Полный текст (2 954 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) [أخرجه مسلم]، وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه))، ولمسلم: ((يغتسل منه))، ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)).
((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم)): أي الراكد الساكن، وإن كان لفظ الدائم من الأضداد، لأنه يطلق الدائم على الساكن، ويطلق على المتحرك الدائر، جاء في كتب الأضداد: في رأسه دوام أي: دوران وحركة، اضطراب.
((وهو جنب)): هذه الجملة حالية، حال كونه جنب.
((لا يغتسل أحدكم)): ففي الحديث النهي والأصل في النهي التحريم، ((في الماء الدائم)) حال كونه جنباً.
ويستدل به من يرى أن الماء يتأثر إذا رفع به الحدث، وهو مقتضى قول من يفرق ويقسم المياه إلى ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، طهور، وطاهر، ونجس، يقول: هذا الماء الذي رفع به الحدث انتقل من كونه طهوراً مطهراً إلى كونه طاهراً فقط، ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث.
وعند الحنفية في قول لهم أنه ينجس، فالماء الذي يغتسل فيه الجنب نجس، والصحيح أنه طاهر مطهر، وأن استعماله لا يؤثر فيه، والنهي عن الاغتسال فيه؛ لئلا يقذره على غيره، لئلا يصرف الناس عن استعماله، لاغتساله فيه؛ لأن الناس إذا رأوا شخصاً انغمس في هذا الماء تركوه، وعلى هذا يفسده عليهم.
وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه)): ثم يغتسلُ، أو ثم يغتسلْ، أو ثم يغتسلَ، فقد ضبط بالرفع، والنصب، والجزم، أما الجزم فعطفاً على لا يبولن؛ لأن (لا) ناهية، يبولن: فعل مضارع مجزوم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ثم يغتسلُ فعل مضارع هو وفاعله خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ثم هو يغتسلُ، وأما النصب فعلى إضمار (أن) إلحاقاً لثم بالواو، إلحاقاً لثم بالواو، ومعروف أن (أن) تضمر بعد الواو وينصب بها الفعل.
((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري)): تحدد المراد من الدائم، وأن المراد به الساكن.
стр. 37
((ثم يغتسل فيه)): ففي الحديث الأول -الرواية الأولى- فيها النهي عن الاغتسال بمفرده، في الرواية الثانية النهي عن البول بمفرده، أو مضموماً إليه الاغتسال.
والنهي عن البول في الماء الدائم جاءت في أحاديث أخرى، على أي أوجه الضبط السابقة يحصل النهي عن البول وحده والاغتسال وحده نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الجزم، ((ثم يغتسلْ))، ((لا يبولن .. )) ((ثم يغتسلْ))؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن الحديث يدلنا على النهي عن البول بمفرده، والاغتسال بمفرده؟ أو هما معاً من باب أولى؟ أو لا يدل إلا على الجمع؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، والثانية فيها الاغتسال وفيها البول، وعرفنا أن يغتسل ضبط على أوجه ثلاثة هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
أما على رواية النصب فإنها لا تدل إلا على الجمع بينهما؛ لأن (ثم) نزلت منزلة الواو، والواو للجمع.
على رواية الضم ((ثم يغتسلُ .. )): يعني ثم هو يغتسلُ، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
بعض الشراح يرى أنها تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده كما أنه تقدم النهي عن البول بمفرده، وإن كان الذي حققه الشارح أنها بجميع الأوجه التي ذكرت إنما تدل على الجمع بينهما، تدل على الجمع بينهما، وأما النهي عن البول وحده دلت عليه الأحاديث، والنهي عن الاغتسال وحده فدل عليه اللفظ الأول.
((ثم يغتسلُ فيه)): يعني ينغمس فيه.
ولمسلم: ((منه)): يغتسل منه،، ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): عندك ماء راكد ساكن، وأنت جنب ماذا تصنع؟ لأن الحديث بجميع ألفاظه يضيق الاستفادة من هذا الماء حتى قال من قرب من أهل الظاهر: إنك تتحايل على هذا الماء، فتلقي فيه حجراً أو خشبه فتجعله يتحرك ثم تنغمس فيه، هذا قريب جداً من مذهب الظاهرية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نغرف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 38
نغرف؟ ولمسلم: ((منه))؟! ولمسلم: ((منه)): فيغتسل فيه، يعني لا ينغمس فيه، لمسلم: ((منه)): أبو هريرة سئل كيف يصنع الجنب؟ قال: "يتناول تناولاً": يعني يأخذ منه بإناء، ويغترف منه بإناء فيغتسل، فدل على أن كلمة (منه) من تصرف بعض الرواة، وأن المنهي عنه الاغتماس فيه، وأما الاغتراف منه والتناول منه لا شيء فيه، هذا هو الحل ولا إشكال فيه.
ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): الرواية الأولى وهو جنب .. ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا عندهم، ما يصير، لو صار متحركاً ولو بإلقاء خشبة أو حصاة، انتهى عندهم، ارتفع الوصف، وهو كونه دائماً، ساكناً، راكداً، نعم.
في الرواية الأولى: ((وهو جنب)): في الرواية الأخيرة: ((فيه من الجنابة)): يستدل به من يرى أنه يوجد فرق بين أن ينغمس الإنسان وهو جنب، وبين أن ينغمس للتنظف والتبرد، فإذا انغمس وهو جنب أثر في الماء، فإذا انغمس للتبرد فإنه لا يؤثر فيه، من مقتضى قوله: ((وهو جنب)): والحال أنه جنب، ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): مفهومه أنه يغتسل فيه إذا لم يكن عليه جنابة، وهذا ظاهر، لكن هل وجه التفريق بين الجنب وغيره أن الجنب يرفع به الحدث؟ وإذا قلنا: هذا هو السبب، فهل يرتفع الحدث أو لا يرتفع إذا انغمس؟
الشافعية والحنابلة متفقون على أن الماء إذا كان أقل من قلتين وانغمس فيه الجنب أنه يصير طاهراً غير مطهر، لكنهم يختلفون هل يرتفع حدث هذا الذي انغمس أو لا يرتفع؟
عند الشافعية يرتفع، وأنه ما صار مستعملاً حتى ارتفع به الحدث، والحنابلة يقولون: لا يرتفع حدثه، لماذا؟ لأنه صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من البدن، أول جزء من البدن، نفترض أن الإنسان غمس رأسه أو رجليه قبل رأسه، صار الماء مستعملاً بمجرد غمس هذا العضو، وحينئذ لا يرتفع الحدث عن بقية الأعضاء، فعند الحنابلة لا رفع حدثاً ولن يرفع حدثاً؛ صار مستعملاً بمجرد ملاقاة أول جزء من البدن، ومذهب الشافعية لا شك أنه أقعد عند من يقول بأنه ينتقل، يعني عند من يفرق بين الطاهر والطهور.
هذا يسأل وهو سؤال له وجه: يقول: كيف يقول الأحناف: إن الماء ينجس والجنابة أصلاً طاهرة عندهم وعند غيرهم من حديث عائشة؟
стр. 39
الأحناف حينما يقولون: إن الاغتسال -اغتسال الجنب- في الماء ينجسه؛ لأن الاغتسال قرن بالبول، والبول منجس إذن الاغتسال منجس، ولا شك أن هذا استدلال بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران كما هو معروف عند أهل العلم ضعيفة، فهم يقولون: ما دام البول ينجس إذن الاغتسال ينجس.
هنا مسألة -لعلكم تراجعونها في قواعد ابن رجب- وهي الماء الجاري هل هو مثل الماء الراكد أو كل جرية لها حكم الماء المنفصل؟
لا نطيل بشرحها وتقريرها فارجعوا إليها بصورها عنده، الأسئلة كثرة الآن ما عاد وقت للأسئلة، كثرت كثرة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أقول: لعل الأسئلة تكون قبل حضور بعض الأخوة في بداية الدرس القادم، قبل حضور بعض الإخوان.
الحديث الذي يليه؛ نريد أن نسدد ونقارب؛ لأنه في طلبات من بعض الأخوة -بل منهم من تتعين إجابته- أن يقتصر على القول الراجح دون ذكر خلاف واستطراد، إي نعم.
على كل حال عرفنا أن أهم المسائل هنا مسألة تقسيم الماء إلى أقسام ثلاثة: طهور وطاهر ونجس عند الجمهور، وعند مالك هما اثنان، هما قسمان فقط: طاهر ونجس، وزاد بعضهم كابن رزين أو .. ، نعم كابن رزين من الحنابلة: المشكوك فيه، على كل حال التقسيم هذا مثلما أسلفنا يوقع في إشكالات وتفريعات، وقد ألمحنا إلى شيء من هذا الإشكال، مع التمثيل له.
وشيخ الإسلام ﵀ يرجح أن الماء إما أن يكون طاهراً يشرب ويرفع به الحدث، أو نجس ولا ثالث لهما كقول مالك.
عرفنا أيضاً أن هناك من يفرق بين القليل والكثير، فالقليل تؤثر فيه النجاسة، وهو قول الأكثر أيضاً، والكثير لا تؤثر فيه إلا إذا تغير، هذه أشهر ما مر عندنا نعم.
وعن رجل صحب النبي ﷺ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعا" [أخرجه أبو داود والنسائي, وإسناده صحيح].
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂[أخرجه مسلم].
ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنه، فجاء يغتسل منها فقالت: إني كنت جنباً، فقال: ((إن الماء لا يجنب)) [وصححه الترمذي وابن خزيمة].
стр. 40
نعم.
عن رجل صحب النبي –﵊ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعا" [خرجه أبو داود والنسائي, وإسناده صحيح].
خلاصة القول أنه صحيح، وإن كان مقتضى كلام البيهقي أنه مرسل؛ لعدم تسمية الصحابي، لكن المعتمد عند أهل العلم قاطبة أن جهالة الصحابي لا تضر، فالخبر متصل وليس بمرسل، خلافاً لما ذكره البيهقي، فالحديث صحيح.
"نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة: نهى رسول الله ﷺ فإذا قال الصحابي: "نهانا رسول الله ﷺ أو أمرنا رسول الله، أو قال" أُمرنا، أو نُهينا، أو قال النبي ﵊: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))، ((نهيت عن قتل المصلين)) بالنسبة لقوله ﵊: ((أُمرت)) أو ((نُهيت))، الآمر والناهي هو الله هو الله .
في قول الصحابي: "أمرنا" أو "نهينا"، الآمر والناهي هو من له الأمر والنهي وهو النبي ﵊، فهو مرفوع خلافاً لمن زعم أنه موقوف كأبي بكر الإسماعيلي، وأبي الحسن الكرخي، وجمع من أهل العلم قالوا: إنه لا يحكم له بالرفع حتى يصرح الصحابي بالآمر والناهي لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير النبي ﵊، كقول أم عطية: "أمرنا بإخراج العواتق والحيض"، وقولها: "نهينا عن اتباع الجنائز".
إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي -كما هنا- لا إشكال في كونه مرفوعاً، بل هو مرفوع صراحة اتفاقاً، لكن إذا قال الصحابي: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة، هل هو في القوة بمثابة قوله ﵊: ((لا تغتسل المرأة بفضل الرجل)) أو أقل؟ نهى رسول الله ﷺ أيهما أقوى؟
طالب: الثاني.
نعم؟
طالب: الثاني.
لكن هل نفهم أن الرسول ﵊ نهى، وإلا ما نفهم، إذا قال الصحابي نهى أو أمر رسول الله ﷺ ؟
стр. 41
جمهور أهل العلم على أنه لا فرق بين أن يقول الصحابي: نهى -أن يذكر النهي الصريح من لفظه ﵊، أو يعبر عن هذا النهي كما هنا، لا فرق، خالف في هذا داود الظاهري وبعض المتكلمين قالوا: ليس بحجة أصلاً، حتى ينقل لنا اللفظ النبوي؛ لأن الصحابي قد يسمع كلام يظنه أمراً أو نهياً، وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، نقول: إذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يعرفون مدلولات الألفاظ الشرعية والنصوص من يعرفها؟
فالمرجح عند أهل العلم أن قول الصحابي: "نهى رسول الله، مثل قوله: لا تفعل.
نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعاً" [أخرجه أبو داود]: الحديث صحيح، خلاصة القول فيه أنه صحيح، أعله بعضهم لكنه لم يستند على حجة يعتد بها، قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية.
"نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل": مقتضى الحديث أن خلوة الرجل بالماء مؤثرة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تغتسل بفضل مائه، لكن هل للرجل أن يغتسل بفضل ماء الرجل؟ مفهوم الحديث؟ نعم.
الشق الثاني من الحديث: "نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة": لكن هل للمرأة أن تغتسل بفضل المرأة؟ مقتضى الحديث ومفهومه نعم.
إذا كان للرجل أن يغتسل بفضل الرجل، وللمرأة أن تغتسل بفضل المرأة، فهل لخلوة المرأة أو لخلوة الرجل أثر على الماء؟ نعم؟ لا أثر له، لا أثر له على الماء، وبهذا نعرف ضعف قول من يقول: إنه لا يرتفع حدث الرجل إذا توضأ بماء خلت به المرأة لطهارة كاملة، والحديث كما ترون جاء بمنع الرجل كما جاء بمنع المرأة من الوضوء بفضل الرجل.
والعجب أن بعض أهل العلم يعمل بالشق الثاني، ولا يعمل بالشق الأول، وإذا صح الخبر فنقول: إن النهي هنا للتنزيه؛ لما يعارضه من الأدلة التي صحت في وضوئه ﵊ بفضل بعض أزواجه، على ما سيأتي، فالنهي هنا للتنزيه.
"وليغترفا جميعاً": نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
الرجل (أل) الجنسية، الأصل فيها الجنس، هذا الأصل، أي امرأة لا تغتسل بفضل أي رجل، والعكس، هذا الأصل فيه الجنس.
стр. 42
لكن قوله: ((وليغترفا جميعاً)): نعم يدل على أن المراد بذلك الزوجين، وإلا فالأصل في الرجل أنه جنس.
أقول: من العجب أن يأتي الحديث بهذا السياق ويستدل به من يرى أن الرجل لا يجوز له أن يتوضأ بفضل المرأة، وأن خلوة المرأة لطهارة كاملة تؤثر في الماء، وأنه لا يرفع الحدث، ولا يقول بالعكس، مع أن الحديث سياقه واحد، فإن حمل النهي هنا على التحريم وأنه لتأثير خلوة أحدهما بالماء، فليقل بالشقين، أما أن يقول بالشق الثاني، ولا يقول بالشق الأول هذا تحكم، وعلى كل حال النهي هنا للتنزيه، النهي هنا للتنزيه.
في الحديث الذي يليه: عن ابن عباس أن النبي ﵊ كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂[أخرجه مسلم]: أعله بعضهم بقول عمرو بن دينار في الصحيح -في صحيح مسلم-: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، على كل حال له غير هذا الطريق، هو مروي من طرق في صحيح مسلم، وتخريج مسلم له يدل على صحته، تخريج الإمام مسلم .. ، فالعلة عليلة -التي أعلَّ بها-.
حديث ابن عباس: أن النبي ﵊ كان يغتسل بفضل ميمونة [خرجه مسلم]: وهذا يرد على من يرى أن الماء إذا خلت به المرأة للطهارة الكاملة أنه يتأثر، وينتقل من كونه طهوراً إلى كونه طاهراً غير مطهر؛ لأن النبي ﵊ كان يغتسل بفضل ميمونة.
ولأصحاب "السنن": "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة: في إناء فجاء يغتسل منها, فقالت: إني كنت جنباً, فقال: ((إن الماء لا يجنَب: أو لا يَجْنُب أو لا يُجنِب))، [خرجه أصحاب السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم والألباني وغيره فالحديث صحيح].
بهذا يدل على أن النهي الوارد في الحديث السابق أنه للتنزيه، وليس للتحريم، وأنه لا أثر لخلوة أحد الجنسين بالماء، بل الماء باق على طهوريته وأنه يرفع الحديث.
حديث الكلب طويل شوية، حديث تطهير ما ولغ فيه الكلب طويل، وانتهى الوقت الظاهر.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 43
حديث أبي هريرة: ((هو الطهور ماؤه)) إذا قلنا: إن المقصود بالحديث هو المكان وليس ماء البحر، فإذا أخذنا من ماء البحر في جوالين، وجراكل هل ترفع الخبث وتزيل النجاسة؟ يعني هل يثبت لها الطهورية المنصوص عليها في الحديث؟
لا شك أن الأصل في البحر المجموع من الماء ووعائه وظرفه، والعلماء حينما قالوا: إن المقصود بالبحر في هذا الحديث على وجه الخصوص المكان؛ لكي يستقيم الكلام، فإذا قدرنا مكان البحر الماء، وقلنا: ماء البحر هو الطهور ماؤه، ماء البحر هو الطهور ماؤه، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟ لا يستقيم، وإذا قلنا: المكان، المكان والظرف الذي يحوي هذا الماء ما حواه من الماء هو الطهور، فمكان البحر هو الطهور ماؤه.
لو افترضنا أن هذا الإناء وفيه الماء، كأس وفيه ماء، وقلنا: ما بين أيدينا هذا هو الطهور ماؤه، هل نقصد بمرجع الضمير الماء نفسه؟ الماء هو الطهور ماؤه؟ نفس الشيء، لا يستقيم الكلام، وإذا أعدنا الضمير على الظرف الذي هو الكأس، الكأس هو الطهور ماؤه يعني الماء الذي حل فيه.
ونأتي إلى السؤال، وهو يستشكل يقول: إذا كان المقصود هو المكان فلم يكن سياق الحديث على هذه الصفة، ما قيل: مكان البحر هو الطهور، لنخرج الماء، فاعل المصدر، الطهور الماء، وتقدير المكان من أجل سبك الكلام على وجه يصح، فالمقصود بالحديث هو الماء بلا شك، ولذا أفصح عنه في الحديث نفسه فقال: ((هو الطهور ماؤه)) ((هو الطهور .. )): إذا قلت: زيد القائم أبوه، أو رأيت زيداً القائمَ أبوه، نعم، من القائم؟ زيد؟ نعم؟ وإن كان الموصوف بالقيام هو زيد، لكن القيام والحدث إنما قامه الأب، وهذا يقال له النعت الأيش؟ الحقيقي؟ أو السببي؟
стр. 44
نعت سببي وليس بحقيقي؛ لأنه ليس وصفاً للمنعوت، رأيت زيداً القائم أبوه، القائم بلا شك من الناحية الإعرابية وصف لزيد، ونعت لزيد، لكن ليس هو القائم بالفعل، القائم أبوه، وهنا حينما نخبر عن مكان الماء، ونسند إليه الطهورية، إنما أسندناها في الحقيقة إلى الماء، ولذا جاء في الحديث: ((هو الطهور ماؤه)) ما جاء هو الطهور فقط، لو كان سياق الحديث هو الطهور لقلنا: ماء البحر هو الطهور، قدرنا ماء البحر، لكن لما بين فاعل المصدر ما احتجنا ولا حصل عندنا أدنى إشكال في أن نقدر مكان البحر.
وعلى هذا لو أخذ من ماء البحر في جوالين أو جراكل ما يتغير، هو ماء البحر الذي أخبر عنه بأنه طهور، أسند إليه الطهورية؛ لأن عندنا الطهور مسند، وماؤه مسند إليه؛ لأنه فاعل.
هل تنطبق أحكام الاغتسال في البرك والمسابح؟
البرك والمسابح هل هي من الماء الجاري أو الراكد؟
الآن ما فيها فلاتر تطلع الماء وتدخله مرة ثانية؟ نعم؟ هي راكدة في وقت، هي تصير راكدة أو باستمرار متجددة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إذا كانت متجددة فليست راكدة.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، إذا كانت راكدة غير متجددة لها أحكام الماء الراكد فلا يجوز الاغتسال به.
إذا أزيلت النجاسة بمعالجةٍ .. ؟
لكن إذا استصحبنا أن النهي عن الاغتسال، ولا يغتسل فيه وهو جنب، ولا يغتسل فيه من الجنابة، قلنا: إن الاغتسال التنظيف أو للتبرد أو .. ، أمرها أخف.
إذا أزيلت النجاسة بمعالجة أو مواد كيماوية هل يطهر الماء؟
إذا ذهبت عين النجاسة، وذهبت أوصافها سواءً كان ذلك بمعالجة أو غير معالجة، إذا لم يكن للنجاسة أثر فعلى قول مالك هو طهور؛ لأنه حينئذ لم يتغير، وإذا كان للنجاسة أثر من لون أو طعم أو ريح فالإجماع قائم على أنه نجس.
يقول: هل ما تغير لونه أو ريحه أو طعمه قليلاً هل يضر في طهوره؟
وإذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تقع فيه، لا بطول مكثه، أحياناً يتغير -تتغير رائحته- يكون منتن، نعم منتن، لكنه بسبب طول المكث، ونعرف جميعاً أن الماء يأسن بطول مكثه، ولهم طريقة في تطييبه، لكن إذا كان بطول مكثه من غير نجاسة تقع فيه فهو طاهر.
стр. 45
اللحم والطعام، إذا أنتن من طول البقاء، يعني لو أتيت بالغداء -بقية غداء أمس مثلاً- وأحضرته اليوم، وجدته متغيراً، هل يجوز أكله أو لا يجوز أكله؟ وهل هو طاهر أو نجس؟
هو طاهر بلا شك، ولو أنتن، لكن هل يجوز أكله أو لا يجوز أكله؟ نعم؟
نعم يا إخوان؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم إذا كان يضر، تغيره كثير مفسد لا يجوز للضرر، لا لنجاسته؛ لأن النبي ﵊ أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة -يعني متغيرة- وجاء في حديث الصيد: ((كله ما لم ينتن)) يعني تتغير رائحته، والمقصود بـ ((كله ما لم ينتن)) يعني نتناً مفسداً للطعام بحيث يكون ضاراً، أما إذا كان التغير بحيث لا يضر ولو كانت رائحته غير طيبة، فإنه يؤكل.
