← Адаб

Адаб · id 22623

التاج في أخلاق الملوك

الجاحظ

Полный текст (178 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إبراهيم، فقبل ما وطئت رجلاه من بساطه. فأمر له بمائتي ألف درهم. ولقد رأيته يوماً، وعلى رأسه بعض غلمانه، فنظر إليه، فقال: ويلك! ثيابك هذه تحتاج إلى أن تغسل. انطلق، فخذ ثلاثين بدرة، فاغسل بها ثيابك. ولقد حدثني علويه عنه، قال: لما أحيط به، وبلغت حجارة المنجنيق بساطه، كنا عنده، فغنته جارية له بغناءٍ تركت فيه شيئاً لم تجد حكايته. فصاح: يا زانية! تغنينني الخطأ! خذوها!. فحملت، وكان آخر العهد بها. الخليفة المأمون قلت: فالمأمون؟. قال: أقام بعد قدومه عشرين شهراً لم يسمع حرفاً من الغناء. ثم سمعه من وراء حجابٍ، متشبهاً بالرشيد. فكان كذلك سبع حججٍ ثم ظهر للندماء والمغنين. قال: وكان حين أحب السماع ظاهراً بعينه، أكبر ذاك أهل بيته وبنو أبيه. ويقال أنه سأل عن إسحق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر، وقالوا: يغادر تيهاً وبأواً. فأمسك عن ذكره. قال: فجاءه زرزر يوماً، فقال له: يا اسحق! نحن اليوم عند أمير المؤمنين! فقال إسحق: فغنه بهذا الشعر:

стр. 37

يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود لحائمٍ حام حتى لا حراك به ... محلأٍ عن سبيل الماء مطرود فلما غناه به زرزر أطربه وأبهجه وحرك له جوارحه، وقال: ويلك! من هذا؟!

стр. 38

قال: عبدك المجفو المطرح، ياسيدي إسحاق قال: يحضر الساعة. فجاءه رسوله، وإسحق مستعد، قد علم انه إن سمع الغناء من مجيدٍ مودٍ أنه سيبعث إليه فجاءه الرسول؛ فحدثت انه لما دخل عليه، ودنا منه، مد يده غليه، ثم قال: ادن مني. فأكب عليه واحتضنه المأمون، وأدنا، واقبل عليه بوجهه مصغياً إليه، ومسروراً به. أخلاق الملك السعيد ومن أخلاق الملك السعيد ترك القطوب في المنادمة، وقلة التحفظ على ندمائه، ولا سيما إذا غلب أحدهم على عقله، وكان غيره أملك به منه بنفسه. وللسكر حد، إذا بلغه نديم الملك، فأجمل الأمور وأحراها بأخلاقه أن لا يؤاخذه بزلةٍ إن سبقته، ولا بلفظةٍ إن غلبت لسانه، ولا بهفوةٍ كانت إحدى خواطره. والحد في ذلك أن لا يفعل ما يقول، ولا ما يقال له؛ وإن خلي ونفسه، رمى بها في مهواة، وإن أراد أحد أخذ ثيابه لم يمانعه. فأما إذا كان ممن يعرف ما يأتي وما يذر، وكان إذا رام أحد اخذ ما معه، قاتله دونه؛ وكان إذا شتم، غضب وانتصر، وإذا تكلم أفصح، وقل سقطه؛ فإذا كانت هذه صفته، ثم جاءت منه زلة، فعلى عمدٍ أتاها، وبقصدٍ فعلها. فالملك جدير أن يعاقبه بقدر ذنبه. فإن ترك عقوبة هذا ومن أشبهه، قدح في عزه وسلطانه.

стр. 39

ومن الحق على الملك أن لا يجاوز بأهل الجرائم عقوبة جرائمهم. فإن لكل ذنبٍ عقوبةً. إما في الشريعة والنواميس، وإما في الإجماع والاصطلاح. فمن ترك العقوبة في موضعها، فبالحرى أن يعاقب من لا ذنب له. وليس بين ترك العقوبة، إذا وجبت، وعقوبة من لا ذنب له، فرق. وإنما وضع الله الملوك بهذه المواضع الرفيعة، ليقوموا كل ميل، ويدعموا كل إقامة. تطيب الملك وتجمله: ومن أخلاق الملك أن لا يشارك بطانته وندماءه في مس طيبٍ ولا مجمرٍ؛ فإن هذا وما أشبهه يرتفع الملك فيه عن مساواة أحد. وكذا يجب على بطانة الملك وقرابته أن لا يمسوا طيباً إذا تطيب، لنفرد الملك بذلك دونهم. وليس الطيب كالطعام والشراب اللذين لا بد من مشاركة الندماء فيهما. فأما كل ما أمكن الملك أن ينفرد به دون خاصته وحامته؛ فمن أخلاقه أن لا يشارك أحداً فيه. وكذا حكي عن أنوشروان ومعاوية بن أبي سفيان. وبعض أهل العلم يحكي عن الرشيد ما يقرب من هذا. وأولى الأمور بأخلاق الملك، إن أمكنه التفرد بالماء والهواء، أن لا يشرك فيهما أحداً؛ فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد.

стр. 40

ألا ترى أن الأمم الماضية من الملوك، لم يكن شيء أحب إليهم من أن يفعلوا شيئاً تعجز عنه الرعية، أو يتزيوا بزي ينهون الرعية عن مثله؟! فمن ذلك أردشير بن بابك، وكان أنبل ملوك بني ساسان. كان إذا وضع التاج على رأسه، لم يضع أحد في المملكة على رأسه قضيب ريحانٍ متشبهاً به؛ وكان إذا ركب في لبسةٍ، لم ير على أحدٍ مثلها؛ وإذا تختم بخاتمٍ، فحرام على أهل المملكة أن يتختموا بمثل ذلك الفص، وإن بعد في التشابه. وهذه من فصائل الملوك. وطاعة أهل المملكة أن تتحامى أكثر زي الملك، وأكثر أحواله وشيمه، حتى لا يأتي مالا بد لها منه. وهذا أبو أحيحة سعيد بن العاص: كان إذا اعتم بمكة، لم يعتم أحد بعمةٍ ما دامت على رأسه. وهذا الحجاج بن يوسف؛ كان إذا وضع على رأسه طويلة، لم يجتريء أحد من خلق الله أن يدخل، وعلى رأسه مثلها. وهذا عبد الملك بن مروان؛ كان إذا لبس الخف الأصفر، لم يلبس أحد من الخلق خفاً أصفر حتى ينزعه.

