Полный текст (2 954 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[شرح بلوغ المرام]ـ
مؤلف الأصل: ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي (المتوفى: ٨٥٢هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ١١٢ درسا]
стр. 2
بلوغ المرام - كتاب الطهارة (١)
مقدمة المؤلف - كتاب الطهارة - باب المياه
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فأشكر الله أولاً وآخراً على أن يسر مثل هذه اللقاءات التي نرجو أن تكون مباركة خالصة لوجهه الكريم، كما أشكر الأخوة القائمين على هذه الدورة -المنظمين لها- على ثقتهم وحسن ظنهم بي، لشرح مثل هذا الكتاب الذي شرح، بحيث تعددت شروحه من المتقدمين والمتأخرين.
تولى شرحه جمع من أهل العلم فمن أولهم: القاضي الحسين بن محمد المغربي في شرح أسماه (البدر التمام في شرح بلوغ المرام)، وهو شرح موجود مخطوط ومحقق، لكن لم ينشر منه سوى مجلدين، ثم اختصره الأمير الصنعاني، توالت شروحه من المعاصرين وكثرت، سواءً منها المطبوع، ومنها المسموع، وغير ذلك؛ وذلكم لأهمية هذا الكتاب.
والتصنيف في السنة والكتابة فيها كان في أول الأمر وفي صدر الإسلام، كان ذلكم على نطاق ضيق جداً؛ لأن النبي ﵊ في أول الأمر نهى عن كتابة الحديث.
ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أنه قال: ((لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه)) كان هذا في أول الأمر؛ خشية أن يختلط غير القرآن به، ثم لما أمنت هذه المفسدة أذن بالكتابة، وجاءت الأحاديث الدالة على جوازها بل على الأمر بها: ((اكتبوا لأبي شاه)) [الحديث في الصحيحين].
وقول أبي هريرة: "ما كان أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر مني حديثاً إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
ثم كثرت الكتابة وارتفع الخلاف في جوازها، وحصل الإجماع عليها، فكان الصحابة يكتبون والتابعون كذلك، والسنة محفوظة؛ لأن بحفظها يتم حفظ الدين، والدين محفوظ إلى قيام الساعة، لكن التدوين الرسمي العام إنما حصل على رأس المائة الثانية بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث أمر الزهري بكتابة السنة.
стр. 3
ثم تتابع أهل العلم على تدوين السنة فوجدت المصنفات والموطآت والمسانيد في القرن الثاني، ثم ألفت الجوامع بعد ذلك والسنن والمعاجم وتنوع التأليف في السنة، اتخذ أنحاء متعددة فمنها:
المصنفات والموطآت، وهي في محتواها قريبة، كتب مرتبة الأحاديث على الأبواب إلا أنها بالنسبة للمصنفات تكثر فيها الآثار، فبهذا تختلف عن الموطآت.
والموطآت وإن كان فيها آثار إلا أنها أقل من وجودها في المصنفات، والسنن تشترك مع المصنفات والموطآت في الترتيب إلا أنها تندر فيها الآثار، فيقتصر فيها على الأحاديث المرفوعة، والسنن غالباً ما تكون في أحاديث الأحكام بخلاف الجوامع كصحيح البخاري وصحيح مسلم، وغيرهما، جامع الترمذي، هذه فيها جميع أبواب الدين مما يحتاجه المسلم.
فعندنا في الدرجة الأولى من المصنفات الصحاح، وهذه أولى ما يعتني به طالب العلم، بادئاً بصحيح البخاري ثم مسلم؛ لأن جماهير أهل العلم على تفضيل صحيح البخاري على مسلم، والكتابان معاً أصح الكتب المصنفة بعد كتاب الله .
وإن ادعى أبو علي النيسابوري وبعض المغاربة أن صحيح مسلم أفضل وأصح من صحيح البخاري، لكن جماهير أهل العلم على خلاف لهذا القول،
أول من صنف في الصحيح ... محمد وخص بالترجيح
ومسلم بعد وبعض الغرب مع ... أبي علي فضلوا ذا لو نفع
بعد الصحاح هناك أيضاً في المرتبة الثانية صحاح اشترط مؤلفوها الصحة ولم يفوا بشرطهم، أو تساهلوا في تطبيق الشرط، مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم وفيها صحيح كثير، إلا أن التساهل ظاهر فيها، وأمثلها ابن خزيمة ثم ابن حبان والحاكم.
يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وخذ زيادة الصحيح إذ تنص ... صحته أو من مصنف يخص
بجمعه نحو ابن حبان الزكي ... وابن خزيمة وكالمستدرك
على تساهلٍ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
يعني في هذه الكتب.
стр. 4
بعد ذلكم السنن، بعد هذه الكتب في المرتبة تأتي السنن، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ابن ماجه سادس الكتب على خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يجعل مكانه الموطأ كرزين في تجريد الأصول، وابن الأثير في جامع الأصول، ومنهم من يجعل سادس الكتب الدارمي، لكن الأكثر تبعوا ابن طاهر في الأطراف وفي شروط الأئمة في جعل السادس ابن ماجه؛ لكثرة زوائده على الكتب الخمسة.
ثم تتابع التأليف والتصنيف إلى أن ضعفت الهمم، فاحتاج الناس إلى الاقتصار على المتون، وضاقوا ذرعاً بالأسانيد؛ لضعف الحافظة، وفتور الهمم، وكثرة الشواغل والصوارف، فكل ممن ألف في هذه المختصرات المجردة المسانيد اتخذ له منحىً خاصاً به فمن أهل العلم من ألف في الفضائل، ومنهم من ألف في الأحكام، ومنهم من ألف في المغازي، ومنهم من ألف في التفسير المأثور وهكذا، وحذفوا الأسانيد؛ تخفيفاً على الطالبين واقتصروا على بيان الدرجة، وبعضهم أخل بهذا أيضاً.
وكانت العهدة تبرأ -يبرأ منها الشخص- بذكر الإسناد في أول الأمر؛ لأن من يتصدى لطلب الحديث في أول الأمر كان المفترض فيه أن يعرف هذه الأسانيد، فإذا سيق الخبر بإسناده برئ من يسوقه من العهدة، ثم بعد حذف هذه الأسانيد لا بد من بيان درجة الحديث، وهذا أولاه الحافظ عندنا في الكتاب عناية تليق بمقام الكتاب.
في العصور المتأخرة لا تبرأ العهدة بذكر السند؛ أولاً: لضعف معرفة طلاب العلم بالرجال والأسانيد.
стр. 5
الأمر الثاني: ضعفهم بمعرفة الاصطلاحات، فإذا كانت العهدة لا تبرأ، أو لا يبرأ من عهدة النقل من ساق الإسناد فقد لا يبرأ أيضاً ببيان الدرجة غير المشروحة، يعني لا يكفي أن يقال: هذا الحديث فيه فلان مثلاً، أو الحديث فيه ضعف ولا تقوم به حجة، بل لا يكفي أن يقال: الحديث موضوع؛ لأن الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- لما سئل عن حديث، قال للسائل: هذا الحديث لا أصل له مكذوب، موضوع، مكذوب على النبي ﵊، فقام إليه رجل من الأعاجم فقال: كيف تقول هذا الحديث مكذوب وهو مروي في كتب السنة بالأسانيد، ثم أحضره من كتاب الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، فعلى هذا نقول: لا يكفي الخطيب أن يقول لعامة الناس: هذا الحديث موضوع، بل لا بد أن يشرح لهم معنى كلمة موضوع، لا بد من هذا؛ لأن كثيراً من الناس لا يفهم أيش معنى كلمة موضوع، فإذا كان هذا الشخص الذي استدرك على الحافظ العراقي في القرن الثامن فكيف بمن دونه؟!
على كل حال بعد ضعف الهمم لجأ الناس إلى المختصرات، لجأ الناس إلى المختصرات، فألفت كتب وأحاديث الأحكام؛ لشدة الحاجة إليها؛ لأنها أحاديث عملية، ومن هذه الكتب المطول ومنها المختصر، فمن هذه الكتب (المنتقى) لمجد الدين ابن تيمية الحراني عبد السلام جد شيخ الإسلام ﵀ وهذا الكتاب يحوي غالب أحاديث الأحكام، جل أحاديث الأحكام موجودة في المنتقى، على أنه فيه الصحيح والحسن والضعيف.
ومن هذه الكتب: (كتاب المحرر) لابن عبد الهادي، وهو من أدق هذه الكتب وأشدها تحريراً، وإمامة مؤلفه معروفة، مشهود له بذلك.
ومنها (العمدة) للحافظ عبد الغني المقدسي، وقد اقتصر فيها على ما صح من أحاديث الأحكام، فينبغي لطالب العلم أن يبدأ بها قبل البلوغ وقبل المنتقى، ومنها هذا الكتاب الذي بأيدينا، وبينا شيئاً من عناية أهل العلم به باختصار.
стр. 6
طلاب العلم في السنوات الأخيرة بدؤوا وارتفعت هممهم إلى حفظ ما هو أعلى من هذه الكتب، وهو ما يسمى بحفظ الصحيحين والسنن، والمقصود بذلك المتون؛ لأنهم يحفظون من المختصرات المجردة الأسانيد، ومن غير تكرار، فإطلاق الصحيحين على هذه الكتب تجوز، وهي همة لا شك أنها تشكر؛ تنبئ عن حرص وصدق، صدق عزيمة في الطلب، لكن في هذه الكتب -كتب أحاديث الأحكام- ما لا يوجد في الصحيحين مما يحتاجه طالب العلم.
فلو ابتدئ الطالب بحفظ الأربعين؛ لأنها أحاديث جوامع كلية، ثم حفظ العمدة؛ لأن أحاديثها صحيحة، ثم ثلث بالبلوغ، ثم حفظ ما شاء من الكتب.
ويسأل كثير من الأخوة الذين يريدون الحفظ من الصحيحين، هل يبدأ بالبخاري ثم يأخذ الزوائد أو ما زاده مسلم على البخاري أو العكس؟ وبعضهم ممن بدأ بالحفظ في بداية هذه النهضة المباركة -أعني نهضة حفظ السنة- بدؤوا بصحيح مسلم، وأخذوا زوائد البخاري عليه، وما ذلكم إلا لما عرف من دقة مسلم وتحريه في سياق المتون، ثم أخذوا زوائد البخاري عليه.
لكن يبقى هل دقة مسلم تختلف عن دقة البخاري في تحري اللفظ النبوي أو هو منهج واحد؟
في تصوري أن المنهج لا يختلف؛ لأن كلاً من الشيخين يجيز الرواية بالمعنى، كل منهما يجيز الرواية بالمعنى، فكون الإمام مسلم يعتني ببيان صاحب اللفظ بدقة، ويذكر فروق الرواة بالحرف، لا يعني هذا أن اللفظ الذي ساقه هو اللفظ النبوي؛ لاحتمال أن يكون التابعي رواه بالمعنى عن الصحابي، والصحابي رواه بالمعنى عن النبي ﵊؛ لأن مسلم إنما يبين فروق روايات شيوخه غالباً، فمن فوقهم كل منهم يحتمل أنه رواه بالمعنى؛ لأن من مذهبه جواز الرواية بالمعنى وهو قول جمهور أهل العلم.
