← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... تمهيد ومنهج البحث: تمهيد: ١- نقصد بالدعوة، الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ، والمقصود بالدعوة إلى الله: إلى دينه، وهو الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ الذي جاء به محمد ﷺ من ربه ، فالإسلام هو موضوع الدعوة وحقيقتها، وهذا هو الاصل الأول للدعوة. وقد بلَّغ الرسول الكريم ﷺ هذا الإسلام العظيم أحسن تبليغٍ وأكمله، وظل يدعو إلى الله منذ أن أكرمه الله بالرسالة إلى حين انتقاله إلى جوار ربه الكريم، ولهذا أرسله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ، فهو ﷺ الداعي الأول إلى الإسلام، فالداعي إذن هو الأصل الثاني للدعوة. والذين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام وبلَّغهم رسالته هم العرب وغيرهم؛ لأن رسالته عامَّة إلى جميع البشر، غير مقصورة على العرب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ، فالمدعوّ إلى الإسلام إذن هو الأصل الثالث للدعوة. وقد قام رسول الله ﷺ بالدعوة إلى الإسلام بالوسائل والأساليب والمناهج التي أوحى بها الله إليه، والثابتة في القرآن والسنة النبوية الكريمة، وهذه الوسائل والأساليب وما يتصل بها هي الأصل الرابع للدعوة. فأصول الدعوة إذن أربعة: موضوعها، والداعي، والمدعوّ، والوسائل. منهج البحث: ٢- وبناءً على ما تقدَّم سيكون منهجنا في البحث تقسيمه إلى أربعة أبواب، كل

стр. 2

باب لأصل واحد من أصول الدعوة على النحو التالي، مع خاتمة لهذه الأبواب: الباب الأول: موضوع الدعوة. الباب الثاني: الداعي. الباب الثالث: المدعوّ. الباب الرابع: وسائل الدعوة وأساليبها. الخاتمة.

стр. 3

الباب الأول: موضوع الدعوة مدخل ... الباب الأول: موضوع الدعوة قلنا: إنَّ موضوع الدعوة هو الإسلام الذي أوحى الله تعالى به إلى رسوله في القرآن والسُّنَّة المطهرة، ونحن في كلامنا على الإسلام لا نريد التفصيل، كما لا نريد الإيجاز والاختصار، وإنما نريد أن نبيِّن شيئًا عنه يحتاج إليه المدعوّ داعي جهله ... وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من بيان تعريفه وأركانه وأنظمته ومقاصده. وعلى هذا سنقسِّم هذا الباب إلى خمسة فصول. الأول: تعريف الإسلام. الثاني: أركانه. الثالث: خصائصه. الرابع: أنظمته. الخامس: مقاصده.

стр. 4

الفصل الأول: تعريف الإسلام يمكن تعريف الإسلام بتعاريف كثيرة منها: التعريف الأول: ٤- في حديث جبريل ﵇؛ حيث جاء بهيئة أعرابي، يسأل رسول الله ﷺ ؛ ليسمع الحاضرون ويتعلَّموا أمور دينهم، جاء في هذا الحديث: "فأخبرني عن الإسلام" فقال ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". فالإسلام هو ما جاء في هذا الحديث، وسيأتي شرحه فيما بعد. التعريف الثاني: ٥- الإسلام هو الخضوع والاستسلام والانقياد لله رب العالمين، ويشترط فيه أن يكون اختياريًّا لا قسريًّا؛ لأنَّ الخضوع القسري لله رب العالمين -أي: لسننه الكونية- أمر عامٌّ بالنسة لجميع المخلوقات، ولا ثواب فيه ولا عقاب، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١ فكل مخلوق خاضع لله ولسنته في وجوده وبقائه وفنائه، والإنسان كغيره من المخلوقات في هذا الخضوع القسري. أمَّا الخضوع الاختياري لله رب العالمين فهذا هو جوهر الإسلام المطالَب به الإنسان، وعليه يكون الثواب والعقاب،

стр. 5

ومظهره الانقياد التام لشرع الله بتمام الرضى والقبول، وبلا قيد ولا شرط ولا تعقيب، ومن ثَمَّ كان الإسلام بهذا المعنى هو دين الله المرضي عنده، وأوحى به إلى رسله الكرام، وبلَّغوه إلى الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ٢، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٤، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. ٦- ثم خص لفظ "الإسلام" بالدِّين الذي جاء به محمد ﷺ من ربه، وبالانقياد التامِّ له بلا قيد ولا شرط، وبهذا الانقياد يظهر خضوع الإنسان لله رب العالمين خضوعًا اختياريًّا وهو جوهر الإسلام كما قلنا، وبهذا المعنى الخاصّ للإسلام جاء قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٦ وعلى هذا يكون تعريف الإسلام بمعناه الخاص وهو المطلوب عند إطلاق هذا الاسم "الإسلام هو الخضوع الاختياري لله رب العالمين، ومظهره الانقياد لشرع الله الذي أوحاه إلى رسوله محمد ﷺ وأمره بتبليغه إلى الناس. التعريف الثالث: ٧- الإسلام هو النظام العامّ والقانون الشامل لأمور الحياة، ومناهج السلوك للإنسان التي جاء بها محمد ﷺ من ربه، وأمره بتبليغها إلى الناس، وما يترتَّب على اتباعها أو مخالفتها من ثواب أو عقاب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فالدين هنا يتضمَّن المعاني التي ذكرتها، ويستلزم غيرها، وهي بمجموعها تعني الإسلام جاء به محمد ﷺ من رب العالمين.

стр. 6

التعريف الرابع: ٨- الإسلام هو مجموع ما أنزله الله تعالى على رسوله محمد ﷺ من أحكام العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والإخبارات في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة، وقد أمره الله بتبليغها إلى الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ١ وما أنزله الله عليه هو القرآن والسُّنَّة، وفيهما جميع الأحكام التي ذكرناها، وهي دين الله، وهو الإسلام. التعريف الخامس: ٩- الإسلام هو الأجوبة الصحيحة الحقة لثلاثة أسئلة شغلت عقول البشر في القديم وفي الحديث، وترد على فكر كل إنسان كلما خلا بنفسه وشرح خواطره في أمور الحياة، أو شيِّع ميتًا أو شاهد قبورًا ... هذه الأسئلة هي: من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟ والأجوبة الصحيحة لهذه الأسئلة التي أخبر بها رسول الله محمد ﷺ تكون بمجموعها وتفصيلاتها الإسلام: ١٠- فعن السؤال الأول يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ٢. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ

стр. 7

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ١. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ٢. ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٣. ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٤. فهذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن الكريم تبين أن الإنسان لم يكن شيئًا، كان معدومًا، فخلقه الله تعالى من تراب، ثم جعل نسله من ماء مهين على النحو المذكور في هذه الآيات، فمن جهة خلق الإنسان الأول وهو آدم ﵇، كان خلقه من طين أو تراب، ومن جهة خلق نسله وذريته، كان خلقه من ﴿نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ٥ أي: من الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب. ١١- وعن السؤال الثاني: يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٦ والعبادة تتضمن معرفة الله ومحبته والخضوع له، وإتباع مناهجه التي وضعها للإنسان لتكميل نفسه، ورفعها إلى المستوى اللائق بها، والمستعدة له؛ ليظفر بالسعادة الحقيقية هنا وهناك في الدنيا والآخرة. فالإنسان خلق لعبادة الله بمعناها الواسع كما سنذكر فيما بعد. ١٢- وعن السؤال الثالث: يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ٧.