стр. 41

وهذا إبراهيم بن المهدي، بالأمس: دخل على أحمد بن أبي دؤاد بن علي، وعليه مبطنة ملونة من أحسن ثوبٍ في الأرض، وقد اعتم على رأسه رصافيةً بعمامة خزٍ سوداء، لها طرفان خلفه وأمامه، وعليه خف أصفر، وفي يده عكازة آبنوس ملوحٍ بذهبٍ، وفي إصبعه فص ياقوتٍ تضيء يده منه. فنظر إلى هيئةٍ ملت قلبه، وكان جسيماً، فقال: يا إبراهيم! لقد جئتني في لبسةٍ وهيئةٍ ما تصلح إلا لواحدٍ من الخلق. وحدثني أبو حسان الزيادي وذكر الفضل بن سهلٍ، فترحم عليه، وقال: وجه إلي في ليلة، وقد أويت إلى فراشي، رسولاً، فقال: يقول لك ذو الرياستين:

стр. 42

لا تعتم غداً على قلنسوة إذا حضرت الدار. قال: فبت واجماً، وأنا لا أعلم ما يريد بذلك. وغدوت، وغدا الناس على طبقاتهم ومراتبهم؛ فجاء الحسين بن أبي سعيد إلى من في الدار، فقال: إن أمير المؤمنين يقعد في هذا اليوم، ويعتم على قلنسوة، فانزعوا عمائمكم. وحدثني بعض أصحابنا عن الحسن بن قريش، قال: لما مات القاسم بن الرشيد، وجه إلي المأمون رسولاً، فأتيته. فجعل يسألني عن عياله وعن أمواله، ويشكوه إلي، ويقول: كان يفعل كذا، ويفعل كذا، فكان في تلك الشكاية أن قال: وكان إذا ركب بمروٍ في رصافية. الملك في مجلس الشراب: ومن أخلاق الملك، إذا علم أن بعض الندماء قد بلغ غاية مجهوده في الشرب، وأن الزيادة بعد ذلك تضر ببدنه وجوارحه، أن يأمر بالكف عنه، وأن لا يكلف فوق وسعه. فإنه من تجاوز حق العدل عن الخاصة، لم تطمع العامة في إنصافه. ومن حق الملك أن لا يكلمه أحد من الندماء مبتدئاً ولا سائلاً لحاجة، حتى يكون

стр. 43

هو المبتديء بذلك. فإن جهل أحد ما يلزمه في ذلك، تقدم إليه فيما يجب عليه. فإن عاد، فعلى الموكل بأمر الدار أن يحسن أدبه، وأن لا يأذن له في الدخول، حتى يكون الملك يبتديء ذكره، ثم يوعز إليه أنه، إن عاد، أسقطت مرتبته، فلم يطأ بساط الملك. وكان شيرويه بن أبرويز يقول: إنما تعذر البطانة برفع حوائجها إلى الملوك عند ضيقةٍ تكون، أو عند جفوةٍ تنالهم من ملوكهم، أو عند موتٍ يحدث لهم، أو عند تتابع أزمةٍ. فإذا كان ذلك، فعلى الملك تعهد ذلك من خاصته، حتى يصلح لهم أمورهم، ويسد خلتهم. فإذا كانوا من الكفاية في أقصى حدودها، ومن خفض العيش في أرفع خصائصه، ومن ذات اليد وإدرار العطايا في أتم صفاتها، ثم فتح أحد فاه بطلب ما فوق هذه الدرجة، فالذي حداه على ذلك الشره والمنافسة. ومن ظهرت هاتان منه، كان جديراً أن تنزع كفايته من يده، وتصير في يد غيره، وينقل إلى الطبقة الخسيسة، فيلزم أذناب البقر، وحراثة الأرض. أنعام الملوك ومنتهم ومن أخلاق الملك أن لا يمن بإحسان سبق منه، ما استقامت له طاعة من أنعم عليه، ودامت له ولايته، إلا أن يخرج من طاعةٍ إلى معصيةٍ، فإذا فعل ذلك، فمن

стр. 44

أخلاقه أن يمن عليه أولاً بإحسانه، ويذكره بلاءه عنده، وقلة شكره ووفائه، ثم يكون من وراء ذلك عقوبته بقدر ما يستحق ذلك الذنب في غلظه ولينه. وحدثني محمد بن الجهم، وداود بن أبي دواد قالا: جلس الحسن ابن سهل في مصلى الجماعة لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافياً حاسراً، وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء! ذنبي اعظم من الهواء! ذنبي أعظم من الماء! قالا: فقال له الحسن بن سهل: على رسلك! تقدمت منك طاعة، وكان آخر أمرك إلى توبة. وليس للذنب بينهما مكان. وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو. العفو عند المقدرة ومن أخلاق الملك السعيد أن لا يعاقب، وهو غضبان، لأن هذه حال لا يسلم معها من التعدي والتجاوز لحد العقوبة. فإذا سكن غضبه، ورجع إلى طبعه، أمر بعقوبته على الحد الذي سنته الشريعة، ونقلته الملة فإن لم يكن في الشريعة ذكر عقوبة ذنبه، فمن العدل أن يجعل عقوبة ذلك الذنب واسطة بين غليظ الذنوب ولينها، وأن يجعل الحكم عليه فيه، ونفسه طيبة، وذكر القصاص منه على بال. فأما العقوبة فلا تجوز إذا رفع أمرها إلى الملك.

