← Язык

Язык · id 22640

أبو تراب اللغوي وكتابه الاعتقاب

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (182 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أبو تُراب اللّغويّ وكتابه "الاعتقاب" الدكتور عبد الرّزّاق بن فرّاج الصّاعديّ ال مقدّمة الحمد لله حقَّ حمده، والصّلاة والسّلام على خير خلقه، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإنّ كثيراً من المتخصّصين في علوم العربية لا يعرفون عن أبي تراب اللّغويّ أو عن كتابه "الاعتقاب" إلا الشيء اليسير، وقد لا يعرفون عنه شيئاً؛ فهو من علماء اللّغة المغمورين على الرّغم من تقدّمه وعنايته الفائقة باللّغة، وإعجاب معاصريه به، وتوثيقهم إيّاه، وتلقّيهم كتابه الاعتقاب بالقبول والرّضا، وهو ككثير من علماء اللغة المغمورين الذين لم يواتهم الحظ، فقصّر في ترجمته المترجمون، وأهمله أكثرهم، ولم يكن كتابه أوفر حظاً منه فقد أتت عليه عوادي الزمان، فضاع فيما ضاع من تراث العربيّة. ولقد قيض الله لأبي تراب من أبقى ذكره؛ بترجمة مختصرة نافعة، وحَفِظَ جلّ كتابه "الاعتقاب" بنقله نصوصاً كثيرة منه تُربي ١ على ثلثمائة نص، وهو الأزهريّ (٣٧٠هـ) القائل في مقدمة معجمه الكبير "تهذيب اللغة" بعد أن ذكر أبا تراب وكتابه "الاعتقاب": "وقد قرأت كتابه فاستحسنته، ولم أره مجازفاً فيما أودعه، ولا مصحّفاً في الذي ألّفه، وما وقع في كتابي لأبي تراب فهو من هذا الكتاب" ٢. وقد عَرَضَتْ لي فكرة هذا البحث منذ سنوات مضت وهي جمع نصوص كتاب "الاعتقاب" من كتاب التّهذيب وغيره، ودراسته من خلالها، والترجمة لمؤلّفه أبي تراب ترجمة ضافية، فعرضت الفكرة على أستاذي الدّكتور محمّد يعقوب تركستاني فاستحسنها، وحثّني على المضيّ في إتمامها، ثمّ حالت

стр. 2

دون البدء فيه حوائل؛ منها ما وجدته في ترجمة أبي تراب من اضطراب في اسمه وغموض في حياته العلميّة؛ فأرجأت الشروع في الكتابة إلى حين التّمكّن من جلاء ذلك الغموض، فبقيت فكرة البحث كامنة في نفسي، تبرز كلّما قرأت كتاباً في التّراجم أو التّاريخ أو التّراث اللّغويّ القديم، حتّى تمكّنت بحول الله وقوته في هذا العام ١٤٢١هـ من كشف ذلك الغموض، وتصحيح الاضطراب، وجمع مادة الاعتقاب من مظانها الأصلية كـ "التهذيب" للأزهريّ وباقي معاجم اللّغة كـ "الصحاح" للجوهريّ، و "التكملة" و "العباب" للصّغاني "اللّسان" لابن منظور، فبلغت النّصوص الّتي جمعتها خمسة وسبعين وثلثمائة نصّ لغويّ من نصوص كتاب الاعتقاب، بعد أن قرأت التّهذيب مرّتين، وهي – في الحقِّ – أضعاف ما كنت أطمح إليه، وأكثر النصوص هي من الاعتقاب بمعناه الاصطلاحي؛ أي: الإبدال، وبعضها ليس من الإبدال، ولكنها من كتاب الاعتقاب لأبي تراب، فليس بالإمكان حذفها أو تجاهلها، ولا يضير ذلك أبا تراب، ولا يعيب كتابه، فهو كغيره من علمائنا القدامى ﵃ الذين يحرصون على الأشباه والنظائر، وقد يخلطون شيئاً بشيء؛ لغزارة حفظهم، ونزوعهم إلى الاستفاضة في جمع المادة، واتساعهم في مفهوم التأليف، فإن لم يكن ذلك من الإبدال فهو من اللغات، والحَدُّ بين الإبدال واللغات دقيق، وبعضهم يتسع في هذا الأمر فيجعل كل كلمتين متفقتين في الحروف إلا حرفاً واحداً ـ من الإبدال، مثل نَبَأَ ونَتَأَ، ولابِثٍ ولابَنٍ وثاقِبٍ وناقَبٍ.١ وقد جعلت البحث في قسمين رئيسين:

стр. 3

القسم الأول: أبو تراب وكتاب الاعتقاب وفيه بابان وفصول؛ وهما كما يلي: الباب الأول: أبو تراب اللّغويّ الفصل الأول: سيرته الشخصية الفصل الثاني: حياته العلمية الباب الثاني: كتاب الاعتقاب الفصل الأول: مادّة الكتاب ومنهجه الفصل الثاني: مصادره الفصل الثالث: شواهده الفصل الرابع: قيمته العلميّة وأثره القسم الثاني: نصوص من كتاب الاعتقاب (جمع وترتيب) وفيه أبواب كثيرة بحسب مواد الاعتقاب، وهي. أبواب اعتقاب الهمزة أبواب اعتقاب الباء أبواب اعتقاب التّاء أبواب اعتقاب الثّاء أبواب اعتقاب الجيم أبواب اعتقاب الحاء أبواب اعتقاب الخاء أبواب اعتقاب الدّال أبواب اعتقاب الذّال أبواب اعتقاب الرّاء أبواب اعتقاب الزّاي أبواب اعتقاب السّين

стр. 4

أبواب اعتقاب الشّين أبواب اعتقاب الصّاد أبواب اعتقاب الضّاد أبواب اعتقاب الطّاء أبواب اعتقاب الظّاء أبواب اعتقاب العين أبواب اعتقاب الغين أبواب اعتقاب الفاء أبواب اعتقاب القاف أبواب اعتقاب الكاف أبواب اعتقاب اللام أبواب اعتقاب الميم أبواب اعتقاب النّون أبواب اعتقاب الواو أبواب اعتقاب الياء باب الاعتقاب في حروف مختلفة باب الفوائد والنّوادر وقد التزمت - في هذا القسم المهمّ من البحث - نقل النّصوص اللّغويّة كما هي في مظانّها الأصليّة، ووضع كلّ نصّ بين علامتي تنصيص، لتسهل مراجعته، وأضفت إلى ذلك ترتيب أبواب الاعتقاب على حروف المعجم، وتركت تخريج الشّواهد الشّعريّة؛ اكتفاء بورودها في مظانّها اللّغويّة القديمة، وعلى رأسها "التّهذيب" ولأنّ ذلك ليس من هدفي في هذا البحث القائم على الجمع والتّرتيب والدّراسة. ولأني لا أحقق كتاباً مخطوطاً، فنصوص الاعتقاب متداولة في كتب مطبوعة.