فإذا قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا قتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لابن أبي شيبة مثلاً، إذاً رواه الاثنان بالمعنى.
عرفنا أن هذا لفظ أبي بكر بن أبي شيبة أو لفظ قتيبة فيما نص عليه الإمام مسلم، لكن من يضمن لنا أنه اللفظ النبوي؟ لاحتمال أن يكون الصحابي رواه بالمعنى، فيستوي في ذلك مع البخاري.
стр. 7
الإمام البخاري لا شك أنه يتحرى ويتحرز في الألفاظ لكنه لا يبين هل هو لفظ فلان أو فلان ما داموا كلهم على شرطه، مع أن الحافظ ابن حجر نص على أنه ظهر بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا روى الحديث عن أكثر من واحد فإن اللفظ يكون للأخير.
فعلى هذا ينبغي أن تتجه الهمم وعنايات طلاب العلم بعد حفظ هذه المختصرات بصحيح البخاري، بصحيح البخاري وأعني به الأصل، وأعني به الأصل الذي صنفه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري؛ لأن من اعتنوا بالمختصرات وإن كانوا على خير عظيم -إن شاء الله- ويرجى لهم النفع ومنهم أيضاً، إلا أن المختصرات أخلت بكثير من مقاصد الإمام، ولو لم يكن في ذلك إلا فقه الإمام -رحمه الله تعالى- ومعرفة الأسانيد فهي مما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، والأحاديث وإن كانت صحيحة فإن في أسانيدها من الفوائد واللطائف ما لا يستغني عنه طالب العلم.
وإذا ضربنا مثالاً يبين لنا أهمية هذه الأصول، فلننظر إلى أحاديث الرقاق مثلاً من صحيح البخاري، عدتها مائة وثلاثة وتسعين، فيها أكثر من مائة وخمسين ترجمة، والتراجم -تراجم الإمام- هي فقهه واستنباطه، وإذا نظرنا إلى المختصر فإذا فيه سبعة أحاديث، وهذه السبعة الأحاديث أولاً: ما فيها تراجم أصلاً، الأمر الثاني: أننا حرمنا من أكثر من مائة وعشرين ترجمه هي فقه الإمام.
وإذا أراد الشخص أن يبحث في هذا الموضوع المتكامل في الصحيح ثم رجع إلى المختصر، فإنه لن يظفر بطلبته؛ لأن المختصر وظيفته حذف المكرر، وجل هذه الأحاديث تقدم.
فإذا قارنا بين مائة وثلاث وتسعين حديث وسبعة أحاديث وجدنا الفرق كبيراً جداً، وهذا يبين لنا أهمية العناية بالكتب الأصلية، فتراجم الأئمة هي فقههم، فنعتني بتراجم البخاري.
стр. 8
مسلم -رحمه الله تعالى- لم يترجم للكتاب، ترجمه الشراح وهو فقه الشراح، أبو داود ترجم تراجم دقيقة، النسائي ترجم بعلل دقيقة، ابن ماجه أيضاً فقهه في تراجمه أيضاً ظاهر، الترمذي كذلك، فعلى كل حال من حفظ هذه المختصرات بين يدي تلك المطولات فعليه بالمطولات، ولا يعني هذا أننا نقلل من شأن حفظ مختصرات الكتب الأصلية كمختصر البخاري أو مختصر مسلم وما أشبه ذلك، لا، معاذ الله، هذا جهد طيب ويشكرون عليه، ولن يحرمهم الله الأجر، ومن سن هذه السنة يرجى أن يكون له أجرها وأجر من عمل بها.
بعد يأس طويل من أهل العلم وطلابه، يئسوا أن يتطاولوا إلى هذه الكتب، وأن يحاولوا حفظها، همم الناس منذ قرون اقتصرت على هذه المختصرات، وإنما تُقرأ المطولات من أجل الفائدة والبركة، لكن ما تجد من تتجه همته وعنايته إلى الصحيح، وقد وجد ولله الحمد في هذه الأيام من وصل في الحفظ إلى المستدرك الآن، هذا شيء يبشر، يبشر بخير عظيم، لا سيما إذا اقترن هذا العلم بالعمل؛ لأن العمدة في العلوم الشرعية ما قاله الله وقاله رسوله ﵊.
علينا أن نعتني بتراجم الأئمة لا سيما البخاري كما ذكرت، وأصحاب السنن، وهذه التراجم هي التي ميزت هذه الكتب عن المسانيد، وجعلتها في المرتبة دونها؛ لأن صاحب الكتاب المرتب يترجم بحكم شرعي، فيذكر تحت هذه الترجمة أقوى ما يجد، أما صاحب المسند فإنه يترجم باسم صحابي فيذكر تحت ترجمته ما وقع له من أحاديث هذا الصحابي، بغض النظر عن درجتها، ولذا جعل أهل العلم المسانيد دون السنن في المرتبة، لذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
ودونها في رتبة ما جعلا ... على المسانيد فيدعى الجفلا
كمسند الطيالسي وأحمدا ... وعده للدارمي انتقدا
يعني ابن الصلاح لما عد الدارمي في المسانيد انتقد؛ لأن الدارمي الموجود سنن، وليس بمسند -مرتب على الأبواب- اللهم إلا إن كان ابن الصلاح يقصد المسند الذي ذكره الخطيب في ترجمته حينما قال: له المسند والجامع، يمكن، فلا استدراك.
стр. 9
الحفظ الحفظ يا معاشر الإخوان فإنه لا علم إلا بالحفظ، وسوف تحمدون العاقبة -إن شاء الله تعالى- إذا تقدمت بكم السن وضعفت الحافظة، أما من فرط وسوف وأطال الأمل وقال: سوف يحفظ، سوف يعتني هذا يفوته خير كثير، ويفوته زمن الحفظ؛ لأن الحافظة -كما يقرره جماهير أهل العلم- كغيرها من القوى، تضعف، يضعف السمع، يضعف البصر، تضعف الحافظة أيضاً وهذا شيء مشاهد، وإن كان الماوردي في أدب الدنيا والدين يقول: إن الحافظة لا تتغير، فحافظة الشخص في أول عمره مثل حافظته في آخره، لكن المؤثرات على هذه الحافظة هي التي تجعل الإنسان يضعف حفظه، لكن الملكة لا تتغير، إذا كبر كثرت مشاغله، كثرت الصوارف، فضعف الحفظ بسببها وأما الحافظة فلا تضعف، لكن هذا الكلام يرده الواقع، يرده الواقع.
لو افترضنا أن شخصاً عمره عشرون وآخر عمره ستون وجعلنا لكل واحد -لكل منهما- من الظروف ما يناسب، بل يساوي ظروف الآخر، نجد أن الصغير يحفظ أكثر، هذا إذا كانا في درجة واحدة، لا شك أن الحفظ يتفاوت من شخص إلى آخر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد ضرب المتقدمون في الحفظ أروع الأمثلة فمنهم من يحفظ مائة ألف، ومنهم من يحفظ ثلاثمائة ألف، ومنهم من يحفظ ستمائة ألف، ومنهم من يحفظ أكثر، ومنهم من يحفظ أقل، والله المستعان، ولا أحب أن أطيل عليكم؛ لأن القصد الكتاب الذي هو موضوع هذه الدروس.
والشرح سوف يكون باختصار -بل باختصار شديد يناسب الوقت-؛ لأننا لو بسطنا الشرح وجعلنا كل حديث في درس -وإن كان البسط يحتمل أكثر من ذلك- لاحتجنا إلى مائة وخمسين دورة لننهي هذا الكتاب، وإذا اختصرنا وأوجزنا، وذكرنا ما لا بد منه لفهم الحديث والاستنباط اليسير، ومن خالف هذا الحديث فإننا -بإذن الله تعالى- في عشر دورات ننهي الكتاب على الطريقة المختصرة.
ونحيل بالشرح المبسوط المطول على المكتوب، الذي نرجو أن يخرج قريباً، وليس معنى هذا قريب أنه السنة هذه أو التي تليها، كما سمع بعض الإخوان وأشغلونا بالمكالمات والكتابات، وإنما هو من باب كل آت قريب، كل آت قريب ولو بعد، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [(١٧) سورة النساء]، من تاب قبل الموت فهو من قريب، الله المستعان.
فنقرأ في الكتاب سم.
стр. 10
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد، وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيراً حثيثاً، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم، والعلماء ورثة الأنبياء، أكرم بهم وارثاً وموروثاً، أما بعد:
فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حررته تحريراً بالغاً، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً، ويستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي، وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة؛ لإرادة نصح الأمة.
فالمراد بالسبعة أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخاري ومسلماً.
وقد أقول: الأربعة وأحمد، وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة من عداهم وعدا الأخير، وبالمتفق عليه البخاري ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مبين.
وسميتُه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، والله أسال ألا يجعل ما علمنا علينا وبالاً، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه .
يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً": ابتدأ المؤلف -رحمة الله عليه- بالبسملة، وأردفها بالحمدلة؛ اقتداءً بالقرآن، حيث افتتح بذلك، وعملاً بالحديث -وإن كان لا يسلم من مقال-: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر))، وحديث أبي هريرة: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد الله فهو أقطع))، هذا حسنه بعض أهل العلم، لفظ الحمد حسنه بعض أهل العلم، وحكم بعضهم على ضعف الحديث بجميع طرقه وألفاظه، وعلى كل حال لو لم يكن في ذلك إلا الاقتداء بالقرآن الكريم.
"الحمد لله على نعمه": وهو المحمود تمام الحمد على النعم والآلاء التي أسبغها على عباده.
стр. 11
"الظاهرة والباطنة": ومن أعظمها وأجلها نعمة الإسلام، فلأن يلهج الإنسان بالحمد والثناء والشكر عدد أنفاسه على أن هداه الله لهذا الدين لما وفى بشكر هذه النعمة، فإذا أضيف إلى ذلك النعم التي لا تعد ولا تحصى، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل].
"الظاهرة والباطنية": نعمة الأمن، نعمة الصحة، نعمة الفراغ، نعمة المال، نعمة الزوجة والأولاد، كل هذه نعم تحتاج إلى شكر، نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة .. ، إذا أراد الإنسان أن يعرف قدر نعم الله عليه فلينظر ما قرب منه وما بعد ممن هم على غير هذا الدين، أو ممن هم على هذا الدين لكن ابتلوا بالمصائب والكوارث والحروب، والخوف والجوع، أو ينظر في من حوله ممن يئن فوق الأسرة وهو يتقلب بنعم الله الظاهرة والباطنة.
"والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وآله وصحبه": الصلاة والسلام، لا شك أن الصلاة والسلام على هذا النبي من أفضل القربات، وقد أمرنا الله بذلك، قال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]، وجمع -رحمه الله تعالى- بين الصلاة والسلام امتثالاً لهذا الأمر.
وإفراد الصلاة دون السلام والعكس خلاف الأولى، وأطلق النووي الكراهة، أطلق النووي الكراهة -كراهة إفراد الصلاة دون السلام أو العكس- لا شك أنه لا يتم الامتثال -امتثال الأمر- إلا بالجمع بينهما.
وخص ابن حجر الكراهة بمن كان ديدنه ذلك، يعني ديدنه عادته المطردة ذلك، يصلي باستمرار ولا يسلم، أو يسلم ولا يصلي، هذا حري بأن تطلق الكراهة في حقه.
"والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد": ﵊، "وآله": وهم أقاربه الذين يحرم عليهم أخذ الزكاة، أو هم أتباعه على دينه، "وصحبه": الذين نصروه وآزروه وآووه، وحملوا دينه إلى من بعدهم، وبلغوه على أكمل وجه.
стр. 12
والجمع بين الآل والصحب أمر لا بد منه، ولا ينبغي الاقتصار على الآل فقط، وإن شاع بين طلاب العلم؛ لأنه صار شعاراً لبعض المبتدعة، كما أنه لا ينبغي الاقتصار على الصحب دون الآل؛ لأنه صار شعاراً لقوم آخرين، فالاقتصار على الآل شعار للروافض الذين يكفرون الصحابة، كما أن الاقتصار على الصحب دون الآل شعار للنواصب.
وأهل السنة وسط بين الفرقتين، فإما أن يقتصروا فيصلوا على النبي ﵊ امتثالاً لأمر ربهم، فإن أضافوا فليضيفوا الفريقين، وإن كان الآل بالمعنى الأعم يدخل فيه الصحب، والصحب بالمعنى الأعم يدخل فيه من هو على الجادة من الآل، على كل حال الجمع بينهما هو المتعين؛ لمخالفة من أمرنا بمخالفتهم من المبتدعة.
"وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيراً حثيثاً": لم يألوا جهداً، ولم يقصروا في نصرة الدين.
"سيراً حثيثاً": سريعاً بلغوه الآفاق وبلغ مشارق الأرض ومغاربها في أقصر مدة متصورة.
"وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم": من التابعين الذين لقوا الصحابة وأخذوا عنهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"والعلماء ورثة الأنبياء": وقد جاء هذا اللفظ ضمن حديث رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وجاء في ترجمة من تراجم الصحيح في كتاب العلم -وهو حسن- والعلماء ورثة الأنبياء، ومعلوم أن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فلنحرص على هذا العلم؛ لأن تركة الأنبياء هي العلم، والعلم المراد به ما نفع، ما نفع وصار زاداً إلى الدار الآخرة، زاداً مبلغاً إلى جنات النعيم، إلى دار الخلود.
"أكرم بهم وارثاً وموروثاً": أكرم بالسلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، "وموروثاً": من علم نافع، مقرون بالعمل الصالح.
"أما بعد": أما حرف شرط، بعد: قائم مقام الشرط، ظرف قائم مقام الشرط، وجواب الشرط ما اقترن بالفاء، فهذا مختصر يشتمل.
وهذه الكلمة (أما بعد) اختلف في أول من قالها على ثمانية أقوال يجمعها النظم في بيتين
جرى الخلف أما بعد من كان بادئاً ... بها عد أقوالاً وداود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعرب
ثمانية أقوال، لكن أقرب الأقوال أنه، أنها من قول داود وأنها فصل الخطاب الذي أتيه.
стр. 13
"فهذا": الفاء وقاعة في جواب الشرط، وهذا إشارة، والإشارة إن كانت المقدمة بعد تمام التأليف -تأليف الكتاب- فالإشارة إلى موجود في الأعيان، وإن كانت المقدمة كتبت قبل كتابة الكتاب فهي إشارة إلى حاضر في الذهن.
"هذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية": مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية: يمكن أن يستغني به طالب العلم إذا فهمه واستنبط منه ما يمكن استنباطه من الأحكام بعد قراءة الشروح وسماع ما سجل على هذا الكتاب -وهي أشرطة كثيرة جداً حول هذا الكتاب- لم يحضَ كتاب في السنة من المختصرات مثل ما حضي هذا الكتاب؛ وذلكم لأهميته، فمن حفظ هذا الكتاب وفهمه وأدام النظر فيه .. ؛ لأن مؤلفه حرره تحريراً بالغاً، وأبدى فيه وأعاد وكرر، وليس هو بالمعصوم، من حفظه صار من بين أقرانه نابغاً متميزاً على أقرانه، فإذا وفق الإنسان وحفظ هذا الكتاب، وحفظ معه متناً من المتون الفقهية -وليكن الزاد مثلاً- وحفظ مع ذلكم من أحاديث الآداب ما يحتاج إليه من رياض الصالحين، وذلكم بعد حفظ كتاب الله فقد جمع أطراف العلم، واستحق إن أوتي فهماً مناسباً بعد ذلك الفتيا والقضاء وما أشبه ذلك من الولايات الشرعية.
يقول: "حررته تحريراً بالغاً؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً": بين أقرانه: زملائه، والأقران هم أبناء الطبقة الواحدة المتشابهون في السن والأخذ عن الشيوخ.
"ويستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي": يستعين به الطالب المبتدي، يستعين به على العلم، على التعلم، على الاستنباط على العمل، هذا الطالب المبتدي لا شك أنه بأمس الحاجة إليه.
ولا يستغني عنه الراغب المنتهي": يتبصر به الطالب المبتدي في أوائل الطلب، ويتذكر به الراغب المنتهي؛ لأن الإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما حفظ لا يستغني عن الاستذكار، وتذكر العلم مذاكرة العلم؛ لأن العلم ينسى، والحفظ خوان، قد يخونه أحوج ما يكون إليه.
يقول: "وقد بينت عقيب كل حديث من أخرجه من الأئمة": خرج الأحاديث بعزوها إلى من رواها، وإن لم يكن ذلك على سبيل الاستقصاء والاستيعاب، بل على سبيل الاختصار.
стр. 14
"وقد بينت عقيب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادة نصح الأمة": والعزو لا بد أن يكون إلى المصادر الأصلية التي تروي الأحاديث بالأسانيد، الأعلى فالأعلى.
"لإرادة نصح الأمة": فمن أحالك نصحك، ومن ذكر لك فائدة دون عزو إلى صاحبها قصر في هذا الباب، ولذا يذكر عن ابن عباس ﵁: "من بركة العلم إضافة القول إلى قائله"، من بركة العلم إضافة القول إلى قائله.
ثم بين اصطلاحه في العزو، فأحياناً يقول -رحمه الله تعالى-: رواه السبعة، وبين مراده بهم.
"فالمراد بالسبعة أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه": هم الإمام أحمد، والشيخان، وأصحاب السنن الأربعة، هؤلاء هم السبعة، وهم الجماعة.
"وبالستة من عدا أحمد": أصحاب الأمهات الست المعروفة المشهورة المتداولة، "وبالخمسة من عدا الشيخين البخاري ومسلماً.
يقول: "وقد أقول: الأربعة وأحمد": وقد أقول: الأربعة وأحمد، لا شك أن الخمسة أخصر من قول أخرجه الأربعة وأحمد، لكنه قد يذهل عن هذا الاصطلاح، وقد تكون هناك نكتة كما يمر علينا -إن شاء الله تعالى- في الأمثلة.
"وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول": أحمد والبخاري ومسلم، "وبالثلاثة من عداهم والأخير": من عدا أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه، فالثلاثة هم أبو داود والترمذي والنسائي فقط، "وبالمتفق عليه البخاري ومسلم": إذا قال: متفق عليه فقد رواه البخاري ومسلم، يعني من طريق صحابي واحد، من طريق صحابي واحد، فلا يستدرك أحد على المؤلف إذا قال: رواه البخاري، من يجده في صحيح مسلم بلفظه عن صحابي آخر، فلا بد أن يكون مروياً في الكتابين، ومثله ما تقدم، إذا رواه .. ، قال: رواه السبعة معناه أنهم ذكروه في كتبهم السبعة من طريق صحابي واحد، أما إذا اختلف الصحابي ولو اتحد اللفظ فإنه حينئذ يكون حديثاً آخر، ولو اتحد اللفظ، هذا ما جرى عليه الاصطلاح، الحافظ ابن حجر له عناية بهذا الشأن.
стр. 15
"المتفق عليه البخاري ومسلم": وما ذكرناه من أنه لا بد من اتحاد الصحابي ليكون الحديث واحداً هو قول الأكثر، وإلا قد تجدون في مثل شرح السنة للبغوي، قول: متفق عليه، رواه محمد عن أبي هريرة ومسلم عن ابن عمر، وهذا اصطلاح خاص به، وقد تجدون في المنتقى (متفق عليه) ويريد بذلك البخاري ومسلم وأحمد، وهذا اصطلاح خاص به، ومثل هذا لا مشاحة فيه، مثل هذا الاصطلاح إذا بُيِّن لا مشاحة فيه، وتسمعون كثيراً قولهم: لا مشاحة في الاصطلاح، هذه الكلمة ليست على إطلاقها، وليس كل اصطلاح يسلم ولا يشاحح فيه، بل من الاصطلاحات ما ينبغي أن يشاحح صاحبه، فإذا كان الاصطلاح لا يخالف حكماً شرعياً أو لا يخالف ما اتفق عليه أهل علم من العلوم فإنه لا مشاحة فيه، أما إذا تضمن مخالفة فيشاحح صاحبه، لو قال شخص: أنا أُسمي أخ الأب خالاً، الناس يسمونه عماً وأنا بأسميه خالاً، وأنا أسمي أخا الأم عماً، وإن كان الناس كلهم يسمونه خالاً، نقول: لا، قال: أنا أكتب في الفرائض وأبين هذا في المقدمة، نقول: ما يكفي، أنت خالفت، يترتب عليه مخالفة شرعية، يعني ما يثبت للعم من النصوص غير ما يثبت للخال والعكس، لكن لو قال: أنا أسمي أبا الزوجة عماً أو خالاً قلنا: شأنك؛ لأنه ما يترتب عليه مخالفة، هذا اصطلاح سواءً سميته خالاً أو عماً ما يتغير الحكم، ولا يترتب عليه شيء، بعض الناس يسميه عماً، وبعضهم يسميه خالاً، ما فيه فرق، أمور اصطلاحية بين الناس، فلنعرف أن من الاصطلاحات ما يشاحح فيه، فليست هذه الكلمة على إطلاقها.
