← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وضابط القتل: ما أوجب قوداً أو ديةً أو كفارة يسمى قتل، سواء كان عن عمد أو شبه عمد أو خطأ، كل هذا يدخل في القتل المانع من التوارث، من الميراث، العمد واضح يعني إذا قتل أباه يعاقب بأن يحرم من ميراثه، لكن إذا أحسن إلى على أبيه وحمله بسيارته وذهب به إلى حجٍ أو عمرة أو ما أشبه ذلك ثم حصل حادث أو شيء فمات الأب، هذا قتل خطأ، ومثلما قلنا في ميراث المخالف في الدين، ميراث المسلم من الكافر، قلنا: إن شخص كافر توفي عن عشرة من الذكور تسعة كفار وواحد مسلم، نورث الكفار، ولا نورث المسلم للاختلاف في الدين، ولا شك أن هذا قد يقع في نفس المسلم ما يقع بسببه، لكن يقال للمسلم: أنت بيدك رأس المال، رأس المال كله وهو الدين، الدين رأس المال، فلا يضيرك ما ذهب عليك من أمور الدنيا، وعليك أن ترضى وتسلم؛ لقوله ﵊: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)) وهنا إذا تصور أنه لهذا الرجل عشرة أولاد، وأراد عمرة فعرض على الأول قال له: والله عندي مشغول، وعندي وظيفتي، ولا عندي إجازة، ولا عندي شيء، عرض للثاني قال: والله أنا أولادي يحتاجون إلى مستشفى، يحتاجون إلى رعاية، وعرض على الثالث قال: لا والله ما أنا رايح، أنا ما أنا فاضي، والرابع والخامس والتاسع ثم العاشر قال: أبشر؛ لأنه متدين، والباقي مسلمون، لكنهم أقل في التدين، متدين وبار هذا العاشر، مشوا إلى مكة وحصل حادث في الطريق فمات الأب، قرر أهل العلم أن هذا قتل خطأ وحينئذٍ لا يرث كل التسعة الذين رفضوا أن يذهبوا به إلى العمرة هؤلاء يرثون، والعاشر هذا البار لا يرث، والأئمة كلهم على هذا إلا مالك، مالك يقول: لا يرث من ديته ويرث من تلاد ماله، في مثل هذه الصورة، في قتل الخطأ، وقول مالك لا شك أنه من الناحية النظرية له وجه، لا سيما في الصورة التي صورناها، يعني من ناحية النظر له وجه، لكن هنا: ((ليس للقاتل من الميراث شيء)) والقتل الخطأ قتل ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا﴾ [(٩٢) سورة النساء] فهو قتل على كل حال، فهو داخل في القاتل هنا، وليس له من الإرث شيء، ولا شك أنه يرد على المحاكم من هذه القضايا نظائر لهذه المسألة، ويتحرج

стр. 2592

القضاة إذا رأوا هذا الشاب الصالح الذي أراد البر بوالده، ثم بعد ذلك يرث جميع إخوته، وقد تكون الأموال طائلة وكثيرة، ويحرم منه هذا الرجل الصالح كما حرم المسلم من بين إخوته الكفار، لكن على المسلم أن يرضى ويسلم، وليس له خيرة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب] ما دام هذا حكم الشرع ليس لأحدٍ أن يعترض، نعم القاضي إذا كان أهل للاجتهاد، ونظر في أقوال أهل العلم، وترجح له قول منها يعمل باجتهاده. يقول: " ((ليس للقاتل من الميراث شيء)) رواه النسائي والدارقطني" وقواه ابن عبد البر، وصححه الألباني -رحم الله الجميع- "وقواه ابن عبد البر، وأعله النسائي، والصواب وقفه على عمرو" كذا؟ طالب: نعم رعاك الله. يجي وقفه على عمرو؟! حتى عمر وش عمر؟ وين عمر؟ يمكن أن يوقف الخبر على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؟ نقول: موقوف على عمرو؟ أو على ابن عمرو؟ والصواب وقفه على ابن عمرو؟ لأنه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هو الجد، عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده، وجاء التصريح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، فيكون الوقف على عبد الله بن عمرو، وهذا محمول على اجتهاده، عند من نقول: الصواب وقفه، وعلى كل حال عامة أهل العلم على حرمان القاتل من الإرث سواء كان القتل عمداً أو خطأً، وعرفنا أن مالك ﵀ لا يورثه من الدية، ويورثه من بقية المال، في قتل الخطأ، نعم. وعن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن المديني وابن عبد البر. يقول المؤلف ﵀:

стр. 2593

"وعن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان)) " يعني استحقه ما استحقه الوالد أو الولد فهو كسائر أمواله، ما يستحقه فهو كسائر أمواله لعصبته، بل لورثته كسائر أمواله، فإذا استحق مالاً ولم يستوفَ هذا المال حتى مات فإنه يضم إلى التركة، وهناك مستحقات استحقها هذا الولد أو الوالد ثم مات وقسمتها هل تقسم على أنها ميراث فتقسم على الطريقة الشرعية لقسمة المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، وأصحاب الفروض يعني كماله الأصلي؟ وهذا مثل التقاعد مثلاً، أو العادة التي تصرف لبعض الناس من بيت المال في حياته وبعد مماته، في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول: ((ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان)) وهذا الحديث مختلف في تصحيحه، وهل يبلغ درجة الصحة؟ لكن صححه علي بن المديني وابن عبد البر فيما نقله ابن القيم في تهذيب السنن، وعلى كل حال هو لا ينزل عن درجة القبول، والمراد بالإحراز إحراز الولد أو الوالد الاستحقاق، وكونه لعصبته هل ينفي أن يكون لورثته أصحاب الفروض؟ لا ينفي ذلك؛ لأن كونه للعصبة يدل من باب الأولى على إرث أصحاب الفروض؛ لأنهم يقدمون على العصبة، ولا نصب للعصبة في الميراث إلا بعد أن تستغرق الفروض، فنصيب العصبة إنما هو فيما تبقيه الفروض، فعلى هذا لو كان استحقاق هذا الميت ابناً كان أو أباً تسبب فيه في حياته، شخص صُرف له من بيت المال مبلغ يستمر في حياته وبعد وفاته، استحق هذا المبلغ بسببه، بسببٍ منه، وليكن هذا المبلغ مقتطعاً من رواتبه كالتقاعد مثلاً، فهل يقتسم مثل هذا على قسمة الميراث؟ أو أنه يقسم على نظر ولي الأمر الذي لا يجعله كالميراث، ويخص به بعض الورثة دون بعض؟ فإن كان هذا المال الذي يصرف هو بقدر ما يؤخذ من رواتبه أثناء عمله فلا شك أنه ميراث، إذا كان بقدره، وإن كان أكثر والزائد من بيت المال من ولي الأمر فما أخذ من رواتبه لا شك أنه حكمه حكم الميراث، والقدر الزائد على ذلك لولي الأمر أن يتصرف فيه فيعطيه من شاء، لكن هناك أنظمة تجعل هذا التقاعد لبعض الورثة دون بعض، فمن كان

стр. 2594

موظفاً أو بنت متزوجة أو تزوجت الزوجة كل هؤلاء يحرمون من هذا، على كل حال هذا ليس محل البحث، هذه المسألة التي هي لا شك أنها مسألة تحتاج إلى إعادة نظر من أهل العلم، بحاجة إلى تحرير، وأن يحكمون فيها باجتهادهم لا بالأنظمة، ومنهم من يرى أن هذا النظام شرعي، وأنه لو كان مقاصة بين ولي الأمر وبين الموظف لصار ربا؛ لأن ولي الأمر يأخذ ويعطي، قد يكون أقل أو أكثر، وهذا أيضاً ربا، لكنه إرفاق بين ولي الأمر وبين الموظف، يقتطع بنسبة ٩% وفي النهاية يعاد إلى الموظف بنسبةٍ قد تكون أكثر مما أخذ منه، قد تكون الغالب أنها أكثر، المقصود أنه هذه تحتاج إلى عناية، وبعض الناس حينما يتقاعد يصرف له مبلغ كبير جداً يسمى معاش التقاعد، قد يكون عشرين ألف، ثلاثين ألف، ثم بعد ذلك يكبر الأولاد كلما كبر واحد سقط نصيبه، كلما تزوجت بنت سقط نصيبها، إلى أن يصل الأمر إلى ألف وخمسمائة ريال، فلا بد من دراسة هذا الأمر دراسة جادة على وقف النصوص والقواعد الشرعية، وعلى كل حال يشمله مثل هذا الحديث: ((ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان)). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب)). الولاء: لحمة كلحمة يعني لا يمكن الانفكاك منه، ملتحم وملتصق بالشخص نفسه، بحيث لا يستطيع أن يتصرف فيه ((لا يباع ولا يوهب)) رواه الحاكم من طريق الشافعي عن محمد بن حسن عن أبي يوسف، وصححه ابن حبان، وأعله البيهقي. وعلى كل حال هذا الخبر ضعيف، وللعلماء كلام طويل في طرقه وصحته وعدمها، فلا يباع ولا يوهب، ولا يورث. سم. وعن أبي قلابة عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفرضكم زيد بن ثابت)) أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وصحه الترمذي وابن حبان والحاكم، وأعله بالإرسال. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2595