стр. 8

﴿اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ٣. ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ٤. فهذه الآيات الكريمة تبيِّن مصير الإنسان بعد موته، وهو رجوعه إلى خالقه؛ لمجازاته على أعماله في الدنيا، وإدخاله الدار التي تلائمه، فإن كان قد زكَّى نفسه بعبادة الله وصار من الطيبين فنزله في دار الطيبين -الجنة، وإن كان قد دنَّس نفسه ولوَّثَها بأقذار المعصية وأبقى خبثها، فنزله في دار الخبيثين -جهنم، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد. التعريف السادس: ١٣- الإسلام هو الروح الحقيقية للإنسان، والنور الهادي له في درب الحياة، والشفاء الكافي للأمراض البشرية، والصراط المستقيم الذي لا يضلّ من سلكه وسار فيه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ٧. ومن الواضح أنَّ هذا التعريف تعريف للإسلام ببعض صفاته اللاصقة به التي لا تنفكّ عنه، وعلى هذا يمكن تعريفه بذكر أوصافه الأخرى، كأن نقول: الإسلام هو

стр. 9

دين الفطرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. كما يمكن أن نقول في تعريفه: الإسلام دين التوحيد، أو دين العلم، أو دين العدل؛ لأن فيه هذه المعاني على أتمِّ الوجوه، ويدعو إليها ويؤكِّد عليها.... تعاريف أخرى للإسلام: ١٤- ومما تجب ملاحظته أنَّ ما ذكرناه من تعاريف متنوعة للإسلام إنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر؛ إذ يمكن الإتيان بتعاريف أخرى بعبارات متنوعة، ولا مانع من ذلك بشرط أن يكون مضمون التعريف صحيحًا ومنطقبًا على معنى الإسلام، وأن تكون ألفاظ التعريف واضحةً لا لبس فيها ولا غموض ولا اشتباه. لا تناقض ولا اختلاف: ١٥- وملاحظة ثانية: إنَّ هذه التعاريف التي ذكرناها كلها صحيحة ولا تناقض فيما بينها ولا اختلاف؛ لأنَّ كل واحد منها يستلزم أو يتضمَّن ما في التعريف الآخر، إنَّ الاختلاف فيما بينها هو اختلاف في الألفاظ لا في المعاني التي يبرزها هذا التعريف دون ذاك، وهذا القدر من الاختلاف لا يؤثر في وحدة مضمون التعاريف ودلالتها على معنى الإسلام صراحة أو بالتضمن والاستلزام كما قلنا. المقصود من تعدد التعاريف: ١٦- والغرض الذي نقصده من إيراد التعاريف المتعددة للإسلام هو أن يجد الداعي بين يديه جملة من التعاريف يستطيع أن يختار منها ما يناسب حال المدعوّ من جهة مدى فهمه وثقافته وعلمه وسلامة فطرته، ونوع الشبهات التي غشيبت قلبه، والمعاني التي هو بحاجة إلى معرفتها عن الإسلام أكثر من غيرها. فالشخص الحائر الذي قرأ ما يسمَّى بالفلسفة فاشبهت عنده الأمور، يناسبه إذا سأل عن الإسلام أن يجاب بالتعريف الخامس، وهو أنَّ الإسلام هو الأجوبة الحقة الصحيحة لما يرد على ذهن الإنسان من أسئلة: من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟ والتي بلغها رسول الله

стр. 10

محمد ﷺ إلى الناس. والمشتغل بالأمور القانونية والعلوم الاجتماعية يناسبه عندما يسأل ما هو الإسلام، أن يجاب بالتعريف الثالث. وغير المسلم إذا دعي إلى الإسلام وسأل عنه يجاب بالتعريف الأول: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.. إلخ. التعريف المختار: ١٧- والتعريف الذي نختاره أساسًا لبيان أركان الإسلام هو التعريف الأول الذي ورد عن النبي ﷺ في حديث جبريل، وقد ذكرناه سابقًا، وهو يتضمَّن جميع ما في التعاريف الأخرى من معانٍ.

стр. 11

الفصل الثاني: أركان الإسلام مدخل ... الفصل الثاني: أركان الإسلام تمهيد: ١٨- ذكرنا حديث جبريل وفيه جواب النبي ﷺ بأنه: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". وعلى هذا فأركان الإسلام في ضوء هذا الحديث الشريف ثلاثة: الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، الثاني: شهادة أنَّ محمدًا رسول الله، الثالث: العمل الصالح وفي ذروته الصلاة والزكاة والصوم والحج، وإنما ذكرت هذه الأربعة لأهميتها، وللتنبيه إلى ضرورة العمل الصالح للمسلم، وأنه لا يكفي التلفظ بالشهادتين، بل لا بُدَّ من العمل بمضمونها. فلا بُدَّ من الكلام عن هذه الأركان الثلاثة، وعلى هذا نقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث، ونحصص لكل ركنٍ مبحثًا على حدة.

стр. 12

المبحث الأول: الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله معنى الشهادة: ١٩- الشهادة تعني: العلم والإعلام والإخبار والبيان، ولهذا سمي الشاهد شاهدًا؛ لأنه يخبر بما علم. والبيان والإخبار كما يكون بالقول يكون بالفعل، فمن الشهادة بالفعل قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ ١ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه، أي: إنَّ أفعالهم بينت وأظهرت أنَّهم كفرة. وتتضمن كلمة الشهادة الإقرار والاعتراف والاعتقاد، فإن الشاهد يعتقد صحة ما يشهد به ويخبر عنه، فإذا شهد بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبة؛ لأنَّ إخباره لا يطابق اعتقاده، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ فهم كاذبون لأنهم لا يعترفون بصحة ما يقولون، ولا يعقتدون ما يقولون. فكلمة "أشهد" إذن تدل على معنى العلم والمعرفة والبيان، وتتضمَّن معنى الإقرار والإذعان والاعتقاد.

стр. 13

معنى الإله: ٢٠- أمَّا كلمة "إله" فيراد بها المعبود، وهي تستعمل بمعنى المعبود بحقٍّ أو بباطل، وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ١ كما تستعمل بمعنى المعبود الحق، وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ٢ وبهذا المعنى أيضًا وردت في قوله ﵊: "أن تشهد أن لا إله إلا الله". معنى كلمة التوحيد: ٢١- وعلى هذا يكون معنى كلمة التوحيد -أشهد أن لا إله إلا الله: إنِّي أعلم وأقرّ وأعترف وأعتقد بأن المعبود الحق الذي لا يستحق العبادة غيره هو الله تعالى، وأن أبين ذلك وأظهره بلسان وأفعالي وسلوكي. هذا، وإنَّ إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو الذي يسمَّى بتوحيد الألوهية، يتضمَّن توحيد الربوبية ومعناه: الاعتقاد بأن الله تعالى وحده هو رب العالمين، فصار عندنا التوحيد نوعين١ توحيد الألوهية. ٢ توحيد الربوبية. أولًا: توحيد الألوهية ٢٢- توحيد الألوهية هو الذي بعث الله به جميع رسله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٥.

стр. 14

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. ٢٣- والعبادة لله تقوم على الحب الخالص لله مع الذلِّ الكامل له، ومظر ذلك توجيه العبد إلى الله تعالى بالتوكل عليه، والثقة به، والخوف منه، والإنابة إليه، والطلب منه، والأنس بذكره، والفرار إليه، ونشاط الجوارح بتنفيذ شرعه وأقامة دينه، والانصباغ بصبغته، وإيثار محبته وطاعته، وجعل السلوك والأقوال والأفعال وسائر الأحوال على الوجه المرضي عند الله، وبهذا كله يحقق المسلم معنى أشهد أن لا إله إلا الله بالقول والعمل، فيكون صادقًا في شهادته. ٢٤- وتزداد معاني العبودية ويرسخ أصلها ويعظم أثرها بقدر علم العبد بمدى فقره وحاجته إلى الله، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ويزداد حب العبد لله وخضوعه له بقدر معرفته بكمال الله وعظيم نفعه ونعمه عليه، وتفكره في آلائه التي لا تُعَدُّ ولا تحصى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ، وفي تفكره في صفاته ومعاني أسمائه الحسنى. ٢٥- وبقدر امتلاء القلب بمعاني العبودية يحترز من عبودية غير الله تعالى، حتى يصبح عبدًا خالصًا لله، وهذه أسمى درجة ينالها الإنسان، ولذلك وصف الله تعالى رسوله الكريم بوصف العبودية في أرفع منازله، وصفه بها في مقام تنزل الوحي عليه، وحين الدعوة إليه، وحين أسري به ﷺ وعرج به إلى السماء، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . ثانيًا: توحيد الربوبية ٢٦- كلمة الرب تدل على جملة معاني منها: السيد ومالك الشيء وموجده والمتصرِّف فيه، والمربِّي لغيره، والمتكفل بمصلحة الإنسان، وصاحب السلطان والسيادة، النافذ أمره في غيره. ومعاني الربوبية هذه وما تتضمَّنه أو تستلزم من معاني أخرى لا يوصف بها ولا يمكلها على وجه الحقيقة والكمال إلّا الله تعالى، وأمَّا غيره فهو مربوب لله، وإذا وجد فيه شيء من معاني الربوبية فعلى وجه المجاز والعارية، فإن كل ما سوى

