Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
ما حكم التورق؟ وهل هناك فرق بين من يشتري سيارة أو أسهم بالأقساط من شركة الراجحي ثم يبيعها علماً أن الأسهم ستكون من الشركات النقية؟
أولاً: مسألة التورق شرحناها مراراً، والخلاف فيها بين أهل العلم معروف، وفي أصلها ضعف، وأجازها جمهور أهل العلم للحاجة الداعية إليها، تزداد ضعفاً بالتوسع الذي يزاوله الناس في الأسواق، السيارة لا شك أنها أسلم من الأسهم بكثير، لماذا؟ لأن السيارة بضاعة مستقلة يملكها صاحبها ملك تام مستقل ثم يبيعها على من أراد التورق، ثم يقوم بدوره بقبضها القبض الشرعي المعتبر، يحوزها إلى رحله، وقد نهى النبي ﵊ أن تبتاع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، فالسيارة تمتاز عن الأسهم بهذا، فإذا حازها وباعها على طرف ثالث هذه لا إشكال فيها، أما الأسهم لا يستطيع أن يحوزها، ولا يستطيع أن يبيعها بنفسه، الإشكالات كثيرة، والتساهل والتهاون فيها كثير، حتى اكتفى بعضهم بتوكيل البنك، يقول: اقبض لي، وبع لي، واشترِ لي، إذاً ما لك دور أبداً، مسألة التورق مثلما سمعنا فيها ضعف، والخلاف فيها قوي تزداد ضعفاً بالتوسع، حتى قال بعضهم بل صرح أن القبض أمر اعتباري، يمكن في يوم من الأيام أن يستغنى عنه، كيف يستغنى عنه والرسول ﵊ نهى أن تبتاع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم؟ يعني بمجرد العد، مجرد النظر، مجرد القبض الاعتباري الذي يسمونه بالتخلية هذا كله الذي دعت إليه الحاجة، حاجة عدم القدرة على الحيازة، وإلا فالأصل الحيازة، اشتريت أسهم من شركة لا بد أن تنقل نصيبك هذا الأصل، اشتريت جزء مشاع، أو جزء من حديد أو من أسمنت لازم تحوزه إلى رحلك؛ لأن هذه سلعة، هذا الأصل، لكن قالوا: إن هذا مستحيل، يصعب مع الأموال الطائلة الكثيرة التي نقلها فيه مشقة، فأفتوا بجوازه، فهو على خلاف الأصل، فإذا وجد سلعة مثل السيارة على الأصل تحوزها إلى رحلك، فلا شك أنها أسلم.
يقول: نلاحظ أن الكثير من الفضلاء خريجي الكليات الشرعية يزهدون في إمامة الصلاة في المساجد، وفي تعليم الناس، فما توجيهكم؟
стр. 2452
هذا حرمان؛ لأن الإمامة فيها فضل، وفيها أجر، وكذلك التعليم فيه ما فيه من الأجور، وجاء فيه النصوص الكثيرة، فالتخلي عن مثل هذا حرمان.
علماً بأن بعضهم يقول: إنه لا يستطيع تعليم الناس حتى يرسخ في العلم.
وأقول له: لن يرسخ في العلم حتى يعلم الناس، وعلى هذا يلزم الدور، فعليه أن يعلم قبل أن يرسخ، يعلم ما تعلم، لا يلزم أن يقحم نفسه في كل مسألة يحسنها أو لا يحسنها، إنما يعلم ويبين للناس ما تعلمه.
رأى رجل قطعة أرض وهي ليست لأحد من الناس فذهب إلى شيخ قبيلته واشتراها منه وشيخ قبيلته لا يملكها أصلاً، وقاموا بزراعتها وكسب المال منها فهل يدخل تحت الوعيد؟
لا شك أن شيخ القبيلة آثم؛ لأنه باع ما لا يملك، والمشتري إن كان لديه علم بأن شيخ القبيلة لا يملكها فهو شريك له في الإثم، ومتعاون معه على الإثم والعدوان، وبيعه باطل، وزراعته باطلة.
علماً بأن شيخ القبيلة لا يملك الإقطاع، إنما الذي يملك الإقطاع هو ولي الأمر، ومن ينيبه في هذا الباب، علماً بأن المسألة خلافية، هل يملك بالإقطاع وهبة ولي الأمر؟ أو هو مجرد اختصاص لا بد من الإحياء؟ وعلى كل حال هذا التصرف باطل.
يقول: رجل أصابته جائحة وأخر أصلح بين رجلين وتحمل مبلغاً وكلا الرجلين ذهب ماله ولم يبقَ معهما إلا ما يقتاتان به فهل يجوز لهما أخذ ما خسراه من أموال الزكاة؟
إيش معنى جائحة؟ الجائحة التي تأتي على جميع المال فلا تبقي له ما يقوم به، فالذي تعرض للجائحة أو تحمل حمالة إذا أتى بالبينة يعطى من الزكاة؛ لحديث قبيصة بن المخارق.
يقول: إذا كفلت يد عاملة ...
كيف يد عاملة؟ عامل يعني؟ اليد هذه مقحمة، نعم العمل باليد في الأصل كما هو معروف.
اشترطت أن يشتغل خارج ملكي، وإذا أردت أن يشتغل عندي أن يأتي ويترك شغله خارجاً من دون مال.
يعني إذا جاء بعامل، كفل عامل، وأحضره إلى البلد، وتركه يشتغل لنفسه، جاء بسباك وإلا كهربائي قال: اشتغل، لكن بشرط إن احتجتك تجي، انكسر عنده ماسورة، أو تعطل عنده جهاز، اترك عملك فوراً وتعال، وأصلح لي ما فسد عندي من دون مقابل، هذا من أكل أموال الناس بالباطل.
стр. 2453
يقول: هل الصحيح في التشهد إثبات لفظة: أيها في قوله: السلام عليك أيها النبي، أم حذف اللفظة باعتبار قول من قال بأنها خاصة في حياته ﷺ ؟
على كل حال اللفظ توقيفي لا يتغير في حياته ولا بعد وفاته ﵊.
يقول: أبي يريد أن يتفق مع أحد العمالة الذين قد طلب من أبي أن يعمل في مزرعته في جزء منها وهو المرش على أن يكون الربح بينهما، وطلب من أبي أن يشتري له الكيماوي على أن يعطيه قيمته لاحقاً، هل هذا جائز؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
منهم من يشترط أن يكون البذر من صاحب الأرض، ومنهم من يجيز أن يكون من العامل، وعلى كل حال بالنسبة للقدر الزائد على الأرض والعمل، الأرض من جهة، والعمل من جهة أخرى القدر الزائد من ذلك على ما يتفقان عليه، فالمسلمون على شروطهم.
يقول: فهمنا الفرق بين القرض والدين ولكن ما الفرق بين الدين وبيع الأجل؟
لا فرق بينهما، الدين هو البيع إلى أجل.
يقول: إذا وصلت إلى مكة ثم أردت العمرة فهل أخرج إلى الحل ثم أحرم؟
نعم إذا أردت العمرة من داخل مكة، إذا أنشأت العمرة من داخل مكة فتخرج إلى الحل فتحرم من أدنى الحل، كما أمر النبي ﵊ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة من التنعيم.
يقول: إذا اشتريت أرضاً أو أكثر ولم أعرضها للبيع حتى يرتفع سعرها وكان الغرض من شرائها هو حفظ مالي فهل عليها زكاة؟
إذا لم يكن أصل الشراء للتجارة فلا زكاة فيها حتى تباع.
الطالب: أخذ أكثر من عمرة في السفرة الواحدة؟
стр. 2454
عمومات الأحاديث ((العمرة إلى العمرة)) و ((تابعوا بين الحج والعمرة)) يدل على أنه لا بأس به على ألا يشغل عما هو أهم منه، وعائشة ﵂ اعتمرت بعد عمرتها التي مع حجها، فلا يظهر في هذا وجه للمنع، كونه لم يفعله ﵊، وجاءت النصوص التي تدل على جوازه، عرفنا أنه قد يترك الفعل ﵊ خشية المشقة على أمته، قد يترك العمل الفاضل خشية أن يشق على أمته، وجاء التصريح بذلك، وجاء ما يدل على أن العمرة إلى العمرة كفارة، وتابعوا بين الحج والعمرة يدل على التكرار، فلا مانع من التكرار على أن لا يكون عائقاً عن عمل الأفضل، ما يترك الأعمال الفاضلة ويكرر العمرة.
طالب:. . . . . . . . .
كيف المقابل؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني جئت بعامل كفتله وقلت: اشتغل لك، يعني من باب التعاون معه، ثم احتجته في أن يعمل لك وأعطيته المقابل كما يعمل للناس ما في إشكال، الإشكال فيمن يأتي بالعمال ويبثهم في الأسواق، ويتشرط عليهم، ويكلفهم من أموالهم التي لا يستحقها مع مخالفته لما ورد في الأنظمة التي سنت لمصالح الناس، وليس فيها ضرر، وليس فيها مخالفة، وما دام ولي الأمر يمنع من هذا فهو ممنوع؛ لأنه ليس بمعصية، ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
стр. 2455
بعد هذا حديث: "ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) رواه ابن ماجه" وسند ابن ماجه ضعيف جداً، وفي الباب عن أبي هريرة يعني يشهد لحديث ابن عمر عند أبي يعلى والبيهقي، وفيه أيضاً عن جابر عند الطبراني، والأحاديث كلها ضعاف، لكن مجموعها، وكون الحديث يأتي من طرق، وعن جمع من الصحابة يدل على أن للأمر أصلاً، يدل على أن له أصلاً، ولذا حسنه بعضهم بشواهده، وهو جارٍ على الأصل في أن الأجير يبادر بإعطائه أجرته، وكونه قبل أن يجف عرقه هذه مبالغة في المبادرة؛ لأن التأخير مطل، والمطل حرام، المطل حرام لا سيما إذا طلب، فإذا كان المستأجر اتفق مع الأجير على مبلغ معين فبمجرد ما ينتهي يكون قد استحق، استحق هذا الأجر، فلا يجوز أن يماطل مع القدرة على الدفع، وإذا كان لا يستطيع الدفع بعد الفراغ من العمل لأنه لا يجد الأجرة فعليه أن يبين أن الأجرة قد تتأخر، أنا لا أملك الأجرة الآن انتظر علي أسبوع، شهر، فإذا رضي بذلك فالأمر لا يعدوه.
((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) قلنا: إن هذه مبالغة في عدم التأخير، وعدم المطل للأجير، والأجير الذي تعب في إنجاز هذا العمل، وعرق بسببه، والعرق لا يأتي إلا بسبب التعب، أو بسبب الحر الشديد، وقد يكون مضطراً إلى هذا العمل، فمثل هذا يجب أن يراعى، وأن لا يماطل، وأن لا يشق عليه، وأن لا يردد، وأن لا يضاع وقته، وعلى كل حال الحديث بجميع طرقه فيها ضعف، وبمجموعها يدل على أن للأمر أصلاً، وهو جارٍ على القواعد، وأن من استحق شيئاً لا يجوز تأخيره إلا بإذنه.
