Полный текст (178 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
على راضة الملك وصاحب دوابه. وكان كل واحدٍ منهم لا يأمن أن يدعو به الملك للمسايرة والمحادثة، فيحتاج إلى معاناة دابته لبلادةٍ أو كثرة نفورٍ أو عثارٍ أو جماحٍ، فيكون على الملك من ذلك بعض ما يكره. وكان الرائض يمتحن دابةً دابةً من دواب هؤلاء العظماء. فما اختار منها ركب، وما نفى أرجيء.
وأيضاً إن من حق الملك، إذا سايره واحد، أن لا تروث دابته ولا تبول ولا تتحصن ولا تتشغب، ولا يطلب المحاذاة لسير دابة الملك، وإن أراد ذلك منعه راكبه.
مسايرة الموبذ لقباذ
وفيما يحكى عن ملوك الأعاجم أن قباذ، بينا هو يسير والموبذ يسايره، إذ راثت دابة الموبذ، وفطن لذلك قباذ. فاغتم الموبذ بذلك، فقال له في كلام بينهما: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل، أيها الموبذ؟ فقال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك.
فضحك قباذ حتى افتر عن نواجذه، وقال: لله أنت! ما أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما قدمك الملوك، وجعلوا أزمة أحكامهم في يدك!.
ووقف، ثم دعا بدابة من خاص مراكبه، فقال له: تحول عن ظهر هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك.
стр. 72
مسايرة شرحبيل لمعاوية
وهكذا يحكى عن معاوية بن أبي سفيان، بينا هو يسير وشرحبيل ابن السمط يسايره، إذ راثت دابة شرحبيل؛ فقال معاوية: يا أبا يزيد! إنه يقال إن الهامة إذا عظمت، دلت على وفور الدماغ، وصحة العقل. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة، وعقلي ضعيف ناقص.
فتبسم معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعير. فضحك معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعيرٍ. فضحك معاوية، وقال: أفحشت، وما كنت فاحشاً! وحمله على دابة من مراكبه.
стр. 73
فليتنكب من يساير الملوك ما يقذي أعينهم بكل جهده. فإن لمسايرتهم شروطاً يجب على من طلبها أن يستعملها ويتحفظ فيها. وقلما حظي أحد بمسايرة ملك حتى يكون قلبها مقدمات يجب بها الخطوة.
فأما نفس المسايرة للملك المتصلة، فإن الأعاجم كلها كانت تتطير منها وتكرها. وأيضاً فإن الملك لم يكن يثابر على مسايرة أحد من بطانته بعينه، لما كان يعلم من طيرتهم من ذلك، وكراهتم له.
صاحب الشرطة والهادي
ويقال إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى أمير المؤمنين، وعبد الله بن
стр. 74
مالك الخزاعي أمامه، والحربة في يده، فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى، وعبد الله لا يشعر بذلك، وموسى يحيد عن سنن التراب، وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موسى وموضعه، فيطلب أن يحاذيه؛ فإذا حاذاه، ناله من ذلك التراب ما يؤذيه. حتى إذا كثر ذلك من عبد الله، ونال موسى أذى ذلك التراب، قال لسعيدٍ: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! والله ما قصر في الاجتهاد، ولكنه حرم حظ التوفيق.
ما قاله عبد الله بن الحسن للسفاح: وفيما يذكر عن عبد الله بن حسن أنه بينا هو يساير أبا العباس السفاح، بظاهر مدينة
стр. 75
الأنبار، وهو ينظر إلى بناء قد بناه، فقال أبو العباس له: هات ما عندك، يا أبا محمد!، وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه، فأنشده:
ألم تر مالكاً لما تبنى ... بناءً نفعه لبني بقيله؟
يرجي أن يعمر عمر نوحٍ ... وأمر الله يحدث كل ليله!
فتبسم أبو العباس كالمغضب، وقال: لو علمنا، لاشترطنا حق المسايرة! فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخواطر وإغفال المشايخ! قال: صدقت، خذ في غير هذا.
ما قاله الهاشمي للخراساني
وذكر المدايني أن عيسى بن موسى، بينا هو يساير أبا مسلمٍ عند منصرفه إلى أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، إذ أنشد عيسى:
سيأتيك ما أفنى القرون الأولى ... وما حل في أكناف عادٍ وجرهم
ومن كان أنأى منك عزاً ومفخراً ... وأنهد بالجيش اللهام العرمرم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ قال عيسى: أبداه لساني قال: فبئس الخاطر، والله إذن!
عدم تسمية أو تكنية الملك
ومن حق الملك أن لا يسمى ولا يكنى في جدٍ أو هزل، ولا أنسٍ ولا غيره. ولولا أن القدماء من الشعراء كنت الملوك وسمتهم في أشعارها، وأجازت ذلك واصطلحت عليه، ما كان جزاء من كنى ملكاً أو خليفةً إلا العقوبة. على أن ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعرٍ ولا خطبةٍ ولا تفريطٍ ولا غيره؛ وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة.
