← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الهبة والعطية والنحلة بمعنى واحد إلا أن الهبة تطلق على ما كان في حال الصحة وكذلك الهدية، وأما العطية فهي مختصة في العرف عند أهل العلم أنها ما كانت في حال المرض، والهبة عبارة عن تمليك عين دون مقابل، يقول -رحمه الله تعالى-: "عن النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً" يعني وهبه له، بشير بن سعد وهب ابنه النعمان ونحله غلام كان له "فقال رسول الله ﷺ : ((أكل ولدك نحلتهم مثل هذا؟ )) " يعني جميع الأولاد أعطيتهم مثل هذا الغلام؟ "فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((فأرجعه)) " وعلى هذا إذا استوت المطالب -مطالب الأولاد- لا بد من التعديل بينهم، فعنده خمسة من الأولاد كلهم يحتاج إلى سيارة، فأعطى واحد سيارة، أعطاه إياه، وهبها له، وترك الباقي وقال له: لا تنس إخوانك إن كان لهم مشاوير وإلا شيء توصلهم، ما يكفي، لا بد أن يهب لكل واحد سيارة، وإلا تكون السيارة باسمه هو، ثم يخوّل واحداً منهم لقيادتها لكونه أجدر بهذه القيادة من غيره، ومع ذلك لا يختص بها في مشاويره الخاصة، ومن احتاجها من إخوانه ينتفع بها؛ لأنها ليست له، وإنما هي لأبيه، وتعلقهم بها كتعلقه هو، أما إذا اختلفت المطالب، هذا يحتاج سيارة، والبنت تحتاج إلى ذهب، والصغير يحتاج إلى مصروف مدرسة ودروس وطعام يناسبه، ورابع أو خامس يحتاج إلى زواج، اختلفت هذه المطالب، هل نقول: إذا زوجت زيد الذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة لا بد أن تدفع لعمر الذي يبلغ من العمر خمس سنين مقدار المهر؟ يلزم وإلا ما يلزم؟ ما يلزم؛ لأن هذه حاجات أصلية تقدر بقدرها، وكل يعطى ما يحتاج، فإذا أعطى الولد سيارة ينتفع بها وينفع بها والده وأهله، وتعطى البنت من الذهب ما تحتاجه من الحلي، وما يناسب المرأة، ويعطى الصغير ما يناسبه هذا لا يلزمه فيه التعديل، الحوائج الأصلية لا يلزم فيها التعديل، لكن إذا وصل إلى ما وصل إليه أخوه الذي به أعطي ما أعطي لزم الأب التعديل، تزوج الولد الأول لما بلغ العشرين، يلزمه إذا كانت ظروفه تمسح له أن يزوج الثاني إلى وصل إلى العشرين ولا يجوز

стр. 2522

له تأخيره إذا طلب ذلك وهذا تعديل، نعم قد ينظر في مصلحة الأول ومصلحة الثاني، الأول من مصلحته أن يزوج مبكر، والثاني ليس من مصلحته أن يتزوج مبكراً، فهذه النظر إليه، لكن يبقى أن التعديل لا بد منه والتسوية، وإذا زوج الولد الأول هل يلزمه أن يوصي بتزويج الثاني والثالث من رأس ماله أو لا؟ ((لا وصية لوارث)) هل من التسوية والتعديل بين الأولاد أن يزوج الثاني والثالث كما زوج الأول ولو بعد وفاة الأب؟ بالوفاة انتقل المال منه إلى ورثته فصار لا يملك إلا الوصية بالثلث فأقل، والنص المتلقى بالقبول ((لا وصية لوارث)) فعلى هذا يزوج من إرثه لا من رأس المال "فقال رسول الله ﷺ : ((فأرجعه)) وفي لفظ: فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال: ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟ )) قال: لا، قال: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) " فعدم التسوية وإيثار بعض الأولاد دون بعض محرم، والتصرف باطل، فلا بد من إرجاع هذه العطية سواء قبضت أو لم تقبض في حياة المعطي وبعد وفاته، منهم من يقول: إنه إذا أعطى بعض أولاده وزاد بعضهم على بعض ثم مات عليه الإثم والعطية ثابتة، ولا ترد، وهذا قول كثير من أهل العلم، لكن المرجح أنه ما دام أمر بإرجاعها أنها لم تثبت ملكاً للولد، فعلى هذا ترد ولو بعد وفاة الأب، ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) الأولاد يشمل الذكور والإناث ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [(١١) سورة النساء] فالتعديل واجب بين الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأهل العلم يختلفون في مثل هذا هل مقتضى الحديث التسوية والتعديل بأن يكون ما يعطى للذكر والأنثى على حدٍ سواء؟ أو تكون القسمة على قسمة الله -جل وعلا- في المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين؟ فلنتفرض أن شخصاً ثرياً عنده عشرة أولاد وخمس بنات، عشرة ذكور وخمس إناث، فأعطى العشرة من الذكور كل واحد مائة ألف، مليون، فماذا يعطي البنات؟ هل يعطي كل واحدة من البنات مائة ألف أو يعطيها خمسين ألف؟ هل نقول: مقتضى قوله: ((اتقوا الله واعدلوا)) مقتضى هذا أن يكون العدل بالتسوية، سووا بين أولادهم، فالتسوية تقتضي أن يعطى

стр. 2523

البنات مثلما يعطى الذكور، لا على قسمة الميراث، ومن أهل العلم من يرى أن القسمة في العطية لا في النفقة والحوائج الأصلية تكون على قسمة الله بالميراث، فأعطى الذكور على مائة ألف يعطي الإناث على خمسين ألف، وهذا لا شك أنه قول له حظ من النظر، أما بالنسبة للحوائج الأصلية؛ لأن هذه مسائل عملية يحتاجها الناس باستمرار، يعني شخص عنده عشرين بين ذكر وأنثى، وفي نهاية كل شهر يعطيهم المصاريف التي يحتاجونها، ويحدد لهم، يجب عليه أن يعدل بين زوجاته، فإذا حدد لهن مبلغاً من المال لا يجوز أن يزيد واحدة على الأخرى، الزوجات نفترض أنه يعطي كل زوجة خمسمائة وكل واحد من الأولاد الذكور مائتين، فهل معنى هذا أنه يعطي الإناث مائة مصروف؟ أو نقول: إن المائة لا تكفي، أحياناً تكون البنات أشد مصروف من الأولاد؟ لأن الحاجة الأصلية لا بد من تأمينها، فهذه ليست العطية هذه من باب النفقة، إلا أنه من أجل تنضبط أموره يعطيهم دراهم، فإذا قلنا: إنه على الميراث لا بد أن يعطي البنت النصف، وحينئذٍ تتضرر، البنات يحتجن من المصاريف أكثر مما يحتاجه الأولاد؛ لأننا لو نظرنا إلى الثياب مثلاً، الولد يخاط ثوبه بمائة ريال، والبنت ما يخاط إلا بمائتين ثلاثمائة، وقل مثل ذلك في أمور أخرى مما يحتاجه الناس فكونه يقنن لهم مصاريف لا يعني أنهم يقسم بينهم هذه المصاريف على الميراث، مثاله: الأكل والشرب، يعني لو قدم طعام فهل يستطيع أن يقول للبنت: للذكر مثل حظ الأنثيين لا تأكلين إلا نصف ما يأكل الولد؟ يمكن أن يقال هذا؟ لا، فالحوائج الأصلية تؤمن من دون نظر إلى الميراث، وهذه مسألة عملية ويحتاجها الناس، هذا إذا أراد أن يعطيهم دراهم في مقابل المصروف ينفقون على أنفسهم، لكن لو تولى الشراء لهم، يكون هذا العمل فيه على حسب الحاجة، الكبير يحتاج إلى ثوب أربعة أمتار قيمته مائة وعشرين، الذي دونه إلى ثلاثة أمتار قيمته مائة، الذي دونه يحتاج إلى مترين بستين مثلاً، أو سبعين، البنت تحتاج إلى ثوب مائتين، الزوجة الكبرى تحتاج إلى ثوب مناسب بخمسمائة، الثانية تحتاج إلى ثوب مناسب بألف، فالناس لا شك أنهم منازل، فإذا كان الصرف بالحوائج نفسها فهي تتفاوت من شخص إلى آخر، فكل

стр. 2524

إنسان يعطى ما يناسبه وما يعطاه مما يناسبه تعديل، لو اشترى للزوجتين وبينهما من العمر عشرين سنة مثلاً، الأولى عمرها أربعين والثانية عشرين، اشترى لهم من قماش واحد، وتفصيل واحد، يصلح وإلا ما يصلح؟ الكبيرة تقول: هذا لا يناسبني، هذا ثوب شهرة يصلح للصغار، والصغيرة تقول: لا يناسبني هذا دون مما أحتاجه، ولذلك في مثل هذه الأمور أفضل ما يكون أن يعطوا دراهم يتصرفون فيها كل على حسب حاجته، وبهذا يتم التعديل وينضبط، أما تأتي للكبرى وبينهما .. التي قد تكون بنت من بنات هذه الكبرى أكبر من هذه الزوجة، وتأتي لها بثوب مثل ثوب الصغرى ما هو مناسب، والعكس كذلك ليس بمناسب، فمثل هذه الأمور لا يحلها إلا الدراهم، هي التي يمكن فيها التعديل، فإذا أعطيت هذه خمسمائة وهذه خمسمائة انتهى الإشكال ولا كلام لأحد، وكل واحد منهما تشتري ما يناسبها يعني في حدود ما أباح الله -جل وعلا-، أما لو أرادات إحداهما أن تشتري شيئاً محرماً لذاته أو وصفه فإنها لا تمكّن من ذلك، قد يقول قائل: إن مثل هذا يسهّل لها الخروج لقضاء حوائجها، ولو تولى الأب أو الزوج تأمين هذه الأمور بنفسه وامتثل جعل النسوة يمتثلن القرار في البيوت، لا شك أن هذا أولى وأكمل لكن لا ينضبط، لا يمكن ضبطه، فالتعديل في مثل هذا يكون بالفلوس تبرأ الذمة بمثل هذا، يعني يحدد للزوجات مثلاً مصروف، وهذا تبعاً ليسار الزوج وعسره فيزيد إذا كانت أموره متيسرة، ويقل إذا كانت أموره أقل وهكذا، فالمتوسط لو أعطى الزوجات كل واحدة خمسمائة وأعطى كل واحد من الأولاد والبنات مائتين أو ثلاثمائة ماشي ما يكون ظلم أحد منهم. " ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) فرجع فرد تلك الصدقة" امتثالاً لقوله ﵊: ((فأرجعه)) فرد تلك الصدقة فدل على أن الجور والميل وعدم التسوية وعدم التعديل أمر ليس عليه أمر النبي ﵊، فهو رد، أي مردود، فلا بد من رده في حياة الواهب، وبعد مماته، خلافاً لمن يقول: إنه إذا مات ثبت الإثم في حقه، وثبتت العطية والهبة لمن وهبت له.