стр. 2456
يليه حديث أبي سعيد وهو ضعيف "عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((من استأجر أجيراً فليسم له أجرته)) " حديث ضعيف، لكن الاتفاق على الأجرة، أن تكون الأجرة معلومة هذا شرط من شروط صحة الإجارة، أن تكون الأجرة معلومة، إذا لم تكن الأجرة معلومة، وقال: تعال أصلح لي كذا، وقال له: بكم؟ قال: ما نختلف، هذه يفعلونها، يفعلها كثير من الناس، ثم إذا انتهى حصل الجدال والنزاع والخصام، أصلح السيارة بكم؟ إن شاء الله ما يحصل بيننا خلاف، خلص -إن شاء الله-، ما نختلف، أنا بأرضيك، ثم إذا انتهت السيارة قال: أخذ عشرة، قال: لا أريد مائة، يحصل الشقاق والنزاع، ولا شك أن تسمية الأجرة يحسم مثل هذه الخصومة، لكن إذا حصل مثل ذلك فالقول قول من؟ من الذي يقبل قوله؟ يقبل قول العامل باعتبار أنه .. ؟ أو يقبل قول الذي لم يفرط؟ لأنه عندنا طرف مفرط وطرف غير مفرط؛ لأنه أحياناً يأتي بسيارته ويقول له العامل: بكم؟ فيقول صاحب السيارة: ما نختلف، حينئذٍ يكون القول قول العامل، لكن لو قال صاحب السيارة: بكم؟ وقال العامل: ما نختلف، فالمفرط العامل، يأخذ ما يعطى، ولو رجع إلى أهل الصنف وأعطي أجرة المثل هذا أبرأ للذمة بلا شك، وإلا على كل حال الذي يفرط يتحمل تبعة تفريطه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 2457
إيه لكن ما يبدأ بإصلاحها حتى يعرف، يقول: دعني أكشف وأحدد، دعني أتأكد ماذا تطلب؛ لأن بعض أصحاب الورش يحتال على صاحب السيارة، يقول صاحب السيارة: أنا مستعجل، يقول: لا يا أخي سيارتك تحتاج إلى ثلاثة أيام، علشان يزيد في الأجرة، اذهب وبعد ثلاثة أيام تجي، وهي ما تحتاج إلا إلى سلك يربط بسلك آخر وتنتهي، ولا دقيقة، من أجل إيش؟ أن تكثر الأجرة؛ لأنه لو رآه يعقد سلك بسلك ما سمحت نفسه يعطيه ولا خمسة ريال، وهو يريد مبلغ جامد من الرجل، فمثل هذه الحيل موجودة سواء كانت من أصحاب المحلات، أو من أصحاب الحاجات ممن يحتاج إلى هؤلاء، فالحيل لا تجوز على أكل أموال الناس بالباطل، لا يجوز له، وإنما يأخذ بقدر عمله، وإذا أخذ بقدر عمله يبارك له فيه، فإذا قرر ما تحتاجه السيارة من العمل، والجهد الذي يبذل في تركيب هذه القطع، وحسب عليه قيمة القطع، وأجرة تركيبها هذا ما يستحقه، فإذا اتفقوا عليه من الأصل قال: أنا أشتري القطع وأعطيك الفواتير، وأحسب أجرة يدي كالمعتاد، مثل هذا -ووثق به- يدفع له ما يطلب إذا وثق به، وعلى كل حال التلاعب في أسواق المسلمين موجود بكثرة، فعلى مثل هؤلاء أن يتقوا الله -جل وعلا-، وأن يرفقوا بالناس ليبارك لهم، ومن صفة المسلم في بيعه وشرائه، في أجرته في تأجيره كله أن يكون سمح، سمح إذا باع، سمح إذا اشترى، سمح إذا قضى، سمح إذا اقتضى، يعطي بطيب نفس، يأخذ بطيب نفس، لا تكون المشاحة هي عادته وهي ديدنه، حينئذٍ تنزع البركات.
стр. 2458
"رواه عبد الرزاق، وفيه انقطاع" يعني في إسناده انقطاع، وهذا الانقطاع وصله البيهقي لكن من طريق الإمام أبي حنيفة ﵀، وهو إمام عند جمهور المسلمين، الإمام الأعظم، وإمام مقتدى به، وإمام متبوع، لا إشكال في كونه إماماً معظماً عند جمع غفير من المسلمين، لكنه في هذا الباب، في باب الرواية، يعني في باب الفقه إمام، جبل، إمام عظيم، بل يقولون: الأعظم، لكن في باب الرواية تكلم فيه أهل العلم من جهة حفظه، لا من جهة ديانته إنما من جهة حفظه، ورموه بسوء الحفظ، وهذا لا ينافي هذا، يوجد من الفقهاء الكبار من ضعف حفظه؛ لأن الحديث يصعب ضبطه وحفظه وإتقانه، وجمع أطرافه، لا سيما بالنسبة لمن يلتفت إليه مؤخراً، الذي يعتني بالحديث من أول الأمر بالتدريج يدرك، لكن الذي لا يلتفت إليه إلا بعد أن يكبر في السن، ويطعن في السن، مثل هذا يصعب عليه أن يجمع الحديث، ولذا وجد في كبار الأئمة في سائر العلوم من يوصف بسوء الحفظ، يوجد، القرآن يمكن ضبطه، وقد يكون أتقن القراء، أو من أتقن القراء، ومع ذلك إذا جاءت روايته للحديث ضُعف؛ لأن ضبط القرآن ممكن، وقد تكون عناية هذا الشخص بالقرآن من الصغر، فيضبطه ويتقنه، وإذا التفت إلى الحديث ضعف، قد تكون عنايته بالفقه من أبوابه ومن أصوله وعلى قواعده وضوابطه، ويتقن الفقه والنظر، يكون لديه النظر التام في المسائل العلمية، لكنه الحفظ عنده أقل، وهذا مشاهد، تجد بعض طلاب العلم، بل بعض أهل العلم إذا بحث مسألة أمامه هذه المسألة ذكر كل ما يتعلق بها مما يدور في فلكها، لكن إذا أراد أن يستدل لها بدليل نقلي صعب عليه؛ لأنه ما اعتنى بالحفظ من أول الأمر، وهذه عادة أهل الرأي، تجدهم في مسائلهم الفقيه فيها شيء من البسط، وفيها شيء من الاستطراد والتوضيح، وذكر الأشباه والنظائر، مسائل كثيرة يفرعونها على قواعد، لكن عند الاستدلال قد يضعف الواحد منهم، ولا يقال: إن أهل الرأي، ويقصد بذلك من مدرسة الكوفة كأبي حنيفة وغيره من أهل العلم أنهم لا يعتمدون على النصوص، عمدتهم النصوص، ولا فقه إلا بنص، لكن قد يكون الغالب على هذا الفقيه الرأي فينسب إليه، وقد يكون الغالب على هذا الفقيه الأثر فينسب إليه، وعلى كل حال
стр. 2459
العناية بالحديث ينبغي أن تكون هم طالب العلم بعد العناية بالقرآن، ولا مانع أن يضبط علم من العلوم ويكون فيه خلل في علوم أخرى، هذا موجود، ولا يوصم بأنه ضعيف في كل العلوم لأنه ضعف في علم من العلوم، فأبو حنيفة إمام في الفقه لكنه في الرواية أقل، عاصم بن أبي النجود إمام من أئمة القراء، قراءته من أجود القراءات، قراءته متواترة ومع ذلك هو في حفظه بالنسبة للسنة أقل، مغموز في حفظه، ومثل هذا لا يطعن في هذا، لماذا؟ لأن الاهتمام بباب أو بفن من الفنون يجعل الإنسان يتقنه، ولا يلزم منه أن يتقن جميع العلوم، لا يلزم في إنسان ولا يفترض في شخص أنه يتقن العلم كله بجميع فروعه وأبوابه، قد يكون الإنسان معروف مرجع في العربية، لكن إذا سألته عن العلوم الشرعية أقل، قد يكون في باب الفرائض مثلاً إمام، لكن تسأله في أبواب أخرى من أبواب الفقه أقل، وهذا لا يقدح فيه، ولا يعني أنه لا يستفاد منه في هذا الباب، أو يقال: إن في تحصيله لهذا الفن أو لهذا العلم خلل، فعاصم بن أبي النجود إمام من أئمة القراء، وضعفه في الحديث الذي ذكر عنه لا يؤثر على إمامته وقراءته أبداً في وجه من الوجوه، وكون الإمام أبي حنيفة ضعيف من ناحية الحفظ، لا يعني أنه ضعيف في مسألة النظر الصائب في المسائل الفقهية، لكن باعتبار ارتباط الفقه بالأثر الذي يجمع بينهما لا شك أنه أولى بالإتباع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2460
شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (١٨)
باب: إحياء الموات
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه بلوغ المرام:
باب: إحياء الموات
عن عروة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: ((من عمّر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق بها)) قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. رواه البخاري.
وعن سعيد بن زيد -رضي الله تعالى عنه- عن البني ﷺ قال: ((من أحيا أرضاً ميتاً فهي له)) رواه الثلاثة، وحسنه الترمذي، وقال: روي مرسلاً.
وهو كما قال، واختلف فيه صحابيه، فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمر، وقيل: عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عن الجميع- والراجح الأول.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: إحياء الموات
стр. 2461
الموات: بالتخفيف من الموت ضد الحياة، وموت كل شيءٍ وحياته بحسبه، والموت حقيقته فيما له روح تفارقه، هذا حقيقة الموت، وهذا موت الحيوان، وأما موت الجماد فهو ضد حياته التي هي عمارته بحيث يستفاد منه كالاستفادة من الحيوان الحي، وأما الأرض الميّتة أو الميتة والموات التي لا حياة فيها، وحياتها تتمثل بالإفادة منها، كما أن النبات له حياة وله موت، فحياته بنمائه، وموته بتوقف نمائه، ولذا يقولون: إن الشعر والظفر تحله الحياة التي هي بمنزلة حياة النبات، ولا تحله الحياة التي هي بمنزلة حياة الحيوان، ولذا يعامل معاملة من جهة، ومعاملة من جهةٍ أخرى، فباعتبار الحياة التي تشبه حياة النبات يجوز قصه حال حياة الحيوان، ويكون حينئذٍ طاهراً؛ لأنه لو كانت حياته مثل حياة الحيوان لقلنا: إنه لا يجوز قصه، وحينئذٍ يكون نجساً؛ لأنه ميتة؛ لأن ما أبين من حيٍ فهو كميتته، لكن تحله الحياة، وأيضاً حياته كالنبات لا كالحيوان، وفائدة هذا الكلام أنه يجوز قصه وجزّه حال حياة الحيوان الذي هو في الأصل ملتصق به، فباعتبار حياته لا يقال: إنه إذا قصّ وجزّ وتوقف نماؤه مات بعد أن كان حياً كحياة الحيوان فيكون نجساً، ولا يقال: إنه كجزء الحيوان وإن كان حياً، وتحله الحياة المناسبة له؛ لأنه لو قيل كذلك لقلنا: إنه لا يجوز قصّه كجزء الحيوان ويحكم بنجاسته؛ لأن حكمه حكم ميتته، فحياته كحياة النبات، هذا هو المقرر، وليس بميتٍ في الأصل؛ لأنه مشاهد، نموه مشاهد؛ لأن نموّه مشاهد، فيزيد مع الوقت.