стр. 76
والدليل على ذلك أنه لو سمى أحد من الخطباء والشعراء في كلامه المنثور ملكاً
стр. 77
أو خليفةً، وهو يخاطبه باسمه، كان جاهلاً ضعيفاً خارجاً من باب الأدب. ولولا أن الاصطلاح منعنا إيجاب المنع من ذلك، كان أول ما يجب.
ولا أدري لم فعل القدماء ذلك، كما أني لا أدري لم أجازته ملوكها، ورضيت به، إذ كانت صفة الملوك ترتفع عن كل شيء، وترقى عنه.
وكانت الجفاة من العرب بسوء أدبها وغلظ تركيبها، إذا أتوا النبي ﷺ ، خاطبوه ودعوه باسمه وكنيته. فأما أصحابه، فكانت مخاطبتهم إياه: يا رسول الله! ويا نبي الله!
стр. 78
وهكذا يجب للملوك أن يقال في مخاطبتهم: يا خليفة الله! ويا أمين الله! ويا أمير المؤمنين!
стр. 79
عند تشابه الأسماء
ومن حق الملك، إذا دخل عليه رجل، وكان اسم ذلك الرجل الداخل أحد صفات الملك، فسأله الملك عن اسمه، أن يكني عنه، ويجيب باسم أبيه؛ كما فعل سعيد
стр. 80
بن مرة الكندي، حين أتى معاوية، فقال له: أنت سعيد؟ فقال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرة! وكما قال السيد بن أنس الأزدي، وقد سأله المأمون عن اسمه، فقال: أنت السيد؟ قال: أمير المؤمنين السيد، وأنا ابن أنس!.
وهكذا جاءنا الخبر عن العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله، ﷺ ، وصنو أبيه. قيل له: أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وولدت أنا قبله.
стр. 81
ألا تراه، ﵀، كيف تخلص إلى أحسن الأحوال في الأدب، فاستعمله؟ وعلى هذا المثال يجب أن تكون مخاطبة الملوك، إذ كانت صيغتهم غير صيغ العامة، كما قال أردشير بن بابك في عهده إلى الملوك.
ما يتفرد به الملك في عاصمته
ومن حق الملك أن يتفرد في قرار داره بثلاثة أشياء، فلا يطمع طامع في أن يشركه فيها:
стр. 82
فمنها الحجامة، والفصد، وشرب الدواء، فليس لأحدٍ من الخاصة والعامة ممن في قصية دار المملكة أن يشركه في ذلك.
وكانت ملوك الأعاجم تمنع من هذا وتعاقب عليه، وتقول: إذا أراق الملك دمه، فليس لأحد أن يريق دمه في ذلك اليوم حتى يساوي الملك في فعله، بل على الخاصة والعامة الفحص عن أمر الملك، والتشاغل بطلب سلامته، وظهور عافيته، وكيف وجد عاقبة ما يصالح به.
وليس الاقتضاء بفعل الملك في هذا وما أشبهه من فعل من تمت طاعته وصحت نيته وحسنت معونته، لن في ذلك استهانةً بأمر الملك والمملكة.
ومن قصد إلى أن يشرك الملك في شيء، يجد عنه مندوحةً ومنه بداً، بالمهل المبسوطة والأيام الممدودة، فهو عاصٍ مفارق للشريعة.
ويقال إن كسرى أنوشروان كان أكثر ما يحتجم في يوم السبت، وكان المنادى، إذا اصبح في كل يوم سبت، نادى: يا أهل الطاعة! ليكن منكم ترك الحجامة في هذا اليوم على ذكر! ويا حجامون، اجعلوا هذا اليوم لنسائكم وغسل ثيابكم!.
وهكذا كان يفعل في يوم فصد العرق وأخذ الدواء.
دعاء الملك وتعزيته
ومن حق الملك، إذا عطس، أن لا يشمت، وإذا دعا، لم يؤمن على دعائه. وكانت ملوك الأعاجم تقول: حقيق على الملك الصالح أن يدعو للرعية الصالحة، وليس بحقيق للرعية الصالحة أن تدعو للملك الصالح، لأن أقرب الدعاء إلى الله دعاء الملك الصلح.
стр. 83
ومن حق الملك أن لا يعزيه أحد من حاشيته وحامته وأهل بيته وقرابته. وإنما جعلت التعزية لمن غاب عن المصيبة، أو لمن قارب الملك في العز والسلطان، والبهاء والقدرة. فأما من دون هؤلاء، فينهون عن التعزية أشد النهي.
وفيما يذكر عن عبد الملك بن مروان أنه مات بعض بنيه وهو صغير، فجاءه الوليد فعزاه، فقال: يا بني! مصيبتي فيك أقدح في بدني من مصيبتي بأخيك! ومتى رأيت ابناً عزى أباه؟ قال: يا أمير المؤمنين! أمي أمرتني بذلك! قال: ذاك يا بني أهون علي! وهذا لعمري من مشورة النساء.