стр. 2525

"وفي رواية لمسلم: قال: ((فأشهد على هذا غيري)) " هل معنى هذا أنه يأذن له في أن يستمر في هبته لكن يشهد على هذا غير النبي ﵊ لأن منزلته أعظم على مثل هذا؟ فيكون فيه إذن وإباحة؟ أو أن السياق سياق تهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [(٤٠) سورة فصلت]؟ لأن منهم من يرى أن التسوية غير واجبة، التعديل بين الأولاد غير واجب، بل التفاضل مكروه، بدليل أنه قال: ((أشهد عليه غيري)) ولو كان محرماً لما أمر بإشهاد غيره، لأنه لا يجوز لغيره أن يشهد على محرم، نقول: ليس الأمر هنا للإذن بل هو للتهديد، كقوله -جل وعلا-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [(٤٠) سورة فصلت] "ثم قال: ((أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ )) قال: بلى قال: ((فلا إذاً)) " يعني فلا تفضل بعضهم على بعض ليتم البر منهم على حدٍ سواء، وما وجد العقوق والتمرد على الآباء إلا بعد أن وجد التفضيل لبعض الأولاد على بعض، فالتفضيل سبب للعقوق، كثير من الأولاد خله ينفعه فلان، هو الغالي عنده وهو اللي .. ، موجود هذا، إذا وجد التفضيل من بعضهم على بعض لا شك أن البشر كثير منهم لا يحتمل مثل هذا، وإلا فالأصل أن على الابن أن يؤدي ما عليه، وأن يسأل الله -جل وعلا- الذي له، ويطالب أباه بما له، ويخوفه بالله ويأمره بالعدل، ويضرب له مثل هذا النص، نعم. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي ﷺ : ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)) متفق عليه. وفي رواية للبخاري: ((ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه)).

стр. 2526

يقول: "ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)) متفق عليه" هذا دليل على تحريم الرجوع في الهبة؛ لأن النبي ﵊ شبهه في أمر شنيع، قبيح، وفي الرواية الأخرى: ((ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه)) وأسلوب السياق دليل ظاهر على التحريم؛ لأن المكلف لا يجوز له أن يفعل هذا الفعل، لا يجوز له أن يعود في قيئه فلا يجوز له أن يعود في هبته كما مثلت الغيبة بأكل لحم أخيه ميتاً، كما أنه لا يجوز له أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك لا يجوز له أن يأكل لحم أخيه حياً بالغيبة، وكذلك إذا كان لا يجوز له أن يعود في قيئه لا يجوز له أن يعود في هبته، هذا قول الجمهور، ومنهم من يقول: يجوز له أن يعود في هبته، طيب والمثل الذي ذكره النبي ﵊ وهو مثل السوء؟ قال: إن الكلب غير مكلف ولا إثم عليه إذا عاد في قيئه وحينئذٍ يكون المشبه مثل المشبه به، فلا إثم على من عاد في هبته! ظاهر وإلا مو ظاهر؟ الجمهور أخذوا منه تحريم العود في الهبة وهو ظاهر، السياق يدل دلالة صريحة على التنفير من هذا العمل، ومنهم من يقول: يكره العود في الهبة ولا يحرم لماذا؟ لأن المشبه ينزل منزلة المشبهة به، فالعائد في هبته لا يأثم كما أن الكلب إذا عاد في قيئه لا إثم عليه؛ لأنه غير مكلف، ومثله المشبه به، لكن نهينا عن مشابهة الحيوانات، أقعاء الكلب، افتراش السبع، بروك البعير، هذا ليس للمسلم، وكذلك من أشنع التشبيه في السنة النبوية ما جاء معنا هنا، يقيء .. أولاً كلب، وهو من أخبث الحيوانات وأنجسها، ومع ذلك فعله شنيع، يقيء ثم يعود في قيئه، نعم منها ما يأكل الجيف، ومنها ما هو أخبث من ذلك، لكن هنا التمثيل والتنظير مطابق منه ﵊، وهذا في غاية البلاغة، وظاهر من الذي يعطي ثم يأخذ هذا لا شك أنه عمل سيء مشابه لعود الكلب في قيئه، وفي رواية للبخاري: ((ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه)) يستثنى من ذلك ... نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 2527

نعم ... لا، المهدي بالكلب، المهدي الذي يعود في هديته كالكلب، العائد في هبته كالكلب، نعم والهدية كالقيء، يعني لو كان المنظور إليه مثلما يقول من يبيح الرجوع ويفسر الحديث على هذا الفهم قلنا: إن الهدية هذه لا يجوز قبولها؛ لأنها كالقيء! صحيح، ما دام يشبه العائد في هبته كالكلب في عدم التكليف وعدم المؤاخذة؛ لأن الكلب غير مكلف، المقصود التشبيه إجمالاً لا تفصيلاً، وإلا لو قلنا: بالتفصيل لاتجه قولهم، لكن الصورة الإجمالية لا شك أنها تدل على منع الرجوع في الهبة، يستثنى من ذلك هبة الوالد لولده، وأيضاً الهبة مع عدم التعديل على ما سيأتي وما تقدم، والحديث الذي يليه حديث ابن عمر في المغرب -إن شاء الله تعالى- ...

стр. 2528

شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (٢١) شرح: باب الهبة الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. بسم الله الرحمن الرحيم. وعن ابن عمر وابن عباس -رضي الله تعالى عنهم- عن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لرجلٍ مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده)) رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فتقدم في الحديث الذي قبله تحريم العود في الهبة، وأن العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود على قيئه، وعرفنا أن الجمهور على تحريم هذا الفعل الشنيع وهو العود في الهبة، والسياق يقتضي ذلك، وأن من أهل العلم من فهم منه أنه يجوز العود في الهبة، وأنه لا إثم فيه بدليل أن الكلب غير مكلف فعوده في قيئه غير محرم عليه، وكذلك العود في الهبة غير محرم؛ لأن التشبيه يقتضي المشاركة بين المشبه والمشبه به، لكن السياق صريح في ذمّ العود في الهبة، والتمثيل إنما هو للتنفير والتحذير، وقد نهينا من مشابهة الحيوانات فيما هو أقل من ذلك، نهينا من افتراش السبع، وانبساط الكلب، وتدبيح الحمار، وبروك البعير، والتفات الثعلب، والشموس كشموس الخيل، المقصود أننا نهينا عن مشابهة الحيوانات فيما هو دون ذلك، فكيف نشابههم فيما هو أشنع أعمالهم، وهو العود في القيء، فدل ذلك على تحريم العود في الهبة، يستثنى من ذلك ما يهبه الرجل لولده، يعود عليه بلا إشكال، وهذا مستثنى في الحديث الذي معنا، حديث ابن عمر وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ قال، عندك قالا؟ طالب: نعم.

стр. 2529

غلط، القائل هو النبي ﵊، "قال: ((لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها)) " يعني يعود في هبته، وإن كانت العطية في العرف عند أهل العلم هي ما يعطى دون مقابل في مرض الموت، في مرض الموت يسمى عطية، وفي حال الصحة يسمى هبة ويسمى هدية ((لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده)) وذلكم أن المال مال الوالد ومال الولد كالشيء الواحد، فيجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده الذي تعب عليه ((أنت ومالك لأبيك)) فكيف فيما لم يتعب عليه ومصدره هو؟ يعني من باب أولى، كما أن الولد له شبهة في مال أبيه كما هو معلوم عند أهل العلم ومقرر، فاستثني الوالد فيما يعطي ولده، الحديث صحيح، مروي عند أحمد والأربعة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومصحح عند الترمذي وابن حبان والحاكم، فالوالد له أن يعود فيما يهبه لولده، ويكون حينئذٍ مستثنى، مخصص للحديث السابق. وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها. رواه البخاري. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: وهب رجل لرسول الله ﷺ ناقة فأثابه عليها، فقال: ((رضيت؟ )) قال: لا فزاده، قال: ((رضيت؟ )) قال: لا، فزاده، فقال: ((رضيت؟ )) قال: نعم. رواه أحمد وصححه ابن حبان. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2530

"وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية" قبول الهدية لا شك أنه من مكارم الأخلاق، فالنبي ﵊ كان يقبل الهدية، لكن ليس معنى هذا أن يستشرف الإنسان لكل يدٍ تمد ليرى ما فيها هل فيها شيء يهدى إليه، فالاستشراف ليس من شأن المسلم، ولا من شأن الكرام، فالنبي ﵊ إذا أهدي إليه يقبل من غير استشراف بهذه الهدية، ومن غير أن تؤثر في نفسه الضعة، والنظر إلى أيدي الناس، ولذلكم كان ﵊ يثيب عليها، فيثيب عليها أكثر منها، والهدية بنية الثواب هذه عند أهل العلم حكمها حكم البيع، وليست معنى الهدية التي تسل السخيمة، وتورث المحبة والمودة بين المتهادين، فالنبي ﵊ هذه من عادته، ومن شمائله ﵊ أنه لا يرد الهدية؛ لأن مرد الهدية يورث في قلب المهدي شيئاً من الضيق؛ لأنه تذهب به الأوهام كل مذهب إذا ردت هديته بيده، ولذلكم لما جاء أبو جهيم بكسائه الذي أهداه للنبي ﵊ قبله ما رده، ومع ذلكم هذا الكساء كان مخططاً ومعلماً فصلى فيه النبي ﵊ فشغله عن صلاته، نظر إليه النبي ﵊ في الصلاة فلما سلم قال: ((أعطوا أبا جهيم هذا الكساء، وأتوني بأمبجانيته)) من أجل إيش؟ ألا ينكس قلبه، فيعرف أن الرد لسبب معين لا يرجع إلى ذاته، وإنما يرجع إلى المهدى، وكونه لا يليق به، فلو أهدي إلى الإنسان لا يليق به ولو كان ثميناً، أهدي إليه قلم ذهب مثلاً أو ساعة ذهب، فردها وقال: أعطني غيرها مما لا يحرم لبسه على الرجال، هذا لا شك أن فيه جبراً لخاطر المهدي، فرد الأعلى لا يقتضي رد الأدنى، فكان النبي ﵊ يثيب عليها أكثر منها، يثيب عليها ما هو خير منها كما جاء عند ابن أبي شيبة، وفي الحديث الذي يليه، وهذه معروفة عند أهل العلم بالهبة التي يرجى من ورائها الثواب في الدنيا لا في الآخرة، ولها أصل شرعي، الإنسان يقدم لمن هو أكبر منه قدراً، فيرجو ما عنده من ثواب، وهذه لا أجر فيها؛ لأن الأعمال بالنيات، فإذا قدم لأمير أو لكبير أو لوزير، أو لغني هدية، ويقصد

