Полный текст (8 396 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع.
وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله ، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
وقال النبي ﵇: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها.
وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي.
وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل
стр. 982
بقتل الدجال.
وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك.
وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء.
وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: 'ن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.
стр. 983
وروى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
قوله: ﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه.
وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ .
قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿والآخرة﴾ هو
стр. 984
عذاب النار.
قوله: ﴿ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿والذكر﴾ القرآن ﴿الحكيم﴾ المحكم أي: ذو الحكمة.
قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ. . .﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ﴾ الآية. . أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك.
وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ : كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ ، لأن الماضي لا يكون حالا.
قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على
стр. 985
خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم ﵇ من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة.
وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾.
قوله: ﴿الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
стр. 986
وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره.
قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ .
قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها.
وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه.
стр. 987
قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً.
قوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.
قوله: ﴿قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ﴾
الكلمة ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله﴾ وما بعده.
وقيل: الكلمة لا إله إلا الله
والسواء: النَصَفَة والعدل والقصد.
ونزلت هذه الآية فيمن كان حول المدينة من اليهود، وهم الذين حاجوه في إبراهيم ﷺ .
وقيل: نزلت في الوفد من نصارى نجران لأنه دعاهم فأخبرهم بالقصص الحق في أمر عيسى ﷺ ، فأبوا أن يبلوه، فأمر أن يدعوهم إلى المباهلة فأبوا، فأمر أن يدعوهم إلى ما ذكر آخراً فأبوا، فأمر الله المؤمنين أن يقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون.
стр. 988
وإن في موضع خفض على البدل من (كلمة).
وقيل: هي في موضع رفع، وذلك على التأويل الأول أي: هي ألا نعبد، ولا نفعل، ولا نصنع.
﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً﴾: هو طاعة العوام الرؤساء فيما يأمرونهم به من المعاصي كما قال ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: ٣١] يأمرونهم بالمعصية وينهونهم عن الطاعة فيسمعون ويطيعون.
وقيل ﴿أَرْبَاباً﴾: هو سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة.
وقيل معناه: لا نعبد عيسى من دون الله كما عبدت النصارى، ولا عزيراً كما عبدت اليهود، ولا الملائكة كما عبدت جماعة المشركين، ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله كما فعلت اليهود والنصارى والمشركون.
قوله: ﴿يا أهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ﴾ هذا خطاب لليهود والنصارى ولأنهم ادعاه كل فريق منهم، وأنه على دينهم فرد الله ذلك عليهم، وأراهم المناقضة فيما يدعون لأن اليهود تدعي أنه على ما في التوراة دينه، والنصارى تدعي أنه على ما في الإنجيل دينه، وفي الكتابين إنما أنزل بعد إبراهيم ﷺ فهذا تناقض أن يكون دينه على شيء لم يكن بعده.
стр. 989
وذلك أن نصارى نجران وأحبار يهود اجتمعوا على النبي ﷺ فتنازعوا في أمر إبراهيم ﷺ ، فادعاه كل فريق منهم، فأنزل الله ذلك يعلمهم أن اليهودية والنصراينة إنما حدثت بعد إبراهيم فكيف يكون على دين لم يكن، ولا أوله أن يكون، فذلك جهل عظيم، ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
قوله: ﴿هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ. . .﴾.
معناه: أنتم القوم الذين خاصمتم فيما لكم به علم من أمر دينكم، وما لحقتم من زمانكم، وجاز ذلك بينكم، فلم تخاصمون فيما لا علم عندكم فيه؟ وهو دين إبراهيم ﷺ ، ولم يكن في زمانكم. ﴿والله يَعْلَمُ﴾ أي: يعلم ما غاب عنكم فلم تشاهدوه ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فتخاصموه فيه.
قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً. . .﴾.
ذلك رد لقولهم وادعائهم ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً﴾ أي: حاجاً وأصل
стр. 990
الحنف: (إقبال صدر الرجل على الأخرى إذا كان ذلك خلقة)، فالحنيف: المائل إلى الإسلام.
والمسلم: المتذلل لأمر الله .