غضب الملك ورضاه
ومن أخلاق الملك سرعة الغضب، وليس من أخلاقه سرعة الرضى. فأما سرعة الغضب، فإنما تأتي الملك من جهة دوام الطاعة، وذلك لأنه لا يدور في سمعه ما يكره في طول عمره. فإذا ألفت النفس هذا العز الدائم، صار أحد صفاتها. فمتى قرع حس النفس مالا تعرفه في خلقها، نفرت منه نفوراً سريعاً، فظهر الغضب، أنفةً وحميةً.
وأما رضى الملك فبطيء جداً، لأنه شيء تمانعه النفس أن يفعله، وتدفعه عن نفسها، إذ كان في ذلك جنس من أجناس الاستخذاء، وخلق من أخلاق العامة.
стр. 84
وهكذا عن أبي العباس أنه غضب على رجل ذهب عني اسمه، فذكره ليلةً من الليالي، فقال له بعض سماره: يا أمير المؤمنين! فلان لو رآه أعدى خلق الله له، لرحمه وانعصر له قلبه. قال: ولم ذاك؟ قال: لغضب أمير المؤمنين عليه. قال: ماله من الذنب ما يبلغ به من العقوبة هذا الموضع. قال: فمن عليه، يا أمير المؤمنين، برضاك. قال: ما هذا وقت ذاك! قال: قلت إنك يا أمير المؤمنين لما صغرت ذنبه، طمعت في رضاك عنه. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه مدة طويلة، لم يحسن أن يغضب ولا يرضى.
وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم
وكذا جرى لعبد الله بن مالك الخزاعي مع الرشيد، حين غضب عليه: أمر أهله وحشمه وجميع قرابته أن يجتنبوا كلامه وخدمته ومعاطاته حتى أثر ذلك في نفسه وبدنه، فتحاماه أقرب الناس منه من ولدٍ وأهل، فلم يدن منه أحد، ولم يطف به.
فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي، وهو كان أحد أدوائه، في جوف الليل، فقال له: يا أبا العباس! إن لك عندي يداً لا أنساه، ومعروفاً ما أكفره، وقد علمت ما تقدم به أمير المؤمنين في أمرك، وهاأنذا بين يديك، ونصب عينيك! فمرني بأمرك، فوالله
стр. 85
لأجعلن نفسي وقاية نفسك، وأسوقها في كل ما نكأها أو جرحها.
فقال له عبد الله خيراً، وأثنى عليه، وأخبره بعذره في موجدة أمير المؤمنين عليه. فوعده محمد أن يكلم أمير المؤمنين، ويخبره باعتذاره. فلما أصبح محمد، وافاه رسول أمير المؤمنين، فركب. فلما دخل عليه، قال: من أتيت في هذه الليلة؟ قال: عبدك، يا أمير المؤمنين، عبد الله بن مالك، وهو يحلف بطلاق نسائه، وعتق مماليكه، وصدقة ماله مع عشرين نذراً يهديها إلى بيت الله الحرام حافياً راجلاً، والبراءة من ولاية أمير المؤمنين إن كان ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله من عبد الله بن مالك، أو اطلع عليه أو هم به، أو أضمره أو أظهره.
قال: فأطرق الرشيد ملياً مفكراً؛ وجعل محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقاً، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه، يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحاً، فدخلا جميعاً؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجداً، ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجله وبساطه وموطيء قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذا دخل على الرشيد، رأى فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم، فقال محمد: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثراً باقياً من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة
стр. 86
في بسطه له. فقال الرشيد: يا محمد! إنامعشر الملوك، إذا غضبنا على أحدٍ من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقى لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار.
أسرار الملك
ومن حق الملك أن يكتم أسراره عن الأب والأم والأخ والزوجة والصديق. فإن الملك يحتمل كل منقوص ومأنوف، ولا يحتمل ثلاثةً: صفة أحدهم أن يطعن في ملكه، وصفة الآخر أن يذيع أسراره، وصفة الآخر أن يخونه في حرمه.
فأما من وراء ذلك، فمن أخلاق الملوك أن تلبس خاصتها، ومن قرب منها على ما فيهم، وأن تستمع منهم إذا سلموا من هذه الصفات الثلاث.
وكان كسرى أبرويز يقول: يجب على الملك السعيد أن يجعل همه كله في امتحان أهل هذه الصفات، إذ كانت أو كان الملك ودعائمه، فكانت محنته في إذاعة السر عجيبة.
وللقائل أن يقول فيها: إنها خارجة من باب العدل، داخلة في باب الظلم والجور، وللآخر أن يقول: إنها محن الحكماء من الملوك.
وكان إذ عرف من رجلين من بطانته وخاصته التحاب والألفة والاتفاق في كل شيء، خلا بأحدهما فأفضى إليه بسر في الآخر، وأعلمه أنه عازم على قتله، وأمره بكتمان ذلك عن نفسه، فضلاً عن غيره، وتقدم إليه، في ذلك، بوعيده.