стр. 15

الله مخلوق لله، منه يستمد وجوده وبقاءه، وكل ما عنده من صفات الكمال المناسبة للمخلوق، الله تعالى هو رب العالمين على وجه الحقيقة، فلا ربَّ سواه، فهو الخالق المحيي المميت النافذ أمره وحكمه في جميع خلقه، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، يتصرَّف في الكون كما يشاء، لا معقب لحكمه ولا لتصرفه، وهو القائم على شئون خلقه، والمتكفل بما يصلحهم، وهو القادر على النفع والضرر، إذا أراد نفعَ أحد فلا رادَّ لفضله، وإن أراد بأحدٍ غير ذلك فلا مانع له من ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ١ فالله تعالى هو المتفرِّد بالعطاء والمنع والنفع والضر، وكل ما عدا الله فإنَّه فقير إليه محتاج إليه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ ، فالفقر وصف ذاتي لكل مخلوق، كما أن الغني وصف ذاتيّّ لله رب العالمين. دلائل توحيد الربوبية: ٢٧- والدلائل الدالة على ربوبية الله وتفرُّدِه بها وعدم مشاركة أحد له فيها كثيرة جدًّا، فما من شيء في الكون من أصغر ذرة إلى أكبر جرم إلّا وهو يشهد أنَّ الله هو رب العالمين، وبالتالي فهو الإله الحق للعالمين. إنَّ هذا الكون العجيب الغريب المتناسق المنظَّم يقول بلسان الحال: إن له خالقًا عظيمًا هو الله تعالى، وإنَّ العقل السليم لا يمكنه أصلًا أن يتصوَّر أن هذا الكون وُجِدَ بلا موجد، وحدث بلا محدث، فإنَّ قبول هذا التصور مخالف لأي عقل سويّ. إن عقولنا تأبى قبول قول من يقول: إن هذا حدث "صدفة"، بأن أثَّرت الأمطار في جبلٍ فحفرت فيه حفرًا صارت غرفًا، وأنّ عقلنا يرفض من يزعم أنَّ هذا الكتاب حدث بفعل تجمع الحديد وإنصهاره بفعل الحرارة، ثم تشقَّقَ الحديد المنصهر فصار حروفًا، ثم تجمعت الحروف ووقعت عليها مادَّة سوداء، ثم حصلت عجينة الخشب بسبب سقوط الأشجار وبفعل الأمطار، ثم جفَّت وصارت صحائف، فجاءتها ريح وضعتها على الحروف، ثم إنَّ هذه الحروف انطبعت على الصحائف بعد تغيِّر ترتيبها بعد طبع كل صحيفة بفعل

стр. 16

الرياح.. إنَّ هذا الكلام لا يصدقه عاقل، فكيف يصدق أنَّ هذا الكون الهائل، وهذا الإنسان العجيب، وهذه المخلوقات الغريبة من حيوان ونبات، كل ذلك حدث صدفة بلا موجِد ولا مدبِّر ولا منظِّم، إنَّ هذا شيء لا يكون قبوله أبدًا. أذكر أن أحد الطلاب سألني: لماذا لا يمكن أن يوجد هذا العالم صدفة بفعل المادة؟ فأجبته: انظر إلى هذه السبورة وهي أمامك -وكان عليها بعض الكتابات، لو قال إنسان: إن هذه الأسطر على السبورة لم يكتبها كاتب، وإنما حدثت صدفة بأن حملت الرياح ذرات التراب ودخلت بها من نوافذ الغرفة وأسقطتها على السبورة، فظهرت بشكل كلام مفهومٍ مكونًا هذه الأسطر، أيمكن لعاقل أن يصدق هذه القول؟ فقال: لا، قلت: فإذا كان هذا غير مقبول ويرفضه العقل، وهو شيء بسيط وتافه للغاية، فكيف يمكن لعقل سليم أن يصدِّق أن المادَّة الصماء العمياء أبدعت هذا الكون، أو أنَّ هذا الكون بكل ما فيه انبثق من هذه المادة؟ ولهذا فإن الإقرار بربوبية الله وإنفراده بها أمر شائع عند البشر، ومركوز في فطرة كل إنسان، ويعترف به حتى المشرك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. القرآن الكريم وتوحيد الربوبية في النفوس: ٢٨- والقرآن في آياته يذكِّر الناس بما هو مركوز في فطرهم ويقرره، وهو أنَّ الله وحده رب العالمين، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣، ومن أنكر وجود الخالق بلسانه فإنه مستيقن في باطنه بوجود الله تعالى، قال تعالى مخبرًا عن أمثال هؤلاء الجاحدين المنكرين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٤، فالإنكار والجحود من البعض لوجود الخالق هو إنكار وجحود محض على وجه المكابرة والعناد، ولا يعني خلوَّ فطرة الإنسان من الإحساس العميق بوجود الخالق، ولهذا إذا زالت الغشاوات عن فطرة الإنسان وزالت مكابرته وعناده، فإنه يجد نفسه بلا اختيار منه متوجهًا إلى الله، هاتفًا بلسانه

стр. 17

مستنجدًا به بكل كيانه. أذكر أني قرأت في مجلة كانت تصدر في أيام الحرب العالمية الثانية حديثًا لصحفيٍّ أجراه مع أحد الطيارين، وقد سأله الصحفي عن أحرج الساعات التي مرت به أثناء قيامه بواجبه، وما كان شعوره في تلك الساعة الحرجة، فأجابه الطيار بأنَّه نشأ في بيت ليس فيه ما يذكِّره بالله، فقد كان أبوه ملحدًا، ونشَّأَه على الألحاد، وكذا كان أخوته، وعند انخراطه بسلك الطيران استمرَّ في الحاده وإنكاره لكل شيء عدا ما يراه بعينه ويلمسه بيده، وفي أثناء قيامه بأعماله الحربية أحسَّ أن طائرته توشك أن تسقط، وأن الهلاك محتم، فإن لم يهلك بسقوط الطائرة فإنه سيهلك على يد العدو إذا وصل إلى الأرض سالمًا. قال الطيار: في تلك الساعة الحرجة لم أفكِّر في شيء على الأرض من أهلٍ أو قريبٍ أو صديقٍ أو زوجةٍ، وإنما رأيت نفسي وبلا شعور منِّي متوجهًا إلى الله تعالى، هاتفًا باسمه، طالبًا العون منه، وهكذا كان، فقد نجوت باعجوبة، والفضل في ذلك لله وحده، الذي لم أفكِّر فيه قط منذ ثلاثين سنة وهي عمري الآن. إنَّ هذه القصة صحيحة على ما أعتقد؛ إذ لا داعي لتلفيقها، بل وإنها تتكرَّر في كل يوم مئات المرات بأشكال آخرى. إنَّ الإنسان الغافل الناسي الذي لا يخطر بباله الله تعالى، يجد نفسه مدفوعًا إلى التوجّه إلى الله تعالى كُلَّمَا ألمَّت به مصيبة، أو وجد نفسه في ضيق، فالمريض الراقد في سريره أو في غرفة العمليات، وراكب الطائرة الذي يخبره قائدها أنَّ خطرًا يواجه الطائرة، هؤلاء لا يفكرون في تلك الساعة بشيء، ولا يخطر ببالهم شيء سوى الله تعالى، به يستجيرون وإليه يتوجهون. وصدق الله العظيم إذ يقول مخبرًا عن المشركين: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ ١. إنَّ مسألة وجود الله من البدهيات التي لا توجد بدهية مثلها في الوضوح والظهور، بل نقول: إذا لم تصح هذه المسألة في العقول فلا يمكن مطلقًا أن تصحَّ مسألة أخرى غيرها، فليس هناك شيء عليه من الأدلة من حيث الكثرة والتنوع مثل مسألة وجود الله تعالى. توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية: ٢٩- وتوحيد الربوبية وإفراد الله تعالى بجميع معانيها، يستلزم قطعًا توحيد

стр. 18

الألوهية، أي: إفرادالله بالعبادة، وأنَّه وحده هو المعبود الحق الذي لا يستحق غيره ذرة واحدة من العبادة، ولهذا يذكر القرآن المشركين بربوبية الله وانفراده بها، وأنها تستلزم توحيده في الألوهية، وهذا مسلك سديد واضح جليّ لا يجوز إغفاله والاستعاضة عنه بمسالك ملتوية غير مجدية، فمن هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٣. فهذه الآيات تذكِّر المشركين بحقيقة واضحة، وهي أنَّ معبوداتهم من دون الله عاجزة لا تستيطع خلق شيء ولو ذبابة، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستطيعون تخليصه منه، كيف يجوز في العقل السليم أن يعبد غير الله، ويسوي مع الله في العبادة وهو الخالق وحده، وما سواه عاجز ضعيف مخلوق؟ ويحاجج القرآن المشركين ذاكرًا لهم أنَّ ما يعبدونهم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا يشاركون الله تعالى في ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، وليس لله بمعبوداتهم البالطة حاجة ولا أيّ عون، وإذا كان الأمر كذلك كما يرون فيجب عليهم إخلاص العبادة لله تعالى. قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٤. والقرآن يقرر بعض الحقائق التي يعترف بها المشركون، وهي أنَّ الله هو مالك السماوات والأرض والمتصرِّف فيها، وهو الذي يجير المستجيرين به، فيجب إذَنْ أن يعبدوا الله دون غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ

стр. 19

وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١. العلوم الحديثة وعقيدة التوحيد: ٢٩- والعلوم الحديثة المتعلقة بالكون وبالذرة، أو بالإنسان، أو بالنبات وبالصناعات والكشوف الحديثة والمخترعات الحديثة، كل هذه تقوي عقيدة التوحيد وتزيد إيمان المؤمن؛ لأنها تكشف عن دقة نظام الكون وعجائب خلق الله ولطائف صنعه الدالة على عظمته وواسع قدرته وعلمه، فإن دقة المصنوع تدل على عظمة الصانع، وأنَّ وراء هذه الصنعة البديعة والنظام الدقيق خالق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣. مكانة التوحيد في الإسلام: ٣٠- التوحيد في الإسلام هو كل الإسلام، والقرآن كله يدور حول التوحيد، فآيات القرآن إمَّا إخبار عن الله وصفاته وخلقه وأفعاله وتدبيره، وإمَّا أمر ونهي وهما من لوازم ربوبيته وقيوميته على خلقه، وإمَّا بيان للثوب بأنواعه، وهو جزاء من أطاعه واتَّبَع رسله الذين أرسلهم بشريعته القائمة على توحيده في الألوهية والربوبية، وإمَّا بيان للعقاب بأنواعه وهو جزاء المخالفين لشرعه، وإمَّا إخبار عن أحوال المكذبين الماضين وهو بيان لمن خرج عن مقتضى توحيده وعبادته. فالتوحيد هو لب الإسلام وأساسه، ومنه تنبثق سائر نظمه وأحكامه وأوامره ومناهجه، وكل ما فيه عبادات وأحكام يرسخه ويقويه ويثبته في قلوب المؤمنين.

стр. 20

المبحث الثاني: الركن الثاني: شهادة أنَّ محمدًا رسول الله معنى هذه الشهادة: ٣١- وهذه الشهادة هي الركن الثاني في الإسلام، ومعناها: العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ رسول الله، وإعلان ذلك وإظهاره وبيانه بالقول والعمل، أمَّا بالقول فبالنطق بهذه الشهادة، وأمَّا بالعمل فيكون بإقامة سلوك الإنسان وجميع تصرفاته القولية والعملية وفق ما جاء به محمد ﷺ من ربه على وجه الاتباع له، والقبول منه باعتباره رسول الله. رسل الله كثيرون: ٣٢- ورسل الله الذين أرسلهم إلى البشر كثيرون، منهم من قصَّ الله علينا أخبارهم، وعرَّفنا بأسمائهم، ومنهم من لم يعرّفنا بهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، فكل أمة من أمم الأرض جاءها رسول، وقد لا نعرفه؛ لأنَّ الله تعالى لم يخبرنا باسمه ولا برسالته، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١.

стр. 21

تبرير إرسال الرسل: ٣٣- والفكرة التي وراء إرسال الرسل والتي على أساسها يمكن تبرير إرسالهم إلى الناس، تقوم على أساس تفرُّد الله تعالى بالربوبية والألوهية، فهو رب العالمين وإلههم، فلا ربَّ لهم سواه، ولا إله لهم غيره، ومن لوازم ربوبيته وألوهيته تعالى قيامه بتدبير شئون خلقه، والتكفُّل بمصالحهم وما يصلح لهم ويصلحون به، والتصرف فيهم بالأمر والنهي. ولا شكَّ أنَّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى الغذاء ونحوه مما هو ضروري لإدامة حياته الجسدية، وإنما هو بحاجة وضرورة إلى ما يفي بحاجات روحه التي امتاز بها عن غيره، وإلى ما يوصله إلى الكمال اللائق به كإنسان، وعلى هذا فأهمّ مصالح الإنسان على الإطلاق إبلاغه السعادة والكمال المقدَّر له بتعرفه بخالقه ومعبوده، وطريق الوصول إليه، ووضعه على الصراط المستقيم الذي لا يضل فيه ولا يشقى. وحيث إنَّ الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يعرف هذه الأمور على وجه صحيح سالم من الخطأ؛ لأنها فوق قدرة العقل، فقد اقتضت حكمة الربِّ ورحمته بالإنسان أن يرسل للبشر رسلًا من جنسهم، يكلمونهم بلغتهم، ويبلغونهم رسالات ربهم، ويعرفونهم به، ويبينون لهم طرق الوصول إليه، وما يسعدون به في حياتهم وأخراهم، ولهذا كان من لوازم الإيمان بالله ربًّا وإلهًا الاعتقاد برسل الله، وأنَّ إنكار رسله يتضمن الجهل بالله وتنقيصه وعدم تقديره حق قدره، ومن ثَمَّ يكون كفرًا، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. ختم الرسالات: ٣٤- وقد ختم الله رسالته بالرسالة الإسلامية التي أوحى بها إلى نبيه محمد ﷺ ، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢ وإنما ختمت الرسالة برسالة الإسلام الخالدة؛ لكمالها ووفائها بحاجات البشر إلى يوم القيامة، فلا داعي لرسالة أخرى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٣.

стр. 22

أدلة نبوة محمد ﷺ : ٣٥- قلنا: إن إرسال الرسل من لوازم ربوبية الله وألوهيته، وما من رسول أرسله الله إلّا وأيده بما يدل على صدقه ونبوته، وبالنسبة لنبوة محمد ﷺ يقول: ما من أدلة تقام لإثبات نبوة نبيٍّ أو رسولٍ إلّا وكانت مثل هذه الأدلة وأكثر منها وأظهر موجودة في إثبات نبوة محمد ﷺ ، ولهذا من يؤمن بنبوة موسى أو عيسى أو أيِّ نبي آخر ويجحد بنبوة محمد ﷺ ، فإنه يكون متناقضًا في نفسه وفي الواقع، ولا يكون إيمانه وجحوده إلّا حصلية الجهل والتعصب والتقليد بلا دليل أو برهان؛ لأنَّ ما دعاه إلى الإيمان بنبوة نبيٍّ أو رسول يوجد مثله وأكثر منه يدعوه إلى الإيمان بنبوة محمد ﷺ . إنَّ مَثَلَه مَثَلُ من يعتقد أن فلانًا عالم بالطبِّ لأنه طالب في السنة الأولى في كلية الطب، ولكن يرفض الاعتقاد بأنَّ أستاذ هذا الطالب الذي ظلَّ يمتهن الطب عشرات السنين تدريسًا لهذا الطالب وغيره، وتطبيقًا لعلم الطب، يرفض أن يعتقد فيه معرفة الطب، ومن البديهي أنَّ رفضه هذا مع اعتقاده ذاك تناقض محض لا يصدر إلّا عن جهل وتعصُّب وتقليد. ومع هذا القول العامِّ فإنَّ من المفيد أن نقدِّم بعض الأدلة لإثبات نبوة محمد ﷺ ، فمن هذه الأدلة سيرته ﷺ ؛ من نشأته حتى وفاته، فهذه السيرة الطيبة العطرة لا يمكن أن يكون صاحبها كذَّابًا يدَّعي على الله ما ليس فيه. وهذا الدليل يكفي لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة، وبه استدلت السيدة خديجة عندما أخبرها الرسول ﷺ بما رآه من جبريل في أول بدء الوحي، فقالت له فيما قالته: أبشر، فإنَّ الله لا يخزيك أبدًا، فإنك تحمل الكلَّ وتعين الضعيف، إلى آخر ما قالته في صفاته العالية وسيرته الطيبة. ومن أدلة نبوته هذه الشريعة العظيمة في جميع جوانبها، التي يستحيل صدروها عن رجلٍ أميٍّ عاش في ذلك المجتمع العربي المعروف، فلو لم تكن وحيًا إلهيًّا لما أمكن لأحد أن يأتي بها مهما كان نضوجه العقلي وإتساع أفق تفكيره، وهذ الدليل يدركه ويقدِّره العلماء بالقانون والاجتماع والعلوم الأخرى. وأعظم دليل على نبوة محمد ﷺ ، وهو لا يزال قائمًا موجودًا بين أيدينا، هو القرآن العظيم وإعجازه الثابت، فلا بُدَّ من الكلام عن هذا الدليل على حدة.

