← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

وقال الخليل بن أحمد: المعنى: لن يؤلف الله قريشاً [إيلافاً] ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ أي: لهذا فليعبدوه فلا تقدير، حذف في هذا القول. وعن ابن عباس أنه قال في تفسير ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ معناه: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف. وقوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾، [بدل] من الأول. وقرأ يزيد بن القعقاع/ " إلفهم " جعله مصدر " ألفه إلفاً ". وكذلك ذكرت أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ. وعن أبي أنه قرأ: [" إلافهم "]، وهما مصدران للثلاثي على فِعْل وفِعال،

стр. 8332

ومثله علم علماً، ولقيه لقاء، وصمت صياماً، وكتبت كتاباً. وأجاز الفراء " إيلافَهم " بالنصب على المصدر. وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " لإئلفِ " بهمزتين مكسورة وساكنة، " إئْلفم " كذلك [أيضاً]، أتى بهما على الأصل، وهو بعيد لا يجوز عند كثير من النحويين، وهي لغة شاذة، وهما مصدران لاَلَفَ يُؤلِفُ. وقد قرأ [ابن عامر] " لإلف "، جعله مصدر ألِفَ إلافاً، مثل: كتب كتاباً، وصام صياماً. وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ منصوب " بإيلاف ". وأجاز الفراء الخفض في ﴿رِحْلَةَ﴾ على البدل من ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾. [وتقديره]: إيلافِهم إيلافَ رحلةِ.

стр. 8333

قال مجاهد في معنى ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ [معناه]: " إيلافهم ذلك، فلا تشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ". وقال ابن عباس ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾، أي: " نعمتي على قريش ". وقيل: معناه أن الله عجب نبيه من ذلك، فالمعنى: اعجَب - يا محمد - لنعم الله على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ثم يتشاغلون بذلك عن الإيمان بالله واتباعك. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾. قال ابن زيد: معناه: صنعت بأصحاب الفيل ما صنعت لإلفة قريش، أي: لئلا أفرقها، وهذا (هو) قول الأخفش المتقدم. وقال ابن عباس: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾، أي: " لزومهم ". وعنه أيضاً (أنه قال): [نهاهم] الله عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيْت وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في

стр. 8334

الشتاء والصيف. فلم تكن لهم رحلة (في) شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله جل وعز [بعد ذلك] من جوع وآمنهم من خوف، [فألفوا] الرحلة، فكانوا إذا شاؤوا [ارتحلوا] وإذا شاؤوا أقاموا. فكان ذلك من نعمة الله عليهم. قال عكرمة: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذا في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، قال: فقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ رب هذا البيت، أمرهم أن يقيموا [بمكة]. قال الضحاك: كانوا ألفوا الارتحال في الغيظ والشتاء: إلى الشام في الغيظ، وإلى اليمن في الشتا. وهذا قول ابن زيد أيضاً. وقال ابن عباس: " كانوا يشتون بمكة، [ويصيفون] بالطائف ".

стр. 8335

وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾. قيل: معناه: فليقيموا بمواضعهم ووَطَنهم، فليعبدوا رب هذا البيت وهو الكعبة. وقيل: معناه أنهم أمرو أن يألفوا عبادة رب مكة كإلفهم الرحتلين، وهو قول عكرمة. وقوله: ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ يعني قريش. قال ابن عباس: أطعم قريشاً بدعوة إبراهيم ﵇ (حيث قال): ﴿وارزقهم مِّنَ الثمرات﴾ [ابراهيم: ٣٧]. وقوله: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: وآمنهم مما يخاف غيرهم من العرب من [الغارات] والحروب والقتال، فلا يخافون ذلك في الحرم. وقال ابن عباس: آمنهم من خوف بدعوة إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦].

