جائر فقتله"، ولا يعترض علينا هنا بأنَّ إلقاء الإنسان نفسه في التهلكة لا يجوز، وهذه تهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ؛ لأننا نقول: إن الاستشهاد في سبيل الله مكرمة لا تهلكة، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو باللسان ضرب من ضروب الجهاد المشروع؛ لما يترتَّب عليه من تقوية نفوس المحقين وخذلان المبطلين وإيقاف الظالمين عند حدهم.
تاسعًا: والكلام بالباطل حرام يجب تركه، والترك هنا من معاني المستوى الأدنى، والثرثرة وكثرة الكلام بما لا يفيد ولا ينفع مكروه وإن لم يكن فيه باطل، جاء في الحديث الشريف: "إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، فالكلام الكثير بما لا ينفع مكروه تركه أفضل، وهذا من معاني المستوى الأعلى.
عاشرًا: والإكراه على الكفر بالتهديد بالقتل يسوغ للمكرَه أن يقول كلمة الكفر بشرط اطمئنان القلب بالإيمان، رخصةً من رخص الإسلام، وهي من معاني الحد الأدنى، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، والمندوب إليه عدم قول الكفر وإن أدى ذلك إلى قتله، وهذا من معاني المستوى الأعلى.
١١١- ولا تقف واقعية الإسلام عند الحد الذي ذكرناه وهو وضعه مستويين للكمال: أدنى وأعلى، وإنما تظهر واقعية الإسلام في أمرٍ آخر، هو إيجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم إلزامه بما كان لازمًا له أو واجبًا عليه، أو محرَّمًا عليه في الأوقات العادية، وعلى هذا الأساس جاءت الرخص كلها، وجاءت القاعدة الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن النفوس قد لا تقوى على الاستمرار بما يريده الإسلام في الظروف القاسية والأحوال الاضطرارية، فتقع في المعصية، فخفَّف الإسلام عنها بما شرعه من رُخَصٍ، ومنها: إباحة أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، وإباحة ترك الواجب مثل الفطر في رمضان للمريض والمسافر، وإباحة الصلاة للمريض وهو قاعد إذا كان لا يقوى على الوقوف.
١١٢- وبهذه المثالية والواقعية في الإسلام يستطيع المسلم أن يحقق لنفسه الكمال المقدور له بيسر واعتدال وشمول، وبما يوافق الفطرة دون إرهاق ولا حرج ولا انعزال عن الحياة وأهلها.
стр. 72
الفصل الرابع: أنظمة الإسلام
مدخل
...
الفصل الرابع: أنظمة الإسلام
تمهيد:
١١٤- قلنا في خصائص الإسلام: إنَّه شامل، ومن مظاهر شموله: أحكامه المتعلقة بالأخلاق وبعلاقات الناس فيما بينهم، وهذه الأحكام تكوّنُ كل مجموعة منها نظامًا خاصًّا في موضع خاصّ، مثل أحكام الأخلاق تكوّن نظام الأخلاق في الإسلام، ومثل أحكام الأسرة وهي المتعلقة بالأسرة وأفرادها، وهي تكوّن نظام الأسرة، وهكذا.
ونحن في هذ الفصل نذكر أهم أنظمة الإسلام ونبيِّن معالمها البارزة بما يجليها بالقدر الذي يحتاجه الداعية إلى الإسلام. إنَّ بياننا هذا لأنظمة الإسلام سيكون بحدود ما جاء به الإسلام لا نزيد عليه شيئًا ولا ننقص منه شيئًا، ولا نطوعه لما نريد، فالمسلم دائمًا يقف وراء الإسلام ولا يتقدم عليه.
وعلى هذا سنقسِّم هذا الفصل إلى مباحث، ونفرد لكل نظام مبحثًا على حدة على النحو الآتي:
المبحث الأول: نظام الأخلاق.
المبحث الثاني: نظام المجتمع.
المبحث الثالث: نظام الإفتاء.
المبحث الرابع: نظام الحسبة.
المبحث الخامس: نظام الحكم.
стр. 73
المبحث السادس: نظام المال أو نظام الاقتصاد.
المبحث السابع: نظام الجهاد.
المبحث الثامن: نظام الجريمة والعقاب.
стр. 74
المبحث الأول: نظام الأخلاق في الإسلام
تعريف الأخلاق:
١١٥- الخلق في اللغة: الطبع والسجية، وفي اصطلاح العلماء -كما يعرفه الغزالي: عبارة عن هيئةٍ في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة١.
ويمكننا تعريف الأخلاق بأنه: مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس، وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثَمَّ يقدم عليه أو يحجم عنه.
أهمية الأخلاق:
١١٦- للأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافق لما هو مستقر في نفسه من معانٍ وصفات، وما أصدق كلمة الإمام الغزالي إذ يقول في إحيائه: "فإنَّ كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلّا على وفقها لا محالة"، فأفعال الإنسان إذن موصولة دائمًا بما في نفسه من معانٍ وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب. ومعنى ذلك أنَّ صلاح أفعال الإنسان بصلاح أخلاقه؛ لأنَّ الفرع بأصله، إذا صلح الأصل صلح الفرع، وإذا فسد الأصل فسد الفرع ﴿وَالْبَلَد
стр. 75
الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ ١. ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون بإصلاح النفوس وتزكيتها، وغرس معاني الأخلاق الجيدة فيها، ولهذا أكد الإسلام على صلاح النفوس وبين أنَّ تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء، ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعز وذل، كل ذلك ونحوه تبع لتغيير ما بأنفسهم من معان وصفات، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
١١٧- وتظهر أهمية الأخلاق أيضًا من ناحية أخرى، ذلك أنَّ الإنسان قبل أن يفعل شيئًا أو يتركه يقوم بعملية وزن وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه، فإذا ظهر الفعل أو الترك مرضيًا مقبولًا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاه إليه، ثم إقدام عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته، واحجمت عنه تركًا كان أو فعلًا. إنَّ عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جدًّا وغير محسوس بها، إلى درجة أنَّ الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون رواية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتمّ عملية الوزن والقيم إلّا بعد تأمّل ومضي وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية، فيقع الإنسان في التردد بين الفعل والترك، ولكن في جميع الأحوال لا بُدَّ من عملية الوزن والتقيم لكل فعلٍ أو تركٍ بلا استثناء.
إنَّ وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده، ومدى التزام الإنسان بمقتضاه، وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحملها من حيث جودتها أو رداءتها، ومدى رسوخها في نفسه، وانصباغها بها، وحماسه لها، وغيرته عليها، وشعوره بضرورتها إليه، فلا يكفي لظهور أثر الأخلاق في فعل الإنسان وتركه أن يعرف الإنسان الجيد والرديء من الأخلاق، ويخزِّن هذه المعرفة في رأسه، ويتكلم بها في المناسبات، بل لا بُدَّ من انصباغ كيانه ورسوخها في أعماق نفسه؛ بحيث تصير له كاللون الأسود والأبيض بالنسبة للبشرة السوداء أو البيضاء، وأن تكون حاضرة في ذهنه، مسيطرة على سلوكه، متحمسًا لها، غيورًا عليها إلى درجة الإيمان.
стр. 76
بأنَّ الحياة لا تصلح عوضًا للتفريط بمعنى من معاني الأخلاق الفاضلة الإسلامية التي يحملها، ومن أجل هذا أكَّد الإسلام على معاني الأخلاق المطلوبة وشوَّق إليها، وحثَّ النفوس عليها، وكرَّرَها وأعادها، حتى يتذكرها المسلم دائمًا وينصبغ بها، فيكون أثرها واضحًا في سلوكه.
مكانة الأخلاق في الإسلام:
١١٨- للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة جدًّا، تظهر من وجوه كثيرة، نذكر منها ما يأتي:
أولًا: تعليل الرسالة بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارم الأخلاق، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "إنما بعثت لأتمِّمَ مكارم الأخلاق".
ثانيًا: تعريف الدين بحسن الخلق، فقد جاء في حديثٍ مرسل أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما الدين؟ فقال الرسول ﷺ : "حسن الخلق"، وهذا يعني أنَّ حسن الخلق ركن الإسلام العظيم الذي لا قيام للدِّين بدونه، كالوقوف في عرفات بالنسبة للحج، فقد جاء في الحديث الشريف "الحج عرفة"، أي: إنَّ ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج إلّا به الوقوف في عرفات.
ثالثًا: من أكثر ما يرجِّح كفة الحسنات يوم الحساب حسن الخلق، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق".
رابعًا: المؤمنون يتفاضلون في الأيمان، وأفضلهم فيه أحسنهم أخلاقًا، جاء في الحديث: قيل: يا رسول الله، أيّ المؤمنين أفضل إيمانًا؟ قال: "أحسنهم خلقًا".
خامسًا: إنَّ المؤمنين يتفاوتون في الظفر بحب رسول الله ﷺ وقربهم منه يوم القيامة، وأكثر المسلمين ظفرًا بحب رسول الله والقرب منه، أولئك المؤمنون الذين حسنت أخلاقهم حتى صاروا فيها أحسن من غيرهم، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا".
سادسًا: إنَّ حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بُدَّ منه للنجاة من النار، والفوز
стр. 77
بالجنان، وأن التفريط بهذا الشرط لا يغني عنه حتى الصلاة والصيام، جاء في الحديث أنَّ بعض المسلمين قال لرسول الله ﷺ : إنَّ فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها، قال: "لا خير فيها، هي من أهل النار".
