← Адаб

Адаб · id 22623

التاج في أخلاق الملوك

الجاحظ

Полный текст (178 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجلٍ بعينه قط. وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحداً أغزر علماً من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثاً قط. وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلةً، وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟

стр. 107

وكان الشرقي بن الفطامي يعيد الحديث مراراً، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي فيستعيده.

стр. 108

وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في القابلة حتى يحفظه. ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعةً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أفكه مجلساً، ولا أعظم أبهةً وقدراً منه. وكان عيسى بن دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين.

стр. 109

ولم يكن هذا لأحدٍ. غير أنه يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ. وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده،

стр. 110

ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه. أمارات الذهاب من مجلس الملك ومن حق الملك، إذا تثاءب أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حالٍ فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره. وكان يستاسف إذا دلك عينيه، قام من حضره. وكان يزدجرد الأثيم إذا قال: شب بشد، قام سماره. وكان بهرام جور إذا قال: خرم خفتار، قام سمارة. وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء، قام سمارة. وكان سابور إذا قال: حسبك يا إنسان، قام سمارة.

стр. 111

وكان أنوشروان إذا قال: قرت أعينكم قام سمارة. وكان عمر بن الخطاب إذا قال: الصلاة، قام سمارة. وكان ينهى عن السمر بعد صلاة العشاء. وكان عثمان إذا قال: العزة لله!، قام سمارة. وكان معاوية إذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره. وكان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره. وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره. وكان الهادي إذا قال: سلام عليكم!، قام من حضره. وكان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره.

стр. 112

وكان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره. وكان الواثق إذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره. وكان المأمون إذا استلقى على فراشه، قام من حضره. غير أن بعض من ذكرنا كان ربما قام بجنسٍ آخر من الإشارة والكلام، وإنما أضفنا إلى كل واحدٍ منهم أغلب أفعاله كانت عليه. اغتياب الآخرين أمام الملك ومن حق الملك أن لا يعاب عنده أحد، صغر أو كبر غير أن من أخلاقها التحريش بين اثنين، والاغراء بينهما. فمن الملوك من يدبر في هذا تدبيراً يجب في السياسة؛ وذاك أنه يقال: قل إثنان استويا في منزلة عند الملك والجاه والتبع والعز والحظوة عند السلطان فاتفقا، إلا كان ذلك الاتفاق وهنأ على المملكة والملك، كانا، متى شاءا أن ينقصنا ما ابرم الملك ويحلا ما عقد، ويوهيا ما أكثر، قدراً على ذلك للاتفاق والمجامعة. ومتى انفصلا حتى يتباينا أو يتحاربا، كان تباينهما

стр. 113

أثبت في نظام الملك، وأوكد في عز المملكة. وكان متى أراد هذا شيئاً، أراد الآخر خلافه. فإذا تباينا في ذات أنفسهما، اجتمعا على نصيحة الملك، شاءا أم أبيا، وآثرها كل واحد منهما على هوى نفسه، وانتظم للملك تدبيره، وتم له أمره. ومن الملوك من لا يقصد إلى هذا، ولا يكون غرضه الإغراء بين وزرائه وبطانته لهذه العلة، بل ليعرف معايب كل واحدٍ منهما. فإن معرفة ذلك تقطع الوزير عن الانبساط في حوائجه، والتحسب على ملكه. آداب رسول الملك ومن الحق على الملك أن يكون رسوله صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيانٍ وعبارة، بصيراً بمخارج الكلام وأجوبته، مؤدياً لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة، لا يميل إلى طمع ولا طبع، حافظاً لما حمل. وعلى الملك أن يمتحن رسوله محنةً طويلةً، قبل أن يجعله رسولاً.

стр. 114

وكانت ملوك الأعاجم، إذا آثرت أن تختار من رعيتها من تجعله رسولاً إلى بعض ملوك الأمم، تمتحنه أولاً، بأن توجهه رسولاً إلى بعض خاصة الملك، ومن في قرار داره في رسائلها. ثم تقدم عيناً عليه، يحضر رسالته ويكتب كلامه. فإذا رجع الرسول الرسالة، جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته. فقابل بها الملك ألفاظ الرسول. فإن اتفقت أو اتفقت معانيها، عرف الملك صحة عقله، وصدق لهجته، ثم جعله الملك رسولاً إلى عدوه، وجعل عليه عيناً يحفظ ألفاظه ويكتبها، ثم يرفعها إلى الملك. فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك، وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يتزيد عليه للعداوة بينهما، جعله رسوله إلى ملوك الأمم، ووثق به. ثم كان بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة. وكان أردشير بن بابك يقول: كم من دمٍ قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمةٍ قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهدٍ قد نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه! وكان يقول: على الملك، إذا وجه رسولاً إلى ملك آخر، أن يردفه بآخر. وإن وجه رسولين، أتبعهما باثنين، وإن أمكنه أن لا يجمع بين رسولين في طريقٍ ولا ملاقاةٍ ولا يتعارفان فيتواطآ، فعل. ثم عليه، إن أتاه رسوله بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر، أن لا يحدث في ذلك خيراً أو شراً، حتى يكتب إليه مع رسول ربما حرم بعض ما أمل، فافتعل الكتب، وحرض المرسل على المرسل إليه، فأغراه به، وكذب عليه.

