قصد صاحبه مرضاة الله، ولكنه لم يؤمن بالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، فإن عمله مردود عليه ولا أجر فيه ولا ثواب.
الابتداع مرفوض في الإسلام:
٥٠- وما دام العمل الصالح هو ما كان صحيحًا خالصًا لله، والصحيح ما كان وفق الشرع، فإن الابتداع في الدين بالزيادة والنقصان لا يجوز، ولا ثواب فيه لصاحبه، حتى ولو كان بنية العبادة لله تعالى، قال ﷺ : $"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد"، والبدعة شر من المعصية؛ لأنَّ في الابتداع تغييرًا للدين ولأحكام الشرع، واتهامه له بنقصانه، أو بحاجته إلى التكميل والتشذيب والتعديل، وهذ أمر كبير جدًّا لا يجوز اعتقاده أو العمل بموجبه، ولهذا حذَّر الرسول ﷺ من البدع فقال: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار" فالخير كل الخير فيما جاء به الشرع والوقوف عنده ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ .
تنوع الأعمال الصالحة:
٥١- والأعمال الصالحة كثيرة، فهي جميع ما أمر الله تعالى به على وجه الوجوب والاستحباب من العبادات والمعاملات، فإذا قام بها المسلم ملاحظًا الطاعة لربه، والانقياد لشرعه، مبتغيًا بها وجه الله، فهو من أصحاب الأعمال الصالحة، وفي مقدمة هذه الأعمال الصالحة العبادات، وفي مقدمتها العبادات التي جاءت في حديث جبريل، وهي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، فهي من أركان الإسلام التي لا يجوز التهاون بها مطلقًا، أو التقليل من أهميتها، ولذلك ذكرت في الحديث.
أهمية العبادات في الإسلام:
٥٢- العبادات في الإسلام تنظم علاقة الفرد بربه، وتظهر عبوديته لله تعالى على وجهٍ واضح، وهي حق الله الخالص على عباده، وفي مقدمتها كما قلنا: الصلاة وأخواتها الوارد ذكرها في الحديث، فهذه العبادات يجب الحرص عليها والدعوة إليها، ولا يجوز مطلقًا التقليل من شأنها، وهي بمجموعها تقوي الإيمان وترسخه، فهي له بمثابة الماء للنباتات، والهواء للإنسان، وهيهات أن يبقى الإيمان على قوته إذا فرَّط المسلم بها.
стр. 37
أهمية الصلاة:
٥٣- ذكر الله تعالى الصلاة في عشرات الآيات في القرآن الكريم، وجاءت الأحاديث مؤكدة وجوبها وأهميتها، ومبيِّنة أنها الفارق بين المسلم وغير المسلم، وأنها من صفات المؤمنين المتقين، وأنه لا يجوز التفريط بها لا في الإقامة ولا في السفر، ولا في حالة السلم ولا في حالة الحرب، ولا في حالة الصحة ولا في حالة المرض، وأنَّ تركها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، وكانت الوصية بها من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ ، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم قدومه على ربه. والصلاة بعد هذا تزكية للنفس، وصلة للعبد بربه، وتذكير مستمر له بعبوديته لله وبمعاني كلمة التوحيد، وهي صقل لروحه، وغسل لأدرانها وأوساخها، وهي قرة عين المسلم، إليها يفزع إذا ضاق الصدر وادلهمَّت الخطوب، كما كان يفعل رسول الله ﷺ ، وهي التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من قراءة القرآن وتسبيح الله وذكره وتمجيده، وما لهذا كله من تذكير للعبد ووقاية له من المخالفة والعصيان. ويكفي هنا أن نذكر بعض النصوص من القرآن والسنة النبوية في بيان أهمية الصلاة وعظيم أثرها:
٥٤- أولًا: من القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ .
﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ .
﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ .
ثانيًا: من السنة النبوية المطهرة:
стр. 38
قال ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
وكان النبي ﷺ يقول لبلال: "ارحنا بها -أي: الصلاة- يا بلال"، وروي عنه ﷺ أنه إذا حزبه أمر صلَّى.
أسرار الصلاة:
٥٦- هذا وإن للصلاة أسرارًا وحِكَمًا ليس هنا محل تفصيلها، ويدركها المسلم إذا أقبل عليها بخشوع وتدبر وفهم ووعي وحضور ذهن؛ لما يتلوه من قرآن، وما يذكره من أذكار، فهو يفتح الصلاة بـ"الله أكب"، فالله أكبر من كل كبير، ومن كل ذي سلطان وقوة وجبروت، وما دام العبد موصولًا بالله الذي هو أكبر من كل شيء، وأعز من كل شيء، فلن يرهب المسلم أحدًا غير الله تعالى ... وهكذا بقية الأذكار تربي في المسلم معاني العبودية لله، وتحرره من عبودية غير الله، وتنزع من قلبه كل معاني الطغيان والتعلق بغير الله.
بقية العبادات:
٥٧- والعبادات الأخرى؛ من صيام وحج وزكاة، كلها تقوي الإيمان، وتزكي النفس، وتصِلُ العبد بربه، وتملأ قلبه بمعاني العبودية لله تعالى، ففي الصيام إيثار لمحابِّ الله على شهوات الجسد، وتعويد للمسلم على معاني الإخلاص والإرادة والصبر، وكل هذه معان جليلة يحتاجها المسلم، والزكاة طهرة للمسلم من داء البخل والشح وعبادة المال، وإيثارٌ لله على محبة المال، والإسهام في تحقيق التعاون المطلوب شرعًا بإعانة ذوي الحاجات، والحج تربية عملية للمسلم، فإنّ من منهج الإسلام في التربية أنَّه لا يكتفي أن يقول للمسلم: كن صالحًا فقط، بل يقول له هذا، ويضع له مناهج عملية يسلكها ليكون صالحًا، ومن هذه المناهج العملية الحج، ففيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية، وبشكل معين واضح يجتثُّ جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فإنَّ في الإنسان نزوعًا إلى الطغيان، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ . هذا، وهناك عبادات أخرى غير المذكورة في حديث جبريل، ومنها: العبادات القلبية؛ كالتوكل على الله ومحبته والاستعانة به والطلب منه والشوق إليه والأنس به والثقة به
стр. 39
والخوف منه، وكلها مطلوبة من المسلم.
أيُّ الأعمال الصالحة أفضل:
٥٨- لا شك في تفاضل الأعمال الصالحة من حيث الأجر والثواب، ومن حيث درجة طلب الشرع لها، فالفرض أفضل من المندوب، وما عظم نفعه للجماعة أفضل مما اقتصر نفعه على فاعله، والقاعدة في أفضل الأعمال الصالحة بالنسبة لشخصٍ ما: هو العمل المطلوب منه شرعًا في وقتٍ معيِّن وظرف معين، فالصلاة حين حلول وقتها أفضل من غيرها، وأوجب على المسلم أن ينشغل بها من غيرها، والجهاد في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من القيام بنوافل العبادات وطلب العلم، والصيام في وقته أفضل بالنسبة لمن وَجَب عليه من الانشغال بغيره من العبادات، وهكذا. وعلى المسلم أن يتحرَّى ما هو الأحب لله تعالى في هذا الوقت، أو في هذه الظرف القائم، فيسارع إليه ويفضله على ما سواه، وبهذا تتحقق فيه العبودية الخالصة لله بإيثاره دائمًا ما يحبه الله على ما تحبه نفسه وتهواه وإن كان من الأعمال الصالحة.
أثر العبادات في صلاح الفرد والمجتمع:
٥٩- وللعبادات المختلفة تأثير واضح في سلوك الفرد، فهي التي تزكِّي نفسه كما قلنا، وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر والعلن، والخوف منه، فينزجر عن المعاصي والإضرار بالناس، ويسارع إلى عمل الخير، ولا شكَّ أن المجتمع سيكون سعيدًا إذا زاد فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى، وأنَّ كمية الخير في المجتمع ستكثر، وأن مقادير الشر والسوء ستقل. وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن العبادات في الإسلام تصلح الفرد والمجتمع، وتنفع الفرد والمجتمع.
стр. 40
الفصل الثالث: خصائص الإسلام
مدخل
...
الفصل الثالث: خصائص الإسلام
تمهيد:
٦٠- للإسلام خصائصه الخاصة به التي تميزه عن غيره تمييزًا واضحًا بارزًا، فهو من حيث مصدره من عند الله، وهذه هي خصيصته الأولى.
وهو من حيث مدى ونوع العلاقات التي ينظمها والأفعال التي يحكمها شامل، وهذه هي خصيصته الثانية.
وهو من حيث الأشخاص الذين يحكمهم، عامّ لجميع البشر، باق لا يزول، وهذ هي خصيصته الثالثة.
وهو من حيث نوع الجزاء الذي يصيب مخالفه أو متبعه ذو جزاء أخروي، بالإضافة إلى جزائه الدنيوي، وهذه خصيصته الرابعة.
وهو من حيث نزوعه إلى المثالية دون إغفالٍ للواقع، مثالي وواقعي، وهذه هي خصيصته الخامسة.
وعلى هذا سنقسِّم هذا الفصل إلى خمسة مباحث، ونجعل لكل خصيصة مبحثًا على حدة.
стр. 41
المبحث الأول: الخصيصة الأولى: إنه من عند الله
١- مصدر الإسلام ومشرِّع أحكامه ومناهجه هو الله تعالى، فهو وحيه إلى رسوله الكريم ﷺ باللفظ والمعنى "القرآن الكريم"، وبالمعنى دون اللفظ "السنة النبوية"، فالإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن جميع الشرائع الوضعية؛ لأن مصدرها الإنسان، أما الإسلام فمصدره رب الإنسان. إن هذا الفرق الهائل بين الإسلام وغيره لا يجوز أغفاله مطلقًا، ولا التقليل من أهميته.
النصوص الدالة على أنَّ الإسلام من عند الله:
٦٢- بَيّنَّا فيما سبق أن القرآن من عند الله، وأثبتنا ذلك بدليل الإعجاز، ومعنى ذلك أنَّ كل آية فيه هي من عند الله، ومعنى ذلك أيضًا أنَّ الإسلام هو من عند الله، ومع هذا فمن المفيد ذكر بعض الآيات القرآنية الصريحة في أنّ القرآن الكريم هو من عند الله أنزله على رسوله الكريم ﷺ ، فمن هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ١.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٢.