سابعًا: إنَّ النبي ﷺ كان يدعو ربه بأن يحسِّن خلقه -وهو ذو الأخلاق الحسنة، وأن يهديه لأحسنها، فقد كان ﷺ يقول في دعائه: "اللهم حسَّنت خَلْقي فحَسِّن خُلُقِي"، ويقول: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلّا أنت"، ومعلوم أنَّ رسول الله ﷺ لا يدعو إلّا بما يحبه الله ويقربه منه.
ثامنًا: مدح الله تعالى رسوله الكريم ﷺ بحسن الخلق، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، والله تعالى لا يمدح رسوله إلّا بالشيء العظيم، مما يدل على عظيم منزلة الأخلاق في الإسلام.
تاسعًا: كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمرًا بالجيِّد منها ومدحها للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهيًا عن الرديء منها، وذمِّ المتصفين به، ومع الذم العقاب، ولا شكَّ أن كثرة الآيات في موضع الأخلاق يدل على أهيمتها، ومما يزيد في هذه الأهمية أنَّ هذه الآيات منها ما نزل في مكة قبل الهجرة، ومنها ما نزل في المدينة بعد الهجرة، مما يدل على أن الأخلاق أمر مهم جدًّا لا يستغني عنه المسلم، وأنَّ مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال، فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سوره المكية والمدنية على حدٍّ سواء.
خصائص نظام الأخلاق في الإسلام:
١١٩- يتميز نظام الأخلاق في الإسلام بجملة خصائص، منها: تفصيل الأخلاق، وشمولها، ولزومها في الوسيلة والغاية، وارتباطها بمعاني الإيمان والتقوى، ووقوع الجزاء فيها، ونبيِّن فيما يلي هذه الخصائص بإيجاز:
التعميم والتفصيل في الأخلاق:
١٢٠- دعا الإسلام إلى الأخلاق الكريمة دعوة عامة، من ذلك ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
стр. 78
إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ، والقول بما هو أحسن دعوة عامَّة للقول الطيب المطلوب بجميع أنواعه في مخاطباتهم ومحاوراتهم، في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ دعوة عامَّة للابتعاد عن رذائل الأخلاق، وفي السنة النبوية من هذه الدعوة العامة إلى الأخلاق الشيء الكثير، من ذلك: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن"، والخلق الحسن يجمع أنواع الأخلاق الحسنة، وفي الحديث: "إنَّ العبد ليدرك بحسن حلقه درجة الصائم القائم".
١٢١- ولم يكتف الإسلام بالدعوة العامَّة إلى التحلي بالأخلاق الجيدة، والتخلي عن الأخلاق الرديئة، وإنما فصَّل القول في الصنفين، فبيِّنَ أنواع كل صنف، والحكمة في هذا البيان المفصَّل توضيح معاني الأخلاق وتحديدها؛ لئلَّا يختلف الناس فيها وتتدخل الأهواء في تحديد المراد منها، ومن مظاهر رحمة الله بعباده أن بيِّنَ لهم ما يتقون وما يأخذون وما يتركون، ونذكر فيما يلي أمثلة على تفصيل الأخلاق في القرآن والسنة النبوية المطهرة.
أمثلة من القرآن على تفصيل الأخلاق:
١٢٢- أ- الوفاء بالعهد: ﴿أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ .
ب- النهي عن القول بلا علم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
جـ- النهي عن مشية التبختر والتمايل كما يفعل المتكبرون: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ .
د- النهي عن الإسراف والتبذير والبخل والتقتير: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ .
هـ- الأمر بالعدل في جميع الأحوال، وبالنسبة لجميع الناس حتى الكفار: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَ﴾ ، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
стр. 79
و التعان على البِرِّ والتقوى وما ينفع الناس، والنهي عن التعاون على البغي والعدوان: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
ز- الظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة، وهو أنواع، أقبحها: افتراء الكذب على الله، وتعدي حدود الله، والظالم مقطوع الصلة بالله مخذول غير منصور، ومن أجل هذا نهى الإسلام عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ، ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ .
ح- الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا بُدَّ للمؤمن من صبرٍ على طاعة الله، وصبرٍ على قضاء الله، وبهذا يكون من المحسنين، ورحمة الله قريب من المحسنين، ولهذا أمر الإسلام بالصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ .
طـ- الصدق من علامات الإيمان وثمراته، ولهذا أمر الإسلام به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ .
ي- الكذب رذيلة لا ينال صاحبها هداية الله، ويثمر النفاق في القلب، ولهذا نهى الإسلام عنه وحذر منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
ك- التكبّر والعجب والبخل والفخر والرياء رذائل وأمراض تصيب القلب فتطمسه وتمحق نوره، وتبعد صاحبها عن الله تعالى، ولهذا جاء النهي عنها: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا، وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ .
стр. 80
ل- الاعتدال في المشي بين البطء والإسراع مطلوب من المسلم، وخفض الصوت وعدم رفعه بلا حاجة مطلوب أيضًا من المسلم، ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
م- الثبات على الحق والدوام على الطاعة والعبادة أمور مطلوبة؛ لأنَّ الأمور بخواتيمها، وبدون الاستقامة والدوام والثبات على الحق تفوت الثمرة، ولا يصل المسلم إلى الغاية، وينقطع عن ركب الصالحين، من أجل هذا وجب على المسلم أن يكون على قدر كبير من الثبات على معاني الإيمان والاستقامة عليها؛ لينال الفوز والرضوان ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
ن- الجنة دار الطيبين أعدَّها الله للمتقين الذين من أخلاقهم الحسنة الإنفاق في جميع الأحوال، في اليسر والعسر، فينفقون بقدر مالهم، ولا يبخلون عن الإنفاق ولو كان قليلًا، ومن أخلاقهم كظم الغيظ، فلا ينفذونه وهم القادرون على إنفاذه طاعة لله وخشية منه واحتسابًا للأجر عنده، ومن أخلاقهم أنهم لا يستوفون كل حقوقهم من الناس، بل يتركون منها لهم إحسانًا عليهم ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
س- النهي عن الغل والحقد: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ع- علاج الجاهل الإعراض عنه وتركه وشأنه، وبهذا أمر الإسلام ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .
ف- ومن وصايا الإسلام الجامعة لعباده المؤمنين في باب الأخلاق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا
إِلّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ١، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا، وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ٢ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ٣، وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ٤، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٥، أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ٦.
أمثلة من السنة النبوية على تفصيل الأخلاق:
١٢٣- أ- في النهي عن الغضب، أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: "لا تغضب".
ب- في الحياء، وردت أحاديث كثيرة منها: "الحياء لا يأتي إلّا بخير"، "الحياء خير كله"، "إنَّ لكل دينٍ خلقًا وخلق الإسلام الحياء"، "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
جـ- في التعاون: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
د- في حقوق المسلم، والنهي عن بعض الأخلاق: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره الشريف ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم
стр. 83
على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه".
هـ- النهي عن أخلاق المنافقين: "آية المنافق ثلاث إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"، "أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
و في الحلم والأناة: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: "إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة".
ز- في الرفق: "إنَّ الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".
ح- في الرياء والسمعة والإخلاص: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ط- في النهي عن المراء والجدل: "من ترك المراء وهو محق بني له بيت في الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة"، "وما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلّا أوتوا الجدل".
ي- في بذاءة اللسان: "ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذيء".
ك- في العجب والشح: "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي رأيه".
ل- ترك الكلام فيما لا يعنيك: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
م- ترك فضول الكلام: "طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، وأنفق الفضل من ماله".
ن- وزن الكلمة بميزان الإسلام قبل النطق بها: "إنَّ الرجل ليتكلّم بالكلمة من
стр. 84
رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت، فيكتب الله به رضوانه إلى يوم القيامة، وإنَّ الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة".
س- في الأمانة والوفاء بالعهد: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، وسأل رجل رسول الله ﷺ متى تقوم الساعة؟ فقال له: "إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة" فقال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسِّدَ الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".
ع- في الصدق والكذب: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وأن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".
ف- في القوة والعزيمة: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان".
ص- المتابعة في الخير لا في الشر: "لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وأن أساءوا أسأت، ولكن وطِّنُوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم".
ش- الحزم واليقظة: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".
ض- النهي عن الذل: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه".
ط- في التوادد والتراحم والتعاطف: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى".
ثانيًا: شمول الأخلاق
١٢٤- ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الشمول، ونعني به أنَّ دائرة الأخلاق الإسلامية واسعة جدًّا، فهي تشمل جميع أفعال الإنسان الخاصة بنفسه أو
стр. 85
المتعلقة بغيره، سواء أكان الغير فردًا أو جماعة أو دولة، فلا يخرج شيء عن دائرة الأخلاق ولزوم مراعاة معاني الأخلاق، مما لا نجد له نظيرًا في أية شريعة سماوية سابقة، ولا في أية شريعة وضعية، ونذكر هنا على سبيل التمثيل فقط مدى مراعاة الأخلاق في علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول؛ ليتبيِّنَ لنا مدى حرص الإسلام على التمسك بمعاني الأخلاق. ووجه اختيارنا هذه العلاقات هو ما شاع بين الناس ويؤيده الواقع، إنَّ العلاقات بين الدول لا تقم على أساس مراعاة الأخلاق، حتى إنَّ أحدهم قال: لا مكان للأخلاق في العلاقات الدولية. ولهذا كان الخداع والتضليل والغدر والكذب من البراعة في السياسة، إنَّ الإسلام يرفض هذا النظر السقيم، ويعتبر ما هو قبيح في علاقات الأفراد قبيحًا أيضًا في علاقات الدول، ويعتبر ما هو مطلوب وجميل في علاقات الأفراد مطلوبًا وجميلًا أيضًا في علاقات الدول، ولهذا كان من المقرر في شرع الإسلام أن على الدولة الإسلامية أن تلتزم بمعاني الأخلاق، وهذا التقرير موجود في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة وفي أقوال الفقهاء، فمن ذلك:
أولًا: قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ، أي: إذا ظهرت خيانة من عاهدتهم وثبتت دلائلها، فأعلموهم بنقض عهدهم حتى تستووا معهم في العلم؛ لأنَّ الله تعالى لا يحب الخائنين ولو كانت الخيانة مع قوم كافرين، وكانوا في نقض العهد بادين.