стр. 2531

من ذلك أن يثيبه عليها أعظم منها، وهذا معروف على مر التاريخ يهدى إلى الخلفاء والمهدي يتوقع أنهم يعطونه أكثر مما أعطاهم، والشعراء يهدون القصائد وأصحاب الأموال يهدون من أموالهم، كل هذا يرجون ثوابه، وعلى هذا الأجر على قدر النية. "عن ابن عباس ﵄ قال: وهب رجل لرسول الله ﷺ ناقة فأثابه عليها فقال: ((رضيت؟ )) قال: لا" لأنه توقع أنها أعظم، يعني إذا أهدى إلى الخليفة قصيدة، ثم رد عليه بقصيدة ما استفاد، لكن إذا أهدى له القصيدة وأعطاه مبلغاً مجزياً من المال كالمعتاد هذا ما توقعه، وهو المرجو من مثل هذه الهدية "فأثابه عليها فقال: ((رضيت؟ )) قال: لا، فزاده فقال: ((رضيت؟ )) قال: لا، فزاده فقال: ((رضيت؟ )) قال: نعم. رواه أحمد وصححه ابن حبان" وفي الترمذي بيّن في روايته أن العوض كان ست بكرات في مقابل ناقة، فأعطاه النبي ﵊ أكثر مما أهداه، وهذا من كرمه ﵊، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فمثل هذا له أصل شرعي، لكن الأجر على قدر النية، ما يقر في قلب المهدي. في هذا الحديث في بعض الروايات: قال النبي ﵊: ((قد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشيٍ أو ثقفي)) لأن هؤلاء الأعراب لا يرضون بالشيء اليسير إذا أعطوا، ولذلك النبي ﵊ يقول له: ((رضيت؟ )) يقول: لا، لا شك أن في هذا شيء من الجفاء، وهذا من شأن الأعراب لا من شأن أهل البلدان والمدن، ولذلك يذكر عنه ﵊ أنه قال: ((لقد هممت –بعد هذه القصة- أن لا أقبل إلا من قرشيٍ أو ثقفي)) يعني ممن يقدره حق قدره ﵊، أما بعض الناس الذين يأتون من أجل الدنيا، وإن كانوا في الأصل مسلمين، لكن المسلمين يتفاوتون، منهم من جبل على الطمع، ومنهم من جبل على الكرم والسخاء سخاء النفس، المقصود أن مثل هذا هديته لا يثاب عليها. وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((العمرى لمن وهبت له)) متفق عليه.

стр. 2532

ولمسلم: ((أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه)) وفي لفظ: إنما العمرى التي أجازه رسول الله ﷺ أن يقول: هي ولك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. ولأبي داود والنسائي: ((لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئاً أو أعمر شيئاً فهو لورثته)). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((العمرى لمن وهبت له)) ". العُمرى بضم العين المهملة هي العطية مدة العمر بأن يقول المعطي: هي لك مدة عمرك، يعني شبه عارية عند المعمر من أعمرها مدة عمره، ومراد المعمر المعطي أن تعود إليه بعد وفاته، والرقبى كذلك، لكن الرقبى معلقة بموت أحدهما، إن مات المعمر رجعت إلى ورثته، وإن مات المعمر عادت إلى المعمر، فسميت رقبى لأن كل واحد منهم يترقب موت صاحبه، والعمرى الهدية مدة العمر فقط، يقول: ((العمرى لمن وهبت له)) هذا إذا قال: هي عمرى أو لك مدة عمرك، ولم يصرح برجوعها إليه بعد وفاته، فإذا قال: العمرى هي لك مدة عمرك فالعمرى لمن وهبت له، وإن كان اللفظ يفهم منه أنه علق هذه العطية بمدة عمره، لكنه لم يصرح برجوعها إليه، فهي لمن وهبت له، ولمسلمٍ: ((أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه من بعده)). هذا إذا لم يصرح بعودها إليه، وإن كان اللفظ يفهم منه إرادة الرجوع، لكنه لم يصرح بالرجوع، "وفي لفظ: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك" يعني إذا قال: هي لك ولعقبك من غير تحديد فمعناها أنها غير مؤقتة، وأنه لا ينوي الرجوع فيها، لكن إذا قال: هي لك مدة عمرك يفهم من اللفظ أنها تعود بعد وفاته، وهي لمن أعمرها كالمطلقة، أما إذا قال: هي لك ما عشت فقط فإنها ترجع إلى صاحبها.

стр. 2533

"ولأبي داود والنسائي: ((لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقب شيئاً أو أعمر شيئاً فهو لورثته)) " وذلكم لأن العطية المؤقتة المحددة بوقت لا شك أن هذا التحديد فيه نوع من الرجوع في الهبة، وهو إن كان لم يهب هبةً مطلقة إلا أنه إذا قال: هي لك مدة عمرك فهي لمن أعمرها، وإذا قال: هي رقبى لك بمعنى أنها متعلقة برقبتي أو رقبتك مدة وجودي أو وجودك، وكل منهما يترقب موت الآخر فهذه أيضاً لمن أرقبها، لكن إذا قال له وصرح له بأنك إذا مت تعود إليّ فهو على ما اشترط، والمسلمون على شروطهم، كما قال: فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها، نعم. وعن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: حملت على فرسٍ في سبيل الله فأضاعه صاحبه فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم)) الحديث متفق عليه. في هذا الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: حملت على فرسٍ في سبيل الله" يعني في الجهاد، شخص يريد الجهاد وليس عنده ما يحمل عليه، ليس عنده ما يركب، ليس عنده فرس فأعطاه عمر فرس فحمله على فرس بمعنى أنه أعطاه إياه ليجاهد عليه فأضاعه صاحبه بعد أن رجع من الجهاد، أو قبل أن يذهب إلى الجهاد أضاعه صاحبه، وأهمله الذي حمل عليه، فرأى عمر ﵁ زهده في هذا الفرس فظن أنه بائعه برخص، والقرينة تدل على ذلك، لو كان في نظره أثيراً غالياً لاهتم به واعتنى به، لكنه أضاعه وأهمله فظن عمر فالقرينة التي تدل على ذلك أنه بائعه برخص، فبدلاً من أن يكون بخمسمائة درهم ظن عمر أنه يبيعه ولو بمائة درهم، لكن عمر -رضي الله تعالى عنه- قبل أن يتصرف وقبل أن يشتري وقبل أن يكلم هذا الشخص سأل النبي ﵊، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم لا يقدم على تصرف يشك فيه إلا بعد أن يسأل أهل العلم "فسأل النبي ﵊ عن ذلك فقال: ((لا تبتعه -يعني لا تشتره- ولو أعطاكه بدرهم)) الحديثَ" منصوب على إرادة أكمل الحديث "متفق عليه" بين الشيخين، فرواه البخاري ومسلم.

стр. 2534

هذا الحديث يدل على أن من أخرج شيئاً لله لا يجوز له الرجوع فيه، فشخص أعطى زميله كتاب يستفيد منه ثم بعد ذلك هذا المهدى لم يستعمل الكتاب حق الاستعمال وأضاعه، وجعله في مكانٍ يدل على عدم اكتراثه به معرض للشمس، معرض للأمطار والسيول، وكل ما دخل زميله رأى هذا الكتاب في هذا المكان الذي هو مظنة لتلفه، فقال: بعنيه، فبدلاً من أن تكون قيمته مائة ريال يمكن يبيعه بعشرة، احتمال يبيعه برخص؛ لأنه لو كان أثيراً عنده معظماً لديه لجعله في مكانه اللائق به، واستفاد منه حق الإفادة، لكن لما كان ما يستفيد منه وضعه في هذا المكان الذي يدل على أنه زاهد فيه، لا شك أنه يبيعه برخص، مثل هذه الصورة التي معنا فمن ترك شيئاً لله، وبذله لله لا يجوز الرجوع فيه ولا بالشراء، فهذا الفرس لو أعطاه إياه بدرهم لا يجوز له أن يشتريه، لكن لو كان عمر -رضي الله تعالى عنه- أراد أن يشتري هذا الفرس ليعطيه آخر يجاهد عليه في سبيل الله، أو أراد المهدي للكتاب أن يخلص هذا الكتاب من الشخص الذي لا يستفيد منه، ويدفعه إلى آخر يستفيد منه يلام وإلا ما يلام؟ هل مثل هذا رجوع في الهبة فيما أخرجه لله؟ لا، هذه هبة ثانية، وإخراج لله مرة ثانية، فمثل هذا لا يدخل في المنع، وإن كان من أهل التحري من يرى أنه لا يبيعه ولو .. ، لا يبتاعه ولو تلف، ولو أدى ذلك إلى تلفه لقوله ﵊: ((لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم)) لكن من عرف المقاصد الشرعية وعمومات الشريعة يدل على أن المراد أنه لا تبتعه لتفيد منه بنفسك، أما إذا تدفعه إلى شخص يستفيد منه أكثر مما يستفيد منه المعطى الأول، وتشتريه بقيمته فإنك مثاب مرة أخرى على ثوابك الأول، وكذلك لو اشتراه بأكثر من قيمته، وجده يحرج عليه في السوق من يشتري الفرس؟ الفرس يستحق خمسمائة فسامه بعضهم بمائة، مائتين، ثلاثمائة، فقال: أنا أشتريه بستمائة، هل هذا من الرجوع والعود فيما وهبه لله -جل وعلا-؟ لأن العلة المنصوصة الرخص، وهذا الرخص الذي هو القدر بين قيمته الحقيقية، وبين ما يباع به من رخص هذا رجوع، يعني إذا كان يستحق خمسمائة فاشتراه بثلاثمائة نقول: إنه رجع من الفرس بمقدار مائتين، لكن إذا اشتراه بستمائة رجع في

стр. 2535

شيء؟ يعني مفهوم المخالفة في هذا الحديث أنه لو اشتراه بأكثر مما يستحق فإنه ليس برجوع. "فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص" فمفهومه أنه إذا باعه بزيادة على ما يستحقه أنه لا يدخل في النص "فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((لا تبتعه -يعني لا تشتريه- وإن أعطاكه بدرهم)) الحديث، متفق عليه" وهذا يحصل كثير بين الإخوان، يهدي أحدهما للآخر هدية كتاب أو شيء يستفيد منه، ويستعين به على طلب العلم، ثم بعد ذلك يرى أنه ليس بحاجة له، ويستدل بذلك بقرائن، إما لإهماله أو لكونه عنده تبين أن عنده نسخة أخرى، قيل له: وراك ما تحضر درس البلوغ قال: والله ما عندي كتاب، ثم بعد ذلك أهداه كتاب فصار يحضر، ثم بعد ذلك وقف أو أهدي نسخة أخرى، أو أعطي من جهةٍ خيرية نسخة أخرى هي أفضل من هذه النسخة فاستغنى عن هذه النسخة، هذه النسخة لا بد أن يستفاد منها، ولا تعطل ولا تهمل، فتدفع إلى من يستفيد منها، وإذا لم يرض ببذلها فما الحكم؟ إن الكتاب أعطيه على سبيل الهدية أو على سبيل الوقف، إن كان على جهة الوقف فحينئذٍ تعطلت منافعه فينقل إلى جهة أخرى، وإن كان على سبيل الهدية يشار إليه أن يدفعه إلى جهةٍ أخرى، أو يبيعه إلى من يستفيد منه. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا تحابوا)) رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى بإسنادٍ حسن. وعن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة)) رواه البزار بإسنادٍ ضعيف. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2536