стр. 42
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ١.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٢.
﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
٦٣- والقرآن الكريم وفيه معاني الإسلام واجب الاتباع دون غيره من الكتب والأديان السماوية السابقة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
٦٤- وسنة الرسول الكريم ﵊ هي الأخرى كالقرآن واجبة الاتباع، وعلى هذا دلَّ القرآن، وذكرنا نصوصه في هذا الباب فيما سبق؛ لأنَّ الرسول ﷺ كما قال تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
ما يترتَّب على كون الإسلام من عند الله:
أولًا: كماله وخلوه من النقائض
٦٥- ويترتَّب على كَوْن الإسلام من عند الله كماله وخلوه من معاني النقض والجهل والهوى والظلم؛ لسبب بسيطٍ واضح، هو أنَّ صفات الصانع تظهر في ما يصنعه، ولمَّا كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، ويستحيل في حقه خلاف ذلك، فإنَّ أثر هذ الكمال يظهر في ما يشرعه من أحكام ومناهج وقواعد، وبالتالي لا بُدَّ أن يكون كاملًا، وهذا بخلاف ما يصنعه الإنسان ويشرعه، فإنه لا ينفكُّ عن معني النقص والهوى والجهل والجَوْر؛ لأنَّ هذه المعاني لاصقة بالبشر، ويستحيل تجردهم عنها كل التجرُّد، وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين والشرائع التي يصنعونها.
ويكفينا هنا أن نذكر مثالًا واحدًا للتدليل على ما نقول: جاء الإسلام بمبدأ المساوة بين الناس في الحقوق وأمام القانون، بغَضِّ النظر عن اختلافهم في الجنس أو
стр. 43
اللغة أو اللون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى والعمل الصالح، وقد ورد المبدأ العظيم في القرآن والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، وجاء في الحديث الشريف أنَّ النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلّا بالتقوى".
وقال ﵊: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وبلغت دقة تطبيق هذا المبدأ إلى حَدِّ أنَّ النبي ﷺ أنكر على مسلم عربي قوله لمسلم غير عربي: "يا ابن السوداء"، واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الأولى.
وواضح من ذلك أنَّ التشريع الإسلامي ارتفع إلى أعلى مستوى من العدالة والمساواة في نظرته إلى الأفراد وإن اختلفوا في الجنس واللون واللغة وغير ذلك، وطبَّق هذا المبدأ فعلًا في واقع الحياة.
وفي القرن العشرين، وفي عصرنا الحاضر، وبالرغم من الضجيج الهائل في العالم حول المساواة، وتسطير هذا المبدأ في دساتير الدولة، فإنه لا يزال مجرَّد كلام لا نصيب له في الواقع إلّا الشيء القليل، ففي الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال الفروق قائمة بين المواطنين في أبسط الحقوق على أساس اللون والجنس، فصاحب البشرة البيضاء أسمى منزلةً وأعلى قدرًا من صاحب البشرة السوداء، ولا مساواة بين الاثنين في الحقوق الآدمية ولا أمام القانون، ولو كان هذ التفريق والتمايز في واقع الحياة فقط لأمكن أن يدَّعي البعض أنه من انحراف الأفراد ولا تسأل عنه الدولة، ولكنَّ الواقع أن القانون نفسه يقرّ ويعترف صراحةً بهذا التمايز الظالم بين الأسود والأبيض ويحميه، وإن كان الاثنان يحملان الجنسية الأمريكية، فمن هذه النصوص القانونية في بعض الولايات الأمريكية: "إنَّ النكاح بين شخصين أبيض وآخر زنجي يعتبر نكاحًا باطلًا"، وبطلان العقد هنا لا يرجع إلى نقص في أهلية العاقدين، فأهليتهما كاملة، وإنما يرجع إلى شيء آخر خطير في نظر واضع القانون، هو أنَّ أحد طرفي عقد النكاح ذو بشرة بيضاء، بينما الطرف الآخر في العقد ذو بشرة سوداء.
стр. 44
ومن هذه النصوص أيضًا في بعض الولايات المتحدة الأمريكية: إنَّ كل من يطبع أو ينشر أو يوزِّع ما فيه دعوة أو حث للجمهور على إقرار المساواة الاجتماعية والزواج بين البيض والسود، أو تقديم حجج للجمهور، أومجرَّد اقتراح في هذا السبيل، يعتبر عمله جريمة يعاقب عليها القانون بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دولار، أو السجن مدةً لا تتجاوز ستة أشهر، أو بالعقوبتين. إنَّ هذا النص يوغل في اتباع الهوى والجَوْر والظلم دون حياءٍ أو خجل أو وخز من ضمير، إلى درجة أنه يعاقب من يدعو إلى المساواة بين مواطنين أمريكيين يحملون الجنسية الأمريكية، ولكنهم يختلفون في ألوان أجسادهم ووجوههم، فهل أدلّ من هذا على نقص الإنسان وجهله وجوره؟
أما التمايز بين رعايا المستعمِر -بكسر الميم- وأهل البلاد المنكبوبة بالاستعمار، فحدِّث ولا خرج، فالمستعمرين يضعون من القوانين ما يجعل أهل البلاد المستعمَرة بمنزلة البهائم، دون أن يشعر هؤلاء المستعمرون بتأنيب ضمير أو بجورهم على هؤلاء الآدميين، وما يعتبرونه ظلمًا في بلادهم، وبالنسبة لرعاياهم يعتبرونه حقًّا وعدلًا بالنسبة لأهل البلاد المنكوبة باستعمارهم. وهذا وغيره يدل على مدى ما عند الإنسان من ظلم وجَوْر وهوى ومحاباة وجهل.
٦٦- ثانيًا: ويترتَّب أيضًا على كون الإسلام من عند الله أنه يظفر بقدر كبير جدًّا من الهيبة والاحترام من قِبَل المؤمنين به، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وسلطاتهم الدنيوية؛ لأنَّ هذه السلطات وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس، وتقوم على الإيمان، ولا يقسر عليها المسلم قسرًا، وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي، وعدم الخروج عليه ولو مع القدرة على هذا الخروج. أمَّا القوانين والمبادئ الوضعية التي شرَّعها الإنسان فإنَّها لا تظفر بهذ المقدار من الأحترام والهيبة؛ إذ ليس لها سلطان على النفوس، ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام، ولهذا فإنَّ النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك، وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها وتحقيقًا لرغباتها. إنَّ القانون لا يكفي أن يكون صالحًا، بل لا بُدَّ له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات إيجاد ما يصل
стр. 45
هذا القانون بنفوس الناس، ويحملهم على الرضى به، والانقياد له عن طواعية واختيار.
ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد ﷺ ، وأن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان.
وللتدليل على صحة ما نقول نضرب مثلًا واحدًا بشأن واقعة معينةٍ عالجها الإسلام بتشريعه، ونجح في هذه المعالجة، وعالجت هذه الواقعة بالذات القوانين الوضعية، وفشلت في هذه المعالجة.
من المعروف أنَّ العرب قبل الإسلام كانون مولَعين بشرب الخمر، لا يجدون فيه منقصة ولا منكرًا، وكانت زقاق الخمر ودنانه في البيوت كالماء المخزون في القرَب والحباب، فلما أتى الإسلام بتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، كان لكلمة ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾ قوة هائلة تفوق قوة الجيش والشرطة، وما يمكن أن تستعمله أي دولة لتنفيذ أوامرها بالقوة والجبر، لقد قام المسلمون إلى زقاق الخمر فأراقوها، وإلى دنانه فكسروها، وفطموا نفوسهم من شرب الخمر حتى غدوا وكأنهم لا يعرفون الخمر ولم يتذوقوها من قبل؛ لأن أمر الله ورد ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾ ، وأوامر الله من شأنها الاحترام والطاعة.
وفي القرن العشرين أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تخليص مواطنيها من الخمر، وقبل أن تشرِّع قانون تحريم الخمر مهدت له بدعاية واسعة جدًّا لتهيئة النفوس إلى قبول هذا القانون، وقد استعانت بجميع أجهزة الدولة، وبذوي الكفاية في هذا الباب. استعانت بالسينما والإحصائيات من قِبَل العلماء والأطباء والمختصين بالشئون الاجتماعية، وقد قدر ما أنفق على هذه الدعاية بـ"٦٥" مليون من الدولارات، وكتبت تسعة آلاف مليون صفحة في مضار الخمر ونتائجه وعواقبه. وانفق ما يقرب من "١٠" عشرة ملايين دولار من أجل تنفيذ القانون. وبعد هذه الدعاية الواسعة والمبالغ المنفقة شرَّعت الحكومة قانون تحريم الخمر لسنة ١٩٣٠، وبموجبه حرم بيع الخمور وشراؤها وصنعها وتصديرها واستيرادها، فما كانت النتيجة؟ لقد دلت
стр. 46
الإحصائيات للمدة الواقعة بين تشريعه وبين تشرين الأول سنة ١٩٣٣، أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نفس، وحبس نصف مليون شخص، وغرم المخالفون له غرامات بلغت ما يقرب من أربعة ملايين دولار، وصودرت أموال بسب مخالفته قدرت بألف مليون دولار، وكان آخر المطاف أن قامت الحكومة الأمريكية بإلغاء قانون تحريم الخمر في أواخر سنة ١٩٣٣، ولم تستطع تلك الدعايات الضخمة التي قامت بها الدولة أن توجد القاعدة التي يرتكز عليها القانون في نفوس المواطنين، وبالتالي يحملها على احترامه وطاعته، ومن ثَمّ فشل وألغي، أمَّا كلمة ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾ التي جاء بها الإسلام وامتنعوا عنها، لا بقوة شرطي ولا بقوة جندي ولا رقيب، ولكن بقوة الإيمان وطاعة المسلمين لشرائع الإسلام واحترامهم لها.
