Полный текст (967 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حُرُوفُ الْإِطْبَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَقْوَاهَا تَفْخِيمًا، وَزَادَ مَكِّيٌّ عَلَيْهَا الْأَلِفَ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْأَلِفَ تَتْبَعُ مَا قَبْلَهَا فَلَا تُوصَفُ بِتَرْقِيقٍ وَلَا تَفْخِيمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا الْحُرُوفُ الْمُنْفَتِحَةُ) وَضِدُّهَا: الْمُنْطَبِقَةُ وَالْمُطْبِقَةُ: وَالِانْطِبَاقُ مِنْ صِفَاتِ الْقُوَّةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ.
(وَحُرُوفُ الصَّفِيرِ) ثَلَاثَةٌ: الصَّادُ، وَالسِّينُ، وَالزَّايُ وَهِيَ الْحُرُوفُ الْأَسَلِيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
(وَحُرُوفُ الْقَلْقَلَةِ) وَيُقَالُ اللَّقْلَقَةُ خَمْسٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: قُطْبُ جَدٍّ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا الْهَمْزَةَ لِأَنَّهَا مَجْهُورَةٌ شَدِيدَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْجُمْهُورُ لِمَا يَدْخُلُهَا مِنَ التَّخْفِيفِ حَالَةَ السُّكُونِ فَفَارَقَتْ أَخَوَاتِهَا وَلِمَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْإِعْلَالِ وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مَعَهَا التَّاءَ مَعَ أَنَّهَا الْمَهْمُوسَةُ وَذَكَرَ لَهَا نَفْخًا، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الِاخْتِبَارِ، وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ مِنْهَا الْكَافَ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا دُونَ الْقَافِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْقَلْقَلَةُ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا سَكَنَتْ ضَعُفَتْ فَاشْتَبَهَتْ بِغَيْرِهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى ظُهُورِ صَوْتٍ يُشْبِهُ النَّبْرَةَ حَالَ سُكُونِهِنَّ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ وَإِلَى زِيَادَةِ إِتْمَامِ النُّطْقِ بِهِنَّ، فَذَلِكَ الصَّوْتُ فِي سُكُونِهِنَّ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي حَرَكَتِهِنَّ، وَهُوَ فِي الْوَقْفِ أَمْكَنُ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْقَافُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ سَاكِنًا إِلَّا مَعَ صَوْتٍ زَائِدٍ لِشِدَّةِ اسْتِعْلَائِهِ.
وَذَهَبَ مُتَأَخِّرُو أَئِمَّتِنَا إِلَى تَخْصِيصِ الْقَلْقَلَةِ بِالْوَقْفِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ مَا رَأَوْهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ الْقَلْقَةَ تَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ بِالْوَقْفِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْفِ ضِدُّ الْوَصْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ سِوَى السُّكُونِ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ الْوَقْفَ عَلَى السُّكُونِ، وَقَوَّى الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُ الْقَلْقَلَةِ فِي الْوَقْفِ الْعُرْفِيِّ أَبْيَنَ وَحُسْبَانُهُمْ أَنَّ الْقَلْقَلَةَ حَرَكَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ: الْقَلْقَلَةُ شِدَّةُ الصِّيَاحِ، وَاللَّقْلَقَةُ شِدَّةُ الصَّوْتِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ شُرَيْحُ بْنُ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ ﵀ -
стр. 212
فِي كِتَابِهِ " نِهَايَةُ الْإِتْقَانِ فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ " لَمَّا ذَكَرَ أَحْرُفَ الْقَلْقَلَةِ الْخَمْسَةَ فَقَالَ: وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ كَبَاءِ " الْأَبْوَابِ "، وَجِيمِ " النَّجْدَيْنِ "، وَدَالِ " مَدَدْنَا "، وَقَافِ " خَلَقْنَا، وَطَاءِ " أَطْوَارًا "، وَمُتَطَرِّفَةٌ كَبَاءِ " لَمْ يَتُبْ "، وَجِيمِ " لَمْ يَخْرُجْ "، وَدَالِ " لَقَدْ "، وَقَافِ " مَنْ يُشَاقِقْ " وَطَاءِ " لَا تُشْطِطْ "، فَالْقَلْقَلَةُ هُنَا أَبْيَنُ فِي الْوَقْفِ فِي الْمُتَطَرِّفَةِ مِنَ الْمُتَوَسِّطَةِ انْتَهَى. وَهُوَ عَيْنُ مَا قَالَهُ الْمُبَرِّدُ وَنَصَّ فِيمَا قُلْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُرُوفُ الْمَدِّ هِيَ الْحُرُوفُ الْجَوْفِيَّةُ وَهِيَ الْهَوَائِيَّةُ، وَتَقَدَّمَتْ أَوَّلًا وَأَمْكَنُهُنَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْأَلِفُ وَأَبْعَدَ ابْنُ الْفَحَّامِ فَقَالَ: أَمْكَنُهُنَّ فِي الْمَدِّ الْوَاوُ، ثُمَّ الْيَاءُ، ثُمَّ الْأَلِفُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَةَ مِنَ الْأَلِفِ وَالضَّمَّةَ مِنَ الْوَاوِ وَالْكَسْرَةَ مِنَ الْيَاءِ.
فَالْحُرُوفِ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْحَرَكَاتِ، وَقِيلَ: عَكْسُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَيْسَتِ الْحَرَكَاتُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْحُرُوفِ وَلَا الْحُرُوفُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْحَرَكَاتِ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ.
وَالْحُرُوفُ الْخَفِيَّةُ أَرْبَعَةٌ الْهَاءُ وَحُرُوفُ الْمَدِّ سُمِّيَتْ خَفِيَّةً لِأَنَّهَا تَخْفَى فِي اللَّفْظِ إِذَا انْدَرَجَتْ بَعْدَ حَرْفٍ قَبْلَهَا وَلِخَفَاءِ الْهَاءِ قَوِيَتْ بِالصِّلَةِ، وَقَوِيَتْ حُرُوفُ الْمَدِّ بِالْمَدِّ عِنْدَ الْهَمْزَةِ.
وَحَرْفَا اللِّينِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ السَّاكِنَتَانِ الْمَفْتُوحُ مَا قَبْلَهُمَا.
وَحَرْفَا الِانْحِرَافِ اللَّامُ وَالرَّاءُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: اللَّامُ فَقَطْ، وَنُسِبَ إِلَى الْبَصْرِيِّينَ، وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا انْحَرَفَا عَنْ مَخْرَجِهِمَا حَتَّى اتَّصَلَا بِمَخْرَجِ غَيْرِهِمَا.
وَحَرْفَا الْغُنَّةِ هُمَا النُّونُ وَالْمِيمُ، وَيُقَالُ لَهُمَا الْأَغَنَّانِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْغُنَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْخَيْشُومِ.
وَالْحَرْفُ الْمُكَرَّرُ هُوَ الرَّاءُ. قَالَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ هُوَ حَرْفٌ شَدِيدٌ جَرَى فِيهِ الصَّوْتُ لِتَكَرُّرِهِ وَانْحِرَافِهِ إِلَى اللَّامِ فَصَارَ كَالرَّخْوَةِ، وَلَوْ لَمْ يُكَرَّرْ لَمْ يَجِرِ فِيهِ الصَّوْتُ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هُوَ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاوَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ التَّكْرِيرَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ فِي الرَّاءِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ، فَتَكْرِيرُهَا رُبُوُّهَا فِي اللَّفْظِ وَإِعَادَتُهَا بَعْدَ قَطْعِهَا وَيَتَحَفَّظُونَ مِنْ إِظْهَارِ تَكْرِيرِهَا خُصُوصًا إِذَا شُدِّدَتْ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْقِرَاءَةِ، وَبِذَلِكَ قَرَأْنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ قَرَأْنَا عَلَيْهِ وَبِهِ نَأْخُذُ.
стр. 213
وَحُرُوفُ التَّفَشِّي هُوَ الشِّينُ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ تَفَشَّى مِنْ مَخْرَجِهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَخْرَجِ الطَّاءِ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا الْفَاءَ وَالضَّادَ، وَبَعْضَ الرَّاءِ وَالصَّادَ وَالسِّينَ وَالْيَاءَ وَالثَّاءَ وَالْمِيمَ.
وَالْحَرْفُ الْمُسْتَطِيلُ هُوَ الضَّادُ ; لِأَنَّهُ اسْتَطَالَ عَنِ الْفَهْمِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَخْرَجِ اللَّامِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ بِالْجَهْرِ وَالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ.
وَأَمَّا كَيْفَ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ
فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى يُقْرَأُ بِالتَّحْقِيقِ وَبِالْحَدَرِ وَبِالتَّدْوِيرِ الَّذِي هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مُرَتَّلًا مُجَوَّدًا بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَتَحْسِينِ اللَّفْظِ وَالصَّوْتِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
أَمَّا التَّحْقِيقُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْ حَقَّقْتُ الشَّيْءَ تَحْقِيقًا إِذَا بَلَغْتُ يَقِينَهُ، وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ عَلَى حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ. فَهُوَ بُلُوغُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَالْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِهِ وَالْوُصُولُ إِلَى نِهَايَةِ شَأْنِهِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ إِعْطَاءِ كُلِّ حَرْفٍ حَقَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْمَدِّ، وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَإِتْمَامِ الْحَرَكَاتِ، وَاعْتِمَادِ الْإِظْهَارِ وَالتَّشْدِيدَاتِ، وَتَوْفِيَةِ الْغُنَّاتِ، وَتَفْكِيكِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ بَيَانُهَا وَإِخْرَاجُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ بِالسَّكْتِ وَالتَّرَسُّلِ وَالْيُسْرِ وَالتُّؤَدَةِ وَمُلَاحَظَةُ الْجَائِزِ مِنَ الْوُقُوفِ، وَلَا يَكُونُ غَالِبًا مَعَهُ قَصْرٌ وَلَا اخْتِلَاسٌ وَلَا إِسْكَانُ مُحَرَّكٍ وَلَا إِدْغَامُهُ فَالتَّحْقِيقُ يَكُونُ لِرِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ وَتَقْوِيمِ الْأَلِفَاظِ وَإِقَامَةِ الْقِرَاءَةِ بِغَايَةِ التَّرْتِيلِ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِيهِ إِلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ مِنْ تَحْرِيكِ السَّوَاكِنِ وَتَوْلِيدِ الْحُرُوفِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَتَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَطْنِينِ النُّونَاتِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْغُنَّاتِ كَمَا رُوِّينَا عَنْ حَمْزَةَ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ قَالَ: لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ يُبَالِغُ فِي ذَلِكَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْجُعُودَةِ فَهُوَ قَطَطٌ وَمَا كَانَ فَوْقَ الْبَيَاضِ فَهُوَ بَرَصٌ
стр. 214
وَمَا كَانَ فَوْقَ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ.
(قُلْتُ) : وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّرْتِيلِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ، هُوَ مَذْهَبُ حَمْزَةَ وَوَرْشٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْهُ وَقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ طُرُقِ الْأُشْنَانِيِّ عَنْ حَفْصٍ وَبَعْضِ الْمِصْرِيِّينَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ وَأَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِصْرِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ هُوَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعَدَّلِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى الشَّاطِبِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى ابْنِ هُذَيْلٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عِرَاكٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى حَمْدَانَ بْنِ عَوْنٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى الْأَزْرَقِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى وَرْشٍ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى نَافِعٍ التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْخَمْسَةِ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُ الْخَمْسَةُ أَنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّحْقِيقِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَا أَعْلَمُهُ يُحْفَظُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّجْرِيدِ بَعْدَ إِسْنَادِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا الْخَبَرُ الْوَارِدُ بِتَوْقِيفِ قِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَرِيبَةِ وَالسُّنَنِ الْعَزِيزَةِ لَا تُوجِدُ رِوَايَتُهُ إِلَّا عِنْدَ الْمُكْثِرِينَ الْبَاحِثِينَ وَلَا يُكْتُبُ إِلَّا عَنِ الْحُفَّاظِ الْمَاهِرِينَ، وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ قِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ، وَتَعَلُّمِ الْإِتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ، لِاتِّصَالِ سَنَدِهِ، وَعَدَالَةِ نَقَلَتِهِ، وَلَا أَعْلَمُهُ يَأْتِي مُتَّصِلًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى، وَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ لَهُ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَا أَعْلَمُهُ يُحْفَظُ إِلَّا مِنْ
стр. 215
هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ، وَالْخَمْسَةُ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ نَافِعٌ هُمْ: أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَشَيْبَةُ بْنُ نِصَاحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ. كَمَا سَمَّاهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ.
وَأَمَّا الْحَدَرُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ حَدَرَ - بِالْفَتْحِ يَحْدُرُ بِالضَّمِّ - إِذَا أَسْرَعَ فَهُوَ مِنَ الْحُدُورِ الَّذِي هُوَ الْهُبُوطُ ; لِأَنَّ الْإِسْرَاعَ مِنْ لَازِمِهِ بِخِلَافِ الصُّعُودِ فَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ إِدْرَاجِ الْقِرَاءَةِ وَسُرْعَتِهَا وَتَخْفِيفِهَا بِالْقَصْرِ وَالتَّسْكِينِ وَالِاخْتِلَاسِ وَالْبَدَلِ وَالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَوَرَدَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ مَعَ إِيثَارِ الْوَصْلِ، وَإِقَامَةِ الْإِعْرَابِ وَمُرَاعَاةِ تَقْوِيمِ اللَّفْظِ، وَتَمَكُّنِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ ضِدُّ التَّحْقِيقِ. فَالْحَدَرُ يَكُونُ لِتَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَحَوْزِ فَضِيلَةِ التِّلَاوَةِ، وَلْيَحْتَرِزْ فِيهِ عَنْ بَتْرِ حُرُوفِ الْمَدِّ، وَذَهَابِ صَوْتِ الْغُنَّةِ، وَاخْتِلَاسِ أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ، وَعَنِ التَّفْرِيطِ إِلَى غَايَةٍ لَا تَصِحُّ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا تُوصَفُ بِهَا التِّلَاوَةُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّرْتِيلِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ: هَذَا كَهَذِّ الشِّعْرِ، الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ الْحَدَرُ: مَذْهَبُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَسَائِرِ مَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ، كَأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ وَقَالُونَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُمْ، وَكَالْوَلِيِّ عَنْ حَفْصٍ، وَكَأَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ.