стр. 8336

قال مجاهد: " آمنهم من كل عدو في حرمهم ". قال قتادة: كان أهل مكة تجاراً يعتادون ذلك شتاء وصيفاً آمنين من العرب، وكانت العرب يغير بعضهم على بعض لا يقدرون على التجارة ولا يستطيعونها من الخوف حتى إن كان الرجل من أهل الحرم ليُصاب في حي من أحياء العرب، فإذا قيل حَزمي خُلّيَ عنه وعن ماله تعظيماً لذلك. قال: وكانوا يقولون: نحن من [حرم] الله، فلا يعرض لهم أحد في حرم الله جل وعز وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج إغير عليه، وهو معنى قول ابن زيد. وقال الضحاك ومجاهد: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: من الجذام. وقاله ابن عباس، ولذلك [لا ترى] بمكة ذا جُذَام البتّة.

стр. 8337

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة أرأيت مكية قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ إلى آخرها. يجوز، أن تكون " أرأيت " من رؤية العين، فلا يقدر في الكلام حذف. ويجوز أن يكون من رؤية القلب، فتُقَدّرُ لحذف للمفعول الثاني، والتقدير على ذلك: أرأيت الذي يكذب بالدين بعد/ ما ظهر له من البراهين، أليس مستحقاً عذاب الله؟. . . والمعنى: أرأيت - محمد - الذي يكذب بثواب الله وعقابه؟! فلا تطعه في أمره ونهيه. قال ابن عباس: ﴿الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ أي: بحكم الله جل ذكره. وقال ابن جريج ﴿بالدين﴾: بالحساب.

стр. 8338

[والدين] عند أهل اللغة في هذا وشبهه بمعنى الجزاء، كما قال ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفتح: ٤]، أي: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، أي كما تجزي تجازى. فالمعنى: أرأيت يا محمد هذا الذي يكذب بالجَزاء فلا يعمل خبراً ولا ينتهي عن شر، فهو الذي يدع اليتيم، أي: يدفعه، لأنه لا ينتظر عقاباً على عَمله ولا جزاء. ثم قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ أي: فهذا الذي يدفع اليتيم [عن] حقه ويظلمه. [يقال]: دعَعْت فلاناً عن حقه، فأنا أدعهُ دعَّا. قال ابن عباس: " ﴿يَدُعُّ اليتيم﴾، أي: " يدفَعُ اليتيم. وقال مجاهد: ﴿يَدُعُّ اليتيم﴾، أي: يدفع اليتيم فلا يطعمه ".

стр. 8339

وقال قتادة: " يقهره ويظلمه ". وقال إبراهيم بن عرفة: يدفع اليتيم عن حقه. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ أي: لا يحض غيره على طعام المحتاج إلى الطعام. ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: فالوادي الذي يسيل من صديد أهل النار للسّاهين عن صلاتهم الذين يصلون ولا يريدون بصلاتهم وجه الله. وقال ابن عباس: [هم] الذين يؤخرونها عن وقتها. وهذه رواية تخالف [قول] جميع المفسرين، وقد رويت عن النبي ﷺ . فهي من أشد أية نزلت في المصلين على هذا التأويل إن صح. وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هم المنافقون، كانوا يراءون (الناس) بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعون

стр. 8340

المؤمنين العارية من الماعون بُغْضاً لهم. وقال مجاهد: ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هو " الترك لها ". وعنه أنه قال: هم لاهون عنها. وقال قتادة: هم غافلون لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل. وقال ابن زيد: " يصلون وليس الصلاة من شأنهم ". وقال [سعد] بن أبي وقاص: " [سألت] رسول الله ﷺ عن ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فقال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ". ورَوى [أبو بزرة الأسلمي] " أن رسول الله ﷺ قال - لما نزلت هذه

стр. 8341

الآية: الله أكبر هذه خير لكم من [أن لو أعطي] رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه " وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: " عن صلاتهم ساهون " ولم يقل " في صلاتهم ساهون ". ثم قال تعالى: ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ الناس بصلاتهم إذا صلوا، لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب، ولا [خوفاً] من عقاب، إنما يصونها ليكفوا الناس عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. ثم قال تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾.