стр. 23

دليل الإعجاز: ٣٦- من الواضح الجليِّ المعروف لدى المطَّلعين على التاريخ الإسلامي أنَّ أهل مكة وقريش بالذات قاومت الدعوة الإسلامية الأولى، ولم تعترف أوّل اللأمر بنبوة محمد ﷺ ، وأنكرت أنه رسول الله، أو أنَّ القرآن كتاب الله، فكان من جملة ما حصل بين رسول الله ﷺ وبين قريشٍ وسائر المخالفين له والمعاندين والمنكرين أنْ تحداهم بالقرآن، بأن قال لهم كما أوحى الله إليه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١، فكست المخالفون عن هذا التحدي، وعجزوا عن كسره أو الإجابة عليه، ثم تحدَّاهم رسول الله ﷺ بأن قال لهم ما أوحى الله إليه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢، فسكتوا وعجزوا، ثم تحداهم رسول الله ﷺ بأن قال لهم ما أوحى الله به إليه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٤. وكانت نتيجة هذ التحدي المتكرِّر من قِبَل رسول الله ﷺ إلى قريش وسائر المخالفين، أقول: كانت نتيجة ذلك أن عجز المخالفون عن كسر هذا التحدي، أو عن محاولة الافتراء، واستعمال الصدِّ عن سبيل الله بالقوة والإرهاب والإيخاء لمن معهم بأن لا يسمعوا للقرآن؛ لئلَّا يتأثرون به. قال تعالى مخبرًا عن أسلوبهم هذا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ٥.

стр. 24

تحدي القرآن للمخالفين: ٣٧- إنَّ التحدي إذا ما نجح بعجز من وجِّه إليهم عن الإجابة عليه، فإنَّه يدل دلالة واضحة على صدق المتحدي، وصدق ما يدَّعيه لنفسه، كما يدل على بطلان دعوى من وجِّه إليهم هذا التحدي، ولكنَّ هذه الدلالة لا تتمّ إلّا إذا كان التحدي مستجمعًا الشروط اللازمة له، التي تؤدي إلى هذه الدلالة أو هذه النتيجة. فهل توفَّرت شروط تحدي القرآن لقريش، الذي جاء على لسان رسول الله ﷺ ؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، ما هي شروط التحدي؟ إنَّ هذه الشروط هي: أولًا: أن يكون موضوع التحدي داخلًا في قدرة من وجِّه إليهم، بل ويكون داخلًا في اختصاصهم ومما هم بارعون فيه ومتفوقون فيه ومشهورون فيه، كما لو وجه مصارع تحديه إلى المصارعين بأنَّه هو البطل الوحيد في المصارعة، ومن يشك في ذلك فليتقدم إلى مصارعته، فموضوع التحدي هنا "مصارعة"، والمصارعة داخلة في اختصاص من وجِّه إليهم هذا التحدي وهم المصارعون. ثانيًا: والشرط الثاني للتحدي أن يكون من وجِّه إليهم راغبين كل الرغبة، حريصين كل الحرص على إبطال دعوى المتحدي والإجابة على تحديه، فلا يكفي توافر الشرط الأوَّل لقيام التحدي السليم الموصِّل إلى نتيجة، فقد يكون من وجِّه إليهم غير راغببين ولا حريصين على إبطال دعوى المتحدي، وبالتالي يسكتون ولا يجيبون، فلا يدل سكوتهم على عجزهم، وبالتالي لا يدل على صدق دعوى المتحدي، كما لو كان بين المتصارعين من هو قادر على كسر تحدي المصارع المتحدي، ولكنه لا يرغب في ذلك؛ لأنه ابن للمتحدي أو أخوه أو صديقه، أو أن المتحدي يعتبر تافهًا في نظر من تحداهم، لا يستحق حتى الإجابة على تحديه. ثالثًا: والشرط الثالث للمتحدي أن لا يوجد مانع من وجِّه إليهم التحدي من الإجابة عليه، وأقصد بالمانع هنا: مانع الخوف من المتحدي، الخوف من بطشه وقوته وقدرته على إلحاق الأذى بهم، فلا يكفي إذن توافر الشرطين السابقين لقيام التحدي الصحيح إذا لم يتوفَّر هذا الشرط الثالث، فلو تحدى شخص منازعيه ومخالفيه بأنَّه هو الوحيد الذي يحوز ثقة الشعب، وأن الشعب لا يختار غيره ولا يرضى بغيره بديلًا برئاسة الدولة، وهو يتحدى كل من لا يؤمن بهذا القول أن يرشح نفسه في

стр. 25

الانتخابات الجارية لانتخاب الرئيس، فإذا سكت الآخرون عن تحديه، ولم يرشح أحد نفسه خوفًا من بطشه وسلطانه وقوته؛ لأن بيده الأمر والنهي والحكم، فإن هذا السكون لا يدل على صحة ما ادَّعاه المتحدي لنفسه. هذه هي الشروط الضرورية لاعتبار التحدي قائمًا فعلًا ومؤديًا إلى نتيجته، فهل هذه الشروط متوفرة في تحدي القرآن العلني للمشركين المعلَن على لسان رسول الله ﷺ . تحقق تحدي القرآن للمخالفين: ٣٨- إنَّ شروط التحدي التي ذكرناها كلها موجودة في تحدي القرآن للمخالفين، وبيان ذلك ما يأتي: أولًا: فيما يخص الشرط الأول، وهو أن يكون موضوع التحدي داخلًا في اختصاص من وجِّه إليهم التحدي، فمن المعروف أنَّ قريشًا وسائر العرب اشتهروا بالبلاغة والفصاحة والمعروفة باللسان العربي، وبرزوا في ذلك خطابة ونثرًا وشعرًا وتذوقًا، حتى إنهم كانوا يعقدون المواسم الأدبية لتخيُّر أحسن الشعر، ومن المعلوم أيضًا أنَّ القرآن الكريم أنزله الله بلغة العرب وبلسانهم، فإذا تحداهم به وقال لهم: إن كنتم في شك من أن هذا القرآن هو كلام الله المنزَّل على رسوله محمد ﷺ فأتوا بمثله، أو بعشر سورة من مثله، أو بسورة من مثله، فإنما يتحداهم بشيء داخل في اختصاصهم وداخل فيما هم فيه بارعون، فيكون هذا الشرط متحققًا في تحدي القرآن للمخالفين. ثانيًا: فيما يخص الشرط الثاني، وهو وجود الرغبة والحرص عند المخالفين من قريش وغيرهم على إبطال دعوة النبي ﷺ ، وإثبات ادِّعائهم بأنه ليس رسولًا لله، فهذا الشرط موجود ويعرفه صغار المطّلِعين على التاريخ الإسلامي، فمن الواضح أنَّ قريشًا لم ترض بدعوة النبي ﷺ ، وحاولت محاولات شتَّى لإبطال هذه الدعوة، سلكت سبيل الترغيب بأن عرضت على أبي طالب أن يمنع ابن أخيه محمدًا ﷺ من الاستمرار في دعوته، وهم مقابل ذلك يعطونه من الأموال ما يجعله أغناهم، ويجعلونه رئيسًا عليهم فيكون هو صاحب السلطان، أو يعرضونه على أهل المعرفة بالأمراض النفسية إن كان ما جاء به شيئًا اعتراه يحتاج إلى تطبيب وعلاج، فكان جواب النبي ﷺ لعمه بعد أن أبلغه رغبة قريش: "والله يا عماه، لو وضعوا الشمس