فأما معنى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النبيون﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿الذين أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤] ولا يكون نبي إلا مسلم
فإنه يريد النبيين الذين استسلموا أو سلموا لما في التوراة من أحكام الله التاركون التعقب وكثرة السؤال عما فيها.
وروي أن عزيراً أكثر السؤال عن القدر، فمحي من ديوان النبوة.
ومن هذا قول ابراهيم ﷺ : ﴿ واجعلنا مُسْلِمَيْنِ﴾ [البقرة: ١٢٨]. أي: مسلمين لأمرك،
стр. 991
منقادين لحكمك بالنية والعمل وكذلك ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: [انقدت لأمره].
قوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه﴾.
أي أخفهم بولايته ونصرته من اتبع دينه ﴿وهذا النبي﴾ هو محمد ﷺ ﴿ والذين آمَنُواْ﴾ أي: الذين صدقوا محمداً ﷺ ، وقال النبي ﷺ : " لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليلي إبراهيم ﷺ " ثم قرأ الآية " ".
قوله: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾.
أي: جماعة من أهل نجران ومن اليهود لو يصدونكم عن الإسلام فتهلكوا، وما يُهلكون إلا أنفسهم أي أتباعهم وأنفسهم وكلهم يود ذلك، و [من] ليست للتبعيض، وإنما هي للإبانة والجنس.
ومعنى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (ليس هو أنهم يجهلون ما يفعلون فيكون ذلك عذراً لهم
стр. 992
وإنما معناه وما يشعرون) أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: معناه، وما يشعرون بصحة الإسلام. وقيل: عنى به قريظة، والنضير، وبنو قينقاع.
قوله ﴿يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي بالتوراة والإنجيل ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، هذا توبيخ لهم، لأنهم جحدوا نبوة محمد ﷺ ، وهم يعلمون أنه نبي مكتوب عندهم في كتابهم في التوراة والإنجيل، فهو قوله ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تشهدون أنه نبي حق، ثم تكفرون حسداً وبغياً.
وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون أن آية الله حق وأن ما جاء به حق.
قوله: ﴿يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل﴾.
أي تظهرون من الإقرار بمحمد ﷺ خلاف ما تعتقدون فتخلطون الحق بالباطل.
وقيل: [لم] تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن الدين الذي لا يقبل غيره: الإسلام.
стр. 993
وقال ابن زيد: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه بأيديهم ﴿وَتَكْتُمُونَ الحق﴾ هو أمر النبي ﵇ يجدونه في كتبهم ويكتمونه ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه نبي حق، وأن ما جاء به من عند الله حق.
قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ﴾ الآية.
معناها أن اليهود قال بعضهم لبعض: آمنو بالنبي وما أنزل إليه أول النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون معكم.
وقال ابن عباس: نظر اليهود إلى النبي ﷺ يصلي الصبح إلى بيت المقدس، فأعجبهم ذلك، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة، فقالت اليهود: ﴿آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار﴾ أي بصلاة الصبح إذا صلوها إلى بيت المقدس ﴿واكفروا آخِرَهُ﴾ أي: بصلاة الظهر لأنهم صلوها إلى الكعبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى قبلتكم.
وقال السدي: قالت اليهود لضعفائها: آمنوا بمحمد أول النهار، فإذا كان بالعشي قولوا: قد عرفنا علماؤنا أنكم لستم على شيء لعلهم يرجعون عن دينهم ويشكون فيه.
стр. 994
قوله ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ الآية.
قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾
وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] واللام زائدة.
ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم.
وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة أن يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا المخاطبة للنبي ﷺ وأمته.
стр. 995
وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام معناه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: ١٤ - ١٥] أي: من أجل هذا قال كذا وكذا.
وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى " ما " على معنى ما يؤنى أحد مثلما أوتيتم.
وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديماً
стр. 996
وتأخيراً فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول.
ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديماً ولا تأخيراً جعل اللام أيضاً زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد.
وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله " دينكم " ثم قال لمحمد ﷺ : ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ أي: البيان بيان الله ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾، أو: لا يؤتى أحد، " وإن عنده بمعنى لا، ولذلك دخلت " أحد " في الكلام هنده.
وقوله: ﴿إِنَّ الهدى هُدَى﴾ معناه: الهدى إلى الخير بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، فإن أنكروا وهو معنى " يحاجوكم عند ربكم " فقل يا محمد: ﴿إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
وقال الأخفش: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ معطوف على ﴿تؤمنوا﴾ معناه ولا تصدقوا أن يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحتجوكم أحد عند ربكم فيما أنكرتم من نبوة محمد ﷺ .
وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن.
стр. 997
وقال مجاهد: ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ اعتراض في الكلام وسائر الكلام متصل. فالأول خبر عن اليهود ومعناه ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم أحد عند ربكم ثم قال تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: ﴿إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
وقوله ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾.
قيل: هو إخبار عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم.
وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم.
وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي ﷺ معناه: لا يؤتي أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول السدي.
ومعنى: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض فيه، ولا تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول يقع فيه التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسداً، قالوا لضعفائهم من
стр. 998
اليهود: لا يكون نبي مثل نبيكم ولا كتاب مثل كتابكم.
وقال الزجاج: معنى الآية: أن اليهود قالت لا تجعلوا تصديقكم لنبي في شيء مما جاء به إلا اليهود، ولا تقولوه للمشركين، فإن ذلك إن قلتموه لهم كان عوناً لهم على تصديقه.
وقال أكثر المفسرين: معناه لا تصدقوا أن يعطى أحد مثلما أوتيتم من علم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم أحد: لا يكونوا لأحد حجة عند الله إلا من كان مثلكم.
قوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
بمعنى: النبوة، وقيل: الإسلام والقرآن.
قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ الآية.
وجه من قرأ بالإسكان في يؤده وشبهه أنها لغة العرب يسكنون الهاء كما
стр. 999
يسكنون الميم في أنتم، ورأيتم، وأنشد الفراء: " فيصلح اليوم ويفسده غداً " وأنشد الأخفش وغيره:
بيت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتقاقان له ارقان
وبعض النحويين لا يجيزه إلا في الشعر، وبعضهم يمنعهم البتة. وعد المبرد إسكان الهاء لحناً.
وقيل: اسكنت الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع.
стр. 1000
وقد روي عن أبي عمرو: الاختلاس، وهو اختيار أهل النظر.
ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن، والناس لا يميزون الخائن منهم، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله للمؤمنين أن يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره، وهم لا يميزون ذلك فاجتنابهم أخلص.
ومعنى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾: إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.
والباء في بقنطار " و " بدينار بمعنى على، وهما يتعاقبان في مثل هذا.
وقيل: معنى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ أي: يقر بالأمانة ما دمت قائماً على رأسه في وقت عطائها، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك وجحدك.
وقيل: قائماً بمعنى ثابتاً لازماً له، حكى سيبويه: قام بمعنى ثبت.
стр. 1001
قوله [ذلك] لأنهم قالوا: أي: فعلهم ذلك (و) أمرهم ذلك ومعناه، فعلوا ذلك لأنهم يقولون: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق، قال ذلك قتادة.
وقال ابن جريج: كان لرجل من المسلمين على اليهود ديون داينهم بها قبل أن يسلموا، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي (كنتم) عليه، وإنما كان حقوقكم واجبة علينا في الأمانة، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة، وادعوا أنهم يجدون ذلك في كتابهم، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
وعنوا بالأميين العرب، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة.
وقيل: نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف تكتب.
стр. 1002
وقيل: نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
قوله: ﴿بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ﴾ الآية.
معناها ليس الأمر كما يقول هؤلاء من أنه ليس في أموال الأميين حرج لكن من أوفى بعهد الله وهي وصيته إياهم في التوراة من الإيمان بمحمد ﷺ وما جاء به.
فالهاء في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ تعود على الله جل ذكره.