الأرض الموات هي التي لا عمارة فيها، والتي لا ملك لأحدٍ عليها ولا اختصاص، هذه هي الأرض الموات، التي لا عمارة فيها ولا حياة تناسبها ولا ملكة فيها لأحد ولا اختصاص.
يقول -رحمه الله تعالى-:
стр. 2462
"عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((من عمّر)) " عمّر ويمكن ضبطه بالتخفيف، وجاء في بعض الروايات: ((من أعمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحقّ بها)) من عمّر وبالتخفيف أيضاً يضبط من عَمَر، وعمّر من التعمير، وعَمَر من العمارة ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [(٦١) سورة هود] يعني طلب عمارتكم لها؛ لأن السين والتاء للطلب، فطلب العمارة يناسب التخفيف؛ لأن التشديد عمّر مصدره تعمير، وأما رواية: ((أعمر)) فحكم بعضهم بضعفها من حيث الرواية، ومن حيث المعنى؛ لأن أعمر –الهمزة همزة التعدية هنا- تجعل الذي عمر هذه الأرض غير من أعمر، تجعل الذي يعمر الأرض ويتولى عمارة الأرض غير (من) التي هي في الأصل .. ، لا يعود على (من) التي هي الشرطية، إيش معنى هذا الكلام؟ يعني من (عمرّ) يعني بنفسه، من (أعمر) من طلب من أحدٍ أن يعمر هذه الأرض ((فهي له)) الضمير لمن؟ لو افترضنا أن هذه أرض ميتة بيضاء لا ملك فيها لأحد ولا عمارة ولا اختصاص، جاء زيد من الناس وسبق إليها، وقال لعمرٍ: أعمر هذه الأرض، لو أن زيداً هذا السابق لها والمتقدم إليها دون أن يسبق لأحدٍ له يد عليها لو أنه عمرها قلنا: عمّرها أو عَمَرها ماشي، لكن إذا كلّف أحداً يعمرها قيل: أعمر، وهذه يسمونها همزة التعدية، والفعل من الأصل متعدي، وبدلاً من أن يتعدى لواحد يتعدى لاثنين، إذا قلت: ذهب زيد، هل هو مثل قولك: أذهبت زيداً؟ لا، يختلف، فقولنا أو في الرواية: ((من أعمر)) يعني من كلّف أحد أن يعمرها ((فهي له)) على رواية: عمّر أو عَمَر ظاهر، الضمير يعود إلى هذا الذي سبق إلى هذا المباح الموات، وتكون له، واللام هذه لام ملك أو اختصاص؟ شبه ملك؟ "اللام للملك وشبهه" هل هذه اللام لام ملك أو لام شبه الملك الذي هو الاختصاص؟ إذا قلنا: الدار لزيد، والفرس لزيد، هذه اللام ملك ما فيها إشكال، لكن إذا قلنا: الجل للفرس، والقفل للباب، هذه لام شبه ملك، يعني أن هذا القفل مخصص لهذا الباب وهو اختصاص؛ لأن عندنا في هذا الباب في باب إحياء الموات ما يسمى بالملك وما يسمى بالاختصاص، ولكلٍ منهما أحكامه المترتبة عليه، فهي له إذا قلنا: عمّر أو عَمَر سبق إليها وهي مباحة لا
стр. 2463
عمارة فيها لأحد ولا ملك ولا اختصاص تكون له إذا عمّرها وأحياها بالحد المذكور عند أهل العلم بأن يكون أحاطها بسور لا يقل عن ثلاثة أذرع بحيث يمنع من الوصول إليها، ويمنع من الخروج منها، إذا أحاطها بجدار طوله ثلاثة أذرع هذا المحدد عند أهل العلم؛ لأن ما دونه يمكن التسلق عليه، ويمكن القفز منه من الداخل، فلا يمنع الجدار الأقل من ثلاثة أذرع لا يمنع، فإذا وجد هذا السور فإنه عمارة، ثم بعد ذلك يتصرف فيها إما بزراعة أو بما يشاء، هذا نوع من العمارة، لكن لو كانت أقل، لو أحاطها بكثيبٍ من الرمل الذي يسمونه إيش؟ عقم، نعم، هذا لا يكفي، هذا لا يسمى عمارة، فمثل هذا يسمى اختصاص، تضرب له مدة فإن أحياها بالعمارة المعتبرة بأن زرعها أو أحاطها بجدارٍ لتكون مأوىً لدوابّه أو لماشيته أو تكون مستودعاً لبضائعه، إن أحاطها بالجدار المذكور وإلا فلا، فلا يكفي مثل الجدار القصير أو ما يسمى بالعطن بكثيبٍ من الرمل والبلدان تختلف؛ لأن هذه العمارة جاءت مطلقة بنصوص الشرع فيرد تفسيرها إلى العرف.
стр. 2464
((من عمّر أرضاً ليست لأحدٍ)) لأن الأرض المملوكة لأحد لا يجوز التعدي عليها، والتعدي على الأرض المملوكة لأحد هذا يسمى غصب ((ومن اقتطع شبراً من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)) فالاعتداء على الأراضي المملوكة المعروف أصحابها، التي لها أصحاب مثل هذه غصب وتعدي وظلم، طيب هناك أراضي لا يعرف أربابها، وهي أوقاف مندرسة قديمة أو لها أرباب ضيّعوا الإثباتات التي تدل على أنها لهم، هذه أيضاً لا يجوز التعدي عليها حتى تثبت لأصحابها أو يحكم حاكم بأنها ليست لهم فتعود مواتاً، فهذا الموضوع أمره وشأنه عظيم؛ لأن من اقتطع شبراً من أرض إيش أقل من شبر؟ الذي لا يسع قدم ((شبراً من أرض طوقه من سبع أراضين)) فهذا الأمر في غاية الأهمية لا بد أن ينتبه له المسلم، صحيح الشرع أطلق في مثل هذا ((من عمّر أرضاً)) بهذا القيد ((ليست لأحد فهي له)) أو فهو أحق بها، أو فهو أحق دون بها، النص والذي يليه ليس فيه ذكر للإمام، فهل لكل أحدٍ أن يذهب إلى شيء لا يملك ويقيم عليه سور ويقول: أحييت هذه الأرض فهي لي؟ نعم الجمهور على أنه لا يشترط في هذا إذن الإمام، لكن شريطة أن لا يحتاج إليها، هذه الأرض لا يحتاج إليها في المصالح العامة، فلا تكون في وادٍ، أو في مسيل يجري معه الماء فمثل هذا لا يمكن أن يملك، اللهم إلا إذا استغني عنه، يعني كان هذا المسيل يصب في مزارع، ثم هذه المزارع خططت وجعلت دور ومساكن، الدور والمساكن ليست بحاجة إلى مجرى للسيل؛ لأن هذا المسيل يصب في هذه الدور، فالذي يمنع من ورود هذا الماء إلى هذه الدور محسن بخلاف ما لو كانت هذه الأراضي كلها مزارع فإن هذا المجرى وهذا المسيل هذا يحتاجه أهل المزارع؛ لأنهم بحاجة إلى الماء، بحاجة إلى هذا المجرى لو حيل بينهم وبينه لتعطلت مزارعهم، ولماتت زروعهم، فمثل هذا لا يملك، اللهم إلا إذا عدمت منفعته، بل صارت المصلحة فيه الحيلولة دونه ودون هذه البيوت، علماً بأن البناء في مجاري السيول ولو وضعت جميع الاحتياطات لا شك أنه ضار، والسيل له مجاري يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان، يضع الاحتياطات التي تدور في باله وقت العمارة ثم بعد ذلك يؤتى من حيث لا يحتسب، ولذا ينهى عن البناء في هذه المواطن،
стр. 2465
على كل حال إذا احتيج إلى هذه الأرض مصلحة عامة، مرفق عام يحتاجه الناس فإنه لا يجوز حينئذٍ إحياؤه ولا يملك بالإحياء، أما إذا خلا من الملك والاختصاص والعمارة لأحد ولا يحتاجه الناس فإنه حينئذٍ ينطبق عليه الحديث: ((من عمّر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق بها)) أحقّ بها، أحقّ: أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل تقتضي أن هناك شيئين فأكثر يشتركان في وصف هو الحقّ، لكن يفوق أحدهما الآخر في هذا الوصف، فمعنى هذا أن الناس كلهم لهم حق في هذه الأرض؛ لأنها ليست لأحد، فالناس يتساوون فيها والحق لهم مشاع فيها، لكن من سبق إليها وتقدّم إلى ما لم يسبق إليه في هذه الأرض وحقّق الشرط في الحديث: ((عمّر)) فهو أحق بها من غيره، وحينئذٍ يبقى فيها حق لأحد أو لا يبقى؟ إذا عمّرها فهي له كما في الحديث، كما سيأتي في الحديث الذي يليه، ينقطع حق الغير عنها، وتصير ملكاً له إذا أحياها الإحياء المعتبر، ويبقى أنها إذا عادت مواتاً، أحياها مدة، زرعها مدة، ثم بعد ذلك رأى أنه ليس من المصلحة أن يتابع في زراعة هذه البقعة فأهملها وعادت مواتاً كما هي، نعم تعود موات وإلا تستمر حق له يبيعها؟ يعني فهي له ملك دائم مستمر أو ملك معلّق بوصف متى وجد هذا الوصف وتحقق هذا الوصف فهي له أو فهو أحقّ بها؟ يعني علقت بوصف، يعني كانت الأراضي ليست على هذه الصفة، أو مثل هذا الوقت الذي نعيشه، يعني بالإمكان أن يزرع اليوم في هذا المكان ويصير له وبعدين يرحل يشوف مكان ثاني، يعني ما تعلق الناس بالدنيا مثل تعلقهم الآن، لم يتعلقوا بالدنيا كتعلقهم الآن، الآن البيت جزء من الحياة عند الناس، لكن قبل؟ بإمكانه يزرع في هذا المكان إذا ما ناسب يشوف مكان ثاني ولا أحد يقول له: وين أنت رايح؟ ولا يستأذن إمام ولا شيء، هذا قول الجمهور أنه لا إذن للإمام في مثل هذا، لكن عند الحنفية لا بد من إذن الإمام، متى يتجه القول بقول الحنفية؟ أولاً: النصوص خالية عن إذن الإمام، لكن قد يتجه القول بقول الحنفية متى؟ إذا وجد مثل الظرف الذي نعيشه من المنافسة على هذه الأمور والشحناء، ولو قيل في مثل هذا الوقت: إنه لا إذن لإمام في مثل هذا لا شك أن الناس يقتتلون على هذه الأراضي، فلا بد من تنظيم في
стр. 2466
