← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 22642

النشر في القراءات العشر

ابن الجزري

Полный текст (967 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُرَاقَبَةٌ، وَكَالْوَقْفِ عَلَى مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُرَاقِبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مِنَ النَّادِمِينَ يُرَاقِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ نَبَّهَ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ فِي الْوَقْفِ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَخَذَهُ مِنَ الْمُرَاقِبَةِ فِي الْعَرُوضِ. (تَاسِعُهَا) لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أُصُولِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ لِيُعْتَمَدَ فِي قِرَاءَةِ كُلِّ مَذْهَبِهِ، فَنَافِعٌ كَانَ يُرَاعِي مَحَاسِنَ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا وَرَدَ عَنْهُ النَّصُّ بِذَلِكَ، وَابْنُ كَثِيرٍ رُوِّينَا عَنْهُ نَصًّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا وَقَفْتُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ، وَعَلَى إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) لَمْ أُبَالِ بَعْدَهَا وَقَفْتُ أَمْ لَمْ أَقِفْ. وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَقِفُ حَيْثُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ الصَّالِحُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا، وَلَا يَتَعَمَّدُ فِي أَوْسَاطِ الْآيِ وَقْفًا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَبُو عَمْرٍو فَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَمَّدُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ وَيَقُولُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَذَكَرَ عَنْهُ الْخُزَاعِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ يُرَاعِي حُسْنَ الْوَقْفِ، وَعَاصِمٌ ذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ عَاصِمًا وَالْكِسَائِيَّ كَانَا يَطْلُبَانِ الْوَقْفَ مِنْ حَيْثُ يَتِمُّ الْكَلَامُ، وَحَمْزَةُ اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ بَعْدَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ، فَقِيلَ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ التَّحْقِيقُ وَالْمَدُّ الطَّوِيلُ فَلَا يَبْلُغُ نَفَسُ الْقَارِئِ إِلَى وَقْفِ التَّمَامِ، وَلَا إِلَى الْكَافِي وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَتَعَمَّدُ وَقْفًا مُعَيَّنًا ; وَلِذَلِكَ آثَرَ وَصْلَ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْلِ التَّحْقِيقِ لَآثَرَ الْقَطْعَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَالْبَاقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ كَانُوا يُرَاعُونَ حُسْنَ الْحَالَتَيْنِ وَقْفًا وَابْتِدَاءً، وَكَذَا حَكَى عَنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْإِمَامَانِ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ وَالرَّازِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. (عَاشِرُهَا) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْقَطْعِ وَالسَّكْتِ

стр. 247

هَذِهِ الْعِبَارَاتُ جَرَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مُرَادًا بِهَا الْوَقْفُ غَالِبًا، وَلَا يُرِيدُونَ بِهَا غَيْرَ الْوَقْفِ إِلَّا مُقَيَّدَةً، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ رَأْسًا، فَهُوَ كَالِانْتِهَاءِ فَالْقَارِئُ بِهِ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَالْمُنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى سِوَى الْقِرَاءَةِ كَالَّذِي يَقْطَعُ عَلَى حِزْبٍ، أَوْ وِرْدٍ، أَوْ عُشْرٍ، أَوْ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِنُ بِانْقِضَاءِ الْقِرَاءَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَعَاذُ بَعْدَهُ لِلْقِرَاءَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ آيَةٍ ; لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيِ فِي نَفْسِهَا مَقَاطِعُ. (أَخْبَرَنَا) أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ فِي آخَرِينَ مُشَافَهَةً عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّعْدِيِّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا افْتَتَحَ أَحَدُكُمْ آيَةً يَقْرَؤُهَا فَلَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يُتِمَّهَا، وَأَخْبَرَتْنَا بِهِ أُمُّ مُحَمَّدِ بِنْتُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيَّةُ إِذْنًا، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ جَدِّي، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الصَّفَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: إِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمُ الْآيَةَ فَلَا يَقْطَعْهَا حَتَّى يُتِمَّهَا. قَالَ الْخُزَاعِيُّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّهَا فَيَرْكَعَ حِينَئِذٍ - قَالَ - فَأَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: كَلَامُ ابْنِ الْهُذَيْلِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَدَعْوَى الْخُزَاعِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فِيهَا نَظَرٌ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَقَدْ) أَخْبَرَتْنِي بِهِ أَسْنَدَ مِنْ هَذَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ مُحَمَّدٍ سِتُّ الْعَرَبِ ابْنَةُ

стр. 248

مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِيمَا شَافَهَتْنِي بِهِ بِمَنْزِلِهَا مِنَ الزَّاوِيَةِ الْأَرْمَوِيَّةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْمَذْكُورُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرَةٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الصَّفَّارِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَقْرَءُوا بَعْضَ الْآيَةِ وَيَدَعُوا بَعْضَهَا. وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ خَارِجَهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ هَذَا تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَقَوْلُهُ كَانُوا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالْوَقْفُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ عَلَى الْكَلِمَةِ زَمَنًا يَتَنَفَّسُ فِيهِ عَادَةً بِنِيَّةِ اسْتِئْنَافِ الْقِرَاءَةِ إِمَّا بِمَا يَلِي الْحَرْفَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ فِي أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ لَا بِنِيَّةِ الْإِعْرَاضِ، وَتَنْبَغِي الْبَسْمَلَةُ مَعَهُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي وَيَأْتِي فِي رُءُوسِ الْآيِ وَأَوْسَاطِهَا، وَلَا يَأْتِي فِي وَسَطِ كَلِمَةٍ، وَلَا فِيمَا اتَّصَلَ رَسْمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنَفُّسِ مَعَهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَالسَّكْتُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ زَمَنًا هُوَ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلِفَاظُ أَئِمَّتِنَا فِي التَّأْدِيَةِ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى طُولِ السَّكْتِ وَقِصَرِهِ فَقَالَ: أَصْحَابُ سُلَيْمٍ عَنْهُ عَنْ حَمْزَةَ فِي السَّكْتِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ: سَكْتَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ جَعْفَرٌ الْوَزَّانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ خَلَّادٍ: لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ عَلَى السَّوَاكِنِ كَثِيرًا، وَقَالَ الْأُشْنَانِيُّ: سَكْتَةٌ قَصِيرَةٌ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ عَنِ الْكِسَائِيِّ: سَكَتَ سَكْتَةً مُخْتَلَسَةً مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَقَالَ النَّقَّارُ عَنِ الْخَيَّاطِ: يَعْنِي الشُّمُونِيَّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّكَ نَسِيتَ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ: وَقْفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقْفَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَكْتِ الْقَاضِي عَنْ رُوَيْسٍ وَقَالَ الْحَافِظُ

стр. 249

أَبُو الْعَلَاءِ: يَسْكُتُ حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى وَابْنُ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَوِيِّ وَالنَّهَاوَنْدِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ نَفَسٍ وَأَتَمُّهُمْ سَكْتَةً حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ: حَمْزَةُ وَقُتَيْبَةُ يَقِفَانِ وَقْفَةً يَسِيرَةً مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ سَكْتًا مُقَلَّلًا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ أَيْضًا فِي السَّكْتِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ قَالَ فِيهِ ابْنُ شُرَيْحٍ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: مَعَ سَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُبْهِجِ: وَقْفَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا، أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُهْلَةِ وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ: وَسَكْتُهُمُ الْمُخْتَارُ دُونَ تَنَفُّسٍ وَقَالَ أَيْضًا وَسَكْتَةُ حَفْصٍ دُونَ قَطْعٍ لَطِيفَةٌ . وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي ذَلِكَ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ. وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ وُقَيْفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ غَلْبُونَ بِوَقْفَةٍ خَفِيفَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْمَهْدَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ الْقَلَانِسِيُّ: فِي سَكْتِ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ: يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْهَمَذَانِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: وَيَقِفُ عَلَى: ص، وَ " ق "، وَ " ن " وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي الْجَامِعِ: وَاخْتِيَارِي فِيمَنْ تَرَكَ الْفَصْلَ سِوَى حَمْزَةَ أَنْ يَسْكُتَ الْقَارِئُ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ شَدِيدَةٍ. فَقَدِ اجْتَمَعَتْ أَلْفَاظُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّكْتَ زَمَنُهُ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً وَهُمْ فِي مِقْدَارِهِ بِحَسَبِ مَذَاهِبِهِمْ فِي التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ وَالتَّوَسُّطِ حَسْبَمَا تَحْكُمُ الْمُشَافَهَةُ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُمْ بِكَوْنِهِ دُونَ تَنَفُّسٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِهِ آرَاءُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ دُونَ تَنَفُّسٍ إِلَى عَدَمِ الْإِطَالَةِ الْمُؤْذِنَةِ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: قَطْعُ الصَّوْتِ زَمَانًا قَلِيلًا أَقْصَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ ; لِأَنَّهُ إِنْ طَالَ صَارَ وَقْفًا يُوجِبُ الْبَسْمَلَةَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ ابْنُ بُصْخَانَ: أَيْ دُونَ مُهْلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّنَفُّسِ هُنَا إِخْرَاجَ النَّفَسِ بِدَلِيلٍ أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّنَفُّسَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُهْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَارَةَ: دُونَ تَنَفُّسٍ يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا سُكُوتٌ يُقْصَدُ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ

стр. 250

لَا السُّكُوتُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْقَارِئُ التَّنَفُّسَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ سُكُوتٌ دُونَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ، أَيْ: أَقْصَرُ مِنْهُ، أَيْ: دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقِصَرِ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ حَتَّى يَجْعَلَ هَذَا دُونَهُ فِي الْقِصَرِ. قَالَ: وَيَعْلَمُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ وَعُرْفِ الْقُرَّاءِ. (قُلْتُ) : الصَّوَابُ حَمْلُ دُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: دُونَ تَنَفُّسٍ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى غَيْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ السَّكْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ عَدَمِ التَّنَفُّسِ سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُهُ أَوْ كَثُرَ، وَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَعْنًى أَقَلَّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا صَوَابًا لِوُجُودِهِ (أَحَدُهَا) مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّصِّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّكَ قَدْ نَسِيتَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ زَمَنَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ وَغَيْرِهِ، (وَثَانِيهَا) قَوْلُ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ: سَكْتَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا. أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَالزَّمَنُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِخْرَاجِ النَّفَسِ بِلَا نَظَرٍ، (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنًى أَقَلَّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ كَمَا قَدَّرُوهُ بِقَوْلِهِمْ: أَقَلُّ مِنْ زَمَانِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَعَدَمُ التَّقْدِيرِ أَوْلَى، (رَابِعُهَا) أَنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ زَمَنَ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَإِنْ قَلَّ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ زَمَنٍ قَلِيلِ السَّكْتِ وَالِاخْتِيَارُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، (خَامِسُهَا) أَنَّ التَّنَفُّسَ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: الْأَرْضُ، وَالْآخِرَةُ، وَقُرْآنٌ، وَ (مَسْئُولًا) مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: وَالْبَارِئُ، وَفُرْقَانٌ، وَ (مَسْحُورًا) ، إِذِ التَّنَفُّسُ فِي وَسَطِ الْكَلِمَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ، أَوْ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ ابْنِ بُصْخَانَ بِأَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ مُطْلَقَ السَّكْتِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، إِذْ لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ أَرَادَ السَّكْتَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَاخِرَ السُّورِ فِي نَفْسِهَا تَمَامٌ يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَيْهَا وَالْوَقْفُ. فَلَا مَحْذُورَ مِنَ التَّنَفُّسِ عَلَيْهَا