ومعنى ﴿وَاتَّقَى﴾ أي: واتقى الشرك قاله ابن عباس وقيل: المعنى، واتقى الله ولم يكذب.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله﴾. . . الآية.
معنى الآية: إن الذين يستبدلون بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم وبإيمانهم الكاذب عوضاً قليلاً أي: خسيساً من عرض الدنيا، ﴿لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة﴾ أي: لا حظ لهم فيها أي: لا نصيب ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله﴾ معناه: لا يكلمهم بما يسرهم.
стр. 1003
وقيل: لا يسمعهم كلامه بلا سفير.
وقيل معناه: غضب عليهم كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً أي: هو غاضب عليه.
﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، أي: لا يعطف عليهم بخير، كما يقال: انظر إلي نظر الله إليك أي: اعطف علي عطف الله عليك.
ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بم الأخطب.
وقيل: " إنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي ﷺ لليهودي: احلف، فقال الأشعت: إذن يحلف فيذهب حقي "، فأنزل الله الآية، وقال النبي ﵇ بعقب ذلك: " من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق أخيه
стр. 1004
لقي الله ( وهو عليه غضبان) ".
وروي عن مجاهد أنه قال: نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها بهذا العطاء فأنزل الله الآية.
وقال ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.
وقال قتادة: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من النار، ثم تلا هذه الآية.
وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع رسول الله ﷺ أن من الذنب الذي لا يغفر: يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها.
وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذباً.
стр. 1005
وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي ﵇ فقالوا: هو الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء: الآن حرمْتُم أنفسَكم بِرَّنَا ونَفْعَنَا. فانقلب القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا صفة النبي ﷺ وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا: إنا فتحنا كتبنا فرأينا الأمر فيها على ما تصفون في محمد ﷺ فنفعوهم وأعطوهم، فأنزل الله هذه الآية فيهم.
وروى ابن مسعود بأن النبي ﵇ قال " من حلف بيمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية ".
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب﴾ الآية.
ومعناها وإن من اليهود الذين جرى ذكرهم لفريقاً يحرفون ألسنتهم بالكتاب لتظنوا أنه من الكتاب وما ذلك من الكتاب أي: وما ذلك الذي حرفوا من الكتاب، ويزعمون أن الذي حرفوا من عند الله: أي ما نزل على أنبيائه ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ وإنما
стр. 1006
أحدثوه من عند أنفسهم فيكذبون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون.
يقال: لويته عدلته عن قصده.
وقال القتبي: يلوون: يقلبون ألسنتهم بالتحريف والزيادة
قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة﴾ أي: ما ينبغي لبشر أن ينزل الله عليه الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه النبوءة ثم يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته.
وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام. " وروي أن اليهود قالت له: تريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟
وقال الرئيس من نصارى نجران: ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال النبي ﷺ : معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت فأنزل الله جل ذكره ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية ".
стр. 1007
ثم قال: ﴿ولكن كُونُواْ ربانيين﴾ أي. . . حكماء علماء ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ من شد فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من علمنا شيئاً فقد علم.
قال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى يقول: ﴿ولكن كُونُواْ ربانيين﴾ فقهاء علماء بعلم الكتاب ودرسكم إياه.
هذا على قراءة من خفف.
(ومن شدد فمعناه: بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه ") وكل معلم عالم، وليس كل عالم معلماً، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح. " ونزلت هذه الآية حين قالت اليهود من أهل نجران وغيرهم: أتريد يا محمد أن نعبدك فقال النبي ﷺ : معاذ الله أن
стр. 1008
نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " أو كما قال فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية ".
ومعنى ﴿ولكن كُونُواْ ربانيين﴾ أي: ما ينبغي لبشر أن يفعل ذلك مع الناس وأن يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين "
. أي حكماء علماء.
وقيل: فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه.
وقال ابن زيد: الربانيون ولاة الأمر، وقرأ ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون﴾، وقال: هم ولاة الأمر.
والألف والنون في " ربانيين " دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك غضبان للمتلئ غيظاً ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل الربي منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة بالياء والنون والألف والنون.