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا تحابوا)) " هذه مفاعلة في الفعلين مقتضاها أن تكون بين طرفين، فمقتضى اللفظ في الأصل أن تكون الهدية من الطرفين، كل واحد منهما يهدي للآخر لتحصل النتيجة، يحصل، يترتب على ذلك جواب الطلب، الطلب: تهادوا، فإذا حصلت الهدية من واحد إلى آخر حصلت المحبة من المهدى إليه للمهدي، وإذا حصل العكس ترتب عليه ذلك أيضاً، فمقتضى الصيغة أن كل واحدٍ منهما يهدي للآخر، يهدي زيد لعمرو وعمرو لزيد، فيحصل النتيجة أن عمراً يحب زيداً، وزيد يحب عمراً، هذا الأصل في الصيغة، لكن لو لم يحصل من الطرفين، حصل من طرف واحد، يتم الامتثال وإلا ما يتم؟ قلنا: إن الأصل مهاداة، محابة في الله، يعني مفاعلة تكون بين طرفين، فإذا لم توجد إلا من طرفٍ واحد زيد أهدى لعمرو وعمرو لم يهدِ لزيد! يعني زيد بذل السبب في إيجاد الجواب، جواب الطلب الذي هو المحبة، وقصر عمر في المهاداة فلم يحصل منه ذلك وكل إنسانٍ مطالب بمثل هذا، الأمر يتجه إلى كل مسلم، وكل على حسب قدرته واستطاعته، فإذا فعله شخص امتثل الأمر، وأجر عليه وإذا تركه آخر فإنه لا علاقة له به يثبت الأجر لمن فعل، والأمر عند أهل العلم للاستحباب، الأمر للاستحباب.

стр. 2537

هذه الهدية التي تقدم للمهدى لا شك أنها سبب في تقوية الصلة، وفي حصول المودة، ولن تدخلوا الجنة حتى تحابوا ((ألا أخبركم بشيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)) فهذه أقل الأحوال أن تبذل السلام على من لقيت سواءً عرفته أو لم تعرفه، فتكون محبوباً بين العباد، إذا زاد الأمر وبذلت مع السلام هدية لزيد من الناس فإن مودتك تقر في قلبه، والحديث الذي سيأتي أن هذه الهدية ولو كانت يسيرة فإنها تنفع، ولا يجوز ازدراؤها ولا احتقارها، فلو أهدى شخص لآخر مسواك فتقبل هذه الهدية، كما كان هديه ﵊ أنه يقبل الهدية ويشكره عليها، ولا منّة له عليه سواء كان قريباً أو بعيداً، وواحد من الكبار من أهل العلم الكبار قابله شخص فأهدى إليه مسواك، لكنه مائل، وقد قدّم لهذه الهدية بمقدمات عدة مرات كل ما لقيه عندي لك هدية، لقيه من الغد عندي لك هدية، عندي لك هدية، كم مرة يقول له عندي لك هدية! فلما لقيه في يوم من الأيام أعطاه المسواك، فإذا به مائل، فجعل في نفسه وش هذه الهدية التي وعدني بها مراراً؟ وذكرني بها مراراً، عندي لك هدية، يا فلان عندي لك هدية، فلما قال في نفسه، زور في نفسه هذا الكلام عاد إلى نفسه مرةً أخرى فقال: على كل حال هو محسن، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ دعا له، ثم عاد إلى نفسه مرةً ثانية يقرعها ويلومها، الله -جل وعلا- أحسن علينا، وأنعم علينا بنعم عظيمة، ووهبنا المنح الجزيلة، ونعم لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك نعبده على وجهٍ قد يرضيه أحياناً، وقد لا يرضيه أحياناً، فعباداتنا مثل هذا المسواك فيها عوج، بعض المواقف تؤثر في الإنسان وهي يسيرة، لكن مع التفكر مع التأمل مع التدبر، وإلا إيش المانع أنه لما أعطاه المسواك الأعوج الذي وعده به مراراً أنه يرميه عليه! ويقول له: ما تستحي تقدم هذا المسواك المائل الأعوج بعد وعود، وبالفعل المهدى إليه شخص كبير ما هو بإنسان عادي يعني من أهل العلم الكبار، لكنه عادت عليه هذه الهدية بالنفع العظيم، يعني حاسب نفسه بالفعل، يقول: هذا محسن، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ جزاك الله خيراً انتهى الإشكال، ثم عاد إلى نفسه يلومها وأي إحسانٍ وأي منةٍ أعظم من مال الله في

стр. 2538

عنق المسلم من منة أن خلقه، وأوجده، ورزقه، وهداه للإسلام التي هي أعظم النعم، ثم بعد ذلك يعبد على طريقةٍ أحياناً لا ترضيه، فيها ميل، فيها عوج، فلو أن كل إنسانٍ حاسب نفسه بهذه الطريقة ما وقع منا كثير من التصرفات التي نتصرفها، نكبر تكبيرة الإحرام فلا نشعر إلا والإمام يسلم، ونقرأ القرآن ونبدأ بسورة ولا نشعر إلا ونحن في السورة التي بعد التي تليها، وشخص وهو من الأخيار قال: أجلس اليوم بعد صلاة الصبح، في المسجد بعد الصلاة إلى أن تنتشر الشمس وعزم على هذا، يقول: لما صليت الصبح يعني بعد ربع ساعة ما شعرت إلا وأنا في بيتي جالس مسوي القهوة ويتقهوى، شاب على الدلة ويتقهوى، هذا الذي عزم على الجلوس بعد صلاة الصبح، سببه إيش؟ القلوب شاردة، فلو أن الإنسان وقف مع نفسه وقفة محاسبة ما صارت الأعمال بهذه الطريقة تؤدى على وجه لا يرضي الله -جل وعلا-، القلوب لا شك أنها تحتاج إلى تعاهد، والنيات شرود، لا بد أن تتعاهد؛ ليكون العمل نافعاً عند الله -جل وعلا-، فبقدر ما تستحضر من صلاتك يكون ثوابك، فمن الناس من يخرج من صلاته بنصفها، يعني بنصف أجرها، ومنهم من يخرج منها بربع الأجر، ومنهم بالثلث، ومنهم بالعشر، ومنهم من يخرج بلا أجر؛ لأنه ما عقل من صلاته شيء وليس له من صلاته إلا ما عقل، وهذا حال كثير من الناس، يعني إذا وجد من هو ساجد يقول: آمين، يرفع صوته بها هذا قرأ الفاتحة وانتهى، ما بقي إلا آمين، وهو ساجد، هل هذا يعقل من صلاته شيء لا سيما في حال السجود الذي هو أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟ والله المستعان. لا شك أن الهدية تورث المحبة؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.

стр. 2539

" ((تهادوا تحابوا)) رواه البخاري في الأدب المفرد" كتاب للإمام البخاري معروف ومشهور ومطبوع ومتداول، والوصف بكونه مفرد لئلا يتلبس بالأدب الموجود في الصحيح؛ لأن صحيح البخاري فيه كتاب الأدب، فقولهم: الأدب المفرد؛ ليخرج الأدب الموجود في صحيحه، وبينهما تشابه كبير بين الأدب المفرد والأدب الذي في صحيحه إلا أن شرطه في الأدب المفرد أخف بكثير من شرطه في الصحيح، فيدخل فيه بعض الأحاديث الحسنة التي تقصر عن شرطه، وبعض الأحاديث الضعيفة، وهذا الحديث قال الحافظ عنه: "وأبو يعلى بإسنادٍ حسن" إسناده حسن، وقد ينزل عن الحسن قليلاً إلا أنه له شواهد ترقيه إلى مرتبة الحسن، ومن شواهده: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تهادوا)) يعني كل واحد يهدي للثاني ((تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة)) السخيمة: هي الحقد والبغضاء التي في القلوب، وهذه داء من أدواء القلوب تعالج بمثل هذا، تعالج بالإحسان إلى من في قلبه مثل هذا الحقد، فقد يكون بين الإنسان وبين أخيه وبين قريبه وبين جاره وبين زميله في العمل، بين صديقه يكون بينهم شيء سوء التفاهم يورث شيء من الحقد والبغضاء والتنافر، مثل هذا يزال بالهدية، ((تهادوا فإن الهدية تسل)) يعني تسحب السخيمة التي هي الحقد في القلوب "رواه البزار بإسنادٍ ضعيف" لكنه يشهد له الحديث الذي قبله فيرتقيان معاً إلى درجة الحسن لغيره، نعم. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)) متفق عليه. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2540

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا نساء المسلمات)) " ما نوع الإضافة هنا؟ نساء المسلمات؟ من إضافة؟ الموصوف إلى صفته، يا نساء المسلمات، وما دام المنادى مضاف فهو إيش؟ منصوب، ونساء مضاف والمسلمات مضاف إليه ((لا تحقرن)) يعني لا تزدري الجارة لجارتها الهدية اليسيرة ((لا تحقرن جارة لجارتها -الهدية اليسيرة ولو بلغت إلى- فرسن شاة)) الفرسن بالنسبة للبعير بمنزلة الحافر للفرس، وقد يستعار الفرسن للشاة كما هنا، وإلا فالأصل في إطلاقه أنه للبعير، لكنه ربما استعير للشاة كما قال أهل اللغة.