مثل هذا الوقت؛ لأن صار لها شأن، والأمور حينما كان الناس يتسامحون فيها، ويتعافون فيها أمرها سهل، لكن إذا وجد مثل هذه المشاحّة الشديدة في الأراضي لا بد من تنظيم، والأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، لكن إذا دخل هذه الأمور المباحات ما يقتضي التنظيم لا شك أنه لا بد منه، يعني مسألة تقبيل الحجر مثلاً، وش الأصل فيه؟ أنه مشروع ومستحب، وبدون إذن إمام ولا شيء، لكن إذا رأى الإمام الناس يقتتلون عليه ما يضع حارس عليه من الشرط أو غيرهم ينظم الناس، حفاظاً على مصالح الناس؟ فاشتراطهم للإمام في مثل هذه الأمور من هذه الحيثية، لا لأنه تغيير حكم شرعي، يعني حينما يقول العلماء في صلاة الجمعة: ولها شروط ليس منها إذن الإمام، إذا كانت الأمور ماشية عادية في كل حيّ أو في كل بلد مسجد جامع، ولا يزيدون على الحاجة هذا الأصل، ولا يستأذن الإمام في هذا لأنها عبادة، والعبادات الخاصة لا تحتاج إلى إذن، لكن إذا تنافس الناس، وتباهى الناس، وصار في كل حيّ خمسة جوامع، ستة جوامع، وصار .. ، بل جعلوا كل مسجد جعلوه جامع؟ ألا يتدخل الإمام في مثل هذا؟ لا، له أن يتدخل، وحينئذٍ يشترط إذنه كما هو الواقع الآن، ليس كل أحد أراد أن يعمر مسجد يجعله جامع، ولو كان بجواره جامع آخر؛ لأن الأصل في مشروعية صلاة الجمعة وخطبة الجمعة الاجتماع، وما سميت جمعة إلا لأن الناس يجتمعون فيها، أكبر قدر ممكن يجتمع، ولذا العلماء يحرمون إقامة جمعة ثانية، يمنعون، وإذا أقيمت جمعة ثانية فالأولى صحيحة والثانية باطلة، فإذا وجد مثل هذا الأمر الذي يختل فيه الهدف الشرعي، ولا يتحقق الهدف الذي من أجله شرع هذا الأمر فلا بد أن يتدخل الإمام، ما نسمع مثل هذا الكلام، وكونه ما يحتاج إذن إمام في مثل هذا، في إحياء الموات، ونتسابق ونتصارع والإمام يتفرج ما هو صحيح! وقل مثل هذا فيما ذكرنا في تقبيل الحجر الأسود مثلاً، الإمام يرى الدماء تسيل حول الحجر الأسود والمضاربة والزحام الشديد ويتركهم؟ إيش معنى إمام إلا ليدبر أمورهم وشؤونهم؟ فلا نفهم مثل هذه الأمور على غير وجهها؛ لأن بعض الناس قد يقول: إن اشتراط إذن الإمام زيادة على ما شرعه الله، والأصل أن الأمور مباحة، وكل واحدٍ
стр. 2467
يسبق، وتجد هذه السيارات تجوب هذه الصحاري والقفار وتخطط وبعدين .. ؟ فلا بد من إذن الإمام حينئذٍ، أما إذا مشت الأمور بدون الشحناء والبغضاء والمنافسة التي قد تستدعي القتال أحياناً، الأراضي حصل من جرائها قتال، يعني ألا يسمع في بعض القضايا أنه اقتتل اثنان من أجل أرض؟ يمكن، فلا بد من تدخل الإمام في مثل هذه الحالة.
((من عمّر)) هذه (مَن) مِن صيغ العموم تشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والمسلم والكافر، هذا الأصل في هذه الصيغة، لكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على التقييد بالمسلم، وأن هذه الأمور المباحة المتاحة للجميع إنما هي للمسلمين، فمن ذلك قوله ﵊: ((عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم)) يعني المسلمين، وسيأتي في حديث: ((المسلمون شركاء في ثلاثة)) وهذا سيأتي، مما يدل على أن غير المسلم لا يشارك المسلمين، هذا إذا أتيح وأبيح له البقاء بشرطه الشرعي.
في الحديث الذي يليه، أما بالنسبة للموات التي تقدم ذكره، وذكرنا أنه ليس فيها عمارة، ليست معمورة، وليس فيها ملك لأحد، ويدخل في هذا الأحد الذي اشترط نفي ملكه المسلم والكافر المأذون ببقائه، فإنه حينئذٍ يملك، إذا أذن ببقائه ملك، فلا يجوز التعدي على حقه ولو كان كافراً، ما دام ذمياً، أو مستأمناً، أو دخل بإذن المسلمين.
الحديث الذي يليه يقول:
"عن سعيد بن زيد" هناك في الحديث الأول: "رواه البخاري، قال عروة: وقضى به عمر في خلافته" أحياناً يأتون بالموقوفات بعد الأحاديث المرفوعة، يعني ما الداعي لقول عروة: قضى به عمر في خلافته بعد قوله ﵊ والحجة في قوله ﵊؟ ليبيّنوا أن الحكم محكم غير منسوخ، وأن النبي ﵊ توفي والأمر على ذلك وقضى به من بعده.
"وعن سعيد بن زيد" سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المبشرة بالجنة.
سعيد وسعد وابن عوفٍ وطلحة ... وعامر فهرٍ والزبير الممدح
هذا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل معروف وأبوه أيضاً مشهور "﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أحيا أرضاً ميتةً فهي له)) " يعني (من) شرطية، وأحيا فعل الشرط، وجوابها فهي له.
стр. 2468
رواه الثلاثة، وقال ابن حجر: رواه الثلاثة فمراده أبو داود والترمذي والنسائي، يعني الأربعة سوى ابن ماجه، وحسّنه الترمذي، وقال: روي مرسلاً، وهو كما قال، يعني الإرسال فيه ظاهر، كيف يحسّنه وهو مرسل؟ كيف يحسنه الترمذي وهو مرسل؟ نعم قد يحسّن ما فيه انقطاع الترمذي ﵀، والحديث محكوم عليه بأنه حسن من غير الترمذي ﵀.
стр. 2469
يقول الحافظ في فتح الباري بعد أن ساق شواهد الحديث، وذكر أن في أسانيدها مقالاً لأهل العلم كناية عن تضعيفها إلا أنها يتقوى بعضها ببعض فتصل إلى درجة الحسن لغيره، ومن أقوى الشواهد الحديث الذي قبله، هذا الحديث: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) والثاني: ((من عمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق بها)) إلا أن الصيغة في الحديثين فيها نوع اختلاف، يعني هل نقول: إن حديث عائشة شاهد لحديث سعيد بن زيد؟ أولاً: حديث عائشة لا يحتاج إلى شاهد في البخاري، لا يحتاج إلى شاهد أصل برأسه، لكن إذا أردنا أن ندرس حديث سعيد بن زيد وذكرنا شواهده نذكر حديث عائشة شاهداً له؟ وهنا تأتي مسألة في غاية الأهمية في مصطلح الحديث ننتبه لها، حديث سعيد بن زيد فيه كلام لأهل العلم، ومضعّف، وشواهده أفرادها ضعيفة، وجدنا له شاهد في الصحيح من حديث عائشة، هل نصحح حديث سعيد بن زيد باعتبار أن له شاهد في الصحيح أو نكتفي بقولنا: حسن؟ بمعنى أن الحديث الضعيف الذي له شواهد بعضها ضعيف، وبعضها حسن، وبعضها صحيح، هل يترقى درجة واحدة أو يترقى درجتين؟ يعني عندنا حديث ضعيف له شاهد أو شواهد ضعيفة، ثم وجدنا ما يشهد له من الأحاديث الصحيحة؟ بالأحاديث الضعيفة التي ضعفها قريب، مثل ضعفه يترقّى إلى الحسن لغيره، هذا ما فيه إشكال وجدنا له شاهد صحيح، هل نقول: إن هذا الضعيف يرتقي إلى الصحيح؟ بمعنى أننا نرقيه درجتين؟ أو نقول: يرتقي إلى الحسن لغيره فلا نرقيه إلا درجة واحدة؟ وهذه مسألة معروفة عند أهل العلم وفيها كلام الأكثر على أنه لا يرتقي أكثر من درجة، فغاية ما يقال في حديث سعيد بن زيد أنه حسن لغيره، ومنهم -وأشار إليه الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث- أنه لا مانع من أن يرقى إلى درجتين؛ لأن المقصود إيش؟ المتن، المقصود المتن والمتن صح، بل صح في البخاري، فلا مانع من أن نقول: حديث سعيد بن زيد صحيح؛ لأن له شاهداً في الصحيح على كلام من يرقي درجتين، وهذه المسألة يحتاجها كل من يخرج الأحاديث، والإشارة إليها خفية في كتب أهل العلم، إنما قد توجد في كتب التخريج، فينتبه لها، إذا درسنا حديث عائشة قلنا: صحيح ما تردنا فيه، لماذا؟ لأنه في البخاري إذا كانت الدراسة لحديث
стр. 2470
عائشة، لكن افترض أنك تدرس الحديث من جامع الترمذي، ووجدت حديث سعيد بن زيد؟ إذا جمعت طرقه وألفاظه جزمت بأنه بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى الحسن لغيره، فإذا أضفت إليه ما في الصحيح هل ترقيه إلى الصحيح أو يستمر حسب الشواهد التي ذكرت له حسن لغيره؟ ففرق بين أن ندرس حديث عائشة أو أن ندرس حديث سعيد بن زيد، مثل هذا لا بد من الانتباه له؛ لأن بعض الناس يغفل عن الحديث المشروح، الحديث المدروس هو الأصل ولو كان ضعيفاً، ثم بعد ذلك تحشد له بما يرقيه، تأتي له بما يرقيه، أما بعض الناس وهو يدرس حديث في ابن ماجه وفيه كلام وكذا، وفي ذهنه حديث صحيح يحكم بمجرده .. ، على طول يحكم للحديث بالصحة، فهذا يختلف مع ما سار عليه أهل العلم في هذا الباب، نعم قد يكون مثل شيخ الإسلام ﵀ قد يورد حديث: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) وهو حديث صحيح وفيه وفيه ليش؟ لأن شيخ الإسلام عنده تصور تام للنصوص، فهو يحكم عليها بموجب هذا التصور، ولذلك ينتقد في بعض الأحاديث؛ لأنه يحكم عليها بهذا التصور العام ﵀، ومثل ذلك حينما يحكم على مسألة في مسألة شرعية، أنت يعوزك الدليل، لكن هو من خلال نظرته الشاملة للشريعة والقواعد العامة والكلية يعطيك الحكم وهو ماشي ﵀، بينما أنت قد لا تجد له مستند، وهو من هذه الحيثية جاري على القواعد الشرعية.