стр. 47
المبحث الثاني: الخصيصة الثانية: الشمول
٦٧- قلنا في بعض تعاريف الإسلام أنَّه نظام شامل لجميع شئون الحياة وسلوك الإنسان، إنَّ هذا الوصف للإسلام وصف حقيقي ثابت للإسلام، لا يجوز تجريده منه إلّا بالافتراء عليه أو بسبب الجهل به، وشمول الإسلام هذا لشئون الحياة وسلوك الإنسان لا يقبل الاستثناء ولا التخصيص، فهو شمول تامّ بكل معاني كلمة الشمول، وهذا بخلاف المبادئ والنظم البشرية، فإن الواحد منها له دائرته الخاصة التي ينظم شئونها، ولا شأن له فيما عدا ذلك، وعلى هذا فلا يمكن للمسلم أن يقول: إنَّ هذا المجال لي، أنظِّم أموري كما أشاء بمعزل عن تنظيم الإسلام، لا يمكن أن يقول المسلم هذا؛ لأن الإسلام يحكمه من يافوخه إلى أخمص قدميه، وللإسلام في كل ما يصدر الإنسان حكم خاص، كما له حكمه في كل ما يضعه في رأسه من أفكار، وفي قلبه من ميول، وعلى هذا لا يجوز للمسلم أبدًا أن يسمح لغير نظام الإسلام أن ينظم أي جانب من جوانب حياته؛ لأنه إن فعل ذلك في نطاق معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وأحكام الإسلام الثابتة لأفعال الإنسان وتصرفاته وعلاقاته مع غيره هي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة والصحة والبطلان، والأفعال التي تتعلق بها هذه
стр. 48
الأحكام تسمَّى على التوالي: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والباطل.
٦٨- أنواع أحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به:
وأحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به تنقسم إلى الأقسام الآتية:
أولًا: أحكام العقيدة الإسلامية، وهي تتعلق بأمور العقيدة؛ كالإيمان بالله واليوم الآخر، وهذه هي الأمور الاعتقادية.
ثانيًا: أحكام الأخلاق، وهي المتعلقة بما يجب أن يتحلَّى به المسلم، وما يجب أن يتخلَّى عنه؛ كوجوب الصدق وحرمة الكذب.
ثالثًا: أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، وهذه على أنواع:
أ- أحكام الأسرة من نكاح وطلاق وإرث ونفقة، إلخ، وتسمَّى في الاصطلاح الحديث بأحكام الأسرة، أو قانون الأحوال الشخصية.
ب- أحكام تتعلق بعلاقات الأفراد ومعاملاتهم؛ كالبيع والإجارة والرهن والكفالة، وهي التي تسمَّى في الاصطلاح الحديث بأحكام المعاملات المالية، أو بالقانون المدني.
جـ- أحكام تتعلق بالقضاء والدعوى وأصول الحكم والشهادة واليمين والبينات، وهي تدخل فيما يسمَّى اليوم بقانون المرافعات.
د- أحكام تتعلق بمعاملات الأجانب غير المسلمين عند دخولهم إلى إقليم الدولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتعون بها، والتكاليف التي يلتزمون بها، وهذه الأحكام تدخل فيما يسمَّى اليوم بالقانون الدولي الخاص.
هـ- أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلم والحرب، وتدخل فيما يسمَّى اليوم بالقانون الدولي العام.
و أحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة، وشكل
стр. 49
الحكومة، وعلاقات الأفراد بها، وحقوقهم ازاءها، وهي تدخل فيما يسمَّى اليوم بالقانون الدستوري.
ز- أحكام تتعلّق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها، وتنظيم العلاقات المالية بين الأفراد والدولة، وبين الأغنياء والفقراء، وهي تدخل في القانون المالي بمختلف فروعه.
ح- أحكام تتعلق بتحديد علاقة الفرد بالدولة من جهة الأفعال المنهي عنها "الجرائم ومقدار عقوبة كل جريمة"، وهذه تدخل فيما يسمَّى اليوم بالقانون الجنائي، ويلحق بهذه الأحكام الإجراءات التي تتَّبَع في تحقيق الجرائم، وإنزال العقوبات بالمجرمين وكيفية تنفيذها، وهي تدخل فيما يسمَّى اليوم بقانون تحقيق الجنايات، أو بقانون المرافعات الجزائية.
٦٩- مقارنة بين شمول الشريعة وشمول القوانين الوضعية:
وواضح مما قدَّمناه أنَّ الشريعة في شمولها تختلف مع جميع القوانين الوضعية؛ لأنَّ شمولها كامل تامّ بكل معنى الكلمة، فما من حدث ولا عمل يصدر عن الإنسان، ولا علاقة تقوم بينه وبين غيره، إلّا وللشريعة حكم فيها، فأمور العقيدة والأخلاق والعبادات تدخل في نطاق شمول الشريعة، ولا تدخل في نطاق تنظيم القوانين الوضعية، وحتى في نطاق العلاقات البشرية التي تنظمها القوانين الوضعية، فإن الشريعة تختلف اختلافًا بينًا مع القوانين الوضعية في هذ المجال من ناحيتين؛ الأولى: ناحية مراعاة الأخلاق، الثانية: من ناحية الحِلِّ والحرمة.
٧٠- الناحية الأولى: مراعة المعاني الأخلاقية: فالشريعة الإسلامية راعت جانبها كل الرعاية، وسمحت لها بالتسرب إلى القواعد القانونية والامتزاج بها، وإقامة الأحكام التنظيمية عليها، وهذا بخلاف القوانين الوضعية؛ حيث إنَّها لا تراعي المعاني الأخلاقية، بل إنَّ الأصل فيها هو الفصل بين القواعد الأخلاقية والقواعد القانونية، فالغدر والخيانة وعدم الالتزام بالكلمة معاني ذميمة في ميزان الأخلاق، ومن ثَمَّ لا يجوز ولا يباح في جميع العلاقات التي تنظمها الشريعة الإسلامية، والأحكام التي تقررها سواء أكانت هذه العلاقات بين فرد وفرد، أو بين دولة ودولة، ونكتفي هنا بضرب
стр. 50
مثال واحد فقط؛ ليظهر لنا مدى تمسُّك التشريع الإسلامي بالمعاني الأخلاقية في أدقِّ العلاقات وأخطرها، ولو ترتَّب على هذا التمسك تضحيات جسيمة. يقرر الفقهاء المسلمون أنَّ الأجنبي -غير المسلم- إذا دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمانٍ ولمدة معينة، لا يجوز تسليمه إلى دولته إذا طلبته خلال هذه المدة، ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم عندها، ويبقى المنع من تسليمه قائمًا حتى لو هدَّدت دولته الدولة الإسلامية بإعلان الحرب عليها إذا لم تسلمها أياه، ويعلل الفقهاء هذا الحكم بأنَّ الأجنبي دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمانٍ منها، فعلى الدولة الإسلامية أن تفي بعهدها له، فيبقى آمنًا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدر منها بعهدها له، لا رخصة فيه، فلا يجوز في شرع الإسلام، ويبقى المنع من تسليمه وعدم إلحاق أيِّ ضرر به حتى لو قتلت دولته جميع رعايا الدولة الإسلامية المقيمين في أرضها؛ لأنَّ فعلها ظلم ولا مقابلة بالظلم، هكذا يقول الفقهاء، فأي مستوى رفيع بلغه التشريع الإسلامي في التزامه بالمعاني الأخلاقية في أدق الظروف وأحرج الأوقات، مما لا نجد له نظيرًا أبدًا في أي تشريع وضعي آخر، لا في القديم ولا في الجديد، ولا عجب من ذلك، فالشريعة الإسلامية من عند الله، وما يأتي من الله هو الحق الخالص والعدل الخالص.
٧١- الناحية الثانية: جهة الحِلّ والحرمة في الفعل نفسه: فإنَّ الفعل قد يكون صحيحًا في ظاهره لاستيفائه شروط الصحة المطلوبة، ولكنه يعتبر حرامًا لمخالفة حقيقته الباطنة، أو قصد صاحبه لما يأمر به الإسلام. إنَّ هذه الصفة للشيء في الحِلِّ والحرمة تبقى لاصقة بالفعل وإن صدر بها حكم قضائي يقضي بخلاف ذلك، الذي يدَّعي ديْنًا على آخر ظلمًا ويثبت ذلك أمام المحكمة، فإنَّ حكم المحكمة أنَّه محق في مطالبته، أو يستحق الدَّيْن من صاحبه، بل يبقى الأمر عند الله تعالى على حقيقته، وهو أنَّ هذا المدعي ارتكب حرامًا وأكل سحتًا، وهذا لا يجوز، في شرع الله لا ينفعه حكم الحاكم بما ادَّعى لنفسه ظلمًا؛ لأنَّ الحاكم يحكم حسب الظاهر، والله يتولَّى السرائر؛ ولأنَّ مناط الثواب والعقاب في الآخرة على حقائق الأفعال ونيات الإنسان، وما ارتكبه من حلال أو حرام، والأصل في تعلق الحقوق وثبوت الآثار الشرعية على حقيقة الفعل وكونه حلالًا جائزًا ظاهرًا وباطنًا، ولكن لما كان الباطن أمرًا خفيًّا يعجز الإنسان عن إدراكه، أو يتعذّر عليه، ولأجل
стр. 51
استقرار الأمور وجريان الأحكام على أسس ثابتة وقواعد مضبوطة، فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الظاهر، وجعلت صحته ومطابقته لمتطلبات الشريعة قرينة على صحة الباطن وحله، ومناطًا لتعلُّق الحقوق وثبوت الآثار، ولكنَّ الشيء أو الفعل يبقى بالرغم من ذلك موصوفًا بالحِلِّ والحرمة بناءً على حقيقته الباطنة، وما يترتب على هذا الوصف من جواز الإقدام عليه أو تحريمه، وما يتبع ذلك من ثواب أو عقاب؛ لأنَّ الحكم حسب الظاهر لا يقلب الحلال حرامًا ولا الحرام حلالًا، وبالتالي لا يحِلُّ للمسلم أن يبيح لنفسه فعل الحرام أو أكله، وإن أباح له ذلك القضاء. يدل على ما قلناه قول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار"، ولهذا إذا ظهر الباطن ظهورًا كافيًا، وتكشَّفت حقيقته، فالعبرة به لا بالظاهر.