"وعن أبي قلابة" عبد الله بن زيد الجرمي "عن أنس" وقد ثبت سماعه من أنس -رضي الله تعالى عنه- أحاديث مع أن من أهل العلم من يقول: إنه لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه، ولذا أعل بالإرسال، وضعفه جمع من أهل العلم، ومقتضاه في قول الرسول الله ﵊: ((أفرضكم زيد)) وهذه الجملة قطعة من حديث تضمّن سبع جمل، كل جملة مزيّة لواحدٍ من الصحابة، فأقرؤكم أبي، وأفرضكم زيد، وأعلمكم بالحلال والحرام وكذا وكذا .. إلى آخر السبعة، والحديث مضعف عند أهل العلم، وفي مقدمة الرحبية يقول الناظم: أفرضكم زيد وناهيك بها ... . . . . . . . . . اعتماداً على هذا الخبر، والمؤلف أدخل هذا الخبر في هذا الباب وإن كان ليس فيه بيان لمسألة أو حكم شرعي يتعلق بالفرائض، وإنما فيه منقبة لزيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنه-، يستفاد من مثل هذا الترجيح عند التعارض، فلو أن ابن مسعود حكم في مسألة فرضية، وحكم فيها زيد بن ثابت في حكم مخالف لما قاله ابن مسعود قلنا: المقدم زيد؛ لأن النبي ﵊ شهد له بأنه أعلم الصحابة بالفرائض، هذا لو صح الخبر، وعلى كل حال إدخاله في هذا الباب من هذه الحيثية، وقد اعتمد الشافعي على أقواله تبعاً لهذا الخبر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2596

شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (٢٤) باب: الوصايا الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد أشار الشيخ -حفظه الله- إلى أننا متأخرون في شرح الكتاب، وأن المدة المقررة لإكماله قد قربت، وعلى هذا سوف يجمل الشرح إجمالاً لا يخل بمقاصد الفوائد -إن شاء الله تعالى-، ومع ذلك سوف تكون سمة الدروس الحزم -إن شاء الله تعالى-، يعني مسألة المداخلات ومسألة استشارة الطلاب في بعض المسائل يعني سوف تقل -إن شاء الله تعالى- من أجل أن ننهي الكتاب، والكتاب الآن يقرب من إكمال السنة الرابعة، الطول هذا ممل لجميع الأطراف، وهو أيضاً يعوق عن تحصيل بعض الكتب الأخرى الثانية التي تلي هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية، والله المستعان، وعلى هذا سوف يكون الشرح فيه شيء من الاختصار مع الحزم -إن شاء الله تعالى-، وإن كان بعض الإخوان من المشايخ يقولون: إنك لن تستطيع أن تحزم لأنك عودت الطلاب على هذا، وأنت عودت نفسك على هذا، لكن المقصود أن التسديد والمقاربة سيحصل -إن شاء الله تعالى-. سم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه بلوغ المرام: باب: الوصايا عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) متفق عليه. وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: ((لا)) قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) متفق عليه.

стр. 2597

وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توصِ، وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)) متفق عليه، واللفظ لمسلم. وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث)) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وزاد في آخره: ((إلا أن يشاء الورثة)) وإسناده حسن. وعن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ : ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم)) رواه الدارقطني، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه-، وابن ماجه من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، وكلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً، والله أعلم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: الوصايا

стр. 2598

الوصايا: جمع وصية كهدايا وعطايا وضحايا وبرايا جمع عطية وهدية وضحية وبرية، وهي ما يعهد به الإنسان من ماله بعد موته، وإن كانت الوصية في الأصل تشمل جميع ما يوصى به، سواء كان مالاً أو يؤول إلى مال، أو غير ذلك بأن يعهد ويوصي بأولاده من بعده مثلاً في تربيتهم، وقد كان العلماء في السابق يعهدون بأولادهم ويوصون بهم إلى من يثقون بعلمه ودينه وأمانته لتربيتهم من بعده، فتجدون في كثير من التراجم لكثير من أهل العلم أنه ربّاه فلان، وهو غير قريب له، وإنما هو من أهل العلم أوصاه أبوه به، ولا شك أن مثل هذا يسمى وصية، لكن ليست لها الأحكام التي ذكرها أهل العلم في هذا الباب، فالوصية أعم إلا أن ما يدرس في كتب أهل العلم إنما هو الوصية بالمال، أو ما يؤول إليه، وتختلف الوصايا عن الأوقاف بأن الأوقاف يسري حكمها من التلفظ بها، بإبرام عقدها في حياة الموقف، وأما الوصايا فلا يسري حكمها إلا بعد وفاة الموصي، ولذا يفترقان في كون الموقف لا يتصرف، ليس له حق التصرف في الوقف، بينما الوصية له أن يزيد فيها وينقص ما لم تلزم بوفاته. في الحديث الأول يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2599

"عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حق امرئٍ مسلم)) " و (ما) هذه نافية، يعني ليس من حقه أن يبيت دون وصية إذا كان له شيء يمكن أن يوصي به، والوصية منها ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب، فالوصية الواجبة إذا كان عليه ديون، في ذمته التزامات للناس لا بد أن ينبه عليها، لا بد أن يكتبها، سواء كانت الديون للخالق أو المخلوق، في ذمته دين لله -جل وعلا- كفارة لا بد أن يكتب لئلا ينسى، فإن فرط ولم يكتب ونسي ومات فلا يسلم من التبعة، وإذا كان في ذمته حق لآدمي مبلغ من المال لآدمي أو مظلمة يكتبها لئلا ينساها، يكتب إذا كان قد أمضى شيئاً يؤثر في حياته الزوجية، إذا كان طلق مرة مثلاً، يكتب أنه طلق مرة، لماذا؟ لئلا يطول به العهد بعد عشرين سنة يطلق ثانية، ويكون قد نسي الأولى، ثم بعد ذلك يطلق ثالثة، فإذا قيّد هذه الطلقات وتقييدها لا سيما ممن يخشى على نفسه النسيان، وأن يقع فيما حرم الله عليه من وطء المرأة بعد بينونتها هذا يجب عليه أن يكتب. ((ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه)) سواء كان له أو عليه من باب أولى، إذا كان عليه يلزمه أن يكتب، وإذا كان له ديون على الناس إن كتبها فالأمر إليه، وإن تركها فالأمر إليه؛ لأنها إذا نسيها هو أو وارثه لا يلحقه شيء، بينما تلزم كتابتها من المدين الذي شغلت ذمته بهذا الدين ولا تبرأ إلا بسداده، فإذا لم يكتب كان عرضةً للنسيان، مثل هذا لا بد أن يوصي، له شيء يريد أن يوصي فيه، يعني له مال يريد أن يخرج منه شيئاً لله -جل وعلا- فإنه عليه أن يبادر ولا يتأخر.

стр. 2600

((يبيت ليلتين)) دون أن يكتب هذه الوصية ((إلا ووصيته مكتوبة عنده)) والليلتين على سبيل التقريب والمبادرة وإلا جاء ثلاث، وجاء ليلة، فليس المراد تحديد الوقت؛ لأنه قد يقول قائل: إذا كنا لا نضمن شهراً أو سنةً لماذا لم يقل: شهر أو سنة؟ فكيف نضمن ليلة أو ليلتين؟ المقصود بذلك المبادرة إلى كتابة الوصية وليس التحديد بالعدد على ظاهره، وإلا فالإنسان يمكن أن يموت وهو في مكانه، لكن المقصود بذلك المبادرة، وتعجيل كتابة الوصية، ومثلما ذكرنا الوصية عند عامة أهل العلم مستحبة إذا لم تكن في واجب، في سداد دين أو شبهه، وأوجبها أهل الظاهر، وأصل الصدقة بالقدر الزائد على ما أوجب الله تعالى من زكاة وكفارات وغير ذلك من أنواع الواجبات له ندب، فكيف توجب عليه بعد وفاته، فالمرجح قول الجمهور، ما لم تكن في أمرٍ واجب كالدين مثلاً، سواء كان لله -جل وعلا- من كفارات وشبهها، أو كان للآدمي فمثل هذا لا بد أن يكتب، فإذا كتبت هذه الوصية سواء كانت واجبة أو مندوبة، فعند جمع من أهل العلم أنه لا بد من الإشهاد عليها؛ لأن الحقوق لا تثبت إلا بالشهادات، وجمع من أهل التحقيق يرون أنه لا تلزمه الشهادة، بل إذا كتبها بيده، إذا كتبها بقلمه، وعرف قلمه كفى، يعني عرف الوارث قلم المورّث، وأنه كتب هذه الوصية بثلث ماله فأقل لجهةٍ غير وارثة لزم العمل بها، وكتابة الوصية، ومعرفة الخط نوع من المجادة، فإذا وجد الوارث بخط مورثه كتابة ملزمة للوارث بشيء عليه أن يعمل به، وإذا وجد بقلمه ديناً له على فلان يدعيه فيقوم مقامه حينئذٍ، إذا عرف خطه الذي لا يتردد فيه حتى قال بعض أهل العلم: إن له أن يحلف عليه؛ لأن هذه قرينة تغلب على الظن ثبوت الدعوى بغض النظر عن ثبوت المدعى به، الوجادة في علوم الحديث هي أن يجد الطالب أو يجد الراوي بخط شيخه الذي لا يشك فيه حديثاً فيرويه عنه على سبيل الوجادة، فيقول: وجدت بخط فلان، ولها شوب اتصال كما يقول أهل العلم، لها شوب اتصال، يعني لا يحكم باتصالها؛ لأن الواجد قد يكون ممن تأخر وجوده لهذه الوجادة بعد وفاة الكاتب، بل قد يكون وجوده في هذه الحياة -أعني الواجد- بعد موت الكاتب بمفاوز بحيث لا تمكن معاصرته له، ولذا قالوا:

стр. 2601

إن فيها شوب اتصال، ولا نحكم عليها بالاتصال المطلق، فقد نجد في كلام بخط شيخ الإسلام ابن تيمية فهل نقول: إن هذا الإسناد متصل بيننا وبينه؟ هي وجادة على كل حال، إذا كنا لا نشك أن هذا خط شيخ الإسلام، ومن عانى الخطوط، واهتم بها يعرف هذه الخطوط ولو لم يلق صاحب الخط، نحن نعرف جزماً خط شيخ الإسلام، وخط كثير من الأئمة بالمعاناة، فإذا وجدنا بخط شيخ الإسلام نقول: وجدنا بخط شيخ الإسلام، وننقل عنه بهذه الصيغة، وقل مثل هذا ما يوجد في حواشي الكتب، إذا وجدت بخط ابن حجر على نسخته من البخاري أو من الترمذي وأنت تعرف خط ابن حجر تنسب إليه القول إذا كنت لا تشك في معرفة خطه، ولا يلتبس عليك أمره، فمثل هذه الأمور يعمل بها عند أهل العلم، ولها شروط عندهم مستوفاة في كتب المصطلح، لكنها لا تفيد الاتصال كالسماع من لفظه، أو العرض عليه، أو الإجازة منه، إنما فيها شوب اتصال كما يقول أهل العلم. لهم صيغ في الوصايا، لهم في الوصايا صيغ، ثبت عن أنس ﵁ بسند صحيح مما أخرجه عبد الرزاق موقوفاً قال: كانوا -يعني الصحابة -رضوان الله عليهم- يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أو أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك وراءه من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصاهم به إبراهيم بنيه ويعقوب أن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ثم يذكر ما يحتاج إلى ذكره في هذه الوصية.

стр. 2602

النبي ﵊ اختلفوا هل أوصى أو لم يوصِ؟ هو في مرض موته ﵊ دعا بالكاتب، وأراد أن يكتب لكنه تلاحى عنده فلان وفلان ثم كثر اللغط عنده فامتنع ﵊ من الكتابة، ولعمر -رضي الله تعالى عنه- دور في ذلك، أما بالنسبة لوصيته في بعض الأمور بالصلاة، وما ملكت أيمانكم استوصوا بالنساء خيراً فهذا مستفيض في السنة، لكن ليست هي الوصية التي يكتبها الإنسان قرب وفاته، إنما الذي في الصحيح أنه لم يكتب ﵊، الأموال التي يمكن أن يوصى بها مما يدخل في هذا الباب، فالأنبياء لا يورثون، وإنما يتركون ما يتركون صدقة، وليس مما يورث، فيفرز بعضه يتصدق به، ويوصى به، وبعضه للورثة، هذا ليس بوارث في حق الأنبياء، ومنهم النبي ﵊. في الحديث الأول راوي الحديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-، وهو الصحابي المقتدي المؤتسي لما سمع هذا الحديث كتب وصيته فوراً، وثبت عنه أنه سئل بم أوصى؟ وقد ذكر أنه ليس له مالاً يوصي به؟ ولا يمنع من أن ينفذ هذا التوجيه النبوي، ثم في النهاية لا يكون له شيء يوصي به ولا تعارض؛ لأنه عرف بالبذل، وعرف بعدم التمسك وإمساك شيء من أمور الدنيا، وعرف بسرعة المبادرة والامتثال، وامتثل قول النبي ﵊: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) فكان لا يدخر شيئاً ﵁ وأرضاه-، فيتفق له امتثال هذا الأمر في كتابة الوصية، ويتفق له أنه بادر بإخراج ما يمكن إخراجه في حياته، فلم يحصل له شيء يمكن أن يوصي به. الحديث الثاني: يقول -رحمه الله تعالى-:

стр. 2603

"وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله أنا ذو مال" يعني أنا صاحب مال، و (ذو) من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وهنا مرفوعة لأنها خبر (أنا) "قلت: يا رسول الله أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة" سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- مرض بمكة كما في الصحيح، مرض في مكة وأشرف على الموت، فأراد أن يوصي والخلاف بين أهل العلم مما جاءت به الروايات أنه كان في حجة الوداع، أو في غزوة الفتح، لكن في حجة الوداع أكثر وأصح وأشهر، في حجة الوداع مرض سعد -رضي الله تعالى عنه- وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فزاره النبي ﷺ وطمأنه أنه سوف يعيش، ويولد له ولد، ورثى سعد بن خولة حينما مات في مهاجره الذي تركه لله ورسوله، يعني مات بمكة يرثي له النبي ﵊، وأما سعد فأخبره النبي ﵊ بما ليس بصريح، وإنما فهم منه أن النبي ﵊ يطمئنه، وأنه يعيش حتى يولد له الولد حتى قالوا: إنه ولد له بعد ذلك عشرة من الأولاد واثنتا عشرة من البنات، وهو يقول في خبره: "قلت: يا رسول الله أنا ذوو مال" يعني ذو مالٍ كثير، ولا يرثني إلا ابنة واحدة، وهذا المال كثير على هذه البنت مع أنها لها جميع المال أو نصفه؟ يعني أليس له أصل من بني زهرة يرثون الباقي؟ الأصل لها النصف وهم الباقي "ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) " لأن الثلثين أكثر من الكثير "قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: ((لا)) " والصدقة هنا المراد بها المنجزة في حياته بأن يخرج ثلثي ماله، أو نصف ماله في وقته، أو الثلث أو المراد بذلك الوصية بعد وفاته كما فسر ذلك الرواية الأخرى؛ لأنه لو كان قوله: "أفأتصدق؟ " على ظاهره بالصدقة في حياته لما كان الحديث داخلاً في هذه الترجمة، كان داخلاً في كتاب الزكاة، لكنه جاء في بعض الروايات: أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) فالمراد بالصدقة هنا هي الوصية، الصدقة بالمال بعد الموت "أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قال: أفأتصدق بشطره؟ " يعني بنصفه؟ "قال: ((لا)) قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: ((الثلث والثلث كثير)) " يعني تصدق بالثلث، والثلث مع

стр. 2604

ذلك كثير، وهل الأفضل من هذا السياق أن يوصي الإنسان بثلث ماله أو بأقل؟ ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة على ما سيأتي، لكن صدقته بالثلث أفضل أم بالربع أو الخمس؟ أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- تصدق أو أوصى بالخمس، فقوله: ((كثير)) سياق الخبر يدل على أن الثلث فاضل وإلا مفضول؟ يعني كثير بالنسبة لهذه الصدقة، فيكون أعلى ما يتصدق به وما دونه أفضل منه بدليل العلة ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) بعضهم فهم أنه كثير، وأن ما دونه أفضل منه، وفي ذلك حيازة حظ الورثة، ومنهم من فهم أن الثلث كثير يعني أجره كثير أكثر مما دونه، وفيه حيازة الحظ للموصى له، وأبو بكر -رضي الله تعالى عنه- أوصى بالخمس فدل على أنه فهم أن الثلث كثير فما دونه أفضل منه، والسياق في مثل هذه الصورة في حال المقاولة والمحاولة، يعني شخص مندفع يبي يتصدق بجميع ماله يقال له: خفف يكفيك العشر، لكن مالي كثير، يقاول على الخمس، على الربع، على الثلث، فيكون الأقل أفضل أو أكثر؟ يعني مثل ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو، وأن النبي ﵊ بلغه أنه يريد أن يقوم الليل، ويصوم النهار، ويقرأ القرآن في كل يوم، فقال النبي ﵊: ((اقرأ القرآن في شهر)) هل نقول: إن أول ما بدأ به النبي ﵊ أفضل من غيره؟ قال: إنه يطيق أكثر من ذلك، فقال: ((اقرأ القرآن في الشهر مرتين)) في الشهر ثلاث إلى أن قال له: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) يعني في سبيل المقاولة، يعني الناس يتفاوتون، يعني بعض الناس يلقى عليه الأقل، وبعضهم يلقى عليه الأكثر، إذا جاء شخص مندفع مثل عبد الله بن عمرو في مثل هذه الصورة يبدأ بالأقل، ثم يترقى معه، ومن الناس من أهل التراخي والتفريط والتساهل يبدأ بالأعلى، ثم يتدلى منه إلى ما دونه حيث يطيق، فمثل هذا السياق: ((الثلث والثلث كثير)) الرجل يريد أن يتصدق بثلثي ماله، ثم قال: الشطر، قال: ((لا)) قال: ((الثلث والثلث كثير)) مفهوم السياق أن ما دونه أفضل منه، ولا شك أن الناس في هذا الباب يتفاوتون، منهم من تجود نفسه بجميع ماله ولا يتأثر ولا يتضرر ولا يتأفف،