стр. 45

وليس الذنب بحضرة الملك كالذنب بحضرة السوقة، ولا الذنب بحضرة الحكيم كالذنب بحضرة الجاهل، لأن الملك هو بين الله وبين عباده، فإذا وجب بحضرته الذنب، فمن حقه العقوبة عليه ليزدجر الرعايا عن العياثة والتتايع في الفساد. آداب البطانة مع الملوك ومن حق الملك، إذا هم بالحركة للقيام، أن تسبقه بطانته وخاصته بذلك، فإن أومأ إليهم أن لا يبرحوا، لايقعد واحد منهم، حتى يتوارى عن أعينهم. فإذا خرج، فمن حقه أن تقع عينه عليهم وهم قيام، فإذا قعد، كانوا على حالهم تلك. فإن نظر إليهم ليقعدوا، لم يقعدوا جملةً، بل تقعد الطبقة الأولى، أولاً، فإذا قعدت عن آخرها، تبعتها الطبقة الثانية. فإذا قعدت عن آخرها، تبعتها الطبقة الثالثة. وأيضاً فإن لكل طبقة رأساً وذنباً. فمن الواجب أن يقعد من كل طبقةٍ رأسها، ثم هلم جراً على مراتب الطبقة أولاً أولاً. ومن حق الملك أن لا يدنو منه أحد، صغر أو كبر، حتى يمس ثوبه ثوبه إلا وهو معروف الأبوين، في مركبٍ حسيبٍ، غير حامل الذكر ولا مجهول.

стр. 46

فإن احتاج الملك إلى مشافهة خاملٍ أو وضيعٍ، واضطر إليها، إما لنصيحةٍ يسرها إليه، أو لأمرٍ يسأله عنه، فمن حق الملك أن لا يخلي أحداً يدنو منه حتى يفتش أولاً، ثم يأخذ بضبعيه اثنان، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. فإذا أبدى ما عنده، وقبل منه الملك ما جاء به، فمن حقه على الملك الإحسان إليه، والعائدة عليه، والنظر في حاجته، إن كانت له، ليرغب ذوو النصائح في رفعها إلى ملوكهم، والتقرب بها إليهم. حديث الملك ومن حق الملك، إذا حدث بحديث، أن يصرف من حضره فكره وذهنه نحوه، فإن كان يعرف الحديث الذي يحدث به الملك، استمعه استماع من لم يدر في حاسة سمعه قط ولم يعرفه، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه، فإن في ذلك أمرين: أحدهما ما يظهر من حسن أدبه، والآخر أنه يعطي الملك حقه بحسن الاستماع. وإن كان لم يعرفه، فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أقرم وأشهى منها إلى فوائد السوقة ومن أشبههم. وإنما مدار الأمر والغاية التي إليها يجري، الفهم والإفهام، والطلب ثم التثبت. قال عمرو بن العاص: ثلاثة لا أملهن: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي

стр. 47

ما حملت رحلي وذكر الشعبي ناساً، فقال: ما رأيت مثلهم أشد تناقداً في مجلس ولا أحسن فهماً عن محدث. وقال سعيد بن سلم الباهلي لأمير المؤمنين المأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني أمير المؤمنين من قصده إلي بالحديث، وإشارته إلي بطرفه، لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، وتوجبه الحرية. قال المأمون: لأن أمير المؤمنين، والله، يجد عندك من حسن الإفهام إذا تحدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لم يجده عند أحدٍ فيما مضى، ولا يظن أنه يجده فيما بقي. وفيما يحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرٍ له، وكان لا يسايره أحد من الخلق مبتدئاً وأهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم، فإن التفت يميناً، دنا منه صاحب الحرس، وإن التفت شمالاً، دنا منه الموبذ، فأمره بإحضار من أراد مسايرته، قال: فالتفت في مسيره هذا، يميناً، فدنا منه صاحب الحرس، فقال: فلان. فأحضره، فقال: حدثني عن أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرة، فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه. فحدثه أنوشروان بالحديث، فأصغى الرجل إليه بجوارحه كلها، وكان مسيرهما على شاطيء نهر. وترك الرجل، لإقباله على الحديث، النظر إلى مواطيء حافر دابته، فزلت إحدى قوائم الدابة، فمالت بالرجل إلى النهر، فوقع في الماء ونفرت دابته، فابتدرها حاشية الملك وغلمانه، فأزالوها عن الرجل، وجذبوه فحملوه على أيديهم حتى أخرجوه، فاغتم لذلك أنوشروان، ونزل عن دابته، وبسط له هناك، فأقام حتى

стр. 48

تغدى في موضعه ذلك، ودعا بثياب من خاص كسوته، فألقيت على الرجل، وأكل معه، وقال له: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها الملك! إن الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمة، قابلها بمنحةٍ، وعارضها ببلية، وعلى قدر النعم تكون المحن. وإن الله أنعم علي بنعمتين عظيمتين هما: إقبال الملك علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، وهذه الفائدة وتدبير هذه الحرب التي حدث فيها عن أردشير، حتى لو رحلت إلى حيث تطلع الشمس أو تغرب، كنت فيه رابحاً. فلما اجتمعت نعمتان جليلتان في وقت واحد، قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك وخدمه وحسن جده، كنت بمعرض هلكة. وعلى ذلك، فلو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض، كان قد أبقى لي الملك ذكراً متلداً، ما بقي الضياء والظلام. فسر الملك، وقال: ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه!. بين معاوية والرهاوي وهكذا يحكى عن أبي شجرة، يزيد بن شجرة الرهاوي، أنه بينا هو يساير معاوية

стр. 49

بن أبي سفيان، ومعاوية يحدثه عن يوم خزاعة وبني مخزوم وقريش، وكان هذا قبل الهجرة، وكان يوماً أشرف فيه الفريقان على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رابية، ثم أومأ بكميه إلى الفريقين، فانصرفوا. قال: فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث، إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه، وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه، وهو ما يمسح وجهه. فقال له معاوية: لله أنت! ما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك، يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! قال: أعتق ما أملك، إن لم يكن حديث

стр. 50

أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري، وغطى على قلبي، فما شعرت بشيء حتى نبهني أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألفٍ من العطاء، أخرجك من عطاء أبناء المهاجرين، وكماة أهل صفين، فأمر له بخمسمائة ألف درهم، وزاده في عطائه ألف درهم، وجعله بين جلده وثوبه. فلئن كان يزيد بن شجرة خدع معاوية في هذه، فمعاوية ممن لا يخادع ولا يجارى؛ ولئن كان بلغ من بلادة يزيد بن شجرة وقلة حسه ما وصف به نفسه، ما كان بجدير بخمسمائة ألف في عطائه. وما أظن ذلك خفي عن معاوية، ولكنه تغافل على معرفةٍ، لما وفاه حق رياسته. ويروى عن معاوية انه كان يقول: السرو التغافل.