стр. 115

ويقال إن الأسكندر وجه رسولاً إلى بعض ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرفٍ منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد، إذا مالت. وقد جئتني برسالةٍ صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفاً ينقضها؛ أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه قاله. فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفاً حرفاً، ويعاد إلى الملك مع رسولٍ آخر، فيقرأ عليه ويترجم له. فلما قريء الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. وكتب إلى الإسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلاً. فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على كلمةٍ أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، جعلت ذلك ثأراً في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه.

стр. 116

احتياط الملك ومن أخلاق الملك أن يكون لمنامه في ليل ولا نهار موضع يعرف به، ولا حوى يقصد إليه؛ إذ كانت أنفس الملوك هي المطلوب غرتها، والموكل برعاية سنتها، وساعة غفلتها. ويقال إن ملوك آل ساسان لم يعرف مبيت أحد منهم قط، ولا مقيله. فأما أردشير بن بابك، وسابور، وبهرام، ويزدجرد، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، فكان يفرش للملك منهم أربعون فراشاً، في أربعين موضعاً، ليس منها فراش إلا ومن رآه من بعيد على الانفراد، لا يشك أنه فراش الملك خاصةً، وأنه نائم فيه. ولعله أن لا يكون على واحد منها، بل لعله ينام على مجلس رقيق، وربما توسد ذراعه، فنام. ولو لم يجب على ملوكنا حفظ منامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع، غلا النبي ﷺ ، فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته إياه، وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به، ويمتثلوا فعله. وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل، صلى الله عليهما، عن الله، جل ثناؤه، بذلك، فدعا علي بن أبي طالب ﵇، فأنامه على فراشه، ونام هو، ﷺ ، بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى فراشه، فنهض منه علي، انصرفوا عنه.

стр. 117

ففي هذا أكبر الأدلة، وأوضح الحجة على ما ذكرنا، إذ كانت أنفس الملوك هي الأنفس الخطيرة الرفيعة التي توزن بنفوس كل من أظلت الخضراء، وأفلت الغبراء. وكانت الأعاجم تقول: " لا ينبغي للملك أن يطلع على موضع منامه إلا الوالدان فقط؛ فأما من دونهما، فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب الحزم وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة، وأوقع في الهوينا. معاملة ابن الملك للملك ومن حق الملك أن يعامله ابنه كما يعامله عبده، وأن لا يدخل مداخله إلا عن أذنه، وأن يكون الحجاب عليه أغلظ منه على من هو دونه من بطانة الملك وخدمه، لئلا تحمله الدالة على غير ميزان الحق. فإنه يقال أن يزدجرد رأى بهرام ابنه بموضعٍ لم يكن له، فقال: مررت بالحاجب؟ قال: نعم. قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم. قال: فاخرج إليه واضربه ثلاثين سوطاً، ونحه عن الستر، ووكل بالحجابة أرادمرد. ففعل ذلك بهرام، وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة؛ ولم يعلم الحاجب فيم غضب الملك عليه. فلما جاء بهرام، بعد ذلك ليدخل،

стр. 118

أرادمرد في صدره دفعةً وقذه منها، وقال: إن رأيتك بهذا الموضع ثانيةً، ضربتك ستين سوطاً: ثلاثين منها لجنايتك على الحاجب أمس، وثلاثين لئلا تطمع في الجناية علي. فبلغ ذلك يزدجرد، فدعا أرادمرد، فخلع عليه وأحسن إليه. ويقال أن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب. فكان إذا أراد الدخول عليه قال: يا جارية! انظري هل تحرك أمير المؤمنين. فجاءت الجارية مرة حتى فتحت الباب، فإذا معاوية قاعد، وفي حجره مصحف، وبين يديه جارية تصفح عليه. فأخبرت يزيد بذلك. فجاء يزيد، فدخل على معاوية. فقال له: أي بني! إني إنما جعلت بيني وبينك باباً، كما بيني وبين العامة. فهل ترى أحداً يدخل من الباب إلا بإذنٍ؟ قال: لا قال: فكذلك فليكن بابك! فإذا قرع عليك فهو إذنك. وهكذا ذكر لنا أن موسى الهادي دخل على أمير المؤمنين المهدي، فزبره، وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا أن يفتح بابك! وذكر لنا أن المأمون لما استعر به الوجع، سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله! ما إلى ذلك سبيل. ولكن إن شئت أن تراه من