стр. 2541

لو أن امرأة أهدت لجارتها هذا الفرسن ثم قبلته هذه الجارة، وأفادت منه إن كانت بحاجته أو دفعته إلى غيرها، وانتفع به من يدفع إليه، وهذا لا شك أنه يسير، لكن مع ذلك هو بدون مقابل، وفي هذا الحديث الحث على الهدية، ولو كانت يسيرة، بعض الناس يأنف ويستنكف أن يهدي الشيء اليسير، وجاء ذمّ من يقصد الشيء الرديء ويبقي الطيب له ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] لكن في الحديث الحث على الهدية، وليس معنى هذا أن الإنسان يذبح البعير الذي هو زنته خمسمائة كيلو، ويدخره بكامله، ويهدي إلى جاره، هذا يهدي له خف، وهذا يهدي له خف، وهذا رئة وهذا مدري إيش!؟ لا، ليس معنى هذا إنما هو في حال القلة، يعني في حال كون المهدي قليل ذات اليد، فيهدي ما يناسبه، لا يتكلف أمر لا يطيقه، ويقبل من مثل الفقير يقبل منه الشيء اليسير، لكن لو أن شخصاً عرف بالغنى والثراء، وصار يوزع على الفقراء والمساكين مثل هذا، لا شك أن هذا داخل في قوله: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] يعني تأخذونه على شيءٍ من الإغماض والمجاملة، لكن إذا كان المهدي قليل ذات اليد فقير يقبل منه مثل هذا، وهذا فيه مبالغة وإلا فكثير من الناس لا يستعمل هذا الفرسن، في حديث التخلف عن صلاة الجماعة قال: ((والذي نفسي بيده لو أن أحدهم -يعني المتخلفين عن صلاة العشاء- لو أن أحدهم يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) يعني لو أنه إذا جاء لصلاة العشاء وجد شيئاً يأكله ما تأخر، لو وجد عرقاً سميناً، عظم عليه لحم، أو مرماتين حسنتين يقول العلماء -وهذا موجود في أكثر الشروح-: هو ما بين ظلفي الشاة، يعني وصفه بكونه حسن، وهو ما بين الظلفين مناسب وإلا غير مناسب؟ على كلامهم؟ هو لا شك أن هذا غير مناسب، لا سيما أن كثير من الناس ما يأكل الكوارع، وإن كان عاد إذا طبخ بطريقة معينة يوجد من يأكلها، فالظاهر أن هذا تصحيف، وأن المراد بالمرماتين الحسنتين ما بين ضلعي الشاة، هذا لا شك أنه حسن، يعني ما بين الأضلاع من

стр. 2542

اللحم جيد، ويمكن أن يوصف بالحسن، أما بين الظلفين وش يوصف بالحسن؟ فلا شك أن مثل هذا شيء يسير وقليل، ويقبل من بعض الناس دون بعض، وعلى هذا المهدى إليه لا يستنكف من مثل هذا الأمر، في قصة شخص أصيب بجائحة وخسر خسائر مرهقة، ملايين، فكلم واحد من التجار فقال له: صل العصر معي وأرضيك -إن شاء الله-، صلى معه العصر بعد أن شرح له القصة، ودعاه إلى تناول القهوة عنده، وبعد ذلك أحضر له كيساً مملوءاً ومربوطاً، يعني كيس كبير جداً، ومربوط مملوء بالدراهم، فقال له: استعن به على قضاء دينك، هذا توقع أنه يكفي للدين، فلما ذهب إلى بيته وجده من فئة الريال، وعدها فإذا هي ثلاثة آلاف، هو توقع المسألة يعني بيكفيه -إن شاء الله-، يعني مثل هذا التصرف ثلاثة آلاف ريال لو مباشرة أطلع ثلاثة آلاف وأعطاه إياه مقبولة، لكن صل معي العصر وأرضيك ويجيب هالكيس الكبير المربوط من فوق، يعني تصرف فيه ما فيه، حقيقة منتقد، وإن كان المبلغ لا بأس يعني، لكن لو هو من الأصل أخبره بالخبر وقال: يا ولدي هذه ثلاثة آلاف وانتهى الإشكال، فعلام يدل هذا التصرف؟ هذا الشخص المدين ذهب يتحدث به في كل مكان، هل هو مخالف للحديث: ((لا تحقرن جارة لجارتها))؟ هذا الحديث ما هو مرده إلى أن المبلغ ثلاثة آلاف يسيرة، أو ما تصلح أن تدفع من مثل هذا الرجل، لكن التصرف، ولا شك أن مثل هذا التصرف والنتيجة هذه ينبئ وينم عن شيء في النفس، وقد يتأول لهذا الشخص أنه وضع في هذا الكيس مبلغ كبير جداً ورآه أحد في البيت وغير الفئات من خمسمائة أو من مائة إلى ريالات ممكن هذا، هذا محتمل، لكن يبقى أن مثل هذا التصرف من فئة ريال وتربط بكيس، ومبلغ طيب، والله المستعان.

стр. 2543

فهل مثل الحديث عن هذا الشخص يدخل في الحديث الذي معنا ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة))؟ نقول: ليس مرد الكلام في هذا الرجل أن المبلغ ثلاثة آلاف، إنما الطريقة التي قدّم بها هذا المبلغ تقتضي الكلام فيه، ولا شك أن المسألة يعتريها ما يعتريها من الشكوك والظنون والأوهام والنفس تسرح في مثل هذا كل مسرح، لكن الكلام فيه وتعيينه باسمه لا شك أنها غيبة محرمة، لكن يطرح مثل هذا التصرف في مثل هذا الموضع، فهل هذا من احتقار الهدية أو العطية؟ إنما التصرف الذي احتف بهذه الهدية يجر إلى مثل هذا الكلام، لو أن طالب علم طلب من آخر قال: أنا أريد أحضر الدروس، وليس عندي كتب فذهب إلى المستعمل واشترى له كتب، كتب ممزقة، كتب تحتاج إلى ترميم، تحتاج إلى تجليد فهل يعاب بهذا؟ هنا لا يعاب، لا سيما إذا كان ليس عنده من المال ما يشتري به شيء جديد أو يشق عليه شراء الجديد ولا شك أن هذا من التعاون، لكن أحياناً يكون الترميم والتجليد أكثر من قيمة الكتاب، فلو أعطاه القيمة، وقال: اشتر به الكتب، استعن بها على شراء بعض الكتب، أما أن يشتري له كتاب بعشرة ويهديه إليه ويحتاج إلى تجليد بثلاثين، وهو يباع جديد نظيف بمثل هذه القيمة، لا شك أن مثل هذا يعدل عنه، نعم. وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ قال: ((من وهب هبةً فهو أحقّ بها ما لم يثب عليها)) رواه الحاكم وصححه والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2544

"وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ قال: ((من وهب هبةً فهو أحقّ بها)) " يعني له أن يعود فيها ما لم يثب عليها، يعني ما لم يدفع له مقابل، وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﵊؛ لأنه مخالف لما تقدم العائد في هبته كالكلب، يقول: من وهب هبة فهو أحق بها، يعني أنه له أن يعود فيها، ما لم يثب عليها، يعني ما لم يعط عوضاً عنها، وهذا إذا حمل على نيّة الهبة التي يقصد منها الثواب فقد يتجه، لكنه لا يصح رفعه إلى النبي ﵊، وهو محفوظ من قول ابن عمر من قوله موقوفاً عليه، وعلى هذا فرفعه يقابل المحفوظ، ما الذي يقابل المحفوظ؟ الشاذ، فيكون رفعه شاذ، وعلى هذا فلا يصح رفعه، وإن ثبت عن ابن عمر قوله اجتهاداً منه ﵁ وأرضاه-، ويحمل على الهبة بنية الثواب، جاء شخص إلى أمير وأهداه هدية، وأخذها وقبلها ووضعها في المجلس، ثم انصرف، ما أعطاه شيء؟ على كلام ابن عمر هذا المهدي له أن يأخذها ويخرج بها؛ لأنه جاء بنية الثواب، وما أعطي شيء، لكن لا شك أن حديث العود في الهبة يشمل مثل هذه الصورة، فلا يجوز الرجوع فيها، وما دام أخرجها على سبيل الهبة والعائد في هبته كما قال النبي ﵊: ((كالكلب يعود في قيئه)). هذا يقول: هل جلسة الاستراحة واردة عن النبي ﷺ في الصلاة الانفرادية ومع الإمام؟

стр. 2545

جلسة الاستراحة هذه يسميها الفقهاء جلسة استراحة، وهي جلسة خفيفة بين الركعة الأولى والثانية وبين الثالثة والرابعة، وقد ثبتت من فعله ﵊ في حديث مالك ابن الحويرث من فعله ﵊ في البخاري، ووردت أيضاً في بعض طرق حديث المسيء، وهي أيضاً في البخاري، في البخاري في كتاب الاستئذان، ووردت أيضاً في بعض طرق حديث أبي حميد، كما ذكر ذلك ابن القيم وابن حجر، المقصود أنها ثابتة من فعله ﵊ ومن قوله، فتفعل مطلقاً، أما ما يقوله بعض أهل العلم أنها لا تفعل إلا عند الحاجة إليها، وأن النبي ﵊ ما فعلها حتى كبر، وبدّن يعني ثقل بدنه فالذي عندي أنها لا يحتاج إليها مع كبر السن، إنما يحتاج إلى تركها، الحاجة تدعو إلى تركها لا إلى فعلها، كبير السن إذا كان ساجداً هل الأسهل عليه أن يقوم مباشرة أو يجلس يثني ركبته ثم يقوم؟ أيهما أسهل عليه؟ من حيث المشاهدة، لا شك أنه يقوم مباشرة إلى الركعة التي تليها أسهل عليه من أن يثني رجليه ويجلس ثم يقوم، فقولهم: إن الحاجة تدعو إليها، لا أنا أقول: الحاجة قد تدعو إلى تركها لا إلى فعلها، وعلى هذا هي مشروعة مطلقاً للإمام والمأموم والمنفرد وللمأموم سواء فعلها الإمام أو لم يفعلها، وليست هذه من المخالفة والاختلاف على الإمام كما لو ترك الإمام رفع يديه مع الركوع أو مع القيام أو مع تكبيرة الإحرام كما لو تركها لا يوافق على ذلك. يقول: أوقف والدي عمارة للمحتاج حاجة ضرورية من ذريته، فإن لم يوجد فللمساكين، فما مقدار الحاجة الضرورية؟ وهل يدخل فيها دفع إيجار البيت أو فواتير الجوال وغيرها؟