стр. 251

نَعَمْ لَا يَخْرُجُ وَجْهُ السَّكْتِ مَعَ التَّنَفُّسِ، فَلَوْ تَنَفَّسَ الْقَارِئُ آخِرَ سُورَةٍ لِصَاحِبِ السَّكْتِ، أَوْ عَلَى (عِوَجَا، وَمَرْقَدِنَا) لِحَفْصٍ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ. لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا، وَلَا وَاقِفًا، إِذِ الْوَقْفُ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّنَفُّسُ مَعَ الْمُهْلَةِ، وَالسَّكْتُ لَا يَكُونُ مَعَهُ تَنَفُّسٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي شَامَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ. (خَاتِمَةٌ) الصَّحِيحُ أَنَّ السَّكْتَ مُقَيَّدٌ بِالسَّمَاعِ وَالنَّقْلِ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهِ لِمَعْنًى مَقْصُودٍ بِذَاتِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ سَعْدَانَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ جَائِزٌ فِي رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا حَالَةَ الْوَصْلِ لِقَصْدِ الْبَيَانِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّ حَمْلُ ذَلِكَ جَازَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاسْتِعَاذَةِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهٍ (الْأَوَّلُ) فِي صِيغَتِهَا وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: (الْأُولَى) أَنَّ الْمُخْتَارَ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فَقَدْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سِوَارٍ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ " جَمَالُ الْقُرَّاءِ " إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ هُوَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحُذَّاقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدُهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ - لَوْ قَالَ - أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. الْحَدِيثَ لَفْظُ

стр. 252

الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَهَذَا لَفْظُهُ نَصًّا، وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظَ مِنَ التَّعَوُّذِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ. فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى سَلَّامِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) هَكَذَا أَخَذْتُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ مِيكَائِيلَ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. حَدِيثٌ غَرِيبٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (وَرُوِّينَاهُ مُسَلْسَلًا) مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ أَيْضًا قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَارِفِ الزَّاهِدِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَمَّالِيِّ النَّسَائِيِّ مُشَافَهَةً فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَيْخِ السُّنَّةِ سَعْدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارَزِينِيِّ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الرَّبِيعِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْجَيْشِ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مُحْيِي الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ

стр. 253

يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَوْزِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْبَغْدَادِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيِّ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى هَنَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَفِيِّ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مَحْمُودِ بْنِ الْمُثَنَّى بْنِ الْمُغِيرَةِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عِصْمَةَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّجْزِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزَّنْجَانِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَهْوَازِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى سَلَّامِ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ

стр. 254

مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى جِبْرِيلَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ لِي: جِبْرِيلُ هَكَذَا أَخَذْتُ عَنْ مِيكَائِيلَ وَأَخَذَهَا مِيكَائِيلُ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. (وَقَدْ أَخْبَرَنِي) بِهَذَا الْحَدِيثِ أَعْلَى مِنْ هَذَا شَيْخَايَ الْإِمَامَانِ، الْوَلِيُّ الصَّالِحُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ رَجَبٍ الْمُقْرِئُ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَالْمُقْرِئُ الْمُحَدِّثُ الْكَبِيرُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّومَرِيُّ الْبَغْدَادِيَّانِ فِيمَا شَافَهَنِي بِهِ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَبَشِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا جِدًّا جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَزْيَدِ بْنِ أُمَيْلَةَ الْمَرَاغِيُّ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَى الْخُزَاعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمُنْتَهَى بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ . (الثَّانِيَةُ) دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ مُشْكِلَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَقَدْ وَرَدَ تَغْيِيرُ هَذَا اللَّفْظِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ صَوَابَهُ (وَأَمَّا أَعُوذُ) فَقَدْ نُقِلَ عَنْ حَمْزَةَ فِيهِ، أَسْتَعِيذُ، وَنَسْتَعِيذُ، وَاسْتَعَذْتُ، وَلَا يَصِحُّ، وَقَدِ اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: لِمُطَابَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: عُذْتُ بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ، أَيْ: لَجَأْتُ إِلَيْهِ، مَرْدُودٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ، بَلْ لَا يَجْزِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَا يَجْزِي: أَتَعَوَّذُ، وَلَا تَعَوَّذْتُ، وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو أُمَامَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النَّقَّاشِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ (اللَّاحِقُ السَّابِقُ وَالنَّاطِقُ الصَّادِقُ) فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ: بَيَانُ الْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا

стр. 255

لَمْ تَدْخُلِ السِّينُ وَالتَّاءُ فِي فِعْلِ الْمُسْتَعِيذِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ فَقَدْ قِيلَ لَهُ: اسْتَعِذْ، بَلْ لَا يُقَالُ إِلَّا أَعُوذُ دُونَ أَسْتَعِيذُ وَأَتَعَوَّذُ وَاسْتَعَذْتُ وَتَعَوَّذْتُ، وَذَلِكَ أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ شَأْنُهُمَا مِنْهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الطَّلَبِ فَوَرَدَتَا إِيذَانًا بِطَلَبِ التَّعَوُّذِ فَمَعْنَى اسْتَعَذْتُ بِاللَّهِ أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُعِيذَكَ. فَامْتِثَالُ الْأَمْرِ هُوَ أَنْ يَقُولَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ قَائِلَهُ مُتَعَوِّذٌ، أَوْ مُسْتَعِيذٌ قَدْ عَاذَ وَالْتَجَأَ وَالْقَائِلُ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَائِذٍ، إِنَّمَا، وَهُوَ طَالِبٌ الْعِيَاذَ كَمَا تَقُولُ أَسْتَخِيرُ، أَيْ: أَطْلُبُ خِيرَتَهُ، وَأَسْتَقِيلُهُ أَيْ: أَطْلُبُ إِقَالَتَهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ وَأَسْتَقِيلُهُ، أَيْ: أَطْلُبُ مَغْفِرَتَهُ ; فِي فِعْلِ الْأَمْرِ إِيذَانًا بِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْمُعَاذِيَةِ، فَإِذَا قَالَ الْمَأْمُورُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَدِ امْتَثَلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ طُلِبَ مِنْهُ نَفْسُ الِاعْتِصَامِ وَالِالْتِجَاءِ وَفَرْقٌ بَيْنَ الِاعْتِصَامِ وَبَيْنَ طَلَبِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْتَعِيذُ هَارِبًا مُلْتَجِأً مُعْتَصِمًا بِاللَّهِ أَتَى بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا امْتَثَلَ الْمُسْتَغْفِرُ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى إِلَّا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعِيَاذِ وَاللُّجْأِ وَالِاعْتِصَامِ فَامْتَثَلَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَيْ: أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي، انْتَهَى. وَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَلْطَفَهُ وَأَحْسَنَهُ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، ثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضِّحَاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اسْتَعِذْ، قَالَ: أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟ قُلْتُ: مَا أَعْظَمَهُ مُسَاعِدًا لِمَنْ قَالَ بِهِ لَوْ صَحَّ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ ﵀ بَعْدَ إِيرَادِهِ: وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا وَانْقِطَاعًا. قُلْتُ: وَمَعَ ضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَكَوْنِهِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو الدَّانِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَاهُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَوْقٍ أَيْضًا عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَّمَهُ

стр. 256

الِاسْتِعَاذَةَ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَالْقَصْدُ أَنَّ الَّذِي تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ وَلِسَائِرِ تَعَوُّذَاتِهِ مِنْ رِوَايَاتٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ لَفْظُ: أَعُوذُ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: " وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، وَقَالَ عَنْ مُوسَى ﵇ " أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ "، وَعَنْ مَرْيَمَ ﵍ " أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ " وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ فَلَمْ يَقُولُوا فِي شَيْءٍ مِنْ جَوَابِهِ ﷺ نَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ، وَلَا تَعَوَّذْنَا عَلَى طِبْقِ اللَّفْظِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ كَمَا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ، وَلَا اسْتَعَذْتُ عَلَى طِبْقِ اللَّفْظِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَا كَانَ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْدِلُونَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ كَانُوا هُمْ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ وَأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ وَأَعْرَفَ بِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، كَيْفَ وَقَدْ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُسْتَعَاذُ فَقَالَ: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلَا أَصْرَحَ مِنْ ذَلِكَ. (وَأَمَّا بِاللَّهِ) فَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَرَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ عَنِ ابْنِ وَاصِلٍ وَغَيْرُهُ عَنْ حَمْزَةَ، وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْهُمَا نَظَرٌ. (وَأَمَّا الرَّجِيمُ) فَقَدْ ذَكَرَ

стр. 257

الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ عَنْ شِبْلِ بْنِ حُمَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَادِرِ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَادِرِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ أَبِي السَّمَّاكِ " أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَوِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ " وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ (وَأَمَّا تَغْيِيرُهُمَا) بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَنَحْوِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ أَنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ: مُرْسَلٌ. يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا ; لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ: اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ تَعَوَّذَ فِي الْمَكْتُوبَةِ رَافِعًا صَوْتَهُ: رَبَّنَا إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (وَأَمَّا الزِّيَادَةُ) فَقَدْ وَرَدَتْ بِأَلِفَاظٍ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى (الْأَوَّلُ) " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " نَصَّ عَلَيْهَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ إِنَّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِ وَرَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ أَدَّاهُ عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَعَنِ الرِّفَاعِيِّ عَنْ سُلَيْمٍ وَكِلَاهُمَا عَنْ حَمْزَةَ وَنَصًّا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ أَدَاءً. (قُلْتُ) : وَقَرَأْتُ، أَنَا بِهِ فِي اخْتِيَارِ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، وَرِوَايَةُ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ

стр. 258

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (الثَّانِي) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ذَكَرَهُ الدَّانِيُّ أَيْضًا فِي جَامِعِهِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ وَسَائِرِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ إِنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ مِنْهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَحَكَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي سَوْقِ الْعَرُوسِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ أَيْضًا، وَعَنْ قُنْبُلٍ وَالزَّيْنَبِيِّ وَرَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ وَرْشٍ، وَقَالَ عَلَى ذَلِكَ وَجَدْتُ أَهْلَ الشَّامِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقْرَأْ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَاءِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُونَهُ وَرَوَاهُ أَدَاءً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ فِي اخْتِيَارِهِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي بَحْرِيَّةَ وَابْنِ مَنَاذِرَ وَحَكَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ قُنْبُلٍ وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ أَدَاءً عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ وَرَوَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الزَّيْنَبِيِّ. (الثَّالِثُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ وَنَافِعٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ، وَحَكَاهُ الْخُزَاعِيُّ وَأَبُو الْكَرَمِ الشَّهْرُزُورِيُّ عَنْ رِجَالِهِمَا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي أَحَدِ وُجُوهِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيِّ (وَقَرَأْتُ أَنَا) بِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ الشَّنَبُوذِيِّ عَنْهُ أُدْغِمَتِ الْهَاءُ فِي الْهَاءِ. (الرَّابِعُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) رَوَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنْ هُبَيْرَةَ عَنْ حَفْصٍ قَالَ: وَكَذَا فِي حِفْظِي عَنِ ابْنِ الشَّارِبِ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ قُنْبُلٍ، وَذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ. (الْخَامِسُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