إنَّ أهمية ما بينَّاه تظهر في حفظ حقوق الناس وكفِّ بعضهم عن بعض عن الاعتداء، ذلك أنَّ المسلم يعلم بأنَّ إقدامه على الحرام أو الاعتداء أو هضم حقوق الغير لا يفيده ولا يخلصه من المسئولية، وإن استطاع في الدنيا التخلص من المسئولية أو التهرب من القانون أو التحايل على القضاء، أو إخفاء حقيقة نفسه وفعله، إنَّ هذه الأمور لا تخفى على الله أبدًا، وسيحاسب عليها عند مثوله أمام المحكمة الإلهية الرهيبة في الآخرة، وعلى هذا الأساس فإنَّ المسلم لا يقدِم على شيء إلّا إذا كان حلالًا، ولا يطالب بشيء إلّا إذا كان له، وإن استطاع المطالبة بما ليس له، ولا يرتكب ما لا يحل له، وإن استطاع اخفاء ذلك عن القضاء، وبهذا تحفظ الحقوق ويأمن الناس عليها، وتقل الخصومات والمنازعات، ويقل عدد المراجعين للمحاكم، وفي هذا كله أعظم ضمان لحسن تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، وعدم ضياع الحقوق على أصحابها، وهذا مما لا يوجد في القوانين الوضعية، فإنَّ المسألة عندها تنتهي بانتهاء صدور القرار من المحكمة ولا شيء بعد هذا؛ إذ لا سلطان للقوانين الوضعية على أمور الآخرة، وليس فيها المعاني التي ذكرناها.
стр. 52
المبحث الثالث: الخصيصة الثالثة: العموم
٧٢- من بديهات الإسلام وصفاته الأصلية أنَّه جاء لعموم البشر ولم يأت لطائفة معينة منهم، أو لجنس خاصٍّ من أجناسهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وعموم الإسلام هذا غير مقصور على فترة معينة من الزمن، أو جيل خاصٍّ من البشر، وإنما هو عموم في الزمان كما هو عموم في المكان، ولهذا فهو باقٍ لا يزول ولا يتغير ولا ينسخ؛ لأن النسخ يجب أن يكون في قوة المنسوخ، سواء أكان النسخ كليًّا أو جزئيًا، وحيث إنَّ الإسلام ختم الشرائع السابقة كلها، وإنَّ محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فمعنى ذلك أنَّ الشرائع الإلهية انقطعت، وأنَّ الوحي الإلهي لم يعد ينزل على أحد، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، وعلى هذا لا يتصوَّر أن ينسخ الإسلام أو يغيره شيء.
٧٣- وقد يقال هنا: لماذا كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، أما كان الأفضل والأنفع استمرار تنزل الشرائع الإلهية وإبقاء باب الرسالات الإلهية مفتوحًا؟ والجواب: لا؛ لأنَّ تنزُّل الشرائع ليس من قبيل العبث واللهو، وإنَّما هو لسدِّ نقص في تشريع سابق، أو لإكماله بتشريع لاحق مناسب لمستوى البشرية، وحيث إنَّ الشريعة الإسلامية كاملة تامَّة سدَّت كل ما لم تأت به الشرائع السابقة، وأكدت ما جاءت به هذه الشرائع السابقة، فلا حاجة ولا داعي لمجيء شريعة أخرى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، فمع
стр. 53
هذا الكمال والتمام لا داعي لمجيء شريعة أخرى، وحيث لا شريعة أخرى فلا رسول آخر بعد محمد ﷺ .
٧٤- وعموم الشريعة الإسلامية وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة، كل ذلك يستلزم عقلًا وعدلًا أن تكون قواعدها وأحكامها ومبادئها وجميع ما جاءت به على نحوٍ يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها، ولا يختلف عن أي مستوى عالٍ يبلغه المجتمع البشري. إنَّ هذا والحمد لله متوافر في الشريعة الإسلامية؛ لأن الله تعالى وهو العليم الخبير؛ إذ جعلها عامَّة في المكان والزمان، وخاتمة لجميع الشرائع، جعل قواعدها وأحكامها صالحة لكل زمان ومكان، ومهيأة للبقاء والاستمرار لهذا العموم. إنَّ ما نقوله هو الحق، ويدل عليه واقع الشريعة الإسلامية وطبيعة مبادئها وأحكامها وأفكارها ومناهجها، ولا بُدَّ هنا من بيانٍ موجز كل الإيجاز لإظهار هذا المعنى، وإثبات صحة ما نقوله بالأدلة والبراهين.
الدليل الأول: مكانة المصلحة في الشريعة
٧٥- يقوم هذا الدليل على إظهار مدى حرص الشريعة الإسلامية على مصالح الناس الحقيقية ودرء المفاسد عنهم، والواقع أنَّ الشريعة الإسلامية ما شرِّعت إلّا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي: في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إنَّ بعض الفقهاء قال -وقوله حق: "إنَّ الشريعة كلها مصالح، إمَّا درء مفاسد أو جلب مصالح"، وقد يظن البعض أنَّ هذا القول مبالع فيه، والواقع أنه لا مبالغة فيه؛ لأنَّ ما قلناه عنها، ونقلنا قول بعض الفقهاء عنها، وصفٌ ثابت للشريعة ولكل حكم من أحكامها، فلا يخرج شيء منها عن هذا الوصف أو الغرض العامِّ الذي تريد الشريعة تحقيقه للعباد في عاجلهم وآجلهم، ونكتفي هنا بذكر بعض الأدلة الجزئية على هذه الحقيقة التي تكون البرهان الأول.
٧٦- أ- قال تعالى في تعليل رسالة محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، والرحمة تتضمَّن قطعًا رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمةً إذا أغفلت هذه المصالح.
стр. 54
٧٧- ب- تعليل الأحكام بجلب المصلحة ودرء المفسدة لإعلام البشر بأنَّ تحقيق المصالح هو مقصود الإسلام، وأنَّ الأحكام ما شرِّعت إلّا لهذا الغرض، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ، فالقصاص شرِّع لتحقيق هذه المصلحة وهي الحياة للناس، أي: الأمن والاستقرار والاطمئنان وحقن الدماء بزجر من تسوّل له نفسه الاعتداء على أرواح الناس، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ، فتحريم الخمر يمنع عن الناس مفسدة الصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ودرء المفسدة لا شَكَّ في أنه وجه من وجوه المصلحة؛ لأنَّ المصلحة لها وجه إيجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبيّ وهو دفع ضرر أو مفسدة، وهكذا بقية الأحكام بلا استثناء، لا يخرج منها أيّ حكم كان، سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك، نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الأحكام، ولكنَّ هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإنَّ الإنسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء، ولكنَّ جهله به لا يمنع من تحقيق المصلحة فيه، فإذا كان هذا واقعًا فيما يضعه إنسان، فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الإنسان؟ هذه واحدة.
والثاني: إنَّ المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا، وإنما تتجاوزها إلى مصالح الآخرة، أي: إلى إعداد الإنسان للظفر بالسعادة الدائمة بجوار الربِّ الكريم الرحيم.
٨٧- جـ- تشريع الرخَّص عند وجود المشقات في تطبيق الأحكام إذا كانت هذه المشقَّات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك: إباحة النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها بالتهديد بالقتل ونحوه، وإباحة المحرَّم عند الضرورة، مثل أكل الميتة ولحم الخنزير عند التعرُّض للهلاك جوعًا، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، ولا شَكّ أنَّ دفع المشقة ضرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة عن الناس.
٧٩- د- عُرِفَ بالاستقراء والتأمُّل أنَّ مصالح العباد تتعلق بأمور ضرورية أو حاجية أو تحسينية، فالأولى هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها، وإذا فاتت حَلَّ الفساد وعمَّت الفوضى واختلَّ نظام الحياة، وهذه الضروريات هي حفظ الدين والنفس
стр. 55
والعقل والنسل والمال.
أمَّا الحاجيات: فهي التي يحتاجها الناس لتحقيق اليسر والسعة في عيشهم، إذا فاتتهم لم يختلّ نظام الحياة، ولكن يصيب الناس ضيق وحرج.
وأمَّا التحسييات: فهي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق، وإذا فاتت خرجت حياة الناس عن النهج القويم السليم الذي تقضي به الفِطَر السليمة والعادات الكريمة.
وأحكام الشريعة كلها تحقق وتحفظ مصالح الناس المتعلقة بالضروريات والحاجيات والتحسينات.
٨٠- فبالنسبة للضروريات شرَّع للدين -لإقامته وتحقيقه- العبادات، وشرَّع لحفظه الجهاد، وعقوبة المرتد، وزجر من يفسد على الناس عقيدتهم، والنفس شرَّع لإيجادها النكاح، وشرَّع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس بالتهلكة، ولزوم دفع الضرر عنها، والعقل شرَّع لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها.
والنَّسل شرَّع لإيجاده الزواج، وشرَّع لحفظه عقوبة الزنى والقذف، وحرَّم إجهاض المرأة الحامل، والمال شرَّع لتحصيله أنواع المعاملات من بيعٍ وشراءٍ ونحو ذلك، وشرَّع لحفظه حرمة أكل مال الناس بالباطل، أو إتلافه بلا وجهٍ سائغ مشروع، والحجر على السفيه، وتحريم الربا، وعقوبة السرقة.
٨١- وبالنسبة للحاجيَّات شُرِّعت لها الرخَّص عند المشقة، وشرِّع الطلاق للخلاص من حياةٍ زوجية لم تعد تطاق، وشرِّعت الدية في القتل الخطأ على عاقلة القاتل.
٨٢- وفي التحسينات شرِّعت الطهارة للبدن والثوب، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والنهي عن بيع الإنسان على بيع أخيه، والنهي عن قتل الأطفال والنساء في الحروب.