стр. 26

في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أموت دونه ... " أو كما قال رسول الله ﷺ . ثم سلكوا سبي التهديد والإيذاء، والمقاطعة الاقتصادية للنبي ﷺ ولمن اتَّبَعه، وسبيل الافتراء على الرسول ﷺ ورميه بما هو براء منه؛ كقولهم: إنه مجنون أو ساحر أو مفتر، وقد بلغ الأذى به وبالمسلمين أن عذَّبت قريش بعض المسلمين تعذيبًا بدنيًّا ماتوا فيه، كما هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة مرتين فرارًا من هذ العذاب والأذى الشديد، وهذا كله يدل دلالة واضحة على الرغبة والحرص الأكيد لدى قريش على إبطال دعوة النبي ﷺ . الشرط الثالث: وهو عدم وجود مانع من الإجابة وكسر التحدي. وهذا الشرط موجود في تحدي القرآن، فمن المعلوم عند صغار المتعلمين لأخبار التاريخ الإسلامي أنَّ السلطان والقوة والنفوذ، كل ذلك كان بيد المشركين في مكة، أمَّا المسلمون ورسولهم ﷺ ، فما كان لهم من ذلك شيء. فقد كانوا ضعفاء لا حول لهم ولا سلطان، حتى إنَّ بعضهم هاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم كما قلنا، وحتى إنَّ المسلمين هاجروا إلى المدينة في آخر الامر، كما هاجر الرسول ﷺ ، كل ذلك يدل على أنَّه لم يكن هناك مانع يمنع قريشًا من الإجابة على التحدي وكسره، وإثبات ما يزعمونه من أنَّ القرآن ليس كلام الله وأن محمدًا ليس برسول الله، لو كانوا يستطيعون ذلك. نتيجة التحدي ودلالته: ٣٩- وكانت نتيجة تحدي القرآن للمشركين عجزهم وسكوتهم، كما أشرنا إلى هذا من قبل، فإذا ثبت عجزهم وتوفَّرت شروط التحدي، ثبت صدق النبي ﷺ ، وثبت أنه رسول الله، وأن القرآن كتاب الله، وإذا ثبت ذلك وجب على الخلق الإيمان بنبوته واتباعه، والانقياد إلى الشرع الذي جاء به من ربه، والإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة، وهذا هو المطلوب. استمرار التحدي ودلالته: ٤٠- وتحدِّي القرآن للمخالفين ظلَّ قائمًا وموجَّهًا إلى كل مرتاب في نبوة محمد ﷺ ، وفي نسبة القرآن إلى الله تعالى، ولا يزال هذا التحدي قائمًا حتى الآن، وإلى أن

стр. 27

يرث الله الأرض ومن عليها، فما دلالة ذلك؟ دلالة ذلك واضحة وهي ثبوت نبوة محمد ﷺ بالدليل القاطع والبرهان الساطع والحجة القائمة الموجودة بين أيدينا الآن، التي لا يستطيع أيّ مكابر أن ينكرها أو يغالط فيها، وإذا عرفنا أنَّ هذا الدليلن ظلَّ قائمًا عبر القرون الطويلة منذ عهد نبوة محمد ﷺ وحتى الآن، وأنَّ الإسلام واجه مختلف الخصوم والمعاندين والكفار من أصحاب الأفكار الباطلة، وأنهم بذلوا كل جهد مستطاع لديهم لطعن الإسلام والتشكيك فيه، والدسِّ عليه وتلويث أفكاره وعقائده، ومع هذا لم يجرءوا على إجابة تحديه وكسره، نقول: إذا عرفنا ذلك عرفنا قوة هذا الدليل؛ دليل إعجاز القرآن على صدق نبوة محمد ﷺ وصدق رسالته.. إن دليلًا ثبت صدقه مدة أربعة عشر قرنًا لهو أعظم دليل يقام لاثبات نبوة محمد ﷺ . إنكار نبوة محمد ﷺ تنقيص بعقل الإنسان: ٤١- وبناءً على ما تقدَّم نعتبر إنكار نبوة محمد ﷺ بعد ظهور الدليل القاطع على نبوته وصدقه تنقيصًا بالعقل البشري السويّ، وجحودًا ما بعده جحود، وعنادًا محضًا، وجرمًا كبيرًا، ومن ثَمّ كان جزاؤه غليظًا عند الله، وصاحبه ينخرط في عداد الكفرة المتمردين على الله. هذه واحدة، والأخرى أنَّ من ينكر نبوة محمد ﷺ فلا سبيل له إطلاقًا للإيمان بأي نبي؛ لأنَّ من ينكر وجود الشمس وهو يراها لا سبيل له إلى الإيمان بوجود نجم لا يراه، وإذا آمن به كان متناقضًا في إيمانه هذا وإنكاره ذاك. إثبات نبوة محمد ﷺ إثبات لسائر النبوات: ٤٢- هذا وإنَّ إثبات نبوة محمد ﷺ إثبات لسائر النبوات؛ لأن هذه النبوات ذكرها القرآن وذكر أصحابها وهم الرسل الكرام، فإذا ثبت بدليل الإعجاز أنَّ القرآن من عند الله، وأن محمدًا رسول الله، ثبت كل ما في القرآن، وثبت كل ما أخبر به محمد ﷺ ، ونحن نقول هذا لأنَّه ليس بين أيدينا دليل قاطع حيّ على إثبات نبوة أيِّ نبي قبل محمد ﷺ ، وعلى هذا فإنَّ من ينكر نبوة محمد ﷺ ، ويريد أن يدعو إلى الإيمان بنبوة غيره، يكون متناقضًا، ويعطي الحجة بيد المدعو على عدم التصديق بأصل

стр. 28

النبوات، ولهذا أيضًا كان الكفر برسالة أيِّ رسول كفرًا برسالة الإسلام؛ لأنه يتضمَّن التكذيب لبعض ما جاء في القرآن. مقتضى الإيمان بنبوة محمد ﷺ ولوازمه: ٤٣- والإيمان بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا يقضي التسليم المطلق والتامِّ لما جاء به أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، دون حرج أو ضيق أو مناقشة أو جدال أو تعقيب أو أخذ البعض وترك البعض الآخر، فإن كل هذه الأشياء تناقض مقتضى الإيمان به ﷺ نبيًّا ورسولًا، ولهذا جاءت النصوص القرآنية كلها تؤكد وتبين هذه الأمور وغيرها، التي هي مقتضيات الإيمان بنبوته ﷺ ، فمن هذه النصوص الواردة في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٣، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٦، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٧، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ

стр. 29

الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. فهذه النصوص وأمثالها في القرآن كثير، تذكِّر المؤمنين بمقضتى إيمانهم بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، وبلوازم هذا الإيمان، فمرة تأمره بطاعته؛ لأن طاعته هي طاعة لله، وأن جزاء المطيعين جنات النعيم، وأن جزاء المخالفين عذاب النار، وطورًا تبيِّن لهم أنَّ الإيمان بمحمد ﷺ يستلزم أخذ ما أمر به الرسول ﷺ ، والانتهاء عمَّا نهى عنه، وأنَّ ما يقضي به ﷺ واجب الطاعة لا خيار فيه للمسلم، وأنَّ الرجوع عند الاختلاف يجب أن يكون إلى الله والرسول، وأنَّ الإيمان الحقيقي بمحمد ﷺ يستلزم الرضى بما يحكم ويقضي به ويخبر عنه، وتارة تبيِّن نصوص القرآن أنَّ المخالفة لأمر رسول الله وعصيانه سبب لعذاب الله ومقته، وأنَّ على المخالفين له أن يحذروا الفتنة والعذاب الأليم. ٤٤- والواقع أنَّ ما تذكره هذه النصوص هو النتيجة المنطقية للإيمان بمحمد ﷺ ، والرضى به رسولًا؛ لأن من التناقض ومن غير المقبول في العقل السليم أن يؤمن الإنسان بمحمد ﷺ ، ثم ينازعه في بعض ما جاء به، أو لا يرضى بما جاء به، أو ينصِّبَ نفسه معقبًا لبعض ما جاء به، أو يتمرَّد على بعض ما جاء به، إلى غير ذلك مما لا يتفق أبدًا ومقتضى الإيمان به. إنَّ الإنسان إذا آمن بأن فلانًا بارع في الطب ومبرَّز فيه، فإنه يتقبل منه ما يقوله في شئون الطب وما يخبره به عن موضع وسبل علاجه، ويتبع توجيهاته في الأكل والشرب، وفيما يأخذ ويترك، ولا يسوغ لنفسه معارضته أو مناقشته، فإذا هذا المسلك سليمًا ومعقولًا بالنسبة للطبيب مع احتمال خطئه، فما