стр. 259

(السَّادِسُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ذَكَرَهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ (وَقَرَأْتُ بِهِ) فِي قِرَاءَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. (السَّابِعُ) : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَسْتَفْتِحُ اللَّهَ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. رَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَبَّازِيُّ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الْخُوَارَزْمِيِّ، عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ (الثَّامِنُ) - أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الدُّخُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَوَرَدَتْ بِأَلْفَاظٍ تَتَعَلَّقُ بِشَتْمِ الشَّيْطَانِ نَحْوُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ وَالرِّجْسِ النَّجِسِ) ، كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابَيِ الدُّعَاءِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ السُّنِّيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَوَرَدَتْ أَيْضًا بِأَلْفَاظٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ، فَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ. وَفَسَّرُوهُ فَقَالُوا: هَمْزُهُ الْجُنُونُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ. وَأَمَّا النَّقْصُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا، وَكَلَامُ الشَّاطِبِيِّ ﵀ يَقْتَضِي عَدَمَهُ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِمَا وَرَدَ، فَقَدْ نَصَّ الْحُلْوَانِيُّ فِي جَامِعِهِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَيْسَ لِلِاسْتِعَاذَةِ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ. مَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ، أَيْ: بِحَسَبِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ، وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ " اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ " مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ.

стр. 260

فَهَذَا الَّذِي أَعْلَمُهُ وَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَمَّا صَحَّ مِنْهَا حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ مُبَيَّنًا، وَلَا يُعْدَلُ عَمَّا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَإِنَّمَا نَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُبْتَدِعُونَ. قَالَ الْجَعْبَرِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: وَإِنْ تَزِدْ لِرَبِّكَ تَنْزِيهًا فَلَسْتَ مُجَهَّلًا . هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ أَطْلَقَهَا وَخَصَّهَا فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالرِّوَايَةِ، وَعَامَّةٌ فِي غَيْرِ التَّنْزِيهِ. فِي حُكْمِ الْجَهْرِ بِهَا وَالْإِخْفَاءِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ (الْأُولَى) أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ هُوَ الْجَهْرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا نَذْكُرُهُ وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْقِرَاءَةِ كَمَا نَذْكُرُهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْجَهْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ قَارِئٍ بِعَرْضٍ، أَوْ دَرْسٍ، أَوْ تَلْقِينٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ نَافِعٍ وَحَمْزَةَ، ثُمَّ رَوَى عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اسْتِعَاذَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيَجْهَرُونَ بِهَا أَمْ يُخْفُونَهَا؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَجْهَرُ، وَلَا نُخْفِي، مَا كُنَّا نَسْتَعِيذُ أَلْبَتَّةَ. وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي الِاسْتِعَاذَةَ وَيَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ السُّوَرِ وَرُءُوسِ الْآيَاتِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، قَالَ خَلَفٌ: كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى سُلَيْمٍ فَنُخْفِي التَّعَوُّذَ، وَنَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي " الْحَمْدُ " خَاصَّةً، وَنُخْفِي التَّعَوُّذَ وَالْبَسْمَلَةَ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ نَجْهَرُ بِرُءُوسِ أَثْمِنَتِهَا، وَكَانُوا يَقْرَءُونَ عَلَى حَمْزَةَ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى خَلَّادٍ؛ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ. قُلْتُ: صَحَّ إِخْفَاءُ التَّعَوُّذِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسَيَّبِيِّ عَنْ نَافِعٍ، وَانْفَرَدَ بِهِ الْوَلِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نَافِعٍ، وَكَذَلِكَ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ يُونُسَ، عَنْ وَرْشٍ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا عَنْ حَمْزَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِخْفَاؤُهُ، وَحَيْثُ قَرَأَ الْقَارِئُ مُطْلَقًا - أَيْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ

стр. 261

رِوَايَتَيْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ سَوَاءً. وَكَذَا رَوَى الْخُزَاعِيُّ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ. وَكَذَا ذَكَرَ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَرْبِيٍّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ. الثَّانِي: الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَإِخْفَاؤُهُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، وَفِي اخْتِيَارِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ لَاحِقٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنَادِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُخْفِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَقَرَأْتُ عَلَى خَلَّادٍ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيَّ، وَقَالَ لِي: كَانَ سُلَيْمٌ يَجْهَرُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَلَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ جَهَرَ وَلَا عَلَى مَنْ أَخْفَى، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ فِي " الْإِعْلَانِ ": وَاخْتُلِفَ عَنْهُ - يَعْنِي عَنْ حَمْزَةَ - أَنَّهُ كَانَ يُخْفِيهَا عِنْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَكَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ يَسْتَثْنِي فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَيَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ عِنْدَهَا، فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا. انْتَهَى. وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِإِخْفَائِهَا فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ. (الثَّانِيَةُ) أَطْلَقُوا اخْتِيَارَ الْجَهْرِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مُطْلَقًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ، وَقَدْ قَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارٌ لِشَعَائِرِ الْقِرَاءَةِ، كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ فَاتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الصَّلَاةِ الْإِخْفَاءُ ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مُنْصِتٌ مِنْ أَوَّلِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ ﵀: إِذَا تَعَوَّذَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ أَسَرَّ بِالتَّعَوُّذِ، فَإِنْ تَعَوَّذَ فِي الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَهَلْ يَجْهَرُ؟ فِيهِ خِلَافٌ؛ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُسِرُّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَسْتَوِي الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ، وَهُوَ نَصُّهُ

стр. 262

فِي الْأُمِّ، وَالثَّانِي يُسَنُّ الْجَهْرُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَجْهَرُ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمَامُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُسِرُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. (قُلْتُ) : حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ وَلَا تَرْجِيحَ، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَهْرُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِسْرَارُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ. وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْإِخْفَاءُ إِذَا قَرَأَ خَالِيًا، سَوَاءٌ قَرَأَ جَهْرًا أَوْ سِرًّا، وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ سِرًّا فَإِنَّهُ يُسِرُّ أَيْضًا، وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ فِي الدَّوْرِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قِرَاءَتِهِ مُبْتَدِئًا يُسِرُّ بِالتَّعَوُّذِ؛ لِتَتَّصِلَ الْقِرَاءَةُ وَلَا يَتَخَلَّلَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ اسْتُحِبَّ الْجَهْرُ هُوَ الْإِنْصَاتُ فَقَطْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. (الثَّالِثَةُ) اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِخْفَاءِ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ هُوَ الْكِتْمَانُ وَعَلَيْهِ حَمَلَ كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي فِيهِ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَارُ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْجَعْبَرِيُّ كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ، فَلَا يَكْفِي فِيهِ التَّلَفُّظُ وَإِسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ كُلَّهَا عَلَى جَعْلِهِ ضِدًّا لِلْجَهْرِ وَكَوْنُهُ ضِدًّا لِلْجَهْرِ يَقْتَضِي الْإِسْرَارَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَأَمَّا قَوْلُ) ابْنِ الْمُسَيَّبِيِّ مَا كُنَّا نَجْهَرُ، وَلَا نُخْفِي، مَا كُنَّا نَسْتَعِيذُ أَلْبَتَّةَ - فَمُرَادُهُ التَّرْكُ رَأْسًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا سَيَأْتِي. الثَّالِثُ فِي مَحِلِّهَا وَهُوَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ إِجْمَاعًا، وَلَا يَصِحُّ قَوْلٌ بِخِلَافِهِ، عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا آفَةُ الْعِلْمِ التَّقْلِيدُ، قَدْ نُسِبَ إِلَى حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 263

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَابْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، ٥٥ وَذُكِرَ أَنَّهُ مَذْهَبُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ وَجَمَاعَتِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلُ وَبَعْدُ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ فِي هَذَا عَمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ، وَلَا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لَهُمْ، أَمَّا حَمْزَةُ وَأَبُو حَاتِمٍ فَالَّذِي ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، فَقَالَ فِي كَامِلِهِ: قَالَ حَمْزَةُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قَلُوقَا: إِنَّمَا يُتَعَوَّذُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ. (قُلْتُ:) أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ قَلُوقَا، عَنْ حَمْزَةَ فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ فِي الْكَامِلِ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهَا، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْحَافِظِينَ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا عَرَّجُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ فَإِنَّ الَّذِينَ ذَكَرُوا رِوَايَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ كَابْنِ سَوَّارٍ وَابْنِ مِهْرَانَ وَأَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ وَالْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا، وَلَا حَكَوْهُ، وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَالَّذِي نُقِلَ عَنْهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ رَافِعًا صَوْتَهُ (رَبَّنَا إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فِي الْمَكْتُوبَةِ إِذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَسْلَمِيُّ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ وَالْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهِ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ سِوَى الشَّافِعِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا مَأْبُونًا كُلُّ بَلَاءٍ فِيهِ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ وَاهٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، بَلْ يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ إِذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، أَيْ لِلسُّورَةِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ وَاضِحٌ. فَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْجَهْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ، وَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ فَلَا يَصِحُّ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ وَالشَّنَاعَةِ عَلَى قَائِلِهِ، وَأَمَّا دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، فَهَذِهِ كُتُبُهُمْ مَوْجُودَةٌ

стр. 264

لَا تُعَدُّ كَثْرَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ ابْنُ حَزْمٍ إِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى التَّعَوُّذِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ) بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ لِسَانِ الْعَرَبِ وَعُرْفِهِ، وَتَقْدِيرُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَاسْتَعِذْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَكَقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي تَقْدِيرِهَا: إِذَا ابْتَدَأْتَ وَشَرَعْتَ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇: فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. أَيْ: أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ صَلَّاهَا بِالْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ. فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الِابْتِدَاءُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ الِانْتِهَاءُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتِ الِاسْتِعَاذَةُ لَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ الْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَتَطْيِيبٌ لَهُ، وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ الْتِجَاءٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِصَامٌ بِجَنَابِهِ مِنْ خَلَلٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ خَطَأٍ يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا وَإِقْرَارٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، وَاعْتِرَافٌ لِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ هَذَا الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَمَنْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، فَهُوَ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِإِحْسَانٍ، وَلَا يَقْبَلُ رِشْوَةً، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ مِنْ جِنْسِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيُ الثَّلَاثُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّتِي أَرْشَدَ فِيهَا إِلَى رَدِّ الْعَدُوِّ الْإِنْسَانِيِّ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَعْرَافِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدُوِّ الْإِنْسَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الْآيَةَ، وَقَالَ فِي " الْمُؤْمِنُونَ " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ثُمَّ قَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ الْآيَةَ، وَقَالَ فِي فُصِّلَتِ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ الْآيَاتِ، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ أَحْسَنُ الِاكْتِفَاءِ وَأَمْلَحُ الِاقْتِفَاءِ:

стр. 265

شَيْطَانُنَا الْمُغْوِي عَدُوٌّ فَاعْتَصِمْ ... بِاللَّهِ مِنْهُ وَالْتَجِي وَتَعَوَّذِ وَعَدُوُّكَ الْإِنْسِيُّ دَارِ وِدَادَهُ ... تَمْلِكْهُ وَادْفَعْ بِالَّتِي فَإِذَا الَّذِي (الرَّابِعُ) فِي الْوَقْفِ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مِنْ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، وَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهَا بَسْمَلَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، وَيَجُوزُ وَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهَا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الدَّانِيِّ ﵀ أَنَّ الْأَوْلَى وَصْلُهَا بِالْبَسْمَلَةِ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ " الِاكْتِفَاءُ ": الْوَقْفُ عَلَى آخِرِ التَّعَوُّذِ تَامٌّ، وَعَلَى آخِرِ الْبَسْمَلَةِ أَتَمُّ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ، وَرَجَّحَ الْوَقْفَ لِمَنْ مَذْهَبُهُ التَّرْتِيلُ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْإِقْنَاعُ ": لَكَ أَنْ تَصِلَهَا - أَيِ: الِاسْتِعَاذَةَ - بِالتَّسْمِيَةِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَتَمُّ وَلَكَ أَنْ تَسْكُتَ عَلَيْهَا، وَلَا تَصِلَهَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسَمِّ - يَعْنِي مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ - فَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يَسْكُتَ عَلَيْهَا، وَلَا يَصِلَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ وَصْلُهَا. قُلْتُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمُرَادُهُ بِالسَّكْتِ الْوَقْفُ؛ لِإِطْلَاقِهِ وَلِقَوْلِهِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ نَظَمَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ فِي قَصِيدَتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَقِفْ بَعْدُ أَوْ صِلَا . وَعَلَى الْوَصْلِ لَوِ الْتَقَى مَعَ الْمِيمِ مِثْلُهَا نَحْوُ: (الرَّحِيمِ مَا نَنْسَخْ) - أَدْغَمَ لِمَنْ مَذْهَبُهُ الْإِدْغَامُ، كَمَا يَجِبُ حَذْفُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فِي نَحْوِ: (الرَّحِيمِ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) وَنَحْوِ: (الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ) . وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَصَبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي الْمِيمَ مِنَ الرَّحِيمِ عِنْدَ بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شَيْطَا، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ سِوَى وَصْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَسْمَلَةِ. (الْخَامِسُ) فِي حُكْمِ الِاسْتِعَاذَةِ اسْتِحْبَابًا وَوُجُوبًا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لَا تَعَلُّقَ لِلْقِرَاءَاتِ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهَا شُرَّاحُ الشَّاطِبِيَّةِ لَمْ يَخْلُ كِتَابُنَا مِنْ ذِكْرِهَا؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ. وَقَدْ تَكَفَّلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وَالْفُقَهَاءِ بِالْكَلَامِ فِيهَا، وَنُشِيرُ إِلَى مُلَخَّصِ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ مَسَائِلَ (الْأُولَى) ذَهَبَ الْجُمْهُورُ

стр. 266

إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ حَالٍ: فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ إِلَى وُجُوبِهَا حَمْلًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ، حَتَّى أَبْطَلُوا صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَسْتَعِذْ. وَقَدْ جَنَحَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ ﵀ إِلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَحَكَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ وَالْأَمْرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ، وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، حَكَى هَذَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَفْسِيرِهِ. (الثَّانِيَةُ) الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ لِلْقِرَاءَةِ لَا لِلصَّلَاةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ، وَيَتَعَوَّذُ فِي الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لِلْقِرَاءَةِ فَقَطْ، فَهَلْ قِرَاءَةُ الصَّلَاةِ قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَكْفِي الِاسْتِعَاذَةُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ، أَوْ قِرَاءَةُ كُلِّ رَكْعَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يَكْفِي؟ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَسْكُتْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلِ الْقِرَاءَتَيْنِ أَجْنَبِيٌّ، بَلْ تَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، فَهِيَ كَالْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ حَمْدٌ لِلَّهِ، أَوْ تَسْبِيحٌ، أَوْ تَهْلِيلٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَرَجَّحَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الثَّانِيَ، وَأَمَّا الْإِمَامُ مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ يُعْرَفُ لِمَنْ قَبْلَهُ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ التَّعَوُّذِ، فَأَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ

стр. 267

فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِ جَانِبُ الْقِرَاءَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثَةُ) إِذَا قَرَأَ جَمَاعَةٌ جُمْلَةً هَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ الِاسْتِعَاذَةُ، أَوْ تَكْفِي اسْتِعَاذَةُ بَعْضِهِمْ؟ لَمْ أَجِدْ فِيهَا نَصًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَيْنًا عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَالظَّاهِرُ الِاسْتِعَاذَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اعْتِصَامُ الْقَارِئِ وَالْتِجَاؤُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَكُونُ تَعَوُّذٌ وَاحِدٌ كَافِيًا عَنْ آخَرَ كَمَا اخْتَرْنَاهُ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ، وَذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْكِفَايَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعَةُ) إِذَا قَطَعَ الْقَارِئُ الْقِرَاءَةَ لِعَارِضٍ مِنْ سُؤَالٍ، أَوْ كَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يُعِدِ الِاسْتِعَاذَةَ، وَبِخِلَافِ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ أَجْنَبِيًّا، وَلَوْ رَدًّا لِلسَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الِاسْتِعَاذَةَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ إِعْرَاضًا عَنِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: يَسْتَعِيذُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا. بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْبَسْمَلَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فُصُولٍ (الْأَوَّلُ) بَيْنَ السُّورَتَيْنِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْبَسْمَلَةِ وَبِغَيْرِهَا وَفِي الْوَصْلِ بَيْنَهُمَا، فَفَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ إِلَّا بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةٌ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ، وَوَصَلَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ حَمْزَةُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ، فَنَصَّ لَهُ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْوَصْلِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، " وَالْمُبْهِجِ "، وَ " كِفَايَةِ " سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَنَصَّ لَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ عَلَى السَّكْتِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْآخِذِينَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ كَابْنِ الْكَدِّيِّ، وَابْنِ الْكَالِّ، وَابْنِ زُرَيْقٍ الْحَدَّادِ،، وَأَبِي الْحَسَنِ الدِّيوَانِيِّ، وَابْنِ مُؤْمِنٍ صَاحِبِ الْكَنْزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنِ الْبَاقِينَ، وَهُمْ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ،

стр. 268

وَوَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ وَالْبَسْمَلَةِ. فَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ لِلدَّانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ شَيْخُهُ الْفَارِسِيُّ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي إِسْحَاقَ الطَّبَرِيِّ فِي الْمُسْتَنِيرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكَافِي، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي،، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْهِدَايَةِ، وَبِهِ قَطَعَ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ لِغَيْرِ السُّوسِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْحَضْرَمِيُّ فِي " الْمُفِيدِ " لِلدُّورِيِّ عَنْهُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَ " التَّبْصِرَةِ " وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ " وَالْإِرْشَادِ لِابْنِ غَلْبُونَ وَالتَّذْكِرَةِ "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الرَّوْضَةِ " وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ لِغَيْرِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَفِي " الْكَافِي " أَيْضًا، وَقَالَ: إِنَّهُ أُخِذَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الدَّانِيُّ، وَقَرَأَ بِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْفَتْحِ وَابْنِ خَاقَانَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ التَّيْسِيرِ بِسِوَاهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى الْفَارِسِيِّ لِلدُّورِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي غَايَةِ " الِاخْتِصَارِ " لِلدُّورِيِّ أَيْضًا، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ " الْهَادِي " وَصَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ لِلسُّوسِيِّ، وَقَالَ الْخُزَاعِيُّ، وَالْأَهْوَازِيُّ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْهُذَلِيُّ: وَالتَّسْمِيَةُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْكَافِي " " وَالشَّاطِبِيَّةِ " وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبَا " التَّلْخِيصِ " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَابْنَا غَلْبُونَ، وَاخْتِيَارُ الدَّانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْيَسِيرِ بِسِوَاهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَجَمِيعُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ " الْكَافِي "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " سِوَاهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَامِلِ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الْإِرْشَادِ " وَ " الْكِفَايَةِ "

стр. 269

وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ التَّذْكِرَةِ، وَالدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْكَامِلِ "، وَأَمَّا وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " الْحَضْرَمِيُّ وَصَاحِبُ " الْمُفِيدِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ " الْكَافِي "، وَأَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ ابْنَا غَلْبُونَ، وَابْنُ بَلِّيمَةَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكَامِلِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَيْرَهُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي عَدِيٍّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو غَانِمٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْأُذْفُوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْأَزْرَقِ. (الثَّانِي) أَنَّ الْآخِذِينَ بِالْوَصْلِ لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ حَمْزَةَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، أَوْ يَعْقُوبَ، أَوْ وَرْشٍ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَهُمُ السَّكْتَ بَيْنَ (الْمُدَّثِّرُ، وَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَبَيْنَ - الِانْفِطَارِ وَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - وَبَيْنَ وَالْفَجْرِ، وَلَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ - وَبَيْنَ وَالْعَصْرِ، وَوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) كَصَاحِبِ " الْهِدَايَةِ " وَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَصَاحِبِ " الْمُبْهِجِ " وَصَاحِبِ " التَّبْصِرَةِ "، وَصَاحِبِ " الْإِرْشَادِ "، وَصَاحِبِ " الْمُفِيدِ "، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مَعْشَرٍ فِي " جَامِعِهِ " وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " وَصَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ وَنَقَلَ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فِي غَيْرِ (وَالْعَصْرِ، وَالْهُمَزَةِ) ، وَكَذَا اخْتَارَهُ ابْنُ شَيْطَا صَاحِبُ " التَّذْكَارِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَكَذَا الْآخِذُونَ بِالسَّكْتِ لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ أَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبَ، وَوَرْشٍ، اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَهُمُ الْبَسْمَلَةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَوَاضِعِ كَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَصَاحِبِ " الْهِدَايَةِ "، وَمَكِّيٍّ، وَصَاحِبِ " التَّبْصِرَةِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَخَلَفِ بْنِ خَاقَانَ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا ذَلِكَ لِبَشَاعَةِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا قِيلَ: (أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ لَا) أَوِ: (ادْخُلِي جَنَّتِي لَا) أَوْ: (لِلَّهِ وَيْلٌ) أَوْ: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَيْلٌ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَفَصَلُوا بِالْبَسْمَلَةِ لِلسَّاكِتِ، وَبِالسَّكْتِ لِلْوَاصِلِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْبَسْمَلَةُ لَهُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ

стр. 270

عَنْهُ النَّصُّ بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ، فَلَوْ بَسْمَلُوا لَصَادَمُوا النَّصَّ بِالِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَابْنِ سُفْيَانَ صَاحِبِ " الْهَادِي "، وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ صَاحِبِ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَنْبِيهَاتٌ (أَوَّلُهَا) تَخْصِيصُ السَّكْتِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ مُطْلَقًا. فَمَنْ خَصَّهَا بِالسَّكْتِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي غَيْرِهَا الْوَصْلُ، وَمَنْ خَصَّهَا بِالْبَسْمَلَةِ فَمَذْهَبُهُ فِي غَيْرِهَا السَّكْتُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِي الْبَسْمَلَةَ لِأَصْحَابِ الْوَصْلِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُنْتَجَبُ، وَابْنُ بُصْخَانَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ الْجَعْبَرِيُّ فِي فَهْمِهِ مَا شَاءَ وَأَجَادَ الصَّوَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ بِإِضَافَتِهِ إِلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَوْضِعًا خَامِسًا، وَهُوَ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَ الْأَحْقَافِ وَالْقِتَالِ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو الْكَرَمِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ صَاحِبُ " التَّذْكِرَةِ " بِاخْتِيَارِ الْوَصْلِ لِمَنْ سَكَتَ مِنْ أَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَوَرْشٍ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَهِيَ: الْأَنْفَالُ بِبَرَاءَةَ، وَالْأَحْقَافُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، وَاقْتَرَبَتْ بِالرَّحْمَنِ، وَالْوَاقِعَةُ بِالْحَدِيدِ، وَالْفِيلُ بِـ " لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ". قَالَ الْحَسَنُ: ذَلِكَ بِمُشَاكَلَةِ آخِرِ السُّورَةِ لِأَوَّلِ الَّتِي تَلِيهَا. (ثَانِيهَا) أَنَّهُ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَّكْتِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ يَكُونُ مِنْ دُونِ تَنَفُّسٍ، وَأَنَّ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ طُولُ زَمَنِهِ وَقِصَرُهُ، وَحِكَايَةُ قَوْلِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ: إِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ طُولِ زَمَنِ السَّكْتِ بِقَدْرِ الْبَسْمَلَةِ، وَقَدْ قَالَ أَيْضًا فِي " كِفَايَتِهِ " مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرُوِيَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِسْرَارُهَا، أَيْ: إِسْرَارُ الْبَسْمَلَةِ. قُلْتُ: وَالَّذِي قَرَأْتُ بِهِ وَآخُذُ: السَّكْتُ عَنْ جَمِيعِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ السَّكْتُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سَكْتًا يَسِيرًا مِنْ دُونِ تَنَفُّسٍ قَدْرَ السَّكْتِ

стр. 271

لِأَجْلِ الْهَمْزِ، عَنْ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ حَتَّى أَنِّي أَخْرَجْتُ وَجْهَ حَمْزَةَ مَعَ وَجْهِ وَرْشٍ بَيْنَ سُورَتَيْ (وَالضُّحَى، وَأَلَمْ نَشْرَحْ) عَلَى جَمِيعِ مَنْ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ شُيُوخِي، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَاصِلِينَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْوَاصِلِينَ وَالسَّاكِتِينَ إِذَا ابْتَدَأَ سُورَةً مِنَ السُّوَرِ بَسْمَلَ بِلَا خِلَافٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، إِلَّا إِذَا ابْتَدَأَ (بَرَاءَةٌ) كَمَا سَيَأْتِي، سَوَاءٌ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنْ وَقْفٍ أَمْ قَطْعٍ، أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَصَلَ بِهَا فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ أَلْغَاهَا فَلِلتَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ، وَلِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ ; لِأَنَّهَا عِنْدَ مَنْ أَلْغَاهَا إِنَّمَا كُتِبَتْ لِأَوَّلِ السُّورَةِ تَبَرُّكًا، وَهُوَ لَمْ يُلْغِهَا فِي حَالَةِ الْوَصْلِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْتَدِئْ، فَلَمَّا ابْتَدَأَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْمُصْحَفَ وَصْلًا وَوَقْفًا، فَيَخْرُجُ عَنِ الْإِجْمَاعِ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَهَمَزَاتِ الْوَصْلِ تُحْذَفُ وَصْلًا وَتُثْبَتُ ابْتِدَاءً ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ سَوَاءٌ وُصِلَتْ بِسُورَةِ النَّاسِ قَبْلَهَا أَوِ ابْتُدِئَ بِهَا لِأَنَّهَا وَلَوْ وُصِلَتْ لَفْظًا فَإِنَّهَا مُبْتَدَأٌ بِهَا حُكْمًا ; وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاصِلُ هُنَا حَالًّا مُرْتَحِلًا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْخَرَقِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ أَنَّهُ تَرَكَ الْبَسْمَلَةَ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ فَالْخَرَقِيُّ هُوَ شَيْخُ الْأَهْوَازِيِّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْأَهْوَازِيِّ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ وَرْشٍ، بَلِ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ خِلَافُهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي كِتَابِهِ " الْمُوجَزُ ": اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ رَوَوْا أَدَاءً عَنْ أَسْلَافِهِمْ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ وَرْشٍ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الْبَسْمَلَةَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يُبَسْمِلُ فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ، فَلَيْسَ قَبْلَهَا سُورَةٌ يُوصَلُ آخِرُهَا بِهَا. هَكَذَا قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَفَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ - وَحَكَوْا ذَلِكَ - عَنْ قِرَاءَتِهِمْ مُتَّصِلًا، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْكَافِي بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ لِحَمْزَةَ فِي ابْتِدَاءِ السُّوَرِ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ شُرَيْحٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ مِنْ أَنَّهُ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ لِحَمْزَةَ بِوَصْلِ السُّورَةِ

стр. 272

بِالسُّورَةِ لَا يَلْتَزِمُ بِالْوَصْلِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ آخِرُ السُّورَةِ عِنْدَهُ كَآخِرِ آيَةٍ، وَأَوَّلُ السُّورَةِ الْأُخْرَى كَأَوَّلِ آيَةٍ أُخْرَى، فَكَمَا لَا يَلْتَزِمُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَصْلَ الْآيَاتِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ كَذَا لَا يَلْتَزِمُ لَهُ وَصْلَ السُّورَةِ حَتْمًا، بَلْ إِنْ وَصَلَ فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَ فَحَسَنٌ. (قُلْتُ) : حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ: الْقُرْآنُ عِنْدِي كَسُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِذَا قَرَأْتُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَجْزَأَنِي، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَلَامَ حَمْزَةَ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الْوَصْلِ لَا الِابْتِدَاءِ؛ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) لَا خِلَافَ فِي حَذْفِ الْبَسْمَلَةِ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ ، عَنْ كُلِّ مَنْ بَسْمَلَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ بِبَرَاءَةَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَمِمَّنْ حَكَى بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وَابْنُ الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ، وَمَكِّيٌّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِهَا. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ: إِنَّهُ الْقِيَاسُ، قَالَ: لِأَنَّ إِسْقَاطَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا بِأَنَّهَا سُورَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ الْأَنْفَالِ، فَإِنْ كَانَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ فَذَاكَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، وَإِنْ كَانَ إِسْقَاطُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ بِأَنَّهَا سُورَةٌ وَحْدَهَا، فَالتَّسْمِيَةُ فِي أَوَائِلِ الْأَجْزَاءِ جَائِزَةٌ. وَقَدْ عُلِمَ الْغَرَضُ بِإِسْقَاطِهَا، فَلَا مَانِعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ. (قُلْتُ) : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُمْنَعُ بِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ: فَأَمَّا بَرَاءَةٌ فَالْقُرَّاءُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى تَرْكِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْفَالِ بِالْبَسْمَلَةِ. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِهَا حَالَ الِابْتِدَاءِ بِهَا سِوَى مَنْ رَأَى الْبَسْمَلَةَ فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ بِأَوْسَاطِ السُّوَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ بِهَا مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةَ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا وَالْأَنْفَالَ سُورَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُبْتَدَأُ بِهَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَرْكِهَا فِي أَوَّلِهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا: وَلَوْ أَنَّ قَارِئًا ابْتَدَأَ قِرَاءَتَهُ مِنْ أَوَّلِ التَّوْبَةِ فَاسْتَعَاذَ وَوَصَلَ الِاسْتِعَاذَةَ بِالتَّسْمِيَةِ مُتَبَرِّكًا بِهَا، ثُمَّ تَلَا السُّورَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،

стр. 273

كَمَا يَجُوزُ لَهُ إِذَا ابْتَدَأَ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يَصِلَ آخِرَ الْأَنْفَالِ بِأَوَّلِ بَرَاءَةَ، ثُمَّ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالْبَسْمَلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَمُخَالِفٌ لِلْمُصْحَفِ. (قُلْتُ) : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا أَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَمُخَالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وَلَا تُصَادَمُ النُّصُوصُ بِالْآرَاءِ، وَمَا رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْإِيضَاحُ "، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَلَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الِابْتِدَاعِ. (الْخَامِسُ) يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَوْسَاطِ السُّوَرِ مُطْلَقًا سِوَى (بَرَاءَةَ) الْبَسْمَلَةُ وَعَدَمُهَا لِكُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ تَخَيُّرًا. وَعَلَى اخْتِيَارِ الْبَسْمَلَةِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَعَلَى اخْتِيَارِ عَدَمِهَا جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَأَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، قَالَ ابْنُ شَيْطَا عَلَى أَنَّنِي قَرَأْتُ عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِنَا فِي كُلِّ الْقِرَاءَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ الْفَاضِلِينَ بِالتَّسْمِيَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وَالتَّارِكِينَ لَهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِعَاذَةِ مَوْصُولَةً بِالتَّسْمِيَةِ مَجْهُورًا بِهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبْدُوءُ بِهِ أَوَّلَ سُورَةٍ، أَوْ بَعْضَ سُورَةٍ، قَالَ: وَلَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ عَلَى شُيُوخِهِ إِلَّا كَذَلِكَ. انْتَهَى، وَهُوَ نَصٌّ فِي وَصْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي " الْجَامِعِ ": وَبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الْأَجْزَاءِ عَلَى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فِي مَذَاهِبِ الْكُلِّ، وَهُوَ الَّذِي أَخْتَارُ، وَلَا أَمْنَعُ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ: فَإِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ بِغَيْرِ أَوَّلِ سُورَةٍ عَوَّذَ فَقَطْ، هَذِهِ عَادَةُ الْقُرَّاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قَرَأْتُ، وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ - يَعْنِي ابْنَ نَفِيسٍ - أَوَّلَ حِزْبِي مِنْ وَسَطِ سُورَةٍ، فَبَسْمَلْتُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ وَأَتْبَعْتُ ذَلِكَ: هَلْ آخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ التَّبَرُّكَ، ثُمَّ مَنَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَقُولَ رِوَايَةً. - قَالَ - وَقَرَأْتُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْنَعُ، وَأَمَّا قَرَأْتُ بِهَذَا فَلَا. انْتَهَى، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ رِوَايَةً، وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الْأَجْزَاءِ عَلَى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فِي مَذْهَبِ الْكُلِّ، وَهُوَ الَّذِي