стр. 5

فأرجو أن يكون التّوفيق حليفي في هذا الجهد المتواضع؛ لإخراج شيء من كتاب لغويّ مفقود، يعدّ من مصادر اللّغة، الّتي استقت منها معاجم العربية مادتها اللّغويّة، وبخاصّة فيما يتّصل بالإبدال اللّغويّ، وأرجو - أيضاً - أن أقدّم ترجمة علميّة مفيدة لأبي تراب مؤلّف هذا الكتاب النّفيس. والله حسبي وهو نعم الوكيل.

стр. 6

القسم الأول: أبو تراب وكتاب الإعتقاب الباب الأول: أبو تراب اللغوي سيرته الشخصية ... القسم الأوّل أبو تُراب وكتابه الباب الأوّل أبو تراب اللّغويّ الفصل الأوّل: سيرته الشّخصيّة اسمه: ثمّة غموض واضطراب في اسم أبي تراب اللّغويّ ١، فهو: إسحاق بن الفرج أو محمد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أمّا كنيته فـ: "أبو تراب" ولا خلاف في هذا. ويعدّ الأزهريّ (ت ٣٧٠هـ) من أقدم المصادر التي ترجمت لأبي تراب في مقدّمة كتابة "تهذيب اللّغة" الّتي ترجم فيها لبعض العلماء، وقد أسهمت نسخ هذا الكتاب المتناثرة في العراق وخراسان في ذلك الغموض والاضطراب، فهو "محمّد بن الفرج" في المقدّمة في بعض النّسخ القديمة الّتي اطّلع عليها ياقوت الحمويّ فيما نقل عنه الصّفديّ ٢. وهو في بعضها: "أبو تراب الّذي ألّف كتاب الاعتقاب" وهذا هو الّذي في الكتاب المطبوع المتداول٣. ويشير إليه الأزهريّ فيما ينقله عنه من نصوص بثلاثة طرق:

стр. 7

بكنيته، فيقول: "أبو تراب" ١

стр. 8

أو يقول: "ابن الفرج" ١ أو باسمه، فيقول: "إسحاق بن الفرج" ٢. ويلاحظ أنّ نسخ التّهذيب لا تتفق في اسمه دائماً، فقد يكون في نصّ في بعض النّسخ: "أبو تراب" ٣، فيكون في النّصّ نفسه في نسخة أخرى: "ابن الفرج" أو "إسحاق بن الفرج" وقد يكون عكس ذلك، أي: إذا قالت نسخة: "ابن الفرج" قالت نسخة أخرى: "أبو تراب".٤ وسرى ذلك الاضطراب إلى "لسان العرب" لابن منظور، فقد يكون النّصّ في "التّهذيب" منقولاً عن "أبي تراب"، فنجده بنصّه في "اللّسان"

стр. 9

ولكن عن "ابن الفرج" ونجد العكس - أيضاً- أي أن ابن منظور قد يقول: "أبو تراب" في الموضع الّذي يقول فيه الأزهريّ: "ابن الفرج" أو "إسحاق بن الفرج". ويمكن بيان ذلك من خلال المقابلة بين بعض النّصوص في "التّهذيب" و "اللّسان" النّصّ في التّهذيب ... النّصّ نفسه في اللّسان ١/١٨٦ "إسحاق بن الفرج" ... ٨/٢٧١ "أبو تراب" ٥/٢٠٥ "أبو تراب" ... ١٤/١٧٢ "ابن الفرج" ٦/٣٩٧ "ابن الفرج" ... ٩/١٩ "أبو تراب" ٨/٢٤٣ "ابن الفرج" ... ١٥/١٤٠ "أبو تراب" ٨/٣٢٥ "ابن الفرج" ... ٦/٣٥٨ "أبو تراب" ٨/٣٣٧ "ابن الفرج" ... ١/٤٨٤ "أبو تراب" ٨/٣٧٣ "ابن الفرج" ... ١١/٣٨١ "أبو تراب" ٨/٣٧٦ "ابن الفرج" ... ١٠/٢٠٤ "أبو تراب" ٨/٣٩٣ "ابن الفرج" ... ٧/٣٢٠ "أبو تراب" ٩/٣٠ "ابن الفرج" ... ٩/٩٦ "أبو تراب" ١٠/٥٥٢ "أبو تراب" ... ٣/٢٦٦ "ابن الفرج" ١٣/٢٥ "أبو تراب" ... ١/٩٥ "ابن الفرج" ١٤/٧٠ "أبو تراب" ... ١٣/١٦٠ "ابن الفرج" ١٦/١٨٨ "ابن الفرج" ... ٨/٤٥٠ "أبو تراب"

стр. 10

وجاء اسمه في "الوافي" للصّفديّ على النّحو التّالي: محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أبو تراب اللّغويّ. وذكر الصّفديّ أنّ ياقوتاً نقل هذا الاسم من نسخة من كتاب الاعتقاب، بعد أن تنبّه لهذا الاضطراب؛ قال الصّفديّ في التّرجمة: "محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أبو تراب اللّغويّ. ذكره أبو منصور الأزهريّ في مقدّمة كتابه، فقال: أبو تراب محمّد بن الفرج صاحب كتاب الاعتقاب ... قال ياقوت في "معجم الأدباء" كنت رأيت نسخة بكتاب١ الأزهريّ ببغداد، وقد ذكر الأزهريّ أبا تراب فيها، وسمّاه محمّد بن الفرج، فلمّا وردت إلى مرو وقفت على النّسخة التي بخطّ الأزهريّ، ولم أجد ذكر اسم أبي تراب في المقدّمة، إنمّا ذكر كنيته فقال: أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب، ورأيته يقول في ضمن كتابه: قال إسحاق بن الفرج، وكان هناك نسخة أخرى بكتاب ٢ الأزهريّ لا توافق التي بخطّه، وفيها زيادات ونقصان، وكنت أتأمّل ذلك القول الّذي عزاه في كتابه الّذي بخطّه إلى إسحاق بن الفرج، وهو مذكور في النّسخة الأخرى لأبي تراب، وكذا إذا وجدت في خطّه شيئاً قد عزاه إلى أبي تراب أراه في تلك النّسخة قد عزاه إلى إسحاق بن الفرج، وطلبت نسخة بكتاب الاعتقاب لأصحّح اسمه منها فوجدتها مترجمة لمحمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، وأنّا في حيرة من هذا إلى أن يصحّ إن شاء الله تعالى، انتهى كلام ياقوت" ٣.