فلو ألف شخص في الجغرافيا مثلاً وقال: الناس يقولون: هذه الجهة هي الشمال، وهذه هي الجنوب، أنا أقول: لا، هذا هو الشمال وهذا الجنوب، نقول: لا، تشاحح في اصطلاحك.
ولو قال: السماء تحت والأرض فوق، نقول: لا، تشاحح في اصطلاحك، لكن لو قال: أنا لا أغير من الواقع شيئاً هذا هو الشمال وهذا هو الجنوب، لكن الناس كلهم في الخارطة يجعلون الشمال فوق، والجنوب تحت، صح وإلا لا؟ يقول: لا، أنا باقلب الخارطة، أخلي الجنوب فوق والشمال تحت، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، ليش؟ لأنه ما يغير من الواقع شيئاً.
стр. 16
البغوي -رحمه الله تعالى- في المصابيح لما قسم أحاديث الكتاب إلى الصحاح والحسان، إلى الصحاح والحسان، وجعل الصحاح ما رواه البخاري ومسلم، وجعل قسم الحسان ما رواه أصحاب السنن الأربعة، نقول: لا، هذا اصطلاح مردود، قد يقول قائل: لا مشاحة في الاصطلاح، وقد قيل، قيل: كيف يشاحح البغوي في هذا الاصطلاح وقد بيَّن؟ نقول: يرد عليه، لماذا؟ لأنه يلزم منه الحكم على ما صح من أحاديث السنن بأنه حسن، ويلزم منه الحكم على ما ضعف من أحاديث السنن بأنه حسن أيضاً.
والبغوي إذ قسم المصابحا ... إلى الصحاح والحسان جانحا
أن الحسان ما رووه في السنن ... رد عليه إذ بها غير الحسن
فيشاحح، فمثل هذه الجملة التي يطلقها أهل العلم ينبغي تقييدها، كما أن هناك جملاً تحتاج إلى تقييد، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، نقل عليها اتفاق لكن لا بد من تقييدها، قد يلجأ إلى خصوص السبب، ويقصر الحكم عليه لمعارضة العموم ما هو أقوى منه، قد نلجأ إلى خصوص السبب.
والنبي ﵊ قال لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب))، وقال في الحديث الآخر في الصحيح: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم))، عموم حديث عمران بن حصين يشمل الفريضة والنافلة: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً))، لا تصح الصلاة من قعود مع القدرة على القيام، هذا مقتضى حديث عمران، ومقتضى الحديث الآخر أن الصلاة تصح من قعود لكن على النصف من أجر صلاة القائم ولو كانت فريضة، عموم هذا الحديث يخالف عموم الحديث الآخر.
стр. 17
لو نظرنا في سبب ورود الحديث الثاني لوجدناه -كما ذكر أهل العلم- النبي ﵊ دخل المسجد والمدينة محمَّة -يعني فيها حمى- فوجدهم يصلون من قعود فقال: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم))، فتجشم الناس الصلاة قياماً، فدل على أنها نافلة وليست فريضة؛ لأنه لا يمكن أن يصلوا الفريضة قبل مجيئه ﵊ ودل السبب أيضاً على أنهم يستطيعون القيام، ولهذا نقول: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) في النافلة بالنسبة لمن يستطيع القيام، أما في الفريضة فلا، وغير المستطيع أجره كامل سواءً كان في النافلة أو الفريضة وقد لجأنا في الحديث الثاني إلى خصوص السبب، لماذا؛ لأن عموم اللفظ معارض بعموم أقوى منه.
من ذلكم -من هذه القواعد- وهذا استطراد قد يحتاجه بعض الناس ولكن باختصار شديد- من ذلكم قولهم: الخلاف شر، الخلاف شر، هذا يحتاج إلى تقييد، ما هو بكل خلاف شر، وإلا لو وجدنا أدنى خلاف تركنا العزائم، ارتكبنا الرخص وتركنا العزائم، وعطلنا بذلك الأحكام، لكن لا بد من بيان هذه الأمور بياناً شافياً كافياً، ولعل الله أن ييسر كتابة شيء في مصنف يجمع هذه الأمور التي تطلق لكنه ينبغي تقييدها بالأمثلة إن شاء الله تعالى.
يقول: "وقد لا أذكر معهما غيرهما": يقتصر على الصحيحين مع أن الحديث مخرج في بقية الكتب السبعة.
"وما عدا ذلك فهو مبين": يعني إذا رواه عبد الرزاق، رواه البيهقي، رواه ابن أبي شيبة، رواه الطبراني، رواه الدارقطني يبين ذلك.
يقول: "وسميته بلوغ المرام": هذا اسم علم على هذا الكتاب، سميته: سماه مؤلفه بهذا الاسم (بلوغ المرام) علم على هذا الكتاب، فإذا قيل: البلوغ انصرف إلى هذا الكتاب، وإن كان هناك بلوغ السول مثلاً، لكن صار هذا الاسم علماً على هذا الكتاب.
"من أدلة الأحكام": بلوغ المرام، بلوغ الغاية والحاجة من أدلة الأحكام.
стр. 18
"والله أسال ألا يجعل ما علمنا علينا وبالاً": نسأل الله ألا يجعل علمنا علينا وبالاً، بسبب التشريك فيه، أو عدم العمل به، فالعلم الشرعي عبادة محظة، لا يقبل التشريك، فقد حاء في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، منهم العالم الذي تعلم العلم وعلم الناس، قد يجلس لتعليم الناس عقود خمسين ستين سنة، وهو من هؤلاء الثلاثة، فيقال له: ماذا عملت؟ قيقول: تعلمت العلم وعلمت الناس، فيقال: كذبت، إنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل، يكفيك هذا الكلام، فيسحب على وجه إلى النار، نسأل الله العافية.
ومثله المجاهد الذي يقدم نفسه للقتل من أجر أن يقال: شجاع، لا لإعلاء كلمة الله، ومثله الجواد الذي ينفق الأموال الطائلة ليقال: جواد.
فعلينا جميعاً أن نخلص النية وأن نحرص على ذلك أشد الحرص، ولا نسوف، نقول: جاء عن بعض السلف أنه قال: "تعلمنا لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله"، لا، لا نفرط، ما تدري ماذا يفجأك الأمل، ولا ننسى قول بعضهم: من تعلم لغير الله مكر به، وقد يقول قائل: إنه حرص وجاهد نفسه على تصحيح النية وعجز، وهذا يظهر جلياً في التعليم النظامي في الكليات الشرعية، ولا شك أن هذا أمر مقلق، سواءً كان للمعلم أو المتعلم، كل منهم ينظر إلى آخر الشهر المعلم ينظر إلى آخر الشهر، والمتعلم ينظر إلى التخرج والوظيفة وبناء المستقبل، فيقول القائل: هو عجز عن تصحيح النية، لكن هل العلاج في ترك التعلم؟ لا، ليس هذا علاجاً، بل العلاج المجاهدة وصدق اللجأ إلى الله والله إذا علم صدق النية أعان، إذا علم الله صدق النية من العبد أعانه على ذلك.
فعلينا أن نجاهد أنفسنا؛ لأن هذا الأمر الذي هو الإخلاص شرط في قبول العمل، ويضاف إليه ويضم إليه المتابعة -متابعة النبي ﵊ فالعمل إذا لم يكن خالصاً لله لم يقبل، وإذا لم يكن صواباً على سنة النبي ﵊ لم يقبل؛ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).
стр. 19
فلا بد من أن يكون العمل خالصاً لوجه الله صواباً على سنة نبيه ﵊ ثم إذا كان العمل خالصاً، فإنه ولا بد يجر إلى العمل.
ما فائدة العلم إذا لم يتوج بالعمل؟ ما فائدة حشو المعلومات التي منها وجوب صلاة الجماعة، وهو ممن ينتسب إلى العلم ويتخلف عن صلاة الجماعة، وما فائدة العلم الذي فيه التشديد على أداء الصلوات في أوقاتها، وبعض من ينتسب إلى العلم يؤخر الصلاة عن وقتها، هذا في الحقيقة ليس بعلم وإن سماه الناس علماً.
لقد جاء في الحديث -وإن كان فيه كلام لأهل العلم، ونقل عن أحمد تصحيحه وكثير من أهل العلم يحسنونه، وقد ضعفه جمع-: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله))، وهذا أمر وإن جاء بصيغة الخبر للعدول بحمل العلم، وفيه أيضاً ما يفيد أن ما يحمله غير العدول ليس بعلم، فالعلم حقيقة إنما هو ما نفع، والعلم إذا تخلف عنه العمل فإنه يضر ولا ينفع، والله المستعان.
سؤال: هذا كلام مناسب لما نحن فيه، هل يكون .. ، أو هل كلام المؤلف: "ليكون من يحفظه بين أقرانه نابغاً" يدعو لعدم إخلاص النية فتكون نيته لأجل أن يكون نابغاً بين أقرانه؟
لا، لا يلزم منه ذلك، لا يلزم منه ذلك، بل فيه حفز للهمة، والنبوغ كما يكون من أجل تحصيل حطام الدنيا يكون أيضاً نافعاً لتحصيل درجات الآخرة، ما الذي يمنع أن يكون من يحفظه بين أقرانه نابغاً في العلم والعمل؟
فيحفظ الكتاب لهذا القصد، كما قرر المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ليكون من يحفظه بين أقرانه نابغاً" في العلم الذي يقود إلى العمل، وليس المراد بذلك العلم الذي هو حشر .. ، حشو المعلومات دون عمل، والله المستعان، فهذه الكلمة لا تنافي الإخلاص، لا تنافي الإخلاص، وقد يضطر المؤلف إلى بعض بيان عمله؛ لتشجيع القارئ، حينما يقول: "حررته تحريراً بالغاً": معناه أنه تعب عليه، وبين شيئاً من عمله.
стр. 20
ابن القيم -رحمه الله تعالى- أحياناً -بل في كثير من المواضع- يجعل .. ، يشد القارئ ويجعله يهتم بهذا المكتوب، وأن ابن القيم تعب عليه، وأنه لا يوجد عند غيره، قد يقول: "احرص على حفظ هذا الكلام وفهمه علك ألا تجده في موضع آخر أو في كتاب آخر البتة". هذا ما فيه شك أن فيه حث للقارئ من أجل أن يعتني بهذا الكلام، الله المستعان.
"وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ": وعرفنا أن العلم بدون عمل وبال على صاحبه، والله المستعان.