стр. 8342

قال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: الماعون " الزكاة " وقاله ابن عمر، وقال ابن مسعود: هو المتاع يتعاطاه الناس بينهم. وهو قول ابن الحنيفة وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد، وذلك نحو الفأس والقدر والدلو. وقال ابن عباس: " هو متاع البيت. وروي ذلك (أيضا) عن علي رضي الله عن هـ. قال محمد بن كعب: " الماعُونَ: المعروف ". وقال ابن المسيّب: " المَاعُونَ " بلسان قريش: المال ". وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: المَاعُونَ: الماء. وسئل النبي ﷺ عمّا لا يحل أن يمنع فقال: " الماء والملح ".

стр. 8343

والمَاعُونَ في اللغة من المعْن، وهو الشيء القليل.

стр. 8344

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الكوثر مكية قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ إلى آخرها. قال [ابن عمر وابن عباس رضي الله عن هما]: الكَوْثَرُ نهرْ في الجنة، حافتاه ذهب وفضة يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العَسَل/. روى أنس " أن النبي ﷺ قال حين عرج به إلى السماء: رأيت نهراً عجّاجاً مثل السَّهْمِ يطرد، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعطاكه ربك، (قال): فضربت

стр. 8345

[بيدي] إلى حمأته، فإذا هي مسكة ذفرة، ثم ضربت بيدي إلى [رضراضه فإذا هو] در " وقالت عائشة رضي الله عن ها: الكَوْثَرُ نهر في بطنان الجنة، قيل لها: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسط الجنة، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصباؤه: اللؤلؤ والياقوت. وعن أنس بن مالك أنه قال: لما أسري برسول الله ﷺ مضى به جبريل ﵇ في السماء الثانية فإذاهو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فذهب ليشم ترابه فإذا هو مسك. قال: يا جبريل، ما هذا النُهْر؟ قال: الكوثر الذي خبأ لك وربك. وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكَوْثَرُ: " [الخير الكثير] ". وقال ابن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه.

стр. 8346

وعن ابن عباس أيضا أنه قال: الكوثر هو الخير الكثير والقرآن والحكمة. وقال عطاء: الكَوْثَرُ " حوض في الجنة أُعطيه النبي ﷺ ". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قِباب اللؤلؤ المجوَّف، فقال الملك الذي معي: أتدري ما هذا؟ [هذا] الكوثؤ الذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه فاستخرج من طينه المسك ". ثم قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾. أي: [فحافظ] (على الصلوات المكتوبة) في أوقاتها. وقال أنس: كان النبي ﷺ ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي ثم ينحر. وهو قول قتادة. وقال محمد بن كعب القرظي: إن ناساً كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأنزل الله هذه السورة. فالمعنى عنده: إنا أعطيناك الكوثر يا محمد، فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لله.

стр. 8347

وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية لما صد المشركون النبي ﷺ عن البيت، أتاه جبريل وقال: صل وأنْحر وارجع، فقام رسول الله ﷺ ، [ فخطب خطبة الفطر والنحر، ثم ركع كعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾. وهذا القول يدل على أن السورة مدنية، وقال الضحاك: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، أي: ادع ربك وأسأله. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: معنى ﴿وانحر﴾، ضع اليمين على الشمال في الصلاة. وروي عنه: ضع اليمنى على الساعد الأيسر على صدرك. وعنه أيضاً وعن أبي هريرة: يجعل يديه تحت السُّرة. وهذا مذهب الكوفيين.