стр. 274

أَخْتَارُ، وَلَا أَمْنَعُ مِنَ التَّسْمِيَةِ. (قُلْتُ) : وَأَطْلَقَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَمِنْهُمْ مِنْ ذَكَرَ الْبَسْمَلَةَ وَعَدَمَهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ التَّفْصِيلُ، فَيَأْتِي بِالْبَسْمَلَةِ عَمَّنْ فَصَلَ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ كَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَيَتْرُكُهَا عَمَّنْ لَمْ يَفْصِلْ بِهَا كَحَمْزَةَ وَخَلَفٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ بْنِ الْبَاذِشِ يُتْبِعُونَ وَسَطَ السُّورَةِ بِأَوَّلِهَا، وَقَدْ كَانَ الشَّاطِبِيُّ يَأْمُرُ بِالْبَسْمَلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَقَوْلِهِ: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَنَحْوِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَشَاعَةِ، وَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ أَبُو الْجُودِ غِيَاثُ بْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ فِي غَيْرِ " التَّبْصِرَةِ ". (قُلْتُ) : وَيَنْبَغِي قِيَاسًا أَنْ يُنْهَى عَنِ الْبَسْمَلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَقَوْلِهِ: لَعَنَهُ اللَّهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْبَشَاعَةِ أَيْضًا. (السَّادِسُ) الِابْتِدَاءُ بِالْآيِ وَسَطَ بَرَاءَةَ قُلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِلنَّصِّ عَلَيْهَا، وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَعَلَى جَوَازِ الْبَسْمَلَةِ فِيهَا نَصَّ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ " جَمَالُ الْقُرَّاءِ " حَيْثُ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَفِي نَظَائِرِهَا مِنَ الْآيِ، وَإِلَى مَنْعِهَا جَنَحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَعْبَرِيُّ، فَقَالَ رَادًّا عَلَى السَّخَاوِيِّ: إِنْ كَانَ نَقْلًا فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَرَدٌّ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَقْرِيعٌ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَتَصَادُمٌ لِتَعْلِيلِهِ. قُلْتُ: وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوْسَاطٍ غَيْرِ بَرَاءَةَ لَا إِشْكَالَ فِي تَرْكِهَا عِنْدَهُ فِي وَسَطِ بَرَاءَةَ، وَكَذَا لَا إِشْكَالَ فِي تَرْكِهَا فِيهَا عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّفْضِيلِ، إِذِ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَهُمْ فِي وَسَطِ السُّورَةِ تَبَعٌ لِأَوَّلِهَا، وَلَا تَجُوزُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّلُهَا فَكَذَلِكَ وَسَطُهَا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْبَسْمَلَةِ فِي الْأَجْزَاءِ مُطْلَقًا، فَإِنِ اعْتَبَرَ بَقَاءَ أَثَرِ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا حُذِفَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَّلِهَا وَهِيَ نُزُولُهَا بِالسَّيْفِ كَالشَّاطِبِيِّ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ لَمْ يُبَسْمِلْ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بَقَاءَ أَثَرِهَا، أَوْ لَمْ يَرَهَا عِلَّةً بَسْمَلَ بِلَا نَظَرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 275

(السَّابِعُ) إِذَا فَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أَمْكَنَ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَوْلَاهَا قَطْعُهَا عَنِ الْمَاضِيَةِ وَوَصْلُهَا بِالْآتِيَةِ، وَالثَّانِي وَصْلُهَا بِالْمَاضِيَةِ وَبِالْآتِيَةِ، وَالثَّالِثُ قَطْعُهَا عَنِ الْمَاضِيَةِ وَعَنِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي جَوَازِهِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ مَكِّيٌّ، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي " التَّبْصِرَةِ " عَلَى جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَمَنْعِ الرَّابِعِ، وَسَكَتَ عَنْ هَذَا الثَّالِثِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا، وَقَالَ فِي " الْكَشْفِ " مَا نَصُّهُ: إِنَّهُ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى إِرَادَةِ التَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَإِثْبَاتِهَا لِلِافْتِتَاحِ فِي الْمُصْحَفِ، فَهِيَ لِلِابْتِدَاءِ بِالسُّورَةِ، فَلَا يُوصَفُ عَلَى التَّسْمِيَةِ دُونَ أَنْ يُوصَلَ بِأَوَّلِ السُّورَةِ. انْتَهَى، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اقْتِضَاءِ مَنْعِ الْوَجْهَيْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ. وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ التَّكْبِيرِ آخِرَ الْكِتَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ وَصْلُهَا بِالْمَاضِيَةِ وَقَطْعُهَا عَنِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ لِأَوَائِلِ السُّوَرِ لَا لِأَوَاخِرِهَا، قَالَ: صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ ": وَالْقَطْعُ عَلَيْهَا إِذَا وُصِلَتْ بِأَوَاخِرِ السُّوَرِ غَيْرُ جَائِزٍ. تَنْبِيهَاتٌ (أَوَّلُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَطْعِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْوَقْفُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَاخْتِيَارِي فِي مَذْهَبِ مَنْ فَصَّلَ أَنْ يَقِفَ الْقَارِئُ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ وَيَقْطَعَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَّسْمِيَةِ مَوْصُولَةً بِأَوَّلِ السُّورَةِ الْأُخْرَى. انْتَهَى، وَذَلِكَ أَوْضَحُ. وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْجَعْبَرِيَّ ﵀ ظَنَّ أَنَّهُ السَّكْتُ الْمَعْرُوفُ، فَقَالَ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: " فَلَا تَقِفَنَّ "، وَلَوْ قَالَ: فَلَا تَسْكُتَنَّ لَكَانَ أَسَدَّ. وَذَلِكَ وَهْمٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ السَّخَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَصِلْهَا بِآخِرِ سُورَةٍ جَازَ أَنْ يَسْكُتَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتَأَمَّلْهُ، وَلَوْ تَأَمَّلْهُ لَعَلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّكْتِ الْوَقْفُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: اخْتَارَ الْأَئِمَّةُ لِمَنْ يَفْصِلُ بِالتَّسْمِيَةِ أَنْ يَقِفَ الْقَارِئُ عَلَى أَوَاخِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَّسْمِيَةِ.

стр. 276

(ثَانِيهَا) تَجُوزُ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْبَسْمَلَةِ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْوَصْلِ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالْآيَةِ، وَمَنْ قَطَعَهَا عَنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْآيَةِ، وَمَنْ قَطَعَهَا عَنِ الِاسْتِعَاذَةِ وَوَصَلَهَا بِالْآيَةِ، وَمَنْ عَكَسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ شَيْطَا فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ قَرِيبًا فِي قَطْعِهِ بِوَصْلِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَاذِشِ: إِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْجَمِيعِ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ. (ثَالِثُهَا) إِنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ وَنَحْوَهَا الْوَارِدَةَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَا مَعْرِفَةُ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلٍّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ الْخُلْفِ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ قُرِئَ مِنْهَا جَازَ، وَلَا احْتِيَاجَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إِذَا قُصِدَ اسْتِيعَابُ الْأَوْجُهِ حَالَةَ الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ. وَكَذَلِكَ سَبِيلُ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الْوَقْفِ بِالسُّكُونِ وَبِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ، وَكَالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَقْفًا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ مَدٍّ أَوْ لِينٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَصَحِّ الْأَقْوَى، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي مَأْذُونًا فِيهِ، وَبَعْضٌ لَا يَلْتَزِمُ شَيْئًا، بَلْ يَتْرُكُ الْقَارِئَ يَقْرَأُ مَا شَاءَ مِنْهَا، إِذْ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَيَقْرَأُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَبِآخَرَ فِي غَيْرِهِ؛ لِيَجْمَعَ الْجَمِيعَ الْمُشَافَهَةُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرَى الْجَمْعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَوَّلِ مَوْضِعٍ وَرَدَتْ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ مَا عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ وَالتَّعْلِيمِ وَشُمُولِ الرِّوَايَةِ، أَمَّا مَنْ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلَا يَعْتَمِدُهُ إِلَّا مُتَكَلِّفٌ غَيْرُ عَارِفٍ بِحَقِيقَةِ أَوْجُهِ الْخِلَافِ، وَإِنَّمَا سَاغَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَوْجُهِ فِي نَحْوِ التَّسْهِيلِ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ لِتَدْرِيبِ الْقَارِئِ الْمُبْتَدِئِ وَرِيَاضَتِهِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْغَرِيبَةِ لِيَجْرِيَ لِسَانُهُ وَيَعْتَادَ التَّلَفُّظَ بِهَا بِلَا كُلْفَةٍ، فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ ; فَلِذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ الْعَارِفُ بِجَمْعِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ هُوَ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ جُلَّةِ مَشْيَخَةِ الْأَنْدَلُسِ - حَمَاهَا اللَّهُ - أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ

стр. 277

فِي وَجْهَيِ الْإِسْكَانِ وَالصِّلَةِ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ لِقَالُونَ إِلَّا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ مُعْتَمِدِينَ ظَاهِرَ قَوْلَيِ الشَّاطِبِيِّ وَقَالُونَ بِتَخْيِيرِهِ جَلَا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. (رَابِعُهَا) يَجُوزُ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَقْطَعْ عَلَى آخِرِ الْأَنْفَالِ كُلٌّ مِنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ وَالْوَقْفِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ. أَمَّا الْوَصْلُ لَهُمْ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ جَائِزًا مَعَ وُجُودِ الْبَسْمَلَةِ، فَجَوَازُهُ مَعَ عَدَمِهَا أَوْلَى عَنِ الْفَاصِلِينَ وَالْوَاصِلِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ يَصِلُ أَظْهَرُ، وَأَمَّا السَّكْتُ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِ السَّكْتِ، وَأَمَّا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفَاصِلِينَ وَالْوَاصِلِينَ فَمَنْ نَصَّ عَلَيْهِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْقُرَّاءِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، فَقَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ لِإِجْمَاعِ الْمَصَاحِفِ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهُمَا. فَأَمَّا السَّكْتُ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَرَأْتُ بِهِ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَلَيْسَ هُوَ مَنْصُوصًا، وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَمَّامِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَهُمَا لِحَمْزَةَ وَحْدَهُ. فَقَالَ: وَكَانَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَالْأَعْمَشُ يَصِلُونَ السُّورَةَ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْحَمَّامِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَكَتَ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلَيْهِ أُعَوِّلُ. انْتَهَى، وَإِذَا أُخِذَ بِالسَّكْتِ عَنْ حَمْزَةَ فَالْأَخْذُ عَنْ غَيْرِهِ أَحْرَى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ فِي كِتَابِهِ " الِاسْتِبْصَارُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ ": وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِ الْأَنْفَالِ بِالتَّوْبَةِ فَبَعْضُهُمْ يَرَى وَصْلَهُمَا، وَيَتَبَيَّنُ الْإِعْرَابَ وَبَعْضُهُمْ يَرَى السَّكْتَ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى. (قُلْتُ) : وَإِذَا قُرِئَ بِالسَّكْتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَتَأَتَّى وَجْهُ إِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ الْمُتَقَدِّمِ، إِذْ لَا بَسْمَلَةَ بَيْنَهُمَا يَسْكُتُ بِقَدْرِهَا، فَاعْلَمْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَهُوَ الْأَقْيَسُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ، وَهُوَ اخْتِيَارِي فِي مَذْهَبِ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ أَوَاخِرَ السُّوَرِ مِنْ أَتَمِ التَّمَامِ. وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْهُ فِي مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى آخَرِ السُّوَرِ لَلَزِمَتِ الْبَسْمَلَةُ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَمِنْ أَجْلِ الِابْتِدَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا خُولِفَ الرَّسْمُ فِي الْحَالَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّازِمُ هُنَا مُنْتَفٍ وَالْمُقْتَضَى لِلْوَقْفِ قَائِمٌ، فَمِنْ ثَمَّ اخْتَرْنَا الْوَقْفَ، وَلَا نَمْنَعُ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 278