стр. 51

بين أبي العباس السفاح وأبي بكر الهذلي: وكذلك حكي عن أبي بكر الهذلي أنه بينما هو يسامر أبا العباس، إذ تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس، فعصفت الريح، فأذرت طساً من سطح إلى مجلس أبي العباس، فارتاع ومن حضره، ولم يتحرك أبو بكر لذلك، ولم تزل عينه متطلعة لعين أبي العباس. فقال له: ما أعجب شأنك، يا هذلي! لم ترع مما راعنا. قال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بمحادثة أمير المؤمنين، لم يكن فيه لحادث مجال. وإن الله إذا انفرد بكرامة أحد، وأحب أن يبقى له ذكرها، جعل تلك الكرامة على لسان نبيه أو خليفته. وهذه كرامة خصصت بها، مال إليها ذهني، وشغل بها فكري. فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها ولا وجمت لها إلا بما يلزمني في نفسي

стр. 52

لأمير المؤمنين. فقال أبو العباس: لئن بقيت لك، لأرفعن منك ضبعاً لا تطيف به السباع، ولا تنحط عليه العقبان. أقوال في حسن الاستماع وكان عبد الله بن عياش المنتوف يقول: لم يتقرب العامة إلى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع.

стр. 53

وكان أبو زرعة، روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي يقول: إن أردت أن يمكنك الملك من أذنه، فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث. وكان أسماء بن خارجة الغزاري يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجلٍ يصغي إلى حديثي. وكان معاوية يقول: يغلب الملك حتى يركب بشيئين: بالحلم عند سورته، والإصغاء إلى حديثه.

стр. 54

عود إلى أخلاق الملوك ومن أخلاق الملك، إذا قرب إنساناً أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه، ثم دخل عليه بعد، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط، وأن يظهر من الإجلال له والتعظيم والاستخذاء أكثر مما كان عليه قبل، فإن أخلاق الملوك ليست على نظام. ومن أخلاقهم أن لا تكون أخلاقهم معروفة، فيتمثل عليها، ويعاملون بها. ألا ترى أن الملك قد يغضب على الرجل من حماته، والرجل من حماته وبطانته، إما لجنايةٍ في صلب مالٍ، أو لخيانة حرمة الملك، فيؤخر عقوبته دهراً طويلاً، ثم لا يظهر له ما يوحشه حتى يتقي ذلك في اللحظة والكلمة والإشارة وما أشبه ذلك. وليست هذه أخلاق سائر الناس، إذ كنا نعلم أن طبائع الناس الانتصار في أول أوقات الجنايات، وعند أول بوادر الغضب. فأما الملوك وأبناءهم، فليست تقاس أخلاقهم، ولا يعاير عليها. إذ كان أحدهم يضع أعدى خلق الله له بين أذنه وعاتقه، وبين سحره ونحره، فتطول بذلك المدة، وتمر به الأزمنة، وهو لو قتله في أول حادثةٍ تكون، وعند أول عثرةٍ يعثر، لم يكن

стр. 55

بين هذه القتلة وبين الأخرى بعدها بعشرين سنة فرق، غذ كان لا يخاف ثاراً، ولا في الملك وهناً. معاقبة أنوشروان للخائن وفيما يذكر عن سيرة أنوشروان أن رجلاً من خاص خدمه جنى جناية اطلع عليها أنوشروان، والرجل غافل عنه. وكانت عقوبة تلك الجناية توجب القتل في الشريعة؛ فلم يدر كيف يقتله: لا هو وجد أمراً ظاهراً يقتل بمثله الحكام فيسفك به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الوهن على الملك والمملكة، ولا وجد لنفسه عذراً في قتله غيلة، إذ لم يكن ذلك في شرائع دينهم ووراثة سلفهم. فدعا به بعد جنايته بسنةٍ، فاستخلاه وقال: قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى أن أعلمها، وما أجدني أسكن إلى أحدٍ سكوني إليك إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به. وقد رأيت أن أدفع إليك مالاً لتحمل إلى هناك تجارة وتدخل بلاد الروم فتقيم بها لتجارتك؛ فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجارتهم وأقبلت إلي. وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع طلع ما بنا حاجة إليه من أمورهم وأسرارهم. فقال الرجل: أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه. فأمر له بمالٍ، وتجهز الرجل، وخرج بتجارة؛ فأقام ببلاد الروم، حتى باع واشترى ولقن من كلامهم ولغتهم ما يعرف به مخاطبتهم وبعض أسرار ملكهم. ثم انصرف إلى

стр. 56

أنوشروان بذلك، فاستبشر بقدومه، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، وأمره بطول المقام، والتربص بتجارته. ففعل، حتى عرف واستفاض ذكره. فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كان في السنة السابعة، أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جامٍ من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة الملك، ويجعل مخاطباً للملك، ومشيراً إليه من بين أهل مملكته، ويدني رأسه من رأس الملك في الصورة كأنه يسر إليه. ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال له: إن الملوك ترغب في هذا الجام، فإن أردت بيعه، فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته، فإنه إن باعه من الملك نفسه نفعك، وإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو من بعض حامته. فجاء غلام الملك بالجام ليلاً، وقد وضع الرجل رجله في غرز ركابه، فسأله أن يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ بذلك عنده يداً. وكان الملك يقدم ذلك الغلام، وكان من خاص غلمانه وصاحب شرابه. فأجابه إلى ذلك، وأمره بدفع الجام إلى صاحب خزانته، وقال: احفظه! فإذا صرت إلى باب الملك، فليكن فيما أعرضه عليه. فلما صار إلى ملك الروم، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعزله فيما يعرض على الملك. فلما دفع الجام في يدي الملك، نظر إليه، ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه، عضواً عضواً، وجارحةً جارحةً، فقال: أخبرني، هل يصور مع الملك صورة رجل خسيس الأصل؟ قال: لا قال: فهل يصور في آنية الملك صورة لا أصل لها ولا علة؟ قال: لا قال: فهل في دار الملك اثنان يتشابهان