стр. 11

ونخرج من هذا النصّ النّفيس الذي أورده الصّفديّ بجملة من الملحوظات، منها: أ- قِدَم الغموض والاضطراب في اسم أبي تراب، ووقوع ذلك في نسخ التّهذيب القديمة. ب- أنّ اسمه في المقدّمة من نسخة التّهذيب الّتي بخطّ الأزهريّ: إسحاق بن الفرج، وفي نسخة بغداد: محمّد بن الفرج، وفي الكتاب المطبوع الّذي بأيدينا: أبو تراب، فحسب. جـ- أنّ اسمه في كتاب "الاعتقاب": محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، وهذه أهمّ الملحوظات. د- حيرة ياقوت في ذلك الاضطراب، وهو من علماء التّراجم المُدقّقين. هـ- أنّ هذا النصّ النّفيس ليس في "معجم الأدباء" في طبعتيه؛ القديمة بعناية مرجليوث، والحديثة بتحقيق الدّكتور إحسان عبّاس. ولهذا تعيّن أن أُحَرِّرَ هذا الاضطراب قدر الاستطاعة باستقراء كامل النّصوص المعزوة لأبي تراب،أو ابن الفرج، أو إسحاق بن الفرج في "تهذيب اللّغة" ودراسة محتواها ومقابلة بعضها بما في "اللّسان" لابن منظور، أو "التّكملة" للصّغانيّ؛ لأتبيّنَ في النّهاية حقيقة هذه الأسماء؛ هل هي لرجل واحد، أو لرجال مختلفين؟ وقد فعلت ذلك؛ فثبت عندي أنّ من يسميه الأزهريّ ابن الفرج هو من يسميه إسحاقَ بن الفرج؛ وهو من يسميه أبا تراب صاحب كتاب الاعتقاب، فهو شخص واحد، وأوجز خلاصة ذلك فيما يلي:

стр. 12

١- نقل الأزهريّ عن "أبي تراب" في نحو أربعين ومائتي نصّ١ ونقل عن "ابن الفرج" في نحو خمسة وثمانين نصاً ٢، ونقل عن إسحاق بن الفرج في نحو عشرين نصاً ٣. وهذه النّصوص تتطابق في محتواها، فهي من نصوص التّعاقب (الإبدال) وهي توافق عنوان الكتاب: "الاعتقاب" ٤. ٢- قد يقرن الأزهريّ بين اسمين من هذه الأسماء الثّلاثة بما يدلّ على أنّهما لشخصٍ واحد، كقوله: "روى ابن الفرج أبو تراب عن خليفة الحصينيّ ... " ٥. وقوله في أوّل أحد النّصوص: "قال ابن الفرج...." وقوله في آخره: "جاء به أبو تراب في باب الشّين والسّين وتعاقبهما" ٦. أو يقرن بين أحد هذه الأسماء واسم الكتاب، كقوله: "رواه أبو تراب له في كتاب الاعتقاب" ٧ وفي نسخة أخرى - كما في الهامش: "حكاه ابن الفرج له في كتاب الاعتقاب" ٨ ٣- الإشارة إلى عناوين بعض الأبواب في كتاب "الاعتقاب" وورود ذلك مع الأسماء الثّلاثة، كقول الأزهريّ فيما يلي:

стр. 13

"روى أبو تراب في باب الكاف والفاء" ١ "قال ابن الفرج في باب الميم والباء" ٢ "قال إسحاق بن الفرج ... جاء بهما في باب الكاف والجيم"٣ "وقد طلبته في باب العين والحاء لأبي تراب فلم أجده" ٤ "ونظرت في باب ما يعاقب من حرفي الصاد والطاء لابن الفرج، فلم أجده" ٥ "روى ابن الفرج لابن الأعرابي في باب الصّاد والفاء" ٦ ٤- اتفاق الرّواة الوارد ذكرهم مع الأسماء الثّلاثة، وهو ما يظهر جلياً في النّصوص المثبتة في القسم الثّاني من هذا البحث، وأمثلة ذلك ممّا نقله الأزهريّ: أ- "قال أبو تراب: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول....." ٧ "قال ابن الفرج: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول...." ٨

стр. 14

"قال إسحاق بن الفرج: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول...."١ ب- "قال أبو تراب: سمعت أبا السَّمَيدع يقول ... " ٢ "روى ابن الفرج عن أبي السَّمَيدع ... " ٣. "قال إسحاق بن الفرج: سمعت أبا السَّمَيدع يقول ... " ٤ جـ- "روى أبو تراب عن مُدْرِك الجعفريّ ... " ٥ "قال ابن الفرج: سمعت مُدْرِكاً الجعفريّ يقول ... " ٦ "قال إسحاق بن الفرج ... وقال مُدْرِك الجعفريّ ... " ٧ ٥- يمكن أن يستدلّ - أيضاً - بتعاقب الأسماء الثّلاثة في نسخ التّهذيب الّذي أشرت إليه فيما تقدّم، فقد يكون دليلاً على وحدة المسمّى، أي أنّها لشخص واحد، هو أبو تراب. ٦- اجتماع هذا الاسم في نصّ فريد في "معجم البلدان" لياقوت الحموي؛ منقول ـ فيما يظهر لي ـ عن الأزهري في التهذيب؛ قال ياقوت في رسم (عربة) : "قال أبو تراب إسحاق بن الفرج: عَرَبة: باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم ... "٨ وهذا يوافق ما في التهذيب،