стр. 87
ثم جعل محنته في إذاعة سره ملاحظة صديقه في دخوله عليه وخروجه من عنده، وفي إسفار وجهه ولقائه للملك، فإن وجد آخر أمره كأوله في أحواله، علم أن الآخر لم يفض إليه بسره ولم يظهره عليه، فقربه واجتياه، ورفع مرتبته وحباه، ثم خلا به، فقال: إني كنت أردت قتل فلانٍ لشيء بلغني عنه، فبحثت في أمره، فوجدته باطلاً.
وإن رأى من صاحبه نفور نفسٍ، وازورار جانب، وإعراض وجهٍ، علم أنه قد أذاع سره، فأقصاه واطرحه وجفاه، وأخبر صاحبه أنه أراد محنته بما أودعه من سره. فإن كان هذا من أهل المراتب، وضع مرتبته، وإن كان من الندماء، أمر أن يحجب عنه، وإن كان من أصحاب الأعمال، أمر أن لا يستعان به، وإن كان من سدنة بيوت النيران، أمر بعزله وإسقاط أرزاقه. ويقول: من لم يصلح لملكه، لا يصلح لنفسه، ومن لم يصلح لنفسه، فلا خير عنده. ويقول: إن القلب اعدل على القلب شهادةً من اللسان، وقل شيء يكون في القلب إلا ظهر في العينين، إذ كانت الأعضاء مشتركةً يتعلق بعضها ببعض.
حفظ حرم الملك
فأما محنته في الحرم، فكان إذا خف الرجل على قلبه، وقرب من نفسه، وكان عالماً يظهر التأله، وكان عنده ممن يصلح للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، أحب أن يمتحنه بمحنةٍ باطنة فيأمر به أن يحول إلى قصره، ويفرغ له بعض الحجر التي تقرب منه، ولا يحول إليها امرأةً ولا جاريةً ولا حرمةً، ويقول له: إني أحب الأنس بك في ليلي ونهاري، ومتى كان معك بعض حرمك، قطعك عني، وقطعني عنك.
стр. 88
فاجعل منصرفك إلى منزل نسائك في كل خمس ليالٍ ليلةً. فإذا تحول الرجل، وخلابه، وآنسه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحال أشهراً.
فامتحن رجلاً من خاصته بهذه المحنة في الحرم، ثم دس إليه جاريةً من خواص جواريه، ووجه معها إليه بألطافٍ وهدايا. وأمرها أن لا تقعد عنده في أول ما تأتيه. فلما أتته بألطاف الملك، قامت. فلم تلبث أن انصرف.
حتى إذا كانت المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهةً، وأن تبدي بعض محاسنها، حتى يتأملها، ففعلت، ولاحظها الرجل، وتأملها، ثم انصرف.
فلما كانت المرة الثالثة، أمرها أن تقعد عنده، وتطيل القعود وتحادثه، وإن أرادها على الزيادة من المحادثة، أجابته، ففعلت، وجعل الرجل يحد النظر إليها، ويسر بحديثها. ومن شأن النفس أن تطلب، بعد ذلك، الغرض من هذه المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت: إني أخاف أن يعثر علينا، ولكن دعني أدبر في هذا ما يتم به امرنا. ثم انصرف.
فأخبرت الملك بكل ما دار بينهما، فوجه أخرى من خاص جواريه وثقاتهن بألطافه وهداياه، فلما جاءته، قال لها: ما فعلت فلانة؟ قالت: اعتلت. فاربد لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده، كما فعلت الأولى في المرة الأولى، ثم عاودته بعد ذلك، فقعدت أكثر من المقدار الأول، وأبدت بعض محاسنها، حتى تأملها. وعاودته في المرة الثالثة، فأطالت عنده القعود والمضاحكة والمهازلة. فدعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة. فقالت: إنا من الملك على خطى يسيرة، ومعه في دار واحدة. ولكن الملك يمضي بعد ثلاثٍ إلى بستانه الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه، فأظهر أنك عليل، وتمارض. فإن
стр. 89
خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام ههنا إلى رجوعه، فاختر المقام، وأخبره أن الحركة تصعب عليك. فإذا أجابك إلى ذلك، جئت في أول الليل، ولبثت عندك إلى آخره.
فسكن الرقيع إلى هذه الأنسة، وانصرف الجارية إلى الملك، فأخبرته بكل ما دار بينها وبينه.
فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك، فقال للرسول: أخبره أني عليل. فلما جاءه الرسول وأخبره، تبسم أبرويز، وقال: هذا أول الشر. فوجه إليه بمحفةٍ، فحمل فيها حتى أتاه، وهو معصب الرأس. فلما بصر به من بعيد، قال: والعصابة الشر الثاني. وتبسم.
فلما دنا من الملك، سجد، فقال له أبرويز: متى حدثت بك هذه العلة؟ قال: في هذه الليلة. قال: فأي الأمرين احب إليك: الانصراف إلى منزلك ونسائك ليمرضنك، أو المقام ههنا إلى وقت رجوعي؟ قال: ههنا، أيها الملك، أرفق لي، لقلة الحركة.
فتبسم أبرويز، وقال: ما صدقت! حركتك ههنا، إن خلفتك، أكثر من حركتك في منزلك.