وَأَمَّا التَّدْوِيرُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ رَوَى مَدَّ الْمُنْفَصِلِ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِ إِلَى الْإِشْبَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْقُرَّاءِ وَصَحَّ عَنْ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَا تَنْثُرُوهُ - يَعْنِي الْقُرْآنَ - نَثْرَ الدَّقَلَ وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ. الْحَدِيثَ سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ.
وَأَمَّا التَّرْتِيلُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ رَتَّلَ فُلَانٌ كَلَامَهُ إِذَا أَتْبَعَ بَعْضَهُ بَعْضًا عَلَى
стр. 216
مُكْثٍ وَتَفَهُّمٍ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَرُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ كَمَا أُنْزِلَ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيِّنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَأَنَّ فِيهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: انْبِذْهُ حَرْفًا حَرْفًا. يَقُولُ تَعَالَى تَلَبَّثْ فِي قِرَاءَتِهِ وَتَمَهَّلْ فِيهَا، وَافْصِلِ الْحَرْفَ مِنَ الْحَرْفِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ حَتَّى أَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ اهْتِمَامًا بِهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَتَفَهُّمِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَقْرَأُ، فَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يَمُدُّ اللَّهَ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ. فَالتَّحْقِيقُ دَاخِلٌ فِي التَّرْتِيلِ كَمَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ هَلِ التَّرْتِيلُ وَقِلَّةُ الْقِرَاءَةِ، أَوِ السُّرْعَةُ مَعَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ: كُلُّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَرَأَهُ فِي رَكْعَةٍ، وَذَكَرُوا آثَارًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ فِي كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ
стр. 217
وَالْخَلَفِ، وَهُوَ أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدْبِيرَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنَ السُّرْعَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهْمُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ وَحِفْظُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَسُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدَهُمَا الْبَقَرَةَ وَالْآخَرُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي الصَّلَاةِ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَحْدَهَا أَفْضَلُ. وَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُرَدِّدُ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ إِلَى الصَّبَاحِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ فَاتَّخِذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا. وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَقْرَأَ فِي لَيْلَتِي حَتَّى أُصْبِحَ (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَالْقَارِعَةُ) لَا أَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَأَتَرَدَّدُ فِيهِمَا وَأَتَفَكَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَهُذَّ الْقُرْآنَ هَذًّا، أَوْ قَالَ: أَنْثُرُهُ نَثْرًا، وَأَحْسَنَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا ﵀ فَقَالَ: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ وَالتَّدَبُّرِ أَجَلُّ وَأَرْفَعُ قَدْرًا، وَإِنَّ ثَوَابَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا. فَالْأَوَّلُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالثَّانِي كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَعْتَقَ عَدَدًا مِنَ الْعَبِيدِ قِيمَتُهُمْ رَخِيصَةٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيلَ مُسْتَحَبٌّ لَا لِمُجَرَّدِ التَّدَبُّرِ، فَإِنَّ الْعَجَمِيَّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقُرْآنِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا فِي الْقِرَاءَةِ التَّرْتِيلُ وَالتُّؤَدَةُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْهَذْرَمَةِ وَالِاسْتِعْجَالِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّرْتِيلِ وَالتَّحْقِيقِ: أَنَّ التَّحْقِيقَ يَكُونُ لِلرِّيَاضَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّمْرِينِ، وَالتَّرْتِيلَ يَكُونُ لِلتَّدْبِيرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، فَكُلُّ تَحْقِيقٍ تَرْتِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ تَرْتِيلٍ تَحْقِيقًا، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا فَقَالَ: التَّرْتِيلُ تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوَقْفِ.
[فصل في التجويد جامع للمقاصد حاوي للفوائد]
وَحَيْثُ انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ إِلَى هُنَا فَلْنَذْكُرْ فَصْلًا فِي التَّجْوِيدِ يَكُونُ جَامِعًا لِلْمَقَاصِدِ حَاوِيًا لِلْفَوَائِدِ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ كِتَابَنَا: التَّمْهِيدُ فِي التَّجْوِيدِ، وَهُوَ مِمَّا
стр. 218
أَلَّفْنَاهُ حَالَ اشْتِغَالِنَا بِهَذَا الْعِلْمِ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ، إِذِ الْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُنَا هَذَا جَامِعًا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَارِئُ وَالْمُقْرِئُ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْمُقْرِئُ الْمُجَوِّدُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّامِيُّ بِقِرَاءَةِ ابْنَيْ أَبِي الْفَتْحِ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُقْرِئُ شَيْخُ التَّجْوِيدِ أَبُو حَيَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَنْدَلُسِيُّ سَمَاعًا، وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ الْمُجَوِّدُ أَبُو سَهْلٍ الْيُسْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغِرْنَاطِيُّ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَافِيَةِ بِقِرَائَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّنْجَانِيُّ (ح) ، وَأَعْلَى مِنْ هَذَا قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الْمُقْرِئِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَلَبِيِّ أَنْبَأَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ شَيْخِ الشُّيُوخِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ وَغَيْرِهِ قَالُوا: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ شَيْخُ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّجْوِيدِ أَبُو الْكَرَمِ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ رُزْبَةَ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَلَّى الشُّونِيزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: جَوِّدُوا الْقُرْآنَ وَزَيِّنُوهُ بِأَحْسَنِ الْأَصْوَاتِ وَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْرَبَ بِهِ.
فَالتَّجْوِيدُ
مَصْدَرٌ مِنْ جَوَّدَ تَجْوِيدًا وَالِاسْمُ مِنْهُ الْجَوْدَةُ ضِدُّ الرَّدَاءَةِ، يُقَالُ: جَوَّدَ فَلَانٌ فِي كَذَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ جَيِّدًا فَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْقِرَاءَةِ مُجَوَّدَةً بِالْأَلِفَاظِ بَرِيئَةً مِنَ الرَّدَاءَةِ فِي النُّطْقِ وَمَعْنَاهُ انْتِهَاءُ الْغَايَةِ فِي التَّصْحِيحِ وَبُلُوغُ النِّهَايَةِ فِي التَّحْسِينِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ كَمَا هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ مُتَعَبِّدُونَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْأَفْصَحِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا وَلَا الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُحْسِنٍ مَأْجُورٍ، وَمُسِيءٍ آثِمٍ، أَوْ مَعْذُورٍ، فَمَنْ قَدَرَ
стр. 219
عَلَى تَصْحِيحِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ، وَعَدَلَ إِلَى اللَّفْظِ الْفَاسِدِ الْعَجَمِيِّ، أَوِ النَّبَطِيِّ الْقَبِيحِ، اسْتِغْنَاءً بِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْدَادًا بِرَأْيهِ وَحَدْسِهِ وَاتِّكَالًا عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ حِفْظِهِ، وَاسْتِكْبَارًا عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى عَالَمٍ يُوقِفُهُ عَلَى صَحِيحِ لَفْظِهِ، فَإِنَّهُ مُقَصِّرٌ بِلَا شَكٍّ، وَآثِمٌ بِلَا رَيْبٍ، وَغَاشٌّ بِلَا مِرْيَةٍ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.
أَمَّا مَنْ كَانَ لَا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، أَوْ لَا يَجِدُ مَنْ يَهْدِيهِ إِلَى الصَّوَابِ بَيَانُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلِهَذَا أَجْمَعَ مَنْ نَعْلَمُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ مَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ تَجَانُسًا أَمْ تَقَارُبًا، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَنْ قَرَأَ: الْحَمْدُ بِالْعَيْنِ، أَوِ الدِّينِ بِالتَّاءِ، أَوِ الْمَغْضُوبِ بِالْخَاءِ أَوْ بِالظَّاءِ ; وَلِذَلِكَ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَجْوِيدٍ لَحْنًا وَعَدُّوا الْقَارِئَ بِهَا لَحَّانًا ; وَقَسَّمُوا اللَّحْنَ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ وَتَعْرِيفِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّحْنَ فِيهِمَا خَلَلٌ يَطْرَأُ عَلَى الْأَلِفَاظِ فَيُخِلُّ، إِلَّا أَنَّ الْجَلِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَنَّ الْخَفِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الْأَدَاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَضَبَطُوا عَنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْأَدَاءِ ; الَّذِينَ تُرْتَضَى تِلَاوَتُهُمْ، وَيُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، فَأَعْطَوْا كُلَّ حَرْفٍ حَقَّهُ ; وَنَزَّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ وَأَوْصَلُوهُ مُسْتَحَقَّهُ، مِنَ التَّجْوِيدِ وَالْإِتْقَانِ، وَالتَّرْتِيلِ وَالْإِحْسَانِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُوَضِّحِ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ فِي فَصْلِ التَّجْوِيدِ مِنْهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّرْتِيلَ وَالْحَدَرَ وَلُزُومَ التَّجْوِيدِ فِيهَا قَالَ: فَإِنَّ حُسْنَ الْأَدَاءِ فَرْضٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ صِيَانَةً لِلْقُرْآنِ عَنْ أَنْ يَجِدَ اللَّحْنُ وَالتَّغْيِيرُ إِلَيْهِ سَبِيلًا عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ حُسْنِ الْأَدَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى
стр. 220
أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ قِرَاءَتَهُ فِي الْمُفْتَرَضَاتِ، فَإِنَّ تَجْوِيدَ اللَّفْظِ وَتَقْوِيمَ الْحُرُوفِ وَحُسْنَ الْأَدَاءِ وَاجِبٌ فِيهِ فَحَسْبُ، وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ كَيْفَمَا كَانَ ; لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ وَتَعْوِيجِهِ وَاتِّخَاذِ اللَّحْنِ سَبِيلًا إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، انْتَهَى. وَهَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَرِيبٌ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحُجَّةُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ فِي تَجْوِيدِهِ وَصَوَّبَ مَا صَوَّبْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالتَّجْوِيدُ هُوَ حِلْيَةُ التِّلَاوَةِ، وَزِينَةُ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبُهَا مَرَاتِبَهَا، وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِنَظِيرِهِ وَتَصْحِيحُ لَفْظِهِ وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى حَالِ صِيغَتِهِ، وَكَمَالِ هَيْئَتِهِ ; مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَعَسُّفٍ وَلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَكَلُّفٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قِرَاءَةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ ﵁ قَدْ أُعْطِيَ حَظًّا عَظِيمًا فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ وَتَحْقِيقِهِ وَتَرْتِيلِهِ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَاهِيكَ بِرَجُلٍ أَحَبَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُ وَلَمَّا قَرَأَ أَبْكَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرُوِّينَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْمَغْرِبَ بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "، وَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ وَتَرْتِيلِهِ.
(قُلْتُ) : وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ ﵎، فَمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مُجَوَّدًا مُصَحَّحًا كَمَا أُنْزِلَ تَلْتَذُّ الْأَسْمَاعُ بِتِلَاوَتِهِ، وَتَخْشَعُ الْقُلُوبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ، حَتَّى يَكَادَ أَنْ يَسْلُبَ الْعُقُولَ وَيَأْخُذَ الْأَلْبَابَ ; سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى يُودِعُهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ شُيُوخِنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُسْنُ صَوْتٍ وَلَا مَعْرِفَةٌ بِالْأَلْحَانِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ جَيِّدَ الْأَدَاءِ قَيِّمًا بِاللَّفْظِ، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ أَطْرَبَ الْمَسَامِعَ، وَأَخَذَ مِنَ الْقُلُوبِ بِالْمَجَامِعِ، وَكَانَ الْخَلْقُ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ، أُمَمٌ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، يَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ مِنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْ سَائِرِ الْأَنَامِ
стр. 221
مَعَ تَرْكِهِمْ جَمَاعَاتٍ مِنْ ذَوِي الْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ، عَارِفِينَ بِالْمَقَامَاتِ وَالْأَلْحَانِ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ التَّجْوِيدِ وَالْإِتْقَانِ، وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِي وَغَيْرِهِمْ أَخْبَارًا بَلَغَتِ التَّوَاتُرَ عَنْ شَيْخِهِمُ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّائِغِ الْمِصْرِيِّ ﵀، وَكَانَ أُسْتَاذًا فِي التَّجْوِيدِ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ وَكَرَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ فَنَزَلَ طَائِرٌ عَلَى رَأْسِ الشَّيْخِ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى أَكْمَلَهَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هُدْهُدٌ، وَبَلَغَنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ الْمَعْرُوفِ بِسِبْطِ الْخَيَّاطِ مُؤَلِّفِ الْمُبْهِجِ وَغَيْرِهِ فِي الْقِرَاءَاتِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ حَظًّا عَظِيمًا، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ سَمَاعِ قِرَاءَتِهِ، وَآخِرُ مَنْ عَلِمْنَاهُ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُصْخَانَ شَيْخُ الشَّامِ، وَالشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِكْرِيُّ شَيْخُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهَذَا بَابٌ أُغْلِقَ، وَطَرِيقٌ سُدَّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ قُصُورِ الْهِمَمِ وَنَفَاقِ سُوقِ الْجَهْلِ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَلَا أَعْلَمُ سَبَبًا لِبُلُوغِ نِهَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ، وَوُصُولِ غَايَةِ التَّصْحِيحِ وَالتَّشْدِيدِ، مِثْلَ رِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ، وَالتَّكْرَارِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الْمُحْسِنِ، وَأَنْتَ تَرَى تَجْوِيدَ حُرُوفِ الْكِتَابَةِ كَيْفَ يَبْلُغُ الْكَاتِبُ بِالرِّيَاضَةِ وَتَوْقِيفِ الْأُسْتَاذِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ ﵀ حَيْثُ يَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ التَّجْوِيدِ وَتَرْكِهِ إِلَّا رِيَاضَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ بِفَكِّهِ، فَلَقَدْ صَدَقَ وَبَصَّرَ، وَأَوْجَزَ فِي الْقَوْلِ وَمَا قَصَّرَ. فَلَيْسَ التَّجْوِيدُ بِتَمْضِيغِ اللِّسَانِ، وَلَا بِتَقْعِيرِ الْفَمِ، وَلَا بِتَعْوِيجِ الْفَكِّ، وَلَا بِتَرْعِيدِ الصَّوْتِ، وَلَا بِتَمْطِيطِ الشَّدِّ، وَلَا بِتَقْطِيعِ الْمَدِّ، وَلَا بِتَطْنِينِ الْغُنَّاتِ، وَلَا بِحَصْرَمَةِ الرَّاءَاتِ، قِرَاءَةٌ تَنْفِرُ عَنْهَا الطِّبَاعُ، وَتَمُجُّهَا الْقُلُوبُ وَالْأَسْمَاعُ، بَلِ الْقِرَاءَةُ السَّهْلَةُ الْعَذْبَةُ الْحُلْوَةُ اللَّطِيفَةُ، الَّتِي لَا مَضْغَ فِيهَا وَلَا لَوْكَ، وَلَا تَعَسُّفَ وَلَا تَكَلُّفَ، وَلَا تَصَنُّعَ وَلَا تَنَطُّعَ، لَا تَخْرُجُ عَنْ طِبَاعِ الْعَرَبِ وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ وَالْأَدَاءِ، وَهَا نَحْنُ نُشِيرُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ التَّفْصِيلِ، وَنُقَدِّمُ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ فَنَقُولُ:
стр. 222
أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى مُرِيدِ إِتْقَانِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ تَصْحِيحُ إِخْرَاجِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ تَصْحِيحًا يَمْتَازُ بِهِ عَنْ مُقَارِبِهِ، وَتَوْفِيَةُ كُلِّ حَرْفٍ صِفَتَهُ الْمَعْرُوفَةَ بِهِ تَوْفِيَةً تُخْرِجُهُ عَنْ مُجَانِسِهِ، يُعْمِلُ لِسَانَهُ وَفَمَهُ بِالرِّيَاضَةِ فِي ذَلِكَ إِعْمَالًا يُصَيِّرُ ذَلِكَ لَهُ طَبْعًا وَسَلِيقَةً.