ما الفرق بين الطاهر والطهور والنجس عند من يقول بالفرق وأن الأقسام ثلاثة؟
الطاهر طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، والطاهر يجوز شربه، يجوز شربه ولا يؤثر على الجرم الذي يقع عليه، لكنه لا يجوز الوضوء به، وهو ما تغير بالأشياء الطاهرة، والطهور هو الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، والنجس معروف ما تغير بالنجاسة، هذا عند من يقول بتقسيم المياه إلى ثلاثة أقسام، وأما من يقول بتقسيمها إلى قسمين فقط طهور ونجس، أو طاهر ونجس فكل ما جاز شربه يجوز الوضوء به، ما دام يسمى ماء.
ما معنى القلة؟
في حديث ابن عمر: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث))، هذا مما ينبغي بيانه ولكن شدة الاختصار جعلتنا نطوي بعض الأشياء المهمة، وإلا معنى القلة على أقل الأحوال، شيء لا بد من بيانه.
القلة: جاء بيانها في بعض الروايات بقلال هَجَر، وقلال هجر يقول ابن جريج: إنها معلومة المقدار، معلومة المقدار، والقلة تساوي قربتين وشيئاً، وجعلوا هذا الشيء نصفاً؛ من باب الاحتياط، وحدها بعضهم بما يقله الرجل المتوسط بيديه، يعني يستطيع حمله، سميت بذلك؛ لأنه يستطيع أن يقلها، يعني يحملها.
وجاء في تفسير القلة أنها ما يبلغ رؤوس الجبال، فإذا كانت القلة تبلغ رؤوس الجبال، فالقلتان طوفان، نعم، لكنه قول ضعيف جداً، ولا يتلفت إليه.
стр. 46
المقصود أن أولى ما يقال في تعريف القلة ما اعتمده الأكثر، وأنها محدودة بقلال هجر، وهجر هل هي البلد المعروف الأحساء والبحرين وما والاها؟ أو قرية قرب المدينة؟ يختلف الشراح في ذلك.
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
خمسمائة رطل، خمسمائة رطل، خمسمائة رطل تقريباً.
إذا كان لونه لم يتغير ولكن له طعم مثل الديزل أو البنزين؟
يعني ماء متغير بأمور .. ، بأشياء طاهرة، متغير بأشياء طاهرة، لكنها لم تسلب الماء اسمه، يعني من رآه قال: هذا ماء، هذا يرفع الحدث.
الماء الراكد إذا جاءت به نجاسه ولم يتغير طعمه أو رائحته أو لونه؟
قبل يقول: ما معنى كلمة جنب؟ ما معنى كلمة جنب؟
نعم، الجنب من أصابته جنابة، بسبب إنزال من جماع أو احتلام، ولا بد من حصول اللذة من غير النائم، أما النائم فيكفي في ثبوت الجنابة خروج الماء؛ لأن النبي ﵊ في حديث أم سلمة قال: ((نعم، إذا هي رأت الماء))، ولم يقيد ذلك بلذة، أما غير النائم لا بد من حصوله بلذة؛ لأن خروج الماء منه بغير لذة هذا مرض.
يقول: الماء الراكد إذا جاءت به جنابة ولم يتغير طعمه أو رائحته أو لونه؟
عرفنا الخلاف -جاءت به نجاسة- كل على مذهبه، من يفرق بين القليل والكثير، ويرى أن القليل يتغير بمجرد ملاقاة النجاسة يقول: هو نجس إذا كان قليلاً، ولا يتنجس إذا كان كثيراً، والذي لا يفرق بين القليل والكثير وهو مذهب مالك ورجحه شيخ الإسلام يقول: لا ينجس إلا بالتغير.
يقول: هل المقصود بالخلوة الاغتسال أم غير ذلك؟
الخلوة كونها تستعمل هذا الماء في طهارة كاملة، وضوء أو اغتسال، أي نرفع حدث من المرأة إذا لم تكن بمرأى أحد، خلت به، ومثله خلوة الرجل؛ لأن خلوة الرجل مثل خلوة المرأة على ما سمعنا في الحديث السابق، ولا فرق.
انتهى الوقت المعد المخصص للأسئلة وبقي من الأسئلة الشيء الكثير، كثيراً جداً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
стр. 47
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات, أولاهن بالتراب)) [أخرجه مسلم]. وفي لفظ له: ((فليرقه))، وللترمذي: ((أخراهن, أو أولاهن)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وعن أبي هريرة: الواو تعطف مقدراً، أي وأروي أيضاً عن أبي هريرة، والمقدر هو متعلق الجار والمجرور، وأروي أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات, أولاهن بالتراب)): ولغ الكلب، يقال: ولغ يلغ، كـ (وهب يهب)، إذا شرب منه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، أو لعقه بلسانه.
((طهور إناء أحدكم)): الإناء هو الوعاء، والطهور هنا المراد به التطهير، المصدر إناء أحدكم، والإضافة هنا لا مفهوم لها؛ لأن الطهارة والنجاسة لا يشترط فيها أن يكون الشيء مملوكاً للإنسان بنفسه،. . . . . . . . . معنى هذا الحديث: ((طهور إناء أحدكم)) أنه بالنسبة لصاحبه لا بد من التطهير، وبالنسبة لغيره لا يحتاج إلى تطهير، يعني لو ولغ الكلب في إناء لزيد فباعه زيد على عمرو أو أهداه إلى عمرو قبل أن يطهره يلزم تطهيره وإلا لا؟ يلزم تطهيره.
إذن ((طهور إناء أحدكم)): الإضافة هنا لا مفهوم لها ((إذا ولغ فيه الكلب)): شرب منه بطرف لسانه، أو لعقه ((أن يغسله سبع مرات)): هذا بالنسبة للإناء، ((أولاهن بالتراب)): وجاء في رواية: ((أخراهن)) - الأخيرة- في رواية: ((إحداهن))، وفي رواية: ((وعثروه الثامنة بالتراب)).
((أولاهن بالتراب)): هذه الرواية يقول أهل العلم: إنها أولى ما ينبغي أن يعمل به من الروايات؛ لأن التراب إذا جعل مع الغسلة الأولى أزال أثره الغسلات اللاحقة، بخلاف ما إذا كان في الغسلة الأخيرة.
стр. 48
((وعثروه الثامنة بالتراب)) ((أخراهن)): يعني الأخيرة، فإنه يحتاج إلى غسل التراب فنزيد على القدر المحدد، ومعلوم أن العدد المحدد شرعاً إذا حصل به المقصود فإن الزيادة عليه تكون غير مشروعة، بل ممنوعة، فإذا غسل الإنسان أعضاء الوضوء أربعاً أربعاً، قلنا: خرجت من حيز السنة إلى الابتداع، بينما لو توضأ مرة مرة، أو مرتين مرتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، أو بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، ثبت أن النبي ﵊ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ ملفقاً بعضها مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً.
المقصود أن العدد المحدد شرعاً لا يتجاوز، فإن تعبد بهذه الزيادة صار فاعلها مبتدعاً، وإن لم يتعبد به، ولم يكن له عادة أساء وظلم.
وعلى هذا لو شك هل توضأ مرتين أو ثلاثاً، كم يعتمد؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو تردد يعني إذا شك هل صلى ركعتين أو ثلاثاً يجعلهما ركعتين ويزيد ثالثة ويسجد للسهو وانتهى الإشكال، لكن لو توضأ .. ، ولو توضأ مثلاً ثم شك هل غسل العضو مرتين أو ثلاثاً؟
طالب:. . . . . . . . .
سواء أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
يزيد رابعة؟
طالب:. . . . . . . . .
احنا قلنا: في الصلاة أنه إذا تردد هل صلى ركعتين أو ثلاث يجعلهما ركعتين؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه؟
طالب:. . . . . . . . .
هم قالوا: يبني على الأقل؛ لأنه متيقن؟ نعم يبني على الأقل؛ لأنه متيقن.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
أنا أقول: هل الباب واحد في الصلاة والوضوء أو يختلف؟
стр. 49
تعرفون عند الحنابلة ما في فرق يعني إذا شك هل توضأ مرتين مرتين، أو ثلاثاً ثلاث، يجعلهن مرتين ويزيد ثالثة، وما في إشكال كما لو تردد هل صلى ركعتين أو ثلاثاً، لكن هناك فرق بين الصلاة والوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح بالعدد الأقل، بينما الوضوء يصح بالعدد الأقل، فلو شك هل صلى ركعتين أو ثلاثاً يجعلهما ركعتين ويسجد للسهو وينتهي الإشكال؛ لأنه لو قلنا: رجح الأقل، وهو في الحقيقة ما صلى إلا ركعتين بطلت صلاته، فهنا الخيار بين نقص مبطل للصلاة، وبين زيادة معفو عنها للشك والنسيان؛ لأن القاعدة في النسيان أنه ينزل الموجود منزلة المعدوم، ولا عكس -ولا ينزل المعدوم منزلة الموجود- ولو كان ناسياً، بينما في الوضوء إذا قلنا: اجعلهما غسلتين وزد ثالثة وهو في الحقيقة غسل ثلاثاً خرج إلى حيز الزيادة عن القدر المشروع، بينما لو قلنا: اجعلها ثلاثاً، لو افترضنا أنه نقص عن الثلاث إلى ثنتين، في إطار السنة؛ لأن النبي ﵊ توضأ مرتين مرتين، وإذا كان الخيار بين السنة والبدعة يرتكب السنة، هذا الأصل.
وهنا إذا شك هل غسل ستاً أو سبعاً، قال: ست وإلا سبع؟
ستاً؛ لأن القدر لا بد منه، بينما في الوضوء الثالثة منها بد، ما يلزم أن تأتي بثالثة، هنا القدر المحدد لا بد منه، السبع لا بد منها.
فإذا قلنا: اجعل التراب في الغسلة الأخيرة، أو في الثامنة احتاج إلى أن يزيد؛ لغسل التراب، فيخرج عن حيز المشروع فيزيد على سبع، وإن كانت في الزيادة لا للنجاسة الأصلية، وإنما هي لإزالة التراب كما هو الواضح، فالأمر يكون أخف، لكن ينبغي ألا يزاد ولا في الصورة على القدر المشروع.
стр. 50
أخرجه مسلم، وفي لفظ له: ((فليرقه)): يعني لمسلم، من حديث أبي هريرة: ((فليرقه)): وهذه اللفظة تدل على نجاسة ما ولغ فيه الكلب، نجاسة ما ولغ فيه الكلب؛ لأن الإراقة إتلاف وإضاعة للمال، وقد جاء النهي عن إضاعة المال، فإذا جاز لنا مخالفة هذا النهي دل على أن ما يقابل هذا النهي أمراً واجباً، ووجوب هذه الإراقة لا شك أنه لنجاسته وخروجه عن حيز المالية، وحينئذ لا يكون مالاً؛ لأن النجس ليس بمال، ولذا لا يجوز بيعه، وإذا كان ما ولغ فيه نجساً فهو نجس، وهذا قول جمهور أهل العلم، خلافاً لمالك، الجمهور على أن الكلب بجميع أجزائه نجس حتى شعره، والإمام مالك يرى أنه طاهر، الكلب طاهر عند الإمام مالك والأمر بالغسل هنا للتعبد لا لنجاسته.
