← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي ﵇ " كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء ". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾. قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و " أنبتها " بكسر الباء والإسكان، و " كفلْها " بالإسكان " زكرياءَ " بالنصب. وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف

стр. 947

كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بني امرأة عمران، فهي أخت مريم.

стр. 948

وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل ضدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه،

стр. 949

فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يامريم أنى لَكِ هذا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي بين الدعاء والإجابة.

стр. 950

والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: " مقدم كل مجلس ومصلى " وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء﴾ أي: تسمع من دعاك. قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه.

стр. 951

ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته ". وقيل: بابن خالته هو.

стр. 952

قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: " كن " أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم.

стр. 953

وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها.

стр. 954

قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون

стр. 955

عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر﴾ أي: بلغته ﴿وامرأتي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سألأ عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب. . .! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته

стр. 956

كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجعل [ليا] آيَةً﴾. . . الآية. معناه: قال زكريا: رب كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على أن ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء أو إشارة. قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية على ذلك. ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثرُ أهل التفسير على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب له فيه الغلام، وليس بعقوبة.

стр. 957

والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين. وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت. وقال الضحَّاك: هو تحريك اليدين. وقرأ علقمة بن قيس " إلا رُمُزا " بالضم فيهما. وقرأ الأعمش " رَمَزا " بفتحتين، وهما اسمان. وقراءة الجماعة على المصدر. وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو بالرأس، ثم نسخ الله ذلك بقول النبي " لا صمت يوماً إلى الليل " وهذا على قول

стр. 958

من أجاز النسخ القرآني بالسنة. وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة فيه' فالصمت عنه حسن. ودل على هذا القول أمره تعالى [زكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه الكلام كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة. وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين. وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ وهذا قول مرغوب عنه. ومعنى: " [و] سبح " نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار. وقرىء ﴿بالعشي والإبكار﴾ جمع بكر. والكسر مصدر أبكر.

стр. 959

وفي زكريا أربع لغات " زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد الياء معرب، وزكري مخفف الياء. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم. . .﴾ الآية (إذ) عطف على ما تقدم. وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. ﴿اصطفاك﴾ اختارك، ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ " أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس. ﴿واصطفاك على نِسَآءِ العالمين﴾ أي اختارك على نساء عالم زمانك. وقيل ﴿على﴾ جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي ﵇ أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ".

стр. 960

وروي عن أنس بن مالك أنه قال " خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ . ومعنى ﴿اقنتي﴾: أخلصي الطاعة. وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. وقال النبي ﵇ " أفضل الصلاة طول القنوت " أي: القيام. وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها. قوله: ﴿" ذلك " نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ الآية. أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ما يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي.

стр. 961

قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. معناه ينظرون أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم ﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ﴾ أي: سهامهم على مريم من يكفلها. وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي. وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها. وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي السهام التي يقترع بها. قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم﴾ الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ

стр. 962

يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. ومعنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ هو بشارته التي بشرت بها مريم. وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ [مِّنْهُ]﴾ هو قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في ﴿اسمه﴾ تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب. وقيل: مسحه بالبركة.

стр. 963

وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. وقال النخعي: المسيح الصّدِّيق وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر الله فيكون فاعلاً غير منقول عن مفعول. وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب فقال: سمي ملكاً لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من الآيات. قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في " له " تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر]

стр. 964

الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى ﵇ لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكتاب﴾ أي: يكتب بيده، ﴿والحكمة﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿والتوراة﴾: هي التي أنزلت فبله على موسى ﵇ و ﴿والإنجيل﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول.

стр. 965

والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. قوله: ﴿أني أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] ﵇ يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً]

стр. 966

ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فعمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصمورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها

стр. 967

(بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ الأكمه﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى ﵇ قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها

стр. 968

فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي ﵊: " أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّة ستين سنة وقال: " ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام " أو كلام هذا معناه " ". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى.

стр. 969

قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق

стр. 970

الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى ﵇ (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى ﵇: وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى ﵇: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد انبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما

стр. 971

ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في الوراة، فلا يجوز

стр. 972

ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾. قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر. . .﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد.

стр. 973

وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: " مع ". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر لبني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ : " يا أمه إني إن

стр. 974

فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ : " لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ . فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ : تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ : ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى

стр. 975

فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ : طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ : أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ : يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما

стр. 976

أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ : أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ : دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ ، فانطلقا.

стр. 977

ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ : هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ : نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ : خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً

стр. 978

فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: " الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألأواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.

стр. 979

وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. قوله: ﴿واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ ، وأمته الذين شهدوا له أنه ققد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل ﵈ أنهم قد بلغوا. وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ ، ثم رفع الله عيسى ﷺ .

стр. 980

وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ ، فذلك قوله: ﴿ولكن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم.

стр. 981

﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله ، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي ﵇: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل

стр. 982

بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: 'ن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.

стр. 983

وروى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. قوله: ﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ . قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿والآخرة﴾ هو

стр. 984

عذاب النار. قوله: ﴿ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿والذكر﴾ القرآن ﴿الحكيم﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ. . .﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ﴾ الآية. . أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ : كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ ، لأن الماضي لا يكون حالا. قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على

стр. 985

خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم ﵇ من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. قوله: ﴿الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
следующие страницы →