стр. 8348

وقيل: معنى ﴿وانحر﴾ ارفع يديك إذا استفحت الصلاة إلى النحر. وقال ابن جبير: معناه فصل لربك المكتوبة، وانحر البدن يمنى. وقاله ابن عباس. وحكى الفراء ﴿وانحر﴾ استقبل القبلة بنحرك. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي: إن مُبغِضك يا محمد وعدوك هو الأبتر، أي هو الذي لا عقب له، عني بذلك العاصي بن وائل السهمي. وقال قتادة: ﴿هُوَ الأبتر﴾ أي: هو الحقير الذليل. قال ابن زيد: قال رجل: إنما محمد أبتر ليس له - كما ترون - عقب، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾.

стр. 8349

(وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، كان يقول: إنه لا يبقى لنبي ﷺ ولد وهو أبتر فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ وقال ابن عباس: " لما قدم كعب ابن الأشرف مكة أتوه - يعني قريشا - فقالوا له: نحن أهل السَّدانة والسقاية، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [الصُّبُور] [المنبتر] من قومه، (يزعم أنه) [خير] منا، فقال: بل أنتم خير منه، ونزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ قال: وأنزلت عليه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيراً﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]. وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي جهل قال: والمعنى أن عدوك أبا جهل هو الأبتر.

стр. 8350

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الكافرين مكية قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخرها. روى المفسرون أن المشركين كانوا قد عرضوا على رسول الله ﷺ أن يعبدوا الله سنة/ على أن يعبد نبي الله آلهتهم سنة، فأنزل الله جل ذكره جوابهم ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخرها. والمعنى: قل - يا محمد - ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ بالله لاَ أعْبُدُ ما تعبُدُونَ من الأصنام والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون الآن ما أعبد، ولا أنا عابد في ما [أستَقْبِلُ) ما عبدتم في ما مضى ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ في ما تستقبلون أبداً ما أعبُدُ أنا الآن (و) في ما أستقبل.

стр. 8351

وروي أن ذلك نزل في أشخاً بأعيانهم قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأمر الله نبيه أن يؤيسهم مما طلبوا وأن ذلك لا يكون منه بد ولا منهم، فلا هو يعبد ما يعبدون أبداً ولا هم يعبدونَ ما يعبد هو أبداً لما سبق في علمه من شقوتهم. قال ابن عباس: وعد قريش نبي الله ﵊ أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه من أراد من النّساء، [وقالوا]: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنّا نعرض عليك خصلة واحدة [فهي] لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا اللات والعزى (سنة)، ونعبد إلهك سنة. قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخها وأنزل الله أيضا ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ إلى قوله: ﴿وَكُن مِّنَ الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].

стр. 8352

قال المبرد: ليس في هذا تكرير، وإنما جهل من قال إنه يكون في اللغة، وإنما المعنى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في هذا الوقف، وكذا ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ وانقضى الكلام، وهو التمام عند أبي حاتم على هذا المعنى. ومن جعله تكرير للتأكيد كان التمام آخر السورة. قال المبرد: ثم قال ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أي: فيما استقبل ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ مثله. وكان في هذا دلالة على نبوة محمد ﷺ ، لأن كل من خاطبه بهذه الخطابة لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خَاطَبَهُم بقوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وروي أن الوليد بن المغيرة (و) العاصي بن وائل والأسود [بن المطلب، وأمية بن) خلف لقوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، [هلم]، فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ونشركك في [أمرنا] كله، فإن كان الذي جئت به خيراً

стр. 8353

مما في أيدينا كنا قد (شركناك فيه، وأخذنا بحفظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك كنت) قد شركتنا في [أمرنا] وأخذا بحظك منه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخرها. قوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي: لكم دينكم فلا تتركونه أبداً، لأن الله قد قضى (عليكم) ألا تنتقلوا منه وأنتم تموتون عليه، ولي دين لا أتركه أبداً لما (قد) قدر الله علي فيه، فعليه أموت.