стр. 57

في صورةٍ واحدةٍ حتى يكون هذا كأنه هذا في الصورة، وكلاهما نديما الملك؟ قال: لا أعرفه. فقال: قم! فقام، فتأمله قائماً، فوجد صورته قائماً في الجام. ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل صورته في الجام مدبراً. ثم قال: أقبل، فأقبل، فتأمل صورته في الجام مقبلاً، فوجدها بحكاية واحدة، وتخطيط واحد. فضحك الملك، ولم يجتريء الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالاً له وإعظاماً. فقال ملك الروم: الشاة أعقل من الإنسان، إذ كانت تأخذ بمديتها فتدفنها، وأنت أهديت إلينا مديتك بيدك!. ثم قال له: تغديت؟ قال: لا. قال: قربوا له طعاماً. فقال الرجل: أيها الملك! أنا عبد ذليل، والعبد لا يأكل بحضرة الملك. فقال: أنت عبد ما كنت عند ملك الروم، متطلعاً على أموره متتبعاً لأسراره، بل أنت ملك ونديم ملك إذا قدمت بلاد فارس. أطعموه!. فأطعم، وسقي الخمر حتى إذا ثمل، قال: إن من سنن ملوكنا أن تقتل الجواسيس في أعلى موضع تقدر عليه، وأن لا تقتله جائعاً ولا عطشان. فأمر أن يصعد به إلى صرحٍ كان يشرف منه على كل من في المدينة، إذا صعد. فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك الصرح، ونصب رأسه للناس. فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الحرس أن يأمر المغرد بصوت الحراسة، إذا ضرب بأجراس الذهب، أن يقول إذا مر على دور النساء الملك وجواريه:

стр. 58

كل نفسٍ وجب عليها القتل ففي الأرض تقتل، إلا من تعرض لحرم الملك، فإنه يقتل في السماء. فلم يدر أحد من أهل مملكته ماذا أراد بذلك حتى مات فليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد، ومطاولة الأيام بها صبر الملوك. ولذلك بطل القياس على أخلاقهم، ووجهت آراء ذوي الحجى والتمييز في العمل عليها والمقابلة بها حتى تخرج على وزنٍ واحدٍ، وينظم مؤتلف. عبد الملك والأشدق وكذلك يحكى عن عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الأشدق، انه أقام

стр. 59

بضع سنين يزاول قتله. فمرة يرجئه، وأخرى يهم به، ومرة يحجم، وأخرى يقدم، حتى قتله على أخبث حالاته. الرشيد والبرامكة وحدثني قثم بن جعفر بن سليمان، قال: حدثني مسرور الخادم، قال: أشهد بالله، لكنت من الرشيد وهو متعلق بأستار الكعبة، بحيث يمس ثوبي ثوبه، وهو يقول في مناجاته ربه: اللهم إني استخيرك في قتل جعفر بن يحيى، ثم قتله، بعد ذلك، بخمس سنين أو ست. مراعاة حرمة الملك ومن حق الملك أن لا يرفع أحد من خاصته وبطانته رأسه إلى حرمةٍ له، صغرت أم كبرت. فكم من فيلٍ قد وطيء هامة عظيم وبطنه، حتى بدت أمعاؤه، وكم من

стр. 60

شريفٍ وعزيز قومٍ قد مزقته السباع وتمششته، وكم من جارية كانت كريمة على قومها عزيزة في ناديها قد أكلتها حيتان البحر وطير الماء، وكم من جمجمة كانت تصان وتعل بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء، وغيبت جثتها في الثرى بسبب الحرم والنساء، والخدم، والأولياء! ولم يأت الشيطان أحداً من بابٍ قط حتى يراه بحيث يهوي منقسم اللحم والأعضاء، هو أبلغ في مكيدته وأحرى أن يرى فيه أمنيته من هذا الباب، إذا كان من ألطف مكايده، وأدق وساوسه، وأحلى تزيينه!

стр. 61

فعلى الحكيم المحب لبقاء هذا النسيم الدقيق، وهذا الماء الرقيق، أن يطلب دوامها لنفسه حيلة يجد إليها سبيلاً، ويدفع مقارفتها لكل شيء يقع فيه التأويل بين أمرين من سلامة تنجي أو عطبٍ يتلف. ولا يتكل على خيانة خفيت، أو فجرةٍ حظي بها أحد من أهل السفه والبطالة. فإن تلك لا تسمى سلامة، بل إنما هي حسرة وندامة، يوم القيامة. وكم من فعلةٍ قد ظهر عليها بعد مرور الأيام، وطول الأزمنة بها، فردت من كان قد أحسن بها الظن حتى تركته كأمس الذاهب، كأن لم يكن في العالم! إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك ومن حق الملك، إذا أنس بإنسانٍ حتى يضاحكه ويهازله ويفضي إليه بسره ويخصه دون أهله، ثم دخل على الملك داخل أوزاره زائر، أن لا يرفع إليه طرفه، إعظاماً وإكراماً، وتبجيلاً وتوقيراً، ولا يعجب لعجبه. وليكن غرضه الإطراق والصمت وقلة الحركة.