٨٣- فاستقراء نصوص الشريعة يدل على أنَّ الإسلام ما قصد بتشريعه الأحكام للناس إلّا لحفظ هذه الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهذه هي مصالحهم في الدنيا والآخرة، وإذا تعارضت المفاسد والمصالح رُجِّح أعظمها مصلحة
стр. 56
أو أقلها مفسدة، فقتل القاتل مفسدة؛ لأنَّ فيه تفويت حياته، ولكنَّه جاز؛ لأنَّ فيه مصلحة أعظم وهي حفظ حياة الناس، وكشف العورة مفسدة، ولكن إذا احتاج إليها لإجراء عملية جراحية ضرورية جاز الكشف؛ لأن مصلحة حفظ النفس من الهلاك أكبر من مفسدة كشف العورة، وترك المحتكِر دون اعتراض عليه أو منعٍ له مصلحة له، ولكن فيه مفسدة أكبر وهي الإضرار بالناس، فشرَّع المنع من الاحتكار. والدفاع عن البلاد يعرِّض النفوس إلى القتل وهذه مفسدة، ولكن ترك الاعداء يدخلون بلاد المسلمين مفسدة أعظم من قتل النفوس، فكان في دفعهم بقتالهم مصلحة أكبر من مفسدة هلاك النفوس في هذ القتال، وهكذا تجري أحكام الشريعة على نمط واحد: هو جلب المصالح ودرء المفاسد.
٨٤- وعلى هذا فكل مصلحة مشروعة حقيقية تظهر، أو مفسدة تطرأ، فإن الشريعة الإسلامية تبيح إيجاد الحكم لتحقيق تلك المصلحة ودرء هذه المفسدة في ضوء قواعد الاجتهاد المقررة في الفقه الإسلامي؛ لأن الشريعة كما يقول الفقيه ابن القيم: "مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن ادخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه".
ونخرج من جميع ما تقدَّم أن الشريعة الإسلامية وما جاءت به من أحكام صريحة في نصوصها، وما ابتنى علها من أحكام اجتهادية في ضوء موازين الاجتهاد الصحيح، لا يمكن ابدًا أن تضيق بحاجات الناس المشروعة، ولا تعجز عن تحقيق مصالحهم الحقيقية في أي زمان ومكان.
الدليل الثاني: مبادئ الشريعة وطبيعة أحكامها
٨٥- أحكام الشريعة نوعان:
الأول جاء بشكل قواعد ومبادئ عامة، والثاني: جاء بشكل أحكام تفصيلية. وكلا النوعين جاء على نحوٍ يوافق كل مكان وزمان، ويتفق مع عموم الشريعة وبقائها، ولا بد من الكلام بإيجاز عن كل نوع.
٨٦- النوع الأول: القواعد والمبادئ العامة
стр. 57
وردت في الشريعة قواعد ومبادئ عامَّة تتضمَّن أحكامًا عامَّة يمكن بسهولة ويسر تطبيقها في كل زمان، وقد صيغت بكيفية تمكنها من سهولة هذا التطبيق ويسره، كما أنَّ معناها الحق لا يمكن أن يتخلف عن أي مستوى عالٍ يبلغه أي مجتمع، وبالتالي يتَّسع لكل مصلحة حقيقية جديدة للناس، كما أنَّ هذه القواعد والمبادئ تعتبر كالأساس لما يقوم عليها من أحكام جزئية، ولما يتفرَّع عنها من فروع، فمن هذه القواعد والمبادئ:
٨٧- أولًا: مبدأ الشورى
وهو مبدأ أصيل من مبادئ الشريعة في نظام الحكم الإسلامي، ووصف من أوصاف المسلمين في تجمعهم ومباشرتهم أمور الحكم والسلطان، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال تعالى لرسوله الكريم ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ، إنَّ هذا المبدأ أسمى وأعدل وأحكم قواعد الحكم الصالح بين البشر، ولا يمكن الاستعاضة عنه بغيره، وقد جاء بدرجة كافية من العموم والمرونة؛ بحيث يتَّسع لكل تنظيم صحيح يوضع لتطبيق هذا المبدأ، وسيأتي شيء من التفصيل لهذا المبدأ عند الكلام عن نظام الحكم في الإسلام.
٨٨- ثانيًا: مبدأ المساواة
وهو أيضًا من مبادئ الإسلام العظيمة، وله مظاهر كثيرة في جميع جوانب التشريع الإسلامي، منها: المساواة أمام القانون، وفي تطبيق الأحكام، وفي المراكز القانونية إذا ما تساوى الأشخاص في الشروط التي يشترطها التشريع الإسلامي، ومساواة في التكاليف إذا تساوى الأفراد في أسبابها الموجبة، إنَّ هذ المبدأ العظيم طبِّق فعلًا في واقع الحياة، وحرص النبي ﷺ على تطبيقه، فقد جاء في السُّنَّة الشريفة أنَّ امرأة من بني مخزوم سرقت، فجاء أسامة بن زيد يستشفع لها عند رسول الله، فقال الرسول ﷺ : "أتشفع في حَدٍّ من حدود الله"؟ ثم قال ﵊: "إنَّما أهلك الذين من قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".
ولا شكَّ أن المساوة وما ابتني عليها وما تفرَّع عنها، قاعة يهش لها العقل السليم
стр. 58
وتتقبلها الفطرة السليمة، وتستقيم بها الأمور، وتنصلح الأحوال، ومن ثَمَّ فهي صالحة في كل زمان ومكان.
٨٩٨- ثالثًا: مبدأ العدالة
العدالة في الإسلام مبدأ بارز، يظهر هذا البروز في الأمر بها، والحكم بين الناس بموجبها، والالتزام بمقتضاها بالنسبة للقريب والبعيد، والعدو والصديق، وفي المحكمة وفي السوق، وإدارة شئون الدولة وفي البيت، وحتى فيما يعطيه الأب لأولاده، إنَّ روح العدل وجوهره إعطاء كل ذي حق حقه، واستعمال كل شيء في موضوعه، وهذا المعنى الواسع للعدل يحكم جميع تصرفات الإنسان، وعلاقاته بغيره، وواجباته نحو غيره من بني الإنسان.
ومن النصوص القرآنية الواردة في موضع العدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، ولا شكَّ أن هذا المبدأ يضمن مصالح الناس ويتَّسِع لكل تنظيم صحيح يحقق معنى العدالة والمقصود منها، فإذا رُؤِيَ أنَّ تحقيق العدالة في القضاء يستلزم جعل المحاكم على درجتين: ابتدئية واستئنافية، أو أنَّ المحكمة تؤلف من أكثر من حاكم واحد، أو تعيين هيئة تدقيقية لأحكام المحاكم "محكمة التمييز"، فهذا ونحوه سائغ جائز ما دام فيه تحقيق العدالة في القضاء على وجه سليم.
٩٠- رابعًا: قاعدة: لا ضرر ولا ضرار
وهي حديث نبوي، ومعناها: إنَّ الضرر مرفوع بحكم الشريعة، أي: لا يجوز لأحد إيقاع الضرر بنفسه أو بغيره، كما أنَّ مقابلة الضرر بالضرر لا يجوز؛ لأنه عبث وإفساد لا معنى له، فمن أحرق مال غيره فلا يجوز للغير إحراق مال المعتدي، وإنما له أن يطالبه بالتعويض، وإذا كان الضرر ممنوعًا فإنَّه إذا وقع وجب رفعه، ولهذا جاءت قاعدة فرعية مبنية على هذه القاعدة هي: "الضرر يزال"، وهناك فروع وأحكام كثيرة بنيت على هذه القاعدة، منها: تقرير حق الشفعة، ومنع التعسف في استعمال الحق،
стр. 59
وحق السلطة في اتخاذ الإجراءات الوقائية لمنع الضرر عن الناس؛ كحجر المرضى والقادمين إلى البلاد في محاجر خاصة، والتسعير في ظروف معينة، إلخ.
٩١- النوع الثاني: الأحكام التفصيلية
الأحكام التفصيلية في الشريعة الإسلامية كثيرة يطول شرحها وبيانها وفحصها؛ لاظهار مدى قابليته للبقاء والاستمرار، ولهذا نكتفي بأخذ "عينات" و"نماذج" من هذه الأحكام للتأمل فيها وفحصها والتحديق فيها؛ ليتبين لنا مدى صلاحيتها للبقاء والعموم. إنَّ أحكام الشريعة كما ذكرنا إما أن تتعلق بأمور العقيدة أو بالأخلاق أو بالعبادات أو بالمعاملات، وعلى هذا نأخذ بعض النماذج من كل مجموعة من هذه المجموعات.
٩٢- فمن أحكام العقيدة وجوب الإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ ، ومسألة الإيمان بالله ورسوله من المسائل البديهية التي يؤمن بها كل عقل سليم وكل فطرة سليمة، وعليها من الأدلة والبراهين ما لا يوجد على غيرها من البديهيات، وقد قدَّمنا بعض ذلك أثناء كلامنا عن أركان الإسلام، وعلى هذا فلا يتصور مجيئ زمان أو جيل من الناس يقال فيه: إن مسألة الإيمان بالله وما يتفرّع عنها من مسائل العقيدة، أو مسألة الإيمان بمحمد ﷺ ، أصبحت من المسائل العتيقة التي تناقض العصر ولا يقرّها العقل؛ لأن العقل لا ينكر الحقائق الثابتة، وأنما يؤكدها ويعمقها في النفس؛ ولأنَّ شأن الحقائق الثابتة الخلود، والعقل يعترف ويقر بهذا الثبات، ولا شكَّ أن الإيمان بالله من الحقائق الثابتة الخالدة التي لا يمكن أن تتغير وتنقض في أي زمان، فهي كمسألة واحد وواحد يساوي اثنين.
٩٣- ومن أحكام العبادات وجوب الصلاة والصيام ونحو ذلك، ومسائل العبادة من لوازم الإيمان بالله ومقتضاه؛ لأنها تنظيم لعلاقة الفرد بخالقه، والوفاء بحق هذا الخالق العظيم، والإنسان لا ينفكُّ عن صفة مخلوقيته لله في أي دهر من الدهور، وفي أي زمن من الأزمان، وبالتالي لا ينفكّ عن وجوب أداء حق الله عليه، ولا يستغني عن تنظيم علاقته بربه، والعبادات بعد هذا وسيلة لتزكية النفس وطهارتها، وحشوها بمعاني الحق، وتخليتها من الكدروات، وربطها بخالقها، ودفعها إلى الخير، ومنعها من الشر، وقد أشار القرآن الكريم لبعض هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ
стр. 60
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، ولا شكَّ أن المجتمع سيكون سعيدًا جدًّا إذا كثرت فيه النماذج البشرية التي صقلتها عبادات الإسلام، وسيكثر فيه الخير قطعًا، ويقل فيه الشر إن لم ينعدم، وفي ذلك كله تحقيق كبير لمصلحة الجماعة في كل زمان ومكان، ومن ثَمَّ فأحكام العبادات لا بُدَّ منها في أيِّ مجتمع إنساني، وبالنسبة لكل فرد في القرن العشرين، أو في أي قرن بعده.