стр. 2546

على كل حال البيت والمسكن والأكل والشرب والزواج أيضاً هذه حاجات ضرورية أصلية، يؤخذ من مثل هذا الوقف، وما عدا ذلك من الكماليات فلا، والكماليات في وقت قد تكون ضرورية في وقتٍ آخر، بمعنى أنها إذا صارت من عادة الناس واستمروها، ولم يستطيعوا العيش بدونها فإنها حينئذٍ تكون أصلية فمثلاً قبل ثلاثين سنة هل يمكن أن يعطى الإنسان زكاة من أجل أن يشتري مكيف أو ثلاجة؟ ما يعطى، لكن الآن؟ هل يستطيع أن ينام بدون مكيف؟ أو يشرب ماء بدون ثلاجة؟ صارت حاجة أصلية ضرورية، بعض الفقراء الذين يعيشون على الزكاة تجد معه جوال ومع زوجته جوال، ومع ولده جوال، ومع بنته جوال، مثل هذا عليه أن يتقي الله -جل وعلا-، فلا يأخذ أموال المسلمين لمثل هذه الأمور؛ لأنه يمكن أن يعيش بدون جوال، نعم يلحقه مشقة، لكن ليس من الحاجات الأصلية التي قد تدفع من أجلها الزكاة. يقول: قال الصنعاني ﵀: ذهبت الهادوية وأبو حنيفة إلى حل الرجوع في الهبة دون الصدقة، سؤالي: من هم الهادوية؟ الهادوية فرقة طائفة من الزيدية هم في وقت الصنعاني غالب سكان اليمن، فيعتني الصنعاني ﵀ بذكر أقوالهم ليروج الكتاب وإلا هم طائفة مبتدعة، فرقة من الزيدية لا يعتد بقولهم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد. يقول في قوله: ((كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه)) هل نستطيع القول بأنه شبه العائد في هديته بالكلب وأنه شبه هنا الهدية المعاد فيها والمرجوع فيها فقط بالقيء دون تشبيه ذلك بالهدية التي يعاد فيها؟ نقول: التشبيه لا يلزم فيه المطابقة من كل وجه، فإذا وجدت المطابقة من وجهٍ صح التشبيه، ولذا جاء تشبيه الوحي وهو محمود بصلصلة الجرس وهو مذموم، فصلصلة الجرس لها أكثر من وصف، ولها أكثر من جهة، جهة فيها تدارك الصوت وتتابعه، وفيها أيضاً جهة الإطراب التي من أجلها ذمّ التشبيه في التدارك لا في الإطراب، وحينئذٍ يتم التشبيه، تشبيه رؤية الباري -جل وعلا- برؤية القمر ليلة البدر ليس من كل وجه، وإنما تشبيه رؤية برؤية لا مرئي بمرئي وهكذا، فإذا شبهنا العائد في هبته بالكلب انطبق، ووجه الشبه بينهما أن هذا يعود في هبته وهذا يعود في قيئه، فصح التشبيه من هذه الحيثية.

стр. 2547

يقول: ما رأيك في طالب علم طلبته يبجلونه، ولا يكاد يأمرهم بشيءٍ إلا فعلوا، ولا ينهاهم عن شيءٍ إلا انتهوا، فهم كالأموات بين يدي مغسل، يقلبهم كيف يشاء، هل هذا ثمرة؟ هل هذا له ثمرة؟ وما قول أهل العلم في هذا؟ هذا المعروف عند غلاة المتصوفة أنهم يجعلون المريدين بهذه الكيفية، كالميت بين يدي الغاسل، وأما أهل العلم أهل الكتاب والسنة، أهل العلم والعمل أهل الاقتداء فإنهم ينهون عن الغلو، ويأمرون بالأدب، ويربون عليه، لكنهم يحذرون من الغلو، فالنبي ﵊ يقول: ((إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) ومثل هذا لا شك أنه غلو. يقول: إذا أهديت لأحدٍ هدية وأرجعها إليّ رافضاً لها فهل لي أن آخذها؟ نعم؛ لأنها ما ثبتت إلى الآن حتى يقبلها ويقبضها، لك أن تأخذها، وإن دفعتها إلى غيره فهو أولى. يقول: صليت الفرض منفرداً، فلما انتهيت جاء جماعة وصلوا جماعة لنفس الفرض، وصليت معهم هل يجوز ذلك؟ إذا كان الوقت غير وقت نهي فلا مانع من ذلك، وقد أمر النبي ﵊ الذين صليا في رحالهما أنهما إذا أتيا المسجد يصلون مع الناس فهي لهم نافلة، وفريضتك الأولى التي صليتها بمفردك، وأما الثانية فهي نافلة إذا كان في وقت التطوع. يقول: عندي مكتبة علمية في بلدي لا أحتاج إليها الآن، فهل لي أن أوقفها داخل مسجد إلى أن أنتهي من سفري؟ يعني يوقفها ويعود إليها؟ لا، إذا أوقفها خرجت من يده، لا يجوز له الرجوع إليها، ولا يجوز له الرجوع فيها، يستفيد منها كغيره، لكن لا يمنع أن يجعلها أو يضعها في مسجد ويستفاد منها وهي باقية في ملكه، فإذا رجع إلى بلده يعيدها إلى بيته، أما أن يوقفها فلا يعود فيها. هل لمعلم قبول هدية الطلاب أثناء العام الدراسي أو في نهايته؟ ليس له القبول؛ لأن هذه من هدايا العمال وهي غلول، ما دام يأخذ أجراً على التعليم. يقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [(٣١) سورة النبأ] ما إعراب كلمة مفازاً؟ اسم إنّ مؤخر. يقول: أنا زُوجت من رأس المال لا من ميراثي، فهل يجب عليّ رد المال لأخواني وأخواتي؟

стр. 2548

إذا زوجت من رأس المال في حياة أبيك ولا يوجد من إخوانك من يحتاج الزواج ويرفض الوالد أن يزوجه فلا ترد عليهم شيئاً؛ لأن الزواج حاجة أصلية يدفعه الأب لولده، لكن إن كان زواجك من رأس المال بعد وفاة أبيك فهو من إرثك تحاسب عليه إلا إذا رضي بقية الورثة أن يكون من بينهم، ومن رأس المال فالأمر لا يعدوهم. يقول: هل يتم الوقف بمجرد نيته أو تلفظه أو كتابته؟ النية هذه لا يحاسب عليها حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل. بأن يقول: أوقفت هذه الأرض مسجد، أو هذه الأرض مقبرة، أو يسور الأرض بالفعل يسورها، ويأذن للناس بالدفن فيها، ولو لم يصرح بأنها مقبرة، أو يبني الأرض على هيئة مسجد، ويأذن للناس بالصلاة فيه تثبت الوقفية بمثل هذا، بالقول والفعل، أما بمجرد النية فلا. يقول: ما يقدم في المساجد من مشروبات ماء مثلاً ومأكولات وأشرطة وكتيبات وغيرها، لا نعرف كنهها هل هي هدية أم صدقة؟ فما حكم أخذها علماً بأني لست من أهل الصدقة، وأخاف أن تكون صدقة؟ أولاً: بالنسبة للزكاة لا يجوز أن تصرف في مثل هذه الأمور، ولا تصرف إلا في مصارفها الثمانية التي بيّنت في كتاب الله -جل وعلا-، أما بالنسبة للصدقة في مثل هذه الأمور يعني شخص يتبرع بها سواء كانت ماء عند الحاجة إليه، أو طعام خفيف أو كتب وأشرطة ومطويات وكذا لا مانع من الإفادة منها، ولو كان غير أهلٍ للصدقة. يقول: كيف يجمع بين اختلاف المقدار في حرم البئر، ففي حديث ابن مغفل أربعون، وفي المسند خمسة وعشرون للجديد وخمسون للقديم؟ على كل حال هذه أمور متفاوتة، فمن الآبار ما يحتاج إلى أربعين ذراعاً، ومنهما ما يحتاج إلى خمسين، ومنها ما يحتاج إلى خمسةٍ وعشرين بحسب ما يتوقع من كثرة الواردين عليها وقلتهم. يقول: الذي في غيبوبة أو فقد عقله لكبر سنه ألا يعتبر مريضاً ويدخل في قوله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً))؟

стр. 2549

المريض والمسافر ما زال في دائرة التكليف، ما زال مكلفاً؛ لأن العقل موجود وثابت، أما من أصيب بخرفٍ أو جنون أو غيبوبة فإنه ارتفع عنه قلم التكليف، فإذا وجد منهم بعض التصرفات التي هي من آثار عمله السابق مثلما قلنا في درس العصر، مثلما قلنا سابقاً: إنه إن كانت هذه التصرفات من آثارٍ عملٍ له سابق فهو يثاب عليها، كمن يقرأ في حال الغيبوبة، ومن يذكر الله ومن يؤذن لا شك أنه يؤجر عليه، لا سيما على القول بأن الصبي يثاب على الحسنات، ولا يعاقب على السيئات. يقول: أنا رجل مقيم في الشرقية وسافرت إلى جدة للعمل، ثم أتيت هنا للزيارة وسأعود إلى جدة، فهل صلاتي هنا صلاة مقيم أم مسافر؟ علماً بأن بقائي هنا لمدة يومٍ واحد فقط، وإذا صليت صلاة المسافر كأن جمعت الظهر والعصر اليوم .. فما حكم صلاتي؟ أنت إذا كانت هذه بلدك وموطنك ولك فيها بيت ولك فيها أهل فهي بلدك لا يجوز أن تترخص فيها؛ لأنك مقيم ولست بمسافر، ولو كانت إقامتك يوم أو أقل من يوم أو أكثر دون مدة القصر، فأنت مقيم، وإذا سافرت إلى جدة فأنت مسافر، فإذا أقمت الإقامة المعتبرة عند الجمهور أربعة أيام فحكمك حكم المقيم وإلا فلك أن تجمع وتقصر هناك لأنك مسافر. يقول: قامت زوجتي بإرضاع أختها الصغيرة أكثر من عشر رضعات مشبعات فهل أصير أباً لها من الرضاعة، وتحرم عليّ؟ وهل تصير زوجي أماً لها من الرضاعة إذا كان ذلك في الحولين؟ نعم أنت أبوها وزوجتك أمها من الرضاعة، وتحرم عليك حينئذٍ، وتحرم على أولادك. يقول: هل تجوز غيبة من عرف بظلمه أو عرف بفسقه؟ المظلوم له أن يدعو على ظالمه بقدر مظلمته، ومن عرف بفسقه لا شك أنه يحذر من العمل الذي يرتكبه، ولا داعي لكتمه، اللهم إلا إذا خيف من الاغترار به كالمبتدع الذي في السؤال الذي يليه، فإذا خيف من تأثيره على الناس فإنه حينئذٍ يحذر منه باسمه، أما إذا لم يخف منه ضرر متعدي على غيره فلا داعي لذكر اسمه؛ لأنه ما زال في دائرة الإسلام. وهل تجوز غيبة صغار السن؟ لا تجوز غيبة صغار السن؛ لأنهم مسلمون. يقول: ما أفضل شروح بلوغ المرام غير سبل السلام؟