إذن: الأمر بالإراقة أيضاً تعبد؟!
الغسل معقول المعنى ولا غسل إلا من حدث أو خبث، ولا حدث هنا، إذن: يبقى ولا حدث هنا إذن: يبقى الخبث وهو نجس، فالحديث دليل صريح واضح على نجاسة الكلب.
منهم من يقول: إن شعره طاهر، شعره طاهر، هذا المعروف عند جمع من أهل العلم وأنه يمكن أن يستفاد منه.
والجلد إذا دبغ فيه خلاف ستأتي الإشارة إليه قريباً إن شاء الله تعالى.
من أدلة المالكية أولاً: جوابهم عن هذا الحديث أن الأمر بالغسل للتعبد، يستدل المالكية بحل أكل ما صاده الكلب، ولا بد أن يباشره، بفمه، ولم يرد غسله ولا تتريبه –الصيد- هذا دليل قوي، صح وإلا لا؟ الكلب حينما يصيد يصيد بأيش؟
طالب:. . . . . . . . .
بأسنانه بالفك، بأسنانه، ولا جاء الأمر بغسله سبعاً مع التراب، لماذا؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف يجيب الجمهور عن هذا -عن هذا الدليل- وهو قوي؟ نعم.
طالب: الكلب معلم
طيب والمعلم ما هو بكلب؟
طالب:. . . . . . . . .
الإناء، إذا ولغ الكلب .. ، إذا ولغ فيه الكلب، المراد به الجنس، نعم، كلب الصيد المعلم إذا ولغ في إناء يغسل وإلا ما يغسل؟
طالب: يغسل.
يجب غسله، إذن: هو داخل، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 51
للجمهور أن يقولوا ويجيبوا عن الصيد؛ لأنه لا بد أن يطبخ، والطبخ أبلغ من الغسل، ولهم أن يقولوا -أو لبعضهم أن يقول، وقد قال-: إن الصيد لا بد فيه أن يغسل وأن يترب، وإن سكت عنه في النصوص؛ لأنه إذا جاء الحكم في نص واحد ما يلزم أن يأتي في جميع النصوص يصير معروفاً، يصير معروفاً، ما يلزم أن ينقل الرواة كل شيء؛ لأنه نقله من تقوم به الحجة.
لكن غسل المصيد وتتريبه لا شك أنه عنت، لا. . . . . . . . . الشرع بمثله، وهو أيضاً إفساد له، لكن إذا طبخ زال المحظور، لكن قد يقول قائل: إذا ولغ الكلب في الإناء، أنا أبى أطبخ الإناء مثل الصيد، يطهر وإلا ما يطهر؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نقول: نعم هذه المسألة منصوص عليها ولا تقبل الاجتهاد، لا تخضع للاجتهاد، قد يقول قائل: في المدن لا يوجد تراب، نغسله بصابون وإلا شامبو أو ما يقوم مقامه، يكفي وإلا ما يكفي؟
طالب: لا يكفي.
عند كثير من أهل العلم يكفي؛ لأن المقصود التنظيف ويحصل بهذه التنظيف، لكن أثبت الطب أن في لعاب الكلب جرثومة لا يقضي عليها إلا التراب، لا يقضي عليها إلا التراب، وهذا قبل المجاهر، وقبل المختبرات، هذا قبل ألف وأربعمائة سنة.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا بد من غسل الإناء، لا بد من غسله سبعاً، الماء يراق والإناء يغسل سبعاً، ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب)) فالإناء له الغسل والتتريب، والماء له الإراقة، مع أن ابن عبد البر قال عن لفظة: ((فليرقه)) أنه لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش، كأنه يريد أن يشكك في ثبوتها، لكن إذا كان الماء نجساً فلا مخالفة في هذه الزيادة، وحينئذ إذا نقلها من تثبت الحجة بنقله لا يلزم أن ينقلها جميع الحفاظ.
ابن مندة يقول: "لا تعرف عن النبي ﵊ بوجه من الوجوه"، لكن هي مقتضى ما يصنع بالنجاسات، يعني هل كل نجاسة تلزم إراقتها؟
стр. 52
ماء نجس، قد يقول قائل: هذه اللفظة ليست ثابتة، أنا أريد أن أبقي هذا الماء، أقل الأحوال لو أطفئ به حريقاً، وإن جاء الأمر بإراقته، يعني إذا وجد خمر تلزم إراقته أو لا تلزم؟ يقول شخص: أنا أريد أن أركنه عله أن يتخلل، أنا لن أشربه، ولن أمكن أحد من شربه، لكن عله يتخلل بنفسه فيحل ويطيب، وهذا يقول: عندنا ماء متنجس وقعت فيه نجاسة هل يلزمني إراقته أو أبقيه أقل الأحوال أطفئ به حريقاً، هذا أقل الأحوال، وهذا يقول: أمسح به السيارة مثلاً، أو أغسل الحوش، أغسل البيت، نعم؟
نقول: هذه اللفظة تقتضي أن يراق؛ لئلا يستعمله من لا يعرف حاله، ولا شك أن إراقة هذا الماء سد لذريعة استعماله، وهي ثابتة في صحيح مسلم، ولا كلام لأحد ما دامت ثابتة في الصحيح، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم نعم، هل يقاس على الكلب الأسد والخنزير؟
الأسد جاء في حديث: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) فقتله الأسد، يدخل وإلا ما يدخل؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه، يدخل وإلا ما يدخل؟
الظاهر عدم الدخول، الظاهر عدم الدخول؛ لأن (أل) هذه للكلب المعهود المعروف، وكونه يتوسع في هذه اللفظة فتستعمل في غير الكلب، نعم، ولذا لو حلف ألا يشتري كلباً فاشترى أسداً -على القول بجواز بيعه، بيع الكلب- اشترى أسداً يحنث وإلا ما يحنث؟
ما يحنث بلا شك، لا يحنث، وإن كانت الأيمان والنذور مردها إلى العرف، والأسد لا يقال له عرفاً: كلب، لكن الظاهر عدم دخول غير الكلب المعروف في مثل هذا النص، ولا يقاس عليه خنزير ولا غيره؛ لأن مثل هذه الأمور التي جاء الشرع بتحديدها، وأثبت الطب وجود هذه الجرثومة في لعاب الكلب خاصة يدل على أن الشرع له قصد ومغزى من تخصيص الكلب بهذا الحكم، وإلا لو كان يلحق به غيره لجاء اللفظ أعم، لفظاً يشمل الكلب وغيره، والله المستعان نعم.
وعن أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: ((إنها ليست بنجس, إنما هي من الطوافين عليكم)) [أخرجه الأربعة, وصححه الترمذي وابن خزيمة].
стр. 53
عن أبي قتادة: الحارث بن ربعي صحابي معروف، فارس النبي ﵊، شهد أحداً وما بعدها، توفي سنة أربعة وخمسين بالمدينة، أبو قتادة يروي عن النبي ﵊ أنه قال في الهرة: ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): الهرة معروفة، معروفة وإلا غير معروفة؟ القط أو أيش؟ أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
البِسّ، نعم لا بأس، وهو أكثر الحيوانات أسماؤها .. ، له أسماء كثيرة جداً.
على كل حال هو معروف.
((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): يعني تكثر ملابستكم لها، وملابستها لكم، ويشق عليكم التحرز منها، هي كالخادم في البيت ما يمكن أن يحجب عن مكان، نعم، أحكمت الأبواب، وأتقنت الأغلاق لكن من يحترز من مثل هذا؟
((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): هذه العلة منصوصة بلا شك، تدل على أن الهر طاهر، وهذا يدل على ضعف الأمر بغسل ما ولغ فيه الهر مرة واحدة.
هذا الحديث له سبب وهو أن أبا قتادة سكبت له زوجة ابنه ماءً فجاءت هرة فشربت منه، فتوضأ منه أبو قتادة، فتعجبت المرأة من كونه يتوضأ بماء، فساق الحديث، قال النبي ﵊: ((إنها ليست بنجس)).
стр. 54
بلوغ المرام - كتاب الطهارة (٣)
شرح: باب الآنية
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
سكبت له زوجة ابنه ماءً فجاءت هرة فشربت منه، فتوضأ منه أبو قتادة، فتعجبت المرأة من كونه يتوضأ بماء .. ، فساق الحديث، قال النبي ﵊: ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)) وفي وراية: ((والطوافات)) وجُمع جمع سلامة، جمع مذكر سلام، أو جمع مؤنث سالم كما في الرواية الأخرى، والأصل أن فيما يجمع جمع سلامة أن يكون ممن يعقل، العاقل فقط، لكن الهرة عوملت معاملة العاقل؛ لأنها وصفت بوصفه، ووصفت بوصف العاقل ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)) هذه العلة ألحق أهل العلم بالهرة كل طواف مما يشق الاحتراز منه، أما ما لا يشق الاحتراز منه فإنه لا يلحق به، ولذا يقول أهل العلم: "وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر" يعني ما دونها من الخلقة لا يمكن التحرز منه، فأرة مثلاً، الفأر هل يمكن أن يتحرز منه؟ ممكن أن تخلو المستودعات من الفأر إلا شخص يتحسس أموره في كل وقت، وإلا مجرد ما يغفل يجد الفأر، نعم، وكانت الأمور أشد لما كانت الأبواب أقل إحكام، نعم، أقل إحكام مما هي عليه الآن، فلا يمكن التحرز بحال مما دون الهرة، لكن ما فوق الهرة، إذا كان عند الإنسان كلب أو حمار أو حيوان أكبر من الهرة يمكن التحرز منه، بخلاف ما دون الهرة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
مثله الهرة، مثله الهرة، الهرة إذا أكلت نجاسة ولغت في الماء، يعني ماء حكم بطهارته لا شك أنه يمكن أن تطرأ عليه نجاسة، لكن الأصل أنه طاهر، فإذا وجد فأر متلبس بنجاسة؛ لأنه خرج من المجاري ينجس للنجاسة التي علقت به، هذا الهر إذا أكل نجاسة والنجاسة باقية في فمه ينجس ما ولغ فيه، وما شرب منه، لكن إذا مضى عليه وقت بحيث تزول هذه النجاسة فإنه يرجع إلى الحكم الأصلي، نعم.
"وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس, فنهاهم النبي ﷺ ، فلما أقصى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه" متفق عليه.