٩٤- وأحكام الأخلاق كوجوب الصدق والوفاء، والالتزام بالكلمة، والتعاون على البِرِّ، وحمرة الكذب والغدر والخيانة والتعاون على الشر، والتحلل من المسئولية، واستغلال النفوذ، والظلم، ونحو ذلك. أقول: هذه الأحكام الأخلاقية بالوجوب والتحريم ضرورية لكل إنسانٍ ولكل مجتمع إنساني يريد الصلاح والسداد، إنَّه لا يغني عن الأخلاق أيّ تقدُّم في مجال الثقافة والعلوم، إنَّ الأزمة التي يمر بها العالم اليوم، والاضطراب في المجتمعات، وسوء العلاقات بين الأفراد، مردُّها إلى زعزعة القيم الإخلاقية في النفوس وتجاوزها، فهي أزمة أخلاقية في جوهرها وأساسها، والشريعة في تأكيدها على الأخلاق لم تكن مسرفة في هذا التأكيد، ولا مبالغة فيه؛ لأنها أكدت على ما هو ضروري لأقامة قواعد الإصلاح على أساسٍ متينٍ ابتداء من النفس. والأخلاق بعد هذا معانٍ ثابتة يحتاجها الإنسان السويّ، ولا يتصور أن يجيء يوم يقال فيه: إن الصدق والعدل والوفاء بالعهد وترك الظلم معانٍ فاسدة عتيقة لم تد صالحة لزماننا أو عصرنا، اللهمَّ إلّا إذا ارتدَّ الإنسان إلى جاهلية جهلاءٍ لم تصل اليها الجاهلية الأولى، وسيأتي مزيد من التفصيل للأخلاق فيما بعد.
٩٥- والأحكام التفصيلية الأخرى المتعلقة بالمعاملات -أي: بعلاقات الأفراد فيما بينهم- هي الأخرى صالحة للبقاء والعموم؛ لأنَّ تفصيلها بُنِيَ على أساس أنَّ الحاجة إليها تبقى قائمة دائمًا، وأنَّ غيرها لا يسد مسدَّها أبدًا، ولا يحقق مصلحة الناس على الوجه الذي تحققه.
٩٦- فمن هذه الأحكام: تنظيم الأسرة، وكيفية الزواج، وحق الحضانة، والولاية، والنسب، والميراث، والطلاق، والنفقة، ونحو ذلك من شئون الأسرة، وكل هذه الأحكام جاء على نحوٍ صالح وافٍ كافٍ لتحقيق الخير والصلاح للناس، ولا يمكن الاستعاضة عنها بأحسن منها، فالنكاح جاء تنظيمه غاية في البساطة وخاليًا من
стр. 61
الشكلية والطقوس، فيكفي فيه إيجابٌ من الرجل وقبولٌ من المرأة بحضور شهود، وبرضى ولي المرأة صيانةً لهذا العقد الشريف الكريم من الابتذال والخداع، ولا يشترط لصحة النكاح أن يكون على يد شخص معيّن، أو في مكان معين، أو بكيفية خاصة، أو بلغة معينة، أو بتراتيل معينة، فهذه الكيفية البسيطة للنكاح تؤهله للبقاء والعموم، ولا يتصور العقل خيرًا منها.
وتشريع الطلاق هو الشيء الطبيعي المعقول؛ إذ لا يصح إجبار شخصين على إبقاء الرابطة الزوجية بالرغم من قيام ما يدعو إلى انفصالها، وإنما المعقول أن تباح الفرقة بينهما؛ ليذهب كل واحد إلى سبيله، ويجرّب حظه في شركة أخرى وزوجية جديدة.
ولهذا أباحت الدول الغربية الفرقة بين الزوجين بالرغم من تحريمه بزعمهم في الديانة النصرانية، ولا يقال لماذا أعطي للزوج حق الطلاق ومنعت منه المرأة؛ لأنَّنا نقول: إنَّ للمرأة أن تشترط لنفسها حق الطلاق في عقد الزواج إذا شاءت، وهذا شرط معتبر، كما لها أن تطلب التفريق من المحكمة إذا مسَّها ضرر من الزوج لا يمكن تلافيه إلّا بإيقاع الفرقة بينهما.
وتنظيم الميراث وتحديد أنصبة الورثة جاء على شكل ممتاز لوحظ فيه مختلف الاعتبارات؛ كقرب الوارث وحاجته، وتفتيت الثروة وتوزيعها، مما يجعل هذا التنظيم وما بني عليه من أسس واعتبارات صالحًا لكل زمان ومكان.
٩٧- وتحريم الربا، وهو حكم يخص المعاملات المالية، حكم تفصيلي غير قابل للتبديل والنسخ؛ لأن مفاسد الربا وأضراره ذاتية فيه، لا تنفك عنه أبدًا، ومن مظاهره: انحلال المجتمع وفساده، واستساغته للظلم، وفقدان التعاون الاجتماعي بين أفراده،
وعلاج مثل هذا المجتمع الفاسد يكون بإصلاحه جذريًّا لا بترك فساده واعوجاجه، وتشريع الأحكام الملائمة لهذا الفساد والاعوجاج.
٩٨- والعقوبات في الشريعة جاءت مفصّلة لعدد من الجرائم وهي: الردة، والزنى، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر، وقتل النفس، أمَّا الجرائم الأخرى فقد تركت الشريعة تقدير عقوبتها إلى القاضي، وتسمَّى الجرائم التعزير، وعقوباتها تسمَّى عقوبات التعزير، والعقوبات المقدرة كلها خير وصلاح وعدل ووقاية للمجتمع من الشرور والمفاسد، ولا يستغني أي مجتمع فاضل عنها؛ لأنها بنيت
стр. 62
على اساس العدالة وتحقيق الزجر للمجرم، وحفظ مصلحة الفرد والجماعة، فعقوبة الردة على أصلين: الأول: إخلال المسلم بالتزامه بأحكام الإسلام، الثاني: درء المفسدة عن المجتمع، وبيان ذلك أنَّ الفرد بإسلامه إلتزم بأحكام الإسلام وأصوله، وعدم الخروج عليها أو هدمها، فإن فعل ذلك مخلًّا بالتزامه، فيناله جزاء هذا الإخلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإنَّ في الردة وإعلانها مفسدة للجماعة وإضرار بها مع التعمُّد وسبق الإصرار؛ لأنَّ المرتدَّ ما كنَّا نعرفه لولا إعلان ردته المتعمدة، قاصدًا من وراء ذلك تشكيك الناس في عقائدهم، وإحداث الاضطراب فيما بينهم، وزعزعة كيان الدولة التي اتخذت الإسلام أساسًا لها في قيامها وبقائها وأهدافها.
فكان لا بُدَّ من عقوبة زاجرة لمنع هذا الفساد عن الناس وعن الدولة ذاتها، التي اتخذت الإسلام أساسًا لها كما قلنا. وعقوبة الزنى بنيت على أساس رعاية الأخلاق ومنع إفسادها للفرد والأسرة والمجتمع؛ كشيوع الأمراض واختلاف الأنساب وخراب البيوت والعزوف عن الزواج، وما إلى ذلك، والشريعة من أصولها وأهدافها العناية بالأخلاق ومنع الفساد عن الناس، ولا شكَّ أنَّ المجتمع الفاضل يرحب بهذه العقوبة ولا يضيق بها ولا يجد فيها إلّا الخير والمصلحة وزجر المفسدين الذين يريدون التلهي والعبث بأعراض الغير.
وعقوبة السرقة -وهي قطع اليد- هي العلاج الحاسم لقطع دابر هذا الاعتداء على أموال الغير، وإشاعة الطمأنينة في نفوس الناس، إنَّ قطع يد واحدة ثمن قليل جدًّا لتحقيق طمأنينة المجتمع. إنَّ قطع اليد الخائنة المجرمة كقطع اليد المتآكلة التي يقرر الطبيب وجوب قطعها لسلامة الجسد، إنَّ عقوبة السجن للسرَّاق ما ردعت وما قلَّلت حوادث السرقة، ولكن عقوبة قطع اليد ردعت في الماضي المجرمين عن السرقات.
ولا تزال هذه العقوبة قادرة على الردع والزجر في الوقت الحاضر، وكون هذه العقوبة قديمة لا يقدح في صلاحها، فليس كل قديم فاسدًا، ولا كل جديد صالحًا؛ لأن صلاح الشيء يستفاد من ذاته ومدى نفعه لا من جدته وقِدَمه.
وعقوبة القتل العمد في الشريعة الإسلامية هي القصاص، أي: قتل الجاني، والقصاص حقٌّ لأهل المجنيّ عليه، فلهم أن يطلبوه، ولا يسع المحكمة الامتناع عن
стр. 63
إجابتهم، كما لهم أن يعفوا ويتصالحوا مع القاتل على الدية، وفي حالة العفو أو المصالحة يجوز للمحكمة أن تعاقب القاتل عقوبة تعزيرية بالحبس أو الجلد، فهذا التنظيم لعقوبة القتل العمد تنظميم كامل لم يغفل جانب الطبيعة البشرية وما جبلت عليه من حب أخذ الثأر من الجاني، وانزال القصاص العادل به، كما لم يغفل جانب المجتمع ومصلحته.
فجميع العقوبات التفصيلية قامت على أوصافٍ ثابتة لا تتغير، ومن ثَمَّ فهي صالحة لكل مجتمع فاضل يريد أن يعيش بأمان واطمئنان.
٩٩- أمَّا عقوبات التعزير، وهي بالنسبة لجميع الجرائم التي لم تحدد الشريعة لها عقوبات، فالقاضي في تحديده العقوبة يلاحظ مدى جسامة ضررها بالمجتمع، وسوابق المجرم، وظروفه التي دفعته إلى الإجرام، إلى غير ذلك من الأمور، ويقرر بعد ذلك العقوبة المناسبة في ضوء قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ولا شك أن نظام التعزير نظام مرن في الشريعة، يمكِّنُها من مواجهة مختلف الحالات التي يلزم فيها العقاب، وبالتالي يكون صالحًا لكل زمان ومكان.