стр. 15

ولكن الأزهري اختصر الاسم فقال: "قال إسحاق بن الفرج ... "١ وقد يكون هذا الاختصار امتداد للاضطراب في اسم أبي تراب في التهذيب. ويبقى تعليل ذلك التّعاقب أو الاضطراب، وهو عندي من اجتهاد النّسّاخ، لاختلاف شهرة أبي تراب من بلد إلى بلد، فبعضهم يعرفه بأبي تراب، ويعرفه بعضهم بإسحاق بن الفرج أو ابن الفرج، فأباح بعض النّسّاخ لنفسه التّغيير وفق ما يراه هو، فاختلفت نسخ "التّهذيب"، وسرى الاختلاف من خلال هذه النّسخ المتباينة إلى معاجم أخرى كـ "التّكملة" و "العباب" للصّغانيّ و "لسان العرب" لابن منظور. ويدلّ على هذا التّفسير ما وقع في "التّهذيب" من تغيير في أسماء بعض العلماء غير أبي تراب، فقد يذكره الأزهريّ باسم فيغيره النّاسخ باسم آخر من أسمائه، ومن ذلك ما وقع في اسم "ثعلب" فهو يذكر تارة باسم "أحمد بن يحيى" فيُغيّر في نسخة أخرى في النّصّ نفسه ويجعل: "أبو العبّاس" ٢ ويذكر تارة بقوله "روى ثعلب" فيغير ويقال: "روى أبو العبّاس" ٣. ووقع التّغيير في اسم "الزّجّاج" فهو يرد في بعض النسخ بقوله: "قال الزّجّاج" ويَرِدُ في بعضها في الموضع نفسه بقوله: "قال أبو إسحاق" وهو واحد، وقد وقع مثل هذا كثيراً في الجزءين السّابع والعاشر من "التّهذيب" تثبته فروقات النّسخ المثبتة في الهوامش ٤.

стр. 16

ووقع التغيير في اسم الأزهري نفسه، فإذا قال في بعض النسخ: "قلت" غَيَّرَهُ نَاسِخٌ في أخرى بقوله: "قال الأزهريّ" ١ أو "قال أبو منصور" ٢وقد نجد العكس - أيضاً ٣. وبهذا يتبيّن أنّ تلك الأسماء الثّلاثة "أبا تراب" و "ابن الفرج" و "إسحاق بن الفرج" التي نقل عنها الأزهريّ في "التّهذيب" هي لشخص واحد، هو مؤلّف كتاب "الاعتقاب": أبو تراب إسحاق بن الفرج. وثمّة اسم آخر لهذا الرّجل غير هذه الثّلاثة، وهو "محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ" وهذا ما انفرد به ياقوت ونقله عنه الصّفديّ في "الوافي" ٤ونقله عن أحدهما أو عن غيرهما السّيوطيُّ في "بغية الوعاة"٥. قال ياقوت فيما يرويه عنه الصّفديّ: "وطلبت نسخة بكتاب الاعتقاب لأصحّح اسمه منها فوجدتها مترجمة لمحمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، وأنا في حيرة من هذا" ٦. وإن صحّ ما نقله الصّفديّ فهو حجّة قويّة لأنّ الاسم مأخوذ من كتاب مؤلّفه، وهو "الاعتقاب" ولكن يصعب الجزم بشيء؛ لأنّ هذا النّصّ ليس في "معجم الأدباء" لياقوت في طبعتيه، وفيهما عناية فائقة بإخراج النّصّ

стр. 17

وتصحيحه ومقابلته على أصوله، وقد ورد اسمه فيهما بما يوافق ما في طبعة التّهذيب؛ أي بقوله: "أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب" ١. ولعلّ ذلك النّصّ ممّا ضاع من كتاب "معجم الأدباء" وهو غير قليل. ومهما يكن من أمر فلا تنافيَ بين الاسمين إلا في الأوّل منهما؛ أي "محمّد" و "إسحاق" وقد يكون ذلك من تحريف النّسّاخ أو من تغييراتهم الّتي أشرتُ إلى بعضها، وقد يكون لهذا الرّجل اسمان: محمّد وإسحاق، وليس لدينا ما يُقْطَعُ به، وإنمّا هي احتمالات. أما اسم جَدِّة وهو "الوليد" فتركُ ذكرِهِ في الاسم الأوّل لا ينفيه في الاسم الثّاني لاقتصار الأوّل على الأب. أمّا اللّقب وهو "الشّعرانيّ" فهو نسبة إلى "الشَّعْر" المرسل على الرّأس، وقد اشتهر به جماعة من العلماء ذكر السّمعانيّ ٢ بعضهم، ولا يمتنع أن يكون أبو تراب منهم. ويبدو أنّ أبا تراب لم يكن مشهوراً في العراق، وربّما في خراسان - أيضاً - فلم يعرفه كثير من معاصريه في القرن الثّالث ومن جاء بعدهم في القرن الرّابع. ويدلّ على هذا قول ابن فارس (٣٩٥هـ) وهو ينقل عنه في نصّ لغويّ من نصوص التّعاقب: "وذُكِرَ عن رجل يُقال له أبو تراب، ولا نعرفه نحن: بَجَسْتُ الجرح مثل بططته" ٣.

стр. 18

ولهذا - أيضاً - ذكره صاحب "الفهرست" ١فيمن لا تُعرف أسماؤهم وأخبارهم ولعلّ خمول ذكره ممّا يفسّر الغموض والاضطراب الّذي تقدّم في اسمه. وفي الختام يمكن أن نقول: إن اسمه يحتمل الوجهين معاً، أو أحدهما، وهما: أبو تراب محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، كما في "الوافي". أو أبو تراب إسحاق بن الفرج، كما يفهم ممّا جاء في "التّهذيب". وبهذا الأخير جزم محقّق المستدرك على التّهذيب، وهو الدّكتور رشيد العبيديّ، وقال: "ابن الفرج هو إسحاق بن الفرج، وهو أبو تراب نفسه صاحب الاعتقاب في اللّغة، ولم يتنبّه محقّقو التّهذيب إلى هذا" ٢. ورجّحه الدّكتور فؤاد سزكين في "تاريخ الترّاث العربيّ" ٣. مولده ووفاته: سكتت المصادر القليلة الّتي ترجمت لأبي تراب اللّغويّ عن ذكر تاريخ مولده أو وفاته. والحقّ أنّنا لا نطمع في معرفة ذلك مع هذا الغموض الّذي يلفّ اسمه وتاريخ حياته بعامّة، فليس لنا إلا التّقدير بالاستعانة ببعض القرائن، كتاريخ وفيات بعض شيوخه وتلامذته، فقد روى أبو تراب عن جماعة من العلماء وسمع منهم، وكلّهم من علماء القرن الثّالث، أو ممّن أدرك القرن الثّالث. ومن آخر من روى عنهم أبو تراب وفاة: محمّد بن زياد المعروف بابن الأعرابيّ (ت ٢٣١هـ)