стр. 55
"وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد" الأعرابي: واحد الأعراب، الأعرابي: واحد الأعراب، وهم سكان البادية، الأعراب له واحد من لفظه؟ نعم؟ نعم بياء النسب، نعم بياء النسب، أعرابي منسوب إلى الأعراب فهو واحدهم، والأصل في الأعراب أنهم جمع مفرده نعم آتي، لا، لا العربي غير الأعرابي، ما يلزم، نعم العربي غير الأعرابي، فجاءت النسبة إلى الجمع لشهرة هذا الجمع، وإلا فالأصل أن اللفظ إذا أريد النسبة إليه أن يعاد إلى مفرده، والنسبة إلى الجمع شاذة، إلا إذا كان الجمع بمنزلة يفوق فيها لفظ المفرد أو لا مفرد له من لفظه، الأنصار مثلاً الأنصار: جمع ناصر، تنسب الأنصار تقول: أنصاري، ولا تنسب إلى المفرد؛ لأن الشهرة للجمع وليست للمفرد، وإلا فالأصل أنك إذا أردت النسبة إلى الجمع تنسب إلى مفرده، فجمع صحيفة صحف، نعم صحائف وصحف، نعم إذا أردت أن تنسب إذا أردت أن تصف شخصاً يكتب في الصحف تقول له إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا بد من رده على المفرد، تقول: صحفي ولا تقول: صُحفي، وهكذا؛ لأن النسبة إلى الجمع عند أهل العلم شاذة، يستثنى من ذلك ما صار الجمع فيه أشهر من المفرد.
стр. 56
"جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد" في ناحية أو في زاوية من زوايا المسجد "فزجره الناس" من الصحابة، قام إليه الناس؛ لأنه فعل فعلاً ينبغي أن يزجر من أجله، ينبغي أن يزجر من أجله "فنهاهم النبي ﷺ " رفقاً به لجهله، وتأليفاً له، وتأليفاً له، ودرءاً للمفسدة العظمى؛ لأنه لو لم يمكن من إكمال بوله لتضرر هو وانتشرت النجاسة، بدلاً من أن يكون موضع النجاسة محدد يمكن تطهيره، يمكن ينجس أماكن أخرى "فزجره الناس فنهاههم رسول الله ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﵊ بذنوب من ماء" بدلو، سجل، كما جاء في بعض الروايات فيه ماء "فأهريق عليه" صب عليه، وحينئذٍ يطهر، فالبول نجس، بول الآدمي نجس إجماعاً، والتطهير تطهير ما وقع عليه واجب، لكن من الأشياء التي يقع عليها البول ما يجب فيه العدد، ومنها ما يكفي فيه الصب فقط، ومنها ما يكفي مسحه، إذا بال إنسان على ما يتلفه الماء، بال على ما يتلفه الماء إيش تسوي؟ بال على ورق، تغسل الورق؟ يقولون هنا: يكفي مسحه وتعريضه للشمس، وحينئذٍ تنتهي هذه النجاسة، إذا بال على الشيء صقيل لا يشرب النجاسة، شيخ الإسلام ﵀ يقول: يكفي مسحه، يمسح ويكفي، ويستدل بأن الصحابة والنبي ﵊، النبي ﵊ وصحابته الكرام كانوا يذبحون الأنعام الثانية تلو الأولى وهكذا ولا يؤثر عنهم أنهم غسلوا السكين، مع أن الدم المسفوح نجس اتفاقاً، فقالوا: السكين صقيلة يكفي مسحها، ولا يحتاج غسلها، لو بال على مرآة مثلاً، لو بال على شيء يكفي مسحه، لكن الجمهور على أنه لا بد من الغسل، ولا تطهر مثل هذه الأشياء إلا بالغسل، إذا وقع البول على الثوب، أو على شيء يمكن غسله، وتقليبه، فلا بد من غسله ثلاثاً، للأمر بغسل الأنجاس ثلاثاً، وهذا هو الأصل في جميع النجاسات، لكن إذا كان مما لا يتيسر قلبه وعصره وفركه كالأرض يكفي في تطهيرها أن يصب عليها الماء، كما هنا، ولا يلزم نقل التراب، ولا فرق بين الأرض الرخوة والصلبة، لا فرق بينهما، بل تكاثر بالماء ويصب عليها ذنوب من ماء وينتهي الإشكال، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يغسل ثلاثاً؟
стр. 57
طالب:. . . . . . . . .
كم تدور الغسالة؟ أكثر من ذلك، أكثر من ذلك.
يأتي معنا في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام وأنه يكفي فيه النضح، وفي هذا بيان خلق النبي ﵊ حيث رفق بهذا الجاهل، وجاء في بعض الروايات تسمية هذا الأعرابي بأنه ذو الخويصرة، ذو الخويصرة اليماني وإلا التميمي؟ نعم؟ نعم اليماني، فلطف به النبي ﵊ وعذره بجهله، وعامله على مقتضى حاله تأليفاً له؛ لأن مثل هذا لو زجر وأنكر عليه بقوة وشدة يمكن ما يجي المسجد مرة ثانية؛ لأن مثل هؤلاء ما تمكن الإيمان من قلوبهم، أعرابي جافي، مثل هذا يرفق به، ويلطف به، ومن مصارف الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام إعطاء المؤلفة قلوبهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، وحينئذٍ يوكلون إلى إيمانهم، والنبي ﵊ قد يعطي الشخص وغيره أحب إليه منه كما في الحديث الصحيح ((خشية أن يكبه الله في النار)) لأن الإيمان ما وقر في قلبه، ثم إذا لم يعطَ فإنه يرتد، وهذا حصل لكن الذين أعطوا هم في الأصل أعراب جفاة ما وقر الإيمان، أسلموا طمعاً في الدنيا، لما أعطوا حسن أسلامهم، والله المستعان.
стр. 58
فهذا فيه درس لمن يزاول ويمتهن دعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الرفق ديدنه؛ لأن الرفق ما صار في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، بخلاف العنف، العنف لا يأتي بشيء لا يأتي بالفائدة، بل العكس يأتي بآثار سلبية وردود أفعال، والرفق مطلوب في كل حال وفي كل ظرف، لما أعطى النبي ﵊ علي الراية ووجهه إلى خيبر قال له: ((انفذ على رسلك)) وهذا في الحرب التي تطيش فيها العقول ((انفذ على رسلك)) يعني لا تستعجل العجلة ما تأتي بشيء، فالرفق هو المطلوب في جميع الحالات، نعم إذا كان هناك أمر يفوت، حريق يخشى زيادة انتشاره فالمبادرة مطلوبة، جاء الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [(٩) سورة الجمعة] مبادرة، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران] ﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] المقصود مثل هذه الأمور تنبغي المبادرة إليها بالرفق؛ لأن المبادرة والمسارعة لا تعني العجلة، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم بالسكينة، فامشوا وعليكم بالسكينة والوقار)) والله المستعان، نعم.
الحديث الذي يليه:
"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان, فأما الميتتان فالجراد والحوت, وأما الدمان فالطحال والكبد)) أخرجه أحمد وابن ماجه, وفيه ضعف".
نعم حديث ابن عمر ﵄ المرفوع المصرح برفعه إلى النبي ﵊ كما هنا قال: قال رسول الله ﷺ ، لا شك أن فيه ضعف، المصرح برفعه فيه ضعف، كما أشار الحافظ -رحمه الله تعالى-، لكن الموقوف على ابن عمر من قوله صحيح، وهو وإن كان لفظه موقوفاً على ابن عمر فإن له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي أبيح لنا، أو أحل لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع؛ لأن الذي يبيح والذي يحرم والذي يحلل هو الشرع، فالذي أحل لهم هاتين الميتتين وهذين الدمين هو من يملك التحليل والتحريم، وهو الله على لسان نبيه ﵊، فله حكم الرفع.
стр. 59
الموقوف على ابن عمر صراحة صحيح، والمصرح برفعه إلى النبي ﵊ فيه ضعف على أن الموقوف كما ذكرنا له حكم الرفع، فهو مرفوع حكماً.
" ((أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجرد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال)) أخرجه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعف" لأنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، يقول الإمام أحمد: حديث منكر، هذا المصرح برفعه إلى النبي ﵊، ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) وهذا مما يخص به قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] فالميتة حرام إلا ما استثني، والدم حرام إلا ما استثني، على أن الدم ينبغي تقييده بما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [(١٤٥) سورة الأنعام] فالدم المسفوح هو المحرم، بخلاف الدم الذي يبقى في اللحم، هذا ليس بمحرم، ولا ينظف اللحم منه، بل يبقى؛ لأنه ليس بمحرم.
هنا حملنا المطلق على المقيد ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] هذا مطلق، نعم، ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [(١٤٥) سورة الأنعام] نعم مقيد، وحينئذٍ في مثل هذه الصورة يحمل المطلق على المقيد فيه خلاف وإلا ما في خلاف؟ هاه؟ بدون خلاف بالاتفاق، لماذا؟ نعم؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم للاتفاق في الحكم والسبب، للاتفاق في الحكم والسبب.
((أحلت لنا)) التحليل بمعنى الإباحة، والحلال هو المباح ضد الحرام، الحلال ضد الحرام، أو نقيض الحرام؟ نعم؟ ضد، لماذا؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كلاهم مفقود؟ هاه؟ أو كلاهم موجود؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 60
لا، ما يمكن يجتمعان، الضدان لا يجتمعان، كما أن النقيضين لا يمكن أن يجتمعا في الاجتماع يشترك الضد والنقيض، لكن في الارتفاع النقيضان لا يرتفعان، والضدان يمكن أن يرتفعا، وهنا تقابل الحل والحظر تقابل ضدية؛ لأنه يمكن أن يرتفع الحكم عن هذه العين؛ لأنها ليست حلال ولا حرام، إنما هي مكروهة أو مستحبة نعم.
((أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت)) الجراد معروف، وجاء في الحديث الصحيح: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد، فجاز أكله، وحله إجماع بين أهل العلم، إلا ما يذكره بعضهم عن جراد الأندلس وهو أن فيه مادة سامة مضرة، فيمنع ويحرم من أجل الضرر، وإلا فالأصل أن الجراد مباح.
والحوت: وتقدم هذا في الحديث الأول: ((الحل ميتته)) وعرفنا أن المراد به ما لا يعيش إلا في البحر، ولا فرق في ذلك بين الميت في البحر مما طفا على وجهه، أو جزر عنه، أو أخرج منه فمات، فهو حلال، شريطة ألا يعيش إلا في البحر، وأما ما يعيش في البر والبحر. . . . . . . . . كان مما يجوز أكله.
وأما الدمان فالكبد والطحال، لا شك أن الكبد والطحال دم متجمد، وهي حلال بهذا النص، فهو مخصص للآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] كما عرفنا.
جاء في الحديث مما يستدل به من لا يجيز أكل الطافي يعني مات في البحر ثم طفا ((ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوا، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه)) مخرج في المسند والسنن لكنه ضعيف، لا يعارض به مثل هذا الحديث، وأيضاً النبي ﵊ أكل من الحوت الكبير الذي عثرت عليه السرية وأكلوا منه مدة فذهبوا بالبقية إلى النبي ﷺ فأكل منه، هذا في الحديث في البخاري، نعم.
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه, فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)) أخرجه البخاري وأبو داود وزاد: ((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)).
стр. 61
حديث: "أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقع الذباب)) " وهو معروف أيضاً، يقول بعضهم: إن سبب تسميته هو أن أصل التسمية ذُبّ فآب يعني طرد فرجع، طرد فرجع، هذا وصفه باستمرار، يطرد فرجع صار ذباب، خففت إلى ذباب، وهو معروف لا يحتاج إلى مزيد بسط في سبب التسمية، وذكْر خواصه.