стр. 62

ومن حق الملك أن لايرفع أحد صوته بحضرته، لأن من تعظيم الملك وتبجيله، خفض الأصوات بحضرته، إذ كان ذلك أكثر في بهائه وعزه وسلطانه. وبهذا أدب الله أصحاب رسوله، ﷺ ، فقال عز من قائل: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ". فأخبر أن من رفع صوته فوق صوت النبي فقد آذاه، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن آذى الله فقد حبط عمله. وكان قوم من سفهاء بني تميم أتوا النبي، ﷺ ، فقالوا: يا محمد! أخرج إلينا نكلمك. فغم ذلك رسول الله، ﷺ ، وساءه ما ظهر من سوء أدبهم، فأنزل الله : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ". ثم أثنى على من غض صوته بحضرة رسوله، فقال جل اسمه: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ". فمن تعظيم الملك وتبجيله خفض الأصوات بحضرته، وإذا قام عن مجلسه، حتى لا يدخل الملك وهن ولا خلل ولا تقصير، في صغير أمرٍ ولا جليله. في غياب الملك وكانت ملوك الأعاجم تقول: إن حرمة مجلس الملك، إذا غاب، كحرمته إذا حضر.

стр. 63

وكان لها عيون على مجالسها، إذا غابت عنها. فمن حضرها، فكان في كلامه وإشارته وقلة حركته وحسن ألفاظه وأدبه - حتى أنفاسه - على مثل ما يكون إذا حضر الملك، سمي ذا وجه، ومن خالف أخلاقه وشيمه، وظهر منه خلاف ما يظهره بحضرة الملك، سمي ذا وجهين، وكان عند الملك منقوصاً متصنعاً. مكافآت الملوك ومن أخلاق الملك أن يخلع على من أدخل عليه سروراً، إما في خاصة نفسه وإما في توكيد ملكه. فإن كان السرور لنفسه في نفسه، فمن حقه على الملك أن يخلع عليه خلعةً في قرار داره، وبحضرة بطانته وخاصته. وإن كان في توكيد ملكه، فمن حقه أن يخلع عليه بحضرة العامة، لينشر له بذلك الذكر ويحسن به الأحدوثة، وتصلح عليه النيات، ويستدعي بذلك الرغبة إلى توكيد الملك وتسديد أركانه. وليس من العدل أن يفرد المحسن بخلعةٍ فقط، إلا أن تكون تلك الخلعة على شربٍ أو لهوٍ. فأما إذا كانت لأحد المعنيين اللذين قدمنا ذكرهما، فمن العدل أن يكون معها جائزة وصلة وترتيب، أو ولاية أو إقطاع أو اجراء أرزاق أو فك أسير أو حمل حمالاتٍ أو قضاء دين أو إحسان، كائناً ما كان، مضافاً إليها، وموصولاً بها.

стр. 64

باب في صفة ندماء الملك ينبغي أن يكون نديم الملك معتدل الطبيعة، معتدل الأخلاط، سليم الجوارح والأخلاق، لا الصفراء تقلقه وتكثر حركته، ولا الرطوبة والبلغم يقهره ويكثر بوله وبزقه وتثاؤبه ويطيل نومه، ولا السوداء تضجره وتطيل فكره وتكثر أمانيه وتفسد مزاجه. فأما الدموي فليس يدخل في هذه الأقسام المذمومة، إذ كان بالبدن إليه حاجة كحاجته إلى تركيبه وسلامته. ومن حق الملك، إذا زامله بعض بطانته، أن يكون عارفاً بمنازل الطريق، وقطع المسافة، دليلاً بهدايته وأعلامه ومياهه، قليل التثاؤب والنعاس، قليل السعال والعطاس، معتدل المزاج، صحيح البنية، طيب المفاكهة والمحادثة، قصير المياومة والملايلة، عالماً بأيام الناس ومكارم أخلاقهم، عالماً بالنادر من الشعر والسائر من المثل، متطرفاً من كل فن، آخذاً من الخير والشر بنصيب. إن ذكر الآخرة ونعيم أهل الجنة، حدثه بما أعد الله تعالى لأهل طاعته من الثواب، فرغبه فيما عنده؛ وإن ذكر النار، حذره ما قرب إليها. فزهده مرةً، ورغبه أخرى. فإن بالملك أعظم

стр. 65

الحاجة إلى من كانت هذه صفاته، وبالحرى إذا أصاب هذا، أن لا يفارقه إلا عن أمرٍ تنقطع به النقمة. عدة الملك في سفره أو نزهته ومن حق الملك إذا خرج لسفرٍ أو نزهةٍ، أن لا يفارقه خلع للكساء، وأموال للصلات، وسياط للأدب، وقيود للعصاة، وسلاح للأعداء، وحماة يكونون من ورائه وبين يديه، ومؤنس يفضي إليه بسره، وعالم يسأله عن حوادث أمره، وسنة شريعته، وملهٍ يقصر ليله، ويكثر فوائده. وعلى هذا كانت ملوك الأعاجم، أولها وآخرها. وأيضاً، فإن ملوك العرب لم تزل تمتثل هذا وتفعله. خلال الندماء وملاعبة الملوك ولندماء الملك وبطانته خلال يساوون فيها الملك ضرورةً. ليس فيها نقص على الملك، ولا ضعة في الملك. منها: اللعب بالكرة، وطلب الصيد، والرمي في الأغراض، واللعب بالشطرنج، وما أشبه ذلك. ومن الحق على الملك أن لا يمنع ملاعبه ما يجب له من طلب النصفة في هذه الأقسام التي عددنا. ومن حق الملاعب له المشاحة والمطالبة والمساواة والممانعة، وترك الإغضاء والأخذ