стр. 19

وأبو العميثل الأعرابيّ (ت ٢٤٠هـ) وأبو محلّم محمّد بن سعيد البغداديّ (ت ٢٤٨هـ) . وشمر بن حمدويه (ت ٢٥٥) بالإضافة إلى روايته عن بعض الأعراب الّذين استقدمهم ابن طاهر في الثّلث الأوّل من القرن الثّالث. وبهذا يمكن أن نستنتج أنّ النّشاط اللّغويّ لأبي تراب تركّز في النّصف الأوّل من القرن الثّالث، ويمكن القول: إنَّه عاش بين سنتي ٢٠٠هـ و ٢٨٠ تقريباً، أو نقدّر أنّ مولده كان بين سنتي ١٩٠ و ٢٠٠ هـ وأنّ وفاته كانت بين سنتي ٢٧٠ و ٢٨٠هـ. وقد قدّر الدّكتور فؤاد سزكين وفاة أبي تراب بسنة ٢٧٥هـ١. وذكر محقق المستدرك على التهذيب (الجزء السّادس عشر) أنّ أبا تراب توفيّ مطلع القرن الرّابع ٢، وليس لهذا الذي ذكره ما يؤيّده لمّا تقدّم ذكره، ولقول الأزهريّ بعد أن ذكر طبقة العلماء الّذين فيهم أبو تراب: "ويتلو هذه الطبقة طبقة أخرى أدركناهم في عصرنا" ٣. وهذا يعني أنّه لم يدرك طبقة أبي تراب، ومولد الأزهريّ كان في سنة (٢٨٢هـ) . موطنه ورحلاته: يعدّ أبو تراب من أهل خراسان، ولكن لا يُعرف على وجه الدّقّة مكان مولده، فقد يكون في إحدى تلك البلاد، وقد يكون في غيرها، وإن كنت أرى

стр. 20

أنّ مولده كان في نيسابور وهي المدينة الّتي نشأ بها وأخذ عن علمائها كأبي سعيد الضّرير الّذي استقدمه إليها ابن طاهر ١، وأخذ فيها عن الأعراب الرّواة الّذين استقدمهم ابن طاهر - أيضاً. ثمّ توجّه أبو تراب إلى هراة وهي من المدن الكبيرة الزّاخرة بالعلماء ٢ في خراسان قال الأزهريّ: "ثم رحل إلى هراة فسمع من شمر بعض كتبه". وقال في موضع آخر: إنّه "كتب عنه شيئاً كثيراً" ٣. وقد كانت هذه الرّحلة قبل منتصف القرن الثّالث، إذ توفيّ شمر سنة (٢٥٥) وقد لازمه أبو تراب سنين قبل وفاته وكتب عنه شيئاً كثيراً - كما قال الأزهريّ. ويبدو أن أبا تراب استطاب المقام في هراة فبقي فيها زمناً أملى فيه أجزاء من كتابه "الاعتقاب" قبل أن يعود إلى نيسابور، فيكمل إملاء الكتاب هناك. وفي هذا يقول الأزهريّ: "وأملى بهراة من كتاب الاعتقاب أجزاء، ثم عاد إلى نيسابور، وأملى باقي الكتاب" ٤. وتفيد عبارة: "ثمّ عاد إلى نيسابور" أنّ أبا تراب كان فيها قبل قدومه إلى هراة. ولعله أمضى ما تبقى من حياته هناك في تلك المدينة العامرة.

стр. 21

الفصل الثاني حياته العلميّة يعنينا في حياة أبي تراب العلمية ثلاثة عناصر: شيوخه، وتلامذته، مؤلفاته، فيما يلي تفصيل الحديث عن كل منها: أوّلاً: شيوخه: شحّت المصادر الّتي ترجمت لأبي تراب فلم تزوّدنا بكثير من التّفاصيل المهمّة في حياته العامّة كما تقدّم، ولم تزوّدنا - أيضاً - بمعلومات تساعد على التّعرف على أكثر شيوخه الّذين أخذ عنهم علومه، ولا سيّما في اللّغة، ومع ذلك أمكن التّعرف على ثلاثة منهم، وهم: ١- أبو سعيد الضّرير اللّغويّ: وهو أحمد بن خالد المعروف بأبي سعيد الضّرير البغداديّ اللّغويّ ١، من علماء اللّغة المعروفين في القرن الثّالث، وكان من أهل بغداد، وأخذ فيها عن محمّد بن زياد الأعرابيّ وأبي عمرو الشّيبانيّ، ثم استقدمه ابن طاهر إلى نيسابور ٢ ليستفاد من علمه هناك، فلقي الأعراب الفصحاء الذين استوردهم ابن طاهر نيسابورَ ٣، فشافههم وحفظ عنهم فوائد كثيرة أودعها كتبه. قال ياقوت: "لمّا قدم عبد الله بن طاهر نيسابورَ وأقدم معه جماعة من فُرسان طَرَسوس ومَلَطْيَة، وجماعة من أدباء الأعراب منهم: عرّام وأبو العميثل

стр. 22

وأبو العيسجور وأبو العجنّس وعوسجة وأبو العُذافر، وغيرهم فتفرّس أولادُ قواده وغيرهم بأولئك الفرسان، وتأدّبوا بأولئك الأعراب، وبهم تخرّج أبو سعيد الضّرير ... فصار إماماً" ١. وكان شَمِر بن حَمْدَوَيه وأبو الهيثم الرازيّ يوثّقان أبا سعيد الضّرير ويثنيان عليه. وله من التّصانيف في اللّغة والأدب: ١- كتاب النّوادر. ٢- كتاب معاني الشّعر. ٣- كتاب الرّدّ على أبي عبيد في غريب الحديث. وقد لازم أبو تراب أبا سعيد سنين طويلة في نيسابور وأخذ عنه كتباً جمة، وفي ذلك يقول الأزهريّ: "فأمّا أبو تراب فإنه شاهد أبا سعيد الضّرير سنين كثيرة، وسمع منه كتباً جمة" ٢ وكان ينقل عنه، ويقول: "سمعت أبا سعيد ... " ٣ ويبدو أنّ أبا تراب تأثّر بشيخه أبي سعيد في ملازمته الأعراب، فأكثر في كتابه "الاعتقاب" من الرواية عنهم، كما سيأتي في الحديث عن مصادره. وتوفّي أبو سعيد الضّرير بعد منتصف القرن الثّالث تقريباً، وليس في المصادر التي بين أيدينا ما يُعيّن تاريخ وفاته. ٢- شَمِر بن حَمْدَوَيه الهرويّ:

стр. 23

وهو أبو عمرو شَمر بن حَمْدَوَيه الهرويّ ١، كانت له عناية صادقة باللّغة في هراة؛ فاشتهر فيها بعد رحلته إلى العراق في شبابه ولقائه ابن الأعرابيّ وغيره من اللّغويّين من أصحاب أبي عمرو الشّيبانيّ وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي عبيدة والفرّاء وغيرهم، ثمّ عودته إلى نيسابور، ولقائه أصحاب النَّضِر بن شميل واللّيث بن المظفّر ٢. ولمّا ألقى شمر عصاه بهراة ألّف كتاباً كبيراً في اللّغة جعله على حروف المعجم، وابتدأ بحرف الجيم، فجوّده وأشبعه بالشّواهد والرّوايات الجمّة عن أئمّة اللّغة والأعراب، فكتمه ضناً به في حياته، ولم ينسخه طُلابه، فلم يبارك له فيما فعله - كما يقول أصحاب التّراجم ٣ - حتى مضى لسبيله وضاع، ولم يصل منه إلا تفاريقُ في كتب اللّغة نقلها عنه تلامذته. وكان من هؤلاء التّلامذة أبو تراب اللّغويّ أخذ عنه عند قدومه هراة. قال الأزهريّ: "وكان أبو تراب الّذي ألّف كتاب الاعتقاب قدم هراة مستفيداً من شمر، وكتب عنه شيئاً كثيراً" ٤. وقد ذكر أبو تراب سماعه عن شمر ٥، وكان يذاكره ويراجعه ويأنس برأيه كقوله مثلاً: "فذكرته لشمر بن حمدويه، وتبّرأت إليه من معرفته ... " ٦

стр. 24

وكانت وفاة شمر بن حمدويه في سنة ٢٥٥هـ. ٣- أبو الوَازع الخراساني: وهو محمّد بن عبد الخالق أبو الوازع الخراسانيّ اللّغويّ النّحويّ١، من علماء القرن الثالث. قال القفطيّ: "كان عالماً بالنّحو والغريب، صادقاً فيما يروي، روى عنه أبو تراب وغيره، وروى أبو٢ الوازع نوادر الأعراب الذين كانوا مع ابن طاهر بنيسابور، وجمعها ورويت عنه" ٣ وروى عنه أبو تراب في كتابه "الاعتقاب" فيما نقله الأزهريّ ٤، وابن منظور ٥ ولأبي الوازع كتاب "نوادر الأعراب" ولعلّ أبا تراب اطّلع عليه، وأفاد منه، وقد نقل الأزهريّ عن هذا الكتاب نقولاً كثيرة ٦. ثانياً: تلامذته: لم أعرف من تلامذة أبي تراب سوى اثنين، وهما: ١- الخارْزَنجي البُشْتيّ:

стр. 25

وهو أبو حامد أحمد بن محمّد الخارْزَنجي البُشتّي ١، من علماء اللّغة والأدب المشهورين في أواخر القرن الثّالث ومطلع القرن الرّابع في مدينة نيسابور موطن أبي تراب، وله من المصنّفات: "تكملة كتاب العين" وهو أشهر كتبه و "كتاب التّفصلة" وكتاب "تفسير أبيات أدب الكاتب" أخذ الخارْزَنجيّ العربيّة عن جماعة من علماء زمانه في نيسابور، ومنهم أبو تراب اللغوي، وعنه نقل الخارزنجي في كتابه "التكملة" وذكره في مقدّمته الّتي اقتبس منها الأزهريّ ٢. وأشار إلى ذلك الصّاحب بن عبّاد في "المحيط في اللّغة" ٣. وتوفيّ أبو حامد الخارْزَنجيّ في رجب سنة ٣٤٨هـ. ٢- ابن حَمَّوَيه: وهو أحمد بن علىّ بن حَمَّوَيه النيسابوريّ النحويّ، ذكره الحافظ ابن البيِّع في تاريخه، وسمّاه النّحويّ، وأوجز القول في ترجمته ٤، ولم أعرف تاريخ وفاته. سمع من أبي تراب ألفاظاً في غريب اللغة، وأخذ عنه. قال الأزهري: "أخبرني المنذري عن ابن حمَّوَيه قال: سمعت أبا تراب يقول: كتب أبو محلّم إلى رجل:

стр. 26

اشتر لنا جَرَّة ولتكن غير قَعْراء ولا دَنّاء ولا مُطربلة ... "١. ثالثاً: مؤلّفاته: تفيد المصادر بأنّ لأبي تراب كتابين في اللّغة، وهما: ١- الاعتقاب: وهو هذا الكتاب الّذي نعنى به في هذه الدّراسة، وسيأتي الحديث عنه مفصّلاً في الباب الثّاني من هذا القسم من الدّراسة. ٢- الاستدراك على الخليل في المهمل والمستعمل: استدرك فيه أبو تراب على الخليل بن أحمد في معجم العين، وخطّأه في أماكن، وزاد ما رأى أنّ الخليل نقصه من اللّغة في أبوابه، ونقص ما رأى أنّ الخليل زاده في غير بابه، وهذّب ذلك تهذيباً "زعم أنّه الصّواب"٢. والكتاب مفقود، فلا يمكن الحكم عليه، ولكن يبدو أنّ أبا تراب ألّفه في شبابه، فاندفع في الاستدراك والتّخطئة، فأثار معاصريه من اللّغويّن ومن جاء بعدهم، فردّ عليه جماعة منهم ٣، ونقضوا عليه ما استدركه ٤، وانتصروا للخليل.