فَكُلُّ حَرْفٍ شَارَكَ غَيْرَهُ فِي مَخْرَجٍ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَازُ عَنْ مُشَارِكِهِ إِلَّا بِالصِّفَاتِ، وَكُلُّ حَرْفٍ شَارَكَ غَيْرَهُ فِي صِفَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَازُ عَنْهُ إِلَّا بِالْمَخْرَجِ، (كَالْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا، وَانْفَرَدَتِ الْهَمْزَةُ بِالْجَهْرِ وَالشِّدَّةِ، (وَالْعَيْنِ وَالْحَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَاسْتِفَالًا وَانْفِتَاحًا، وَانْفَرَدَتِ الْحَاءُ بِالْهَمْسِ وَالرَّخَاوَةِ الْخَالِصَةِ، (وَالْغَيْنِ وَالْخَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَانْفِتَاحًا، وَانْفَرَدَتِ الْغَيْنُ بِالْجَهْرِ، (وَالْجِيمِ وَالشِّينِ وَالْيَاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا، وَانْفَرَدَتِ الْجِيمُ بِالشِّدَّةِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ الشِّينُ بِالْهَمْسِ وَالتَّفَشِّي، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الرَّخَاوَةِ، (وَالضَّادِ وَالظَّاءِ) اشْتَرَكَا صِفَةً وَجَهْرًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَإِطْبَاقًا، وَافْتَرَقَا مَخْرَجًا، وَانْفَرَدَتِ الضَّادُ بِالِاسْتِطَالَةِ، (وَالطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَشَدَّةً، وَانْفَرَدَتِ الطَّاءُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ التَّاءُ بِالْهَمْسِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ، (وَالظَّاءِ وَالذَّالِ وَالثَّاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَانْفَرَدَتِ الطَّاءُ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِطْبَاقِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ التَّاءُ بِالْهَمْسِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ اسْتِفَالًا وَانْفِتَاحًا، (وَالصَّادِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَصَفِيرًا وَانْفَرَدَتِ الصَّادُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الْهَمْسِ، وَانْفَرَدَتِ الزَّايُ بِالْجَهْرِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا أَحْكَمَ الْقَارِئُ النُّطْقَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَلَى حِدَتِهِ مُوفٍ حَقَّهُ فَلْيُعْمِلْ نَفْسَهُ بِإِحْكَامِهِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ ; لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ التَّرْكِيبِ مَا لَمْ يَكُنْ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، فَكَمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْحُرُوفَ مُفْرَدَةً وَلَا يُحْسِنُهَا مُرَكَّبَةً بِحَسَبِ مَا يُجَاوِرُهَا مِنْ مُجَانِسٍ وَمُقَارِبٍ
стр. 223
وَقَوِيٍّ وَضَعِيفٍ وَمُفَخَّمٍ وَمُرَقَّقٍ فَيَجْذِبُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ وَيَغْلِبُ الْمُفَخَّمُ الْمُرَقَّقَ، فَيَصْعُبُ عَلَى اللِّسَانِ النُّطْقُ بِذَلِكَ عَلَى حَقِّهِ إِلَّا بِالرِّيَاضَةِ الشَّدِيدَةِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، فَمَنْ أَحْكَمَ صِحَّةَ اللَّفْظِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ حَصَّلَ حَقِيقَةَ التَّجْوِيدِ بِالْإِتْقَانِ وَالتَّدْرِيبِ، وَسَنُورِدُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَافٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَاعِدَةٍ نَذْكُرُهَا، وَهِيَ أَنَّ أَصْلَ الْخَلَلِ الْوَارِدِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْقُرَّاءِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا هُوَ إِطْلَاقُ التَّفْخِيمَاتِ وَالتَّغْلِيظَاتِ عَلَى طَرِيقٍ أَلِفَتْهَا الطِّبَاعَاتُ، تُلُقِّيَتْ مِنَ الْعَجَمِ، وَاعْتَادَتْهَا النَّبَطُ وَاكْتَسَبَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ، حَيْثُ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَى عِلْمِهِ، وَيُوثَقُ بِفَضْلِهِ وَفَهْمِهِ، وَإِذَا انْتَهَى الْحَالُ إِلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَانُونٍ صَحِيحٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَمِيزَانٍ مُسْتَقِيمٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، نُوَضِّحُهُ مُسْتَوْفِيًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَالَةِ وَالتَّرْقِيقِ وَنُشِيرُ إِلَى مُهِمِّهِ هُنَا.
فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرُوفَ الْمُسْتَفِلَةَ كُلَّهَا مُرَقَّقَةٌ لَا يَجُوزُ تَفْخِيمُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا اللَّامَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ فَتْحَةٍ، أَوْ ضَمَّةٍ إِجْمَاعًا، أَوْ بَعْضَ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَإِلَّا الرَّاءَ الْمَضْمُومَةَ، أَوِ الْمَفْتُوحَةَ مُطْلَقًا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَالسَّاكِنَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْحُرُوفُ الْمُسْتَعْلِيَةُ كُلُّهَا مُفَخَّمَةٌ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَأَمَّا الْأَلِفُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِتَرْقِيقٍ وَلَا تَفْخِيمٍ، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَقَدَّمُهَا فَإِنَّهَا تَتْبَعُهُ تَرْقِيقًا وَتَفْخِيمًا، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا مِنْ إِطْلَاقِ تَرْقِيقِهَا فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ التَّحْذِيرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي لَفْظِهَا إِلَى أَنْ يُصَيِّرُوهَا كَالْوَاوِ، أَوْ يُرِيدُونَ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا هِيَ مُرَقَّقَةٌ فِيهِ، وَأَمَّا نَصُّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى تَرْقِيقِهَا بَعْدَ الْحُرُوفِ الْمُفَخَّمَةِ فَهُوَ شَيْءٌ وَهِمَ فِيهِ وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مُعَاصِرِيهِ، وَرَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بُصْخَانَ سَمَّاهُ: " التَّذْكِرَةُ وَالتَّبْصِرَةُ لِمَنْ نَسِيَ تَفْخِيمَ الْأَلِفِ أَوْ أَنْكَرَهُ " قَالَ فِيهِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْقَارِئُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ تَفْخِيمَ الْأَلِفِ فَإِنْكَارُهُ صَادِرٌ عَنْ جَهْلِهِ، أَوْ غِلَظِ طِبَاعِهِ، أَوْ عَدَمِ
стр. 224
اطِّلَاعِهِ، أَوْ تَمَسُّكِهِ بِبَعْضِ كُتُبِ التَّجْوِيدِ الَّتِي أَهْمَلَ مُصَنِّفُوهَا التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ تَفْخِيمِ الْأَلِفِ. ثُمَّ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى جَهْلِهِ أَنَّهُ يَدَّعِيَ أَنَّ الْأَلِفَ فِي قِرَاءَةِ وَرْشٍ طَالَ وَفِصَالًا وَمَا أَشْبَهَهُمَا مُرَقَّقَةٌ وَتَرْقِيقُهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُغَلَّظَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى غِلَظِ طَبْعِهِ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ فِي لَفْظِهِ بَيْنَ أَلْفِ (قَالَ) وَأَلْفِ (حَالَ) حَالَةَ التَّجْوِيدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اطِّلَاعِهِ أَنَّ أَكْثَرَ النُّحَاةِ نَصُّوا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى تَفْخِيمِ الْأَلِفِ، ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ فِي ذَلِكَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ أُسْتَاذُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ أَبُو حَيَّانَ ﵀ فَكَتَبَ عَلَيْهِ: طَالَعْتُهُ فَرَأَيْتُهُ قَدْ حَازَ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ كَمَالَ الدِّرَايَةِ، وَبَلَغَ فِي حُسْنِهِ الْغَايَةَ. فَالْهَمْزَةُ - إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا الْقَارِئُ مِنْ كَلِمَةٍ فَلْيَلْفِظْ بِهَا سَلِسَةً فِي النُّطْقِ سَهْلَةً فِي الذَّوْقِ، وَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَغْلِيظِ النُّطْقِ بِهَا نَحْوَ: الْحَمْدُ، الَّذِينَ، أَأَنْذَرْتَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا أَلْفٌ، نَحْوَ: آتِي، وَآيَاتٍ، وَآمِينَ. فَإِنْ جَاءَ حَرْفٌ مُغَلَظٌ كَانَ التَّحَفُّظُ آكَدَ نَحْوَ: اللَّهُ، اللَّهُمَّ، أَوْ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: الطَّلَاقُ، اصْطَفَى، وَأَصْلَحَ، فَإِنْ كَانَ حَرْفًا مُجَانِسُهَا، أَوْ مُقَارِبُهَا كَانَ التَّحَفُّظُ بِسُهُولَتِهَا أَشَدَّ، وَبِتَرْقِيقِهَا أَوْكَدَ نَحْوَ: اهْدِنَا، أَعُوذُ، أَعْطَى، أَحَطْتُ، أَحَقُّ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْطِقُ بِهَا فِي ذَلِكَ كَالْمُتَهَوِّعِ.
وَكَذَا الْبَاءُ: إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ بَطَلَ، بَغَى، وَبَصَلِهَا، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ كَانَ التَّحَفُّظُ بِتَرْقِيقِهَا أَبْلَغَ نَحْوَ: بَاطِلٌ، وَ (بَاغٍ) ، وَالْأَسْبَاطُ. فَكَيْفَ إِذَا وَلِيَهَا حَرْفَانِ مُفَخَّمَانِ نَحْوَ: بَرَقَ، وَ (الْبَقَرَ) ، بَلْ طُبِعَ، عِنْدَ مَنْ أَدْغَمَ، وَلْيَحْذَرْ فِي تَرْقِيقِهَا مِنْ ذَهَابِ شِدَّتِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ حَرْفًا خَفِيفًا نَحْوَ: بِهِمْ، وَبِهِ، وَبِهَا - دُونَ - بَالِغُ، وَ (بَاسِطٌ) ، وَ (بَارِئِكُمْ) ، أَوْ ضَعِيفًا نَحْوَ: بِثَلَاثَةِ، وَبِذِي، وَ (بِسَاحَتِهِمْ) ، وَإِذَا سَكَنَتْ كَانَ التَّحَفُّظُ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجَهْرِ أَشَدَّ نَحْوَ: رَبْوَةٍ، وَ (الْخَبْءَ) ، وَقَبْلَ، وَ (الصَّبْرِ) ، فَانْصَبْ، فَارْغَبْ، (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ فِي سَائِرِ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ لِاجْتِمَاعِ الشِّدَّةِ وَالْجَهْرِ فِيهَا نَحْوَ: (يَجْعَلُونَ، والْحِجْرِ، وَالْفَجْرِ، وَوَجْهِكَ، وَالنَّجْدَيْنِ، وَمَنْ يَخْرُجْ) ، وَنَحْوَ: (يَدْرَءُونَ، وَالْعَدْلِ، لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَعَدْوًا، وقَدْ نَرَى، وَاقْصِدْ) ، وَنَحْوَ:
стр. 225
(يُطْعِمُونِ، وَالْبَطْشَةَ، وَمَطْلِعَ، إِطْعَامُ، وَبِمَا لَمْ تُحِطْ) ، وَنَحْوَ: (يَقْطَعُونَ، وَقْرًا، وَبَقْلِهَا، إِنْ يَسْرِقْ) .
التَّاءُ: يَتَحَفَّظُ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ لِئَلَّا تَصِيرَ رَخْوَةً كَمَا يَنْطِقُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَرُبَّمَا جُعِلَتْ سِينًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً نَحْوَ: فِتْنَةٌ، وَ (فَتْرَةٍ) ، وَيَتْلُونَ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ، وَلِذَا أَدْخَلَهَا سِيبَوَيْهِ فِي جُمْلَةِ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِهَا إِذَا تَكَرَّرَتْ آكَدَ نَحْوَ: تَتَوَفَّاهُمُ، وَ (تَتَوَلَّوْا) ، كِدْتَ تَرْكَنُ، الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا تَكَرَّرَ مِنْ مِثْلَيْنِ نَحْوَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَ (حَاجَجْتُمْ) ، وَلَا أَبْرَحُ حَتَّى، وَ (يَرْتَدَّ) ، وَأَخِي اشْدُدْ، وَ (صَدَدْنَاكُمْ) ، وَعَدَّدَهُ، وَ (مُمَدَّدَةٍ) ، وَ (ذِي الذِّكْرِ) ، وَ (مُحَرَّرًا) ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَ (بِشَرَرٍ) وَ (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) ، وَ (شَطَطًا) ، وَنَطْبَعُ عَلَى، وَ (يُخَفَّفُ) ، وَلْيَسْتَعْفِفِ، وَ (تَعْرِفُ فِي) ، وَحَقَّ قَدْرِهِ، وَالْحَقَّ أَقُولُ، وَمَنَاسِكَكُمْ، وَ (إِنَّكِ كُنْتِ) ، وَ (لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ) ، وَ (جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ) ، وَ (فِيهِ هُدًى) ، وَ (اعْبُدُوهُ هَذَا) ، وَ (وُرِيَ) ، وَ (يَسْتَحِي) ، وَ (يُحْيِيكُمْ) ، (وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ) ، إِنَّ وَلِيَّ اللَّهُ، وَ (حُيِّيتُمْ) ، لِصُعُوبَةِ اللَّفْظِ بِالْمُكَرَّرِ عَلَى اللِّسَانِ، قَالُوا: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فِي الْقَيْدِ يَرْفَعُ رِجْلَهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا وَيَرُدُّهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَفَعَهَا مِنْهُ ; وَلِذَلِكَ آثَرَ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ الْإِدْغَامَ بِشَرْطِهِ تَخْفِيفًا، وَيَعْتَنِي بِبَيَانِهَا وَتَلْخِيصِهَا مُرَقَّقَةً إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفُ إِطْبَاقٍ وَلَا سِيَّمَا الطَّاءُ الَّتِي شَارَكَتْهَا فِي الْمَخْرَجِ، وَذَلِكَ نَحْوَ: أَفَتَطْمَعُونَ، وَتَطْهِيرًا، وَلَا تَطْغَوْا، وَتَصْدِيَةً، وَتَصُدُّونَ وَتُظْلَمُونَ.