ثانيًا: كان من شروط معاهدة الحديبية بين النبي ﷺ وبين مشركي قريش: إنَّ من يأت من قريش النبي ﷺ مسلمًا يرده النبي ﷺ ولا يؤويه، وبعد الفراغ من كتابة المعاهدة جاء أبو جندل من قريش مسلمًا معلنًا إسلامه، يستصرخ المسلمين أن يئوه ويحموه من قريش، فقال له الرسول الكريم ﷺ : "إنَّا عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا، وإنَّا لا نغدر بهم" ١.
ثالثًا: قال الفقهاء: لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمانٍ منهم؛ لأنَّ خيانتهم غدر، ولا يصلح في دين الإسلام الغدر٢.
стр. 86
رابعًا: قال فقهاء الحنابلة: "إذا أطلق الكفار الأسير المسلم واستحلفوه أن يبعث اليهم بفدائه أو يعود إليهم لزمه الوفاء"، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال: "إنَّا لا يصلح في ديننا الغدر"١.
خامسًا: إذا كانت دار الحرب تأخذ من رعايا دار الإسلام الداخلين إلى إقليمها ضريبة على أموالهم التي معهم؛ بحيث تستأصل هذه الأموال، أو تأخذ من أموالهم القليلة ضريبة كبيرة لا تتناسب مع أموالهم، فإنَّ دار الإسلام لا تقابلهم بالمثل، ويعلل الفقهاء قولهم هذا بأنَّ فِعل أهل دار الحرب غدر وظلم، فلا نقابلهم بالغدر والظلم؛ لأننا نهينا عن التخلق بمثل هذه الأخلاق وإن تخلَّقوا بها٢.
ثالثًا: لزومها في الوسائل والغايات
١٢٥- والخصيصة الثالثة لنظام الأخلاق في الإسلام أنَّ الالتزام بمقتضى الأخلاق مطلوب في الوسائل والغايات، فلا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسيلة الخسيسة، ولهذا لا مكان في مفاهيم الأخلاق الإسلامية للمبدأ الخبيث "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو مبدأ انحدر إلينا من ديار الكفر. يدل على ذلك، أي: على ضرورة مشروعية الوسيلة ومراعاة معاني الأخلاق فيها قوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهذه الآية الكريمة توجب على المسلمين نصرة إخوانهم المظلومين قيامًا بحق الأخوة في الدِّين، ولكن إذا كانت نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفَّار الظالمين لم تجز النصرة؛ لأنَّ وسيلتها الخيانة ونقض العهد، والإسلام يمقت الخيانة ويكره الخائنين.
رابعًا: صلة الأخلاق بالإيمان وتقوى الله
١٢٦- الأخلاق في الإسلام موصولة بالإيمان وتقوى الله، قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا
стр. 87
إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ فالوفاء بالعهد من تقوى الله ومحبة الله، ومن الإيمان المسارعة إلى ما يحبه الله تعالى.
وفي الحديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، فالإيمان لا بُدَّ أن يورِّث الأخلاق الحسنة وعلى رأسها الأمانة وحفظ العهد، فمن فقد الأمانة وضيِّع العهد كان ذلك إيذانًا بخلُّوه من معاني الإيمان المطلوبة منه، وتفريطه بتقوى الله.
وفي حديث آخر: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه". فهذا الحديث الشريف يدل على أنَّ الأخلاق السيئة تنافي الإيمان وتناقضه، وأنَّه لا يجتمع الإيمان والخلق الرديء.
خامسًا: الجزاء
١٢٧- ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الجزاء؛ لأنَّ الإسلام جاء بالأخلاق أمرًا ونهيًا، وعصيان أوامر الشرع أو ارتكاب ما نهى عنه سبب للعقاب، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ، كما أنَّ الالتزام بحدود الشرع وطاعته سبب للثواب الحسن.
والجزاء لمن يخالف حدود الشرع في الأخلاق قد يكون في الدنيا، فشاهد الزور وبذيء اللسان والخائن ونحوهم، يعاقبهم القاضي المسلم بالعقوبة التعزيرية والحنث في اليمين، أي: عدم الوفاء بالوعد الموثّق باسم الله يترتب عليه كفارة اليمين، وفي الكفارة معنى العقوبة كما يقول الفقهاء.
وقد يكون الجزاء في الدنيا هلاك الجماعة التي يشيع فيها الخلق الرديء، وقد أشار لهذ الجزاء الحديث الشريف: "إنما أهلك مَنْ كان قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد...." ومثل شيوع الجبن في الأمة وترك الظَّلَمَة يعبثون في حقوق الناس دون إنكار عليهم خوفًا منهم وجبنًا وإيثارًا للذل والحياة المهينة، فإنَّ هذه الأخلاق الرذيلة سبب لهلاك الأمة أو إصابتها بشرٍّ كبير أو ضرر جسيم يصيب المذنب والبريء، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
стр. 88
هل يمكن اكتساب الأخلاق وتقويمها؟
١٢٨- والآن وقد بَيّنَّا مكانة الاخلاق في الإسلام ومدى تأثيرها في الأعمال، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، نسأل: هل يمكن تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها؟ أم أنَّ الأخلاق صفات لازمة تخلق في الإنسان وينطبع عليها، فلا يمكنه تغييرها ولا تبديلها ولا تعديلها، كما لا يمكنه تغيير صفاته الجسمية من طول وقصر ولون؟
الجواب على هذا السؤال كما يظهر لنا، يتلخَّص بما يأتي:
أولًا: إن الأخلاق من حيث الجملة يمكن تقويمها وتعديلها، كما يمكن اكتساب الجيد منها، والتخلي عن قبيحها، وبالعكس، ودلينا على ذلك أنَّ الشرع أمر بالتخلق بالأخلاق الحسنة، ونهى عن التخلق بالأخلاق الرديئة، فلو لم يكن ذلك ممكنًا مقدورًا للإنسان لما ورد به الشرع، الإسلام لا يأمر بالمستحيل، ومن القواعد الأصولية في الفقه الإسلامي: لا تكليف إلّا بمقدور أو لا تكليف بمستحيل، وعلى هذا فكل إنسان عنده أهلية وقدرة للتحلي بالإخلاق الجيدة والتخلي عن أضدادها، كما أنَّ عنده أهلية وقدرة على عكس ذلك، وقد يستأنس لهذا بقول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ .
ولكن مع هذا، فإنَّ الناس يتفاوتون في مقدار أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم، ولكن مع هذا فإنَّ الناس يتفاوتون في مقدار أهليتهم وقدرتهم واستعدادتهم لاكتساب الأخلاق أو تعديلها، كما يختلفون في مدى أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لتلقِّي العلوم المختلفة، أو إدراك الحقائق الدقيقة نظرًا لاختلاف عقولهم ومدى ذكائهم.
ثانيًا: إنَّ بعض الناس قد يُجْبَل على بعض الأخلاق؛ بحيث تكون هذه الأخلاق بارزة فيهم وظاهرة في سلوكهم، ودليلنا على هذا حديث رسول الله ﷺ الذي رواه أبو داود، وقد جاء فيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لأشج عبد القيس: "إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة". قال: يا رسول الله، أنا أتخلَّق بهما أم الله تعالى جبلني عليهما؟ قال رسول الله ﷺ : "بل الله جبلك عليهما"، فقال: الحمد
стр. 89
لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله١.
ولا شكَّ أنَّ الناس يتفاوتون فيما عليه من الأخلاق، كما يتفاوتون في ما يجلبون عليه من قوة الإدراك والذكاء، ويترتب على ذلك أنَّ من جُبِلَ على نوع معين من الأخلاق يسهل عليه ترسيخ هذا النوع في نفسه والبقاء عليه؛ لأنه يجد عونًا في ذلك بما جبل عليه.
كيف يتحقق تقويم الأخلاق أو اكتسابها:
١٢٩- إنَّ تقويم الأخلاق أو اكتسابها يمكن أن يتمَّ بشكل من الأشكال التالية:
أولًا: بتقليل آثارها وعدم المضي في تنفيذ مقتضاها وما تدعو إليه، وهذا بالنسبة للأخلاق التي تعتبر من الغرائز في كل إنسان، ومنه الغضب، يدل على ذلك ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، فقال ﷺ : "لا تغضب"، فردد الرجل سؤاله مرارًا، فكان النبي الكريم ﷺ يقوله له: "لا تغضب"، وقد قال العلماء في شرح الحديث: إنَّ النهي عن الغضب ينصرف إلى النهي عن العمل بمقتضى الغضب، أي: بلزوم دفع آثار الغضب، وليس النهي راجعًا إلى نفس الغضب؛ لأنه من طباع البشر فلا يمكن دفعه ولا استئصاله١، فالمطلوب في تقويم خلق الغضب ليس استئصاله بالكلية، فهذا غير ممكن، وإنما الممكن السيطرة عليه وكظمه وعدم تنفيذ مقتضاه، يؤيد ذلك ما جاء في القرآن الكريم ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ، فمدحم على ضبط غضبهم والسيطرة عليه لا على استئصاله، وفي القرآن أيضًا ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ، فمدحهم على عدم تنفيذ مقتضى غضبهم، وفي الحديث الشريف: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب".