стр. 2550

أصله (البدر التمام) للقاضي حسين بن محمد المغربي جيد، وفيه فضول حذفت في المختصر الذي هو سبل السلام، وهناك أيضاً شرح للشيخ عبد الله البسام طيب اسمه (توضيح الأحكام). يقول: ما ذكرته عن العقيقة وإكرام الضيف قد حصل مع والدي فقد أتاه ضيف وأكرمه بالعقيقة ولم يذكرها له، وقد أوهمها أن هذه الذبيحة إكراماً له؟ الطفلة المولودة الآن لم تكمل ستة أشهر، فهل أجزأتها تلك العقيقة أم هو مطالب بعقيقة أخرى؟ على كل حال الأصل أن يبيّن، ولا يوهم أنه إنما ذبحها إكراماً لضيفه، وهي في الحقيقة عقيقة، كما أنه لا يوهم أنها إكرام للضيف وهي في الحقيقة من الوقف، ونظّرنا ذلك بالحديث: ((ومن كانت هجرته لدينا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) وقلنا: إن هذا سيق مساق الذم؛ لأن هذا المهاجر من أجل الدنيا أو من أجل الزوجة، وإن كان في الأصل أن الهجرة لمثل هذا مباحة ما فيها إشكال، لكن لما أوهم الناس بفعله سواء كان ذلك بلسان الحال أو بلسان المقال أنه إنما هاجر لله ورسوله جاء الذم من هذه الحيثية، أما كونها تجزئ فيرجى أن تجزئ -إن شاء الله تعالى-. رجل مات وترك ولداً يعني ذكر وخمس بنات متزوجات، وكان الولد يعمل مع أبيه في تجارته، وقد كتب في حال حياته بيت منزل باسم ابنه دون بناته، فهل هذا جائز أم لا؟ لا يجوز له ذلك، اللهم إلا إذا قرر له أجرة المثل بسبب عمله، ورئي أنها أجرة المثل التي يستحقها خلال عمله تساوي قيمة البيت. يقول: ما رأيكم بمن يقول: إن سبل السلام ليس بشرح للصنعاني، إنما سرقه من غيره بهذا اللفظ؟ لا يجوز أن يظن بأهل العلم مثل هذا الكلام، الصنعاني اختصر البدر التمام، وبيّنه، وكثيراً ما يقول: قال الشارح، وفي الشرح الذي هو أصل الكتاب، الاختصار لا يسمى سرقة، وإنما هو طريقة من طرق التأليف والتصنيف عند أهل العلم، ونوصي بها أكثر طلاب العلم الذين يقرؤون في الكتب المطولة ولا يستوعبون، نوصيهم باختصارها، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2551

شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (٢٢) باب: اللقطة - باب: الفرائض الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير هذا يقول: ما رأيكم في تحليل بعض العلماء الأغاني؟ وتحليل زواج المسلمة من كتابي، وزواج الخلط بين الرجال والنساء في الصلاة بشرط عدم الاحتكاك، وإمامة المرأة للرجل إذا كانت أكثر منه علماً؟ أما بالنسبة للأغاني فيتشبثون ويتمسكون بقضايا محتملة، وأنه يوجد في صدر هذه الأمة من كان يسمع الغناء، ومنهم من يشتري جارية مغنية، ولا يعلمون أن الغناء المراد به الشعر مع تحسين الصوت، وحاشا سلف هذه الأمة أن يقترن غناؤهم بالآلات التي جاء التنصيص عليها، والتشديد في أمرها، ((ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) حاشا سلف هذه الأمة أن يستحلوا ما حرم الله، فالمعازف محرمة، ولو لم تكن محرمة لما قال الرسول ﷺ : يستحلونها؛ لأن الذي يستحل المحرم، فإذا خلا الكلام من الآلة التي هي المعازف بجميع أنواعها، وخلا من قبح الكلام بأن كان الكلام مباحاً، وأُدي على لحون العرب فهذا وإن سموه غناء إلا أنه نشيد، وأنشد بين يدي النبي ﷺ بلحون العرب مع الخلو من الآلة المحرمة، وأيضاً يكون الكلام في أصله مباحاً. واعتمدوا في تحليلهم أو استباحتهم الغناء على ما جاء من بعض القضايا من بعض السلف أنهم كانوا .. ، أن بعضهم يشتري الجارية المغنية، لكن ليست قينة، وليست ذات آلات، وأيضاً لا تغني للرجال الأجانب، إنما تغني لسيدها بلحون العرب مع الخلو من الآلة، مع كون الكلام مباحاً، فإذا توفرت هذه الأمور فهو مباح سواء سميناه غناء أو نشيد أو سميناه ما شئنا، والإنشاد حصل بين يدي النبي ﷺ في المسجد.

стр. 2552

أما جواز الخلط بين الرجال والنساء فهذا محرم لا سيما إذا أدى ذلك إلى الفتنة، أما وجوده في مواطن العبادة كالمطاف وغيره فالمسألة مسألة عبادة، وعلى كل مسلم أن ينشغل في عبادته؛ لأنه لو انشغل الرجل بالمرأة والمرأة انشغلت بالرجل في هذه الأماكن لبطلت العبادة من وجه لا سيما إذا صاحب ذلك ما يبطلها من خروج شيء من أحدهما فهم يستدلون على كون الاختلاط موجود في أماكن العبادة كالمطاف مثلاً، فأماكن العبادة لا شك أنها بطبيعة الحال من المسلم أنه لا يمكن أن يوجد فيها ما يخالف، يعني الرجل في جهة والمرأة في جهة وقد كان السلف يعزلون الرجال عن النساء في المطاف، فيجعلون الرجال بقرب الكعبة، والنساء من ورائهم، نعم قد يحصل مع الزحام الشديد شيء من التقارب، لكن كل هذا يشفع له أنه في هذه العبادة وفي هذا الموطن كل منشغل بنفسه وبعبادته، والقلوب اختلفت ليست كالسابق، يعني كان الإيمان قوياً، بمعنى أنه ينظر إلى هذه المرأة التي تطوف معه على أنها امرأة محرمة عليه، وهو في صدد عبادة، فلا يجمع بين معصية وطاعة في آن واحد، فيسعى إلى إبطال عبادته، هذه شبه يتشبثون بها، ويستحلون بها ما حرم الله، ولا يريدون هذا فقط، وإنما يريدون ما ورائه من استحلال الفواحش نسأل الله السلامة والعافية. وأما إمامة المرأة للرجل قد نقل الإجماع على أنها لا تؤم الرجل، والإمامة ولاية والمرأة ليست من أهلها، ولن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة. يقول: أنا في معهد سياحة وفنادق في قسم إرشاد، هل إذا عملت في هذا الأمر أي الإرشاد السياحي المصري بعد الانتهاء من الدراسة حرام؟

стр. 2553

الإرشاد السياحي أولاً: لا بد من شرط السلامة من المحرمات، فإن كانت هذه السياحة مشتملة على أمر محرم كاختلاط الرجال بالنساء، أو ما هو أعظم من ذلك من تبرج وسفور، بل ما هو أعظم من ذلك من اقتراف للفواحش مع شرب الخمور وغير ذلك، هذا لا إشكال في تحريمه، وأما الدلالة على المواضع التي يتنزه فيها لا المواضع التي يتعبد فيها، التي كانت مواضع عبادة ثم تحصل الفتنة بها مما يؤدي إلى الشرك هذا غلو هذا حرام على أي حال، ولو لم يقترن به منكر آخر، لكن إذا كان المراد من السياحة الدلالة على المواضع الذي يتنزه فيها الخالية من المنكرات فهذا لا بأس به، لكن اقترن بذلك أمور محرمة مما يتعلق بالنساء، أو شرب الخمور، أو غير ذلك، أو ما يؤدي إلى الشرك من زيارة للمشاهد والبقاع المقدسة على حد زعمهم فإن هذا لا يجوز بحال. يقول: حصلت مناقشة بيني وبين أخواتي عن حكم كشف الكفين أو سترهما في الصلاة، وأحد الأخوات أصرت بأدلة لم أقتنع بها بوجوب كشف الكفين في الصلاة، وبطلان الصلاة بحالة الستر، والنقطة الأخرى التي كانت تصر عليها عدم تغطية منطقة الذقن في الصلاة؛ لأنها من حدود الوجه التي حددها الرسول ﷺ لأسماء بنت أبي بكر ﵂، كذلك تغطية الوجه أو الإسدال في حالة صلاة المرأة ومرور الرجال ... إلى آخر كلامها، هذا كلام طويل. لكن المرأة الحرة كلها عورة إلا الوجه فقط، فعلى هذا يلزمها أن تغطي الكفين والقدمين، وفي رواية عند الحنابلة أن الكفين مثل الوجه يكشفان حال الصلاة، إذا لم تكن المرأة بحضرة رجال أجانب في مكان عام في مسجد يغشاه الرجال والنساء كالمسجد الحرام مثلاً فإنها يلزمها أن تغطي وجهها وكفيها، أما إذا كانت خالية في مكان لا يرتاده الرجال، ولا يمكن أن يطلع عليها غير محارمها فكشف الوجه هو الأصل، وكشف الكفين رواية عند الحنابلة وقول الحنفية، والحنفية عندهم كشف القدمين أيضاً، وكان شيخ الإسلام ﵀ يميل إلى قول الحنفية. يقول: النقطة الأخرى التي كانت تصر عليها عدم تغطية منطقة الذقن في الصلاة؛ لأنها من حدود الوجه التي حددها الرسول ﷺ لأسماء بنت أبي بكر ﵄.

стр. 2554

أولاً: حديث أسماء الذي فيه أنه ((إذا بلغت المرأة المحيض لم يحل منها إلا هذا وهذا)) هذا حديث ضعيف معروف عند أهل العلم ضعفه، فلا يحتكم إليه، وأما تحديد الوجه هو الذي يجب غسله في الوضوء، من منابت شعر الرأس إلى الذقن، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. هذا السؤال أجيب عنه سابقاً: هل التيمم ضربة واحده أم ضربتين؟ ضربة واحدة. هذا يسأل يقول: ما هو زواج المسيار؟ وهل هو حرام أو حلال؟ زواج المسيار هو الزواج الذي تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها، يتفقان على عدم القسم بينها وبين زوجته الأولى مثلاً، أو أنه رجل مشغول، لا يتيسر له المبيت عندها فلا قسم لها، إنما يتفقان على وقت محدد في الأسبوع مرة مرتين، أو ما أشبه ذلك، أو مرة في الشهر، المقصود أنهم يتفقون على وقت محدد بينهما ويتفقان عليه، ومع ذلك مع التنازل على القسم قد تتنازل على السكن أن تسكن عند أهلها عند أمها، قد تتنازل عن النفقة والمسألة عرض وطلب، مثل هذا الزواج إذا توافرت شروطه وأركانه أفضل من بقاء المرأة بدون زوج، فالمتجه جوازه إذا توافرت شروطه، ولم يحصل فيه خداع ولا ضرر على أحد الطرفين. يقول: هل يجوز بيع فضل الماء للزراعة؟ لأن صاحبها قد أنفق عليها، والآخر يستطيع أن يبذل المال؟ على كل حال الماء إذا حازاه الإنسان إلى رحله، وتعب عليه، وأنفق عليه لا مانع من بيعه، اللهم إلا إذا احتاجه مضطراً للشرب ونحوه فمثل هذا يسقى بدون مقابل، ولا يجوز منع فضل الماء عنه.