стр. 2605

ولا يمن بصدقته، وقد فعل ذلك أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-، تصدق بجميع ماله ولا نهي ولا ثرّب عليه، ومنهم من إذا تصدق بشيءٍ من ماله وأتبعه المن فإن مثل هذا يقال له: لا تتصدق إلا بالشيء اليسير يا أخي، وهذا عام في جميع الأبواب، تجد الإنسان يتورع عن الكي وعن الرقية، ولا يذهب إلى المستشفيات، لكن إذا جالسته وجدته يكرر هذا الأمر أنا لا أتعالج، أنا لا أكتوي، أنا متوكل على الله، أنا أفعل، أنا أكثر .. ، نقول: العلاج أفضل لك أنت، عالج يا أخي أحسن من هذا الكلام، وبعض الناس يصبر ويحتسب ولا يتكلم، مثل هذا يتجه في حقه أن يترك مثل هذه الأمور؛ ليكون من السبعين الألف، فعلى كل حال الثلث كثير يختلف أهل العلم في فهم هذه الكثرة، هل هو كثير والأفضل ما هو أقل منه؟ أو أجره كثير لعظم نفعه للمتصدق عليهم؟ ((الثلث والثلث كثير)) ثم ذكر العلة ((أنك)) يعني جاء به مضبوطاً بالهمزة المفتوحة، وجاء بكسرها: ((إنك)) فأنك على أنها جملة تعليلية، وإنك على أنها جملة شرطية ((أنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) يسألون الناس بأكفهم، يعني بعض أهل العلم تكون مكتبته جميع ما يملك في هذه الدنيا، جميع ما يملك هذه المكتبة، ثم يكتب عليها وقف لله تعالى، ثم بعد ذلك يضطر الورثة إلى أن يسألون الناس، لكنه لو باع هذه الكتب، أو أوقف ثلثها وباع الثلثين، وصار الورثة عندهم شيء يقتاتون منه، وإن كان الورثة في الجملة لا يقدرون هذه الكتب قدرها، فكثير من أهل العلم تذهب كتبهم لا وقف، ولا يستفيد منها الورثة؛ لأنهم لا يقدرون قدرها، ووجد من ذلك قصص ومآسي بالنسبة للكتب، وهي لو وقعت بيد خبير لاستفاد منها الورثة فائدة عظيمة، فعلى هذا لا يشرع في حق هذا العالم أن يوقف هذه المكتبة، ويترك الورثة عالة يتكففون الناس؛ لأنها هي ما يملك، هي ماله، وتدخل في هذا الحديث؛ لأنها مال مما يباع ويشترى ويقتنى ويفاد منه، لكن إذا كانت له أموال وهذه المكتبة أقل من الثلث أو الثلث فأقل فأوقفها، وترك الناس يستفيدون منها هذا طيّب، هذا أفضل من أن يوقف الأموال، وإن كانت الظروف والأحوال تختلف باختلاف أحوال الناس، منهم قد تكون الحاجة إلى المال أشد من

стр. 2606

الحاجة إلى الكتب، وقد تكون الحاجة إلى الكتب واستمرار نفعها أفضل، فهذا العالم الذي ترك أولاده وورثته عالةً يتكففون الناس لا شك أنه داخل في النهي في هذا الحديث، وحينئذٍ يوقف الثلث، ويباع الثلثان، وينفق منه على الورثة.

стр. 2607

وتجد بعض الورثة يأتون بهذه الكتب كتاباً كتاباً، كل ما احتاجوا إلى شيء باعوا كتاب، فيباع بأبخس الأثمان، فلا بد أن يجعل عندهم خبر أن هذه الكتب قيمتها مرتفعة، ومن يتردد على المكتبات يجد شيء من هذا، ومع الأسف وجد من ورثة العلماء من ورثتهم من رمى الكتب في الشارع بعد موت أبيه، رماها في الشارع؛ لأنه لا يقدرها قدرها، فذهبنا إلى ورثة قاضٍ من القضاة القدامى، وعنده مكتبة نفيسة لنشتريها منهم، فلما وصلنا قالوا: والله انتقلنا من البيت القديم إلى البيت الجديد فأصر النساء على ألا تنتقل الكتب معنا؛ لأنها كتب قديمة تجتمع عليها الفئران والصراصير، فلا نريد أن تدخل بيتنا الجديد، ورموها في الشارع، ونقلوا أمتعتهم إلى البيت الجديد، فعلى كل حال هو مطالب بشيء ألا يوصي بها، أو أن لا يوقفها كاملة؛ لأنها تستغرق جميع المال، وكثير من أهل العلم ترى هذه حالهم، أموالهم كتبهم فقط، يعني ما عرف الثراء عند أهل العلم إلا في العصور المتأخرة عند بعض أهل العلم، فيدخل في هذا مثلما ذكرنا، العلة ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز ولا تنفذ إلا بإجازة الورثة، بحيث لو أوصى بجميع ماله والورثة أجازوا ذلك فالعلة المنصوصة تدل على الجواز ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم)) وقد يكون الورثة أغنياء، بل أغنى من المورّث، رجل عنده من الأولاد خمسة، وكل واحدٍ منهم يملك أكثر مما يملكه المورّث، وقالوا: تركة أبينا له كلها نتصدق بها عنه، أو أذنوا لها أن يوصي بها كلها، العلة المنصوصة ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء)) تدل على جواز مثل ذلك، لكن لو جادت أنفسهم وليس عندهم شيء؟ جادت أنفسهم بالتبرع بجميع مال أبيهم، وليس عندهم غيره يجوز وإلا ما يجوز؟ لماذا؟ هم جادت أنفسهم، قالوا: جميع ما تركه أبونا صدقة لله، أو في آخر حياته قالوا: تصدق بجميع مالك مسجد مثلاً ونحن اللي أغناك يغنينا؟ يعني كون العلة مربوطة بالورثة: إنك إن تذرهم أغنياء خير، وأفعل التفضيل هنا (خير) على بابها أو ليست على بابها؟ نعم؟ يعني هذه العلة ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) هل هذه العلة