ثم أمر أن تخرج له عصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى. فأيقن الرجل بالشر. وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى حد المملكة، ويجعل العصا في رأس رمحٍ تكون معه حيث كان، ليحذر منه من لا يعرفه. فلما أخرج بالرجل عن المداين، متوجهاً به نحو فارس، أخذ مديةً كانت مع بعض الأعوان الذين وكلوا به، فجب بها ذكره، وقال: من أطاع عضواً من أعضائه صغيراً، أفسد عليه أعضاءه كلها، صغارها وكبارها، فمات من ساعته.
стр. 90
امتحان من يطعن في المملكة
وكان قد نصب رجلاً يمتحن به من فسدت نيته، وطعن في المملكة، فكان الرجل يظهر التأله والدعاء إلى التخلي عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، وترك أبواب الملوك.
وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب في خلال ذلك كلامه بالتعريض بذم الملك، وتركه شرائع ملته وسنن دينه ونواميس آبائه. وكان هذا الرجل الذي نصبه لهذا، أخاه من الرضاعة، وتربه في الصبا. فكان إذا تكلم هذا الرجل بهذا الذي قد مثله له أبرويز، وأمره به ليمتحن بذلك خاصته، أخبر به. وأنا أعلم به. وإن كان كذلك فإنه لا يقصدني بسوءٍ، ولا المملكة بما يوهنها.
فيظهر الاستهانة بأمره، والثقة من الطمأنينة إليه. ثم يوجه إليه في خلال ذلك من يدعوه غليه، فيأبى أن يجيبه، ويقول: لاينبغي لمن يخاف الله أن يخاف أحداً سواه. فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل في الزيارة له والأنس به. فإذا خلوا تذاكروا أمر الملك، وابتدأ الناسك يطعن على الملك، وفي صلب المملكة. فأعانه الخائن، وطابقه على ذلك، وشايعه عليه، فيقول له الناسك: إياك أن تظهر هذا الجبار على كلامك! فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي. فحصن منه دمك. فيزداد الآخر إليه استنامةً، وبه ثقةً. فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به القتل في الشريعة، قال له: إني عاقد غداً مجلساً للناس، أقص عليهم، فاحضره! فإنك رجل رقيق القلب عند الذكر، حسن النية، ساكن الريح، بعيد الصوت، وإن الناس إذا رأوك قد حضرت مجلسي، زادت نياتهم خيراً، وسارعوا إلى استجابتي. فيقول له الرجل: إني أخاف هذا الجبار، فلا تذكره إن حضرت مجلسك.
стр. 91
وكانت العلامة فيما بينه وبين أبرويز أن ينصرف الرجل عن مجلس الناسك إذا ابتدأ في قصة الملك، وكان أبرويز قد وضع عيوناً تحضر مجلس الناسك، متى جلس. فبكر الناسك، وقص على العامة، وزهد في الدنيا، ورغب في الآخرة. وحضره الرجل الخائن، فلما فرغ من قصصه، وأخذ في ذكر الملك، نهض الرجل، وجاءت عيون أبرويز فأخبرته بما كان. فإذ زال عنه الشك في أمره، وجهه إلى بعض البلدان، وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك رجلاً وهو قادم عليك بعد كتابي هذا في كذا وكذا. فأظهر بره، والأنس به، والثقة بناحيته. فإذا اطمأنت به الدار، فاقتله قتلةً تحيي بها بيت النار، وتصل بها حرمة النوبهار. فإنه من فسدت نيته لغير علةٍ في الخاصة والعامة، لم يصلح بعلة.
تقاضي الملك عن الصغائر
ومن أخلاق الملك التغافل عما لا يقدح في الملك، ولا يجرح المال، ولا يضع من العز، ويزيد في الأبهة. وعلى ذلك كانت شيم ملوك آل ساسان.
стр. 92
وفيما يحكى عن بهرام جور أنه خرج يوماً لطلب الصيد، فعار به فرسه حتى وقع إلى راعٍ تحت شجرة، وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ علي عنان دابتي، حتى أبول.
فأخذ بركابه حتى نزل، وأمسك عنان الفرس. وكان لجامه ملبساً ذهباً، فوجد الراعي غفلةً من بهرام، فأخرج من خفه سكيناً، فقطع بعض أطراف اللجام. فرفع بهرام رأسه، فنظر غليه، فاستحيا، ورمى بطرفه إلى الأرض، وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي حاجته من اللجام. وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه، حتى إذا ظن أنه قد أخذ حاجته من اللجام، قام، فقال: يا راعي، قد إلي فرسي، فإنه قد دخل في عيني مما في هذه الريح، فما اقدر على فتحهما.
وغمض عينيه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام. فقرب الراعي فرسه، فركبه. فلما ولى، قال له الراعي: أيها العظيم، كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا؟ لموضع بعيد.
قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي، وما وطئت هذه الناحية قط غير يومي هذا، ولا أراني أعود إليه ثانية.
فضحك بهرام، وفطن لما أراد، فقال: أنا رجل مسافر، وأنا أحق بأن لا أعود إلى ههنا أبداً.