ثانيًا: بالتشذيب والتهذيب وإزالة الكدورات عن أصل الخلق، وتوجيهه الوجهة المرضية في الشرع الإسلامي، مثل خلق الشجاعة، يستعمله صاحبه في الاعتداء وقتل الأبرياء، أو لطلب السمعة والجاه، وكالسخاء يستعله صاحبه للمباهاة وللرياء،
стр. 90
فهذه الأخلاق هي في أصلها محمودة، وإنما ذمت لانحرافها عن الغرض الصحيح والوجهة المرضية في الشرع، فتقويمها يكون بإزالة هذه الأغراض الخسيسة عنها، وبتوجيهها الوجهة الصحيحة، بأن تكون الشجاعة لنجدة الضعيف وإغاثة المظلوم وقهر الظالم وإعلاء كلمة الله ومحق الكفر والباطل ابتغاءَ مرضاة الله وحده، لا لطلب سمعة ولا رياء ولا جاهٍ ولا ثناء. وكذلك السخاء يوجه إلى الوجهة المرضية عند الله بأن يكون في سبيله ولطلب مرضاته، بأن ينفق المسلم ماله في أوجه البر مثل إكرام الضيف والجار وكفالة التيم وإعانة المحتاج أو إقراضه، والقيام على الأرملة والمسكين ونحو ذلك، يدل على ما نقول الأحاديث الشريفة الكثيرة، منها: عن أبي موسى ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ١، وفي القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ .
وفي الحديث الشريف: "الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"؛ لأنهم بهذا الفقه يستعملون صفاتهم واخلاقهم الجيدة في أصلها استعمالًا صحيحًا، ويوجهونها الوجهة الصحيحة، فيكونون خيار الناس.
ثالثًا: استبدال الخلق الذميم بالخلق الجيد، كاستبدال الكذب بالصدق، والغدر بالوفاء، والظلم والعدوان بالعدل والإنصاف. وهذا الاستبدال ممكن في كثير من الأخلاق؛ حيث يزول الخلق الذميم ويحلّ محله خلق جميل، كما نشاهد ذلك في الشخص الذي يتوب توبة صادقة.
وسائل تقويم الأخلاق:
١٢٩- هناك وسائل كثيرة لتقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها، والتخلي عن الرديء منها، وقد يكون أهمّ هذه الوسائل ما يأتي:
١- العلم: ونقصد به هنا معرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام،
стр. 91
وأنوع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها الإسلام. إنَّ هذا العلم ضروي لأنَّه بدونه لا يدري المسلم بأيِّ خلق يتخلّق، ومن أي خلق يتجرَّد، وقد كفى الإسلام المسلم مؤنة البحث والاستنباط، فقد فصَّل الأخلاق بنوعيها، وما على المسلم إلّا أن يعرض نفسه على الأخلاق بنوعيها ليعرف موضعه منها، ثم يعمل جاهدًا لتكون أخلاقه أخلاقًا إسلامية حقًّا.
٢- ولا يكفي أن يعرف أنواع الأخلاق معرفة مجردة، بل يجب أن يعرف المسلم عظيم حاجته إلى الخلق الحسن؛ لأنه متصل بالإيمان وتقوى الله، وسبب للظفر برضوان الله ودخول الجنان، كما يجب أن يعرف عظيم ضرر الخلق السيء عليه؛ لأنه من علامات النفاق، وأمارات ضعف الإيمان، وسبب سخط الله ودخول النار. إنَّ هذه المعرفة ستدفعه إلى التخلّق بالأخلاق الحسنة رغبةً في رضوان الله تعالى، كما تدفعه إلى الخلاص من الأخلاق السيئة خوفًا من سخط الله؛ لأن مَنْ رَغِبَ في شيء سعى إليه، ومن خاف من شيء هرب منه.
٣- ولا يكفي للمسلم أن يعرف أنواع الأخلاق السيئة ونتائجها، بل عليه أن يستحضر هذه المعرفة في ذهنه لئلَّا ينساها، فإن آفة العلم النسيان، والنسيان يؤدي إلى إهمال معاني الأخلاق، فيضعف أثرها في النفس، ويصدر عنها ما لا ينبغي من الأفعال، ولهذا كرَّر القرآن الكريم معاني الأخلاق وبيِّنَ لنا أنَّ ما صدر عن أبينا آدم ﵇ كان من أسبابه النسيان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ، ولمَّا غضب سيدنا عمر ﵁ عندما قال له رجل: إنك لا تقضي بالعدل ولا تقضي بالحق، قال بعض الحاضرين: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، وهذا من الجالهين، فقال سيدنا عمر ﵁: صدقت، وذهب عنه الغضب، فالتذكُّر الدائم لمعاني الأخلاق وتذكُّر الأساس الذي قامت عليه وهو الإيمان بالله تعالى، وإن الالتزام بمقتضى الأخلاق من ثمرات الإيمان ومن معاني الإسلام، كل هذا يجعل سلوك المسلم في حدود الأخلاق الإسلامية.
٤- الاهتمام الكامل بتقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس، وعلى رأس هذه المعاني الإيمان بالله وباليوم الآخر وبرسالة محمد ﷺ ، والإحساس بالغربة في هذه
стр. 92
الدنيا، وأنَّ المسلم عمَّا قريب سيرحل عنها، وأنَّه سيجازى على أعماله، ومن أعماله أخلاقه، وأنَّ الله تعالى وعده وعد الصدق بالثواب للمتخلقين بأخلاق الإسلام، ووعد بالعقاب لمن رفض أخلاق الإسلام.
إن تقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس يؤدي إلى انفتاح النفس وتقبلها لمعاني الأخلاق الإسلامية؛ لأن هذه الأخلاق موصولة بالإيمان ومعاني التقوى كما قلنا، وهذه الصلة تشتد كلما قوي الإيمان في النفس ورسخت العقيدة فيها، مما يجعل أخلاق المسلم الطيبة ثابتة راسخة لا تزول ولا تضعف؛ لأنها موصولة بالقوي العزيز، وتجد مادَّة بقائها واستمرارها وصلاحها من هذا الفيض الذي لا ينضب: الإيمان بالله، ولوازم هذا الإيمان، فالمسلم مثلًا: لا يمكن أن يكون ذليلًا أبدًا؛ لأنه موصول بالقوي العزيز الذي له العزة جميعًا ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ، وللمؤمنين المتصلين به نصيب من العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، والمؤمن لا يخاف مخلوقًا ولا يخشاه، ومن ثَمَّ لا يتملقه ولا يذل له ولا ينافق عنده؛ لأن الأمور كلها بيد الله، ومنها: النفع والضر والزرق والحياة والموت ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، وعزة المؤمن لا يقترن بها ذرة من كبر أو طغيان أو جبروت أوخيلاء أو عجب بالنفس؛ لأن عزة المؤمن قائمة على الإيمان بالله، والله وحده له الكبرياء والجبروت، وكل ما سواه فهو فقير مربوب مقهور، فأنَّى للفقير المقهور أن يتكبَّر أو يتجبَّر على غيره؟
ولهذا لا يكون المسلم إلّا متواضعًا؛ لأنه عرف قدر نفسه بعد أن عرف ربه، ومن عرف قدر نفسه لن يتكبر أبدًا، ومع العزة والتواضع صبر جميل وثقة كاملة ورجاء لا يشوبه يأس، وطمأنينة لا يخالطها قلق؛ لأن الإيمان يثمر هذه الأخلاق الفاضلة، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ ؛ ولأنَّ ما هو مقدَّر فهو كائن، فلا داعي للقلق والاضطراب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ ؛ ولأنَّ من يتوكل على الله فهو حسبه، والشجاعة والجرأة والإقدام والثبات على الحق ونحو ذلك، أخلاق راسخة في المسلم ما دام قلبه معمورًا بمعاني الإيمان؛ لأنَّ إيمانه يعلمه أن الحياة لا تستحق أن يَهُن فيها المسلم أو يجبن أو يحجم حيث يجب الإقدام؛ لأنَّ الآجال قد فرغ منها، وأن الموت لا بُدَّ أن يلاقيه كل حي، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
стр. 93
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ، والقناعة وعِفَّة النفس والاستغناء عن الخلق وعمَّا في أيديهم، ثمرات طيبات زاكيات من ثمار الإيمان؛ لأن المسلم يؤمن بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، وأن الرزق بيد الله ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ، وهكذا بقية الأخلاق ترسخ وتدوم وتستمر ما دامت قائمة على إيمان عميق يتخلَّل شغاف القلب وتصبغ به النفس، فتعميق الإيمان في النفس وتقوية معاني العقيدة وسيلة مهمة جدًّا للتخلق بالخلق الحسن، وللتخلي عن الخلق الرديء.
٥- مباشرة الأعمال الطيبة التي تساعد أو تؤدي إلى تقويم الأخلاق، أو تسهل على النفس قبول الأخلاق الزكية وطرد الخبيثة، فالعلم وحده بدون عمل لا يكفي، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ، ولم يقل ربنا ﵎: قد أفلح من تعلّم كيفية تزكيتها، فلا بُدَّ من تزكية فعلية بمباشرة الأعمال المحققة لزكاة النفس أو تخليصها من أمراض الأخلاق الرذيلة، إنَّ المريض الذي يوصف له العلاج أو يقدَّم له العلاج فعلًا ولا يستعمله لن يستفيد منه، وإن ظلَّ ينظر إليه ويكرِّر القول في تركيبه وكيفية صنعه.