стр. 2555

يقول: أبي وأمي وافقوا على إقامة مؤقتة لابن خالي في منزلنا على أن ينهي علمه ثم يذهب، وإقامته ليست في غرفة منفصلة، وإنما في نفس البيت المبني، نحن ولله الحمد نحتجب منه؛ لأننا لا ننكر أننا يصادف أننا نتواجه إما في الممر أو يدخل وهو لا يعلم إلى مكان نحن فيه أو العكس، نحن ثلاث بنات في المنزل، وأهلنا لا يرون الضرر، وربما لا يشعرون بذلك، ونتضايق كثيراً؛ لأننا نتحجب منه، ونريد أن نشعر بفرق بين البيت والشارع، أو مكان العمل، أو غير ذلك، حديثنا معهم يرون أن ذلك من قلة الأدب وقلة الإكرام، وكثيراً ما نذكره في حديثنا، ونذكر الضيق الذي نشعر فيه، لا نعلم إذا كانت تلك غيبة، لكن طالت إقامته إلى سنة تقريباً، فأفتنا هل من قلة الأدب وعدم إكرام الضيف أن نفعل ذلك؟ لا من حقكن أن تبدين ذلك لوالديكن من أجل القضاء على هذه المضايقات، ولا بد أن يحصل ما يحصل من المضايقة لكن، إن كنتن على درجة من الالتزام بحيث تحرصن الحرص الشديد على عدم رؤيته إياكن، لا شك أنه يوجد حرج في مثل هذا، لكن المفاهمة مع الوالدين، وليست معه؛ ليُبحث له عن مكان آخر، ولا شك أن وجود رجل أجنبي على الأسرة ليس المراد أجنبي أنه بعيد عن العائلة، أو ليس من البلد، لا، الأجنبي من يلزم منه الحجاب، بمعنى أنه لا يجوز الكشف له، هذا أجنبي، ولا شك أن وجود مثل هذا في الأسرة مضايق، ومتعب تعباً شديداً، فمن حقكن أن تتكلمن في الموضوع لا سيما مع الوالدين، عله يبحث له عن مكان آخر. يقول: ما هي الصيغة الصحيحة بالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ هل هي التحريك أم السكون؟ الأصل السكون هذا هو الأصل، لكن حال التشهد يرفع الأصبع، وأيضاً تحرك عند الدعاء يحركها يدعو بها. هذا من الجزائر يقول: ألاحظ أن نسخة البلوغ التي عندكم تختلف بعض الشيء عن النسخة التي عندي للشيخ حامد الفقي، فما رأيكم؟ طبعة الشيخ حامد الفقي بالجملة طيبة، يعني قد تختلف مع التي معنا وهي طبعة الجامعة جامعة للإمام مع شرح سبل السلام، قد يوجد اختلاف يسير في كلمة أو شيء من ذلك، وهذا لا يؤثر. يقول: للحاكم تصرف مطلق في بيت المال بحيث يعطي من يشاء ويمنع من يشاء؟

стр. 2556

على كل حال له شيء من التصرف، لكن التصرف محدود، وإلا فالأصل وجوب العدل بين الرعية، لكن قد يعلم بحاجة فلان ولا يعلم بحاجة فلان، فيعطي فلان ويحرم فلان؛ لأنه لا يعرف حاجته، وقد يعطي فلان لأنه طلب ولم يعط فلان لأنه متعفف، فالمقصود أن الأصل في هذه المسألة العدل بين الرعية، فإذا تقدم إليه اثنان متساويان في الظروف والحاجة لا بد أن يعدل بينهما. هل يجوز للرجل أن يختلي بامرأة ابنه في حياة الولد وكذلك بعد موته؟ وهل يجوز له الزواج بها بعد وفاته؟ أما كونه يخلو بها نعم؛ لأنها من محارمه في حياته وبعد موته، ولا يجوز له الزواج بها ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [(٢٣) سورة النساء] لا يجوز له أن يتزوج بها البتة، فهي محرمة تحريماً مؤبداً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه بلوغ المرام: باب: اللقطة عن إنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) متفق عليه. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: اللُّقَطة

стр. 2557

بضم اللام وفتح القاف، كهمزة ولمزة، والمراد بها ما يلتقط، وهي بهذا الضابط قيل: لا يجوز غيره، والأصل في ذلك إسكان القاف لقْطة، وأما لقَطة كهمزة ولمزة فالأصل في هذه الصيغة أنها للاقط كهمزة ولمزة للهامز واللامز اللقطة اللاقط هذا الأصل، والذي يكثر من الالتقاط كهمزة ولمزة الذي يكثر من الهمز واللمز، وأيضاً الرُحَلَة إذا قيل: فلان رُحَلَة أن يكثر الرِحْلَة، وإذا قيل: رُحْلَة يُرحل إليه ممن يستحق أن يرحل إليه، وعلى كل حال الفقهاء في الاستعمال الاصطلاحي لم يستعملوها إلا بفتح القاف لُقَطَة، قالوا: لا يجوز غيره، والمراد بها ما يلتقط ويوجد، ولا يعرف صاحبه، واللقطة تختلف عما يذكر في كتب الفقه أيضاً والحديث اللقيط، وهو المنبوذ، الولد الذي ينتج من الفاحشة من الزنا نسأل الله السلامة والعافية، فتتخلص منه أمه بنبذه، فيكون لقيطاً. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-. "عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) متفق عليه"

стр. 2558

تمرة وجدت في الطريق فتركها النبي ﷺ لماذا؟ لأن الصدقة لا تحل له، ولا لآله ﵊ فتركها ورعاً من هذه الحيثية خشية أن تكون من الصدقة، أما لو كانت من الصدقة على وجه التحقيق لا يجوز له أكلها؛ لأن الصدقة حرام عليه وعلى آله، لكنه خشي وخاف أن تكون من الصدقة فتركها فدل على أنه لو جزم أنها ليست من الصدقة يأكل وإلا ما يأكل؟ يأكل ليش لا؟ لأنه تركها خاف أن تكون من الصدقة، مفهومه أنه لو جزم أنها ليست من الصدقة لأكلها، ولهذا أدخل المؤلف هذا الحديث في هذا الباب، يستدل به على أن الشيء اليسير التافه الذي لا تلتفت إليه همة أوساط الناس لا بأس بالتقاطه، ولا بأس بأكله، ولا بأس بتملكه، هذا إذا كان مما لا تلتفت إليه همة أوساط الناس، منطوق الحديث أنه تركها خشية أن تكون من الصدقة فمفهومه أنه لو جزم بأنها ليست من الصدقة فإنه حينئذٍ يلتقطها ويأكلها، لا سيما أنه في تركها في الطريق امتهان لها، ولا يمنع أن يكون الرسول ﷺ أخذها وجعلها في مكان بحيث لا تتعرض للإهانة بالدوس ونحوه، لا يمنع، إلا أنه الصريح في الحديث أنه لم يأكلها؛ لأنه قال: ((لولا)) ولولا حرف امتناع لوجود، امتنع من أكلها لوجود الخشية أن تكون من الصدقة، وهذا لا يمنع أن يكون التقطها وأعطاها مسكيناً ممن تحل له الصدقة، أو أزاحها عن طريق الناس بحيث لا تمتهن ولا تداس، نعم. وعن زيد ابن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)) قال: فضالة الغنم؟ قال: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) قال: فضالة الإبل؟ ((مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)) متفق عليه.

стр. 2559

"وعن زيد ابن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة" يعني مما يمكن التقاطه مما يوجد في مكان لا يعرف صاحبه فيه، لكن لو وجدت كتاباً عليه اسم صاحبه، نسخة فلان ابن فلان ابن فلان، هذه لقطة وإلا ليست لقطة؟ ما دام صاحبه معروف هذه ليست لقطة، بل يجب أن يؤدى إلى صاحبه، أن يسلم إلى صاحبه، فلا يدخل هذا في أحكام اللقطة.

стр. 2560

"فقال: ((اعرف عفاصها)) " قبل أن تتصرف فيها أدنى تصرف ((اعرف عفاصها)) وهو الوعاء الذي وضعت فيه، الكيس الذي وضعت فيه، الظرف الذي يشتمل عليها ((ووكاءها)) الرباط الذي يربط به هذا العفاص الوكاء الحبل الذي يشد به فم هذا العفاص هذا الوعاء لا بد أن يعرف هذا؛ لكي يسدل بهذا على صدق مدعيها؛ لأنه لو لم يعرف هذا العفاص ولا الوكاء فإنه لا يمكن ردها إلى أحد يدعيها، كيف ترد؟ وإذا كان الوعاء لا يمكن الاستدلال به عليها بأن توحد الأوعية في بلد ما مثلاً، توزع البلدية أكياس تحفظ فيها الأمتعة الآن البلدية توزع أكياس للقمامة مثلاً موحد لكن لو قدر أنها وعاء موحد للأمتعة قالت: من اشترى شيئاً أو حمل شيئاً يحطه في هذا الوعاء فصار الناس يتداولونه بكثرة بحث .. ، نعم وهذا الوعاء فيه رباطه منه، العفاص والوكاء يغلب على الظن أنه في مثل هذا الموزع على جميع الناس، هذا ما يستدل به على هذه اللقطة، الإنسان بيقول في ما يغلب على الظن أنه في الوعاء الموحد، ويصف هذا الوعاء؛ لأنه يعرفه، فمثل هذا يطلب منه قدر زائد على ذلك، بوصف ما في جوفه بدقة، لو كان المستورد من الأبواك التي تحفظ فيها النقود من ماركة واحدة، شكل واحد، كله لونه واحد، وما عرف أنه دخل البلد إلا كذا، وأتى واحد عند باب المسجد وقال: من ضاع له كذا، أو من فقد شيئاً؟ قال: نعم أنا فقدت فلوس في البوك الذي لونه كذا، وحجمه كذا، وهو يعرف أنه ما ورد البلد إلا مثل هذا، هذا لا كفي في الاستدلال بها على صاحبها، بل لا بد أن يطلب منه ما هو أدق من ذلك، وإلا لو كانت الأوعية متفاوتة، وكل واحد يحمل متاعه في وعاء خاص به، فإذا عرفنا العفاص الذي هو الوعاء، إذا عرفه المدعي قال: لونه كذا، وحجمه كذا، ووكاؤه حبل من بلاستيك لونه كذا، أو من صوف وما أشبه ذلك، فإنه يستدل بذلك على صدقه، وتدفع إليه، مع أنه يسأل عما في جوفه، هل هو مال؟ أو متاع أو ما أشبه ذلك؟ فإذا أجاب تدفع إليه، وهل يحتاج مع ذلك إلى إقامة بينة بأن يحظر بينة أن هذا له هذا قد ضاع منه؟ الحديث يدل على أنه لا يحتاج إلى بينة، يعني إذا عرف العفاص والوكاء وعرف ما في داخل هذا الوعاء من نقود أو متاع لا يحتاج أن يقيم على ذلك
следующие страницы →