نعود إلى الحديثين، هل يصلح حديث عائشة لئن يكون شاهد لحديث سعيد بن زيد؟ أولاً: ليس بمتابع لأنه صحابي يختلف، فهل يصلح أن يكون شاهداً؟ هل المعنى واحد في حديث عائشة وفي حديث سعيد بن زيد؟ ((من عمّر أرضاً ليست لأحد فهو أحقّ بها)) و ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له))؟.
стр. 2471
ما هم من هذه الحيثية، التعمير والإحياء كلاهما يثبت الملك هنا، يثبت بلا شك، لكن في الحديث الأول يثبت الأحقية، وفي الثاني يثبت الملك، فإذا قلنا: "فهي له" لام ملك، وهناك أحقّ، كونه أحق بها لا يعني أن حقوق الغير المتعلقة بها انقطعت، لكن هو أحق بها، هذا في الأصل، في استعمال اللغوي لهذا اللفظ، كونه أحق بها لا يقطع حقوق الآخرين منه، بمعنى أنها لو عادت بواراً مرة ثانية ما صار أحق بها فتعود، وإذا قلنا: له لا تخلو هذه اللام إما أن تكون لام ملك أو لام اختصاص، فإن قلنا: هي لام اختصاص صار المعنى واحد، يختص بها ما دام محيياً لها، أما إذا عادت فليس بأحق بها، وليست له، وإذا قلنا: إن اللام للملك لا تعود أبداً، خلاص صارت ملكه، ولو عادت بوار له أن يبيعها، مسألة الأحقية المذكورة في الحديث الأول إذا قلنا: هذا الكتاب عندنا وضعنا كتاب هنا، ووضعنا عليه مسابقة وقلنا: من يفوز بهذه المسابقة له هذا الكتاب، أو هذا الكتاب من يجيب على هذه الأسئلة فهو له، أو فهو أحق به، فأجاب عشرة طلاب، واحد من الطلاب أخذ مائة بالمائة في الجواب، والثاني أخذ تسعين، والثالث تسعة وثمانين، إلى سبعين، ودرجة النجاح من ستين كلهم نجحوا، لكن من الأحق به؟ الأول الذي أخذ مائة بالمائة فهو أحق به، وهذا الحق وإن اشتركوا فيه بالجملة إلا أنه لا يتعدد، لا يحتمل إلا شخص واحد لا يمكن قسمته، فيملكه الأحق، انتبهوا يا الإخوان، إحنا عندنا كتاب وضعنا عليه مسابقة، وقلنا: من أجاب على هذه المسابقة فهو أحق به، أجاب عشرة على هذه المسابقة، وكلهم تجاوزوا درجة النجاح، فصار لكل واحد منهم حق متعلق بهذا الكتاب، إلا أن أحقّهم به الذي أخذ الدرجة كاملة، هذا الكتاب يملكه لأنه أخذ الدرجة الكاملة، هل معنى هذا أنهم لهم نظر فيها أو لهم حق فيه من خلال الصيغة؟. . . . . . . . . من أجاب على المسابقة فهو أحق به؟ أو نقول: إن استعمال هذه الصيغة على خلاف الأصل، ويأتي أفعل التفضيل مستعملاً في غير أصله ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] فهل أهل النار عندهم خير من خلال الصيغة؟ الأصل في استعمال هذه الصيغة نعم،
стр. 2472
يشتركون في الخير، لكن استعمل هذا اللفظ في غير موضعه، وفي غير معناه الأصلي ولا اشتراك بينهم، ونقول مثل هذا في الحديث، فإذا قلنا: إن أفعل ليست على بابها فيكون حينئذٍ ملكها وانتهت، فلا تعود بواراً ولا تعود مواتاً مرةً ثانية، ويؤيده رواية: ((فهي له)) قد يتحايل بعض الناس ويسبق إلى أرض ثم يسورها ويضع فيها مواد تجارية أخشاب وحديد واسمنت ويسميه مستودع، ثم بعد ذلك يسحب هذه المواد ويبيعها، نقول: في ظروفنا التي نعيشها يوجد مثل هذه التصرفات، أما قبل ما توجد مثل هذه الأمور، فلا بد من أن يضرب له الإمام مدة، يعني في باب الاختصاص مثلاً، وضع على الأرض عقوم، يعني ما هي جدران، وضع عليها كثبان من الرمل هذا يسمى اختصاص وليس إحياء ولا تمليك، في مثل هذه الصورة يضرب له الإمام مدة، إما أن تعمر هذه الأرض، وتحيي هذه الأرض وإلا تسحب منك، وقل مثل هذا في الإقطاع، وأعطيات الإمام من الأراضي، من أهل العلم من يقول: إن الإمام يملك أن يعطي من الأراضي ما يعطي، ومنهم من يقول: إن أعطيات الإمام إنما هي مجرد اختصاص، والملك لا يتم إلا بالشراء أو بالهبة أو بالإذن أو بالإحياء، فالإمام لا يملك يعطي عند جمع من أهل العلم، وإنما يفيد اختصاص، يكون أحق بها، وعلى هذا تضرب له مدة، فإن حقق الشرط الشرعي عمّر وأحيا وإلا تنزع منه.
والمسائل المتعلقة بالإحياء كثيرة لا تنتهي من خلال المشاكل التي وجدت في المحاكم لا سيما مع وجود هذا التشاحن والتنافس على أمور الدنيا، وإلا فالأصل أن المسلم ينظر إلى هذه الدنيا أنها معبر وليست مقر، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، هذا الأصل، لكن هم يتحايلون بطرق ووسائل، والله المستعان، فالمسائل في هذا الباب كثيرة جداً، ومردّها إلى القضاء، والمحاكم فيها من المشاكل الشيء الكثير المتعلقة بهذا، صدر لوائح تنظيمية للإحياء والإقطاع هي معمول بها في المحاكم، والله يعينهم ويسددهم.
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن الصعب بن جثامة -رضي الله تعالى عنه- أخبره أن النبي ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) رواه البخاري.
стр. 2473
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) رواه أحمد وابن ماجه.
وله من حديث أبي سعيد ﵁ مثله، وهو في الموطأ مرسل.
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن الصعب بن جثامة -رضي الله تعالى عنه- أخبره أن النبي ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) رواه البخاري".
لا حمى الحمى في الأصل تحديد موقع مناسب، وقد يكون أفضل المواقع للرعي بحيث يحتجره ويحميه الإمام لترعى فيه إبل الصدقة أو مواشي بيت المال، أو الخيل التي تعدّ للغزو في سبيل الله، وأما الأملاك الخاصة فإنه لا يحمى لها، ولا يمنع الناس من أجلها، من الرعي في هذه الأرض التي يقع نظر الإمام عليها ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) ولا هذه نافية، والنفي هنا يراد به النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح، أبلغ مما لو قال ﵊: "لا يحمي أحد إلا ما كان لله ورسوله" يعني من إبل الصدقة، المواشي الزكوية التي تجبى من بهيمة الأنعام، والخيل التي تعد في سبيل الله، فالنفي هنا أبلغ من النهي، ومفاده النهي فلا يجوز لأحدٍ أن يحمي، ولا يجوز له أن يمنع الناس من الرعي في أي بقعةٍ كانت من الموات، ما لم تكن ملكاً له إلا إذا كان يحميها لله ولرسوله، في الحديث: في حديث النعمان بن بشير: ((ألا وإن لكل ملكٍ حمى)) وهذا أمر معتاد قبل الإسلام، كل ملك تقع عينه أو يقع نظره على بقعةٍ هي أنفع من غيرها لماشيته لكثرة النبات فيها يتخذونه، وبعد ذلك يمنع الناس من قربانها، ولذا جاء في الحديث: ((ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)) ثم قال: ((كالراعي يرعى حول الحمى)) وبعض الناس يحمي أرض ليست له، ثم بعد ذلك يمنع من دخولها، وإذا دخل فيها من غير قصد لأن المواشي من يملكها؟ طرد هذه المواشي، بل تعدى على صاحبها، وهذا ظلم نسأل الله السلامة والعافية، فلا يجوز له أن يحمي إلا إذا كان الحمى لله ولرسوله، أما لأمواله الخاصة فلا يجوز له أن يحمي.
стр. 2474
"عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة أخبره أن النبي ﵊" الحديث هذا من مسند ابن عباس أو من مسند الصعب؟ نعم؟ نعم لأن الإخبار والتحديث إنما هو من الصعب، لكن أحياناً عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة فعل كذا مثلاً أو قال له النبي ﵊ كذا، فيكون من مسند ابن عباس؛ لأنه هو صاحب الخبر والقصة.