وَالثَّاءُ حَرْفٌ ضَعِيفٌ، فَإِذَا وَقَعَ سَاكِنُهَا فَلْيَحْتَفِظْ فِي بَيَانِهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهُ حَرْفٌ يُقَارِبُهُ وَقُرِئَ بِالْإِظْهَارِ نَحْوَ: يَلْهَثْ ذَلِكَ، وَلَبِثْتَ وَلَبِثْتُمْ، وَكَذَا إِنْ أَتَى قَبْلَ حَرْفِ اسْتِعْلَاءٍ وَجَبَ التَّحَرُّزُ فِي بَيَانِهِ لِضَعْفِهِ وَقُوَّةِ الِاسْتِعْلَاءِ بَعْدَهُ نَحْوَ: أَثْخَنْتُمُوهُمْ، وَإِنْ يَثْقَفُوكُمْ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَجَمِ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ بَيَانِهَا فَيُخْرِجُونَهَا سِينًا خَالِصَةً.
وَالْجِيمُ يَجِبُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ مَخْرَجِهَا فَرُبَّمَا خَرَجَتْ مِنْ دُونِ مَخْرَجِهَا فَيَنْتَشِرُ بِهَا اللِّسَانُ فَتَصِيرُ مَمْزُوجَةً بِالشِّينِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَرُبَّمَا نَبَا بِهَا اللِّسَانُ فَأَخْرَجَهَا مَمْزُوجَةً بِالْكَافِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا
стр. 226
فِي بَوَادِي الْيَمَنِ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا بَعْضُ الْحُرُوفِ الْمَهْمُوسَةِ كَانَ الِاحْتِرَازُ بِجَهْرِهَا وَشِدَّتِهَا أَبْلَغَ نَحْوَ: اجْتَمَعُوا، وَاجْتَنِبُوا، وَ (خَرَجْتَ) ، وَ (تَجْرِي) ، وَ (تُجْزَوْنَ) ، وَزَجْرًا، وَ (رِجْسًا) ، لِئَلَّا تَضْعُفَ فَتُمْزَجَ بِالشِّينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُشَدَّدَةً نَحْوُ: الْحَجَّ، وَ (أَتُحَاجُّونِّي) ، وَحَاجَّهُ - لَا سِيَّمَا - نَحْوَ لُجِّيٍّ، وَيُوَجَّهُ لِأَجْلِ مُجَانَسَةِ الْيَاءِ وَخَفَاءِ الْهَاءِ.
وَالْحَاءُ: وَالْحَاءُ تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِإِظْهَارِهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا مُجَانِسُهَا، أَوْ مُقَارِبُهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا سَكَنَتْ نَحْوَ: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، وَسَبِّحْهُ، فَكَثِيرٌ مَا يَقْلِبُونَهَا فِي الْأَوَّلِ عَيْنًا وَيُدْغِمُونَهَا، وَكَذَلِكَ يَقْلِبُونَ الْهَاءَ فِي " وَسَبِّحْهُ " حَاءً لِضَعْفِ الْهَاءِ وَقُوَّةِ الْحَاءِ فَتَجْذِبُهَا فَيَنْطِقُونَ بِحَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا، كَذَلِكَ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِتَرْقِيقِهَا إِذَا جَاوَرَهَا حَرْفُ الِاسْتِعْلَاءِ نَحْوَ: أَحَطتُ، وَ (الْحَقُّ) ، فَإِنِ اكْتَنَفَهَا حَرْفَانِ كَانَ ذَلِكَ أَوْجَبَ نَحْوَ: حَصْحَصَ.
وَالْخَاءُ: يَجِبُ تَفْخِيمُهَا وَسَائِرُ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَتَفْخِيمُهَا إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً أَبْلَغُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا أَلِفٌ أَمْكَنُ نَحْوَ: خَلَقَ، وَ (غَلَبَ) ، وَطَغَى، وَ (صَعِيدًا) ، وَضَرَبَ، وَ (خَالِقُ) ، وَ (صَادِقَ) ، وَ (ضَالِّينَ) ، وَطَائِفٌ وَ (ظَالِمٌ) . قَالَ ابْنُ الطَّحَّانِ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي تَجْوِيدِهِ: الْمُفَخَّمَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَتَمَكَّنُ التَّفْخِيمُ فِيهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ مَفْتُوحًا، وَضَرْبٌ دُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ مَضْمُومًا، وَضَرْبٌ دُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَكْسُورًا. انْتَهَى.
وَالدَّالُ: فَإِذَا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ تَاءٍ وَجَبَ بَيَانُهَا لِئَلَّا يَمِيلَ اللِّسَانُ بِهَا إِلَى أَصْلِهَا نَحْوَ: مُزْدَجَرٌ، وَتَزْدَرِي.
وَالذَّالُ: يُعْتَنَى بِإِظْهَارِهَا إِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا نُونٌ نَحْوَ: فَنَبَذْنَاهُ، وَإِذْ نَتَقْنَا، وَكَذَلِكَ يُعْتَنَى بِتَرْقِيقِهَا وَبَيَانِ انْفِتَاحِهَا وَاسْتِفَالِهَا إِذَا جَاوَرَهَا حَرْفٌ مُفَخَّمٌ وَإِلَّا رُبَّمَا انْقَلَبَتْ ظَاءً نَحْوَ: ذَرْهُمْ، وَذَرْهُ، وَ (أَنْذَرْتُكُمْ) ، وَ (الْأَذْقَانِ) ، وَلَا سِيَّمَا فِي نَحْوِ: الْمُنْذَرِينَ، وَمُحَذِّرًا، وَذَلَّلْنَا، لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِنَحْوِ: الْمُنْتَظِرِينَ، وَ (مَحْظُورًا) ، وَظَلَّلْنَا، وَبَعْضُ النَّبَطِ يَنْطِقُ بِهَا دَالًّا مُهْمَلَةً، وَبَعْضُ الْعَجَمِ يَجْعَلُهَا زَايًا، فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَاكَ.
وَالرَّاءُ: انْفَرَدَ بِكَوْنِهِ مُكَرَّرًا صِفَةً لَازِمَةً لَهُ لِغِلَظِهِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِذَا تَكَلَّمْتَ بِهَا خَرَجَتْ كَأَنَّهَا مُضَاعَفَةٌ. وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّكْرِيرِ تَرْعِيدُ اللِّسَانِ بِهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ
стр. 227
الْمَرَّةِ فَأُظْهِرَ ذَلِكَ حَالَ تَشْدِيدِهَا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَالصَّوَابُ التَّحَفُّظُ مِنْ ذَلِكَ بِإِخْفَاءِ تَكْرِيرِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَدْ يُبَالِغُ قَوْمٌ فِي إِخْفَاءِ تَكْرِيرِهَا مُشَدَّدَةً فَيَأْتِي بِهَا مُحَصْرَمَةً شَبِيهَةً بِالطَّاءِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ فَيَجِبُ أَنْ يَلْفِظَ بِهَا مُشَدَّدَةً تَشْدِيدًا يَنْبُو بِهَا اللِّسَانُ نَبْوَةً وَاحِدَةً وَارْتِفَاعًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِي الْحَصْرِ وَالْعُسْرِ نَحْوَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَخَرَّ مُوسَى، وَلْيَحْتَرِزْ حَالَ تَرْقِيقِهَا مِنْ نُحُولِهَا نُحُولًا يُذْهِبُ أَثَرَهَا وَيَنْقُلُ لَفْظَهَا عَنْ مَخْرَجِهَا كَمَا يُعَانِيهِ بَعْضُ الْغَافِلِينَ.
وَالزَّايُ: يَتَحَفَّظُ بِبَيَانِ جَهْرِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا سَكَنَتْ نَحْوَ: تَزْدَرِي، وَ (أَزْكَى) ، وَ (رِزْقًا) ، وَ (مُزْجَاةٍ) ، وَ (لَيُزْلِقُونَكَ) ، وَ (وِزْرَكَ) ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ مُجَاوِرُهَا حَرْفًا مَهْمُوسًا آكَدُ لِئَلَّا يَقْرُبَ مِنَ السِّينِ نَحْوَ: وَ (مَا كَنَزْتُمْ) .
وَالسِّينُ يُعْتَنَى بِبَيَانِ انْفِتَاحِهَا وَاسْتِفَالِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفُ إِطْبَاقٍ لِئَلَّا تَجْذِبَهَا قُوَّتُهُ فَتَقْلِبَهَا صَادًا نَحْوَ: بَسْطَةً، وَ (مَسْطُورًا) ، وَ (تَسْتَطِعْ) ، وَأَقْسَطُ. وَكَذَلِكَ نَحْوَ: لَسَلَّطَهُمْ، وَ (سُلْطَانٍ) وَ (تُسَاقِطْ) ، وَيَتَحَفَّظُ بِبَيَانِ هَمْسِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا غَيْرُ ذَلِكَ نَحْوُ: مُسْتَقِيمٌ، وَ (مَسْجِدٍ) . فَرُبَّمَا ضَارَعَتْ فِي ذَلِكَ الزَّايَ وَالْجِيمَ نَحْوَ: أَسَرُّوا، وَيُسَبِّحُونَ، وَعَسَى، وَ (قَسَمْنَا) . لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِنَحْوِ: وَأَصَرُّوا، وَ (يُصْبِحُونَ) ، وَعَصَى، وَ (قَصَمْنَا) .
وَالشِّينُ: انْفَرَدَتْ بِصِفَةِ التَّفَشِّي فَلْيُعْنَ بِبَيَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي حَالِ تَشْدِيدِهَا، أَوْ سُكُونِهَا نَحْوَ: فَبَشَّرْنَاهُ، وَ (اشْتَرَاهُ) ، وَ (يَشْرَبُونَ) ، وَ (اشْدُدْ) ، وَ (الرُّشْدُ) ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْوَقْفِ وَفِي نَحْوِ: (شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ، (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ) ، فَلْيَكُنِ الْبَيَانُ أَوْكَدَ لِلتَّجَانُسِ.
وَالصَّادُ: لِيَحْتَرِزْ حَالَ سُكُونِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ أَنْ تَقْرُبَ مِنَ السِّينِ نَحْوُ: وَلَوْ حَرَصْتَ، وَ (حَرَصْتُمْ) . أَوْ طَاءٌ أَنْ تَقَرُبَ مِنَ الزَّايِ نَحْوَ: اصْطَفَى، وَ (يَصْطَفِي) . أَوْ دَالٌ أَنْ يَدْخُلَهَا التَّشْرِيبُ عِنْدَ مَنْ لَا يُجِيزُهُ نَحْوَ: اصْدُقْ، وَ (يُصْدِرَ) ، وَتَصْدِيَةً.
وَالضَّادُ: انْفَرَدَ بِالِاسْتِطَالَةِ، وَلَيْسَ فِي الْحُرُوفِ مَا يَعْسُرُ عَلَى اللِّسَانِ مِثْلُهُ. فَإِنَّ أَلْسِنَةَ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يُحْسِنُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُهُ ظَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْزُجُهُ بِالذَّالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لَامًا مُفَخَّمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِمُّهُ الزَّايَ. وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالْحَدِيثُ
стр. 228
الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ " أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ " لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ. فَلْيَحْذَرْ مَنْ قَلَبَهُ إِلَى الظَّاءِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَشْتَبِهُ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ، يَشْتَبِهُ بِقَوْلِهِ: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، وَلْيُعْمِلِ الرِّيَاضَةَ فِي إِحْكَامِ لَفْظِهِ خُصُوصًا إِذَا جَاوَرَهُ ظَاءٌ نَحْوَ: أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، يَعَضُّ الظَّالِمُ. أَوْ حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: أَرْضُ اللَّهِ، أَوْ حَرْفٌ يُجَانِسُ مَا يُشْبِهُهُ نَحْوَ: الْأَرْضِ ذَهَبًا. وَكَذَا إِذَا سَكَنَ وَأَتَى بَعْدَهُ حَرْفُ إِطْبَاقٍ نَحْوَ: فَمَنِ اضْطُرَّ. أَوْ غَيْرُهُ نَحْوَ: أَفَضْتُمْ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ، وَفِي تَضْلِيلٍ.
وَالطَّاءُ: أَقْوَى الْحُرُوفِ تَفْخِيمًا فَلْتُوفَ حَقَّهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مُشَدَّدَةً نَحْوَ: اطَّيَّرْنَا، وَأَنْ يَطَّوَّفَ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ وَجَبَ إِدْغَامُهَا إِدْغَامًا غَيْرَ مُسْتَكْمَلٍ، بَلْ تَبْقَى مَعَهُ صِفَةُ الْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ لِقُوَّةِ الطَّاءِ وَضَعْفِ التَّاءِ، وَلَوْلَا التَّجَانُسُ لَمْ يَسُغِ الْإِدْغَامُ لِذَلِكَ نَحْوَ: وَفَرَّطْتُ كَمَا يُحْكَمُ ذَلِكَ فِي الْمُشَافَهَةِ.
وَالظَّاءُ: يَتَحَفَّظُ بِبَيَانِهَا إِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ نَحْوَ: أَوَعَظْتَ وَلَا ثَانِيَ لَهُ وَإِظْهَارُهَا مِمَّا لَا خِلَافَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ. نَعَمْ قَرَأْنَا بِإِدْغَامِهِ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ مَعَ إِبْقَاءِ صِفَةِ التَّفْخِيمِ.
وَالْعَيْنُ: يَحْتَرِزُ مِنْ تَفْخِيمِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا أَلِفٌ نَحْوَ: الْعَالَمِينَ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا حَرْفٌ مَهْمُوسٌ فَلْيُبَيِّنْ جَهْرَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ نَحْوَ: الْمُعْتَدِينَ، وَلَا تَعْتَدُوا، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا غَيْنٌ وَجَبَ إِظْهَارُهَا لِئَلَّا يُبَادِرَ اللِّسَانُ لِلْإِدْغَامِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ نَحْوَ: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ.