((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه)) هذا أمر شرعي واللام لام الأمر ((ثم لينزعه)) وهذا خلاف ما يقوله الأطباء، وأنه يحمل ملايين الجراثيم، نعم، يحمل ملايين الجراثيم، لا شك أن في جناحه -في أحد جناحيه- داء، ولتكن جراثيم، لكن علاج هذه الجراثيم في الجناح الآخر، وقول بعض أهل الترف:
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
هذا لو مسه الجوع ما فعل مثل هذا الفعل، والمسألة شرعية، قد يقول قائل وقد قيل ممن تكلم في الحديث من المتقدمين يقول: من أين للذباب العقل والفهم والتمييز بحيث يقدم الجناح الذي فيه الداء؟ وهل هذا مطرد؟ نقول: نعم مطرد، وكونه يعقل هو لا يعقل، لكن عند هذه المخلوقات -وإن كانت غير عاقلة- عندها من الملكات ما يحصل به تمييز ما ينفع وما يضر، بهيمة الأنعام إذا جرت إلى الذبح تنقاد وإلا ما تنقاد؟ لا تنقاد إلا بقوة، تقبل على ما ينفعها من أكل وشرب، وتهرب مما يضرها من سبع وجزار وما أشبه ذلك، فهذه قوى مدركة، فهذا الكلام الذي قاله بعضهم وما زال الكلام في حديث الذباب جاري من بعض من لا ينقاد للنصوص الشرعية إلا إذا عرضها على عقله فهذا خطر عظيم، كل نص وإن صح لا يقبله عقله لا بد أن يكون عنده فيه وقفة، لا شك أن مثل هذا يخشى عليه من الزيغ، يعني شخص يقول في حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) والحديث في البخاري، يقول: الواقع يرد ذلك، تولت النساء فصرن أفضل من الرجال، وضرب مثل: إندي رغاندي وجولد مائير وتتشر، يعني هذا لو قاله عدو غير مسلم، ولا أتصور أن الوقاحة بالأعداء تصل إلى هذا الحد ليقولوا لنا مثل هذا الكلام، فكيف يقول هذا الكلام ممن ينتسب إلى العلم بل ينتسب إلى الدعوة، يرد حديث في صحيح البخاري لأن جولد مائير هزمت العرب رئيسة وزراء اليهود.
стр. 62
صديق حسن خان العالم المعروف، ولو قيل ما قيل بالنسبة لمؤلفاته، لكنه من أهل العلم في الجملة، كان ممن يحضر الدرس ملكة هوذال في الهند فلما وصلوا إلى هذا الحديث تزوجها وتنازلت له عن الملك،. . . . . . . . . لا إشكال في أنه لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، هذه هي الحكمة، لا بد من الانقياد والتسليم، سواءً أدركنا أو لم ندرك إذا صح الخبر، هناك أمور لا بد أن يقف العقل دونها، لا يمكن أن يستوعبها عقل مهما بلغ من الذكاء والفطنة والخبرة، كون الشمس كما في الحديث الصحيح وهي في فلكها تسير، تسجد تحت العرش كل ليلة، يمكن أن يستوعب مثل هذا؟ ما يستوعبه عقل، لكن نرضى ونسلم، أدركنا أو لم ندرك، الرب -جل وعلا- ينزل في آخر كل ليلة، في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، ويقرر أهل العلم أن العرش لا يخلو منه، يدركه عقل وإلا ما يدركه؟ ما يدركه عقل، يعني. . . . . . . . . هنا لا يتطاول العقل إلى الوصول إليها، وهنا يقال: من أين للذباب أن يعقل فيقدم هذا الجناح ويؤخر ذاك؟ فيرد الحديث بمثل هذا الهراء، وهذا قاله بعض المتقدمين وكثير من المتأخرين، من أين للنملة وهي تجمع الطعام في جحرها، ومأواها أن تقسم الحبة نصفين لئلا تنبت؟ من أين لها العقل حتى تفعل مثل هذا الفعل؟ تكسر الحبة نصفين على شان ما تنبت لو جاءها رطوبة نبتت وخسرتها؟
ذكر شراح الصحيح أن فرساً أكره على أن ينزو على أمه فما رضي، حاولوا، ضربوه، أكرهوه، ألزموه، حملوه، ما نزا على أمه، فرس، فجللت الأم، غطيت، فنزا عليها؛ لأنه لا يعرفها، غطيت، فلما كشف الغطاء قطع ذكره بأسنانه، من أين لهذا الفرس أن يصنع مثل هذا الفعل؟ ويوجد مع الأسف الشديد بين المسلمين بسبب البعد عن الدين، وبسبب أسباب الشر والفساد التي انتشرت بين المسلمين مسخ الفطر من يقع على المحارم، نسأل الله السلامة والعافية، فالحيوانات خير منه، في هذا الباب، نعم هو لا يكفر بهذا، لكن يبقى أنه ممسوخ الفطرة، ومسخ القلوب أعظم من مسخ الأبدان، كما يقرر أهل العلم، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 63
على كل حال الحديث صحيح، هو في البخاري وليس لأحد أن يتكلم فيه بحال، مهما بلغت منزلته من العلم، ومن أنكره لا حجة له إلا مقتضى عقله والعقل وشواهد الأحوال تشهد لمثل هذا الحديث.
((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء, وفي الآخر شفاء)) هذا يدل على أن الذباب لا ينجس ما وقع فيه ولو مات؛ لأن الشراب إذا كان حاراً ووقع فيه الذباب فالذي يغلب على الظن أنه يموت، يقول أهل العلم أخذاً من هذا الحديث: إن كل ما لا نفس له سائلة فإنه لا ينجس بالموت، ما لا نفس له سائلة يعني ليس له دم، فإنه لا ينجس ولو مات "رواه البخاري وأبو داود، وزاد: ((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)) على كل حال يقول أهل التجربة: إن لدغة العقرب والزنبور إذا دلكت بالذباب فإنه يبرأ -بإذن الله تعالى-، لوجود هذا الدواء الذي بجناحه الآخر.
طالب:. . . . . . . . .
إيش هو؟
طالب:. . . . . . . . .
إيش فيه؟
طالب:. . . . . . . . .
شكله، أقصد جميل وإلا قبيح؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا الذباب على صغره وقبحه لو اجتمعت قوى الدنيا كلها ما استطاعت تصنع مثله ﴿إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [(٧٣) سورة الحج] لو اجتمعت الدنيا كلها، لو خطف الذباب شيء مهما صغر ودق ما يمكن تسلبه ولا قوى العالم كلها ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [(٧٣) سورة الحج] الله المستعان.
على كل حال الذباب اسم للجنس، جنس هذا الطائر الصغير سواءً صغر أو كبر، فيدخل في الحكم.
نأخذ الحديث الذي يليه وإلا دخلنا على وقت الشيخ؟ لأن هذا الحديث مكمل للباب لكن ...
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
الأمر ما في شك أنه لمصلحة البدن هنا، لمصلحة البدن، فكون. . . . . . . . . من هذا الطعام ويريقه مع اعتقاده صحة الخبر وأن فيه .. ، ما يضره هذا، ما يضر، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إذا وقع في الشراب لا شك أن هذا الداء ينتشر في الشراب، أما في الطعام لا ينتشر، يبقى المكان الذي وقع فيه محدود يلقى وما حوله وينتهي الإشكال.
اللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 64
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: سم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
"وعن أبي واقد الليثي -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال النبي ﷺ : ((ما قطع من البهيمة -وهي حية- فهو ميت)) أخرجه أبو داود, والترمذي وحسنه, واللفظ له".
راوي الحديث أبي واقد الحارث بن عوف صحابي شهير بدري في أشهر أقوال أهل العلم، وقيل: إنه من مسلمة الفتح، لكن الأول أقوى، مات سنة ثمان وخمسين بمكة، أبو واقد اختلف في اسمه على أقوال، لكن أشهر هذه الأقوال أن اسمه: الحارث بن عوف.
يقول أبو واقد ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((ما قطع من البهيمة -وهي حية- فهو ميت)) أخرجه أبو داود والترمذي" وأحمد والحاكم والبيهقي "وحسنه" الترمذي والألباني، وله طرق يشد بعضها بعضاً، فهو حسن كما قال الترمذي.
((ما قطع من البهيمة)) والحديث وإن كان سنده في الأصل عند الترمذي لا يسلم من مقال، لكن له شواهد عن أبي سعيد وابن عمر وتميم الداري وغيرهم، فهو بهذه الشواهد يبلغ درجة الحسن.
وله سبب: وهو أن النبي ﵊ قدم المدينة، وبها ناس يعمدون إلى أسنمة الإبل وإليات الغنم فيجبونها وينتفعون بها، يأتي إلى ألية الشاة أو الخروف فيجبها، ويذيبها ويستفيد منها، ومثلها سنام البعير، فقال النبي ﵊: ((ما قطع من البهيمة -وهي حية- فهو ميت)) وكل ما قطع من ذي روح يأخذ حكمه ميتاً، فما قطع من الإنسان، ما أبين من الإنسان طاهر وإلا نجس؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
طاهر لماذا؟ لأن المسلم لا ينجس، لا ينجس بالموت، وكل على مذهبه في المشرك، في الكافر، هل هو نجس عين؟ أو نجاسته معنوية؟ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [(٢٨) سورة التوبة] .. إلى آخره.
стр. 65
فمن يقول: بأن النجاسة حسية يقول: ما أبين من الكافر فهو نجس، فإذا كان نجس في حال الحياة فهو في حال الموت من باب أولى، وما أبين من المسلم فهو طاهر؛ لأن المسلم لا ينجس بالموت.
وما أبين من الغنم والإبل والبقر حكمه حكم الميتة من هذه الأنواع وهذه الأصناف، وما أبين من السمك والجراد حكمه حكم الميت من هذين النوعين، طاهر وهكذا؛ لأن الحديث عام، ((ما قطع)) و (ما) من صيغ العموم ((ما قطع من البهيمة -وهي حية- فهو ميت)) من البهيمة، والفقهاء أخذوا من هذا العموم أن النص شامل للبهيمة وغيرها، ولذا يقولون ويعبرون: ما أبين من حي فهو كميتته، ويقولون: إن قوله: ((من البهيمة)) على سبيل المثال؛ ولأن سبب الورود كان في البهيمة، لا شك أن البهيمة تدخل في النص دخولاً أولياً؛ لأنها منصوص عليها، لكن الحكم واحد عند أهل العلم، ما أبين من كل حي فهو كميتته، فما هو طاهر في الحياة فهو طاهر إذا أبين،. . . . . . . . . ما تثبت طهارته له بعد الموت كالآدمي، والسمك والجراد، فإن ما أبين منه فهو طاهر، وإذا كان يتأثر بالموت ويتنجس فإن ما أبين منه وما قطع منه فإنه يكون حينئذٍ نجساً، نعم.
باب الآنية:
"باب الآنية:
عن حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) متفق عليه.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) متفق عليه".