стр. 119

حيث لا يراك، فاطلع عليه من ثقبٍ في ذلك الباب. فجاء حتى اطلع عليه، وتأمله، ثم انصرف. وذكر لنا أن إيتاخ بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضعٍ لم يكن له أن يقف فيه، فزبره، وقال: تنح! فوالله لولا أنى لم أتقدم إليك في ذلك، لضربتك مائة عصاً. وليس لابن الملك من الملك إلا ما لعبده من الاستكانة والخضوع والخشوع، ولا له أن يظهر دالة الأبوة وموضع الوراثة. فإن هذا إنما يجوز في النمط الأوسط من الناس، ثم الذين يلونهم. فأما الملوك، فترقى عن كل شيء يمت به. وليس لابن الملك أن يسفك دماً، وإن أوجبت الشريعة سفكه، وجاءت الملة

стр. 120

به، إلا عن إذن الملك ورأيه، لأنه متى تفرد بذلك، كان هو الحاكم دون الملك. وفي هذا وهن على الملك، وضعف في المملكة. وكذلك ليس له أن يحكم في الحلال والحرام والفروج والأحكام، وإن كان ولي عهد الملك، والمقلد إرث أبيه، والمحكوم له بالطاعة، إلا عن أمره ورأيه. وليس له، إذا جمعته والملك دار واحدة، أن يأكل إلا بأكل الملك. ولا أن يشرب إلا بشربه، ولا أن ينام إلا بمنامه. وكذا يجب عليه، في كل شيء من أموره السارة والضارة أن يكون له تابعاً، ولحركته تالياً. وليس هذا على من دون ابن الملك من بطانته وسائر رعيته. لأن ابن الملك عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه، والملك اصل، والابن فرع، والفرع تابع للأصل، والأصل مستغنٍ عن الفرع. وليس لابن الملك أن يرضى عمن سخط عليه الملك، وإن كان المسخوط عليه لا ذنب له عنده، لأن من العدل والحق عليه أن يوالي من والى الملك، ويعادي من عاداه. ولا ينظر في هذا إلى خط نفسه، وارادة طبعه، حتى يبلغ من حق الملك ما أن وجد إلى غيلته سبيلاً أن يقتله، وعلى هذا ينبغي أن يكون نظام العامة لملكها.

стр. 121

شهوة الاستبدال لدى الملك: وقد تحدث في أخلاق الملك ملالة لشهوة الاستبدال فقط. فليس لصاحب الملك، إذا أحدث الملك خلقاً، أن يعارضه بمثله، ولا إذا رأى نبوةً وازورارةً، أن يحدث مثله، فإنه متى فعل ذلك فسدت نيته، ومن فسدت نيته عادت طاعته معصيةً، وولايته عداوةً. ومن عادى الملك، فنفسه عادى، وإياها أهان. ولكن عليه، إذا أحدث الملك الخلق الذي عليه بنية أكثر الملوك، أن يحتال في صرف قلبه إليه. والحيلة في ذلك يسيرة: إنما هو يطلب خلوته، فيلهيه بنادرةٍ مضحكة، أو ضرب مثلٍ نادرٍ، أو خيرٍ كان عنه مغطى، فيكشفه له. كما فعل بعض سمار ملوك الأعاجم: أظهر الملك له جفوة الملالة فقط، فلما رأى ذلك، تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وصياح الديوك، وشحيج البغال، وصهيل الخيل. ثم احتال حتى دخل موضعاً يقرب من مجلس الملك وفراشه يخفي أمره. فنبح نباح الكلاب، فلم يشك الملك أنه كلب وابن كلب. فقال: انظروا ما هذا؟ فعوى عواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره. فنهق نهيق الحمار، ومر الملك هارباً. وجاء غلمانه يتبعون الصوت، فلما دنوا منه، أحدث معنىً آخر، فأحجموا عنه. ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه، فأخرجوه وهو عريان مختبئ. فلما نظروا إليه، قالوا للملك:

стр. 122

هذا مازيار المضحك! فضحك الملك حتى تبسط، وقال: ويلك! ما حملك على هذا؟ قال: إن الله مسخني كلباً وذئباً وحماراً، لما غضب علي الملك. فأمر أن يخلع عليه، ويرد إلى موضعه. وهذا لا يفعله إلا أهل الطبقة السفلى. فأما الاشراف، فلهم حيل غير هذه، مما يشبه أقدارهم. كما فعل روح بن زنباع، وكان أحد دهاة العرب. رأى من عبد الملك بن مروان نبوةً وإعراضاً. فقال للوليد: ألا ترى ما أنا فيه من إعراض أمير المؤمنين عني بوجهه، حتى لقد فغرت السباع أفواهها نحوي، وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد: احتل في حديث يضحكه! فقال روح: إذا اطمأن بنا المجلس، فسلني عن عبد الله بن عمر، هل كان يمزح أو يسمع مزاحاً؟ فقال الوليد: أفعل. وتقدم، فسبقه بالدخول، وتبعه روح. فلما اطمأن بهم المجلس، فقال الوليد لروح: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ قال: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن هجته فقالت:

стр. 123

ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت ليلك أيما قمر أنفقت مالك غير محتشمٍ ... في كل زانيةٍ وفي الخمر! قال: وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين، وهما في رقعة، فخرج بهما، فإذا هو بعبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! انظر في هذه الرقعة، وأشر علي برأيك فيها. فلما قرأها، استرجع عبد الله. فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا؟ قال عبد الله: أرى أن تصفو وتصفح! قال: والله، يا أبا عبد الرحمن، لئن لقيت قائلها لأنيلنه نيلاً جيداً! فأخذ ابن عمر أفكل واربد لونه، وقال: ويلك، أما تستحي أن تعصي الله؟ قال: هو والله ما قلت لك! وافترقا. فلما كان بعد ذلك بأيام، لقيه فأعرض ابن عمر بوجهه. فقال: بالقبر ومن فيه، إلا ما سمعت كلامي! فتحوب عبد الله، فوقف وأعرض عنه بوجهه. فقال: علمت، يا أبا عبد الرحمن، أني لقيت قائل ذلك الشعر فنلته؟ فصعق ابن عمر، ولبط به. فلما رأى ما حل به، دنا من أذنه فقال: إنها امرأتي. فقام ابن عمر، فقبل ما بين عينيه. فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال: قاتلك الله، يا روح! ما أطيب حديثك! ومد إليه يديه، فقام روح فأكب عليه، وقبل أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين، ألذ نبٍ فأعتذر،

стр. 124

أم لملالةٍ فأرجو عاقبتها؟ قال: لا والله! ما ذاك من شيء نكرهه. ثم عاد له أحسن حالاً. ونحو هذا يحكى عن جرير بن الخطفي، حين دخل على عبد الملك، وقد أوفده إليه الحجاج، وقال لجرير: كن في آخر من يدخل. فلما دخل جرير، قال محمد: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي، مادحك وشاعرك. قال جرير: فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاد مديحه؟ قال: هات بالحجاج! قال: فقلت: بل بك، يا أمير المؤمنين! قال: هات في الحجاج. فأنشدته قولي في الحجاج: صبرت النفس يا ابن أبي عقيلٍ ... محافظةً، فكيف ترى الثوابا؟ ولو لم ترض ربك، لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا، إذا سعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا. فقال: صدقت، هو كذلك! ثم قال للأخطل، وهو خلفي، وأنا لا أراه: قم فهات

стр. 125

مديحنا! فقام، فأنشده، فأجاد، وأبلغ. فقال: أنت شاعرنا، وأنت مادحنا؛ قم فاركبه! فألقى النصراني ثوبه، وقال: جب، يا ابن المراغة قال: وساء ذلك من حضر من المضرية، وقالوا: يا أمير المؤمنين، لا يركب الحنيف المسلم، ولا يظهر عليه. فاستحيا عبد الملك، وقال: دعه! قال: فانصرف أخزى خلق الله حالاً، لما رأيت من إعراض أمير المؤمنين عني، وإقباله على عدوي، حتى إذا كان يوم الرواح للوداع، دخلت لأودعه، فكنت آخر من دخل عليه. فقال له محمد بن الحجاج: يا أمير المؤمنين، هذا جرير، وله مديح في أمير المؤمنين! فقال: لا، هذا شاعر الحجاج. قلت: وشاعرك، يا أمير المؤمنين! قال: لا. فلما رأيت سوء رأيه، أنشأت أقول: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... فقال: ذاك فؤادك! ثم أنشدته، حتى بلغت البيت الذي سره، وهو قولي: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟ فاستوى جالساً، وكان متكئاً، فقال: بلى نحن كذلك، أعد. فأعدت، فأسفر لونه،

стр. 126

وذهب ما كان في قلبه، ثم التفت إلى محمد بن الحجاج، فقال: ترى أم حزرة ترويها مائة من الإبل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! إن كانت من فرائض كلبٍ، فلم تروها فلا أرواها الله! قال: فأمر لي بمائة فريضة. ومددت يدي، وبين يديه صحاف أربعة من فضةٍ قد أهديت إليه، فقلت: المحلب، يا أمير المؤمنين! فأخذت منها واحدة، فقال: خذها، لا بورك لك فيها. قلت: كل ما أخذت من أمير المؤمنين مبارك لي فيه. وهكذا فعل بالأمس عبد الملك بن مهلهل الهمداني، وكان سليمان ابن أبي جعفر قد جفاه. فأتاه يوماً في قائم الظهيرة، والهجيرة تقد. فاستأذنن فقال له الحاجب: ليس هذا بوقت إذنٍ على الأمير. فقال له: أعلمه بمكاني. فدخل عليه، فأعلمه، فقال له: مره يسلم قائماً ويخفف! فخرج الحاجب، فأذن له، وأمره بالتخفيف. فدخل، فسلم قائماً، ثم