٦- ومن أنواع الأعمال الطيبة النافعة لتقويم الأخلاق، القيام بأنواع العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة؛ لأنها تزكي النفس وتسهّل عليها اكتساب الأخلاق الطيبة وطرد الأخلاق الخبيثة، فهي لها طهرة وزكاة وقوة ووقاية، وقد أشار القرآن إلى هذه المعاني، قال تعالى في الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، وقال عن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ تطهرهم من البخل والشح وتصفي نفوسهم من الكدورات والأخلاق الرديئة، والصوم يربي في الإنسان فضيلة الصبر وقوة الإرادة والعزيمة والأخلاق والخلاص من الرياء، والحج تربية عملية للروح، ورياضة مؤثرة في النفس، ووسيلة فعَّالة لاكتساب كثير من الأخلاق، والتخلص من كثير من ذميم الصفات، ففي الحج تربية على الصبر والإخلاص والاستعلاء على شهوات الجسد، وإنفاق المال فيما يحبه الله، والتخلّص من الكبر والعجب والغرور، وتجاوز الإنسان قدر نفسه وغيره، ذلك مما هو معروف ومذكور في موضوعه في كتب الفقه، وهكذا بقية العبادات بدوامها تزكو النفس
стр. 94
فتدوم فيها معاني الإيمان والتقوى، ومنها الأخلاق الرضية؛ لأنَّ هذه الأخلاق لا تنبت إلّا في النفس الزكية، ولا شيء مثل العبادات بأنواعها المختلفة يزكي النفس ويهيئها لاكتساب الأخلاق الطيبة والتخلص من الاخلاق الرديئة، وفي كتاب الله إشارة إلى هذه المعاني، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
٧- القيام بالأعمال المضادة للأخلاق التي يراد التخلص منها أو المضادة لمقتضاها، ويمكن أن نسمي هذا المسلك بمسلك التضاد أو المراغمة للشيطان؛ لأنَّ الشيطان يفرح لكل خلق رديء ويعمل على بقائه في النفس، ويزينه في عين صاحبه بما يلقيه من مبررات باطلة، فإذا قام الإنسان بعمل يناقض هذا الخلق ولا يتفق وما يقتضيه، كان ذلك بلا شك إغاظة للشيطان ومراغمة له، مما يدعوه إلى الكفِّ عن تزيين هذا الخلق الرديء وعن نفث المبررات الباطلة له، فإذا خنس الشيطان أمكن لهذا العمل أن يزعزع كيان هذا الخلق الرديء، أو يقضي عليه كما يقضي العلاج الفعَّال على المرض، ومِمَّا يدل على جودة هذ المسلك وأثره في تقويم الأخلاق ما ورد في الحديث أنَّ رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له رسول الله: "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين".
ومن أمثلة أعمال التضاد والمراغمة علاج الحسد، بأن يبادر الحاسد إلى الاستغفار والدعاء بالخير إلى المحسود، فإنه سيشعر بزوال الحسد في قلبه، ومن علاج الكبر جلوس المتكبر مع الفقراء والمساكين والصعاليك، والجلوس في آخر المجلس، والقيام بالأعمال التي يعدّها الناس حقيرة لا تليق بالمتكبرين، مثل حمل الحطب ونحو ذلك.
ومما يمكن اعتباره من أعمال هذه الوسيلة ما جاء في الحديث الشريف: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع" ١، وفي حديث آخر: "إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء، فإنما الغضب من النار، وإنما تطفأ النار بالماء".
стр. 95
٨- مسلك التكلف، فيتكلف الإنسان الأخلاق التي يريد التخلق بها، كما لو أراد أن يكون حليمًا فإنه يأتي به تكلفًا مرارًا حتى تألفه النفس وتعتاده، ويصير لها كالطبع وكالسجية، ويؤيد جودة هذه المسلك ما ورد في الحديث -وإن روي بسند ضعيف: "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم"، وهذا المسلك يحتاج إلى تكرار ودوامٍ حتى ينتج أثره، وهذا الدوام يسلتزم الصبر، فعلى الإنسان الذي يريد التخلُّق بنوع من الأخلاق الرضية عن طريق التكلف أن يتجمَّل بالصبر، فإنه ضروري له ضرورته للمريض الذي يتناول الدواء المر، فإذا صبر وداوم انقادت النفس وألفت الفعل، ثم يصبح الفعل لها لذيذًا، كالذي يريد أن يحسِّن خطه، فإنه بتكرار الكتابة والخط يحسن خطه، ثم يصبح الخط بالنسبة له شيئًا سهلًا ولذيذًا.
٩- مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم؛ لأن رؤية الرجل الصالح ذي الخلق الحسن ومجالسته والسماع منه يؤثِّر في جليسه، فيدفعه إلى اقتباس بعض أخلاقه، وقديمًا قيل: الطبع يأخذ من الطبع، وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تصاحب إلّا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلّا تقي"؛ لأن المرء يقتدي بمن يعاشره ويصاحبه ويجالسه فيقتبس منه صفاته، ولهذا كان السلف الصالح يوصون أو يأمرون بهجر أصحاب البدع والمعاصي وذوي الأخلاق الرذيلة.
١٠- اتخاذ القدوة الحسنة، وخير القدوة على الإطلاق رسولنا ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فإذا فات المسلم الآن رؤية رسول الله ﷺ ببصره، فلن تفوته رؤياه ببصيرته باستحضار سيرته العطرة، وشمائله الكريمة، وأخلاقه العظيمة، ولذلك نوصي كل مسلم بقراءة سيرته مرارًا، واستحضار شخصه الكريم في ذهنه، وتصور نفسه في مجلس رسول الله ﷺ ، ومن القدوة الحسنة أيضًا استحضار سيرة أصحابه الكرام المملوءة بالخير وجليل الأعمال وكريم الأخلاق، لا سيما سيرة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشَّرة بالجنة، وأصحاب بدر وأصحاب بيعة الرضوان، وسائر المهاجرين والأنصار.
١١- ترك البيئة الفاسدة والفرار كما يفر المرء من المكان الموبوء، والتحوّل إلى البيئة الصالحة التي تضمّ الجماعة الصالحة من المؤمنين الطيبين، فإن هذه البيئة الصالحة
стр. 96
تقوي في المؤمن معاني الأخلاق الفاضلة، وتقيه من الأخلاق الرديئة، ولا يجوز له التعرض إلي البيئة الفاسدة ذات الناس الفاسدين، بحجة أنه متين الأخلاق لا يخشى عليه التأثير بهم أو بها، فإنَّ هذا غرور ووهم، ومثاله مثال من يتعرض إلى المكان الموبوء بمرض السلِّ ونحوه بحُجَّة أنه قوي البنية، ونستأنس لهذا الذي نقوله بالحديث الشريف الذي جاء فيه أنَّ رجلًا قتل مائة نفس، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالم فأتاه، فقال: "إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة، فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذ وكذا، فإن بها ناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ... إلخ " ١ فهذا الحديث يدل على ضرورة التحوّل من المجتمع الفاسد إلى المجتمع الطيب، أو إلى الجماعة الطيبة المؤمنة العابدة، فإن العيش معها والبقاء معها أدْعَى إلى استقامة الشخص وابتعاده عن السوء.
والبيئة الفاسدة كل ما يعرضك للمعصية وسوء الأخلاق، والبيئة الصالحة كل ما يعينك على طاعة الله وتقواه، ومنها: حسن الأخلاق.
١٢- الحرص على كل صفة جميلة واعتبارها كالجوهرة النفيسة التي يجب صونها وحفظها وعدم التفريط بها، وعدم الاستهانة بكل صفة قبيحة وإن بَدَت بسيطة قليلة الشأن؛ لأنَّ المسلم لا يستقلّ أبدًا أيَّ خلق حسن، ولا يستهين بأيِّ خلق سيء، فرب صفة طيبة ترفعه إلى درجات عالية، ورب صفة خبيثة تدخله النار، وقد مدح الله تعالى رسوله إسماعيل ﵇ بصفة صدق الوعد، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وفي الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، كما أنَّ الصفة الواحدة والمحافظة عليها والدوام عليها تؤدي إلى رسوخها فيه، فإن كانت صفة خير كان ذلك خيرًا له، وإن كانت صفة شرٍّ كان ذلك شرًّا له، والخير يؤدي إلى الخير، والشر يؤدي إلى الشر، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، والبرّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب
стр. 97
ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".
١٣- على المسلم أن يروِّضَ نفسَه على قبول نصيحة المتديِّن الكيِّس الورِع الصادق، فإنَّ المؤمن يرى من عيوب غيره ما لا يرى الغير من عيوب نفسه، ومن هنا حسنت صحبة الأخيار، وكان عمر ﵁ يقول: رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي.
إن الناصح الصادق الذي يدلك على عيوبك وسوء بعض أخلاقك يستحق منك الشكر والتقدير، إنك تشكر من يدلك على عقرب تدب على جسمك، أو تختفي تحت ثيابك، وتسارع إلى إلقائها بعيدًا عنك، فكذلك يجب أن تفعل نحو من ينصحك ويدلك على عيوب أخلاقك؛ لأن الأخلاق الرذيلة عقارب، ولكنها تؤذي القلب وتفرغ فيه سمومها.
هذه بعض الوسائل المهمة في تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها، وهناك وسائل أخرى مهمة في الموضوع، نكتفي بما ذكرناه.