стр. 8354

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النصر مدنية قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إلى آخرها. العامل في ﴿إِذَا جَآءَ﴾ على ما تقدم في ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾. والمعنى: إذا جاء - يا محمد - نصر الله إياك على قومك ﴿والفتح﴾ أي فتح مكة. ﴿وَرَأَيْتَ الناس. . .﴾ في صنوف قبائل العرب ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾، أي: الإسلام الذي بَعَثْتُكَ بِه ﴿أَفْوَاجاً﴾، أي: زمراً زمراً. قال ابن عباس: " بَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي الْمدِينة إذا قال: الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أَهْلُ اليَمَنِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟ قال: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قلُوبُهُمْ، لَيّنَةٌ [طِبَاعُهُمْ]، الإيمان يَمَانٌ والحِكْمَة يَمَانِيه " [قالت عائشة رضي الله عن ها:

стр. 8355

" مَا صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلاةً بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ". وروي عنها " أنه ﵇ كان يقول ذلك في ركوعه وسجودة يَتَأَوَّلُ القرآن " وسئل عمر عن قوله ﴿والفتح﴾، فقال: فتح المدائن والحصون، فقال لابن عباس: ما تقول؟ قال: أَجَلْ، هو مثل ضُرِبَ لمحمد، نُعِيَتْ له نفسه. وقالت عائشة رضي الله عن ها: " كَان رسول الله ﷺ يكثر من قول سبحان اكلله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله واتوب إليه! فقال: خبرني ربي جل ثناؤه أني سألى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾، (فتح) مكة ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ".

стр. 8356

وقال ابن عباس: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ عن قول الله ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾، فقالوا: فتح المدائن والقصور/ قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال: فقلت: هو مثل ضرب لمحمد ﷺ نعيت له نفسهز وروي عه أنه قال: هذه السورة علم وحد وحده (الله لنبيه) ونعى له نفسه، (أي) إنك لن تعيش بعد هذا إلا قليلاً. قال قتادة: " والله، ما عاش بعد ذلك إلا قليلاً، سنتين، ثم توفي ﷺ ". وهو قول ابن مسعود ومجاهد والضحك ومعنى ﴿واستغفره﴾: واسأله المغفرة. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾. (أي): إن الله لم يزل ذا رجوع لعبده المطيع إلى يجب، وقوله: ﴿واستغفره﴾ وقف كاف عند أبي حاتم.

стр. 8357

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة تبت مكية نزلت هذه السورة في أبي لهب عم النبي ﷺ ، وفي زوجته أم جميل أخت أبي سفيان وعمة معاوية، وكان النبي ﷺ قد زوج ابنته أم كلثوم من عتيبة ابن أبي لهب، وزوج ابنته رقية من ابن عمه -أبي لهب- عتبة. فلما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي) أمر أبو لهب وامرأته أم جميل ابنيهما عتيبة وعتبة بطلاق ابنتي رسول الله ﷺ أم كلثوم ورقية فطلقاهما وأتى عتبة إلى النبي ﷺ فجفا عليه وشق قميصه، فدعا النبي ﷺ بان يسلط الله عليه كلبه، فمضى إلى الشام فقتله الأسد فتزوج عثمان رقية وتوفيت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فتوفيت عنده، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، وكان لعبد المطلب عشرة من البنين منهم عبد الله والد

стр. 8358

النبي ﷺ ، وكان أبو لهب وامرأته من أشد قريش عداوة للنبي ﷺ . وقيل: عتيبة هو الذي أكله الأسد بدعاء رسول الله ﷺ وعتبة أسلم وأبلى. قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها. أي: خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر. فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: [أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: " وقد تب " ووقع الإخبار والدعاء عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ولم يقل: وتبتا. وقيل: هو حقيقة، وذلك أن أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله ﷺ فمنعه الله من ذلك، ونزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فالأولى على الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا خسرت يداه فقد خس هو.