ويلاحظ بين من ينتسب إلى العلم، بين من ينتسب إلى العلم الإخلال بهذا -الإخلال بالعمل- ويوجد ممن ينتسب إلى العلم -بل ممن يظن أنهم من أهل العلم ومن طلبة العلم- منهم من لا يصلح أن يقتدي به عامة الناس، بل تجدهم في أطراف الصفوف، وأوائل الصفوف وأوساطها من العامة، وهذا شيء مؤسف، بل محزن أن تجد طالب العلم الشرعي في طرف الصف وقد جاءت النصوص بالحث على التقدم في الصلاة، وانتظار الصلاة، فلا بد من العمل، لا بد منه.
يقول: هل يلزم حفظ المقدمة من الكتاب؟
لا شك أن القصد الأحاديث، والهدف هو حفظ الأحاديث وفهمها، لكن هذه المقدمة أولاً هي مقدمة مختصرة وفيها اصطلاح المؤلف، بيان اصطلاحات المؤلف، ولا يضيق المرء بأن يحفظ صفحة واحدة أو أقل من صفحة إذا أراد أن يحفظ هذه الصفحات الكثيرة، أمرها سهل -إن شاء الله تعالى- أما اللزوم فليس بلازم؛ لأن القصد والهدف الأحاديث، لكن من الكمال والتمام أن تحفظ المقدمة معه.
سم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
كتاب الطهارة - باب المياه:
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) [أخرجه الأربعة, وابن أبي شيبة واللفظ له, وصححه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد].
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
كتاب الطهارة: الكتاب مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابة وكَتْباً، والأصل في هذه المادة الجمع، كما يقال: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا، وقيل لجماعة الخيل: كتيبة، ومنه كتابة لاجتماع الحروف والكلمات، يقول الحريري في مقاماته:
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفاً ... ولا قرؤوا ما خط في الكتب
стр. 21
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفاً: هم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون وسماهم كاتبين، من هم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يسمون كاتبين، كيف سماهم كاتبين؟ هم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، لكن لماذا سماهم كاتبين؟
طالب: مجتمعين.
مجتمعين، غيره؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
غيره؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا قريب منه، الخرازين هم الخرازون قال: وكاتبين هم الخرازون؛ لأنهم يجمعون لنا صفائح الجلود بالخرازة التي هي كتابة عندهم.
ومن ذلكم البيت الذي فيه هجو بني فزاره مما لا يليق ذكره في المسجد، فإذا رجعتم إلى كتب اللغة تجدون هذا كله.
والمراد المكتوب الجامع لسائر الطهارة، من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، المكتوب الجامع لمسائل الطهارة.
والطهارة أيضاً مصدر أو إن شئت فقل .. ، إن شئت فقل: اسم مصدر، طهر تطهيراً، إن قلت: طَهُر فهي مصدر –طهارة- وإن جئت بالفعل مضعف طهَّر مثل كلَّم، فالمصدر التطهير مثل التكليم، فتكون الطهارة اسم مصدر.
وهي في الأصل النظافة، والنزاهة من الأقذار، وفي الشرع استعمال المطهرين الماء والتراب، لرفع الحدث وإزالة الخبث.
ثم بعد هذا باب المياه: الباب في الأصل لما يدخل معه ويخرج منه، لما يدخل معه ويخرج منه، وهنا ما يجمع ويضم مسائل علمية، ما يجمع ويضم المسائل العلمية، واستعماله في الحسيات -في الأبواب الحسية حقيقة- واستعماله في المعاني كما هنا باب المياه حقيقة وإلا مجاز؟
هاه؟ من يقول بالمجاز ما عنده مشكلة يقول: مجاز، لكن الذي لا يقول بالمجاز أيش يقول؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟ الذي لا يقول بالمجاز ماذا يصنع بمثل هذا؟
يقول: حقيقة، وإن لم تكن الحقيقة لغوية فهي حقيقة عرفية، حقيقة عرفية، وهي اصطلاح خاص، فالحقائق كما تعرفون ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية.
والمياه: جمع ماء، وتكلموا في تعريفه وماهيته ومركباته وأجزائه، لكن تعريفه يزيده غموضاً كما قال قائلهم:
. . . . . . . . . ... وعرفوا الماء بعد الجهد بالماء
كيف تعرفة الماء؟
стр. 22
وهنا تنبيه ينبغي أن يعتنى به، وهي أن كتب السلف قاطبة لا تعتني بمثل هذا التعريف -تعريف الأمور الواضحة- وبناء الأبواب وترتيبها على هذا النسق الحد، ثم الحكم، ولا تتكلم عن حكم الشيء إلا بعد معرفة حده وتصوره، لا بد أن يتصور قبل، هذا عند المتأخرين، تعرفون أياً كان، مرسوم لك خطة تمشي عليها في جميع الأبواب، ويستوي في ذلك الباب الواضح، والباب الخفي هذه من الاصطلاحات الحادثة، نعم لا مشاحة في مثل هذا الاصطلاح إذا كان من باب تتميم القسمة ومشي على خطة وسير على منهج واحد، لا بأس، لكن لا يأخذ علينا الوقت، تعريف الماء، ومركبات الماء ما الذي يستفيده طالب العلم؟ طالب العلم بحاجة إلى أنواع المياه، وما يجوز شربه، وما لا يجوز، وما يجوز استعماله في الطهارة وما لا يجوز، هذا الذي يهم طالب العلم.
أما تعريف الماء في اللغة والاصطلاح والاستعمالات، ومركبات الماء، ومما يتركب منه، هذا لا شك أنه ليس من طريقتهم.
قد يقول قائل: لماذا جمع الماء، وهو اسم جنس يقع على القليل والكثير؟
لماذا لم يقال: باب الماء؟ وإذا قال: باب الماء دخل فيه ماء البحر، ودخل فيه ماء هذا الكوب، والفرق بينهما شاسع؟
إنما جمع -جمعه أهل العلم- لتعدد أنواعه، لتعدد أنواعه، فهناك الماء المالح، والماء الحلو، هناك الماء الطاهر والماء النجس، المقصود أنه لتعدد أنواعه جمعوه، وإلا فالأصل أنه اسم جنس يشمل القليل والكثير.
ثم ساق -رحمه الله تعالى- الحديث الأول حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: ((هو الطهور ماؤه, الحل ميتته)) [أخرجه الأربعة, وابن أبي شيبة واللفظ له, وصححه ابن خزيمة والترمذي].
يمدينا ندخل في الحديث وإلا .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه، كم؟
طالب:. . . . . . . . .
كم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، هم عندهم خمس يبدأ الدرس الثاني، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
خمس يبدأ الدرس الثاني، وعدنا بالاختصار لكن الكلام يجر بعضه بعضاً، وهذه فوائد كنت أظن أن طالب العلم بحاجتها، لكن الأحاديث -بإذن الله- كل يوم عشرة أحاديث على الأقل، لنمشي سيراً حثيثاً.
стр. 23
هم عندهم دقة في وقتهم يعني خمس، خمس يعني يبدأ الدرس وإلا؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه شوف أنها في الجدول خمس، إن كان الشيخ حضر وإلا .. ، على كل حال ما أريد أن أسترسل في الوقت وبداية الحديث الأول طيبة، نقف عليه؛ لأنه في كلام مترابط حول الحديث.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول الحافظ -رحمه الله تعالى- في كتابه المشروح بلوغ المرام من أدلة الأحكام في الحديث الأول، قرئ وإلا ما .. ؟ قرأت الحديث الأول؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول -رحمه الله تعالى-:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: ((هو الطهور ماؤه, الحل ميتته)) [أخرجه الأربعة]: وعرفنا المراد بالأربعة وأنهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه -أصحاب السنن- وابن أبي شيبة: صاحب المصنف الكبير واللفظ له: يعني والمعنى لغيره، وصححه ابن خزيمة والترمذي: في بعض النسخ يوجد زيادة في التخريج ورواه مالك والشافعي وأحمد: لكن هذه لا توجد في أكثر النسخ المعتمدة، وإن وجدت في بعضها.
وعلى كل حال الحديث أخرجه من سمعتم، وخلاصة القول فيه أنه حديث صحيح، خلاصة القول أنه حديث صحيح.
بل قال ابن العربي في شرح الترمذي بعد أن صححه قال: إن الإمام البخاري لم يخرج هذا الحديث؛ لأنه جاء من طريق واحد فليس على شرطه.
стр. 24
وابن العربي يزعم أن من شرط الإمام البخاري ألا يخرج حديثاً تفرد به راو واحد، بل لا بد من تعدد الرواة، هذا شرطه في صحيحه -على حد زعم ابن العربي- والكرماني الشارح -شارح البخاري- وإليه يؤمئ كلام الحاكم، أن الإمام البخاري لا يصحح الحديث -شرط لصحة الحديث- أن يروى من أكثر من وجه -من أكثر من طريق- وهذا القول كما هو معروف مردود، يرده الواقع -واقع الصحيح-؛ فأول حديث في الصحيح غريب تفرد به عمر ﵁ وتفرد بروايته عنه علقمة بن وقاص، وتفرد بالرواية عنه محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد بروايته عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه انتشر، وكذلك آخر حديث في الصحيح: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ... )) إلى آخره، تفرد بروايته أبو هريرة، وعنه أبو زرعة عمرو بن جرير البجلي، وعنه محمد بن فضيل، نعم؟
على كل حال مثله مثل الحديث الأول، التفرد وقع في أربع طبقات من إسناده، وغرائب الصحيح موجودة وفيها كثرة، منه حديث ابن عمر في النهي عن بيع الولاء والهبة، وهبته، كل هذه غرائب ترد هذه الدعوى، ولذا يقول الصنعاني في نظم النخبة بعد أن عرف العزيز أنه ما رواه اثنان قال:
وليس شرطاً للصحيح فاعلم ... وقد رمي من قال بالتوهم
ولا شك أن هذه غفلة ممن يشرح الصحيح ويزعم أن هذا شرط البخاري، وغرائب الصحيح ترد هذا القول، والغريب أنه يفهم أيضاً من كلام البيهقي.
على كل حال الحديث صحيح، ولا يلزم لصحة الخبر تعدد الطرق، وراويه أبو هريرة راوية الإسلام وحافظ الأمة، اشتهر بكنيته، والمعروف والمطَّرد أن من اشتهر بشيء نسي غيره، فمن اشتهر بالكنية نسي الاسم، ومن اشتهر بالاسم نسيت الكنية.
فأبو هريرة أختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولاً، لكن المرجح عند الأكثر أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر وتوفي سنة تسع وخمسين.
ومن اشتهر بالكنية -كما هنا- يضيع اسمه سواءً كان من المتقدمين أو من المتأخرين.
من منكم من يعرف اسم أبي تراب الظاهري؟ نعم، اشتهر بالكنية لكن الاسم.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، اسمه عبد الرحمن بن .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 25
شوف لولا أنه حديث عهد بالوفاة، كتب عنه في الصحف يمكن ما يعرف اسمه، وهذا شأن كل من اشتهر بشيء.