стр. 98
المبحث الثاني: النظام الاجتماعي في الإسلام
مدخل
...
المبحث الثاني: النظام الاجتماعي في الإسلام
تمهيد:
١٣٠- من الحقائق الثابتة التي أشار إليها العلَّامة ابن خلدون في مقدمته أنَّ الاجتماع الإنساني ضروري، وهو ما يعبّر عنه بقول بعضهم: الإنسان مدني بالطبع، ومعنى ذلك أنَّ المجتمع ضروري للإنسان، وهو ما يؤيده الواقع، فالإنسان يولد في المجتمع ويعيش فيه ويموت فيه.
١٣١- وإذا كان المجتمع ضروريًّا للإنسان ولا بُدَّ من وجوده، فإن النظام -على أيِّ نحوٍ كان- ضروري للمجتمع، لا يتصور وجوده بدونه؛ لأنَّ الأفراد لا يمكنهم العيش بحرية مطلقة داخل المجتمع، وإلا كان في ذلك هلاكهم، أو اضطراب حياتهم، وانقلاب مجتمعهم إلى مجتمع حيوانات كالذي نشاهده في الغابات، ولهذا كان لا بُدَّ من نظامٍ للمجتمع يتضمَّن الحدود التي يجب أن يقف عندها الجميع، والضوابط العامَّة التي يجب أن يلتزموا بها في سلوكهم، حتى يستطيعوا العيش بأمان واستقرار.
١٣٢- وإذا كان لكل مجتمع نظام على نحوٍ ما، فإنَّ هذا النظام لا بُدَّ له من أساس وأصول وأفكار يرتضيها المجتمع ويقوم عليها نظامه الذي يسير بموجبه، والنظام يكون صالحًا وفاسدًا تبعًا لصلاح أو فساد أساسه وأصوله وأفكاره التي يقوم عليها؛ لأن الفرع يتبع الأصل في الصلاح والفساد.
١٣٣- وإذا كان نظام المجتمع قد يكون صالحًا أو فاسدًا، فإن صلاحه وفساده ينعكس على أفراده ويتأثرون به، ويتحملون تبعاته، فيسعدون به أو يشقون، وعلى هذا يجب على من يريد الخير لنفسه ولمجتمعه أن يبحث ويتحرَّى عن الأساس
стр. 99
الصالح الذي يجب أن يقوم عليه نظام المجتمع، ويسعى لتثبيت هذا الأساس وإقامة نظام المجتمع عليه، وبهذا تتيسَّر للأفراد سبل الخير والسعادة، ويتحقق أكبر قدر ممكن من الحياة الطيبة المستقرة الهادئة لأفراده.
١٣٤- والواقع أن الإسلام كفانا مئونة البحث والتحرِّي عن هذا الأساس الذي يقوم عليه النظام الصالح والمجتمع، كما كفانا مئونة البحث عن طبيعة هذا النظام الصالح وخصائصه، مما يجعل الأمر سهلًا ميسورًا لبناء المجتمع الصالح الذي يسعد به الناس جميعًا، فما هو إذن أساس النظام الصالح في نظر الإسلام. وما هي خصائص هذا النظام؟ هذا ما سنجيب عليه في المطلبين التاليين الذي يتَّسع له بحثنا في هذا المقام.
стр. 100
المطلب الأول: أساس نظام المجتمع في الإسلام
١٣٥- إن أساس نظام المجتمع في الإسلام هو العقيدة الإسلامية؛ لأن المطلوب من كل إنسان أن يحمل هذه العقيدة ليعرف مركزه في الحياة وعلاقته بالكون والغرض الذي من أجله خُلِق، وهذه العقيدة هي الموجِّهة لأفكار الإنسان وسلوكه وسائر تصرفاته، ولا يمكن التخلي عنها في شأن من الشئون؛ وحيث إنَّ الإنسان اجتماعي بالطبع كما قلنا، فمن البديهي أن تكون العقيدة الإسلامية هي الموجِّهة له في بناء هذا المجتمع، والنظام الذي يختاره له، وبكلمة أخرى: يجب أن يكون العقيدة الإسلامية هي الأساس لبناء المجتمع ونظامه، حتى يعمل الأفراد في ضوء عقيدتهم كأفراد وكأعضاء في المجتمع، كما يعمل المجتمع كجماعة منظمة في ضوء هذه العقيدة التي يحملها أفراده، ويترتّب على ذلك أنَّ كل من يحمل هذه العقيدة ويدين بها ويلتزم بمقتضاها يكون أهلًا للانتماء إلى هذا المجتمع الإسلامي، فيصبح عضوًا فيه، ويساهم في بقائه وتحقيق أغراضه، والتمتع بمزاياه، وتحمّل تبعاته مهما كان جنسه أو نوعه أو لونه أو لغته أو إقليمه أو حرفته ... والحقيقة أنَّ تقديم الإسلام هذا الأساس لإقامة المجتمع البشري كان حدثًا ضخمًا وفريدًا في التاريخ البشري ما كان الناس
стр. 101
يعرفونه، ولم يخطر ببالهم، فالرومان واليونان والفرس والعرب قبل الإسلام أقاموا مجتمعاتهم على أساس الجنس أو القبيلة أو السلالة أو الإقليم، وبنوا على هذا الأساس أباطيل كثيرة تولَّد عنها الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان، فلمَّا جاء الإسلام بهذا الأساس الجديد لبناء المجتمع ونظامه، كان ذلك انقلابًا هائلًا في الحياة البشرية، تكريمًا للإنسان، ووضعًا للأمور في نصابها، فليس من اللائق بالإنسان بناء مجتمعه على أساس الجنس أو القبيلة أو الأقليم، كما كانت تفعل المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام؛ لأنَّ أصل البشر واحد، ولا يمكن حجب هذه الحقيقة باختلاف الناس بالأنساب والأجناس؛ لأن أجناسهم وشعوبهم المختلفة كالأغصان للشجرة الوحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ، وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "كلكم لآدم وآدم من تراب" وكذلك لا معنى لاتخاذ الإقليم أساسًا للمجتمع البشري؛ لأنَّ الأرض خلقها الله للناس، فهي إقليمهم، وهي وطنهم المشترك، قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ ، وأيضًا فإنَّ الجنس والقبيلة والسلالة لا يصلح واحد منها أن يكون أساسًا للمجتمع البشري، لأنه بطبيعته ضيق لا يمكن ان يسع الناس جميعًا، فليس بمقدور أحد أن يكون من هذا الشعب أو القبيلة أو الجنس بعد أن خلقه الله من غيرها، وإنما الممكن المقدور للإنسان أن يعتنق العقيدة الإسلامية، فيكون من أعضاء المجتمع الإسلامي، ومن يرفض اعتناق هذه العقيدة فإنَّ المجتمع الإسلامي لا يرفض قبوله فيه إذا رغب هو في الانتماء إليه، بشرط إعلان ولائه له وخضوعه لنظامه عن طريق عقد الذمة، وفي هذه الحالة سيجد غير المسلم مكانًا أمينًا في هذا المجتمع الفكري، ويتمتع بالحقوق العامة والخاصة، وبحماية تامَّة لنفسه وماله وعرضه، وعلى هذا، فقول البعض: إن إقامة المجتمع على أساس العقيدة الإسلامية بغير اضطهاد غير المسلمين وإكراههم على تبديل دينهم قولٌ باطل، هو من قبيل التشويش والتضليل والجهالة، فالإسلام يقرر في القرآن لكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ، والفقهاء يقررون قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، والواقع يشهد بأنَّ غير المسلمين عاشوا في المجتمع الإسلامي منذ عهد الرسول ﷺ وحتى اليوم دون أن يمسَّهم أذى أو تضييق بسبب دينهم، والواقع يثبت أنَّهم طفروا بحماية ورعاية من المسلمين لا نجد لهما نظيرًا مطلقًا في أيِّ مجتمع بالنسبة للأقليات التي فيها والتي لا تدين بدينه، ويكفي أن نذكر هنا مأساة الأندلس وما أصاب المسلمين هناك
стр. 102
عندما دالت دولتهم وذهب سلطانهم.
نتائج إتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع:
أولًا: الرباط الإيماني
١٣٦- يعتبر الإسلام المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إخوة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "المسلم أخو المسلم"، والإخوة الإيمانية أعظم الروابط بين المسلمين، وعلى أساسها تكون الموالاة، وقد يشترك المسلم مع أخيه المسلم بروابط أخرى كرابطة النسب أو الإقليم، وهذه الروابط غير منكورة ولا مرفوضة في الإسلام، ولكن بشرط أن لا تحمل شيئًا من الباطل، وأن لا تعلو على رابطة الإيمان ومستلزماتها.
والرابطة الإيمانية لا تقتضي اضطهاد غير المسلمين أو إيذائهم، فقد قلنا: إن الإسلام يقبل في عضوية المجتمع الإسلامي غير المسلم ويأمر بحمايته، فإذا فات غير المسلم رابطة الإيمان وأخوة الدين، فلن تفوته حماية المسلمين وعدل الإسلام وبر المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، وقال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ ، وقال ﷺ : "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة".
ثانيًا: زوال العصبية
١٣٧- المقصود بالعصبية التناصر بالحق وبالباطل؛ لاشتراك المتناصرين بالنسب، أي: بنسب القبيلة أو السلالة أو الأسرة، وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضًا في الحق وفي الباطل؛ لانتسابهم إلى قبيلة واحدة، وقد أنكر الإسلام هذه العصبية وأمر بنبذها، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "ليس منَّا مَن دعا إلى عصبية، وليس منَّا من مات على عصبية"، وقال ﵊ عن العصبية: "دعوها فإنها منتنة".