стр. 66

من الحق بأقصى حدوده؛ غير أن ذلك لا يكون معه بذاء ولا كلام رفثٍ ولا معارضة بما يزيل حق الملك، ولا صياح يعلو كلامه، ولا نخير ولا قذف ولا ماهو خارج عن ميزان العدل. وفيما يحكى عن سابور أنه لاعب ترباً كان له بالشطرنج إمرة مطاعة. فقمره تربه، فقال له سابور: ما إمرتك؟ فقال: أركبك حتى أخرج بك إلى باب العامة. فقال له سابور: بئس موضع الدالة وضعتك، فرد غير هذا. فقال: بهذا جرى لفظي. فأسف لذلك سابور، وقام فدعا ببرقع، فتبرقع، ثم جثا لتربه، فامتنع أن يعلو ظهر الملك إجلالاً له وإعظاماً. فنادى سابور بعد ذلك بسنةٍ في الرعية: لا يلعبن أحد لعبةً على حكمٍ غائبٍ، فمن فعل، فدمه هدر. فأما إذا كانت المشاحة على طلب الحق في هذه الأقسام التي ذكرنا بمعارضة شعر، وتوبيخٍ في مثلٍ ونادرٍ من الكلام، وإخبارٍ عن سوء لعب اللاعب، وتأنيبٍ له، فهذا مما يخاطب به الملك، ويعارض فيه. فأما إذا خرج عن هذا، فدخل في باب الجرأة كما فعل ترب سابور، فإنه خطأ من فاعله، وجهل من قائله، وجرأة على ملكه. وليس للرعية الجرأة على الراعي. ومن حق الرجل على الملك، إذا ضرب معه بالكرة، أن يتقدم بدابته على دابة

стр. 67

الملك، وصولجانه على صولجان الملك، وأن يعمل جهده في أن لا يبخس حظه ولا يفتر في مسابقةٍ ولا مراكضةٍ ولا التفاف كرةٍ ولا سبقٍ إلى حدٍ ونهاية وما أشبه ذلك. وكذلك القول في الرماية في الأغراض، وطلب الصيد، ولعب الشطرنج. سمعت محمد بن الحسن مصعب يقول: كان لي صديق من بني مخزوم، وكان لاعباً بالشطرنج. فذكرته لأبي العباس، عبد الله بن طاهر، فقال: أحضره. فقلت للمخزومي: تهيأ للقاء أبي العباس وكان متصرفاً، كثير الأدب، فغدوت به، فدخل. فلما وقعت عين أبي العباس عليه، وقف؛ فرآه من بعيد، ثم انصرف من غير أن يكلمه؛ فقال: هذا رجل من أهل الأدب، فاغد به ولاعبه الشطرنج بحضرتي

стр. 68

حتى أبوره؛ وعابثه حتى يخرج إلى باب الهزل والشتيمة. فلما قعدنا، دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا الغلام البوشنجي! وهو ساكت. ثم دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا مولى مخزوم، فسكت. ثم دارت عليه ضربة، فقلتك خذها يا ابن مخزوم، في خرم مخزوم!، فسكت. واستؤذن لرجلٍ من آل عبد الملك بن صالح، وكان خاصاً بأبي العباس، فأمر بالأذن له. فلما دخل الهاشمي وقعد، قال لي المخزومي: ليس فيك موضع شرف ولا عز، فأفاخرك: أنت بوشنجي ثمن دانق! ولكن قل لهذا الهاشمي يفاخرني حتى ينظر ما يكون حاله. فأما أنت، فمن أنت حتى أفاخرك؟ فضحك أبو العباس حتى فحص برجليه، وأمر له بخمسمائة دينار، وقربه وآنسه. آداب الندماء عند نعاس الملك ومن أخلاق الملك إذا غلبته عيناه، أن من ينهض حضره من صغيرٍ أو كبير، بحركةٍ لينةٍ خفيفة، حتى يتوارى عن قرار مجلسه، ويكون بحيث يقرب منه إذا انتبه. ولا يقولن إنسان في نفسه: لعل الملك، إن هب من سنته لا يسأل عني، أو لعله أن يمتد به النوم أو يعرض له شغل. فإن هذا من أكبر الخطأ. وقد قتل بعض الملوك رجلاً في هذه الصفة.

стр. 69

وليس من الحزم أن يجعل الحكيم للملك على نفسه طريقاً، وهو إن سلم من عذل الملك ولائمته لكرم الملك وشيمته، قدح ذلك في نفس الملك، واضطغن عليه. وبالحرى أن لا يسلم من عذلٍ وتأنيب. إمامة الملك للصلاة ومن حق الملك، إذا حضرت الصلاة، فالملك أولى بالإمامة، لخصالٍ: منها أنه الأمام، والرعية مأمونة؛ ومنها أنه المولى وهم العبيد؛ ومنها أنه أولى بالصلاة في قرار داره وموطيء بساطة، ولو حضر مجلسه أزهد الخلق وأعلمهم. فإذا قام للصلاة، فمن حقه أن يكون بينه وبين من يصلي خلفه عشرة أذرع، وأن لا يتقدمه أحد بتكبير ولا بركوعٍ ولا سجودٍ ولا قيامٍ. وهذا، وإن كان يجب لكل من أم قوماً من صغير أو كبير أو شريف أو وضيع، فهو للملك أوجب. فإذا سلم الملك، فمن حقه أن يقوم كل من صلى خلفه قائماً، فإنهم لا يدرون أيريد تنفلاً أو دخولاً أو قعوداً في مجلسه. فإن قام لنافلةٍ، فليس من حقه أن يتنفلوا، لأنهم لا يدرون لعله أن يسبقهم أو يقطع صلاته لحدثٍ، فيكون يحتاج إلى أن يسبقهم، وهو قيام يصلون بإزائه، وهو قاعد. ولكن من حقه أن يكونوا بحالهم حتى يعلموا ما الذي يفعل. فإن قعد، انحرفوا إلى حيث لا يراهم، فصلوا نوافلهم، وإن دخل في الصلاة، صلوا على مكاناتهم.