ثم مضى. فلما نزل عن فرسه، قال لصاحب دوابه ومراكبه: إن معاليق اللجام قد وهبتها لسائلٍ مربي، فلا تتهمن بها أحداً.
стр. 93
وهكذا يحكى عن أنوشروان انه قعد ذات يومٍ في نيروز أو مهرجان، ووضعت الموائد، ودخل وجوه الناس الإيوان على طبقاتهم ومراتبهم. وقام الموكلون بالموائد على رؤوس الناس، وكسرى بحيث يراهم.
فلما فرغ الناس من الطعام، جاؤوا بالشراب في آنية الفضة، وجامات الذهب. فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب. فلما انصرف الناس، ورفعت الموائد، أخذ بعض القوم جام ذهبٍ، فأخفاه في قبائه، وأنوشروان يلحظه. فصرف وجهه عنه.
وافتقد صاحب الشراب الجام، فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يفتش.
فقال كسرى: لاتتعرض لأحد! وأذن للناس فانصرفوا. فقال صاحب الشراب: أيها الملك! إنا فقدنا بعض آنية الذهب! فقال الملك: صدقت! قد أخذها من لا يردها عليك، وقد رآه من لا ينم عليه. فانصرف الرجل بالجام.
وهكذا فعل معاوية بن أبي سفيان في يوم عيدٍ، وقد قعد للناس، ووضعت الموائد وبدر الدراهم والدنانير للجوائز والصلات فجاء رجل من الجماعة، والناس يأكلون، فقعد على كيس فيه دنانير. فصاح به الخدم: تنح! فليس هذا بموضع لك.
فسمع معاوية،
стр. 94
فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به المجلس فأخذ كيساً، فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله، وقام. فلم يجسر أحد أن يدنو منه. فقال الخادم: أصلح الله أمير المؤمنين! إنه قد نقص من المال كيس دنانير. فقال: أنا صاحبه، وهو محسوب لك.
وهذه أخلاق الملوك معروفة في سيرهم وكتبهم. وإنما يتفقد مثل هذا من هو دون الملك. فأما الملك، فيجل عن كل شيءٍ، ويصغر عنده كل شيء.
رد على العامة
والعامة تضع هذا وما أشبهه في غير موضعه؛ وإنما هو شيء ألقاه الشيطان في قلوبهم، وأجراه على ألسنتهم، حتى قلوا في نحوٍ من هذا في البائع والمشتري: المغبون لا محمود ولا مأجور. فحملوا الجهلة على المنازعة للباعة، والمشاتمة للسفلة والسوقة، والمقاذفة للرعاع والوضعاء، والنظر في قيمة حبةٍ، والاطلاع في لسان الميزان، وأخذ المعايير بالأيدي.
وبالحرى أن يكون المغبون محموداً ومأجوراً، اللهم إلا أن يكون قال له: اغبني. بل لو قالها، كانت أكرومة وفضيلة، وفعلةً جميلة تدل على كرم عنصر القائل، وطيب مركبه.
стр. 95
ولذلك قالت العرب: السرو التغافل.
وأنت لا تجد أبداً أحداً يتغافل عن ماله إذا خرج، وعن مبايعته إذا غبن، وعن التقصي إذا بخس، إلا وجدت له في قلبك فضيلةً وجلالةً ما تقدر على دفعها. وكذا أدبنا نبينا ﷺ ، فقال: يرحم الله سهل الشراء، سهل البيع، سهل القضاء، سهل التقاضي.
وهذا الأدب خارج من قولهم: المغبون لامحمود ولا مأجور.
وقال معاوية في نحوٍ من هذا: إني لأجر ذيلي على الخدائع.
وقال الحسن ﵇: المؤمن لا يكون مكاساً.
وفيما يحكى عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج في حياة أبيه لمتنزهه، فبسط له في صحراء، فتغدى مع أصحابه، فلما حان انصرافه، تشاغل غلمانه بالترحال، وجاء أعرابي، فوجد منهم غفلةً، فأخذ دواج سليمان، فرمى به على عاتقه، وسليمان ينظر
стр. 96
إليه.
فبصر به بعض حشمه، فصاح به: ألق ما عليك! فقال الأعرابي: لا لعمري! لا ألقيه ولا كرامة! هذا كسوة أمير المؤمنين وخلعته.
فضحك سليمان، وقال: صدق، أنا كسوته. فمر كأنه إعصار الريح.
وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن علي بالأمس، وقد عثر برجلٍ سرق درةً رائعةً، أخذها من بين يديه. فطلبت بعد أيامٍ، فلم توجد. فباعها الرجل ببغداد، وقد كانت وصفت لأصحاب الجوهر. فأخذ وحمل إلى جعفر، فلما بصر به، استحيا منه، وقال: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني، فوهبتها لك؟ قال: بلى.
قال: لاتعرضوا له. فباعها بمائتي ألف درهم.
إكرام الأوفياء
ومن أخلاق الملك إكرام أهل الوفاء وبرهم والاستنامة إليهم والثقة بهم والتقدمة لهم على الخاص والعام، والحاضر والبادي.