الدليل الثالث: مصادر الأحكام
١٠٠- مصادر الأحكام الشرعية نوعان: الأول: مصادر أصلية وهي الكتاب والسنة النبوية، الثاني: مصادر تبعية قامت على المصادر الأصلية؛ كالإجماع والاجتهاد بأنواعه المختلفة؛ كالقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة.
وهذه المصادر كلها تجعل الشريعة الإسلامية في غاية القدرة والاستعداد والأهلية للبقاء والعموم؛ بحيث لا يحدث شيء جديد إلّّا وللشريعة حكم فيه، إمَّا بالنص الصريح أو بالاجتهاد الصحيح، وبالتالي لا تضيق الشريعة بالوقائع الجديدة، وبالتالي لا تضيق بحاجات الناس ومصالحهم.
١٠١- ومن جميع ما تقدم من أدلة وبراهين يظهر لنا بغاية الوضوح أنَّ الشريعة الإسلامية شريعة فيها كل مقومات العموم المكاني والزماني، ومن ثَمَّ فهي للجميع وفي جميع الأزمان، وهذا من فضل الله على بني الإنسان.
стр. 64
المبحث الرابع: الخصيصة الرابعة: الجزاء في الإسلام
١٠٢- أحكام الإسلام ليست نصائح وإرشادات خالية من الثواب والعقاب، إنها ارشادات ونصائح حقًّا، ولكن لها ثواب حسن ينال الملتزم بها، ولها عقاب يصيب المخالف لها، على درجات متفاوتة في العقاب والثواب.
والأصل في أجزية الإسلام وعقوباته أنَّها في الآخرة لا في الدنيا، ولكن مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الأفراد على نحوٍ واضحٍ مؤثِّر وضامن لحقوق الناس، كل ذلك دعا إلى أن يكون الجزاء الأخروي جزاء دنيوي، أي: مع العقاب الأخروي عقاب توقعه الدولة في الدنيا على المخالف لأحكام الإسلام.
ونطاق الجزاء في الإسلام واسع وشامل شمول الإسلام لجميع شئون الحياة، ومن ثَمَّ فأجزية الإسلام تتعلق بأمور العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات، فكل مخالفة لهذه الأمور لها جزاؤها في الآخرة، وقد يكون لها جزاء في الدنيا أيضًا.
والجزاء في الدنيا لا يمنع الجزاء في الآخرة على المخالف العاصي، إلّا إذا اقترنت معصيته بالتوبة النصوح، والتوبة النصوح تقوم على الندم على ما اقترفه الإنسان، وعلى العزم الأكيد على عدم العودة إلى هذه المخالفة، وعلى التحلُّل من حقوق الغير إذا كانت معصية تتعلق بهذه الحقوق.
وقد ترتَّب على هذا الجزاء الأخروي خضوع المسلم لأحكام الشريعة خضوعًا
стр. 65
اختياريًّا في السر والعلن خوفًا من عقاب الله، وحتى لو استطاع الإفلات من عقاب الدنيا؛ لأنَّ العقاب الأخروي ينتظره ولا يستطيع الإفلات منه، ولهذا اذا ارتكب المسلم جريمة أو معصية في غفلة من إيمانه، طلب إقامة العقوبة عليه بمحض اختياره، فهذا ماعز اعترف أمام الرسول ﷺ بجريمة الزنى، وطلب إقامة الحد -العقوبة- عليه، وهكذا تنزجر النفوس عن مخالفة القانون الإسلامي، إمَّا بدافع الاحترام له والحياء من الله تعالى، وإمَّا بدافع الخوف من العقاب الآجل الذي ينتظر المخالفين ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ، وفي هذا وذاك أعظم ضمان لزجر النفوس عن المخالفة والعصيان.
стр. 66
المبحث الخامس: الخصيصة الخامسة: المثالية والواقعية
المطلب الأول: المثالية في الإسلام
...
المبحث الخامس: الخصيصة الخامسة: المثالية والواقعية
تمهيد:
١٠٣- من خصائص الإسلام أنَّه يحرص على إبلاغ الإنسان أعلى مستوى ممكن من الكمال، وهذه هي مثالية الإسلام، ولكنه لا يغفل عن طبيعة الإنسان وواقعه، وهذه هي واقعية الإسلام. فلا بُدَّ من الكلام عن هاتين الناحيتين في مطلبين متتاليين.
المطلب الأول: المثالية في الإسلام
المقصود بالمثالية:
١٠٤- قلنا: إنَّ الإسلام يحرص على إبلاغ الإنسان الكمال المقدور له، وهذا يكون بجعل تصرفاته وأقواله وأفعاله وتروكه وقصوده وأفكاره وميوله وفق المناهج والأوضاع والكيفيات التي جاء بها الإسلام، وقد تحقق ذلك كله في رسول الله ﷺ ، ولذلك أمرنا الله تعالى بالتأسي به ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، وقوام هذه المثالية الاعتدال والشمول.
أولًا: الاعتدال
١٠٥- ونقصد بالاعتدال عدم الإفراط والتفريط في أي شيء، واعطاء كل ذلك حق حقه، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
стр. 67
يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ وقال ﷺ : "خير الأمور أوسطها".
١٠٦- والاعتدال مطلوب حتى في العبادات، فلا ينبغي للمسلم أن يرهق نفسه أو يؤذي جسده، يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنَّهم تقالّوها، قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنِّي أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
١٠٧- وتعذيب الجسد وتحميله ما لا يطيق ليس من مناهج الإسلام ووسائله لبلوغ الكمال المنشود؛ إذ ليس من لوازم هذا الكمال أو مقتضياته فعل ذلك، ولا من مقاصد الإسلام تعذيب الجسد، لا قصد الغايات ولا قصد الوسائل، ومن ظنَّ ذلك فهو واهم، فإن مثالية الإسلام يمكن بلوغها بنهجٍ معتدل وسير مريح، وإن الخروج عن هذا النهج يضعف الجسد ويقعد به عن أداء الفرائض فضلًا عن النوافل، ومن خرج من هذا النهج وجب رده إليه، جاء في الحديث أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله، إنه نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم. فقال ﵊: "مروه فليتكلم وليقعد وليتمَّ صومه"، فالصوم مطلوب، ولكنَّ الوقوف في الشمس حيث يمكن الوقوف في الظل غير مطلوب، ولا معنى فيه، وكذلك الصمت الدائم طيلة النهار لا داعي له ولا فائدة فيه، وسِرّ المسألة أنَّ الجسد مركب الروح، وليس من الحكمة خرق المركب أو إضعافه، والجسد مستقرّ الروح ومسكنها، وليس من المصلحة تخريبه، ولا من الكمال المنشود هضمه حقه، وأنَّ الروح هي الأخرى لها حق في الراحة والاستجمام، لا يجوز التفريط فيه، جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: حبل
стр. 68
لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال: "لا، حلوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد".
وفي وصية رسول الله ﷺ لعثمان بن مظعون: "فإنَّ لأهلك عليك حقًّا، وإن لضيفك عليك حقًّا، فصم وافطر، وصلِّ ونم".
١٠٧- وحرمان الإنسان نفسه أو جسده من الطيبات والمتع الحلال ليس من منهاج الإسلام في بلوغ الكمال، وإنما منهاجه في الاعتدال، فإذا وجد الإنسان أو تيسَّر له شيء من الطيبات بطريق الحلال أخذه وتناوله، ولا يقدح ذلك في تعلقه بمثالية الإسلام، وإذا لم يجده لم يأس عليه، وهكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ، وفي كتاب الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ، فالمطلوب لبلوغ الكمال تقوى الله، وليس تحريم الطيبات وحرمان الجسد أو النفس منها.
١٠٨- ومع هذا، فقد يسوغ أو يندب أو يجب أخذ الإنسان نفسه بالشدة وخشونة العيش، ورضاه بالضيق إذا كان ذلك لغرض مشروع أو مقصد نبيل أو لسبب مقبول، كما لو كان المسلم في مقام القدوة، أو بسبب إيثار الغير على نفسه، أو بسبب امتناعه عمَّا لا يجوز له، فيتعرَّض إلى ما ذكرنا، وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم سيرة أسلافنا الصالحين، وما روي عنهم من أخذ نفوسهم بالشدة، وامتناعهم عن كثير من طيبات العيش ونعومته.
ثانيًا: الشمول
١٠٩- والمثالية في الإسلام تتصف بالشمول؛ لأن الإسلام يريد من المسلم أن يبلغ الكمال المقدور له بتناسقٍ، وفي جميع شئونه، فلا يقبل على جانب واحد أو عدة جوانب، ويبلغ فيه المستوى العالي من الكمال، بينما يهمل الجوانب الأخرى حتى ينزل فيها إلى دون المستوى المطلوب، إنَّ مَثَله مَثَل من يقوي يديه ويترك سائر أعضائه رخوة هزيلة ضعيفة، وعلى هذا الأساس فَهِمَ الصحابة الكرام مثالية الإسلام، فلم تأسريهم عبادة، ولم تقيدهم عادة، وإنما تقلَّبوا في جميع العبادات والأحوال، وبلغوا فيها المستوى العالي من الكمال، فلم يحبسوا نفوسهم في مكان، ولا على نوع من العبادات، ولا على نمطٍ معين من الأعمال، وإنما باشروا الجميع، فعند الصلاة كانوا في المسجد يصلون، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين أو متعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الأحوال.