وَالْغَيْنُ: يَجِبُ إِظْهَارُهَا عِنْدَ كُلِّ حَرْفٍ لَاقَاهَا، وَذَلِكَ آكَدُ فِي حَرْفِ الْحَلْقِ وَحَالَةُ الْإِسْكَانِ أَوْجَبُ، وَلْيَحْتَرِزْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيكِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا اجْتَمَعَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ نَحْوَ: يَغْشَى، وَ (أَفْرِغْ عَلَيْنَا) ، وَ (الْمَغْضُوبِ) ، وَ (ضِغْثًا) ، وَيَغْفِرْ، فَارْغَبْ، (وَأَغْطَشَ) ، وَلْيَكُنِ اعْتِنَاؤُهُ بِإِظْهَارِ: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا أَبْلَغَ، وَحِرْصُهُ عَلَى سُكُونِهِ أَشَدَّ، لِقُرْبِ مَا بَيْنَ الْغَيْنِ وَالْقَافِ مَخْرَجًا وَصِفَةً.
وَالْفَاءُ: فَيَجِبُ إِظْهَارُهَا عِنْدَ الْمِيمِ وَالْوَاوِ نَحْوَ: تَلْقَفُ مَا، وَ (لَا تَخَفْ) ، وَلَا. فَلْيَحْرِصْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْبَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ نَحْوَ: نَخْسِفْ بِهِمُ. وَلَا ثَانِيَ لَهُ
стр. 229
كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْقَافُ: فَلْيُتَحَرَّزْ عَلَى تَوْفِيَتِهَا حَقَّهَا كَامِلًا وَلْيُتَحَفَّظْ مِمَّا يَأْتِي بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِي إِذْهَابِ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ مِنْهَا حَتَّى تَصِيرَ كَالْكَافِ الصَّمَّاءِ، وَإِذَا لَقِيَهَا كَافٌ لِغَيْرِ الْمُدْغِمِ نَحْوَ: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَكُمْ) . فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً قَبْلَ الْكَافِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ. فَلَا خِلَافَ فِي إِدْغَامِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إِبْقَاءِ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ مَعَ ذَلِكَ فَذَهَبَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ مَعَ الْإِدْغَامِ كَهِيَ فِي: (أَحَطتُ، وَبَسَطْتَ) ، وَذَهَبَ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى إِدْغَامِهِ مَحْضًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَصَحُّ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا فِي بَابِ الْمُحَرَّكِ لِلْمُدْغِمِ مِنْ: (خَلَقَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ (أَحَطتُ) وَبَابِهِ أَنَّ الطَّاءَ زَادَتْ بِالْإِطْبَاقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا أَيْضًا آخِرَ بَابِ حُرُوفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُهَا.
وَالْكَافُ: فَلْيُعْنَ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْهَمْسِ لِئَلَّا يُذْهَبَ بِهَا إِلَى الْكَافِ الصَّمَّاءِ الثَّابِتَةِ فِي بَعْضِ لُغَاتِ الْعَجَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْكَافَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ إِجْرَاءِ الصَّوْتِ مَعَهَا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّبَطِ وَالْأَعَاجِمِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَتْ، أَوْ شُدِّدَتْ، أَوْ جَاوَرَهَا حَرْفٌ مَهْمُوسٌ نَحْوَ، (بِشِرْكِكُمْ) وَ (يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ) ، وَ (نَكْتَلْ) ، وَ (كُشِطَتْ) .
وَاللَّامُ: يَحْسُنُ تَرْقِيقُهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا جَاوَرَتْ حَرْفَ تَفْخِيمٍ نَحْوَ: (وَلَا الضَّالِّينَ، وَعَلَى اللَّهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ، وَاللَّطِيفُ، وَاخْتَلَطَ، وَلْيَتَلَطَّفْ، وَلَسَلَّطَهُمْ) ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا نُونٌ فَلْيَحْرِصْ عَلَى إِظْهَارِهَا مَعَ رِعَايَةِ السُّكُونِ، وَلْيَحْذَرْ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ مِنْ قَصْدِ قَلْقَلَتِهَا حِرْصًا عَلَى الْإِظْهَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَرِدْ بِنَصٍّ وَلَا أَدَاءٍ، وَذَلِكَ نَحْوَ: (جَعَلْنَا، وَأَنْزَلْنَا، وَظَلَّلْنَا، وَفَضَّلْنَا، وَقَالَ نَعَمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ) (وَأَمَّا) (قُلْ رَبِّي) فَلَا خِلَافَ فِي إِدْغَامِهِ لِشِدَّةِ الْقُرْبِ وَقُوَّةِ الرَّاءِ ; وَلِذَلِكَ تُدْغَمُ لَامُ التَّعْرِيفِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ: التَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَاللَّامُ، وَالنُّونُ، وَيُقَالُ لَهَا الشَّمْسِيَّةُ لِإِدْغَامِهَا.
стр. 230
وَتَظْهَرُ عِنْدَ بَاقِي الْحُرُوفِ وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا وَتُسَمَّى الْقَمَرِيَّةَ لِإِظْهَارِهَا، وَأَمَّا لَامُ هَلْ وَبَلْ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِهَا.
وَالْمِيمُ: حَرْفٌ أَغَنُّ وَتَظْهَرُ غُنَّتُهُ مِنَ الْخَيْشُومِ إِذَا كَانَ مُدْغَمًا، أَوْ مُخَفَّفًا. فَإِنْ أَتَى مُحَرَّكًا فَلْيُحْذَرْ مِنْ تَفْخِيمِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهُ حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: مَخْمَصَةٍ، مَرَضٌ، وَمَرْيَمَ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ. فَإِنْ أَتَى بَعْدَهُ أَلِفٌ كَانَ التَّحَرُّزُ مِنَ التَّفْخِيمِ آكَدَ، فَكَثِيرًا مَا يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ خُصُوصًا الْأَعَاجِمَ نَحْوَ: مَالِكِ، بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ سَاكِنًا فَلَهُ أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ.
(الْأَوَّلُ الْإِدْغَامُ) بِالْغُنَّةِ عِنْدَ مِيمٍ مِثْلِهِ كَإِدْغَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ الْمِيمِ، وَيُطْلَقُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ نَحْوِ: دَمَّرَ، وَيُعَمَّرُ، وَحَمَّالَةَ، وَمِمَّ، وَأَمْ، وَهَمَّ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ.
(الثَّانِي الْإِخْفَاءُ) عِنْدَ الْبَاءِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، وَذَلِكَ نَحْوَ: يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ، وَرَبَّهُمْ بِهِمْ، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ. فَتَظَهَرُ الْغُنَّةُ فِيهَا، إِذْ ذَاكَ إِظْهَارَهَا بَعْدَ الْقَلْبِ فِي نَحْوِ: مِنْ بَعْدِ، أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ كَأَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُنَادِي وَغَيْرِهِ إِلَى إِظْهَارِهَا عِنْدَهَا إِظْهَارًا تَامًّا وَهُنَّ اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِالْعِرَاقِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ التَّائِبُ إِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مَأْخُوذٌ بِهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْإِخْفَاءَ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِخْفَائِهَا عِنْدَ الْقَلْبِ، وَعَلَى إِخْفَائِهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو حَالَةَ الْإِدْغَامِ فِي نَحْوِ: أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ.
(الْحُكْمُ الثَّالِثُ) إِظْهَارُهَا عِنْدَ بَاقِي الْأَحْرُفِ نَحْوَ: (الْحَمْدُ، وَأَنْعَمْتَ، وَهُمْ يُوقِنُونَ، وَلَهُمْ عَذَابٌ، أَنَّهُمْ هُمُ، أَأَنْذَرْتَهُمْ، مَعَكُمْ إِنَّمَا) ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا فَاءٌ أَوْ وَاوٌ، فَلْيُعْنَ بِإِظْهَارِهَا لِئَلَّا يَسْبِقَ اللِّسَانُ إِلَى الْإِخْفَاءِ لِقُرْبِ
стр. 231
الْمَخْرَجَيْنِ نَحْوَ: هُمْ فِيهَا، وَيَمُدُّهُمْ فِي، عَلَيْهِمْ وَمَا، أَنْفُسَهُمْ وَمَا. فَيَتَعَمَّلُ اللِّسَانُ عِنْدَهُمَا مَا لَا يَتَعَمَّلُ فِي غَيْرِهِمَا، وَإِذَا أَظْهَرْتَ فِي ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ بِإِسْكَانِهَا وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ تَحْرِيكِهَا.
وَالنُّونُ: حَرْفٌ أَغَنُّ آصَلُ فِي الْغُنَّةِ مِنَ الْمِيمِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْخَيْشُومِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَفْخِيمِهِ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّكًا، لَا سِيَّمَا إِنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَلِفٌ نَحْوَ: أَنَا، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ، وَإِنَّ اللَّهَ، وَنَصْرُ، وَنَكَصَ، وَنَرَى، وَسَنَذْكُرُ أَحْكَامَهَا سَاكِنَةً فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ إِخْفَائِهَا حَالَةَ الْوَقْفِ عَلَى نَحْوِ: الْعَالَمِينَ، يُؤْمِنُونَ، الظَّالِمُونَ، فَلْيُعْنَ بِبَيَانِهَا. فَكَثِيرًا مَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ فَلَا يُسْمِعُونَهَا حَالَةَ الْوَقْفِ.
وَالْهَاءُ: يُعْتَنَى بِهَا مَخْرَجًا وَصِفَةً لِبُعْدِهَا وَخَفَائِهَا فَكَمْ مِنْ مُقَصِّرٍ فِيهَا يُخْرِجُهَا كَالْمَمْزُوجَةِ بِالْكَافِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مَكْسُورَةً نَحْوَ: عَلَيْهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ، وَسَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ. وَكَذَلِكَ إِذَا جَاوَرَهَا مَا قَارَبَهَا صِفَةً، أَوْ مَخْرَجًا فَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِبَيَانِهَا آكَدَ نَحْوَ: وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَمَعَهُمْ، الْكِتَابُ، وَسَبِّحْهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ أَلِفَيْنِ نَحْوَ: بَنَاهَا، وَطَحَاهَا، وَضُحَاهَا، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ خَفِيَّةٍ وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِبَيَانِهَا سَاكِنَةً أَوْجَبَ نَحْوَ: اهْدِنَا، عَهْدًا، وَيَسْتَهْزِئُ، وَاهْتَدَى، وَالْعِهْنِ، وَلْيَخْلُصْ لَفْظُهَا مُشَدَّدَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِتَفْخِيمٍ نَحْوَ: أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ فَكِّ إِدْغَامِهَا عِنْدَ نُطْقِهِ بِهَا كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ كُتِبَتْ بِهَائَيْنِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ بِهَاءٍ وَاحِدَةٌ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَهِّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِدْغَامِ: مَالِيَهْ هَلَكَ وَإِظْهَارِهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا هَاءُ سَكْتٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
الْوَاوُ: فَإِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً، أَوْ مَكْسُورَةً تَحَفَّظَ فِي بَيَانِهَا مِنْ أَنْ يُخَالِطَهَا لَفْظٌ غَيْرَهَا، أَوْ يَقْصُرَ اللَّفْظُ عَنْ حَقِّهَا نَحْوَ: تَفَاوُتٍ، وَوُجُوهٌ، وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِهَا حَالَ تَكْرِيرِهَا أَشَدَّ نَحْوَ: وُورِيَ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ مَضْغِهَا حَالَ تَشْدِيدِهَا نَحْوَ: عَدُوًّا وَحَزَنًا وَغَدَوْا، وَأُفَوِّضُ، وَوَلَّوْا وَاتَّقُوا، وَآمَنُوا، لَا كَمَا يَلْفِظُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، فَإِنْ سَكَنَتْ وَانْضَمَّ مَا قَبْلَهَا وَجَبَ تَمْكِينُهَا بِحَسَبِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ، وَاعْتَنِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ لِتَخْرُجَ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِهِمَا صَحِيحَةً
стр. 232
مُمْكِنَةً، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَهَا وَاوٌ أُخْرَى وَجَبَ إِظْهَارُهُمَا وَاللَّفْظُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا نَحْوَ: آمَنُوا وَعَمِلُوا، قَالُوا وَهُمْ.
وَالْيَاءُ: فَلْيَعْتَنِ بِإِخْرَاجِهَا مُحَرَّكَةً بِلُطْفٍ وَيُسْرٍ خَفِيفَةً نَحْوَ: تَرَيِنَّ وَ (لَاشِيَةَ) ، وَمَعَايِشَ، وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ قَلْبِهَا فِيهِمَا هَمْزَةً وَلِيُحْسِنْ فِي تَمْكِينِهَا إِذَا جَاءَتْ حَرْفَ مَدٍّ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا يَاءٌ مُحَرَّكَةٌ نَحْوَ فِي يَوْمٍ، الَّذِي يُوَسْوِسُ، وَإِذَا أَتَتْ مُشَدَّدَةً فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ لَوْكِهَا وَمَطِّهَا نَحْوَ: إِيَّاكَ، وَعِتِيًّا، وَبِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا، فَكَثِيرًا مَا يَتَوَاهَنُ فِي تَشْدِيدِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أُخْتِهَا فَيَلْفِظُ بِهِمَا لَيِّنَتَيْنِ مَمْضُوغَتَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْبُوَ اللِّسَانُ بِهِمَا نَبْوَةً وَاحِدَةً، وَبَعْضُ الْقُرَّاءِ يُبَالِغُ فِي تَشْدِيدِهَا فَيُحَصْرِمُهَا وَلَيْتَهُ لَوْ يُخَضْرِمُهَا.
(فَهَذَا) مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى تَجْوِيدِ الْحُرُوفِ مُرَكَّبَةً، وَالْمُشَافَهَةُ تَكْشِفُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، وَالرِّيَاضَةُ تُوَصِّلُ إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﵎.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالِابْتِدَاءُ
فَلَهُمَا حَالَتَانِ: (الْأُولَى) مَعْرِفَةُ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَمَا يُبْتَدَأُ بِهِ (وَالثَّانِيَةُ) كَيْفَ يُوقَفُ وَكَيْفَ يُبْتَدَأُ، وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى أَوَاخِرِ الْكَلِمِ وَمَرْسُومِ الْخَطِّ.
وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُبْتَدَأُ بِهِ، وَقَدْ أَلَّفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا كُتُبًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا أَتَيْتُ عَلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَقْصَيْتُهُ فِي كِتَابِ (الِاهْتِدَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَا) وَذَكَرْتُ فِي أَوَّلِهِ مُقَدِّمَتَيْنِ جَمَعْتُ بِهِمَا أَنْوَاعًا مِنَ الْفَوَائِدِ. ثُمَّ اسْتَوْعَبْتُ أَوْقَافَ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، وَهَا أَنَا أُشِيرُ إِلَى زُبَدِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فَأَقُولُ.
لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ، أَوِ الْقِصَّةَ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَجْرِ التَّنَفُّسُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ حَالَةَ الْوَصْلِ، بَلْ ذَلِكَ كَالتَّنَفُّسِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ وَجَبَ حِينَئِذٍ اخْتِيَارُ وَقْفٍ لِلتَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ وَتَعَيَّنَ ارْتِضَاءُ ابْتِدَاءٍ بَعْدَ التَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ،
стр. 233
وَتَحَتَّمَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَلَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ، إِذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ الْإِعْجَازُ وَيَحْصُلُ الْقَصْدُ ; وَلِذَلِكَ حَضَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا قَدَّمْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَوْلُهُ: التَّرْتِيلُ مَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ وَتَجْوِيدُ الْحُرُوفِ، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا، وَإِنَّ أَحَدَنَا لِيُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا. فَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ ﵁ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَصَحَّ، بَلْ تَوَاتَرَ عِنْدَنَا تَعَلُّمُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَأَبِي جَعْفَرٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ إِمَامِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْيَانِ التَّابِعِينَ وَصَاحِبِهِ الْإِمَامِ نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وَنُصُوصُهُمْ عَلَيْهِ مَشْهُورَةٌ فِي الْكُتُبِ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْخَلَفِ عَلَى الْمُجِيزِ أَنْ لَا يُجِيزَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ الْوَقْفَ وَالِابْتِدَاءَ، وَكَانَ أَئِمَّتُنَا يُوقِفُونَنَا عِنْدَ كُلِّ حَرْفٍ وَيُشِيرُونَ إِلَيْنَا فِيهِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةً أَخَذُوهَا كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِمُ الْأَوَّلِينَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَصَحَّ عِنْدَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ عِلْمًا وَفِقْهًا وَمُقْتَدًى أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
وَقَدِ اصْطَلَحَ الْأَئِمَّةُ لِأَنْوَاعِ أَقْسَامِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ أَسْمَاءَ، وَأَكْثَرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ طَيْفُورٍ السَّنْجَاوَنْدِيُّ، وَخَرَجَ فِي مَوَاضِعَ عَنْ حَدِّ مَا اصْطَلَحَهُ وَاخْتَارَهُ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِي: الِاهْتِدَاءُ، وَأَكْثَرُ مَا ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَقْسَامِهِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَلَا مُنْحَصِرٍ.
وَأَقْرَبُ مَا قُلْتُهُ فِي ضَبْطِهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَنْقَسِمُ إِلَى اخْتِيَارِيٍّ وَاضْطِرَارِيِّ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا أَنْ يَتِمَّ أَوَّلًا، فَإِنْ تَمَّ كَانَ اخْتِيَارِيًّا، وَكَوْنُهُ تَامًّا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا
стр. 234
يَكُونَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا بَعْدَهُ الْبَتَّةَ -، أَيْ: لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى - فَهُوَ الْوَقْفُ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ (بِالتَّامِّ) لِتَمَامِهِ الْمُطْلَقِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ فَلَا يَخْلُو هَذَا التَّعَلُّقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَطْ، وَهُوَ الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْكَافِي) لِلِاكْتِفَاءِ بِهِ عَمَّا بَعْدَهُ، وَاسْتِغْنَاءِ مَا بَعْدَهُ عَنْهُ، وَهُوَ كَالتَّامِّ فِي جَوَازِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ التَّعَلُّقُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْحَسَنِ) ; لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ مُفِيدٌ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ دُونَ الِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ لِلتَّعَلُّقِ اللَّفْظِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسَ آيَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي اخْتِيَارِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ لِمَجِيئِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ قَطَّعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ سَاكِتًا عَلَيْهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ عَدَّ بَعْضُهُمُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ فِي ذَلِكَ سُنَّةً، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: الْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا. قَالُوا: وَاتِّبَاعُ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ كَانَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ اضْطِرَارِيًّا، وَهُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْقَبِيحِ) لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ مِنَ انْقِطَاعِ نَفَسٍ وَنَحْوِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، أَوْ لِفَسَادِ الْمَعْنَى.
(فَالْوَقْفُ التَّامُّ) أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْآيِ وَانْقِضَاءِ الْقَصَصِ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالِابْتِدَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَالِابْتِدَاءِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَنَحْوَ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالِابْتِدَاءِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَنَحْوَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَالِابْتِدَاءِ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَنَحْوَ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
стр. 235
وَالِابْتِدَاءِ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ وَنَحْوَ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَالِابْتِدَاءِ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، وَقَدْ تَكُونُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْفَاصِلَةِ نَحْوَ وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً هَذَا انْقِضَاءُ حِكَايَةِ كَلَامِ بِلْقِيسَ، ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ رَأْسُ آيَةٍ. وَقَدْ يَكُونُ وَسَطَ الْآيَةِ نَحْوَ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي هُوَ تَمَامُ حِكَايَةِ قَوْلِ الظَّالِمِ وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْآيَةِ بِكَلِمَةٍ نَحْوَ: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) آخِرَ الْآيَةِ. أَوْ كَذَلِكَ كَانَ خَبَرُهُمْ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَقْدِيرِهِ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ التَّمَامُ، وَنَحْوَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَهُوَ آخِرُ الْآيَةِ التَّمَامِ وَبِاللَّيْلِ، أَيْ: مُصْبِحِينَ وَمُلَيَّلِينَ وَنَحْوَهُ وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ آخَرَ الْآيَةِ، وَالتَّمَامُ وَزُخْرُفًا، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ تَامًّا عَلَى التَّفْسِيرِ، أَوْ إِعْرَابٍ وَيَكُونُ غَيْرَ تَامٍّ عَلَى آخَرَ نَحْوَ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَقْفٌ تَامٌّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِهِ وَقَالَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَسِوَاهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ تَامٍّ عِنْدَ آخَرِينَ وَالتَّمَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَهُوَ عِنْدُهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَنَحْوَ الم وَنَحْوَهُ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ الْوَقْفُ عَلَيْهَا تَامٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ، أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، أَيْ: هَذَا ألم، أَوْ ألم هَذَا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: قُلْ ألم عَلَى اسْتِئْنَافِ مَا بَعْدَهَا، وَغَيْرُ تَامٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا هُوَ الْخَبَرَ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ تَامًّا عَلَى قِرَاءَةٍ وَغَيْرَ تَامٍّ عَلَى أُخْرَى نَحْوَ: مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا تَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ خَاءَ وَاتَّخِذُوا وَكَافِيًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَهَا، وَنَحْوَ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ تَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ الِاسْمَ الْجَلِيلَ بَعْدَهَا، وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ خَفَضَ.
وَقَدْ يَتَفَاضَلُ التَّامُّ فِي التَّمَامِ نَحْوَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
стр. 236
كِلَاهُمَا تَامٌّ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَتَمُّ مِنَ الثَّانِي لِاشْتِرَاكِ الثَّانِي فِيمَا بَعْدَهُ فِي مَعْنَى الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
(وَالْوَقْفُ الْكَافِي) يُكْثِرُ مِنَ الْفَوَاصِلِ وَغَيْرِهَا نَحْوَ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَعَلَى: مِنْ قَبْلِكَ، وَعَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ، وَكَذَا: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَكَذَا: إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَكَذَا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) هَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ مَفْهُومٌ، وَالَّذِي بَعْدَهُ كَلَامٌ مُسْتَغْنٍ عَمَّا قَبْلَهُ لَفْظًا، وَإِنِ اتَّصَلَ مَعْنًى.
وَقَدْ يَتَفَاضَلُ فِي الْكِفَايَةِ كَتَفَاضُلِ التَّامِّ نَحْوَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كَافٍ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا أَكْفَى مِنْهُ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ أَكْفَى مِنْهُمَا وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ فِي رُءُوسِ الْآيِ نَحْوَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ كَافٍ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ أَكْفَى. نَحْوَ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ كَافٍ وَكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَكْفَى، وَنَحْوَ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا كَافٍ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَكْفَى. وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ كَافِيًا عَلَى تَفْسِيرٍ، أَوْ إِعْرَابٍ وَيَكُونُ غَيْرَ كَافٍ عَلَى آخَرَ نَحْوَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ كَافٍ: إِذَا جَعَلْتَ - مَا - بَعْدَهُ نَافِيَةً. فَإِنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً كَانَ حَسَنًا فَلَا يُبْتَدَأُ بِهَا، وَنَحْوَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ كَافٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَحَسَنٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ خَبَرًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَوْ خَبَرٌ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَقَدْ يَكُونُ كَافِيًا عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةٍ أُخْرَى نَحْوَ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ أَمْ تَقُولُونَ بِالْخِطَابِ وَتَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْغَيْبِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا فِي التَّامِّ، وَنَحْوَ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ فَيَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ جَزَمَ، وَنَحْوَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ (وَأَنَّ) وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ.
وَالْوَقْفُ الْحَسَنُ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى الْحَمْدُ لِلَّهِ وَعَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَعَلَى (الرَّحْمَنِ، وَعَلَى: الرَّحِيمِ، وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الْوَقْفُ عَلَى
стр. 237
ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ حَسَنٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ يُفْهَمُ، وَلَكِنَّ الِابْتِدَاءَ بِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَصِرَاطَ الَّذِينَ، وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) لَا يَحْسُنُ لِتَعَلُّقِهِ لَفْظًا، فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِمَا قَبْلَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ رَأْسَ آيَةٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ حَسَنًا عَلَى تَقْدِيرٍ، وَكَافِيًا عَلَى آخَرَ، وَتَامًّا عَلَى غَيْرِهِمَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنْ يَكُونَ كَافِيًا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ رَفَعًا بِمَعْنَى: هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، أَوْ نَصْبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي الَّذِينَ. وَأَنْ يَكُونَ تَامًّا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
(وَالْوَقْفُ الْقَبِيحُ) نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى: بِسْمِ، وَعَلَى: الْحَمْدُ، وَعَلَى: رَبِّ، وَمَلَكَ يَوْمَ، وَإِيَّاكَ، وَصِرَاطَ الَّذِينَ، وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ. فَكُلُّ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَيْهِ كَلَامٌ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْبَحَ مِنْ بَعْضٍ كَالْوَقْفِ عَلَى مَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ فَإِنَّ الْمَعْنَى بِهَذَا الْوَقْفِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبِنْتَ مُشْتَرِكَةٌ فِي النِّصْفِ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ دُونَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْأَبَوَيْنِ بِمَا يَجِبُ لَهُمَا مَعَ الْوَلَدِ. وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى إِذِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَوْتَى يَسْتَجِيبُونَ مَعَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْتَى لَا يَسْتَجِيبُونَ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ مُسْتَأْنِفًا بِهِمْ، وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا مَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَيُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يَلِيقُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي، وَلَا يَبْعَثُ اللَّهُ، وَلِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ، وَفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) فَالْوَقْفُ
стр. 238
عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ إِلَّا اضْطِرَارًا لِانْقِطَاعِ النَّفَسِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عَارِضٍ لَا يُمْكِنُهُ الْوَصْلُ مَعَهُ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَقْفِ اخْتِيَارِيًّا وَاضْطِرَارِيًّا.
(وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ) فَلَا يَكُونُ إِلَّا اخْتِيَارِيًّا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَقْفِ تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِمُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْنَى مُوفٍ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ فِي أَقْسَامِهِ كَأَقْسَامِ الْوَقْفِ الْأَرْبَعَةِ، وَيَتَفَاوَتُ تَمَامًا وَكِفَايَةً وَحُسْنًا وَقُبْحًا بِحَسَبِ التَّمَامِ وَعَدَمِهِ وَفَسَادِ الْمَعْنَى إِحَالَتِهِ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَمِنَ النَّاسِ فَإِنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنَّاسِ قَبِيحٌ، وَيُؤْمِنُ تَامٌّ. فَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: كَانَ الِابْتِدَاءُ بِ " يَقُولُ " أَحْسَنُ مِنَ ابْتِدَائِهِ بِمَنْ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى خَتَمَ اللَّهُ قَبِيحٌ وَالِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ أَقْبَحُ، وَبِخَتَمَ كَافٍ وَالْوَقْفُ عَلَى عُزَيْرٌ ابْنُ، وَالْمَسِيحُ ابْنُ قَبِيحٌ، وَالِابْتِدَاءُ بِ ابْنِ أَقْبَحُ، وَالِابْتِدَاءُ بِ عَزِيزٌ وَالْمَسِيحُ أَقْبَحُ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ضَرُورَةً كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْجَلَالَةِ قَبِيحًا، وَبِوَعَدَنَا أَقْبَحَ مِنْهُ، وَبِمَا أَقْبَحُ مِنْهُمَا، وَالْوَقْفُ عَلَى بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ لِلضَّرُورَةِ وَالِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ قَبِيحٌ. وَكَذَا بِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ حَسَنًا وَالِابْتِدَاءُ بِهِ قَبِيحًا نَحْوَ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ الْوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ لِتَمَامِ الْكَلَامِ، وَالِابْتِدَاءُ بِهِ قَبِيحٌ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، إِذْ يَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ قَبِيحًا وَالِابْتِدَاءُ بِهِ جَيِّدًا نَحْوَ (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى هَذَا قَبِيحٌ عِنْدَنَا لِفَصْلِهِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى مَرْقَدِنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وَالِابْتِدَاءُ بِ (هَذَا) كَافٍ أَوْ تَامٌّ ; لِأَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ رَدَّ بِهَا قَوْلَهُمْ.