قال مجاهد: الربانيون، فوق الأحبار.
стр. 1009
قال النحاس: الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة والصلاح.
من قولهم: ربَّ فلان الأمر إذا أصلحه.
وقد قيل في ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: الفقه.
والأحسن أن يكون مردوداً على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ذكره، ولم يجر ذكر للفقه.
والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم.
قوله ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين﴾ الآية من نَصَبَ يأمركم عطفه على الأول على ﴿يُؤْتِيهُ﴾ كأنه وما كان لبشر أن يأمركم. ومن رفع قطعه من الأول وتقديره عند سيبويه: ولا يأمركم الله، وعند الأخفش: وهو لا يأمركم.
стр. 1010
والتفسير يدل على النصب لأنهم قالوا للنبي ﷺ : أتريد أن نعبدك، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أن يفعل كذا وكذا، ولا أن يأمركم بكذا فنفى عنه ما أسندوا إليه، ثم قال: ولكن له أن يقول ويأمر ﴿كُونُواْ ربانيين﴾.
ثم قال: ﴿أَيَأْمُرُكُم بالكفر﴾ أي أيأمركم نبيكم بالكفر فهذا ظاهر الآية والتفسير، وهو تابع لقراءة النصب في المعنى.
وقيل المعنى أيأمركم الله بالكفر فهذا رد على قراءة من قراء بالرفع.
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في " لما " لام تأكيد " وما " بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
стр. 1011
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في " لما " فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
стр. 1012
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم " ﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قالوا أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فاشهدوا﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى
стр. 1013
أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
стр. 1014
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿والأرض﴾ طوعاً أو ركهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً ﵇ وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
стр. 1015
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [ ] ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
قوله ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن سويد فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي ﷺ : هل لي من توبة؟ فأنزل الله ﴿ كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ثم أنزل الله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه وأسلم.
وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله ﷺ أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن إسلامه.
قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله:
стр. 1016
﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ﴾.
وروي أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله ﷺ عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، فأنزل الله ﴿ كَيْفَ يَهْدِي الله﴾ الآيتين.
وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن الله جل ذكره ناجى موسى ﵇ وكان في مناجاته " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال موسى ﵇: جعلت وفادتي لغيري "، وذلك قوله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] " أي: إذ ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني إلى آخر القصة.
وقيل: نزلت في قوم ارتدوا.
وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمداً ﷺ وصفته، ثم كفروا به عن
стр. 1017
علم بصحة نبوته.
وقال القرظي: [كان] ناس من أهل مكة أتوا النبي ﷺ فآمنوا، فمكثوا ما شاء الله في المدينة، ثم خرجوا وارتدوا ولحقوا بالمشركين فأنزل الله ذلك فيهم ثم تعطف عليهم فأنزل الله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ﴾ الآية.
قوله: ﴿وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ﴾: معطوف على الفعل الذي تضمنه المصدر وهو إيمانهم، تقديره بعد أن آمنوا وشهدوا ولا يجوز عطفه على ﴿كَفَرُواْ﴾ لفساد المعنى. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى عرفوا صفة محمد ﷺ عندهم وشهدوا أنه حق قبل مبعثه فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وكذبوه وأنكروا حسداً وبغياً، وقلوبهم تشهد أنهم مبطلون في ذلك.
قوله ﴿أولئك جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله﴾ الآية.
معناه: جزاء من هذه حاله بعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]:
ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن
стр. 1018
بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين﴾ [آل عمران: ٦١] و [في] النور ﴿والخامسة أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين﴾ [النور: ٧] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ ل ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد ﷺ ثم
стр. 1019
كفروا بمحمد ﷺ فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى ﵇ ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد ﵇. وقيل: كفرهم الأول هو حجدهم بمحمد ﷺ وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ ، [ وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم
стр. 1020
بمحمد ﷺ والآية عنده عنى بها اليهود.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ﴾ الآية.
معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ذهباً، روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ".
وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهباً - وهو كافر - لم ينفعه ذلك مع كفره.
قوله: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة.
следующие страницы →