стр. 2475
((لا حمى إلا لله ولرسوله)) النبي ﵊ ثبت أنه حمى النقيع، وهو في الجهة الغربية التي تميل إلى الجنوب من المدينة على بعد سبعين أو ثمانين كيلاً على مسافة قصر، ومساحته تقرب من مئة كيلو مربع، اثنا عشر في ثمانية في ستة من جهة، المقصود أنها تنقص عن المائة، هذه محمية لإبل الصدقة، النبي ﵊ حمى النقيع، وثبت عن عمر أنه حمى، لكن لا يحمون لأموالهم الخاصة، يعني مثلما تقتطع أرض وتجعل مستودع مثلاً لسيارات الحكومة مثلاً، لا يجوز لأحدٍ أن يقربها هذا حق، ولا أحد يمنعه؛ لأن هذه السيارات أو هذا المتاع العائد إلى بيت المال يحتاج إلى حماية، فمثل هذا لا إشكال فيه يحمى له ويقتطع له من الأرض، ويمنع الناس من دخولها بلا إشكال؛ لأن الحمى في هذه الحالة إنما هو لبيت المال، مع أن بعضهم يأخذ بمنطوق الحديث، ويعمل مفهومه، فيقول: لا حمى إلا لله ولرسوله فقط، يعني ليست لأبي بكرٍ أن يحمي، وليس لعمر أن يحمي وليس لولي الأمر كائناً من كان في أي وقتٍ، كان أن يحمي ولو كان للمصالح العامة، ولو كان لإبل الصدقة، نعم لإبل الصدقة يجعلها ترعى مع إبل الناس، فلا يضيق على الناس من أجل إبل الصدقة، أسلوب الحديث أسلوب حصر ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) فهل هذا الحصر حصر حقيقي أو إضافي؟ إذا قلنا: حصر حقيقي فمعناه أنه ليس لأحدٍ أن يحمي كائناً من كان، ولا أبو بكر ولا عمر، بل هذا الحكم خاص بالله ورسوله، لكن أبا بكرٍ حمى، وعمر -رضي الله تعالى عن الجميع- حمى، عمر حمى الربدة، لكن حماها لمن؟ لإبل الصدقة، فدل على أن القول أو أن الحصر في الحديث حصر إضافي، وهل هو قصر موصوفٍ على صفته أو صفة على موصوف؟ يعني إذا قلنا: لله ولرسوله، يعني ما كان ملكاً لله ورسوله كإبل الصدقة مثلاً أو الخمس من الغنيمة قصرنا على هذا الوصف، فعلى هذا كل من كان عنده ما يتصف بهذا الوصف له أن يحمي، وليس المقصود به الموصوف هو الذي يحمي، إنما ما يحمى من أجله، ولذا حمى أبو بكر وحمى عمر، حمى الربذة لإبل الصدقة، لكن هل ضيّق على الناس؟ ومنع الناس من الرعي فيها؟ عمر -رضي الله تعالى عنه- كما جاء في الخبر الصحيح يقول .. ، عمر بن الخطاب -رضي
стр. 2476
الله تعالى عنه- استعمل مولىً له يقال له هني على الحمى فقال له: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين، يعني مفهوم حديث النعمان بن بشير أن الملك ((ألا وإن لكل ملكٍ حمى)) معناه أنه لا تقرب من هذا الحمى لأن الملك سوف يؤذيك، لكن عمر -رضي الله تعالى عنه- يقول: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل –يعني في هذا الحمى- رب الصريمة، ورب الغنيمة، يعني الفقراء والمساكين الذي عندهم أشياء يسيرة خلهم يرعون، أدخلهم، وغض الطرف عنهم، وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياك ونَعَم ابن عوف وابن عفان، هذولا من الأغنياء، يعني رب الصريمة، ورب الغنيمة الأشياء اليسيرة الفقير الذي ما عنده إلا رؤوس من الماشية يسيرة هؤلاء أدخلهم، لكن نعم ابن عوف وابن عفان لا تدخلهم، والسبب؟ السبب أنه إن تهلك هذه الصريمة وهذه الغنيمة وين بيروح؟ بيجي لعمر يطلبه من بيت المال، والعشب الذي في هذه الأراضي المحمية أسهل على عمر وعلى غير عمر من الذهب والفضة، لكن إذا هلك نعم ابن عوف أو ابن عفان يأوون إلى أموال، وإلى زروع، وإلى ضياع، يأوون إلى شيءٍ ما يجعلهم يأتون إلى عمر يطلبون منه ما يقتاتون به، وما يعيشون منه، ولذلك قال: وإياك ونعم ابن عوفٍ ونعم ابن عفان فإنه إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخلٍ وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة يقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق، وأيم الله أنهم يرون أني ظلمتهم، وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمي عليه في سبيل الله ما حميت على الناس في بلادهم، فدل هذا على أن الإمام له أن يحمي لإبل بيت المال، الإبل التي تعود على المسلمين بالعامة، لا الإبل التي تعود عليه في خاصته.
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) رواه أحمد وابن ماجه".
стр. 2477
وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ مرسل، المراسيل في الموطأ كثيرة جداً؛ لأن الإمام مالك يعمل بالمراسيل، وكثيراً ما تجد الحديث مروي في الصحيح من طريق مالك موصول، وتجده في الموطأ مرسل، فالإمام مالك لا يكترث لمثل هذا؛ لأن المراسيل عنده حجة، وعلى كل حال فالحديث بطرقه العديدة يصل إلى درجة الصحيح، ومع هذا فمفاده قاعدة من قواعد الشريعة (لا ضرر ولا ضرار) فالضرر الابتداء بما يضر الغير، والضرار المجازاة على هذا الضرر بأكثر منه، بما يترتب عليه ضرر أكثر من الضرر الأول، فالضرر لا يجوز ابتداؤه؛ لقوله ﵊: ((لا ضرر)) وهذا نفي يراد به النهي كما تقدم في الحديث الذي قبله، وهو أبلغ، فلا يجوز أن يصدر الضرر من أحدٍ لأحد، لا يجوز ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [(٢٣٣) سورة البقرة] فيمنع الضرر من أي جهةٍ كانت، ومن أي شخصٍ كان؛ ولأي شخصٍ كان، لا يجوز الضرر، فلا تضارر المرأة والدة بولدها، لا تضارر الأب، ولا المولود له، يعني الأب لا يضارر الأم، كما أنه لا يضارَر؛ لأن اللفظ مشترك بين الفاعل والمفعول، فإذا قلنا: لا يضارِر ويحتمل بعد الفك أن يكون لا يضارَر أيضاً، لا تضارِر ولا تضارَر، فهو من الطرفين، فلا ضرر ولا ضرار.
قد يقول قائل: إن هذا الذي بدأ بالضرر لغيره لا يختلف أحد في أنه آثم؛ لأنه مخالف ومتعدي وظالم لغيره، لكن الذي يعاقب هذا المضارر وهذا المتعدي، هل هو منهي عن هذا الفعل؟ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [(١٢٦) سورة النحل] ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] فمعاقبة الجاني ليست بمضارة، ولا تدخل في الحديث ولا في المنع، معاقبة الجاني لا تدخل في هذا الخبر بقدر جنايته، فإن زادت المعاقبة على قدر الجناية صار ضرار، فالضرر الصادر من المبتدئ حرام، الضرر الصادر من المعاقب بقدر الجريمة التي صدرت منه هذه معاقبة بالمثل ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] لا يأثم فيها، لكن إذا زاد دخل في الضرار، فيحرم عليه المعاقبة بأكثر مما أوذي به، فلا ضرر ولا ضرار.
стр. 2478
طيب عندنا مسجد يقال له: مسجد الضرار، هل هو من هذا الباب أو من غيره؟ هل له علاقة بهذا الباب؟ كيف سميّ مسجد ضرار؟ والضرار في الخبر الذي معنا هو معاقبة الجاني بأكثر من جنايته، وقد يقول قائل: ونحن نقول: الضرر إيصال الأذى إلى الغير، والضرار معاقبته بأكثر من هذا الضرر، قد يقول قائل: إن القاعدة هذه منتقضة، بأي شيء؟ شخص يسرق ثلاثة دراهم فتقطع يده؟ هل كانت العقوبة بقدر الجريمة؟ نعم يا إخوان؟ يعني إذا قلنا: الضرر الابتداء بما يضر، والضرار العقوبة بأكثر مما يستحقه الجاني فإذا سرق ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطعت يده، هل نقول: هذا ضرار؛ لأنه أعظم من الجناية؟ لا، أبداً، لماذا؟ لأن هذه الدراهم ليست مقصودة لذاتها؛ لأن الذي يسرق ثلاثة دراهم يسرق ما وراءها، يسرق ما هو أعظم منها، لكن لو سرق ثلاثة دراهم أو ربع دينار وقطعنا يديه كلتيهما قلنا: ضرار بلا شك، لو قلنا: هذا هو الضرار، طيب مسجد الضرار وش علاقته بالحديث؟ يعني منصوص عليه في سورة التوبة؟ هل له ارتباط له بالحديث أو لا ارتباط له به؟ الفعل ضارّ يضارّ مضارةً وضراراً، فهي مفاعلة بين شيئين، فالذين عمروا المسجد ماذا كان هدفهم؟ تفريق المسلمين، فهل هذه المضارة حصلت من طرفٍ واحد أو من طرفين؟ من طرف واحد، إذاً المفاعلة ليست على بابها، وإلا فالأصل أن المفاعلة تكون بين طرفين، وهؤلاء حصل الإضرار والضرار منهم فقط، فوقعوا في الإضرار بالأمة حيث أرادوا وقصدوا تفريق الصحابة عن النبي ﵊، طيب لو شخص مثل عامر هذا المسجد عمر هذا المسجد ويريد بذلك أن يجتمع فيه المسلمين لأداء الصلوات والدروس العلمية، ثم جاء آخر فعمر مسجداً قريباً منه ليسحب هؤلاء الحضور عنه، وإمام المسجد هذا وإمام المسجد الثاني ما في تميّز لأحدهما عن الآخر، كما كان في عهده ﵊، هل نقول: المسجد الثاني مسجد ضرار؟ أراد أن يسحب المصلين عن هذا المسجد، والطلاب والحلق عن هذا المسجد؟ أراد الضرار بعامر المسجد؟ عامر المسجد عمر المسجد، وأنفق عليه، وأجره على الله، لكن يبقى أنه إذا صار مأوىً للمتعبدين، ومأوى لطلاب العلم، لا شك أن أجره يعظم، لا سيما إذا كان لعامر المسجد
стр. 2479
يد في كثرة هؤلاء الناس، فإذا أراد أحد أن يضار في هذا الأمر لا شك أنه ضرار، إذا أراد أن يفرق هؤلاء الجمع، ويفتت هذا التلاحم لا شك أن هذا ضرار، والله المستعان، لكن ما يحكم عليه بمثل ما حكم على المسجد الذي في عهده ﵊ من الهدم والحكم بالنفاق وما أشبه ذلك، الأمور المقاصد خفية عن الناس، على كل حال إذا وجد مثل هذا، على من عرف حقيقة الأمر قبل وقوعه عليه أن يبذل النصيحة لمن أراد أن يضارّ، وولي الأمر يحكم في هذا، له أن يتصرف، له أن يمنع، له أن يهدم، الأمر له ...
стр. 2480
شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (١٩)
تابع: باب: إحياء الموات
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
وعن سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له)) رواه أبو داود، وصححه ابن الجارود.
وعن عبد الله بن مغفل -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)) رواه بن ماجه بإسنادٍ ضعيف.
وعن علقمة بن وائلٍ عن أبيه أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضرموت، رواه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبّان.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له)) " وهو بمعنى ما تقدم من أحيا أرضاً ميتة عمّر أرضاً فهي له ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) و ((من عمّر أرضاً فهو أحقّ بها)) من العمارة، ومن الإحياء ضرب السور على هذه الأرض، وعرفنا أنه ليس كل سورٍ يكفي، بل لا بد أن يكون سوراً يمنع من أراد الدخول فيها، كما أنه يمنع من أراد الخروج منها، وقدر ذلك بثلاثة أذرع، يعني متر ونصف.