стр. 30

يقول ويوصى به، فكيف يجوز لمن آمن بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا أن يعارضه أو يناقشه؟ واجبنا نحو الرسول ﷺ : ٤٥- إن واجب المسلم نحو الرسول ﷺ بعد أن أنعم الله عليه بالإيمان به تصديقُه بكلِّ ما يخبر عنه، وطاعته في كل ما يأمر به، والانتهاء عن كل ما ينهى عنه، وقبول ذلك بتسليمٍ تامٍّ ورضًى تامّ، كما بينا في الفقرة السابقة، وذكرنا النصوص القرآنية الدالة على ذلك. ومن واجباتنا الأخرى نحوه -بأبي هو وأمي- ﷺ ما يأتي: أولًا: محبته أكثر من النفس والولد والأهل والمال والناس أجمعين، قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين"، ومن البديهي أن صدق المحبة تكونة بخلوص المتابعة له، فهذا هو الذي يحبه ويرضيه، والمسارعة إلى ما يرضيه ﷺ مما أمرنا الله به، وهو من لوازم المحبَّة الصادقة، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ثانيًا: توقيره وتبجيله واحترامه حيًّا وميتًا، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ٢؛ لأنَّ الرسول الكريم ليس كواحد من الناس، إنَّه رسول الله، وعلى الناس أن يوقروه ويجلوه ويشرِّفوه حتى في ندائهم له، فعليهم أن يقولوا له: يا رسول الله، يا نبي الله، وهذ بعض معاني هذه الآية. ومن مظاهر توقيره واحترامه عدم سبقه بالقول أو رفع الصوت عند كلامه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ

стр. 31

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١، ويبقى هذا الاحترام والتوقير بعد وفاته ﷺ ، فلا ينبغي رفع الصوت في مسجده وعند قبره، كما يجب التأدُّب عند سماع حديثه الشريف وسنته المطهرة، والإصغاء الكامل لها والرضى بها، وعدم الخروج عليها، أو معارضتها بالآراء الفاسدة، فإذا سمع المسلم: "قال رسول الله ﷺ "، فليعلم أنَّه لا قول لأحدٍ مع قوله ﷺ ، ولا معارضةً لقوله، وإنما هو الاستماع وفهم هذا القول النبوي الكريم، والعزم على العمل به. ثالثًا: الابتعاد الكامل التامّ عن إيذاء النبي ﷺ في أي شيء وبأي قدر من الإيذاء، فإنَّ هذا كله حرام، وقد يؤدي إلى خروج المسلم من الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، ويدخل في نطاق إيذائه المحرَّم إيذاؤه ﷺ بالطعن في زوجاته الكريمات أو سبهن أو عداوتهنَّ، فهنَّ أمهات المؤمنين بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، وهن زوجاته الكريمات في الدنيا والآخرة، كما يدخل في إيذائه ﷺ إيذاؤه بالطعن في آل بيته الأطهار أو سبهم أو عداوتهم. رابعًا: الصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . التحرز من خلط ما لله بما للرسول من حق: ٤٦- ومما يجب التنويه به والتذكير به التحرُّز من خلط ما لله من حقٍّ بما للرسول ﷺ من حق، فإن المسلم قد يقع في هذا دون أن يشعر، أو يقع فيه متعمدًا ظانًّا أنه من واجب المسلم نحو الرسول ﷺ أنَّ من حقه على المسلم، أو أنَّ ذلك من مزيد محبته للنبي ﷺ ، فيقع في الشرك الخفي أو الجلي، وبالتالي يقع في سخط الله. إن محبة الرسول ﷺ الحقيقة هي متابعته والمسارعة إلى مرضاته، وهذا لا يتمّ إلّا

стр. 32

بتجريد المتابعة لشرعه الذي جاء به من ربه، ولسنته القولية والعملية، ومن المعلوم أنَّ ما جاء به ﷺ من ربه إفراد الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها، وعدم إعطاء ذرة منها لأحد كائنًا من كان، وهذا هو معنى كلمة التوحيد كما بَيِّنَّا ذلك من قبل. ولتحقيق هذه المعاني العالية في نفوس المسلمين بَيِّنَ القرآن الكريم أنَّ محمدًا ﷺ بشر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١. وأنه لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، وإنما المالك لهذا وذاك هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢، وعلى هذا فالاستغاثة وطلب العون وكشف الضر يكون من الله تعالى، الذي دعانا إلى الطب منه والتوجه إليه، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٤، كما أنَّ الخشيبة والتقوى تكون لله، والتوكُّل يكون على الله، فهو الكافي ﷻ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٦، فهذه الآيات صريحة في تحديد ما لله من حقٍّ وما للرسول من حقّ، فمن حقوق الله تعالى وحده الخشيبة منه والتقوى له، والكفاية لعبده، والتوكل عليه، والرغبة إليه، أمَّا الطاعة فهي من حق الله وحق رسوله ﷺ ، وطاعة الرسول في حقيقتها طاعة الله، وكذلك من حقِّ الرسول إعطاء ما يراه من غنائم وفيءٍ وغيرها من يرى إعطاءه. وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله"، أو كما قال ﷺ ، وقال رجل للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت"، فقال ﷺ : "أجعلتني لله ندًّا، قل: ما شاء الله ثم شئت".

стр. 33

فالنبي الكريم ﷺ جاء بالتوحيد الخالص لله رب العالمين، ومن حرصه الشديد على ما ينفع المسلمين كان يبيِّن لهم التوحيد كما يبيِّن لهم معاني الشرك؛ لئلَّا يقعوا فيه، وهذا من كمال نصحه ورحمته ورأفته بأمته -بأبي هو وأمي ﷺ ، فجزاه الله عنَّا خير الجزاء. قال تعالى في بعض أوصافه الكريمة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢.

стр. 34

المبحث الثالث: الركن الثالث: العمل الصالح ماهيّة العمل الصالح: ٤٧- العمل الصالح هو العمل المرضيّ عند الله تعالى، وهو الجامع لشيئين؛ الأول: أن يكون وفق الشرع الإسلامي، الثاني: أن يكون المقصود به مرضاة الله وطاعته، فإذا فقد العمل هذين الشيئين أو أحدهما لم يكن مرضيًّا عند الله، وبالتالي لا أجر فيه ولا ثواب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ، المقصود بالعمل الصالح العمل الصحيح، أي: الموافق للشرع الإسلامي، والخالص لوجه الله تعالى. مكانة العمل الصالح في الإسلام: ٤٨- وللعمل الصالح في الإسلام مكانة عظيمة جدًّا؛ لأنه ثمرة الإيمان بالله وباليوم الآخر، وبرسوله محمد ﷺ ، وبه يظهر معنى الشهادتين بالعمل والسلوك؛ ولأهميته في الإسلام جاءت الآيات الكثيرة به، فمرة تقرنه بالإيمان، ومرة تبيِّن جزاءه الحسن، وأخرى تصريح بأنَّ ما ينفع الإنسان في آخرته هو الأعمال الصالحة، وأن الله تعالى لا يضيِّع أجر من عملها وقام بها، وتارة تبيِّن الآيات أنَّ الصالحات سبب لتكفير السيئات وغفران الذنوب، وأنَّ الخسارة تلحق الإنسان لا محالة، إلّا مَنْ آمن وعمل الصالحات، ومن هذه النصوص التي وضَّحَت هذه المعاني قوله تعالى: ﴿وَعَدَ

стр. 35

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ٢. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ٤. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ٥. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ ٧، ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٨. اعتناق الإسلام شرط لقبول العمل: ٤٩- ومن البديهي أنَّ العمل المرضي عند الله تعالى هو الذي بَيّنَّاه، يشترط لقبوله شرط ضمنيّ هو اعتناق الإسلام، أي: الإيمان به، ولهذا قرن الله العمل الصالح بالإيمان، والمقصود به اعتناق الإسلام بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ رسولًا إلى العالمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وعلى هذا إذا قام الشخص بالعمل وفق الشرع الإسلامي من حيث الظاهر، أي: من حيث توفّر أشكال العمل الظاهرية المطلوبة في الشرع الإسلامي، وكان