وذلك انه لا يوجد في الإنسان فضيلة أكبر ولا أعظم قدراً، ولا أنبل فعلاً من الوفاء. وليس الوفاء شكر اللسان فقط، لأن شكر اللسان ليس على أحدٍ منه مؤونة.
واسم الوفاء مشتمل على خلال:
فمنها أن يذكر الرجل من أنعم عليه، بحضرة الملك فمن دونه. فإن كان الملك
стр. 97
فيه سيء الرأي، فليس من الوفاء أن يعينه على سوء رأيه. فإن خاف سوط الملك وسيفه، فأحس صفاته أن يمسك عن ذكره بخيرٍ أو شرٍ.
ومنها المواساة للصاحب في المال، حتى يقاسمه الدرهم بالدرهم، والنعل بالنعل، والثوب بالثوب.
ومنها الحفظ له في خلفه وعياله، ما كان في الدنيا، حتى يجعلهم أسوةً بعياله في الجدب والخصب.
ومنها الشكر له باللسان والجوارح.
وكانت ملوك الأعاجم كلها، أولها وآخرها، لا تمنع أحداً من خاصتها وعامتها شكر من أنعم عليها أو على أحدٍ منها، وتقريظه وذكر نعمه وإحسانه، وإن كانت الشريعة قد قتلته، والملك قد سخط عليه. بل كانوا يعرفون فضيلة من ظهر ذلك منه، ويأمرون بصلته وتعهده.
ويقال إن قباذ أمر بقتل رجلٍ كان من الطاعنين على المملكة، فقتل. فوقف على رأسه رجل كان من جيرانه، فقال: رحمك الله! إن كنت، ما علمت، لتكرم الجار، وتصبر على أذاه، وتواسي أهل الحاجة، وتقوم بالنائبة! والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغاً حتى حملك على عصيان ملكك، فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته! وقديماً ما تمكن ممن هو أشد منك قوةً وأثبت عزماً.
فأخذ الرجل
стр. 98
صاحب الشرطة فحبسه. وانتهى كلامه إلى قباذ، فوقع قباذ: يحسن إلى هذا الذي شكر حساناً فعل به، وترفع مرتبته، ويزاد في عطائه.
وهكذا فعل سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، حين حمل رأس مروان الجعدي إلى أبي العباس السفاح بالكوفة، فقعد له مجلساً وجاؤوا بالرأس.
فقام سعيد بن عمرو بن جعدة، فأكب عليه قياماً طويلاً، ثم قال: هذا رأس
стр. 99
أبي عبد الملك، خليفتنا بالأمس، ﵀! فوثب أبو العباس، فطعن في حجره.
وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدث الناس بكلامه. فلامه بنوه وأهله،
стр. 100
وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار.
فقال: اسكتوا. قبحكم الله! ألستم الذين أشاروا علي بالأمس بحران بالتخلف عن مروان، ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما ليغسل عني عار تلك الفعلة إلا هذه. فإنما أنا شيخ هامة، فإن نجوت يومي هذا من القتل، مت غداً.
قال: فجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل؛ فأصبحوا، ولم يأته أحد. وغدا الشيخ، فإذا هو بسليم بن مجالد. فلما بصر به، قال: يا ابن جعده! ألا أبشرك بجميل رأي أمير المؤمنين؟ إنه ذكر في هذه الليلة، ما كان منك، فقال: والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلا الوفاء، ولهو أقرب منا قرابةً، وأمس بنا رحماً منه بمروان، إن أحسنا إليه. قال: أجل، والله.
стр. 101
وهكذا فعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بمعاوية بن أبى سفيان، حين دعاه إلى مفارقة علي بن أبى طالب، والدخول في طاعته. فكتب إليه قيس بن سعد: يا وثن بن وثن! تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب، والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك! فوالله الذي لا إله غيره! لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، وما سالمتك أبداً، وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا حزب الشيطان على حزب الله. والسلام! وفي سيرة الاسكندر ذي القرنين أنه لما قصد نحو فارس، تلقاه جماعة من أساورتهم برأس ملكهم، ومن انضم عليهم، وقال: من غدر بملكه، كان بغيره أغدر! وفيما يحكى عن شيرويه أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً، وقد رجع من الميدان، فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، وملكك ما كنت أحق به منه، وأراح آل ساسان من جبريته وعتوه وبخله ونكده. فإنه كان ممن يأخذ بالحبة،
стр. 102
ويقتل بالظن، ويخيف البريء، ويعمل بالهوى.
فقال شيرويه للحاجب: احمله إلي.
فحمل، فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز كنت في كفاية من العيش.
فكم زيد في أرزاقك اليوم؟ ما زيد في رزقي شيء.
فهل وترك أبرويز، فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ لا.
قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه، ولم يقطع عنك مادة رزقك، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة والوقوع في الملوك، وهم رعية؟ فأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان فيما لا يجب.