стр. 27

الباب الثّاني كتاب الاعتقاب تمهيد: التّعاقب وما ألّف فيه التّعاقب في اللّغة بمعنى التّتابع، وهو مصدر قولك تعاقب اللّيل والنّهار؛ أي: أتى أحدهما عقب الآخر١. ويراد به في الاصطلاح: اللّفظان المتّفقان في المعنى المرويّان بوجهين بينهما اختلاف في حرف واحد، كقضم وخضم، وجاسَ وحاسَ، ونَبَأَ ونَتَأَ، ويُسمّى أيضاً "الاعتقاب" ٢. وهو الّذي اشتهر عند علماء اللّغة بمصطلح "الإبدال اللّغويّ" وهو يختلف عن "الإبدال الصّرفيّ" فهو - أي: الإبدال اللغويّ – شائع وغير لازم ويقع في أكثر الحروف، وجمعها بعضهم في قوله: لِجَدٍّ صَرْفُ شَكِس آمنٍ طيَّ ثوب عزتِه٣. وقيل إنه يقع في حروف الهجاء جميعاً ٤، بخلاف الإبدال الصّرفيّ، فهو شائع لازم، ويقع فيه التّبادل بين حروف مخصوصة لعلّة تصريفيّة، وحروفه مجموعة في قولك: طويت دائماً٥، ويزيدها بعضهم ويجمعها في قوله: أُجُدٌ طُوِيَتْ منهلا٦، أو أنجدته يوم طال٧.

стр. 28

وهذا - أي الإبدال الصّرفيّ - نوعان أحدهما إبدال من أجل الإدغام، كإبدال لام التّعريف وإدغامها في بعض الحروف كالنّون والرّاء والدّال والتّاء مثلاً، وكالإدغام في اسَّمَعَ، وأصلها: استمع. والآخر: الإبدال لغيرالإدغام، وهو المراد عند إطلاق المصطلح عند الصّرفيّين، كإبدال تاء الافتعال طاء إذا وقعت بعد الصّاد في قولك اصطفى واصطبر واصطحب. أما الإبدال اللّغويّ فهو أعم، إذ يشمل الإبدال الصرفي وغيره من اللغات، مما لا يلزم فيه الإبدال كما تقدم، وقد ألّفَ فيه جماعة من علماء العربيّة محاولين حصر ألفاظه على الطّريقة المعجميّة الّتي تقوم أساساً على جمع الألفاظ وتبويبها وشرحها، وأكثرهم لا يشترط في الإبدال أو التعاقب تقارب المخارج بين الحروف المبدلة، كما يفهم من صنيع ابن مالك في كتابه "وفاق المفهوم" وأبي تراب في "الاعتقاب". ومؤلّفاتهم الّتي وصلت إلينا أو بلغنا ذكرها في هذا الفنّ هي على النّحو التّالي: ١- الإبدال: لأبي عبيدة معمر بن المثنّى ١ (٢٠٩هـ) وهو مفقود. ٢- القلب والإبدال: للأصمعيّ ٢ (٢١٤هـ) وهو مفقود، نقل عنه القالي كثيراً ٣. ٣- القلب والإبدال:

стр. 29

لابن السّكّيت (٢٤٤هـ) وقد طبع مرتين إحداهما سنة (١٩٠٣م) بعناية أوغست هفنر والأخرى سنة (١٣٩٨هـ) بتحقيق الدّكتور حسين محمّد شرف، وسمّاه "الإبدال". ٤- الاعتقاب: لأبي تراب (ت ٢٧٠ - ٢٨٠هـ تقريباً) وسيأتي الحديث عنه. ٥- الإبدال والمعاقبة والنّظائر: للزّجّاجيّ (٣٤٠هـ) نشر سنة (١٣٨١هـ) بتحقيق الأستاذ عزّ الدّين التّنوخيّ. ٦- الإبدال: لأبي الطّيّب اللّغويّ (٣٥١هـ) نشر سنة (١٣٧٩هـ) بتحقيق عزّ الدّين التّنوخيّ. ٧- وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم: لابن مالك (٦٧٢هـ) وموضوعه الاعتقاب أو الإبدال اللّغويّ، وحقّق الكتاب في الجامعة الإسلاميّة سنة ١٤٠٥هـ ونشر في المدينة سنة ١٤٠٩هـ بتحقيق بدر الزّمان محمّد شفيع النّيباليّ. ٨- وفاق الاستعمال في الإعجام والإهمال: لابن مالك (٦٧٢هـ) وهو رسالة صغيرة في الاعتقاب، ولعلّه مختصر من كتاب "وفاق المفهوم" المتقدّم ذكره، وله نسخة خطّيّة في مكتبة شهيد علي باشا ٢٦٧٧/٢.

стр. 30

ويلحق بهذه المؤلفات ما كتب من أبواب الإبدال في بعض المصنّفات اللّغويّة أو الأدبيّة مثل أمالي القالي والمخصّص لابن سيده والمزهر للسّيوطيّ. أما كتاب ابن جنّي "التّعاقب" الّذي أشار إليه في بعض كتبه ١ فليس من هذا الباب الّذي نحن فيه، بل هو في البدل والعوض. قال السّيوطيّ: "وقد ألّف ابن جنّي كتاب التّعاقب في أقسام البدل والمبدل منه، والعِوَض والمعوّض منه وقال في أوّله: اعلم أنّ كلّ واحد من ضَرْبَيِ التّعاقب - وهما البدل والعِوَض - قد يقع في الاستعمال موضع صاحبه، وربّما امتاز أحدهما بالموضع دون رَسِيلِهِ، إلا أنّ البدل أعمّ استعمالاً من العِوَض" ٢.

стр. 31

الفصل الأوّل مادّة الكتاب ومنهجه جمعت في هذه الدّراسة مادّة وافرة من نصوص كتاب "الاعتقاب" لأبي تراب تمثّل جزءاً كبيراً من الكتاب، وقد بلغت خمسة وسبعين وثلاثمائة نصّ، هي في الجملة من نصوص الإبدال اللّغويّ بمفهومه العامّ، وقليل منها من النّصوص اللّغويّة كالنّوادر والفوائد واللّغات، وذلك على الوجه التّالي: أ- خمسة وأربعون وثلاثمائة نص من نصوص الاعتقاب (الإبدال) ب- ثلاثون نصاً من النصّوص اللّغويّة الأخرى. وهذه النّصوص جميعها مفرّقة بين أكثر حروف الهجاء، ولا ندري كيف رتبها أبو تراب، لأنّ النّصوص المجموعة من التّهذيب وغيره لا تعطي صورة كاملة ودقيقة لمنهج الكتاب إلا أنّ المؤكّد أنّه رتّبه على أبواب الاعتقاب في الحروف، وقد عرفنا من هذه الأبواب ممّا أشار إليه الأزهريّ الأبواب التّالية: ١- باب اعتقاب الباء والذّال ١. ٢- باب ما تعاقب من حرفي الصّاد والطّاء ٢. ٣- باب ما تعاقب فيه الدال والباء ٣. ٤- باب التّاء والميم ٤.