стр. 36

قصد صاحبه مرضاة الله، ولكنه لم يؤمن بالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، فإن عمله مردود عليه ولا أجر فيه ولا ثواب. الابتداع مرفوض في الإسلام: ٥٠- وما دام العمل الصالح هو ما كان صحيحًا خالصًا لله، والصحيح ما كان وفق الشرع، فإن الابتداع في الدين بالزيادة والنقصان لا يجوز، ولا ثواب فيه لصاحبه، حتى ولو كان بنية العبادة لله تعالى، قال ﷺ : $"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد"، والبدعة شر من المعصية؛ لأنَّ في الابتداع تغييرًا للدين ولأحكام الشرع، واتهامه له بنقصانه، أو بحاجته إلى التكميل والتشذيب والتعديل، وهذ أمر كبير جدًّا لا يجوز اعتقاده أو العمل بموجبه، ولهذا حذَّر الرسول ﷺ من البدع فقال: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار" فالخير كل الخير فيما جاء به الشرع والوقوف عنده ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . تنوع الأعمال الصالحة: ٥١- والأعمال الصالحة كثيرة، فهي جميع ما أمر الله تعالى به على وجه الوجوب والاستحباب من العبادات والمعاملات، فإذا قام بها المسلم ملاحظًا الطاعة لربه، والانقياد لشرعه، مبتغيًا بها وجه الله، فهو من أصحاب الأعمال الصالحة، وفي مقدمة هذه الأعمال الصالحة العبادات، وفي مقدمتها العبادات التي جاءت في حديث جبريل، وهي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، فهي من أركان الإسلام التي لا يجوز التهاون بها مطلقًا، أو التقليل من أهميتها، ولذلك ذكرت في الحديث. أهمية العبادات في الإسلام: ٥٢- العبادات في الإسلام تنظم علاقة الفرد بربه، وتظهر عبوديته لله تعالى على وجهٍ واضح، وهي حق الله الخالص على عباده، وفي مقدمتها كما قلنا: الصلاة وأخواتها الوارد ذكرها في الحديث، فهذه العبادات يجب الحرص عليها والدعوة إليها، ولا يجوز مطلقًا التقليل من شأنها، وهي بمجموعها تقوي الإيمان وترسخه، فهي له بمثابة الماء للنباتات، والهواء للإنسان، وهيهات أن يبقى الإيمان على قوته إذا فرَّط المسلم بها.

стр. 37

أهمية الصلاة: ٥٣- ذكر الله تعالى الصلاة في عشرات الآيات في القرآن الكريم، وجاءت الأحاديث مؤكدة وجوبها وأهميتها، ومبيِّنة أنها الفارق بين المسلم وغير المسلم، وأنها من صفات المؤمنين المتقين، وأنه لا يجوز التفريط بها لا في الإقامة ولا في السفر، ولا في حالة السلم ولا في حالة الحرب، ولا في حالة الصحة ولا في حالة المرض، وأنَّ تركها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، وكانت الوصية بها من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ ، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم قدومه على ربه. والصلاة بعد هذا تزكية للنفس، وصلة للعبد بربه، وتذكير مستمر له بعبوديته لله وبمعاني كلمة التوحيد، وهي صقل لروحه، وغسل لأدرانها وأوساخها، وهي قرة عين المسلم، إليها يفزع إذا ضاق الصدر وادلهمَّت الخطوب، كما كان يفعل رسول الله ﷺ ، وهي التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من قراءة القرآن وتسبيح الله وذكره وتمجيده، وما لهذا كله من تذكير للعبد ووقاية له من المخالفة والعصيان. ويكفي هنا أن نذكر بعض النصوص من القرآن والسنة النبوية في بيان أهمية الصلاة وعظيم أثرها: ٥٤- أولًا: من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ . ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ . ثانيًا: من السنة النبوية المطهرة:

стр. 38

قال ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وكان النبي ﷺ يقول لبلال: "ارحنا بها -أي: الصلاة- يا بلال"، وروي عنه ﷺ أنه إذا حزبه أمر صلَّى. أسرار الصلاة: ٥٦- هذا وإن للصلاة أسرارًا وحِكَمًا ليس هنا محل تفصيلها، ويدركها المسلم إذا أقبل عليها بخشوع وتدبر وفهم ووعي وحضور ذهن؛ لما يتلوه من قرآن، وما يذكره من أذكار، فهو يفتح الصلاة بـ"الله أكب"، فالله أكبر من كل كبير، ومن كل ذي سلطان وقوة وجبروت، وما دام العبد موصولًا بالله الذي هو أكبر من كل شيء، وأعز من كل شيء، فلن يرهب المسلم أحدًا غير الله تعالى ... وهكذا بقية الأذكار تربي في المسلم معاني العبودية لله، وتحرره من عبودية غير الله، وتنزع من قلبه كل معاني الطغيان والتعلق بغير الله. بقية العبادات: ٥٧- والعبادات الأخرى؛ من صيام وحج وزكاة، كلها تقوي الإيمان، وتزكي النفس، وتصِلُ العبد بربه، وتملأ قلبه بمعاني العبودية لله تعالى، ففي الصيام إيثار لمحابِّ الله على شهوات الجسد، وتعويد للمسلم على معاني الإخلاص والإرادة والصبر، وكل هذه معان جليلة يحتاجها المسلم، والزكاة طهرة للمسلم من داء البخل والشح وعبادة المال، وإيثارٌ لله على محبة المال، والإسهام في تحقيق التعاون المطلوب شرعًا بإعانة ذوي الحاجات، والحج تربية عملية للمسلم، فإنّ من منهج الإسلام في التربية أنَّه لا يكتفي أن يقول للمسلم: كن صالحًا فقط، بل يقول له هذا، ويضع له مناهج عملية يسلكها ليكون صالحًا، ومن هذه المناهج العملية الحج، ففيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية، وبشكل معين واضح يجتثُّ جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فإنَّ في الإنسان نزوعًا إلى الطغيان، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ . هذا، وهناك عبادات أخرى غير المذكورة في حديث جبريل، ومنها: العبادات القلبية؛ كالتوكل على الله ومحبته والاستعانة به والطلب منه والشوق إليه والأنس به والثقة به

стр. 39

والخوف منه، وكلها مطلوبة من المسلم. أيُّ الأعمال الصالحة أفضل: ٥٨- لا شك في تفاضل الأعمال الصالحة من حيث الأجر والثواب، ومن حيث درجة طلب الشرع لها، فالفرض أفضل من المندوب، وما عظم نفعه للجماعة أفضل مما اقتصر نفعه على فاعله، والقاعدة في أفضل الأعمال الصالحة بالنسبة لشخصٍ ما: هو العمل المطلوب منه شرعًا في وقتٍ معيِّن وظرف معين، فالصلاة حين حلول وقتها أفضل من غيرها، وأوجب على المسلم أن ينشغل بها من غيرها، والجهاد في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من القيام بنوافل العبادات وطلب العلم، والصيام في وقته أفضل بالنسبة لمن وَجَب عليه من الانشغال بغيره من العبادات، وهكذا. وعلى المسلم أن يتحرَّى ما هو الأحب لله تعالى في هذا الوقت، أو في هذه الظرف القائم، فيسارع إليه ويفضله على ما سواه، وبهذا تتحقق فيه العبودية الخالصة لله بإيثاره دائمًا ما يحبه الله على ما تحبه نفسه وتهواه وإن كان من الأعمال الصالحة. أثر العبادات في صلاح الفرد والمجتمع: ٥٩- وللعبادات المختلفة تأثير واضح في سلوك الفرد، فهي التي تزكِّي نفسه كما قلنا، وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر والعلن، والخوف منه، فينزجر عن المعاصي والإضرار بالناس، ويسارع إلى عمل الخير، ولا شكَّ أن المجتمع سيكون سعيدًا إذا زاد فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى، وأنَّ كمية الخير في المجتمع ستكثر، وأن مقادير الشر والسوء ستقل. وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن العبادات في الإسلام تصلح الفرد والمجتمع، وتنفع الفرد والمجتمع.

стр. 40

الفصل الثالث: خصائص الإسلام مدخل ... الفصل الثالث: خصائص الإسلام تمهيد: ٦٠- للإسلام خصائصه الخاصة به التي تميزه عن غيره تمييزًا واضحًا بارزًا، فهو من حيث مصدره من عند الله، وهذه هي خصيصته الأولى. وهو من حيث مدى ونوع العلاقات التي ينظمها والأفعال التي يحكمها شامل، وهذه هي خصيصته الثانية. وهو من حيث الأشخاص الذين يحكمهم، عامّ لجميع البشر، باق لا يزول، وهذ هي خصيصته الثالثة. وهو من حيث نوع الجزاء الذي يصيب مخالفه أو متبعه ذو جزاء أخروي، بالإضافة إلى جزائه الدنيوي، وهذه خصيصته الرابعة. وهو من حيث نزوعه إلى المثالية دون إغفالٍ للواقع، مثالي وواقعي، وهذه هي خصيصته الخامسة. وعلى هذا سنقسِّم هذا الفصل إلى خمسة مباحث، ونجعل لكل خصيصة مبحثًا على حدة.
следующие страницы →