стр. 8359

(قال ابن زيد: التب الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي ﷺ : وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: ما يعطى المسلمون. قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبًّا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، (تباً) أن أكون أنا وهؤلاء سواءً، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فعلى هذا يكون مجازا، والمرد به عين أبي لهب لاَ يَدَاهُ. وروي أن النبي ﷺ خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال ابن عباس: " صعد النبي ﷺ ذات يوم [الصفا]، فقال: يا صاحباه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن العدو

стр. 8360

[مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال [أبو] لهب: تباً لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة ". وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذُكَِ بكنيته في القرآن. وقوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ إن جعلت ما أستفهاما كانت في موضع (نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، وقدَّرْتَ مفعولاً محذوفاً، أي: ما أغنى عنه ماله شيئاً. والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت. وقوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، يعني ما اقتنى من الموال والأغراض.

стр. 8361

وقيل: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد. وروى أبو الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز بينهم (وقد كفّ بصرُهُ)، [فدفعه] بعضهم حتّى وَقَع عَلَى الفِرَاشِ فغَضِبَ وَقَالَ: أَخْرِجُوا عنّي الكَسْبَ الخَبِيثَ. قال مجاهد: " وَمَا كسَبَ ولده ". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه. ثم قال تعالى: ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ روي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " سَيُصْلَى " بضم الياء والمعنى: سَيُقَاسِي حرَّ نارٍ ذاتِ توقُّدٍ وتَلَهُّبٍ.

стр. 8362

يقال: صلَيْتُ بالأمْرِ أَصْلَى: إذَا قاسَيْتَ حَرَّهُ وَشِدَّتَهُ، وَصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ وفي الحديث " شَاة مَصْلِيَّة أي: مَشْويَّة والمعنى: سيصلى أبو لهب ناراً ذات له وامراته، وجاز العطف على المضمر المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام التأكيد. وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عَمَّةُ معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها. وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذَاها رسول الله ﷺ . ويجوز أن تكون ﴿وامرأته﴾ [متبدأ] و ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نعت، وفي ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر (لامرأة، ويجوز أن يكون

стр. 8363

﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ خبراً " لامرأة " و ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر ثان، [أو في موضع] الحال. ويجوز أن ترتفع " حَمَّالةُ الحطب " على البدل من [﴿وامرأته﴾ وتكون (معنى) الخبر ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ الجملة إن جعلت ﴿وامرأته﴾ [مبتدا]. ويجوز أن يكون ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ / نكرة [يراد] به الاستقبال على ما سنذكره من قول المفسرين في معناه. ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي على ما سنذكره من قول المفسرين. فإن جعلت " المرأة " عطفاً على المضمر في ﴿سيصلى﴾ كان ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ في موضع الحال من المرأة. ومن [نصب] (حمَّالة) [نصبه] على الذم.

стр. 8364

قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي ﷺ ليعقره وأصحابه، فلذلك ننعتت " بحمالة الحطب ". وهو قول الضحاك وابن زيد. وقال عكرمة: " كانت تمشي بالنميمة ". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة. [وقيل إن ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ تمثيل لأذاها رسول الله ﷺ ، والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يُغْري به] [وَيُؤذِيهِ] فشبه الحطب [بالعداوة]. وقيل: معنى ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، كما

стр. 8365

يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب. وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أي: في عنقها، والجيد: العُنُقُ. قال الضحاك: " هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ابن عباس. وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد. وقيل: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، أي: " حبل من نار في رقبتها ". وقال السدي: المسد: الليف. وقال عروة: " هو سلسلة من حديد ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ". (وقال سفيان:

стр. 8366

" حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعاً " وعن مجاهد ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ " من حديد ". وقال عكرمة: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ هي: " [الحدِيدَةُ] التي في وسط البكرة " وروي ذلك أيضا عن مجاهد. وقال قتادة: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: " [قِلاَدَة] " من ودع. فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نكرة لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة ل ﴿امرأته﴾. ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحَمْلِها الشوك لطريق رسول الله ﷺ ، ف ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ معرفة يحسن أن [تكون] صفة ل ﴿امرأته﴾. والوقف في هذه السورة على مقدار ما تَقَّدَّرَ مما تَقَدَّمَ ذكره من النعت والخبر.