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب الآنية" وعرفنا ما قيل في الباب، وأنه في الأصل موضوع لما يدخل منه ويخرج معه، في الأبواب الحسية، وأهل العلم جعلوا له حقيقة عرفية عند أهل العلم، لما يضم مسائل من العلم، كباب المياه وباب الآنية وما أشبه ذلك، والآنية جمع إناء، والإناء معروف اتفقت فيه الحقائق الثلاث.
стр. 66
الآنية هي الأوعية، جمع إناء كما أن الأوعية جمع وعاء، لغة وشرعاً وعرفاً، فالحقائق الثلاث تواطأت على أن الآنية هي الأوعية، ففي اللغة: الإناء هو الوعاء، وفي الشرع: الإناء هو الوعاء، والظرف، وفي العرف كذلك.
ولما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- المياه وأنواعها، وما يؤثر فيها ذكر الظرف الذي لا بد منه لهذه المياه؛ لأن الماء لا يتماسك بنفسه، بل لا بد له من ظرف، فالحاجة قائمة إلى معرفة الظرف الذي يحوي هذا الماء، يروي الحافظ -رحمه الله تعالى- عن حذيفة؛ لأننا ذكرنا أن الجار والمجرور عن حذيفة أو عن غيره من الصحابة متعلق بمحذوف تقديره: أروي عن فلان، وإذا كان الحديث في أول الباب لا يؤتى بالواو، ولذلك تلاحظون، أروي عن حذيفة وأروي أيضاً عن أم سلمة، فالثاني معطوف على الأول، والأول مستأنف.
"عن حذيفة بن اليمان" حذيفة بن اليمان بن حسل أو حسيل، صحابي جليل وأبوه كذلك اليمان، هما صحابيان جليلان، حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ ، أفضى إليه النبي ﵊ ببعض الأسرار فيما يخص المنافقين والفتن التي تكون في آخر الزمان، فهو صاحب السر، وكان عمر ﵁ لا يصلي على الشخص الذي لا يصلي عليه حذيفة، مات بالمدائن سنة خمس أو ست وثلاثين.
"قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما)) " كأن الإناء هنا الوعاء الخاص بالشرب ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما)) وهو شامل لكل إناء يوضع فيه الطعام، والتعبير بالصحفة أو الصحاف من باب التمثيل، وإلا لو أكل الإنسان في قصعة من ذهب أو فضة دخل في الحديث، كونه ينص على الصحفة وهي ما تشبع الخمسة فيما قاله الكسائي وغيره، دخل في الحديث، وغير الصحفة من آنية الذهب، ومثلها ما يؤكل به كالملعقة والشوكة والسكين وما أشبه ذلك من أدوات الأكل.
стр. 67
((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم -أي للكفار- في الدنيا)) والضمير يعود إليهم، وإن لم يجرِ لهم ذكر، فإن السياق يفيد أنهم هم المقصودون بالخبر، ((لهم في الدنيا)) هم الذين يباشرون مثل هذه الأشياء، وهم الذين يستعملونها؛ لأنهم لا يتدينون بدين، ولا يرجون ثواباً ولا يخشوع عقاباً ((ولكم في الآخرة)) لكم أيها المسلمون الذين التزمتم ما أمرتم به، واجتنبتم ما نهيتم عنه، جزاءً وفاقاً امتنعتم عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فأبيحت لكم وخصصت لكم في الآخرة، كما أن من شرب الخمرة في الدنيا لم يشربها في الآخرة، من سمع الغناء في الدنيا، لم يسمع غناء الحور العين في الآخرة، وهكذا جزاءً وفاقاً.
((فإنها لهم في الدنيا)) هذا إخبار وليس بحكم، ليس معنى أن هذا مباح لهم، لكن هذا إخبار عن حالهم وعن واقعهم، فلأنهم لا يتدينون بدين، ولا يخشون عقاب، ولا يرجون ثواب يستعملونها، وإلا فهم ممنوعون حكماً من استعمالها، على القول الراجح من أقوال أهل العلم في مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كمخاطبتهم بأصولها عند جمهور العلماء.
ومنهم من يقول: هم غير مخاطبين مطلقاً، ومنهم من يقول: هم مخاطبون بالكف عن المحرمات دون فعل الواجبات والمأمورات؛ لأن فعل المأمورات يحتاج إلى نية، وهم ليسوا من أهل النية، أما الكف فيحصل من غير نية، لكن القول المرجح عند جمهور أهل العلم: أنهم مخاطبون.
يقول الله : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [(٤٢ - ٤٤) سورة المدثر] .. إلى آخره، فذكروا في أول ما ذكروا فروع من فروع الشريعة، كان سبباً في دخولهم النار، ومعنى أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقبون عليها، ويزاد في عذابهم في الآخرة إضافة إلى عذابهم على عدم الإيمان بالله .
стр. 68
قد يقول قائل: إذا كانوا بحيث لا تصح منهم العبادات في الدنيا، ولا يطالبون بقضائها إذا أسلموا فما معنى مخاطبتهم بالفروع؟ معناه ما سمعتم، أنهم يزاد عليهم في العذاب من أجلها، وكونهم لا يطالبون بها حال الكفر لأنها لا تصح إلا بالنية والنية من غير المسلم ليست صحيحة، قصد التعبد لله لا يمكن أن يصدر من غير مسلم، ولا يكلفون بقضائها إذا أسلموا ترغيباً لهم في الإسلام، فلو أسلم كافر وعمره سبعون سنة، هل يقال له: عليك أن تقضي الصلوات والصيام مدة خمس وخمسين سنة يعني بعد التكليف؟ لا يقال له ذلك ترغيباً في الإسلام؛ لأنه لو قيل له ذلك احتمال أن يقول .. ، يرجع عن إسلامه، احتمال أن يقول: ما لازم نسلم هذه مشقة عظيمة، فمن باب الترغيب له في الإسلام لا يؤمر بقضائه.
يلزم على قول من يقول: أنهم غير مخاطبين لتخلف الشرط المصحح لهذه الفروع، يلزم عليه أننا لا نأمر بالصلاة إلا المتوضأ، ما نؤمر أحد نقول له: صلِ؛ لأننا ما ندري هو متوضأ أو ما هو متوضأ؟ نقول له: توضأ، توضأ قبل، نأمر الناس بالوضوء، ثم نأمر من توضأ بالصلاة، لماذا؟ لأن الصلاة لا تصح من غير وضوء، وهذا لا يقول به الحنفية ولا غيرهم، الذين يقولون: إنهم غير مخاطبين بالفروع، بل يؤمر بالصلاة وبما تتطلبه الصلاة من شروط، وحينئذٍ يطالب بالفروع، الكافر يطالب بالفروع وبما تتطلبه هذه الفروع من شروط وهكذا.
((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما)) النص ثبت في الأكل والشرب، وجماهير أهل العلم ألحقوا بالأكل والشرب سائر الاستعمالات، سائر الاستعمالات، فلو كان مع الرجل المسلم قلم من ذهب أو ساعة من ذهب أو ما أشبه ذلك عند جماهير أهل العلم يحرم عليه استعمال هذا الذهب.
стр. 69
النص لا شك أنه ثبت في الأكل والشرب، وألحق به جماهير أهل العلم سائر الاستعمالات، خلافاً لمن يقول: بالاقتصار على النص، كما هو قول أهل الظاهر، ويرجحه الصنعاني وبعض العلماء، وقالوا: إن التعبير بالاستعمال لا تستعملوا آنية الذهب والفضة، أو لا تستعملوا الذهب والفضة تحريف للفظ النبوي، وإلحاق غير الأكل والشرب في التحريم من شؤم تبديل اللفظ النبوي، لكن جماهير أهل العلم على تحريم سائر الاستعمالات، لماذا؟ هم يقولون هذا من باب قياس الأولى، من باب قياس الأولى، كيف؟ يقولون: إذا منع الأكل والشرب في الآنية مع أن الحاجة داعية لهذه الآنية قد تكون الحاجة داعية فمنعوا، فمنع سائر الاستعمالات من باب أولى، الحاجة أدعى للأكل والشرب، وقد لا يكون بحضرته إلا إناء ذهب أو فضة ومع ذلكم يحرم استعماله، فتحريم استعمال غير الآنية من باب قياس الأولى، بمثابة الضرب للوالدين بالنسبة للتأفيف، والقياس ظاهر؛ لأن العلة موجودة فخر وخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وتضييق على النقدين، وما أشبه ذلك، كلها موجودة في سائر الاستعمالات.
والمعروف أن الفضة هي المعدن الأبيض المعروف، ولا تحتاج إلى تعريف، وهي الورق، ومنها تسبك الدراهم، وأما الذهب فهو الأصفر المعروف الذي تسبك منه الدنانير، تضرب منه الدنانير، وهل يدخل فيه الذهب الأبيض أو لا يدخل؟ والذهب الأسود؟ الذهب الأسود إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
البترول، نعم، يدخل في تحريم الذهب البترول، الناس يسمونه الذهب الأسود، لا يدخل؛ لأن حد الذهب وحقيقته تختلف اختلافاً تاماً عن البترول فلا يدخل.
بقي الذهب الأبيض، الذهب الأبيض حده وحقيقته ذهب، تبر، مثل الذهب الأصفر سواءً بسواء، على ما يقوله أهل الصنعة، إلا أن اللون أحياناً يُجعل أبيض، وأحياناً يُجعل أصفر، فكونه يطلى بمادة تجعله أبيض أو العكس لا أثر لهذه المادة، فالذهب الأبيض في حكم الأصفر داخل في التحريم.
стр. 70
ثم هل يلحق بالذهب والفضة الأحجار الكريمة النفيسة الياقوت والمرجان وما أشبه ذلك، والماس، مما يختلف عن الذهب والفضة في الحد والحقيقة؟ جمهور أهل العلم على عدم إلحاق هذه الأشياء بغير الذهب والفضة؛ لأن الأصل فيها الإباحة.
حديث: "أم سلمة ﵂" هند بنت أبي أمية، هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة، ثم توفي زوجها فتزوجها النبي ﵊ "قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) يعني من باب أولى الذي يشرب في إناء الذهب، وقد جاء في بعض الروايات عند مسلم: ((الذي يشرب في إناء الفضة والذهب)) والرواية المتفق عليها كما عندكم ((الذي يشرب في إناء الفضة)) وعند مسلم جاء: ((الذهب والفضة)).
((الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) نسأل الله العافية، الجرجرة: صوت وقوع الماء على ما يقع عليه، ومنه الجرة، جرة البعير والغنم، لها صوت، تردد الطعام في مريئه، وإلى المعدة وخروجه منها له صوت، فالذي يشرب في هذه الآنية المحرمة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، ونار مفعول في رواية الأكثر، ويحتمل أن تكون أيضاً مرفوعة؛ لأنها فاعل الجرجرة، يعني تتجرجر في بطنه نار جهنم، لكن أكثر الروايات على النصب.
الشخص الذي يشرب يجرجر في بطنه نار جهنم، وهذا في غاية التحذير، كالذي يأكل مال اليتيم ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [(١٠) سورة النساء] نعم.