стр. 127

أمسيت فبينا أنا في الطريق، إذا بمؤذن قد ثوب بصلاة المغرب على مسجد معلق. فصعدت، ثم صعدت، ثم صعدت.. قال سليمان: فبلغت السماء، فكان ماذا؟ قال: فتقدم إنسان، إما كريجي وإما سنيدي وإما طمطماني. فأم القوم، فقرأ بكلامٍ لم افهمه، ولغةٍ ما أعرفها، فقال: ويل لكل هره زمأ مالاً وعدده يريد: " ويل لكل همزةٍ لمزة الذي جمع مالاً وعدده ". قال: وإذا خلفه رجل سكران ما يعقل سكراً، فلما سمع قراءته، ضرب بيديه ورجليه وجعل يقول: إيرعكي دركلي! إيرعكي دركلي في حرم قاريك! فضحك سليمان، ثم تمرغ على فراشه، وقال: ادن مني يا أبا محمد، فأنت أطيب أمة محمد! ثم دعا بخلعة، وقال: إلزم الباب، واغد في كل يومٍ. وعاد إلى أحسن حالاته عنده. وهذه أخلاق الملوك لمن فهمها. وليس بعجب أن تتلون أخلاقهم، إذ كنا نرى أخلاق القرين المساوي، والشريك والإلف تتلون ولا تستوي، ولعله يجد عن إلفه

стр. 128

وقرينه وشكله، مندوحةً. فكيف بمن ملك الشرق والغرب، والأسود والأبيض، والحر والعبد، والشريف والوضيع، والعزيز والذليل. صلاح الجفوة في التأديب وعلى أنه ربما كانت جفوة الملك أصلح في تأديب الصاحب من اتصاله بالأنس، وإن كان ذلك لا يقع بموافقة المجفو، لأن فيها فراغ المجفو لنفسه، وتخلصه لأمره، ولما كان لا يمكنه الفراغ له من مهم أمره. وفيها أيضاً أنه إن كان المجفو من أهل السمر، وأصحاب الفكاهات، فبالحرى أن يستفيد بتلك الجفوة علماً طريفاً محدثاً له بالكتب ودراستها أو بالمشاهدة والملاقاة، وربما كان لا يمكنه قبل ذلك، وهو في شغله. ومنها أن جفوة الملك ربما أدبت الصاحب الأدب الكبير. وذاك أنه كل من أنفس الملك مجلسه، وطال معه قعوده، وبه أنسه تمنى الفراغ، وطلبت منه نفسه التخلص والراحة والخلوة لإرادة نفسه. كما أنه من كثر فراغه وقل أناسه، جفي واطرح، وطلب الشغل والأنس وما أشبه ذلك. فبهذه الأخلاق ركبت الفطر، وجبلت النفوس. فإذا جاءه الفراغ الذي كان يطلبه ويتمناه من الجهة التي لم يقدرها، طلبت نفسه الموضع الذي يمله، والشغل الذي كان يهرب منه.

стр. 129

ومنها أنه كان في عز ومنعةٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وكان مرغوباً إليه، مرهوباً منه، ثم لما حدثت جفوة الملك، أنكرها ما كان يعرف، وعصاه من كان له مطيعاً، وجفاه من كان به براً. ومنها أن جفوة الملك تحدث رقة على العامة، ورأفةً بهم، وتحدث للمجفو حسن نيةٍ. ومنها أن الرضى، إذا كان يعقب الجفوة، وجب على المجفو شكر الله تعالى على ما ألهم الملك فيه، فتصدق وأعطى، وصام وصلى. فكل شيءٍ من أمر الملك حسن في الرضا والسخط، والأخذ والمنع، والبذل والإعطاء، والسراء والضراء. غير أنه يجب على الحكيم المميز أن يجهد بكل وسع طاقته أن يكون من الملك بالمنزلة بين المنزلتين. فإنها أحرى المنازل بدوام النعمة، واستقامة الحال، وقلة التنافس، ومصارعة أهل الحسد والوشاة. صفات المقربين من الملك وليس من أخلاق الملك أن يدني من عظم قدره، واتسع علمه، وطاب مركبه، أو ظهرت أمانته، أو كملت آدابه.

стр. 130

وهذه الصفات هي جنس آخر يحتاج الملك إلى أصحابه ضرورة، لحاجته من القضاة إلى الفقه والأمانة، وحاجته من الطبيب إلى الحذق بالصناعة والركانة، وحاجته من الكاتب تحبير الألفاظ، ومعرفة مخارج الكلام، والإيجاز في الكتب، وما أشبه ذلك. فأما القرناء والمحدثون وأصحاب الملاهي ومن أشبههم، فكل من دنا منهم من الملك، وعلق به، كائناً من كان، ومن حيث كان. وكذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها. وفيما يذكر عن أنوشروان انه قال: صاحبك من علق بثوبك. وكذا وجدنا في أمثال كليلة ودمنة أن الملك مثل الكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه. وقد نجد مصداق ذلك عياناً في كل دهر، وأخبار كل زمان.