стр. 8367

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الإخلاص مكية قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها. والمعنى: الحَدِيثُ الَّذي هو الحقُّ: اللهُ أَحَدٌ، فهو رفع بالابتداء كِنَايَةً عن الحديث، و ﴿الله﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر عن ﴿هُوَ﴾. ولا يجيز الفراء أن [يكون] ﴿هُوَ﴾ كناية عن الحديث إلا (إذا) تقَدَّمَهُ شيء، وهو عنده كناية عن مُفردٍ الله خَبَرُهُ،. وهو قول الأخفش. وقال الأخفش: ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من لفظ اسم الله. والمعنى: الله [إله]

стр. 8368

واحد، أي معبود واحد لا معبود غيره تجب له العبادة. ثم قال تعالى: ﴿الله الصمد﴾. ﴿الله﴾ رفع بالابتداء، و ﴿الصمد﴾ نعته، وما بعد ذلك خبر. ويجوز أن يكون ﴿الصمد﴾ هو الخبر. ويجوز أن يرفع على إضمار ابتداء و ﴿الصمد﴾ نعت، أي: هو الله الصمد، ويجوز على هذا أن يكون ﴿الصمد﴾ خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون ﴿الله﴾ بدلا من ﴿أَحَدٌ﴾. ويجوز أن يكون ﴿الله﴾ بدلا من ﴿الله﴾ الأول، وفي التكرير معنى التعظيم. وروي أن اليهود عليهم اللعنة سألوا النبي ﷺ أن يصف لهم ربه و (ينسبه) فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها.

стр. 8369

وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بحذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾، حَذَفَهُ لالتقاءِ السَّاكنين. وروي عنه أنه إنما كان يفعل ذلك يريد السكوت عليه فإذا وَصَلَ نَوَّن، وَحَسُنَ الوَقْفُ عليه لأه رأس آية. و ﴿أَحَدٌ﴾ بمعنى واحد. وقيل: ﴿أَحَدٌ﴾ هنا على بابه، بمعنى: أول، كما يقال: الْيَوُمُ الأَحَدُ، أي اليوم الأول، أي: أول الأيام، وذلك مسموع من العرب. وقال بعض العلماء: في " أحد " من [الفائدة] ما ليس في " واحد " وذلك إنك إذا قلت: فلان لا يقوم به واحد، جاز أم يقوم به اثنان فأكثر. وإذا قلت: فلان لا يقوم به أحد، تَضَمَّنَ معنى " واحد " (فأكثر)، [وأَكْثَرُ] ما يقع " أحد " إذا كان للعموم بعد النفي، فذلك بَعُدَ أن يكون " أحد " [هنا] على بابه.

стр. 8370

وجعله أكثرهم بمعنى " واحد "، لأن واحداً يقع في الإيجاب، [تقول] مرَّ بنا أحد، أي واحد. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي: لم يكن له ولد ولا يكون، ولم يكن هو من والد ولا يكون. وقيل: معناه ليس بِفَانٍ، لأنه ليس شيء " يَلِدُ إلاَّ وهو فَانٍ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ليس بمُحْدَثٍ، لم يكن فكان، فأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن لكنه جل وعز قديم لا يَبِيدُ وَلا يَفْنَى ليس كمثله شيء. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: تَفَكَّرُوا في كل شيء، ولا تَفَكَّرُوا في ذات الله، فإن بين السماء السابعة [إلى الكرسي] سبعة آلاف نور، والله فوق ذلك. وروي أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن صفة رب العزة، فأنزل الله عليه هذه السورة جواباً لهم. وقيل: إن اليهود قالوا اللنبي ﷺ /: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق اللهَ جل
следующие страницы →