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) أخرجه مسلم، وعند الأربعة: ((أيما إهاب دبغ)).
وعن سلمة بن المحبق -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((دباغ جلود الميتة طهورها)) صححه ابن حبان.
حديث ميمونة.
"وعن ميمونة ﵂ قالت: "مر النبي ﷺ بشاة يجرونها، فقال: ((لو أخذتم إهابها؟ )) فقالوا: إنها ميتة، فقال: ((يطهرها الماء والقرظ)) أخرجه أبو داود والنسائي".
стр. 71
جلود الميتة حكمها حكم الميتة، نجسة لكن هل يمكن تطهيرها؟ نجاسة الجلود عينية وإلا حكمية؟ نعم؟ عينية وإلا حكمية؟
طالب:. . . . . . . . .
الذي يقول: يمكن تطهيرها يقول: نجاستها حكمية، كالثوب الذي وقعت عليه نجاسة يمكن تطهيره، لكن الذي يقول: نجاستها عينية بحيث لا يمكن تطهيرها، تكون نجاستها عينية كالعذرة لا يمكن تطهيرها.
((إذا دبغ الإهاب فقط طهر))، ((أيما إهاب دبغ فقط طهر)) والدباغ معروف، توضع مواد على الجلد بحيث يطيب فتذهب منه الرائحة والرطوبة المؤثرة فيه، والإهاب بزنة كتاب هو الجلد، هو الجلد، وخصه بعضهم كالأزهري بالجلد الذي لم يدبغ، لم يتم دباغه، فأيما إهاب إذا دبغ، أو إذا دبغ الإهاب فقط طهر، وعند الأربعة وعرفنا أن المراد بالأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: ((أيما إهاب)) وهذه من صيغ العموم وهو حديث صحيح ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) والحديث وما جاء في معناه من النصوص الصحيحة الصريحة تدل على أن الإهاب يُطهر جلد الميتة ظاهراً وباطناً؛ لأنه إذا طهر فقد انتقل من حيز النجس إلى حيز الطاهر، هذا ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، ولفظ العموم الوارد عند الأربعة ((أيما إهاب)) يدل على أن الدباغ يطهر جلود الميتة أياً كانت من مأكول وغير مأكول، لو دبغ جلد حمار على هذا يطهر، دبغ جلد كلب يطهر، دبغ جلد أرنب ميتة أو شاه أو بقرة يطهر؛ لأن الرسول ﵊ يقول: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) وهذا الذي يدل عليه العموم، حتى جلود السباع تطهر ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).
стр. 72
والنهي الوارد عن استعمال جلود السباع والنمور لا لأنها نجسة إذا دبغت، لكونها جلود سباع تبقى طاهرة لكن استعمالها لا يجوز، ويبقى ما عداها إذا طهر جاز استعماله، وحينئذٍ يطهر ظاهراً وباطناً فيصلى فيه ويصلى عليه، من أهل العلم من يرى أنه لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم إذا دبغ، وما عداه يبقى على نجاسته لا يمكن تطهيره؛ لأنه جاء في بعض الروايات: ((دباغ الأديم ذكاته)) أو ((ذكاة الأديم دباغه)) فجعلوا الدباغ بمنزلة الذكاة، والذكاة لا تحل إلا مأكول اللحم، فلا تحل الذكاة ما لا يؤكل لحمه، إذا ذكي الكلب يطهر وإلا ما يطهر؟ ما يطهر، والدباغ بمنزلة الذكاة فعلى هذا الذكاة والدباغ لا يحلان إلا ما كان مأكول اللحم، هذه حجة من يقول: إن الجلد إذا كان من مأكول اللحم فإنه يطهر بالدباغ، ويطهر ظاهراً وباطناً، يصلى فيه ويصلى عليه.
هذان قولان: إن الدباغ يطهر ظاهراً وباطناً جميع جلود الميتة سواءً كانت مأكولة أو غير مأكولة، والقول الثاني: إنه يطهر ظاهراً وباطناً جلد مأكول اللحم فقط، وعرفنا حجته، من أهل العلم من يقول: إنه لا يطهر الجلد مطلقاً، بل يبقى نجس؛ لأن نجاسته عينية.
لو وقع كلب في ماء ومكث فيه سنين، يطهر وإلا ما يطهر؟ لا يطهر؛ لأن نجاسته عينية، فالنجاسة العينية لا تطهر، لا يمكن تطهيرها، ومنهم من يقول: يطهر الجلد ظاهراً لا باطناً، يطهر الجلد ظاهراً لا باطناً، وجه الجلد الخارجي يطهر، لكن باطنه لا يمكن تطهيره؛ لأن نجاسته عينية، وعلى هذا يفرعون على هذا أن الصلاة تصح عليه فيكون الحكم حينئذٍ كمن طين أرضاً نجسة أو فرش عليها فراش وبساط يمكن أن يصلي وإن كان الباطن نجس، لكن ما يصلي فيها، لماذا؟ نعم؛ لأنه يحمل نجاسة وهو في الصلاة؛ لأنه يحمل النجاسة وهو في الصلاة، وإن كانت مغلفة بطاهر لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة ولو كانت مستورة.
من أهل العلم من يرى أن الدباغ لا أثر له في التطهير، ومنهم من يقول: إن جلد الميتة طاهر دبغ أو لم يدبغ.
стр. 73
والمعروف عند الحنابلة أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، لا يطهر بالدباغ لحديث عبد الله بن عكيم "جاءنا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر أو شهرين: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) والحديث لا يسلم من مقال، فقد حكم عليه جمع من أهل العلم بالاضطراب، حكم عليه جمع من أهل العلم بالاضطراب فلا يقاوم ما ثبت في الصحيح، على أنه لو صح قلنا: إن الإهاب هو الجلد ما لم يدبغ، الإهاب هو الجلد ما لم يدبغ، وعلى هذا فالصحيح ما دلت عليه هذه النصوص وهو أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، ويستعمل في المائعات واليابسات، ويصلى فيه ويصلى عليه، ويشمل ذلك جميع الجلود سواءً كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة، سباع ونمور أو غير سباع، لعموم قوله ﷺ : ((أيما إهاب دباغ فقد طهر)) أيما إهاب، تبقى جلود السباع منهي عن استعمالها، وهذا فيه حل لإشكال كبير، أسواق المسلمين فيها من الجلود ما لا يعلمون ما أصله، هل هو مأكول أو غير مأكول؟ فينتفي الحرج حينئذٍ.
في حديث: "سلمة بن المبحق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((دباغ جلود الميتة طهورها)) " وهذا الحديث مخرج عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان، وعلى كل حال هو حديث صحيح، وهو يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس السابق.
стр. 74
"عن ميمونة -أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية- ﵂ قالت: "مر رسول الله ﷺ بشاة يجرونها، فقال: ((لو أخذتم إهابها؟ )) وفي روية: ((هلا انتفعتم بإهابها؟ )) "فقالوا: إنها ميتة" هل يمكن أن يخفى على النبي ﵊ أنها ميتة وهم يجرونها؟ المذكاة يمكن أن تلقى، تجر وتلقى؟ فقالوا: إنها ميتة، كأنهم استغربوا أن ينتفع بجلد ميتة "فقال: ((يطهرها الماء والقرظ)) والقرظ مادة مطهرة كالأرطى، شجر الأرطى يدبغ به، تطهر به الجلود ((يطهرها الماء والقرظ)) وهذا نص في الموضوع لا سيما فيما يؤكل لحمه، فعلى هذا يطهر جلد الميتة بالدباغ، ويحصل الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه، ولا يقتصر على نوع معين؛ لأن الدباغ أطلق في النصوص، وجاء بعض أنواع ما يدبغ به كالماء والقرظ، لكن هناك الشص والقرظ والأشنان والأرطى وقشور الرمان، كلها يطهر بها الجلد، فإذا حصلت طهارته بأي شيء وطاب بعد أن كان فيه من فضلات النجاسة شيء فإنه حينئذٍ يطهر.
والحديث مخرج عند أبي داود والنسائي وأحمد، ويشهد له حديث ابن عباس السابق فهو حسن، إن كان الحديث فيه مقال، فيه ضعف يسير وشاهده في الصحيح، في البخاري مثلاً أو في مسلم، هل نقول: إنه حسن لغيره أو صحيح لغيره؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 75
الحديث لا يصل إلى درجة الحسن لذاته، فيه ضعف -أي حديث- وهذا الحديث الذي فيه ضعف ولا يصل إلى درجة الحسن لذاته له ما يشهد له في الصحيح، في البخاري أو مسلم أو هما معاً، هل يرتقي درجة واحدة؟ لأن الدرجة التي تلي درجة الضعيف المنجبر الحسن لغيره، نعم، أو يرقى درجات بحيث يصل إلى درجة الصحيح لغيره؟ هذه فائدة يحتاجها من يخرج الأحاديث، يشتغل بتخريج الأحاديث، بل إذا درس إسناد حديث ووجد فيه من الرواة من ضعفه منجبر، يقول: الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لأن في إسناده فلان بن فلان، وهو ضعيف، لكن يشهد له ما في صحيح البخاري من حديث فلان، إذن فالحديث حسن لغيره أو صحيح لغيره؟ المسألة خلافية، هل يرقى الحديث الضعيف بالجابر درجة أو درجتين؟ لو افترضنا أن شاهده في سنن أبي داود صحيح، نقول: صحيح وإلا حسن لغيره؟ هو صحيح بإسناد صحيح في سنن أبي داود، قد يقول قائل: لماذا أعتمد على هذا الحديث وأنا عندي حديث صحيح؟ نعم، أنت تعتني بكتاب بعينه، تخرج أحاديث كتاب، فأنت مطالب بالحكم على هذا الحديث الذي في هذا الكتاب، فأنت تحكم على حديث هذا الكتاب ثم تذكر ما يشهد له.
على كل حال المسألة خلافية، هل يرتقي الحديث بالشاهد الصحيح درجة واحدة أو درجتين؟ الأكثر على أنه لا يرقى إلا درجة واحدة، يكون حسن لغيره، ومنهم من يقول: ما المانع لا سيما إذا كان الشاهد في البخاري مثلاً أو مسلم أن نقول: الحديث صحيح؟ هو من حيث الصناعة الذي يغلب على الظن باعتبار أن راويه ضعيف، الذي يغلب على الظن ضعفه، لكن وجدنا ما يدعم الاحتمال الثاني وهو الصحة؛ لأن الضعيف قد يضبط، الضعيف قد يضبط، ولوروده في الصحيح عرفنا أن هذا الراوي الضعيف ضبط هذا الخبر، فنحكم عليه بالصحة، وإذا أراد الإنسان أن يخرج من هذا الخلاف كله يقول: الحديث بهذا الإسناد ضعيف، وقد صح الحديث من حديث فلان، أو وقد صح متنه من حديث فلان فيما رواه فلان وفلان، ويخرج من هذا الإشكال.
نعم حديث أبي ثعلبة.
"وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ " قال: ((لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها)) متفق عليه.
следующие страницы →