стр. 131

سخاء الملك وحياؤه ومن أخلاق الملك الكرم والسخاء. فهما قرينا كل ملكٍ كان على وجه الأرض. ولو قال قائل إنهما ركبا في الملوك كتركيب الأعضاء والجوارح، كان له أن يقول؛ إذ كنا لم نشاهد، ولم يبلغنا عمن مضى من الملوك، ملوك العجم ومن كان قبلهم، وملوك الطوائف وغيرهم، القحة والبخل. فأما السخاء، فلو لم يكن أحد طبائع الملوك، كان يجب أن يكون باكتسابٍ إن كان الملك من أهل التمييز؛ وذلك انه يفيد أكثر مما ينفق. فإذا كانت هذه صفة كل ملك، فما عليه من اتخاذ الصنائع، وعم المنن، والإحسان إلى من نأى عنه أو دنا منه من أو ليائه، والرحمة للفقير والمسكين، والعائدة إلى أهل الحاجة. وأما الحياء، فهو من أجناس الرحمة. وحقيق للملك، إذ كان الراعي، أن يرحم رعيته؛ وإذ كان الإمام، أن يرق على المؤتم به، وإذ كان المولى، أن يرحم عبده. فقد تخطي العامة، وكثير من الخاصة، في الملوك، حتى يسمونهم بغير أسمائهم، ويصفونهم بغير صفاتهم، وينحلونهم البخل والإمساك، إذا رأوا الملك على سننٍ من

стр. 132

القصد، وعدلٍ من حد الإنفاق، ويغفلون عما أدب الله تعالى به نبيه ﷺ ، بقوله : " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ". وبمدحه الصالحين من عباده بالقصد في ذات أيديهم، بعلمهم أن أرضى الأحوال عنده، ما دخل في باب الاقتصاد، بقوله: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ". وقد ذكر بعض من لا يعلم، في كتاب ألفه في البخلاء من الملوك، أن هشام بن عبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، وأبا جعفر المنصور وغيره منهم. ولولا أنا

стр. 133

احتجنا إلى الأخبار عن جهل هذا، لم يكن لذكره معنى، ولا للتشاغل بالرد عليه. وكيف يكون المنصور ممن دخل في جملة هذا القول، ولا يعلم أن أحداً من خلفاء الإسلام، ولا ملوك الأمم، وصل بألف ألفٍ لرجلٍ واحدٍ غيره! ولقد فرق على جماعة من أهل بيته عشرة آلاف ألف درهم. ذكر ذلك الهيثم بن عدي والمدايني. وحدثني بعض أصحابنا عن أبيه عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي،

стр. 134

فقال: يا زيد! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: كم خلف أبو يزيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها. قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتها الحرة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟ قلت: ستاً! فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب المهدي. فغدوت، فقيل لي: معك بغال؟ فقلت: لم أؤمر بإحضار بغلٍ ولا غيره، ولا أدري لم دعيت. قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع لكل واحدةٍ من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ففعلت. ثم دعاني المنصور فقال: قبضت ما أمرنا به لبنات أبي يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: أغد علي بأكفائهن، حتى أزوجهن

стр. 135

منهم. قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيكٍ من بني عمهن. فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن يجعل صداقهن من ماله. وأمرني أن أشتري بما أمر لهن ضياعاً يكون معاشهن منها. فلما سمع هذا الجاهل المائن بمثل هذه المكارم لعربي أو أعجمي! ولو أردنا أن نذكر محاسن المنصور على التفصيل والتقصي، لطال بها الكتاب، وكثرت فيه الأخبار. وقلما استعملت العامة وكثير من الخاصة التمييز، إيثاراً للتقليد. إذ كان أقل في الشغل، وأدل على الجهل، وأخف في المؤونة. وحسبك من جهل العامة أنها تفضل السمين على النحيف، وإن كان السمين مأفوناً، والنحيف ذا فضائل؛ وتفضل الطويل على القصير، لا للطول ولكن لشيء آخر لا ندري ما هو، وتفضل راكب الدابة على راكب البغل، وراكب البغل على راكب الحمار، اقتصاراً على التقليد إذ كان أسهل في المأتى، وأهون في الاختيار. اعتلال الملك ومن حق الملك إذا اعتل، أن لا تطلب خاصته الدخول عليه في ليل ولا نهار، حتى يكون هو الذي يأمر بالإذن لمن حضر، وأن لا يرفع إليه الحاجب أسماءهم