تَنْبِيهَاتٌ
(أَوَّلُهَا) قَوْلُ الْأَئِمَّةِ: لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَلَا عَلَى الْفِعْلِ دُونَ الْفَاعِلِ، وَلَا عَلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْمَفْعُولِ، وَلَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ دُونَ الْخَبَرِ،
стр. 239
وَلَا عَلَى نَحْوِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا، وَإِنَّ وَأَخَوَاتِهَا دُونَ أَسْمَائِهَا، وَلَا عَلَى النَّعْتِ دُونَ الْمَنْعُوتِ، وَلَا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَعْطُوفِ، وَلَا عَلَى الْقَسَمِ دُونَ جَوَابِهِ، وَلَا عَلَى حَرْفٍ دُونَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوهُ وَبَسَطُوهُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْجَوَازَ الْأَدَائِيَّ، وَهُوَ الَّذِي يَحْسُنُ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَرُوقُ فِي التِّلَاوَةِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَا مَكْرُوهٌ، وَلَا مَا يُؤَثِّمُ، بَلْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْوَقْفَ الِاخْتِيَارِيَّ الَّذِي يُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ حَيْثُ اضْطَرَّ الْقَارِئُ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قَطْعِ نَفَسٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ تَعْلِيمٍ، أَوِ اخْتِبَارٍ جَازَ لَهُ الْوَقْفُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَعْتَمِدُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى مَا قَبْلُ فَيَبْتَدِئُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَحْرِيفَ الْمَعْنَى عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَخِلَافَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَجِبُ رَدْعُهُ بِحَسَبِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(ثَانِيهَا) لَيْسَ كُلُّ مَا يَتَعَسَّفُهُ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ أَوْ يَتَكَلَّفُهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ، أَوْ يَتَأَوَّلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِمَّا يَقْتَضِي وَقْفًا وَابْتِدَاءً يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ، بَلْ يَنْبَغِي تَحَرِّي الْمَعْنَى الْأَتَمِّ وَالْوَقْفِ الْأَوْجَهِ، وَذَلِكَ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَارْحَمْنَا أَنْتَ، وَالِابْتِدَاءِ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى مَعْنَى النِّدَاءِ وَنَحْوَ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ ثُمَّ الِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا وَنَحْوَ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ ثُمَّ الِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ، وَنَحْوَ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ وَنَحْوَ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا وَيُبْتَدَأُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَعَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنَى وَاجِبٌ أَوْ لَازِمٌ، وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَهُوَ اللَّهُ وَالِابْتِدَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَأَشَدُّ قُبْحًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالِابْتِدَاءُ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مَعَ وَصْلِهِ بِقَوْلِهِ: وَيَخْتَارُ عَلَى أَنَّ: " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
стр. 240
أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى تُسَمَّى أَيْ: عَيْنًا مُسَمَّاةً مَعْرُوفَةً، وَالِابْتِدَاءُ (سَلْ سَبِيلًا) هَذِهِ جُمْلَةٌ أَمْرِيَةٌ، أَيِ: اسْأَلْ طَرِيقًا مُوَصِّلَةً إِلَيْهَا، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ يُبْطِلُهُ إِجْمَاعُ الْمَصَاحِفِ عَلَى أَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى لَا رَيْبَ وَالِابْتِدَاءُ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ تَعَسُّفُ بَعْضِهِمْ، إِذْ وَقَفَ عَلَى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وَيَبْتَدِئَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيُبْقِي " يَشَاءُ " بِغَيْرِ فَاعِلٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ تَمَحُّلٌ وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ يُعْرَفُ أَكْثَرُهُ بِالسِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ.
(ثَالِثُهَا) مِنَ الْأَوْقَافِ مَا يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ لِبَيَانِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَا لَوْ وَصَلَ طَرَفَاهُ لَأَوْهَمَ مَعْنًى غَيْرَ الْمُرَادِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ السَّجَاوَنْدِيُّ لَازِمٌ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْوَاجِبِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَاجِبَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَجِيءُ هَذَا فِي قِسْمِ التَّامِّ وَالْكَافِي، وَرُبَّمَا يَجِيءُ فِي الْحَسَنِ.
فَمِنَ التَّامِّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَالِابْتِدَاءُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَقَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مَعَ وَصْلِهِ بِمَا قَبْلَهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلِهِ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ وَالِابْتِدَاءُ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لِئَلَّا يُوهِمَ الْعَطْفَ، وَنَحْوَ قَوْلِهِ أَصْحَابُ النَّارِ وَالِابْتِدَاءُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ لِئَلَّا يُوهِمَ النَّعْتَ، وَقَوْلُهُ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَالِابْتِدَاءُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لِئَلَّا يُوهِمَ وَصْلَ " مَا " وَعَطْفَهَا.
وَمِنَ الْكَافِي الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَالِابْتِدَاءُ يُخَادِعُونَ اللَّهَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْوَصْفِيَّةَ حَالًا، وَنَحْوِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالِابْتِدَاءُ (وَالَّذِين اتَّقُوا) لِئَلَّا يُوهِمَ الظَّرْفِيَّةَ بِيَسْخَرُونَ، وَنَحْوِ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِئَلَّا يُوهِمَ التَّبْعِيضَ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ، وَالصَّوَابُ جَعْلُهَا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ
стр. 241
وَنَحْوِ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَالِابْتِدَاءُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ مَقُولِهِمْ، وَنَحْوِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَالِابْتِدَاءُ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ لِئَلَّا يُوهِمَ الْحَالِّيَّةَ، أَوِ الْوَصْفِيَّةَ، وَنَحْوِ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَالِابْتِدَاءُ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، أَيْ: وَلَا هُمْ يَسْتَقْدِمُونَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْعَطْفَ عَلَى جَوَابَ الشَّرْطَ، وَنَحْوِ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وَالِابْتِدَاءُ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْحَالَ، وَنَحْوِ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَالِابْتِدَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْوَصْفِيَّةَ، وَنَحْوِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وَالِابْتِدَاءُ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ مُسْتَأْنَفًا لِئَلَّا يُوهِمَ النَّعْتَ، وَنَحْوِ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَالِابْتِدَاءُ سُبْحَانَهُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَقَدْ مَنَعَ السَّجَاوَنْدِيُّ الْوَقْفَ دُونَهُ وَعَلَّلَهُ بِتَعْجِيلِ التَّنْزِيهِ وَأَلْزَمَ بِالْوَقْفِ عَلَى ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لِإِيهَامِ كَوْنِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ يُوصِلْ لِتَعْجِيلِ التَّنْزِيهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ ﵀ يَخْتَارُ الْوَقْفَ عَلَى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا وَالِابْتِدَاءُ لَا يَسْتَوُونَ أَيْ: لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُ وَالْفَاسِقُ.
وَمِنَ الْحَسَنِ: الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ أَلَمْ تَرَ وَنَحْوِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَنَحْوِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ أَلْزَمَ السَّجَاوَنْدِيُّ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ الْعَامِلَ فِي " إِذْ " الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ. وَكَذَا ذَكَرُوا الْوَقْفَ عَلَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَيُبْتَدَأُ وَتُسَبِّحُوهُ لِئَلَّا يُوهِمَ اشْتِرَاكَ عَوْدِ الضَّمَائِرِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ ، وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمُ الْوَقْفَ عَلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ قِيلَ: لِأَنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ " وَأَيَّدَهُ " لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَنُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتَارَ بَعْضَ الْوَقْفِ عَلَى وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ
стр. 242
وَالِابْتِدَاءُ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ إِشْعَارًا بِأَنَّ يُوسُفَ ﵇ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي دَعْوَاهُ.
(رَابِعُهَا) قَوْلُ أَئِمَّةِ الْوَقْفِ: لَا يُوقَفُ عَلَى كَذَا مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ، إِذْ كُلَّمَا أَجَازُوا الْوَقْفَ عَلَيْهِ أَجَازُوا الِابْتِدَاءَ بِمَا بَعْدَهُ. وَقَدْ أَكْثَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَبَالَغَ فِي كِتَابِهِ (لَا) وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ لَا تَقِفْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ وَأَكْثَرُهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَوَهَّمَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ مِنْ مُقَلِّدِي السَّجَاوَنْدِيِّ أَنَّ مَنْعَهُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ، أَيْ: لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْحَسَنِ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْسُنُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ فَصَارُوا إِذَا اضْطَرَّهُمُ النَّفَسُ يَتْرُكُونَ الْوَقْفَ الْحَسَنَ الْجَائِزَ وَيَتَعَمَّدُونَ الْوَقْفَ عَلَى الْقَبِيحِ الْمَمْنُوعِ، فَتَرَاهُمْ يَقُولُونَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ثُمَّ يَقُولُونَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ثُمَّ يَبْتَدِئُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فَيَتْرُكُونَ الْوَقْفَ عَلَى (عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْمُتَّقِينَ) الْجَائِزَيْنِ قَطْعًا وَيَقِفُونَ عَلَى (غَيْرِ، وَالَّذِينَ) اللَّذَيْنِ تَعَمُّدُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا قَبِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُضَافٌ وَالثَّانِي مَوْصُولٌ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ تَعَمُّدِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ السَّجَاوَنْدِيِّ (لَا) فَلَيْتَ شِعْرِي، إِذْ مَنَعَ مِنَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ هَلْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى: غَيْرِ أَوِ: الَّذِينَ؟ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ السَّجَاوَنْدِيِّ بِقَوْلِهِ: (لَا) ، أَيْ: لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُبْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَافِ.
وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي مَنَعَ السَّجَاوَنْدِيُّ الْوَقْفَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِنَ الْكَافِي الَّذِي يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ. قَالَ: لِأَنَّ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ كَوْنُهُ تَامًّا وَكَافِيًا وَحَسَنًا، وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَوْنَهُ كَافِيًا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْحَسَنِ وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ رَأْسَ آيَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَى يُنْفِقُونَ لِلْعَطْفِ وَجَوَازُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ
стр. 243
ذَكَرْنَا فِي (الِاهْتِدَاءِ) رِوَايَةَ أَبِي الْفَضْلِ الْخُزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ صَلَّى الْغَدَاةَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ثُمَّ سَلَّمَ، وَأَيُّ مُقْتَدًى بِهِ أَعْظَمُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ ذَلِكَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْجَزَاءِ، فَكَانَ تَأْكِيدًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَوْ عَكَسَ فَجَعَلَهُ مِنَ الْوَقْفِ اللَّازِمِ لَكَانَ ظَاهِرًا، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ دُعَاءً عَلَيْهِمْ بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْرِبِينَ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ خَبَرٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى هَذَا كَافِيًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ فَقَطْ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَمْتَنِعُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ قَطَعَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ بِكَوْنِهِ كَافِيًا وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ لِلْعَطْفِ بَأَوْ، وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ: وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا يَبْقَى مَعَ الْفَصْلِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ كَافِيًا أَوْ تَامًّا.
(قُلْتُ) : وَكَوْنُهُ كَافِيًا أَظْهَرُوا " أَوْ " هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا قَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ ; لِأَنَّ " أَوْ " إِنَّمَا تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْأَمْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لَا فِي الْخَبَرِ، بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ، أَيْ: مِنَ النَّاظِرَيْنِ مَنْ يُشْبِهُهُمْ بِحَالِ ذَوِي صَيِّبٍ وَالْكَافُ مِنْ كَصَيِّبٍ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ: كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى مَا مَوْضِعُهُ رَفْعٌ وَهُوَ كَمَثَلِ الَّذِي، وَكَذَا قَوْلُهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَالِابْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَظُلُمَاتٍ وَقَطَعَ الدَّانِيُّ بِأَنَّهُ تَامٌّ وَمِنْ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ " الَّذِي " صِفَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ كَمَا ذَكَرَ بَلْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ الَّذِي وَحَسُنَ الْقَطْعُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ صِفَةُ مَدْحٍ، وَجَوَّزَ مَكِّيٌّ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارٍ أَعْنِي وَأَجَازَ أَيْضًا نَصْبَهُ مَفْعُولًا بِ " تَتَّقُونَ " وَكِلَاهُمَا بَعِيدٌ، وَمِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْفَاسِقِينَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ " الَّذِينَ " صِفَتُهُمْ، وَهُوَ كَ
стр. 244
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ سَوَاءٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي وُقُوفُ السَّجَاوَنْدِيِّ فَلَا يَغْتَرُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ، بَلْ يَتْبَعُ فِيهِ الْأَصْوَبَ وَيَخْتَارُ مِنْهُ الْأَقْرَبَ.
(خِامِسُهَا) يُغْتَفَرُ فِي طُولِ الْفَوَاصِلِ وَالْقَصَصِ وَالْجُمَلِ الْمُعْتَرِضَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي حَالَةِ جَمْعِ الْقِرَاءَاتِ وَقِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّرْتِيلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَرُبَّمَا أُجِيزَ الْوَقْفُ وَالِابْتِدَاءُ لِبَعْضِ مَا ذَكَرَ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ السَّجَاوَنْدِيُّ الْمُرَخَّصَ ضَرُورَةً وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَالْأَحْسَنُ تَمْثِيلُهُ بِنَحْوِ وَالنَّبِيِّينَ وَبِنَحْوِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَبِنَحْوِ عَاهَدُوا وَنَحْوِ كُلٍّ مِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ إِلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، إِلَّا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى آخِرِ الْفَاصِلَةِ قَبْلَهُ أَكْفَى، وَنَحْوِ كُلِّ فَوَاصِلَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَهُوَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَحْوِ فَوَاصِلِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ إِلَى جَوَابِ الْقَسَمِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ وَالزَّجَّاجِ وَهُوَ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وَقِيلَ: الْجَوَابُ كَمْ أَهْلَكْنَا، أَيْ: لَكُمْ وَحُذِفَتِ اللَّامُ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ ص عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ، أَوْ مُحَمَّدٌ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَقَدْ جَاءَكُمْ، أَوْ أَنَّهُ لَمُعْجِزٌ، أَوْ مَا الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَوْ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى فَوَاصِلِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا إِلَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ; وَلِذَلِكَ أُجِيزَ الْوَقْفُ عَلَى لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ دُونَ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَعَلَى اللَّهُ الصَّمَدُ دُونَ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعْمُولَ " قُلْ "، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ يُقَدِّرُونَ إِعَادَةَ الْعَامِلِ، أَوْ عَامِلًا آخَرَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِيمَا طَالَ.