стр. 70

آداب مسايرة الملك وقد قلنا إن من حق الملك أن لا يبتدئه أحد بمسايرة. وإن طلب ذلك منه من يستحق المسايرة، فالذي يجزئه من ذلك أن يقف بحيث يراه ويتصدى له. فإن أومأ إليه، سايره، وغن أمسك عن الإيماء، علم أن إمساكه هو ترك الإذن له في مسايرته. ومن حقه، إذا سايره، أن لايمس ثوبه ثوب الملك، ولايدني دابته من دابته، ويتوخى أن يكون رأس دابته بإزاء سرج الملك، غير أنه لا يكلفه أن يلتفت إليه. ولا ينبغي له أن يبتدئه بكلام. وإن كان لا يثق بلين عنان دابته حتى يصرفه كيف شاء ومتى شاء، فالرأي لا أن لا يسايره. فإن في مسايرته وصمةً عليه وعلى الملك. أما عليه، فإنه يحتاج إلى حركة متواترة يتعب بها نفسه ودابته، ويخرج بها عن حد أهل الأدب والمروءة والشرف، ولعله في خلال ذلك أيضاً أن لا يبلغ ما يريد. وأما على الملك، فإنه وهن في المملكة، لأن الملك، إن طلب الصبر عليه وعلى سير دابته، كان إنما يسير عند ذلك بسيره، وليس في آيين المملكة أن يسير الأعظم بسير من هو دونه. ولذلك كانت رؤساء الأكاسرة والأساورة والدبيربذ وموبذان موبذ ومن أشبه هؤلاء من خاصة الملك، إذا هم الملك بالمسير في نزهة أو لبعض أموره، وعرضوا دوابهم

стр. 71

على راضة الملك وصاحب دوابه. وكان كل واحدٍ منهم لا يأمن أن يدعو به الملك للمسايرة والمحادثة، فيحتاج إلى معاناة دابته لبلادةٍ أو كثرة نفورٍ أو عثارٍ أو جماحٍ، فيكون على الملك من ذلك بعض ما يكره. وكان الرائض يمتحن دابةً دابةً من دواب هؤلاء العظماء. فما اختار منها ركب، وما نفى أرجيء. وأيضاً إن من حق الملك، إذا سايره واحد، أن لا تروث دابته ولا تبول ولا تتحصن ولا تتشغب، ولا يطلب المحاذاة لسير دابة الملك، وإن أراد ذلك منعه راكبه. مسايرة الموبذ لقباذ وفيما يحكى عن ملوك الأعاجم أن قباذ، بينا هو يسير والموبذ يسايره، إذ راثت دابة الموبذ، وفطن لذلك قباذ. فاغتم الموبذ بذلك، فقال له في كلام بينهما: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل، أيها الموبذ؟ فقال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك. فضحك قباذ حتى افتر عن نواجذه، وقال: لله أنت! ما أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما قدمك الملوك، وجعلوا أزمة أحكامهم في يدك!. ووقف، ثم دعا بدابة من خاص مراكبه، فقال له: تحول عن ظهر هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك.

стр. 72

مسايرة شرحبيل لمعاوية وهكذا يحكى عن معاوية بن أبي سفيان، بينا هو يسير وشرحبيل ابن السمط يسايره، إذ راثت دابة شرحبيل؛ فقال معاوية: يا أبا يزيد! إنه يقال إن الهامة إذا عظمت، دلت على وفور الدماغ، وصحة العقل. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة، وعقلي ضعيف ناقص. فتبسم معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعير. فضحك معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعيرٍ. فضحك معاوية، وقال: أفحشت، وما كنت فاحشاً! وحمله على دابة من مراكبه.

стр. 73

فليتنكب من يساير الملوك ما يقذي أعينهم بكل جهده. فإن لمسايرتهم شروطاً يجب على من طلبها أن يستعملها ويتحفظ فيها. وقلما حظي أحد بمسايرة ملك حتى يكون قلبها مقدمات يجب بها الخطوة. فأما نفس المسايرة للملك المتصلة، فإن الأعاجم كلها كانت تتطير منها وتكرها. وأيضاً فإن الملك لم يكن يثابر على مسايرة أحد من بطانته بعينه، لما كان يعلم من طيرتهم من ذلك، وكراهتم له. صاحب الشرطة والهادي ويقال إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى أمير المؤمنين، وعبد الله بن

стр. 74

مالك الخزاعي أمامه، والحربة في يده، فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى، وعبد الله لا يشعر بذلك، وموسى يحيد عن سنن التراب، وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موسى وموضعه، فيطلب أن يحاذيه؛ فإذا حاذاه، ناله من ذلك التراب ما يؤذيه. حتى إذا كثر ذلك من عبد الله، ونال موسى أذى ذلك التراب، قال لسعيدٍ: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! والله ما قصر في الاجتهاد، ولكنه حرم حظ التوفيق. ما قاله عبد الله بن الحسن للسفاح: وفيما يذكر عن عبد الله بن حسن أنه بينا هو يساير أبا العباس السفاح، بظاهر مدينة

стр. 75

الأنبار، وهو ينظر إلى بناء قد بناه، فقال أبو العباس له: هات ما عندك، يا أبا محمد!، وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه، فأنشده: ألم تر مالكاً لما تبنى ... بناءً نفعه لبني بقيله؟ يرجي أن يعمر عمر نوحٍ ... وأمر الله يحدث كل ليله! فتبسم أبو العباس كالمغضب، وقال: لو علمنا، لاشترطنا حق المسايرة! فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخواطر وإغفال المشايخ! قال: صدقت، خذ في غير هذا. ما قاله الهاشمي للخراساني وذكر المدايني أن عيسى بن موسى، بينا هو يساير أبا مسلمٍ عند منصرفه إلى أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، إذ أنشد عيسى: سيأتيك ما أفنى القرون الأولى ... وما حل في أكناف عادٍ وجرهم ومن كان أنأى منك عزاً ومفخراً ... وأنهد بالجيش اللهام العرمرم فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ قال عيسى: أبداه لساني قال: فبئس الخاطر، والله إذن! عدم تسمية أو تكنية الملك ومن حق الملك أن لا يسمى ولا يكنى في جدٍ أو هزل، ولا أنسٍ ولا غيره. ولولا أن القدماء من الشعراء كنت الملوك وسمتهم في أشعارها، وأجازت ذلك واصطلحت عليه، ما كان جزاء من كنى ملكاً أو خليفةً إلا العقوبة. على أن ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعرٍ ولا خطبةٍ ولا تفريطٍ ولا غيره؛ وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة.
следующие страницы →