стр. 136

مبتدئاً، حتى يأذن له. فإذا أذن له بالدخول، فمن حقه أن لا تدخل عليه الطبقة العالية مع التي دونها، ولا يدخل عليه من هذه الطبقة جماعة، ومن غيرها جماعة. ولكن على الحاجب أن يحضر الطبقات الثلاث كلها أو من حضر منها، ثم يأذن للعليا جملةً. فإذا دخلت، قامت بحيث مراتبها، فلم تسلم عليه، فتحوجه إلى رد السلام، فإذا علمت أنه قد لاحظها، دعت له دعاءً يسيراً موجزاً، ثم خرجت. ودخلت التي تليها، فقامت على مراتبها أقل من قيام الأولى، ودعت دعاءً أقل من دعاء الأولى، ثم دخلت بعدهما الثالثة، فكان حظها أن يراها فقط. وليس من عادة الملوك وقوف هذه الطبقة الثالثة، تتأمل الملك، وتدعو له، وتنظر إليه. وإنما مراتبها أن يراها فقط. ومن حق الملك أن لا ينصرف أحد من هذه الطبقات إلى رحله إلا في اليوم الذي كان فيه ينصرف في صحة الملك. وبالحرى ينبغي أن يبرح فناءً سيده ومالكه، انتظاراً لإفاقته من علته، وفحصاً عن ساعات مرضه. جوائز البطانة ومن الحق على الملك تعهد بطانته وخاصته بجوائزهم وصلاتهم، إن كان ذلك يكون مشاهرةً أو مساناةً. ومن أخلاق الملك أن يوكل باد كاره صلاتهم، ولا يحوج أحداً منهم إلى رفع رقعةٍ أو إذكار أو تعريضٍ. فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظ من الملوك.

стр. 137

وكانت ملوك آل ساسان يفعلون في هذا فعلاً بقي لهم ذكره إلى هذه الغاية، وإلى انقضاء مدة العالم. فكان الملك منهم يقدر الرجل من خاصته وبطانته تقديراً وسطاً بين الإسراف والاقتصاد في مؤنة كلها، وحوائجه خاصها وعامها، فإذا كان التقدير على الجهة التي وصفنا، عشرة آلاف درهم في الشهر، وكانت للرجل ضيعة، أمر أن يدفع إليه في كل ثلاثين ليلة عشرة آلاف درهم، لأنزاله ونفقاته وحوائجه. ويقول له الملك: قد علمنا أن الضيعة التي أفدتها هي مما تقدم من صلاتنا لك، وقد تسلفنا شكر تلك النعمة منك، وليس من العدل أن تكون في خدمتنا، وتكون نفقتك من شيء أفدته بشكرٍ قد تقدم، وحرمة قد تأكدت. فليكن ما أثمرت لك ضيعتك ظهرياً لنوائب الزمان، وتخرم الأيام، وانقلاب الدول، وحوادث الموت، ولتكن مؤنك وكلفك على خاص أموالنا. وكذلك الطبقات على هذا النظام والإحكام، فيمضي على أحدهم عشرون سنة لا يفتح فاه بطلب درهم ولا غيره، منبسطاً لزمانه، مبتهجاً بنعم ملكه، مسروراً بما يكفي عن التذكار وشكوى الحال.

стр. 138

هدايا المهرجان والنيروز ومن حق الملك هدايا المهرجان والنيروز. والعلة في ذلك أنهما فصلا السنة. فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إذن بدخول فصل الحر. إلا أن في النيروز أحوالاً ليست في المهرجان؛ فمنها استقبال السنة، وافتتاح الخراج، وتولية العمال، والاستبدال، وضرب الدراهم والدنانير، وتذكية بيوت النيران، وصب الماء، وتقريب القربان، وإشادة البنيان، وما أشبه ذلك. فهذه فضيلة النيروز على المهرجان. ومن حق الملك أن يهدي إليه الخاصة والحامة. والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه، إذا كان في الطبقة العالية. فإن كان يحب المسك، أهدي مسكاً لا غيره. وإن يحب العنبر،

стр. 139

أهدى عنبراً. وإن كان صاحب بزة ولبسة، أهدى كسوةً وثياباً، وإن كان الرجل من الشجعاء والفرسان، فالسنة أن يهدي فرساً أو رمحاً أو سيفاً. وإن كان رامياً، فالسنة أن يهدي نشاباً. وإن كان من أصحاب الأموال، فالسنة أن يهدي ذهباً أو فضةً. وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه موانيذ للسنة الماضية، جمعها وجعلها في بدرٍ حريرٍ صيني، وشريحات فضة، وخيوط إبريسم، وخواتيم عنبر، ثم وجهها.

стр. 140

وكذلك، إنما كان يفعل من العمال من أراد أن يتزين بفضل نفقاته أو بفضل عمالته أو أداء أمانته. وكان يهدى الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة والباكورة من الخضروات. وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين إلى الملك ما يؤثرنه ويفضلنه كما قدمنا في الرجال. غير أنه يجب على المرأة من نساء الملك، إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن تهديها إليه بأكمل حالاتها، وأفضل زينتها، وأحسن هيآتها. فإذا فعلت ذلك، فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه، ويخصها بالمنزلة، ويزيدها في الكرامة، ويعلم أنها قد آثرته على نفسها، وبذلت له مالا تجود النفس به، وخصته بما ليس في وسع النساء، إلا القليل منهن، الجود به. ومن حق البطانة والخاصة على الملك، في هذه الهدايا، أن تعرض عليه، وتقوم قيمة عدل. فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أثبتت في ديوان الخاصة. فإن كان صاحبها ممن يرغب في الفضل، ويذهب إلى الربح، ثم نابته نائبة من مصيبةٍ يصاب بها أو بناءٍ يتخذه، أو مأدبةٍ يأدبها، أو عرسٍ يكون من تزويج ابنٍ، أو إهداء ابنةٍ إلى بعلها، نظر إلى ماله في الديوان وقد وكل بذلك رجل يرعى هذا وما أشبهه ويتعهده، فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أضعفت له ليستعين بها على نائبته.