وحدثني صباح بن خاقان، قال: حدثني أبي أن أبا جعفر المنصور لما أتي برأس
стр. 103
إبراهيم بن عبد الله، فوضع بين يديه، جاء بعض أولئك الرويدية، فضرب الرأس بعمودٍ كان في يده. فقال المنصور للمسيب: دق وجهه! فدق المسيب أنفه. ثم قال المنصور له: يا ابن اللخناء! تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع ولا ينفع تضر به بعمودك، كأنك رايته وهو يريد نفسي، فدفعته عني. اخرج إلى لعنة الله وأليم عذابه.
ويقال أن أبا جعفر وجه إلى شيخٍ من أهل الشام، وكان من بطانة هشام، فسأله عن تدبير هشام في بعض حروبه الخوارج، فوصف له الشيخ ما دبر، فقال: فعل، ﵀، كذا، وضع، ﵀، كذا.
فقال المنصور: قم، عليك لعنة الله! تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل، فقال وهو مول: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي، لا ينزعها غلا غاسلي. فقال له المنصور: ارجع، يا شيخ! فرجع. فقال له: أشهد
стр. 104
أنك نهيض حرةٍ وغراس شريف! عد إلى حديثك! فعاد الشيخ إلى حديثه، حتى إذا فرغ، دعا له بمالٍ ليأخذه، فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجةٍ إليه؟ ولقد مات عني من كنت في ذكره آنفاً، فما أحوجني إلى وقوفٍ على باب أحدٍ بعده. ولولا جلالة عز أمير المؤمنين، وإيثار طاعته، ما لبست لأحدٍ بعده نعمةً.
فقال المنصور: مت إذا شئت، فلله أنت! فلو لم يكن لقومك غيرك، لكنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً.
ويقال إن الرجل كان من شيبان.
أدب سماع الملك ومحادثته
ومن حق الملك، إذا حضره سماره أو محدثوه، أن لا يحرك أحد منهم شفتيه مبتدئاً، ولا يقطع حديثه بالاعتراض فيه، وإن كان نادراً شهياً، وأن يكون غرضهم حسن الاستماع، وإشغال الجوارح بحديثه؛ فإذا فرغ من الحديث فنظر إلى بعضهم، فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك الجنس من الحديث. وليس له أن يأخذ في غير جنس حديثه.
وليس لمن حدث الملك أن يفسد ألفاظه وكلامه، بأن يقول في حديثه: فاسمع مني أو افهم عني أو يا هذا أو ألا ترى. فإن هذا وما أشبهه عي من قائله، وحشو في كلامه، وخروج من بسط اللسان، ودليل على الفدامة والغثاثة.
وليكن كلامه
стр. 105
كلاماً سهلاً، وألفاظه عذبةً متصلة، وسقط كلامه قليلاً.
فإذا فرغ من الحديث، فليس له أن يصله بحديث آخر، وإن كان شبيهاً بالحديث الأول، حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه.
فإن أعرض لشغل يعرض له، فليس له أن يمر في حديثه، وأن يصل كلامه، فيحتاج الملك إلى الإصغاء إليه، ويحتاج إلى التشاغل بما عرض له، فيجمع عليه أمرين. فإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث؛ وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته.
ومن حق الملك أن لا يضحك من حديثه إذا حدث، لأن الضحك بحضرة الملك جرأة عليه؛ ولا يظهر التعجب بفائدة حديثه. وإنما هذا إلى الملك. فإن ضحك الملك من الحديث، وأظهر السرور به، فذاك غرض حديثه، وإليه قصد؛ وإن سكت، فلم يكن في الحديث ما يلهيه ويطر به أو يستفيد منه فائدة، كان قد سلم من العيب، إذ لم يضحك ولم يعجب.
إعادة الحديث:
ومن حق الملك أن لا يعاد عليه الحديث مرتين، وإن طال بينهما الدهر، وغبرت بينهما الأيام؛ إلا أن يذكره الملك؛ فإن ذكره، فهو إذن منه في إعادته.
وكان روح بن زنباعٍ يقول: أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة من أيامه، ما أعدت عليه حديثاً.
стр. 106
وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجلٍ بعينه قط.
وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحداً أغزر علماً من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثاً قط.
وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلةً، وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟
стр. 107
وكان الشرقي بن الفطامي يعيد الحديث مراراً، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي فيستعيده.
стр. 108
وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في القابلة حتى يحفظه.
ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعةً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أفكه مجلساً، ولا أعظم أبهةً وقدراً منه. وكان عيسى بن دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين.
стр. 109
ولم يكن هذا لأحدٍ. غير أنه يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ.
وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده،
стр. 110
ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.
أمارات الذهاب من مجلس الملك
ومن حق الملك، إذا تثاءب أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حالٍ فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره.
وكان يستاسف إذا دلك عينيه، قام من حضره.
وكان يزدجرد الأثيم إذا قال: شب بشد، قام سماره.
وكان بهرام جور إذا قال: خرم خفتار، قام سمارة.
وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء، قام سمارة.
وكان سابور إذا قال: حسبك يا إنسان، قام سمارة.
следующие страницы →