стр. 2481
((من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له)) يقول: "رواه أبو داود، وصحّحه ابن الجارود" لكن سنده عند ابن الجارود فيه ضعف، سنده فيه ضعف، وهو من رواية الحسن عن سمرة وهي مختلف في وصلها؛ لأن العلماء يختلفون في رواية الحسن عن سمرة، فمنهم من يحمله على الاتصال؛ لأنه ثبت أنه روى عنه حديث العقيقة، ومنهم من يحمله على الانقطاع، ومنهم من يفصل فيثبت الاتصال بحديث العقيقة دون غيره، على كل حال الحديث إسناده ضعيف، لكن له شواهد، وهو داخل في القاعدة العامة ((من أحيا أرضاً ميتةً فهي له)) وهذا نوع من الإحياء عند أهل العلم، فيكون حينئذٍ مندرجاً، هذا مندرج في الحديث السابق العام، قد يقول قائل: إن الناس في هذا الوقت، أن الناس كلهم لديهم استعداد أن يضعوا أحواش واستراحات ويستبقوا إليها، فهل هذا التمليك الشرعي على أطلاقه، أو أنه لا بد من أن يحال دون الناس وبين الجشع الذي يعيشونه؟
стр. 2482
أولاً: الحق الشرعي الذي يثبت بالأدلة الصحيحة ليس لأحدٍ أن يلغيه كائناً من كان، يعني ليس لولي الأمر أن يمنع الإحياء، لكن له أن ينظم وينظر في ما يحقق العدالة بين الناس، أما أن يلغي لا، ليس من حقه أن يلغي حكماً شرعياً، لكن له أن يسنّ أنظمة من أجل تحقيق العدالة بين الناس؛ لأن هذا موضوع يلتبس على كثير من الناس في الأمور المباحة في الأصل ((من سبق إلى مباح فهو أحق به)) يقولون: نحن نمنع مما أعطانا الشرع، فكيف نمنع؟ هل ولي الأمر يملك منع الناس مما أباحه لهم الشرع؟ لا يملك، هل له أن يلغي حكماً شرعياً؟ ليس له ذلك، لكن لولي الأمر أن ينظم ما يحقق العدالة، وتجدون في فروع كتب الفقه ما يظن أنه اعتراض على هذا الحق الذي أعطاه إياه الشرع، لكن الأمور بواسطتها تتحقق العدالة وإلا لو لم توجد مثل هذه الأمور لوجدنا النزاع والشقاق والقتال، بل القتل من أجل التراب، وعلى كل حال فهذا الأمر من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له مندرج تحت ما تقدم، وهذا نوع من الإحياء والحياة قد تكون جزئية، وقد تكون كلية، قد يكون الإحياء بزراعتها وزراعتها بما يثمر، ويستفيد منه الزارع وغير الزارع هذه حياة بلا شك وهي الأكمل، قد تكون ببناء مسكن يسكنه هو وأولاده، ويواريهم، ويقيهم الحر والبرد، وقد تكون بمثل هذا وهذا أقلها، أقلها أن تحاط بجدران تحدها من الجهات.
يقول: "وعن عبد الله بن مغفل" قلنا: إن الحديث بسنده المذكور عند بن الجارود الذي يقول: صححه ابن الجارود فيه ضعف، لا يسلم من ضعف، لكنه بشواهده يصل إلى درجة الحسن لغيره، وهو مندرج في القاعدة العامة المؤيدة بالحديث.
"وعن عبد الله بن مغفل -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﵊ قال: ((من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)) رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف".
стр. 2483
جاء سؤال من الأسئلة يقول: لماذا ابن حجر ضمن البلوغ بعض الأحاديث الضعيفة التي لا يحتج بها، يعني في الأحكام على قول الجمهور، أو مطلقاً على قول بعضهم؟ لماذا؟ ابن حجر نفسه يقول: بإسنادٍ ضعيف ليش تدخله في البلوغ؟ البلوغ أحاديث أحكام، وعامة أهل العلم لا يحتجون بالضعيف في الأحكام، لماذا يدخل مثل هذا في الأحكام؟ نعم، نقول: إذا كان إسناده ضعيف الذي يشير إليه الحافظ، وخلا مما يقويه، وخلا ممن عمل به من أهل العلم فلا يدخل؛ لأن وجوده مثل عدمه، لكن بعض الأحاديث هي من جهة نظر ابن حجر ضعيفة، لكن عمل بها بعض أهل العلم فهو يدخلها في كتابه من هذه الحيثية ليجد المستدل من جميع المذاهب ما يفيده في هذا الكتاب، وعلى كل حال الحديث له شاهد عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، وبه يرتقي إلى الحسن.
стр. 2484
قال: ((من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)) حفر بئر في أرضه أو في أرضٍ موات ويكون هذا نوع من الإحياء؟ وحينئذٍ يقدر ما يحتاجه هذا الذي حفر هذه البئر، يعني إذا حفر البئر في أرض موات هل نقول له: إن حدودك في هذه الأرض هي شفير البئر فقط؟ كيف يصل إلى هذه الأرض ليسقي ماشيته؟ كيف تبرك هذه الماشية حول هذه البئر التي يراد الاستقاء منها؟ إذا قلنا: أنت تصور أرض مخططة ليس فيها شوارع ولا منافذ ولا مرافق هل يمكن العيش فيها؟ ما يمكن، هذه البئر التي حفرها صاحب الإبل أو صاحب الزرع هل نقول له: إن مالك إلا ما أحييت هذه البقعة فقط، أو نقول: هذه مثل الجبيرة لك مقدار الجرح وما يحتاج إليه أيضاً؟ لو قلنا: إن لك مثل مقدار الجرح وقدرنا الجرح بسانتيمتر واحد مربع، وأتينا بلصق فيه علاج أو شيء بقدره سنتيمتر مربع يمسك وإلا ما يمسك؟ ما يمسك، ما يمسك إذا كان بمقدار الجرح إلا إذا وضعنا له حريم، يعني شيء يحتاج إليه من يمينه وعن شماله .. الخ، البئر هكذا، لو قلنا: لك تحفر بئر قطرها خمسة أمتار، وليس لك إلا هذه المساحة، مترين ونصف في مترين ونصف في النسبة التقريبية، يعني مالك إلا هذه المساحة يستفيد منها وإلا ما يستفيد؟ كيف ينزل عليها من الجو؟ أو نقول: لا بد لهذه البئر من حريم؟ يسمونها حريم، تكون عطناً لماشيته، موطن مبارك لهذه الماشية لكي ترد على هذه البئر؟ لا شك أن حفر البئر حتى يصل إلى الماء ويستفاد منه هذا إحياء، هذا لا يختلف فيه أنه إحياء، بل هو أولى من الحائط، لكن إذا حفر هذه البئر وعجز عن أن يصل إلى الماء، انقطعت به النفقة، الماء يحتاج إلى مائة متر، وصل إلى ثمانين متر وانقطعت به النفقة، هل لكل أحد أن يأتي ليحيي هذه البئر ويحفرها؟ أو نقول: تفيده اختصاص لا ملك؟ إن وصل إلى الماء أفادت الملك، إن لم يصل إلى الماء أفادته اختصاص وهو أحق بها إن استطاع ولو بعد حين أن يصل إلى الماء وإلا فتعود موات، هذا من جهة، من جهةٍ أخرى هذه البئر عرفنا أنه ليس له لا يمكّن من مساحتها فقط، بل له ما يستفيد منه مما حواليها، وقدّر ذلك بأربعين ذراعاً عطناً لماشيته، يعني مبارك لأبله، والمكان التي تبرك فيه أو تستوطنه لترد من
стр. 2485
هذا الماء.
((فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)) وجاء التحديد أيضاً بالتفريق بين البئر البديء يعني الجديدة، وبين البئر العادية يعني القديمة فتعطى الجديدة خمسة وعشرون ذراعاً، وتعطى البئر القديمة خمسون ذراعاً عند أحمد، هذا حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد، وهذا ينهض أيضاً للعمل به، ولماذا فرق بين البئر العادية القديمة وبين البئر البديئة التي الآن استحدثت؟ هل من فرق؟ هل يلتمس من فرق بين القديمة والجديدة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
صحيح، وأيضاً القديمة في الغالب تكون أعمق من البديئة التي هي الجديدة، فتحتاج من الأرشية ما هو أطول مما يحتاجه البئر الجديدة، أيضاً إذا كانت محياة من قبل أشخاص انقرضوا وتوارثها أناس من بعدهم يكون أربابها أكثر تشعب، ومن ثم تكون مواشيهم أكثر من البئر العادية البديئة التي استحدثت فإنه يملكها من أحدثها وأسرته ممن يحتاجون إليها، فالتفريق بين البديئة والعادية لا شك أنه له وجه، ظاهر وإلا مو ظاهر؟ الآن لو أن شخصاً أراد أن يستثمر أرض موات سواء كانت لزراعة أو غيرها هل نقول له: ليس لك من هذه الأرض إلا ما يمكن أن يكون أخضر مزروع فقط؟ أو مثل هذه الأرض تحتاج إلى مرافق؟ فيحتوي أو يستحوذ على هذه الأرض بمرافقها التي يحتاج إليها في الزرع؟ مثل حريم البئر؟ الآن البئر أعطيناه مساحة كبيرة من أجل أن يستفيد منها حق الاستفادة، لو ضيقنا عليه ما استفاد، لو قلنا: هذه بئر وابتعدنا عنها متر، وعمرنا مسجد، ومتر من الجهة الثانية وعمرنا مدرسة، ومن الجهة الثالثة وضعنا حديقة، مرافق، هذه يحتاجها الناس، لكن هل يستفاد من هذه البئر بين هذه الأشياء؟ هل يستفيد منها الإنسان لماشيته؟ ما يستفيد، فلا بد من أن تتاح له مساحة بحيث يستفيد منها، وإلا صار عمله عبثاً، إذا زرع مزرعة فيحتاج إلى مرافق تعينه على هذه المزرعة، يحتاج إلى مكان للإبل، والمزارع تحتاج إلى إبل، وتحتاج إلى بقر، وتحتاج إلى معدات، مواقف للسيارات، وتحتاج إلى .. ، المقصود أن ما يحتاجه ويقدر ذلك أهل الخبرة يتاح له، مثل حريم البئر.
стр. 2486
يقول: "وعن علقمة بن وائل عن أبيه -وائل بن حجر -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضرموت" رواه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان" على كل حال الحديث صحيح ثابت، أقطعه أرضاً بحضرموت، لماذا أقطعه أرضاً بحضرموت؟ لأنها جهته التي يتمكن من الإفادة منها؛ لأن الأصل في الإقطاع العمارة، ليس الأصل في الإقطاع أن يقطع فلان من الناس يقطع أرض ليبيعها ويستفيد من قيمتها وتستمر موات؟ ليس هذا هو الأصل في الإقطاع، بل الأصل في الإقطاع أن يستفيد منها؛ ليعمرها؛ ليحييها، بزراعة، بأي عمل من الأعمال التي ينتفع به، وينتفع منه الناس، أما أن يقطع أرض ليبيعها ويستفيد من قيمتها هذا ما عرف، فالنبي ﵊ أقطع وائل بن حجر أرضاً بحضرموت لأنها بلده، فعلى هذا لا ينبغي لا يحجر على الإمام، وأهل العلم منهم من يرى أن له أن يقطع، وأن إقطاعه تمليك بدون إحياء، ومنهم من يوقف التمليك على الإحياء، وأنه مجرد إقطاع الإمام هو مجرد اختصاص، عند جمع من أهل العلم أنه مجرد اختصاص لا يملكها إلا بالإحياء، ومنهم من يقول: إن الإمام يملك العطاء كما يملكه من بيت المال، يملكه من الأراضي البور، فأقطعه أرضاً بحضرموت من أجل أن يتمكن من عمارتها لأنها بلده.
