأتين.
ومعنى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء﴾.
أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره.
قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾.
أي فتصير إحداهما ذكراً باجتماعهما. تقول العرب " اذَّكَرَتِ المَرْأَةُ " إذا
стр. 871
ولدت ذكراً، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذِّكر بعد النيسان.
وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نيست.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ﴾.
أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. قاله قتادة والحسن.
وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دُعُوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير/ فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد بها، فأنت مخير في ذلك.
هذا/ قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك.
стр. 872
والألف واللام في ﴿الشهدآء﴾ يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم.
وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك.
قوله: ﴿وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ﴾.
أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر للأجل والمال.
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أي أعدل.
﴿وَأَقْومُ﴾ أي أصوب.
﴿وأدنى أَلاَّ ترتابوا﴾.
أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي يداً بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلاً ألا تكتبوها.
стр. 873
ثم قال: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قال الضحاك: " ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من بيع إلى أجل فليشهد ".
قال مالك: " هو مخير في الإشهاد، وتركه ".
/ ويروى عن ابن عمر أنه قال: " الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو كثير بقوله : ﴿ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾، وهو نسخ/ فرض إلى ندَب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: ﴿فامتحنوهن﴾ [الممتحنة: ١٠]. فكان الإشهاد واجباً ثم صار ندباً بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب.
تم الجزء السابع
стр. 874
قوله: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾.
قال الحسن وغيره: " معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب أو يُحرّف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو بغيرها ".
وقال ابن عباس وغيره: " معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة ".
وقيل: المعنى: لا [يضار فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم.
وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد/ معاً بفعلهما].
وروي عن عمر رضي الله عن هـ أنه كان يقرأ: " وَلاَ يُضَارَر " برأءين ظاهرتين الأولى مفتوحة.
стр. 875
وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغلالهما، ويعنفا تعمداً.
وقال الضحاك: " هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما ".
وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ويبين هذا قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ولم يقل: " وإن تفعلا "، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة/ والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما.
стр. 876
ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما.
وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق.
والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدة على الضرار.
وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم.
وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب.
قوله: ﴿واتقوا الله﴾.
أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده.
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾.
أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به.
стр. 877
﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي علم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة.
قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ الآية.
قوله: ﴿فرهان﴾ هو جمع رهن، كبَغْلٍ وبِغَالٍ وكَبْشٍ وكِبَاشٍ.
ومن قرأ: " فَرُهُنٌ " فهو جمع الجمع. هو جمع " رِهَانٍ ": ك " كِتَابٍ ": و " كُتُبٍ "، / و " حِمَارٍ " و " حُمُرٍ ".
وقيل: هو جمع " رَهْنٍ "، ك " سَقْفٍ " و " سُقُفٍ ".
ومن قرأ " فَرُهْنٌ " بالإسكان/ فإنما أسكن الضمة لثقلها.
وقرأ ابن عباس " كِتَاباً "، وقال: " قد لا توجد الصحيفة "، وكذلك قرأ
стр. 878
أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب.
وقيل: هو جمع " كَاتِبٍ "، كما يقال: " قَائِمٌ " و " قِيَامٌ ".
وروي أيضاً عن ابن عباس: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ﴾ " كُتَّاباً "، على وزن " فُعَّالٍ " وهو جمع " كاتب "، " كضَارِبٍ " و " ضُرَّابٍ ".
وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون رهناً حتى يقبض من مالكه بقوله: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله على يدي عدل عند مالك.
قوله: / ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن﴾.
أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به.
стр. 879
وقال الضحاك: " هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر ".
قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة﴾. هو نهي للشهداء وتحذير لهم.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. أي فاجر قلبه.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من أحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ذلك عليكم/ ويجازيكم به.
قوله: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾.
قال ابن عباس: " قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾، منسوخة بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾.
ومعنى قول: " إنها منسوخة "، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
стр. 880
وقيل قي: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر.
وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها.
روي ذلك عن ابن عباس.
وروي عن عائشة أنها قالت: / " ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا ".
قال ابن عباس " إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
قال ابن عباس: " لما نزلت هذه/ الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي ﵇: " قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا "، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ:
следующие страницы →