(خَامِسُهَا) مَا ذُكِرَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ هُوَ عَامٌّ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مُرَتَّبَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَتَيْنِ، فَلَوْ وَصَلَ آخِرَ الْفَاتِحَةِ مُبْتَدِئًا بِآلِ عِمْرَانَ، أَوْ آخَرَ آلِ عِمْرَانَ بِالْأَنْعَامِ - جَازَتِ الْبَسْمَلَةُ وَعَدَمُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وُصِلَتِ التَّوْبَةُ بِآخِرِ سُورَةٍ سِوَى الْأَنْفَالِ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ وُصِلَتْ بِالْأَنْفَالِ، أَمَّا لَوْ وُصِلَتِ السُّورَةُ بِأَوَّلِهَا كَأَنْ كُرِّرَتْ مَثَلًا كَمَا تُكَرَّرُ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا، وَالَّذِي يَظْهَرُ الْبَسْمَلَةُ قَطْعًا؛ فَإِنَّ السُّورَةَ وَالْحَالَةَ هَذِهِ مُبْتَدِئَةٌ كَمَا لَوْ وُصِلَتِ النَّاسُ بِالْفَاتِحَةِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ عُمُومُ الْحُكْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا آيَةً، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَذَاهِبِ الْقُرَّاءِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِجْرَاءُ أَحْوَالِ الْوَصْلِ فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمُوصَلِ طَرَفَاهَا مِنْ إِعْرَابٍ وَتَنْوِينٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الثَّامِنُ) فِي حُكْمِهَا، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِيهِ أَمْ لَا ؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، وَبُسِطَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِلتَّعَرُّضِ لِذَلِكَ لَمْ نُخْلِ كِتَابَنَا مِنْهُ؛ لِتَعْرِفَ مَذَاهِبَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَرُوِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ (الثَّانِي) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْ أَوَّلِ سُورَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ. (الثَّالِثُ) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، بَعْضُ آيَةٍ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ. (الرَّابِعُ) أَنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا مِنْهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (الْخَامِسُ) أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ وَلَا بَعْضِ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا مِنْ أَوَّلِ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَذَلِكَ مَعَ

стр. 279

إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَأَنَّ بَعْضَهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ. (قُلْتُ) : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَرْجِعُ إِلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ كِلَيْهُمَا صَحِيحٌ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا كَاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ. قَالَ السَّخَاوِيُّ ﵀: وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وَعَاصِمًا، وَالْكِسَائِيَّ يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَوَافَقَهُمْ حَمْزَةُ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَاصَّةً. قَالَ: وَأَبُو عَمْرٍو، وَقَالُونُ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ لَا يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ. انْتَهَى. وَيُحْتَاجُ إِلَى تَعَقُّبٍ، فَلَوْ قَالَ: يَعْتَقِدُونَهَا مِنَ الْقُرْآنِ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ لِيَعُمَّ كَوْنَهَا آيَةً مِنْهَا أَوْ فِيهَا، أَوْ بَعْضَ آيَةٍ - لَكَانَ أَسَدَّ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ عَدَّهَا آيَةً مِنْ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ نَصًّا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ قَالُونَ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ لَا يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ قَدْ صَحَّ نَصًّا أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُسَيَّبِيَّ أَوْثَقَ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَأَجَلَّهُمْ، قَالَ: سَأَلْتُ نَافِعًا، عَنْ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا. رَوَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ شَيْخِهِ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنِ الْمُسَيَّبِيِّ قَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَوَّلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَبَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الْعَرْضِ وَالصَّلَاةِ، هَكَذَا كَانَ مَذْهَبُ الْقُرَّاءِ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. (قُلْتُ) : وَحَكَى أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ نَافِعًا عَنِ الْبَسْمَلَةِ فَقَالَ: السُّنَّةُ الْجَهْرُ بِهَا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ وَقَالَ: كُلُّ عِلْمٍ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ. ذِكْرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي سُورَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ اخْتَلَفُوا فِي (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ بِالْأَلِفِ مَدًّا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلْفٍ قَصْرًا. وَاخْتَلَفُوا فِي: الصِّرَاطِ، وَصِرَاطٍ. فَرَوَاهُ رُوَيْسٌ حَيْثُ وَقَعَ وَكَيْفَ أَتَى بِالسِّينِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالسِّينِ كَذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ قُنْبُلٍ، وَرِوَايَةُ

стр. 280

الْحُلْوَانِيِّ عَنِ الْقَوَّاسِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّوَاةِ، عَنْ قُنْبُلٍ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ إِلَّا حَمْزَةَ فَرَوَى عَنْهُ خَلَفٌ بِإِشْمَامِ الصَّادِ الزَّايَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ فِي إِشْمَامِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوْ حَرْفَيِ الْفَاتِحَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمَعْرُوفِ بِاللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، أَوْ لَا إِشْمَامَ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ حَسَبَ مَا فِي " التَّيْسِيرِ " " وَالشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخُنَيْسِيِّ، عَنْ خَلَّادٍ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِشْمَامِ فِي حَرْفَيِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَالطَّرَسُوسِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاذَانَ عَنْهُ، وَصَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنِ الْوَزَّانِ عَنْهُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ الْأَهْوَازِيُّ عَنِ الْوَزَّانِ أَيْضًا، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ حَامِدٍ، عَنِ الصَّوَّافِ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِشْمَامِ فِي الْمَعْرُوفِ بِاللَّامِ خَاصَّةً هُنَا وَفِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهِيَ طَرِيقُ بَكَّارٍ عَنِ الْوَزَّانِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي رَوْضَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَطَرِيقُ ابْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الصَّوَّافِ عَنِ الْوَزَّانِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدُّورِيِّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَقَطَعَ لَهُ بِعَدَمِ الْإِشْمَامِ فِي الْجَمِيعِ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ الْهَيْثَمِ وَالطَّلْحِيِّ، وَرِوَايَةُ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ خَلَّادٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ عُبَيْدٍ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الصَّوَّافِ عَلَى الْوَزَّانِ عَنْهُ بِالْإِشْمَامِ فِي الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ كَرِوَايَةِ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُبْهِجِ " عَنِ ابْنِ الْهَيْثَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ نَحْوُ: عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ وَلَدَيْهِمْ، وَعَلَيْهِمَا وَإِلَيْهِمَا وَفِيهِمَا، وَعَلَيْهِنَّ وَإِلَيْهِنَّ وَفِيهِنَّ، وَأَبِيهِمْ وَصَيَاصِيهِمْ وَبِجَنَّتَيْهِمْ وَتَرْمِيهِمْ وَوَمَا نُرِيهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَشِبْهُ ذَلِكَ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الْهَاءِ، وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي: عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ وَلَدَيْهِمْ فَقَطْ، فَإِنْ سَقَطَتْ مِنْهُ الْيَاءُ لِعِلَّةٍ جَزَمَ، أَوْ بِنَاءً نَحْوُ: وَإِنْ يَأْتِهِمْ، وَيُخْزِهِمْ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ، فَاسْتَفْتِهِمْ، فَآتِهِمْ، فَإِنَّ رُوَيْسًا يَضُمُّ الْهَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَنْفَالِ، فَإِنَّ كَسْرَهَا

стр. 281

بِلَا خِلَافٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فِي الْحِجْرِ، وَيُغْنِهِمُ اللَّهُ فِي النُّورِ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ، وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَكِلَاهُمَا فِي غَافِرٍ، فَكَسَرَ الْهَاءَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ النُّحَاسِ. وَكَذَلِكَ رَوَى الْهُذَلِيُّ عَنِ الْحَمَّامِيِّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَكَذَا نَصَّ الْأَهْوَازِيُّ، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ: هَكَذَا أُخِذَ عَلَيْنَا فِي التِّلَاوَةِ وَلَمْ نَجِدْهُ فِي الْأَصْلِ مَكْتُوبًا، زَادَ ابْنُ خَيْرُونَ عَنْهُ كَسْرَ الرَّابِعَةِ وَهِيَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَضَمَّ الْهَاءَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْجُمْهُورُ، عَنْ رُوَيْسٍ، وَانْفَرَدَ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الْهَاءِ فِي (بِبَغْيِهِمْ) فِي الْأَنْعَامِ، وَ (حُلِيِّهُمْ) فِي الْأَعْرَافِ، وَلَمْ يَرْوِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَبِذَلِكَ، قَرَأَ الْبَاقُونَ فِي جَمِيعِ الْبَابِ وَاخْتَلَفُوا فِي صِلَةِ مِيمِ الْجَمْعِ بِوَاوٍ وَإِسْكَانِهَا، وَإِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ مُحَرَّكٍ نَحْوُ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ فَضَمَّ الْمِيمَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَوَصَلَهَا بِوَاوٍ فِي اللَّفْظِ وَصْلًا ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قَالُونَ، فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِسْكَانِ صَاحِبُ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْعُنْوَانِ "، وَكَذَا قَطَعَ فِي " الْهِدَايَةِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْإِرْشَادِ " غَيْرَهُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَقَرَأَ الْهُذَلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَبِالصِّلَةِ قَطَعَ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " لِلْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ، وَعَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَطَرِيقِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الْهُذَلِيُّ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ قَالُونَ بْنِ بَلِّيمَةَ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى الْخِلَافِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَأَطْلَقَ التَّخْيِيرَ لَهُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَكَذَا جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ

стр. 282

وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِعَدَمِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا كَيْفَ وَقَعَتْ، إِلَّا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ هَمْزِ قَطْعٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّقْلِ، وَوَافَقَ وَرْشًا عَلَى الصِّلَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ مِيمِ الْجَمْعِ هَمْزَةُ قَطْعٍ نَحْوُ (عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ) (مَعَكُمْ إِنَّمَا) (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ) وَالْبَاقُونَ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِسْكَانِهَا وَقْفًا، وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ مِيمِ الْجَمْعِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ مَا قَبْلَهَا وَكَسْرِهِ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْمِيمِ سَاكِنٌ، وَكَانَ قَبْلَهَا هَاءٌ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ، أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ نَحْوُ: قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، وَبِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَيُغْنِيَهُمُ اللَّهُ، وَيُرِيهِمُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِمُ الْقِتَالُ، وَمِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي، فَكَسَرَ الْمِيمَ وَالْهَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو عَمْرٍو وَضَمَّ الْمِيمَ وَكَسَرَ الْهَاءِ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَضَمَّ الْمِيمَ وَالْهَاءَ جَمِيعًا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَأَتْبَعَ يَعْقُوبُ الْمِيمَ الْهَاءَ عَلَى أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، فَضَمَّهَا حَيْثُ ضَمَّ الْهَاءَ وَكَسَرَهَا حَيْثُ كَسَرَهَا، فَيَضُمُّ نَحْوَ (يُرِيهِمُ اللَّهُ) ، (عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) ؛ لِوُجُودِ ضَمَّةِ الْهَاءِ، وَبِكَسْرِ نَحْوِ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛ لِوُجُودِ الْكَسْرَةِ، وَرُوَيْسٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَحْوِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ. هَذَا حُكْمُ الْوَصْلِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْوَقْفِ فَكُلُّهُمْ عَلَى إِسْكَانِ الْمِيمِ، وَهِيَ فِي الْهَاءِ عَلَى أُصُولِهِمْ، فَحَمْزَةُ يَضُمُّ نَحْوَ: عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ وَيَعْقُوبُ يَضُمُّ ذَلِكَ، وَيَضُمُّ فِي نَحْوِ يُرِيهِمُ اللَّهُ وَلَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَرُوَيْسٌ فِي نَحْوِ: يُغْنِهِمُ اللَّهُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا ضَمٌّ، سَوَاءٌ كَانَ هَاءً أَمْ كَافًا أَمْ تَاءً نَحْوَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ، وَعَنْهُمُ ابْتِغَاءَ، وَعَلَيْكُمُ الْقِتَالُ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَفُوا سَكَّنُوا الْمِيمَ. بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ الْإِدْغَامُ هُوَ اللَّفْظُ بِحَرْفَيْنِ حَرْفًا كَالثَّانِي مُشَدَّدًا وَيَنْقَسِمُ إِلَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ. (فَالْكَبِيرُ) مَا كَانَ الْأَوَّلُ مِنَ الْحَرْفَيْنِ فِيهِ مُتَحَرِّكًا، سَوَاءٌ أَكَانَا مِثْلَيْنِ أَمْ جِنْسَيْنِ أَمْ مُتَقَارِبَيْنِ، وَسُمِّيَ كَبِيرًا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، إِذِ الْحَرَكَةُ أَكْثَرُ مِنَ السُّكُونِ. وَقِيلَ:

стр. 283

لِتَأْثِيرِهِ فِي إِسْكَانِ الْمُتَحَرِّكِ قَبْلَ إِدْغَامِهِ. وَقِيلَ: لِمَا فِيهِ مِنَ الصُّعُوبَةِ. وَقِيلَ: لِشُمُولِهِ نَوْعَيِ الْمِثْلَيْنِ وَالْجِنْسَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ. (وَالصَّغِيرُ) هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا سَاكِنًا وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ عَلَى الْهَمْزِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقَسِمُ إِلَى جَائِزٍ وَوَاجِبٍ وَمُمْتَنِعٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُرُوفِ فِي فَصْلِ التَّجْوِيدِ، وَسَيَأْتِي تَتِمَّتُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ وَالْكَلَامِ عِنْدَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْجَائِزِ وَمِنْهُمَا بِشَرْطِهِ عَمَّنْ وَرَدَ. وَيَنْحَصِرُ الْكَلَامُ عَلَى الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ فِي فَصْلَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي رُوَاتِهِ، وَالثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ. فَأَمَّا رُوَاتُهُ فَالْمَشْهُورُ بِهِ وَالْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ وَالْمُخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعَشَرَةِ هُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَلَيْسَ بِمُنْفَرِدٍ بِهِ، بَلْ قَدْ وَرَدَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ مُحَيْصِنٍ، وَالْأَعْمَشِ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ السَّدُوسِيِّ، وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَوَجْهُهُ طَلَبُ التَّخْفِيفِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْإِدْغَامُ كَلَامُ الْعَرَبِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهَا، وَلَا يُحْسِنُونَ غَيْرَهُ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وَتَذَكَّرْ رَبُّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ فَكَّـ ... ـرَ يَوْمًا وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ قَوْلُهُ: " تَذَكَّرَ " فِعْلٌ مَاضٍ، وَ " رَبُّ " فَاعِلُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَشِيَّةْ تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ حَمَامَةً ... بِمَكَّةَ يُؤْوِيكَ السِّتَارُ الْمُحَرَّمُ ثُمَّ إِنَّ لِمُؤَلِّفِي الْكُتُبِ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذِكْرِهِ طُرُقًا؛ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَلْبَتَّةَ كَمَا فَعَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ، وَابْنُ مُجَاهِدٍ فِي سَبْعَتِهِ، وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَالطَّلَمَنْكِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، وَابْنُ سُفْيَانَ فِي هَادِيهِ، وَابْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَالْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ، وَأَبُو الطَّاهِرِ فِي عُنْوَانِهِ، وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادَيْهِمَا، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُوجَزِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ كَابْنِ الْكِنْدِيِّ، وَابْنِ زُرَيْقٍ، وَالْكَمَالِ، وَالدِّيوَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِكَمَالِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَهُمُ

стр. 284

الْجُمْهُورُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ مَعًا كَأَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَلْخِيصِهِ، وَالصَّفْرَاوِيِّ فِي إِعْلَانِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بِهِ السُّوسِيَّ وَحْدَهُ كَصَاحِبِ " التَّيْسِيرِ "، وَشَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ، وَالشَّاطِبِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ عَنِ السُّوسِيِّ، وَلَا الدُّورِيِّ، بَلْ ذَكَرَهُ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَزِيدِيِّ وَشُجَاعٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو كَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " وَالْمَالِكِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَرْوِيًّا، وَصَحَّ لَدَيْهِمْ مُسْنَدًا، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ الْإِدْغَامَ وَرَوَاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهُ إِبْدَالَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ كَمَا ذَكَرَ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ إِبْدَالَهُ مَعَ الْإِظْهَارِ، فَثَبَتَ حِينَئِذٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَعَ الْإِدْغَامِ وَعَدَمِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ (الْأُولَى) الْإِظْهَارُ مَعَ الْإِبْدَالِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِكَمَالِهِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّجْرِيدِ " " وَالتَّذْكَارِ " وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي أَسَانِيدِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَفِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَ " الْكَافِي "، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو سِوَاهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ ذَلِكَ بِالسُّوسِيِّ كَصَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَ " الْكَافِي " وَبَعْضَهُمْ عَمَّ أَبَا عَمْرٍو كَمَكِّيٍّ وَأَبِي الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ (الثَّانِيَةُ) الْإِدْغَامُ مَعَ الْإِبْدَالِ، وَهُوَ الَّذِي فِي جَمِيعِ كُتُبِ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ مِنْ رِوَايَتَيِ الدُّورِيِّ، وَالسُّوسِيِّ جَمِيعًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ عَنْهُمَا جَمِيعًا الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ تِلَاوَةً، وَهُوَ الَّذِي عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّذْكِرَةِ " لِابْنِ غَلْبُونَ وَ " الشَّاطِبِيَّةِ " وَمُفْرَدَاتِ الدَّانِيِّ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عَنْهُ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكَارُ "، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ مِنْ طَرِيقِ " الشَّاطِبِيَّةِ " " وَالتَّيْسِيرِ "، وَإِنَّمَا تَبِعُوا فِي ذَلِكَ الشَّاطِبِيَّ، ﵀. قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْإِدْغَامِ مَنْ شَرْحِهِ: وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ - يَعْنِي الشَّاطِبِيَّ - يُقْرِئُ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ السُّوسِيِّ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ قَرَأَ. وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ: وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُقْرِئُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَاهِرَ النِّحْرِيرَ الَّذِي عَرَفَ وُجُوهَ الْقِرَاءَاتِ وَلُغَاتِ الْعَرَبِ (الثَّالِثَةُ) الْإِظْهَارُ مَعَ

стр. 285

الْهَمْزِ، وَهُوَ الْأَصْلُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَالثَّابِتُ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّجْرِيدِ " وَلِلدُّورِيِّ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ كَالْمَهْدَوِيِّ، وَمَكِّيٍّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ " عَنِ الدُّورِيِّ مِنْ قِرَاءَةِ الدَّانِيِّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ وَبَقِيَتْ طَرِيقٌ رَابِعَةٌ، وَهِيَ الْإِدْغَامُ مَعَ الْهَمْزِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ، لَمْ يُجِزْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِذِكْرِهَا الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ، فَقَالَ: وَرُبَّمَا هُمِزَ وَأُدْغِمَ الْمُتَحَرِّكُ، هَكَذَا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ هَاشِمٍ، عَلَى الْأَنْطَاكِيِّ، عَلَى ابْنِ بُدْهُنٍ، عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ عَلَى أَبِي الزَّعْرَاءِ عَلَى الدُّورِيِّ. (قُلْتُ) : كَذَا ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ عَنْهُ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ الْمَذْكُورِ، عَنْ هَذَا الْأَنْطَاكِيِّ ; لِأَنَّ ابْنَ هَاشِمٍ الْمَذْكُورَ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ الْمِصْرِيُّ يُعْرَفُ بِتَاجِ الْأَئِمَّةِ، أُسْتَاذٌ مَشْهُورٌ ضَابِطٌ، قَرَأَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالْأُسْتَاذِ أَبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنْكِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ مَا حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ، وَلَا ذَكَرَهُ أَلْبَتَّةَ. وَشَيْخُهُ الْأَنْطَاكِيُّ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ أُسْتَاذٌ مَاهِرٌ حَافِظٌ، أَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: كَأَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَمُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَدَّلِ الشَّرِيفِ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَزْوِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَشَيْخُهُ ابْنُ بُدْهُنٍ هُوَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْدَادِيُّ إِمَامٌ مُتْقِنٌ مَشْهُورٌ، أَحْذَقُ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، أَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي الطَّيِّبِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ غَلْبُونَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَيْسِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَشَيْخُهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ شَيْخُ الصَّنْعَةِ وَإِمَامُ السَّبْعَةِ، نَقَلَ عَنْهُ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْيَسْعَ الْأَنْطَاكِيُّ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَجْرَمٍ الْأَنْطَاكِيِّ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ مَعَ الْهَمْزِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُقْرِئْنَا أَحَدٌ مِنْ شُيُوخِنَا بِالْإِدْغَامِ مَعَ الْهَمْزِ إِلَّا هَذَا
следующие страницы →