стр. 69
المطلب الثاني: الواقعية في الإسلام
١١٠- والإسلام لا يغفل طبيعة الإنسان وتفاوت الناس في مدى استعدادهم لبلوغ المستوى الرفيع الذي يرسمه لهم، وفي ضوء هذا النظر الواقعيّ جعل الإسلام حدًّا أدنى أو مستوى أدنى من الكمال لا يجوز الهبوط عنه؛ لأن هذا المستوى ضروري لتكوين شخصية المسلم على نحوٍ معقول؛ ولأنه أقل ما يمكن قبوله من المسلم ليكون في عداد المسلمين؛ ولأنه وضع على نحو يستطيع بلوغه أقل الناس قدرة على الارتفاع بها، وهي المسماة بالفرائض، كما يشمل جملة معان يجب هجرها، وهي المسماة بالحرمات. إن هذه الفرائض والمحرمات جعلت بقدر طاقة أقل الناس استعدادًا لفعل الخير، وابتعادًا عن الشر، ومن ثَمَّ يستطيع كل واحد الوفاء بمقتضاه، ولا يعذر في التخلف عنها، ولكن بجانب هذا المستوى الإلزامي الواجب بلوغه على كل مسلم، وضعت الشريعة مستوى آخر أرفع منه وأوسع منه، وحببت إلى الناس بلوغ هذا المستوى العالي، فإلزامهم به إرهاق لهم وحرج شديد، والحرج في شرع الإسلام مرفوع؛ لأنه يخالف نظرة الإسلام الواقعية، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، وهذا المستوى العالي يشمل المندوبات التي ترغب الشريعة في القيام بها، والمكروهات التي ترغب الشريعة في ترك المسلم لها،
وهذان المستويان الأدنى والأعلى موجودان في تشريعات الإسلام، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
أولًا: الصلاة: منها ما هو فرض ومنها ما هو مندوب، فالأول يدخل في معاني المستوى الأدنى، والثاني يدخل في معاني المستوى الأعلى، وفيه جاء قول رسول الله ﷺ : "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلّا
стр. 70
بنى الله له بيتًا في الجنة".
ثانيًا: الصيام: الفرض منه صيام شهر رمضان، وهذا من معاني الحد الأدنى المطلوب، وصيام ست من شوال، وأيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس، من معاني المستوى الأعلى.
ثالثًا: الحج: فرضه مرة في العمر، وما زاد فتطوع، وهو من معاني المستوى الأعلى.
رابعًا: وفي إنفاق المال في سبيل الله فريضة الزكاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، وفي صدقة التطوع يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ .
خامسًا: وفي القتل العمد شرع القصاص، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، فلأهل القتيل المطالبة به وهذا حقهم، ولا تثريب عليهم فيه، ولكنَّ الإسلام ندب إلى العفو، وهو من معاني المستوى الأعلى، وفيه قال تعالى في نفس الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ .
سادسًا: وفي الاعتداء بصورة عامَّة تجوز المعاقبة بالمثل، والعفو والصبر أفضل، وهما من معاني المستوى الأعلى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ .
سابعًا: وفي البيوع والأشربة: حبَّب الإسلام للمسلم أن يكون سهلًا في بيعه وشرائه ومقاضاته، وهذه كلها من معاني المستوى الأعلى، قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى".
ثامنًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فرض كفائي يجب وجوده في الأمة، ويسوغ تركه باليد واللسان، والاكتفاء بإنكار القلب بالنسبة لحاكم ظالم طاغية لا يتَّسع صدره لسماع النصيحة ويقتل من يأمره أو ينهاه، ولكن من المندوب إليه قيام المسلم بأمره ونهيه، وإن أدى ذلك إلى قتله، وهذا من معاني المستوى الأعلى، يدل على ذلك الحديث الشريف: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق لسلطان
стр. 71
جائر فقتله"، ولا يعترض علينا هنا بأنَّ إلقاء الإنسان نفسه في التهلكة لا يجوز، وهذه تهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ؛ لأننا نقول: إن الاستشهاد في سبيل الله مكرمة لا تهلكة، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو باللسان ضرب من ضروب الجهاد المشروع؛ لما يترتَّب عليه من تقوية نفوس المحقين وخذلان المبطلين وإيقاف الظالمين عند حدهم.
تاسعًا: والكلام بالباطل حرام يجب تركه، والترك هنا من معاني المستوى الأدنى، والثرثرة وكثرة الكلام بما لا يفيد ولا ينفع مكروه وإن لم يكن فيه باطل، جاء في الحديث الشريف: "إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، فالكلام الكثير بما لا ينفع مكروه تركه أفضل، وهذا من معاني المستوى الأعلى.
عاشرًا: والإكراه على الكفر بالتهديد بالقتل يسوغ للمكرَه أن يقول كلمة الكفر بشرط اطمئنان القلب بالإيمان، رخصةً من رخص الإسلام، وهي من معاني الحد الأدنى، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، والمندوب إليه عدم قول الكفر وإن أدى ذلك إلى قتله، وهذا من معاني المستوى الأعلى.
١١١- ولا تقف واقعية الإسلام عند الحد الذي ذكرناه وهو وضعه مستويين للكمال: أدنى وأعلى، وإنما تظهر واقعية الإسلام في أمرٍ آخر، هو إيجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم إلزامه بما كان لازمًا له أو واجبًا عليه، أو محرَّمًا عليه في الأوقات العادية، وعلى هذا الأساس جاءت الرخص كلها، وجاءت القاعدة الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن النفوس قد لا تقوى على الاستمرار بما يريده الإسلام في الظروف القاسية والأحوال الاضطرارية، فتقع في المعصية، فخفَّف الإسلام عنها بما شرعه من رُخَصٍ، ومنها: إباحة أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، وإباحة ترك الواجب مثل الفطر في رمضان للمريض والمسافر، وإباحة الصلاة للمريض وهو قاعد إذا كان لا يقوى على الوقوف.
١١٢- وبهذه المثالية والواقعية في الإسلام يستطيع المسلم أن يحقق لنفسه الكمال المقدور له بيسر واعتدال وشمول، وبما يوافق الفطرة دون إرهاق ولا حرج ولا انعزال عن الحياة وأهلها.
стр. 72
الفصل الرابع: أنظمة الإسلام
مدخل
...
الفصل الرابع: أنظمة الإسلام
تمهيد:
١١٤- قلنا في خصائص الإسلام: إنَّه شامل، ومن مظاهر شموله: أحكامه المتعلقة بالأخلاق وبعلاقات الناس فيما بينهم، وهذه الأحكام تكوّنُ كل مجموعة منها نظامًا خاصًّا في موضع خاصّ، مثل أحكام الأخلاق تكوّن نظام الأخلاق في الإسلام، ومثل أحكام الأسرة وهي المتعلقة بالأسرة وأفرادها، وهي تكوّن نظام الأسرة، وهكذا.
ونحن في هذ الفصل نذكر أهم أنظمة الإسلام ونبيِّن معالمها البارزة بما يجليها بالقدر الذي يحتاجه الداعية إلى الإسلام. إنَّ بياننا هذا لأنظمة الإسلام سيكون بحدود ما جاء به الإسلام لا نزيد عليه شيئًا ولا ننقص منه شيئًا، ولا نطوعه لما نريد، فالمسلم دائمًا يقف وراء الإسلام ولا يتقدم عليه.
وعلى هذا سنقسِّم هذا الفصل إلى مباحث، ونفرد لكل نظام مبحثًا على حدة على النحو الآتي:
المبحث الأول: نظام الأخلاق.
المبحث الثاني: نظام المجتمع.
المبحث الثالث: نظام الإفتاء.
المبحث الرابع: نظام الحسبة.
المبحث الخامس: نظام الحكم.
стр. 73
المبحث السادس: نظام المال أو نظام الاقتصاد.
المبحث السابع: نظام الجهاد.
المبحث الثامن: نظام الجريمة والعقاب.
стр. 74
المبحث الأول: نظام الأخلاق في الإسلام
تعريف الأخلاق:
١١٥- الخلق في اللغة: الطبع والسجية، وفي اصطلاح العلماء -كما يعرفه الغزالي: عبارة عن هيئةٍ في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة١.
ويمكننا تعريف الأخلاق بأنه: مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس، وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثَمَّ يقدم عليه أو يحجم عنه.
أهمية الأخلاق:
١١٦- للأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافق لما هو مستقر في نفسه من معانٍ وصفات، وما أصدق كلمة الإمام الغزالي إذ يقول في إحيائه: "فإنَّ كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلّا على وفقها لا محالة"، فأفعال الإنسان إذن موصولة دائمًا بما في نفسه من معانٍ وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب. ومعنى ذلك أنَّ صلاح أفعال الإنسان بصلاح أخلاقه؛ لأنَّ الفرع بأصله، إذا صلح الأصل صلح الفرع، وإذا فسد الأصل فسد الفرع ﴿وَالْبَلَد
стр. 75
الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ ١. ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون بإصلاح النفوس وتزكيتها، وغرس معاني الأخلاق الجيدة فيها، ولهذا أكد الإسلام على صلاح النفوس وبين أنَّ تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء، ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعز وذل، كل ذلك ونحوه تبع لتغيير ما بأنفسهم من معان وصفات، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
١١٧- وتظهر أهمية الأخلاق أيضًا من ناحية أخرى، ذلك أنَّ الإنسان قبل أن يفعل شيئًا أو يتركه يقوم بعملية وزن وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه، فإذا ظهر الفعل أو الترك مرضيًا مقبولًا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاه إليه، ثم إقدام عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته، واحجمت عنه تركًا كان أو فعلًا. إنَّ عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جدًّا وغير محسوس بها، إلى درجة أنَّ الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون رواية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتمّ عملية الوزن والقيم إلّا بعد تأمّل ومضي وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية، فيقع الإنسان في التردد بين الفعل والترك، ولكن في جميع الأحوال لا بُدَّ من عملية الوزن والتقيم لكل فعلٍ أو تركٍ بلا استثناء.
إنَّ وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده، ومدى التزام الإنسان بمقتضاه، وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحملها من حيث جودتها أو رداءتها، ومدى رسوخها في نفسه، وانصباغها بها، وحماسه لها، وغيرته عليها، وشعوره بضرورتها إليه، فلا يكفي لظهور أثر الأخلاق في فعل الإنسان وتركه أن يعرف الإنسان الجيد والرديء من الأخلاق، ويخزِّن هذه المعرفة في رأسه، ويتكلم بها في المناسبات، بل لا بُدَّ من انصباغ كيانه ورسوخها في أعماق نفسه؛ بحيث تصير له كاللون الأسود والأبيض بالنسبة للبشرة السوداء أو البيضاء، وأن تكون حاضرة في ذهنه، مسيطرة على سلوكه، متحمسًا لها، غيورًا عليها إلى درجة الإيمان.