стр. 32

٥- باب الحاء والكاف ١. ٦- باب الميم والباء ٢. ٧- باب الكاف والجيم ٣. ٨- باب الجيم والحاء ٤. ٩- باب الجيم والخاء ٥. ١٠- باب الشّين والسّين ٦. ١١- باب الظّاء والزّاي ٧. ١٢- باب الكاف والتّاء ٨. ١٣- باب الصّاد والفاء ٩. ١٤- باب العين والحاء ١٠.

стр. 33

وهذه الأبواب لا تدلّ على طريقة ثابتة له في التّرتيب، فهو قد يقدّم الحرف السّابق في الهجاء من الحرفين في تسمية بعض الأبواب نحو: باب الباء والذّال مثلاً، وقد يقدّم المتأخّر نحو: باب الميم والباء. ولمّا خفي ذلك رأيت أن ألتزم طريقة واحدة فيما جمعته من نصوص الكتاب لأسباب ذكرتها بين يدي القسم الثاني، ولأنّها توافق طريقة أبي الطيّب اللّغويّ في كتاب " الإبدال " ولا يستبعد أن يكون أبو الطّيّب متأثّراً في كتابه بطريقة أبي تراب في كتاب " الاعتقاب ". وفيما يلي أبواب الاعتقاب بحسب التّرتيب، الّذي آمل أن يوافق ترتيب أبي تراب، أو أن يكون قريباً منه، وما في هذه الأبواب من نصوص لغويّة مجموعة. ١- أبواب اعتقاب الهمزة اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الهمزة والتّاء ... ١ الهمزة والعين ... ٣ الهمزة والغين ... ١ الهمزة والميم ... ١ الهمزة والواو ... ١ الهمزة والألف ... ١ الهمزة والياء ... ١ ٢- أبواب اعتقاب الباء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الباء والتّاء ... ٢ الباء والثّاء ... ١ الباء والحاء ... ٢

стр. 34

الباء والحاء والنّون ... ١ الباء والدّال ... ٣ الباء والذّال ... ١ الباء والسّين ... ١ الباء والسّين واللام ... ١ الباء والشّين ... ١ الباء والصّاد ... ١ الباء والطّاء ... ٢ الباء والعين ... ١ الباء والفاء ... ٤ الباء والقاف ... ١ الباء واللام ... ٤ الباء والميم ... ٥ الباء والنّون ... ١ الباء والياء ... ١ ٣- أبواب اعتقاب التّاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الوادرة فيه التّاء والطّاء ... ١ التّاء والفاء ... ١ التّاء والكاف ... ٢

стр. 35

التّاء والميم ... ١ ٤- أبواب اعتقاب الثّاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الثّاء والذّال ... ٣ الثّاء والسيّن ... ١ الثّاء والشيّن ... ١ الثّاء والفاء ... ٦ الثّاء والهاء ... ١ ٥- أبواب اعتقاب الجيم: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الجيم والحاء ... ٢ الجيم والخاء ... ٤ الجيم والدّال والشّين ... ١ الجيم والزّاي ... ١ الجيم والعين واللام ... ١ الجيم والكاف ... ٢ ٦- أبواب اعتقاب الحاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه

стр. 36

الحاء والخاء ... ٥ الحاء والرّاء ... ١ الحاء والسّين ... ١ الحاء والسّين واللام ... ٢ الحاء والعين ... ٣ الحاء والكاف ... ١ ٧- أبواب اعتقاب الخاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الخاء والهاء ... ٢ ٨- أبواب اعتقاب الدّال: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الدّال والذّال ... ٢ ٩-أبواب اعتقاب الذّال: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الذّال والزّاي ... ١ الذّال والضّاد ... ١ ١٠- أبواب اعتقاب الرّاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الرّاء واللام ... ١١

стр. 37

الرّاء والميم ... ٥ الرّاء والنّون ... ٧ الرّاء والهاء ... ٣ الرّاء والواو ... ١ الرّاء والألف اللّيّنة ... ١ ١١- أبواب اعتقاب الزاي: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الزّاي والسَين ... ٢ الزّاي والسّين والصّاد ... ١ الزّاي والشّين ... ١ الزّاي والضّاد ... ٤ الزّاي والظّاء ... ١ الزّاي والفّاء ... ١ الزّاي والقاف ... ١ الزّاي واللام ... ٢ ١٢- أبواب اعتقاب السّين: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه السّين والشّين ... ١٥

стр. 38

السّين والشّين والباء ... ١ السّين والصّاد ... ٦ السّين والطّاء ... ١ السّين والعين ... ٢ السّين والفاء ... ١ السّين والقاف ... ٦ السّين واللام ... ٣ السّين والميم ... ٢ السّين والهاء ... ١ ١٣- أبواب اعتقاب الشّين: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الشّين والصّاد ... ١ الشّين والغين ... ٥ الشّين والفاء ... ٣ الشّين واللام ... ١ الشّين والنّون ... ١ ١٤- أبواب اعتقاب الصّاد: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه

стр. 39

الصّاد والضّاد ... ٣ الصّاد والطّاء ... ٤ الصّاد والفاء ... ٢ الصّاد والقاف ... ١ الصّاد والكاف ... ١ الصّاد واللام ... ١ الصّاد والهاء ... ١ ١٥- أبواب اعتقاب الضّاد: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الضّاد والطّاء ... ٣ الضّاد والظّاء ... ٢ الضّاد والعين ... ٢ الضّاد والغين ... ١ الضّاد والفاء ... ١ الضّاد والكاف ... ١ الضّاد واللام ... ٣ ١٦- أبواب اعتقاب الطّاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الطّاء والظّاء ... ٣

стр. 40

الطّاء والعين ... ١ الطّاء والغين ... ١ الطّاء والقاف ... ٥ الطّاء واللام ... ٣ الطّاء والنّون ... ١ ١٧- أبواب اعتقاب الظاء: اسم الباب ... عدد النّصوص الواردة فيه الظّاء والعين ... ١ الظّاء واللام ... ١ ١٨- أبواب اعتقاب العين: اسم الباب ... عدد النصوص الواردة فيه العين والغين ... ١٤ العين والفاء ... ٤ العين والقاف ... ٦ العين والكاف ... ١ العين واللام ... ٥ العين والنّون ... ٢
следующие страницы →