من يعرف كنية قتادة؟ لأنه اشتهر بقتادة ما اشتهر بكنيته؟ هاه نحن في مجتمع طلبة علم، من يعرف كنية قتادة؟
أشهر من نار على علم باسمه، كما أن أبا هريرة أشهر منه بكنيته، لكن جرت العادة أن الناس إذا تواطؤوا على شيء وتتابعوا عليه نسوا غيره.
كنية قتادة، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
أبو الخطاب؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، أقول: هذه العادة، هذه العادة جرت أن الناس إذا تواطؤوا على شيء نسوا غيره.
قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: يعني في شأنه، وفي حكم مائه من حيث الطهارة وعدمها.
والحديث له سبب، وهو أنهم كانوا يركبون البحر، ويحملون معهم القليل من الماء، فإن توضؤوا به عطشوا كما جاء في السؤال: "أنتوضأ من ماء البحر"، قال ﵊: ((هو الطهور ماؤه)): كلامه يبدأ من هنا، والسؤال -كما هو معروف- كان معاد في الجواب، ((هو الطهور ماؤه)): يعني البحر، والمراد بالبحر الماء المستبحر الكثير، وخص إطلاقه عرفاً على الماء المالح.
стр. 26
((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)): قد يقول قائل: إن الجواب المطابق للسؤال: أنتوضأ من ماء البحر؟ الجواب: نعم، الجواب: نعم، هذا هو المطابق، وأما قوله ﵊: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) فغير مطابق للسؤال، ويشترطون في الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، لكن هنا الجواب الشافي الكافي حصل، ولم يبق للسائل أدنى تردد، بل أجيب بما يحتاج إليه وزيادة، فلو قيل: نعم لاحتيج إلى أسئلة أخرى، ولكن جاء الجواب الكافي الشافي العام الشامل لمن يحمل الماء القليل، ولمن يحمل الماء الكثير، ولمن لا يحمل الماء أصلاً، فأجيب السائل بما طلب، بل بأزيد مما طلب: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)): لم يسأل عن ميتة البحر فأجيب عن ذلك لشدة حاجة السائل إليه؛ لأن هذا السائل لما تردد في طهارة الماء فهو لا شك أنه بالنسبة لميتة البحر أشد تردداً، وأشد إشكالاً بعد أن عرفوا تحريم الميتة، ولا شك أنهم يحتاجون إلى الطعام كحاجتهم إلى الماء، فجاء هذا الجواب الشامل منه ﵊، والمطابقة إنما تشترط حينما ينقص الجواب عن مراد السائل، ولا يلزم المطابقة بحيث لا يزيد الجواب عن مراد السائل وطلبه.
البحر: المراد هو الماء أي في الأصل، لكن المراد به هنا مكانه، مكانه؛ لأن الضمير يعود إليه، يعود إلى البحر، ولو قلنا: إن المراد به الماء المستبحر الكثير المالح لاضطرب الكلام، لصار المعنى ماء البحر هو الطهور ماؤه، ماء البحر وليس ذلك بمراد، إنما المراد المكان، والظرف الحاوي لهذا الماء هو الطهور ماؤه أي الماء الواقع فيه.
والطهور ما يتطهر به –طَهُور- والطُّهور المصدر فعل المتطهر، وهو بمعنى التطهر، المصدر بمعنى التطهر، والطَّهور هو ما يتطهر به كالوضوء، الماء الذي يتوضأ به.
стр. 27
((ماؤه)): فاعل، فاعل المصدر، ومثله ميتته فاعل الحل، والمراد بالحل ضد الحرام، ضد الحرام، الحل ضد المحظور، فميتة البحر حلال، كما أن ماءه طهور بمعنى أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، طاهر في نفسه ولو تغير طعمه؛ لأن الذي أوجد الإشكال عند السائل تغير طعم ماء البحر، كأنه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [(٤٨) سورة الفرقان]، رأى أن غير ماء السماء وما يشبهه في الطعم أنه مشكل، فسأل عنه.
فماء البحر طهور، وميتته حلال، والمراد بميتة البحر مما لا يعيش إلا به -في البحر- ما لا يعيش إلا في البحر.
وتفصيل ميتة البحر يأتي في كتاب الأطعمة، لكن ما يمنع أننا نشير إشارة إلى أن أهل العلم اختلفوا في المراد بميتة البحر، فمنهم من قال مثل ما تقدم: ما لا يعيش إلا في البحر سواءً كان جنسه ممنوعاً في البر أو ليس بممنوع، ككلب البحر وخنزيره.
كلب البحر، خنزير البحر حلال وإلا حرام، إنسان البحر؟ إنسان البر لا يجوز أكله، كلب البر لا يجوز أكله، خنزير البر لا يجوز أكله، البري لا يجوز أكله، فهل خنزير البحر يجوز أكله أو لا يجوز؟
مقتضى هذا الحديث: ((الحل ميتته)) أنه يجوز، ومقتضى النصوص القطعية من الكتاب والسنة أن الخنزير لا يجوز أكله، فهل نقول: إن ما جاء في الآيات والأحاديث من تحريم أكل لحم الخنزير عام مخصوص بهذا الحديث؟ أو نقول: هذا الحديث عام مخصوص بالآيات والأحاديث الدالة على تحريم أكل لحم الخنزير؟
والمسألة تحتاج إلى مزيد من البسط فترجأ إلى محلها، لكن الذي يهمنا هنا قوله ﵊: ((هو الطهور ماؤه، هو الطهور ماؤه)): فماء البحر طهور، يجوز رفع الحدث به، واستقر الإجماع على ذلك، وإن عرف عن بعض السلف المنع من التطهر به، وأنه لا يرفع الحديث، لكن الإجماع استقر.
стр. 28
بلوغ المرام - كتاب الطهارة (٢)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
لكن الذي يهمنا هنا قوله ﵊: ((هو الطهور ماؤه))، ((هو الطهور ماؤه)): فما البحر طهور، يجوز رفع الحدث به، واستقر الإجماع على ذلك، وإن عرف عن بعض السلف المنع من التطهر به، وأنه لا يرفع الحدث، لكن الإجماع استقر على طهارة ماء البحر وأنه رافع للحدث.
ولسنا بحاجة إلى أن نترجم إلى الأربعة وابن أبي شيبة، وصححه ابن خزيمة والترمذي إلى آخره، لسنا بحاجة إلى مزيد البسط في تراجم هؤلاء الأئمة؛ فهي موجودة مدونة في كتب الإسلام.
صححه .. ، والحديث صحيح كما عرفنا، والصحيح حقيقته عند أهل العلم: ما رواه عدل تام الضبط، بسند متصل غير معلل ولا شاذ، يعني ما رواه الثقة بسند متصل، يعني عن مثله إلى النهاية من غير شذوذ ولا علة قادحة
فالأول المتصل الإسناد ... بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ ... وعلة قادحة فتوذي
فإذا توفرت هذه الشروط: عدالة الرواة وتمام ضبطهم، واتصل الإسناد، وخلى المتن من الشذوذ والعلة القادحة، خلى المتن من مخالفة من هو أحفظ وأضبط، وخلى أيضاً مما يقدح فيه من علل خفية، فإنه حينئذ يحكم له بالصحة، نعم.
الحديث الثاني:
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) [أخرجه الثلاثة وصححه أحمد].
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ أنه قال: قال رسول ﷺ : ((إن الماء لا ينجسه شيء, إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)) [أخرجه ابن ماجه وضعفه أبو حاتم]، وللبيهقي: ((الماء طاهر إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه)).
نعم حديث أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري الخدري المعروف بحديث بئر بضاعة، وهي بئر بالمدينة كانت في منهبط من الأرض، يقول الراوي: تلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب.
стр. 29
سئل عنها النبي ﵊: "أنتوضأ"، وفي رواية: "أتتوضأ من بئر بضاعة؟ "، فقال ﵊: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)): وحديث بئر بضاعة أخرجه الثلاثة: والمراد بهم أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه أحمد: وأما الترمذي فاقتصر على تحسينه، وصححه أيضاً النووي في المجموع، والبغوي في شرح السنة، والألباني وغيره، فالحديث -حديث بئر بضاعة- صحيح، هكذا قال الإمام أحمد فيما نقله عنه المنذري وغيره.
فالحديث صحيح، لكن قد يقول قائل: كيف يحصل أن تلقى هذه الأمور في هذا المورد الذي يحتاجه الناس، وقد نهى النبي ﵊ عن البراز في الموارد، بل لعن فاعل ذلك، أو نقول: بما يشبه قول الظاهرية: إن المحظور البول المباشر، والبراز المباشر، أما إلقاء النجاسات فلا بأس به، كما نقل عن الظاهرية في حديث تحريم البول في الماء الراكد، أن البول في الماء الراكد مباشرة حرام، لكن لو بال إنسان في إناء ثم صبه مقتضى مذهبهم وما ينقل عنهم أنه لا بأس به.
على كل حال البول في الموارد -موارد المياه وجميع ما يحتاجه الناس- محرم، بل من الكبائر.
стр. 30
وهنا هذه البئر في منحدر من الأرض فتلقي الرياح والسيول هذه القاذورات في هذه البئر، ولا يظن بالصحابة الذين هم أفضل الأمة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء أن يظن بهم هذا الظن السيئ، بل قال الخطابي وغيره: إنه لا يظن بذمي ولا بمشرك أن يفعل مثل هذا، فضلاً عن أفضل الناس، وأورع الناس، وأتقى الناس لله، وأخشاهم له، فهذه البئر كانت في منخفض من الأرض، يلقي الناس زبلهم قريباً منها، ثم تأتي هذه الرياح والسيول والأمطار فتجترف هذه القاذورات فتقع في هذه البئر، لما سئل عن هذا الماء الذي تقع فيه هذه النجاسات أجاب ﵊ بالجواب العام الذي يشمل هذه البئر وغيرها: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) ((إن الماء طهور)): جنس الماء طهور لا ينجسه شيء، الاستثناء الوارد في حديث أبي أمامة: ((إلا ما غلب على ريحه أو لونه وطعمه))، ((إلا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه))، هذا الاستثناء ضعيف باتفاق الحفاظ، لكن حكمه متفق عليه -مجمع عليه- فقوله ﵊: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) مخصوص بالتغير -تغير اللون والطعم والرائحة- فإذا تغير لون الماء أو طعمه أو رائحته بسبب نجاسة ألقيت فيه، لا بسبب طول مكثه، كالآجن، الآجن المتغير بالمكث، يجوز التطهر به، ولم يعرف الخلاف فيه إلا عن ابن سيرين فقد كرهه.
أما المتغير بلون النجاسة أو طعمها أو ريحها من جراء إلقاء هذه النجاسة أو وقوعها فيه من غير قصد فإنه لا يرفع الحدث ولا يزول النجس، بل هو نجس اتفاقاً.