(سَادِسُهَا) كَمَا اغْتُفِرَ الْوَقْفُ لِمَا ذُكِرَ قَدْ لَا يُغْتَفَرُ، وَلَا يَحْسُنُ فِيمَا قَصُرَ مِنَ الْجُمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ لَفْظِيًّا نَحْوَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ لِقُرْبِ الْوَقْفِ عَلَى: بِالرُّسُلِ، وَعَلَى: الْقُدُسِ، وَنَحْوَ مَالِكَ الْمُلْكِ لَمْ يَغْتَفِرُوا
стр. 245
الْقَطْعَ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَكَذَا لَمْ يَغْتَفِرْ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْوَقْفَ عَلَى وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْضَ الْوَقْفَ عَلَى وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ بِيَدِكَ الْخَيْرُ، وَكَذَا لَمْ يَرْضَوُا الْوَقْفَ عَلَى تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَعَلَى وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَمِنْ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَقَدْ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الْجَمْعِ وَطُولِ الْمَدِّ وَزِيَادَةِ التَّحْقِيقِ وَقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَيَلْحَقُ بِمَا قَبْلُ لِمَا ذَكَرْنَا، بَلْ قَدْ يَحْسُنُ كَمَا أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ مَا يَقْتَضِي الْوَقْفَ مِنْ بَيَانِ مَعْنًى أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى خَفِيٍّ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَصُرَ، بَلْ وَلَوْ كَانَ كَلِمَةً وَاحِدَةً ابْتُدِئَ بِهَا كَمَا نَصُّوا عَلَى الْوَقْفِ عَلَى (بَلَى، وَكُلًّا) وَنَحْوِهِمَا مَعَ الِابْتِدَاءِ بِهِمَا لِقِيَامِ الْكَلِمَةِ مَقَامَ الْجُمْلَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
(سَابِعُهَا) رُبَّمَا يُرَاعَى فِي الْوَقْفِ الِازْدِوَاجُ فَيُوَصَلُ مَا يُوقَفُ عَلَى نَظِيرِهِ مِمَّا يُوجَدُ التَّمَامُ عَلَيْهِ وَانْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِمَا بَعْدَهُ لَفْظًا، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ ازْدِوَاجِهِ نَحْوَ (لَهَا مَا كَسَبَتْ مَعَ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) وَنَحْوَ (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مَعَ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وَنَحْوَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وَنَحْوَ (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ مَعَ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) وَنَحْوَ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ مَعَ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) ، وَهَذَا اخْتِيَارُ نُصَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْوَقْفِ.
(ثَامِنُهَا) قَدْ يُجِيزُونَ الْوَقْفَ عَلَى حَرْفٍ، وَيُجِيزُ آخَرُونَ الْوَقْفَ عَلَى آخَرَ وَيَكُونُ بَيْنَ الْوَقْفَيْنِ مُرَاقَبَةٌ عَلَى التَّضَادِّ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى أَحَدِهِمَا امْتَنَعَ الْوَقْفُ الْآخَرُ كَمَنْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى لَا رَيْبَ فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُهُ عَلَى فِيهِ وَالَّذِي يُجِيزُهُ عَلَى فِيهِ لَا يُجِيزُهُ عَلَى لَا رَيْبَ وَكَالْوَقْفِ عَلَى (مَثَلًا) يُرَاقِبُ الْوَقْفَ عَلَى (مَا) مِنْ قَوْلِهِ (مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) وَكَالْوَقْفِ عَلَى (مَا إِذَا) يُرَاقِبُ (مَثَلًا) وَكَالْوَقْفِ عَلَى وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ مُرَاقَبَةً وَكَالْوَقْفِ عَلَى وَقُودُ النَّارِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 246
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُرَاقَبَةٌ، وَكَالْوَقْفِ عَلَى مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُرَاقِبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مِنَ النَّادِمِينَ يُرَاقِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ نَبَّهَ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ فِي الْوَقْفِ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَخَذَهُ مِنَ الْمُرَاقِبَةِ فِي الْعَرُوضِ.
(تَاسِعُهَا) لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أُصُولِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ لِيُعْتَمَدَ فِي قِرَاءَةِ كُلِّ مَذْهَبِهِ، فَنَافِعٌ كَانَ يُرَاعِي مَحَاسِنَ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا وَرَدَ عَنْهُ النَّصُّ بِذَلِكَ، وَابْنُ كَثِيرٍ رُوِّينَا عَنْهُ نَصًّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا وَقَفْتُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ، وَعَلَى إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) لَمْ أُبَالِ بَعْدَهَا وَقَفْتُ أَمْ لَمْ أَقِفْ. وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَقِفُ حَيْثُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ الصَّالِحُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا، وَلَا يَتَعَمَّدُ فِي أَوْسَاطِ الْآيِ وَقْفًا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَبُو عَمْرٍو فَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَمَّدُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ وَيَقُولُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَذَكَرَ عَنْهُ الْخُزَاعِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ يُرَاعِي حُسْنَ الْوَقْفِ، وَعَاصِمٌ ذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ عَاصِمًا وَالْكِسَائِيَّ كَانَا يَطْلُبَانِ الْوَقْفَ مِنْ حَيْثُ يَتِمُّ الْكَلَامُ، وَحَمْزَةُ اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ بَعْدَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ، فَقِيلَ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ التَّحْقِيقُ وَالْمَدُّ الطَّوِيلُ فَلَا يَبْلُغُ نَفَسُ الْقَارِئِ إِلَى وَقْفِ التَّمَامِ، وَلَا إِلَى الْكَافِي وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَتَعَمَّدُ وَقْفًا مُعَيَّنًا ; وَلِذَلِكَ آثَرَ وَصْلَ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْلِ التَّحْقِيقِ لَآثَرَ الْقَطْعَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَالْبَاقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ كَانُوا يُرَاعُونَ حُسْنَ الْحَالَتَيْنِ وَقْفًا وَابْتِدَاءً، وَكَذَا حَكَى عَنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْإِمَامَانِ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ وَالرَّازِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
(عَاشِرُهَا) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْقَطْعِ وَالسَّكْتِ
стр. 247
هَذِهِ الْعِبَارَاتُ جَرَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مُرَادًا بِهَا الْوَقْفُ غَالِبًا، وَلَا يُرِيدُونَ بِهَا غَيْرَ الْوَقْفِ إِلَّا مُقَيَّدَةً، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ رَأْسًا، فَهُوَ كَالِانْتِهَاءِ فَالْقَارِئُ بِهِ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَالْمُنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى سِوَى الْقِرَاءَةِ كَالَّذِي يَقْطَعُ عَلَى حِزْبٍ، أَوْ وِرْدٍ، أَوْ عُشْرٍ، أَوْ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِنُ بِانْقِضَاءِ الْقِرَاءَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَعَاذُ بَعْدَهُ لِلْقِرَاءَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ آيَةٍ ; لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيِ فِي نَفْسِهَا مَقَاطِعُ.
(أَخْبَرَنَا) أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ فِي آخَرِينَ مُشَافَهَةً عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّعْدِيِّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا افْتَتَحَ أَحَدُكُمْ آيَةً يَقْرَؤُهَا فَلَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يُتِمَّهَا، وَأَخْبَرَتْنَا بِهِ أُمُّ مُحَمَّدِ بِنْتُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيَّةُ إِذْنًا، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ جَدِّي، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الصَّفَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: إِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمُ الْآيَةَ فَلَا يَقْطَعْهَا حَتَّى يُتِمَّهَا. قَالَ الْخُزَاعِيُّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّهَا فَيَرْكَعَ حِينَئِذٍ - قَالَ - فَأَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: كَلَامُ ابْنِ الْهُذَيْلِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَدَعْوَى الْخُزَاعِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فِيهَا نَظَرٌ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَقَدْ) أَخْبَرَتْنِي بِهِ أَسْنَدَ مِنْ هَذَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ مُحَمَّدٍ سِتُّ الْعَرَبِ ابْنَةُ
стр. 248
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِيمَا شَافَهَتْنِي بِهِ بِمَنْزِلِهَا مِنَ الزَّاوِيَةِ الْأَرْمَوِيَّةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْمَذْكُورُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرَةٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الصَّفَّارِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَقْرَءُوا بَعْضَ الْآيَةِ وَيَدَعُوا بَعْضَهَا. وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ خَارِجَهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ هَذَا تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَقَوْلُهُ كَانُوا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَالْوَقْفُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ عَلَى الْكَلِمَةِ زَمَنًا يَتَنَفَّسُ فِيهِ عَادَةً بِنِيَّةِ اسْتِئْنَافِ الْقِرَاءَةِ إِمَّا بِمَا يَلِي الْحَرْفَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ فِي أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ لَا بِنِيَّةِ الْإِعْرَاضِ، وَتَنْبَغِي الْبَسْمَلَةُ مَعَهُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي وَيَأْتِي فِي رُءُوسِ الْآيِ وَأَوْسَاطِهَا، وَلَا يَأْتِي فِي وَسَطِ كَلِمَةٍ، وَلَا فِيمَا اتَّصَلَ رَسْمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنَفُّسِ مَعَهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ.
وَالسَّكْتُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ زَمَنًا هُوَ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلِفَاظُ أَئِمَّتِنَا فِي التَّأْدِيَةِ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى طُولِ السَّكْتِ وَقِصَرِهِ فَقَالَ: أَصْحَابُ سُلَيْمٍ عَنْهُ عَنْ حَمْزَةَ فِي السَّكْتِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ: سَكْتَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ جَعْفَرٌ الْوَزَّانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ خَلَّادٍ: لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ عَلَى السَّوَاكِنِ كَثِيرًا، وَقَالَ الْأُشْنَانِيُّ: سَكْتَةٌ قَصِيرَةٌ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ عَنِ الْكِسَائِيِّ: سَكَتَ سَكْتَةً مُخْتَلَسَةً مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَقَالَ النَّقَّارُ عَنِ الْخَيَّاطِ: يَعْنِي الشُّمُونِيَّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّكَ نَسِيتَ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ: وَقْفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقْفَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَكْتِ الْقَاضِي عَنْ رُوَيْسٍ وَقَالَ الْحَافِظُ
стр. 249
أَبُو الْعَلَاءِ: يَسْكُتُ حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى وَابْنُ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَوِيِّ وَالنَّهَاوَنْدِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ نَفَسٍ وَأَتَمُّهُمْ سَكْتَةً حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ: حَمْزَةُ وَقُتَيْبَةُ يَقِفَانِ وَقْفَةً يَسِيرَةً مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ سَكْتًا مُقَلَّلًا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ أَيْضًا فِي السَّكْتِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ قَالَ فِيهِ ابْنُ شُرَيْحٍ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: مَعَ سَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُبْهِجِ: وَقْفَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا، أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُهْلَةِ وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ:
وَسَكْتُهُمُ الْمُخْتَارُ دُونَ تَنَفُّسٍ
وَقَالَ أَيْضًا
وَسَكْتَةُ حَفْصٍ دُونَ قَطْعٍ لَطِيفَةٌ
. وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي ذَلِكَ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ. وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ وُقَيْفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ غَلْبُونَ بِوَقْفَةٍ خَفِيفَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْمَهْدَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ الْقَلَانِسِيُّ: فِي سَكْتِ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ: يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْهَمَذَانِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: وَيَقِفُ عَلَى: ص، وَ " ق "، وَ " ن " وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي الْجَامِعِ: وَاخْتِيَارِي فِيمَنْ تَرَكَ الْفَصْلَ سِوَى حَمْزَةَ أَنْ يَسْكُتَ الْقَارِئُ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ شَدِيدَةٍ. فَقَدِ اجْتَمَعَتْ أَلْفَاظُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّكْتَ زَمَنُهُ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً وَهُمْ فِي مِقْدَارِهِ بِحَسَبِ مَذَاهِبِهِمْ فِي التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ وَالتَّوَسُّطِ حَسْبَمَا تَحْكُمُ الْمُشَافَهَةُ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُمْ بِكَوْنِهِ دُونَ تَنَفُّسٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِهِ آرَاءُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ دُونَ تَنَفُّسٍ إِلَى عَدَمِ الْإِطَالَةِ الْمُؤْذِنَةِ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: قَطْعُ الصَّوْتِ زَمَانًا قَلِيلًا أَقْصَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ ; لِأَنَّهُ إِنْ طَالَ صَارَ وَقْفًا يُوجِبُ الْبَسْمَلَةَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ ابْنُ بُصْخَانَ: أَيْ دُونَ مُهْلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّنَفُّسِ هُنَا إِخْرَاجَ النَّفَسِ بِدَلِيلٍ أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّنَفُّسَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُهْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَارَةَ: دُونَ تَنَفُّسٍ يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا سُكُوتٌ يُقْصَدُ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ
стр. 250
لَا السُّكُوتُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْقَارِئُ التَّنَفُّسَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ سُكُوتٌ دُونَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ، أَيْ: أَقْصَرُ مِنْهُ، أَيْ: دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقِصَرِ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ حَتَّى يَجْعَلَ هَذَا دُونَهُ فِي الْقِصَرِ. قَالَ: وَيَعْلَمُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ وَعُرْفِ الْقُرَّاءِ.
(قُلْتُ) : الصَّوَابُ حَمْلُ دُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: دُونَ تَنَفُّسٍ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى غَيْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ السَّكْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ عَدَمِ التَّنَفُّسِ سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُهُ أَوْ كَثُرَ، وَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَعْنًى أَقَلَّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا صَوَابًا لِوُجُودِهِ (أَحَدُهَا) مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّصِّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّكَ قَدْ نَسِيتَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ زَمَنَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ وَغَيْرِهِ، (وَثَانِيهَا) قَوْلُ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ: سَكْتَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا. أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَالزَّمَنُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِخْرَاجِ النَّفَسِ بِلَا نَظَرٍ، (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنًى أَقَلَّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ كَمَا قَدَّرُوهُ بِقَوْلِهِمْ: أَقَلُّ مِنْ زَمَانِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَعَدَمُ التَّقْدِيرِ أَوْلَى، (رَابِعُهَا) أَنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ زَمَنَ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَإِنْ قَلَّ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ زَمَنٍ قَلِيلِ السَّكْتِ وَالِاخْتِيَارُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، (خَامِسُهَا) أَنَّ التَّنَفُّسَ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: الْأَرْضُ، وَالْآخِرَةُ، وَقُرْآنٌ، وَ (مَسْئُولًا) مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: وَالْبَارِئُ، وَفُرْقَانٌ، وَ (مَسْحُورًا) ، إِذِ التَّنَفُّسُ فِي وَسَطِ الْكَلِمَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ، أَوْ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ ابْنِ بُصْخَانَ بِأَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ مُطْلَقَ السَّكْتِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، إِذْ لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ أَرَادَ السَّكْتَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَاخِرَ السُّورِ فِي نَفْسِهَا تَمَامٌ يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَيْهَا وَالْوَقْفُ. فَلَا مَحْذُورَ مِنَ التَّنَفُّسِ عَلَيْهَا
следующие страницы →