وبعد أن كان شعار الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، بمعنى: كن بجانبه في
стр. 103
الحالين، أصبح الشعار في الإسلام: أنصر أخاك ظالمًا، بأن تمنعه من الظلم، أو مظلومًا بأن تقف بجانبه ضد ظالمه.
وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة أو الجنس، وإنما تتعداها كل عصيبة قائمة على سبب آخر ما دام جوهر العصبية موجودًا، وهو نصرة الغير بالباطل بسب هذه المشاركة، وعلى هذا فانتصار الباطل هو من العصبية المقيتة المذمومة. إنَّ خلوَّ المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلّل فرص الاعتداء والظلم والبغي، ويساعد على شدِّ الأفراد إلى معاني الحق والعدل، وفي هذ كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.
ثالثًا: تقوى الله هي ميزان التفاضل بين الناس
١٣٨- وبزوال العصبية تزول نتائجها، ومنها: التفاخر بالأحساب والأنساب والعظام البالية، فليس مجرَّد انتساب الفرد إلى قبيلة معينة مدعاة إلى الفخر، ولا إلى فضله وعلو منزلته؛ إذ لا علاقة بين فضل الإنسان وبين انتسابه إلى قوم معينين، أو إلى قبيلة معينة، وإنما المعقول أن يقدَّر فضل الإنسان بقدر ما تحمله نفسه من فضائل وأخلاق كريمة، وبقدر ما يقدّمه من صالح الأعمال. وهذا كله يحققه تقوى الله ، ومن هنا كان أساس التفاضل في الإسلام تقوى الله، وأمَّا الانتساب إلى القبائل فهو للتعارف فقط، كانتسابه إلى بلدة معينة أو حرفة معينة أو بيت معين، أو تسميته باسم معين، فكل هذه الأشكال من الانتساب أو الأسماء يقصد بها التعارف وما يترتب عليه من تعاون أو تكاليف، قال تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
وبهذا الميزان الدقيق العادل لمعرفة أقدار الناس وفضلهم أصبح المجال واسعًا للتنافس في الخير وبلوغ المنزلة العالية التي يطمح إليها الإنسان، فلا يمنعه منها مانع، من فقر أو لون أو ذكورة أو أنوثة أو خسَّة نسب، أو كثرة ماله، أو سعة سلطانه، أو كثرة ولده، أو فصاحة لسانه، أو كثرة أتباعه، أو جمال صورته، وقد أشار الرسول الكريم إلى هذه الأمور بقوله الموجز البليغ: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، وذكر النسب إشارة إلى غيره من الأشياء التي لا علاقة في تقييم الشخص ومعرفة مقدار فضله.
стр. 104
المطلب الثاني: خصائص النظام الإجتماعي في الإسلام
...
المطلب الثاني: خصاص النظام الاجتماعي في الإسلام
١٣٩- والآن وقد بيّنَّا أساس النظام الاجتماعي في الإسلام وما ترتَّب على هذا الأساس، نبيِّن خصائص هذا النظام أو معالمه البارزة، والواقع في خصائصه مشتقة من أساسه أو قائمة عليه، وهي كثيرة، أهما في نظرنا: مراعاة الأخلاق، والالتزام بمعاني العدالة، والعناية بالأسرة، وتحديد مركز المرأة، وتحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع، ونتكلم عن هذه الخصائص أو المعالم بإيجاز:
ألًا: مراعاة الأخلاق
١٤٠- قلنا فيما سبق: إنَّ للأخلاق منزلة رفعية جدًّا في الإسلام، ولها آثار ظاهرة في مختلف أنظمته، ومنها: النظام الاجتماعي، فهذا النظام يمتاز بحرصه الشديد على طهارة المجتمع ونظافته من القبائح والرذائل، فالزنى محرَّم وعقوبته الجلد والتغريب أو الرجم، والقذف -وهو رمي الغير بالزنى- محرَّمٌ وعقوبته الجلد لئلَّا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة، ولهذا كان عقابه غليظًا، ولكنَّه عادل، ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة، وبذاءة اللسان مثل السباب والشتم محظورة في الإسلام، وعقوبته التعزير، والقمار بأنواعه محرَّم في شرع الإسلام ولا يقره المجتمع الإسلامي، وشهادة الزرو من الكبائر في الإسلام، والتجسس والنميمة وكل ما يوقع العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع منكرات لا يقبلها النظام الاجتماعي في الإسلام، والمعاملات يجب أن تقوم على الطهر وحسن النية والأمانة، فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس، والمنكرات لا يجوز إقرارها في المجتمع أبدًا؛ لأنها كالجراثيم، إن بقيت انتشرت وصارت كالوباء، ولهذا يشدِّد الإسلام النكير على من يظهر هذه المنكرات أو يتكلم بها إذا جرَّه الشيطان، ويجعل إعلانها والتحدث بها جريمة ثانية، فقد جاء في الحديث: "أيها الناس، من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر
стр. 105
فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد".
وفي النظام الاجتماعي الإسلامي جملة من الوسائل الوقائية التي تقي المجتمع من الأسواء والمنكرات، وتسد المنافذ والثغرات في وجه الشيطان، وهذه الوسائل لازمة ولا يجوز تجاوزها، فلا يجوز للمرأة أن تخلو برجلٍ غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعيًّا على النحو الذي سنفصِّله فيما بعد، ومن مظاهر مراعاة الأخلاق في النظام الاجتماعي الإسلامي التوادد والتراحم والتعاطف بين أفراده، فإن الإسلام دعا إليها، وقد شبَّه رسول الله ﷺ حال المؤمنين في التراحم بمثل عظيم، فقد جاء في الحديث: "مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى"، وفي حديث آخر: "الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وفي حديث آخر: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس"، وفراغ القلب من معاني الرحمة علامة على شقوة الإنسان، جاء في الحديث: "لا تنزع الرحمة إلّا من شقي"، والشفقة على الصغار والأولاد من علامات عمارة القلب بالرحمة، جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄، وعنده الأقرع بين حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم واحدًا، فقال رسول الله ﷺ : "من لا يرحم لا يُرْحَم"، وفي القرآن الكريم في وصف صحابة رسول الله ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ، فالتراحم بين المؤمنين من الصفات الأصلية فيهم، وتجعل المجتمع الإسلامي كالأسرة الواحدة، والحق أنَّ مجتمعًا يصل فيه التراحم إلى هذا الحد لَمُجَتَمَعٌ سعيد حقًّا.
ومع الرحمة تعاون نظيف على الخير، وأيد كريمة تمتد إلى كل محتاج؛ لأنَّ الإسلام دعا إلى التعاون، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وهذا التعاون المطلوب يشمل الأسرة والجيران والأصحاب والرفيق في السفر والمنقطع والغريب، واليتيم والمسكين وكل ذي حاجة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
стр. 106
بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وفي السنة النبوية جملة من الأحاديث في باب التعاون، منها: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وفي الوصية بالجار المتضمنة إعانته ومساعدته: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، والتعاون المطلوب لا يقف عند حد إعانة المحتاجين والمعوزين، وإنما يتجاوزه إلى آفاق واسعة ومجالات مختلفة؛ لأنَّ دائرته أعمال الخير، وهي واسعة جدًّا، فالتعاون على تشييد مسجد، أو فتح مدرسة، أو إنشاء مستشفى، أو بناء قنطرة، أو طبع كتاب نافع يخدم الإسلام، والتعاون على إزالة منكر أو فساد أو ظلم أو صدٍّ عدوان، ونحو ذلك كله من التعاون المطلوب؛ لأنه تعاون على البر، ولا شكَّ أن شيوع التعاون بين أفراد المجتمع سيقضي على عوامل الأثَرَة والجفاء والحقد والقطيعة والبغضاء، ويعمِّر القلوب بالحب والود والشفقة، مما يجعل الحياة طيبة في هذا المجتمع الطيب؛ لأنَّها تقوم على الود والرحمة لا على البغض والقسوة.
ثانيًا: الالتزام بمعاني العدالة
١٤١- الالتزام بمعاني العدالة من أنواع الأخلاق الفاضلة، بل في ذروتها، وإنما أفردناها بالذكر لأهميتها ولتشعبها وتعدد مظاهرها، وبروزها في النظام الاجتماعي الإسلامي، ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه، بالدعوة إليه بصورة عامَّة أو خاصَّة، فمن الآيات التي تأمر بالعدل بصورة عامَّة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ ، ومن الآيات التي أمرت بالعدل في مسائل معينة، العدل في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، والعدل في الكتاب: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ، والعدل في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ ، والعدل في الكيل والوزن: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ، والحساب يوم القيامة يكون بالعدل، فلا تظلم نفس شيئًا، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ
стр. 107
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، وإذا ضممنا إلى هذه الآيات الناهية عن الظلم تبيِّنَ لنا أهمية العدل في الإسلام، حتى يمكن أن يقال دون مبالغة بأنَّ الإسلام هو دين العدالة في كل شيء، إنَّ تأكيد الإسلام على معاني العدل وضرورة الالتزام به والنهي عن الظلم وضرورة تجنبه، تترتَّب عليه نتائج خطيرة، وذلك أنَّ المجتمع الذي يشيع فيه العدل يحسّ أفراده بالاطمئنان على حقوقهم؛ لأنَّ القانون يكون مع المحق وإن كان ضعيفًا، لا مع المبطل وإن كان قويًّا، وبعكس ذلك إذا شاع الظلم وندر العدل أحسّ الأفراد بالقلق الدائم على حقوقهم، وزال عنهم الاطمئنان والاستقرار، وكان ذلك إيذانًا بدمار هذا المجتمع، وقد أشار الرسول ﷺ إلى أثر التفريط بالعدل، وكيف يؤدي بالأمة إلى الهلاك، فقد جاء في الحديث: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وتعليل هلاك الأمم بسبب الظلم أنَّ الظلم كالنار يحسّ بوطأتها المظلومون، فإذا شاع الظلم وغارت معاني العدل كثير الملظومون الذين لا يرون في هذ المجتمع حمايةً لهم ولا حفظًا لحقوقهم، وإما يرون فيه هضم حقوقهم، وهذا يجرّهم إلى عدم الاهتمام به وببقائه، وهذا قد يجرّهم حتى إلى المعاونة على هلاكه وإفنائه، وهذا بخلاف المجتمع العادل؛ حيث يحرص الأفراد على بقائه ورَدِّ الأعداء عنه؛ لأنهم يرونه كالبيت الذي يئويهم، فيكون هذا الحرب منهم عليه، وبذلك الجهد لبقائه سببًا لبقائه، ولهذا قيل: إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة، ومن أجل هذا كله قد قام المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام على معاني العدل والالتزام به، فما كان هناك ظلم ولا محاباة ولا إجحاف، وإنما كان هناك العدل الصارم الذي يتساوى أمامه الشريف والوضيع.