فالحجة على تنجيسه -كما يقول أهل العلم- الإجماع، وليس الاستثناء الوارد في حديث أبي أمامة المخرج عند ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.
حديث أبي أمامة ضعفه أبو حاتم بسبب تفرد رشدين بن سعد بروايته وهو ضعيف، قال أبو حاتم: رشدين بن سعد ليس بالقوي والصحيح أنه مرسل، في رواية البيهقي بقية بن الوليد وهو شديد التدليس وقد عنعن.
على كل حال الاستثناء ضعيف باتفاق الحفاظ، وأما أصل الحديث حديث بئر بضاعة فهو صحيح.
стр. 31
((الماء طهور لا ينجسه شيء)): يستدل به مالك ومن يقول بقوله أن الأصل في الماء أنه طاهر إلا إن تغير، ويستوي في ذلك القليل والكثير، يستوي في ذلك القليل والكثير، وأن التفريق بين القليل والكثير -على ما سيأتي في حديث ابن عمر حديث القلتين- لا ينهض لمعارضة هذا الحديث، حتى عند من صححه، فالماء الأصل فيه الطهارة إلا إن تغير وهو قول مالك، ويرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من المحققين بخلاف قول أبي حنيفة والشافعي، وأحمد، وأنهم يفرقون بين القليل والكثير، وكل على مذهبه في التفريق، فمن اعتمد حديث القلتين قال: الفرق بلوغ القلتين، فالذي يبلغ القلتين لا يحمل الخبث، فلا ينجس إلا بالتغير، والذي لا يبلغ القلتين بل ينقص عنهما فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير، وهذا المعروف عند الشافعية والحنابلة، وأما عند الحنفية فالإمام أبو حنيفة يرى أن القليل هو الذي إذا حرك طرفه تحرك طرفه الآخر، وصاحباه يرون أن القليل ما لم يبلغ العشرة -عشرة أذرع في عشرة- وهذا تفصيله موجود في كتب الشروح وكتب الفقه.
стр. 32
الغزالي في الإحياء تمنى أن لو كان مذهب الإمام الشافعي مثل مذهب مالك، وأن الماء لا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير؛ وهذا سببه التقليد، وإلا فما الذي يمنع الغزالي أن يرجح مذهب مالك ويسلم، لا شك أنه لزم على أقوال الأئمة بسبب التفريق بين القليل والكثير، نشأ حرج كبير وفروع في كتب الفقه، هي عن يسر الشريعة وسماحتها بمعزل، ولا شك أن الأئمة عمدتهم في ذلك النصوص، وهم بأفهامهم وما يؤديه إليه اجتهادهم مطالبون، ولا يلزمون باجتهاد غيرهم، لكن إذا ترتب على القول بالتفريق بين الكثير والقليل كما قال النووي في المجموع: أنه لو وجد ماء قدره قلتان في إناء كبير يسع خمس قرب، خمسمائة رطل، لا تنقص ولا رطل واحد، لو أخذ منه بذنوب أو دلو أو بإناء بحيث ينقص عن القلتين، نفترض أن هذا الماء في إناء كبير في خمس قرب، ثم وقعت فيه نجاسة، ولم تغير لا لونه ولا طعمه ولا ريحه، هذا على مقتضى مذهبهم طاهر وإلا نجس؟ طاهر، طاهر؛ لأنه بلغ القلتين، لكن لو أخذت من هذا الماء بذنوب بعد أن وقعت فيه النجاسة وحكمت بطهارته فالذي في داخل الدلو طاهر، والذي يسقط من خارجه نجس.
لهم على قولهم تفريع، تفاريع ومسائل يصعب حصرها ويعسر فهمها ويشق تطبيقها، ولذا تمنى الغزالي أن لو كان مذهب الإمام الشافعي مثل مذهب مالك، والذي جره إلى هذا التمني هو كونه مقلداً، وإلا لو نظر في الأدلة ورجح ما أداه إليه اجتهاده انتهى الإشكال.
الغزالي ما تمنى أن يكون الراجح -القول الراجح- من حيث الدليل قول مالك، تمنى أن الشافعي رجح القول الثاني؛ لأنه مقلد.
стр. 33
على كل حال هذه الأقوال باختصار، وقول مالك رجحه كثير من أهل التحقيق، وأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وأن عمدته في ذلك الإجماع الذي لا بد أن يعتمد على دليل ولو لم يبلغنا، وأن الزيادة الواردة في حديث أبي أمامة ضعيفة باتفاق الحفاظ، لكن قد يقول قائل: لماذا لا نستدل على ثبوت هذا الاستثناء وهذه الزيادة بالإجماع؟ كما قال بعضهم: إن عمل العالم على مقتضى حديث تصحيح لهذا الحديث، أو فتواه بمقتضى حديث تصحيح له، نقول: لا يلزم، لا يلزم إذا أفتى العالم بمضمون حديث أن يكون هذا الحديث صحيح عنده، قد يكون الحكم ثبت عنده بهذا الحديث وبغيره لا بمفرده، لا بمفرده، وأنتم تعرفون مسألة التصحيح والتحسين بالطرق.
ضعفه أبو حاتم: حقيقة الضعيف وتعريفه أنه ما اختل فيه شرط من شروط القبول -شروط القبول الستة المعروفة-: ضعف الرواة، انقطاع الأسانيد، الضعف ويكون باختلال الضبط، أو باختلال العدالة، انقطاع الأسانيد، اشتمال المتن على علة قادحة، أو على شذوذ ومخالفة، وعدم الجابر عند الحاجة إليه -عدم الجابر- فهذه حقيقة الضعيف، ولا نحتاج أن نقول: ما لم يبلغ درجة الصحيح والحسن، كما قال ابن الصلاح؛ لأنه إذا لم يبلغ درجة الحسن فإنه عن درجة الصحيح أقصر، والمسألة معروفة في تعريفه الكلام الطويل، والردود على ابن الصلاح والمناقشات، لكن ليس هذا محل بسطها، لكن الحديث الذي تخلف فيه شرط من شروط القبول ضعيف عند أهل العلم.
حديث ابن عمر.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -صلى عليه وسلم-: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) وفي لفظ: ((لم ينجس)) [أخرجه الأربعة, وصححه ابن خزيمة، والحاكم وابن حبان].
стр. 34
نعم حديث ابن عمر المعروف بحديث القلتين اختلف فيه أهل العلم اختلافاً كبيراً، وجاءت الأقوال فيه متباينة، فمن مصحح ومحسن ومضعف، من صححه أشكل عليه العمل به، بعض من صححه أشكل عليه العمل به، كشيخ الإسلام ﵀، ومن ضعفه -وهم جمع غفير من أهل العلم- ضعفوه بالاضطراب -بالاضطراب في سنده ومتنه- لكن أمكن الترجيح بين ألفاظه، وإذا أمكن الترجيح كما هو معلوم انتفى الاضطراب؛ لأن المضطرب هو: الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، فالحديث الذي يروى على وجه واحد ليس بمضطرب، الحديث الذي يروى على أوجه -أكثر من وجه- وتكون هذه الأوجه متفقة لا مختلفة لا اضطراب به، الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة، لكنها غير متساوية يمكن ترجيح بعضها على بعض لا اضطراب فيها، فإذا أمكن ترجيح بعض الأوجه وبعض الألفاظ على بعضها ينتفي الاضطراب، وإلا فمتن الحديث جاء بلفظ القلتين، وجاء بلفظ القلة الواحدة، وجاء بقلتين أو ثلاث، وجاء في لفظ أربعين قلة، لكن الراجح من هذه الألفاظ القلتين، لفظ القلتين هو الراجح فانتفى اضطرابه، ولذا صححه جمع غفير من أهل العلم، ومن يقول بالتفريق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، وعرفنا أنه عمدة الشافعية والحنابلة في جعل القلتين الحد الفاصل.
شيخ الإسلام يصحح الحديث، ولا يفرق بين القليل والكثير على ما مضى، سبقت الإشارة إلى قوله ﵀ وأن قوله قول مالك، كيف يصنع بحديث القلتين بعد أن صححه؟!
стр. 35
يعمل بمنطوق الحديث ولا يعمل بمفهومه بل يلغي مفهومه لمعارضة هذا المفهوم منطوق حديث أبي سعيد؛ لأنه إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق، منطوق حديث أبي سعيد: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) معارض بمفهوم حديث ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) فهذا المفهوم معارض بمنطوق حديث أبي سعيد، وشيخ الإسلام يميل إلى أن المفهوم ملغى، وحينئذ لا تعارض، ولا شك أن المفهوم معتبر، كما هو الأصل، لكن شريطة ألا يعارض هذا المفهوم بمنطوق، فالمفاهيم معتبرة، سواءً كانت مفاهيم أعداد أو غيرها، ففي مثل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [(٨٠) سورة التوبة]، مفهومه أنه لو استغفر لهم واحد وسبعين أو خمسة وسبعين أو مائة أو ألف أنه يغفر لهم، لكن العدد لا مفهوم له، لماذا؟ لأنه معارض بمثل قوله تعالى عن المنافقين أنهم ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [(١٤٥) سورة النساء]، هذا حكم جازم قاطع؛ لأنهم لا يغفر لهم، وأن كفرهم كفراً أكبر مخرج عن الملة، كما ذكره أهل العلم في أنواع الكفر الأربعة المخرجة عن الملة.
فألغي المفهوم لمعارضة للمنطوق، وإلا فالأصل أن الكلام معتبر منطوقه ومفهومه.
الذي يضعف الحديث ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، لكن الإشكال فيمن يصحح الحديث كشيخ الإسلام ولا يقول بالتفريق، فالذي يصححه ويقول بالفرق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، والذي يضعفه أيضاً ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، المشكل في مثل قول شيخ الإسلام وقد خرج -رحمة الله عليه- من هذا الإشكال بإلغاء المفهوم نعم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) [أخرجه مسلم]، وللبخاري: ((لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه))، ولمسلم: ((منه))، ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)).
стр. 36
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) [أخرجه مسلم]، وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه))، ولمسلم: ((يغتسل منه))، ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)).
((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم)): أي الراكد الساكن، وإن كان لفظ الدائم من الأضداد، لأنه يطلق الدائم على الساكن، ويطلق على المتحرك الدائر، جاء في كتب الأضداد: في رأسه دوام أي: دوران وحركة، اضطراب.
((وهو جنب)): هذه الجملة حالية، حال كونه جنب.
((لا يغتسل أحدكم)): ففي الحديث النهي والأصل في النهي التحريم، ((في الماء الدائم)) حال كونه جنباً.