стр. 141

وإن كان الرجل ممن أهدى نشابةً أو درهماً أو تفاحةً أو أترجة، فإن تلك الهدية إنما قدمها لتثبت له في الديوان، ويخبر الملك إن نابته نائبة. فعلى الملك إعانته عليها، إذا كان من أساورته وبطانته أو محدثيه. فإذا رفع للملك أن له في الديوان نشابةً أو درهماً أو أترجةً أو تفاحةً، أمر الملك أن تؤخذ أترجة، فتملأ دنانير منظومة ويوجه بها إليه. وكان لا يعطي صاحب التفاحة إلا كما يعطي صاحب الأترجة، وأما صاحب النشابة، فكانت تخرج نشابته من الخزانة، وعليها اسمه، فتنصب ويوضع بإزائها من كسوة الملك ومن سائر الكساء. فإذا ارتفعت حتى توازي نصل النشابة، دعي صاحبها، فدفعت إليه تلك الكسوة. وكان من تقدمت له هدية في النيروز والمهرجان، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت، ثم لم يخرج له من الملك صلة عند نائبه تنوبه أو حقٍ يلزمه، فعليه أن يأتي ديوان الملك ويذكر بنفسه، وأن ر يغفل عن إحياء السنة ولزوم الشريعة. وإن غفل عن أمره بعارضٍ يحدث، فإن ترك ذلك على عمدٍ، فمن سنة الملك أن يحرمه أرزاقه لستة أشهر، وأن يدفعها إلى عدو، إن كان له. إذ أتى شيئاً فيه شين على الملك، وضعة في المملكة. وكان أردشير بن بابك، وبهرام جور، وأنوشروان يأمرون بإخراج ما في خزانتهم في المهرجان والنيروز من الكسى فتفرق كلها على بطانة الملك وخاصته، ثم على سائر الناس على مراتبهم. وكانوا يقولون: إن الملك يستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة الشتاء في الصيف، وليس من أخلاق الملوك أن تخبأ كسوتها في خزائنها، فتساوي العامة في فعلها.

стр. 142

فكان يلبس في يوم المهرجان الجديد من الخز والوشي والملحم. ثم تفرق كسوة الصيف على ذكرنا. فإذا كان يوم النيروز، لبس خفيف الثياب ورقيقها، وأمر بكسوة الشتاء كلها ففرقت. ولا نعلم أن أحداً بعدهم اقتفى آثارهم إلا عبد الله بن طاهر، فإني سمعت من محمد بن الحسن بن مصعب يذكر أنه كان يفعل ذلك في النيروز والمهرجان، حتى لا يترك في خزائنه ثوباً واحداً إلا كساه. وهذا من أحسن ما حكي لنا من فضائله. لهو الملوك وشربهم ومن أخلاق الملوك اللهو. غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتاً واحداً، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، حتى يجعله جداً لا هزل فيه، وحقاً لا باطل معه، وخلقاً لا يمكنه الانصراف عنه. وليس هذا صفة الملك السعيد. ومن أدمن شيئاً من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم المشتاق. وهذا قد نراه عياناً. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديدٍ، وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان بعقب التعب والسهر.

стр. 143

وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا. فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتاً واحداً من اليوم والليلة، لهذه الفضيلة التي فيها. فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقساماً: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه وشغله. وأن لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به. وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيامٍ يوماً، إلا بهرام جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم. وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في كل يومٍ وليلةٍ، مرةً. وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخموراً. وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرةً، حتى لا يعقل في السماء هو

стр. 144

أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر. غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي المنة. وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوماً، ويدع يوماً. وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليالٍ، ليلةً. ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ولا سمع غناءً. وكان هشام يسكر في كل جمعة. وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمارٍ؛ ولا يوجد أبداً إلا ومعه إحدى هاتين. وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت. وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت.

стр. 145

وكان المهدي والهادي يشربان يوماً، ويدعان يوماً. وكان الرشيد يشرب ظاهراً، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه. وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي. وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة. وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها. لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك من كان لا يلبس القميص إلا يوماً واحداً أو ساعةً واحدةً. فإذا نزعه، لم يعد إلى لبسه. ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أياماً، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم يلبسه بعد. فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان،
следующие страницы →