стр. 2487
الهبة من ولي الأمر إذا جاءت لشخص من غير استشراف فليقبلها، من غير استشراف، وجاء في ذلك الحديث الصحيح، أن يقبلها ما لم يكن من وراء هذه الهبة وهذه العطية شيء يراد من هذا الشخص، ولذا في الصحيح -في صحيح مسلم-: "أما إذا كانت ثمناً لدينك فلا" فسواءً أقطعه الإمام أرض أو أعطاه هبة من غير استشراف هذا لا بأس يقبل، وجاءت النصوص الصحيحة الصريحة بهذا، لكن شريطة أن لا تكون ثمناً للدين، أما إذا كانت ثمناً لدينك فلا، قد تكون ثمناً للدين والإنسان ما يشعر، وولي الأمر ما يطلب منه المقابل، لكن بعض الناس مجرد ما يحسن إليه يتنازل، فإذا عرف من نفسه هذا الأمر فلا يقبل، ولو لم يطلب منه، ولي الأمر رأى أن هذا الشخص نافع للناس، وباذل جاهه للناس، وفاتح بابه للناس، يستحق أن يعطى من بيت المال ما يعينه على الاستمرار، لكن هذا الشخص يقبل لأنه من غير استشراف، يبقى أنه إن كان يعرف من نفسه ولو لم يطلب منه أنه يتنازل عن شيء ولو لم يطلب منه ولي الأمر يتنازل بدون طلب فمثل هذا لا يقبل "أما إذا كانت ثمناً لدينك فلا" سواء كانت معاوضة أو أنت تعرف من نفسك أنك لا تحتمل مثل هذه الأمور فتتنازل عن بعض الأشياء، أو تعرف من نفسك أنك إذا وسّع عليك مجرد التوسعة عليك، بعض الناس إذا توسعت عليه أمور دنياه ضاع دينه، ولو لم يطلب منه شيء، هو بنفسه يبادر، وجاء في الخبر: ((من الناس أو من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، ومن الناس من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك)) فمثل هذا يحتاط له.
وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى سوطه فقال: أعطوه حيث بلغ السوط. رواه أبو داود، وفيه ضعف.
стр. 2488
تبعاً للحديث السابق الذي هو الإقطاع، وأيضاً هذا الحديث اللاحق السلطان يعني هبات السلطان مثلما ذكرنا أنها إذا جاءت من غير استشراف يقبل الإنسان، ولا فيها إشكال، وهي من بيت المال، لا منة فيها لأحد، وبعض الناس يتوسع في هذا الباب، وتجده يستشرف، ويزاحم الولاة ويؤذيهم، ويستكثر بذلك، هذا طرف، والطرف الثاني -وهو حاصل يا إخوان- تأتيه الهبة وهو بأمس الحاجة إليها، وهو مضطر إليها، ولا يخشى من شيء، وقد يسلك لقضاء حوائجه بعض المسالك التي فيها منة عليه، وقد يكون فيها ضرر في دينه أو على ولده ما فيه، فمثل هذا لا شك أنه الدافع إليه الورع، لكن ينبغي المسألة تكون فيها شيء من التوازن، أشد من ذلك شاب من طلاب العلم طلب أبوه هبات من بيت المال، فأقطع أرض تحتمله وتحتمل أولاده ويمكن يوزعها على أولاده تأتي لهم مساكن بالراحة، فواحد من أولاده طالب علم قال: أنا لا آخذ هذه الهبات ولا أستشرف! قلت: يا أخي ما استشرفت، كون أبوك استشرف وطلب وجاء بها لك من غير استشرافٍ منك لا يمنعك من قبولها، والأمر الثاني في هذا كسر خاطر للأب، فعلى الإنسان أن يسدد ويقارب ما يقول: لا أبداً يرفض من أبيه ما يأتيه، بعض الناس الأب يكون من حرصه وشفقته على أولاده يطلب لهم شيء من بيت المال، وهذا شيء مشاهد، نعم الاستشراف والمزاحمة وكذا خلاف الأولى ومكروهة، لكن لا يعني أن الإنسان يقع من أجلها في محذور، يعني أب يأتي يشكو ولده بأنه طلب لهم أراضٍ تعينهم على أمور دنياهم وهذا بحاجة إلى زواج ما وجد مهر، فقال: أنا لا أقبلها، لا شك أن الورع مطلوب، والعزوف عن الدنيا مطلوب، والاكتفاء والقناعة مطلوبة، لكن يبقى أن هناك موازنة، أبوك، هذا أبوك، برّه واجب عليك، وجبر خاطره مطلوب منك، تكلّف وتعنّى وأنت جاءتك هذه الأرض من غير استشراف، ما هو أنت الذي استشرفت، وبعض الناس يسعى له من غير طلبه ولا استشرافه ثم بعد ذلك يرفض! نعم نقول: إن الأصل الورع، وطالب العلم ينبغي أن يعيش على كفاف، فلا إفراط ولا تفريط، طلاب العلم رأينا من بعضهم لما انفتحت الدنيا وانشغل الناس بها في الأيام الأخيرة في الأسهم وما الأسهم انصرفوا انصرافاً كلياً، وجاءني سؤال في درسٍ من الدروس
стр. 2489
يقول: كنت حافظاً للقرآن، وأحضر يومياً دروس، ولي الآن من سبعة أشهر ما فتحت المصحف، لا شك أن الدنيا ضرة؟ يعني إذا حلت في القلب القلب ما يحتمل، فعلى كل حال على الإنسان أن ينظر بعين البصيرة، ويسدد ويقارب ويوازن بين المصالح والمفاسد، وماذا فعل؟ وماذا ترك؟ يحاسب نفسه في هذا المجال أما أن ينكر على الأب بفضاضة وغلطة لأنه طلب، يا أخي طلب كغيره ممن يطلب، والأب يعني ما هو من أهل التحري، أو من أهل المعروفين بورع أو علم زائد، شخص عادي، ومثل عادي الناس وش المانع أن يطلب؟ كونه ينتظر من غير استشراف هذا إرشاد، أمر إرشاد، وهو الأكمل، لكن إذا طلب من بيت المال مما له فيه نوع استحقاق كغيره ممن ينتسب إلى هذا الولي -ولي الأمر- ما في ما يمنع، لا سيما إذا كان يدرأ بذلك مفسدة أعظم، عليه ديون مثلاً، أو يريد أن يتزوج ولم يجد، مثل هذا هبة السلطان وقبوله بل الطلب منه أولى من أن يجلس أعزب، يعني بعض الشباب يأتينا باستمرار يقول: أنا والله لا استطعت لا مهر ولا انكففت لا بصيام ولا غير صيام، يعني مثل هذا وش يقال له؟ يقال له: لا تستشرف ولا تطلب من السلطان؟ يقال له: يا أخي اطلب من السلطان وعفّ نفسك؛ لأن الأمور تحتاج إلى توازن، يعني مثل الذي ينهى عن الكي، أو ينهى عن الرقية يعني ينتهي بنفسه ليدخل في حديث السبعين ألف، لا يكتوي ولا يسترقي، لكنه في أبوابٍ أخرى من أبواب الدين مفرط، بل في أبواب التوكل فيه خلل عظيم، فالمسألة مسألة توازن، لا يدعي شيء منزلة لنفسه لا يستطيعها، وليس معنى هذا أن طالب العلم يذل نفسه، لكن وصلت هذه إليك من غير طلب ولا استشراف ولو كانت بواسطة أبيك هذه يتعيّن عليك قبولها، لو لم يكن فيها إلا إلزام الأب لك، والله المستعان.
لأن هذه القضية حاصلة من بعض الشباب يحصل منهم مثل هذا، يحصل منهم، وهذا عدم فقه من هذا الشباب يسمع نص ويهدر نصوص، فلا بد من الانتباه لهذا، ومراعاة لحقوق الوالدين تكون بالدرجة الأولى بعد حقوق الله -جل وعلا-، تجد طالب علم ملازم للدروس، وإذا أمر أو نهي من قبل أحد الوالدين ضرب بالأمر والنهي عرض الحائط! لا شك أن هذا خلل يحتاج إلى إعادة نظر.
стр. 2490
يقول: "وعن بن عمر ﵄ أن النبي ﵊ أقطع الزبير" بن العوام، وهو من العشرة أقطعه "حضر فرسه فأجرى الفرس حتى قام" يعني حتى قام إيش معنى قام؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
وقف، وقف الفرس "حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: أعطوه حيث بلغ السوط" يعني مع الحضر مع المسافة مع العدو عدو الفرس هذا، وعلى كل حال الحديث رواه أبو داود يقول: "وفيه ضعف" بل ضعيف، الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الله بن عمر العمري المكبّر، وهو معروف بسوء الحفظ عند أهل العلم، فالخبر ضعيف، وعلى كل حال يغني عنه الحديث السابق في أن لولي الأمر أن يقطع ما شاء.
وعن رجلٍ من الصحابة -رضي الله تعالى عنه- قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فسمعته يقول: ((الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار)) رواه أحمد وأبو داود، ورجاله ثقاة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن رجلٍ من الصحابة -رضي الله تعالى عنه- قال: غزوت مع النبي ﷺ " إثبات الغزو له مع النبي ﵊ يثبت له الصحبة، وإذا ثبتت له الصحبة فإنه حينئذٍ يكون مقبولاً ولو أبهم كما هنا، عن رجلٍ من الصحابة، قد يقول قائل: هذا مبهم، ومثل هذا يسميه البيهقي مرسل، لكن هو متصل، ولا يضر إبهام الصحابي، جهالة الصحابة لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، فمجرد ما يثبت أن هذا صحابي تكون روايته مقبولة، ولو لم يسم.
"قال: غزوت مع النبي ﷺ فسمعته يقول" لو لم يقول: غزوت مع النبي ﵊؟ عن رجلٍ من الصحابة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس شركاء في ثلاثة)) يتغير الحكم وإلا ما يتغير؟ لا يتغير، ما دام ثبت أنه صحابي، لكن قوله: "غزوت مع النبي ﵊" تكون الدعوة مقرونة بدليلها، لماذا وصف بكونه من الصحابة؟ لأنه غزا مع النبي ﵊، فهو صحابي لا إشكال في ذلك، ولا تردد في صحبته.
следующие страницы →