ويستدل به من يرى أن الماء يتأثر إذا رفع به الحدث، وهو مقتضى قول من يفرق ويقسم المياه إلى ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، طهور، وطاهر، ونجس، يقول: هذا الماء الذي رفع به الحدث انتقل من كونه طهوراً مطهراً إلى كونه طاهراً فقط، ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث.
وعند الحنفية في قول لهم أنه ينجس، فالماء الذي يغتسل فيه الجنب نجس، والصحيح أنه طاهر مطهر، وأن استعماله لا يؤثر فيه، والنهي عن الاغتسال فيه؛ لئلا يقذره على غيره، لئلا يصرف الناس عن استعماله، لاغتساله فيه؛ لأن الناس إذا رأوا شخصاً انغمس في هذا الماء تركوه، وعلى هذا يفسده عليهم.
وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه)): ثم يغتسلُ، أو ثم يغتسلْ، أو ثم يغتسلَ، فقد ضبط بالرفع، والنصب، والجزم، أما الجزم فعطفاً على لا يبولن؛ لأن (لا) ناهية، يبولن: فعل مضارع مجزوم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ثم يغتسلُ فعل مضارع هو وفاعله خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ثم هو يغتسلُ، وأما النصب فعلى إضمار (أن) إلحاقاً لثم بالواو، إلحاقاً لثم بالواو، ومعروف أن (أن) تضمر بعد الواو وينصب بها الفعل.
((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري)): تحدد المراد من الدائم، وأن المراد به الساكن.
стр. 37
((ثم يغتسل فيه)): ففي الحديث الأول -الرواية الأولى- فيها النهي عن الاغتسال بمفرده، في الرواية الثانية النهي عن البول بمفرده، أو مضموماً إليه الاغتسال.
والنهي عن البول في الماء الدائم جاءت في أحاديث أخرى، على أي أوجه الضبط السابقة يحصل النهي عن البول وحده والاغتسال وحده نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الجزم، ((ثم يغتسلْ))، ((لا يبولن .. )) ((ثم يغتسلْ))؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن الحديث يدلنا على النهي عن البول بمفرده، والاغتسال بمفرده؟ أو هما معاً من باب أولى؟ أو لا يدل إلا على الجمع؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، والثانية فيها الاغتسال وفيها البول، وعرفنا أن يغتسل ضبط على أوجه ثلاثة هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
أما على رواية النصب فإنها لا تدل إلا على الجمع بينهما؛ لأن (ثم) نزلت منزلة الواو، والواو للجمع.
على رواية الضم ((ثم يغتسلُ .. )): يعني ثم هو يغتسلُ، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
بعض الشراح يرى أنها تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده كما أنه تقدم النهي عن البول بمفرده، وإن كان الذي حققه الشارح أنها بجميع الأوجه التي ذكرت إنما تدل على الجمع بينهما، تدل على الجمع بينهما، وأما النهي عن البول وحده دلت عليه الأحاديث، والنهي عن الاغتسال وحده فدل عليه اللفظ الأول.
((ثم يغتسلُ فيه)): يعني ينغمس فيه.
ولمسلم: ((منه)): يغتسل منه،، ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): عندك ماء راكد ساكن، وأنت جنب ماذا تصنع؟ لأن الحديث بجميع ألفاظه يضيق الاستفادة من هذا الماء حتى قال من قرب من أهل الظاهر: إنك تتحايل على هذا الماء، فتلقي فيه حجراً أو خشبه فتجعله يتحرك ثم تنغمس فيه، هذا قريب جداً من مذهب الظاهرية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نغرف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 38
نغرف؟ ولمسلم: ((منه))؟! ولمسلم: ((منه)): فيغتسل فيه، يعني لا ينغمس فيه، لمسلم: ((منه)): أبو هريرة سئل كيف يصنع الجنب؟ قال: "يتناول تناولاً": يعني يأخذ منه بإناء، ويغترف منه بإناء فيغتسل، فدل على أن كلمة (منه) من تصرف بعض الرواة، وأن المنهي عنه الاغتماس فيه، وأما الاغتراف منه والتناول منه لا شيء فيه، هذا هو الحل ولا إشكال فيه.
ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): الرواية الأولى وهو جنب .. ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا عندهم، ما يصير، لو صار متحركاً ولو بإلقاء خشبة أو حصاة، انتهى عندهم، ارتفع الوصف، وهو كونه دائماً، ساكناً، راكداً، نعم.
في الرواية الأولى: ((وهو جنب)): في الرواية الأخيرة: ((فيه من الجنابة)): يستدل به من يرى أنه يوجد فرق بين أن ينغمس الإنسان وهو جنب، وبين أن ينغمس للتنظف والتبرد، فإذا انغمس وهو جنب أثر في الماء، فإذا انغمس للتبرد فإنه لا يؤثر فيه، من مقتضى قوله: ((وهو جنب)): والحال أنه جنب، ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): مفهومه أنه يغتسل فيه إذا لم يكن عليه جنابة، وهذا ظاهر، لكن هل وجه التفريق بين الجنب وغيره أن الجنب يرفع به الحدث؟ وإذا قلنا: هذا هو السبب، فهل يرتفع الحدث أو لا يرتفع إذا انغمس؟
الشافعية والحنابلة متفقون على أن الماء إذا كان أقل من قلتين وانغمس فيه الجنب أنه يصير طاهراً غير مطهر، لكنهم يختلفون هل يرتفع حدث هذا الذي انغمس أو لا يرتفع؟
عند الشافعية يرتفع، وأنه ما صار مستعملاً حتى ارتفع به الحدث، والحنابلة يقولون: لا يرتفع حدثه، لماذا؟ لأنه صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من البدن، أول جزء من البدن، نفترض أن الإنسان غمس رأسه أو رجليه قبل رأسه، صار الماء مستعملاً بمجرد غمس هذا العضو، وحينئذ لا يرتفع الحدث عن بقية الأعضاء، فعند الحنابلة لا رفع حدثاً ولن يرفع حدثاً؛ صار مستعملاً بمجرد ملاقاة أول جزء من البدن، ومذهب الشافعية لا شك أنه أقعد عند من يقول بأنه ينتقل، يعني عند من يفرق بين الطاهر والطهور.
هذا يسأل وهو سؤال له وجه: يقول: كيف يقول الأحناف: إن الماء ينجس والجنابة أصلاً طاهرة عندهم وعند غيرهم من حديث عائشة؟
стр. 39
الأحناف حينما يقولون: إن الاغتسال -اغتسال الجنب- في الماء ينجسه؛ لأن الاغتسال قرن بالبول، والبول منجس إذن الاغتسال منجس، ولا شك أن هذا استدلال بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران كما هو معروف عند أهل العلم ضعيفة، فهم يقولون: ما دام البول ينجس إذن الاغتسال ينجس.
هنا مسألة -لعلكم تراجعونها في قواعد ابن رجب- وهي الماء الجاري هل هو مثل الماء الراكد أو كل جرية لها حكم الماء المنفصل؟
لا نطيل بشرحها وتقريرها فارجعوا إليها بصورها عنده، الأسئلة كثرة الآن ما عاد وقت للأسئلة، كثرت كثرة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أقول: لعل الأسئلة تكون قبل حضور بعض الأخوة في بداية الدرس القادم، قبل حضور بعض الإخوان.
الحديث الذي يليه؛ نريد أن نسدد ونقارب؛ لأنه في طلبات من بعض الأخوة -بل منهم من تتعين إجابته- أن يقتصر على القول الراجح دون ذكر خلاف واستطراد، إي نعم.
على كل حال عرفنا أن أهم المسائل هنا مسألة تقسيم الماء إلى أقسام ثلاثة: طهور وطاهر ونجس عند الجمهور، وعند مالك هما اثنان، هما قسمان فقط: طاهر ونجس، وزاد بعضهم كابن رزين أو .. ، نعم كابن رزين من الحنابلة: المشكوك فيه، على كل حال التقسيم هذا مثلما أسلفنا يوقع في إشكالات وتفريعات، وقد ألمحنا إلى شيء من هذا الإشكال، مع التمثيل له.
وشيخ الإسلام ﵀ يرجح أن الماء إما أن يكون طاهراً يشرب ويرفع به الحدث، أو نجس ولا ثالث لهما كقول مالك.
عرفنا أيضاً أن هناك من يفرق بين القليل والكثير، فالقليل تؤثر فيه النجاسة، وهو قول الأكثر أيضاً، والكثير لا تؤثر فيه إلا إذا تغير، هذه أشهر ما مر عندنا نعم.
وعن رجل صحب النبي ﷺ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعا" [أخرجه أبو داود والنسائي, وإسناده صحيح].
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂[أخرجه مسلم].
ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنه، فجاء يغتسل منها فقالت: إني كنت جنباً، فقال: ((إن الماء لا يجنب)) [وصححه الترمذي وابن خزيمة].
стр. 40
نعم.
عن رجل صحب النبي –﵊ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعا" [خرجه أبو داود والنسائي, وإسناده صحيح].
خلاصة القول أنه صحيح، وإن كان مقتضى كلام البيهقي أنه مرسل؛ لعدم تسمية الصحابي، لكن المعتمد عند أهل العلم قاطبة أن جهالة الصحابي لا تضر، فالخبر متصل وليس بمرسل، خلافاً لما ذكره البيهقي، فالحديث صحيح.
"نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة: نهى رسول الله ﷺ فإذا قال الصحابي: "نهانا رسول الله ﷺ أو أمرنا رسول الله، أو قال" أُمرنا، أو نُهينا، أو قال النبي ﵊: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))، ((نهيت عن قتل المصلين)) بالنسبة لقوله ﵊: ((أُمرت)) أو ((نُهيت))، الآمر والناهي هو الله هو الله .
في قول الصحابي: "أمرنا" أو "نهينا"، الآمر والناهي هو من له الأمر والنهي وهو النبي ﵊، فهو مرفوع خلافاً لمن زعم أنه موقوف كأبي بكر الإسماعيلي، وأبي الحسن الكرخي، وجمع من أهل العلم قالوا: إنه لا يحكم له بالرفع حتى يصرح الصحابي بالآمر والناهي لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير النبي ﵊، كقول أم عطية: "أمرنا بإخراج العواتق والحيض"، وقولها: "نهينا عن اتباع الجنائز".
إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي -كما هنا- لا إشكال في كونه مرفوعاً، بل هو مرفوع صراحة اتفاقاً، لكن إذا قال الصحابي: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة، هل هو في القوة بمثابة قوله ﵊: ((لا تغتسل المرأة بفضل الرجل)) أو أقل؟ نهى رسول الله ﷺ أيهما أقوى؟
طالب: الثاني.
نعم؟
طالب: الثاني.
لكن هل نفهم أن الرسول ﵊ نهى، وإلا ما نفهم، إذا قال الصحابي نهى أو أمر رسول الله ﷺ ؟
следующие страницы →