والقانون الإسلامي الذي يخضع له الجميع الخليفة ومن عداه، وقد ترتَّب على ذلك أنَّ الضعيف كان معه المجتمع بكل قوته ما دام محقًّا، ولا يضيره ضعفه؛ لأنَّ قوة المجتمع والقانون معه، وكان القوي لا تغني عنه قوته ما دام مبطلًا؛ لأنَّ قوة المجتمع والقانون ضده، ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: "القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له"، بل بلغت العدالة في المجتمع الإسلامي الأوَّل إلى حد الالتزام بالمساوة بين الخصوم في مجلس القضاء، حتى في نظرة
стр. 108
القاضي ونبرات صوته وكلامه، وفي قولٍ مأثور عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لقاضيه أبي موسى الأشعري: "سوِّ بين الخصمين في مجلسك وإشارتك وإقبالك"، ولما كان العدل والالتزام به من مقومات النظام الاجتماعي الإسلامي، فإن أيَّة شفاعة أو جهد يبذل لتعطيل سريان العدالة أو للإنحراف بها عن مجراها المستقيم يُعتَبر مما لا يجوز في شرع الإسلام، ولهذا لما سرَقت المرأة المخزومية وأهمَّ الناس أمرها، سألوا أسامة بن زيد أن يستشفع لها عند رسول الله ﷺ ، فلما فعل ذلك غضب الرسول ﷺ وقال له: "أتشفع في حَدٍّ من حدود الله"؟! ثم خطب ﷺ الناس وقال: "ما بال أقوام يشفعون في حَدٍّ من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم ... " إلى آخر الحديث الذي ذكرناها قبل قليل.
ثالثًا: العناية بالأسرة
١٤٢- الأسرة هي أساس كيان المجتمع؛ لأنَّ من مجموعها يتكوّن المجتمع، فهي بالنسبة له كالخلية لبدن الإنسان، ويترتَّب على ذلك أنَّ الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، ولهذا اعتنى النظام الاجتماعي الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة تظهر في الأحكام الكثيرة بشأنها، وأكثر هذه الأحكام وردت بها آيات القرآن الكريم يتعبَّد المسلمون بتلاوتها في صلاتهم وفي خارج صلاتهم، فضلًا عن الأحاديث النبوية الكريمة الواردة في موضوع الأسرة، وليس من شأننا هنا أن نفصِّل القول في أحكام الأسرة، فهذا أمر يطول ولا تتسع له دراستنا ولا هو مطلوبنا، وإنما يكفينا أن نشير إلى معالم التنظيم الإسلامي في موضوع الأسرة، وهو من صميم النظام الاجتماعي في الإسلام.
أ: الزواج
١٤٣- الزواج هو السبيل الطبيعي لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشري، وقد رغَّب فيه الإسلام وجعله من سننه، فقد جاء في الحديث الشريف: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغَضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، والغرض من الزواج إيجاد النسل وتكوين الأسرة الصالحة، جاء في الحديث: "امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
стр. 109
ب: إجراءات الزواج
١٤٤- وقد شرع الإسلام للزواج إجراءات معينة تشريفًا وتكريمًا لهذه العلاقة؛ علاقة الزواج، وأوّل هذه الإجراءات الخطبة، أي: طلب الرجل المرأة للزواج بالطرق المعروفة عند الناس، إذا كان من الجائز شرعًا أن يتزوجها، والغرض منها أن يعرف كلٌّ من الرجل والمرأة عن الآخر ما يجعله يقدم على النكاح أو يحجم عنه، ولهذا أباح الإسلام للخاطب أن يرى مخطوبته، ولكن لا يجوز الخلوة بها؛ لأنها لا تزال أجنبية عنه، والخلوة بالأجبنية حرام؛ لأن الخِطبة وعدٌ بالزواج وليس بعقد زواج، والمرغوب فيه في شرع الإسلام تخيُّر المرأة الصالحة، كما أن على المرأة أن تتخير الرجل الصالح، فإن صلاح الشخص وتقواه وخلقه أرجح في ميزان الشرع مما عدا ذلك من كثرة المال أو المنصب أو الجاه، وفي الحديث الشريف: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك"، والمرأة ذات الدِّين لها تأثير كبير جدًّا في صلاح الأسرة وتربية أبنائها على معاني الإسلام وحسن الأخلاق، ولذلك وجَّه أعداء الإسلام غارتهم على المرأة المسلمة لاستئصال ما في نفسها من معاني الخير والدين.
فإذا حصل الاتفاق أفرغ في عقد النكاح الشرعي القائم على الإيجاب والقبول، والمتضمِّن رضى الطرفين بحضور شهود عدول، تكريمًا لهذا العقد وتمييزًا له عن السفاح، ويستحب أن يكون المهر قليلًا لا كثيرًا؛ لأنه ليس ثمنًا للزوجة، ولكنه رمز التكريم للمرأة في عقد النكاح، وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على استحباب عدم المغالاة في المهر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الصداق -أي المهر- أيسره"، "أخف النساء صداقًا أعظمهنَّ بركة"، والواقع أن شيوع عادة المغالاة في المهور يجعل الراغبين في الزواج قلة، ويبقى الكثيرون عازفين عنه لعدم قدرتهم عليه، وهذا العزوف عن الزواج يجرُّ إلى مفاسد لا تخفى، والحقيقة أنَّ الإسلام بسَّط إجراءات النكاح وسهَّل الوصول إليه، فعقد النكاح يتمّ بإيجاب وقبولٍ كما قلنا، ولا يشترط له إجراءات شكلية معينة ولا تراتيل دينية ولا لغة معينة ولا مكان معين، وإنما يشترط له مع الإيجاب والقبول موافقة ولي المرأة؛ لأن عقد النكاح لا يهمّ المرأة وحدها، بل يهمّ وليها وعائلتها، والضرر الذي يحلقها بسبب سوء اختيارها ينسحب إلى عائلتها
стр. 110
وعلى رأسهم وليها كالأب والأخ، فمن العدل أن يكون للولي رأي مسموع في زواجها، كما يشترط حضور الشهود عند عقد النكاح؛ لكي يُعْرَف العقد ويشيع، وتحفظ حقوق المرأة، ويثبت مركزها القانوني كزوجة، وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، كما يشترط شرط آخر لصحة النكاح، وهو أن لا تكون المرأة محرَّمة على الرجل؛ كالأخت والخالة وسائر المحرمات.
ج- حقوق الزوجة:
١٤٥- ويترتب على عقد النكاح حقوق معينة للزوجة، منها: المهر، وهو حق خالص لها دون ذويها، ولا تكلف أن تشتري به جهازًا لها إلّا إذا رغبت هي؛ لأن تجهيز بيت الزوجية بما يلزمه من أثاث وفراش ونحوه من واجبات الزوج لا الزوجة، كما يترتَّب على عقد النكاح حق النفقة للزوجة على زوجها؛ لأنها متفرِّغة لشئون البيت وتربية الأطفال، فكان من العدل أن يقوم الزوج بالنفقة عليها؛ لأن كل واجب يقابله حق، وفي الحديث الشريف: "ولهن عليكم رزقهنَّ وكسوتهن بالمعروف"، وحق النفقة يبقى للزوجة ما دامت قائمة بواجباتها نحو زوجها، فلو خرجت على طاعته وتركت بيت الزوجية عُدَّت ناشز وسقطت نفقتها عنه مدة نشوزها، فإذا عادت عادت النفقة لها، وللزوجة على زوجها حق المعاملة بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "خيركم خيركم لأهله"، والإسلام يوصي بالصبر على المرأة، فلا ينبغي للزوج أن يتعجَّل إذا رأى منها ما يكره، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .
د- حقوق الزوج:
١٤٦- وكما للزوجة حقوق على زوجها فإنَّ له حقوقًا عليها، فالحقوق متقابلة بين الطرفين، فمن حقوقه طاعته بالمعروف؛ لأن القوامة له، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وقوامة الرجل على زوجته شيء طبيعي جدًّا ومقعول ولا بُدَّ منه؛ لأنَّ الحياة الزوجية شركة خطيرة، وكل شركة لا بُدَّ فيها من رئيس، فيكف بالعلاقة الزوجية التي تخص