стр. 2608

راجعة إلى جميع الجمل؟ أتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((إنك إن تذر ورثتك)) أتصدق بشطر مالي؟ ((إنك إن تذر ورثتك)) أتصدق بثلث مالي؟ قال: ((نعم))، ((الثلث والثلث كثير)) ((إنك إن تذر ورثتك)) هذه العلة هل هي للجمل الثلاث أو للجملة الأخيرة فقط؟ للجملة الأخيرة فقط؛ لأن الجمل الثلاث، الجملة الأولى والثانية جوابهما: لا، الجملة الأخيرة قال: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير)) هنا أفعل تفضيل، خير، فخير هذه أفعل تفضيل هل هي على بابها؟ بمعنى أن الخير موجود في الورثة سواء كانوا أغنياء أو فقراء؟ لكن كونهم أغنياء أفضل من كونهم فقراء؟ أو أن نقول: الفقر لا خير فيه فتكون أفعل التفضيل هنا ليست على بابها؟ يعني الخير يقابل الشر، إذاً كلاهما خير، يعني سواء كانوا فقراء أو أغنياء والفقر؟ لا، لا بد إما أن نقول: خير هذه على بابها ففي كل خير سواء كانوا فقراء أو أغنياء إلا أن كونهم أغنياء أفضل؟ أو نقول: خير هذه ليست على بابها، فالذي يقابل الخير هو الشر، فأغنياء خير وفقراء شر؟ يعني في قول الله -جل وعلا-: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] هذه على بابها أو ليست على بابها؟ ليست على بابها؛ لأن أهل النار ليسو على خير بحال من الأحوال، ولا يشتركون بجزء ولو قليل ولو يسير من الخير، وهنا الورثة على خير ما داموا مسلمين فهم على خير، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، لكن كونهم أغنياء أفضل من كونهم فقراء، وإذا قلنا: إنهم وإن كانوا فقراء فهم على خير فإنه حينئذٍ يجوز لهم التصدق بمال أبيهم، ويجوز لأبيهم أن يتصدق بجميع ماله إذا أجازوا ذلك؛ لأنهم على خير سواء كانوا فقراء أو أغنياء إلا أن كونهم أغنياء أفضل، وإذا قلنا: أفعل التفضيل يقابل الخير الشر قلنا: لا يجوز لهم أن يتصدقوا ببقية المال، مما زاد على الثلث ليس له ذلك ولو أجازوا، والمسألة خلافية بين أهل العلم، لكن العلة المنصوص عليها في الخبر، وربط هذا الأمر بالورثة يدل على أن الأمر يعود إليه، فلو تصدق بما زاد على الثلث، وأجازوا ذلك فإن الأمر لا يعدوهم. طالب:. . . . . . . . . الوارث أو المورث؟

стр. 2609

طالب:. . . . . . . . . المورث أوصى ولم يستأذنهم، لكنه في حال التنفيذ أجازوا، تنازلوا، على حسب ما يظهر من حاله، إن كان جاهلاً فهو معذور، وإن كان قصده حرمان الورثة فهو آثم بلا شك، ولا ينفذ هذا، ما ينفذ إلا الثلث. يقول في الحديث الثالث -رحمه الله تعالى-:

стр. 2610

"وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها" يعني ذهبت نفسها فلتة، يعني بغتة "ولم توصِ" يعني ما أمهلت حتى توصي، لم تمهل حتى توصي "وأظنها لو تكلمت" يعني لو صار لها فرصة أن تتكلم قبل وفاتها "أظنها لو تكلمت تصدقت" يعني يعرف من حالها أنها كريمة تجود بالمال، وليست بخيلة تظن به وتشح به، أظنها يعني يغلب على ظنه ذلك "لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)) متفق عليه، واللفظ لمسلم" هل هذا الحديث يدلنا على أنه يريد أن يتصدق عن أمه من مالها أو من ماله هو؟ هل يتصدق من مالها؟ يعني افترض أن هذا الشخص لو أخوة وأخوات، والأم افتلتت نفسها، فوجئت، بغتت بالموت، ويعرف من حالها أنها لو أمهلت تصدقت، هل يتصدق من أصل المال أو يتصدق من نصيبه؟ يعني لو كان الأمر من نصيبه يعني السياق، السياق يريد أن يتصدق عنها؛ لأن كلمة "لم توصِ وأظنها لو تكلمت تصدقت" يعني إذا كان من نصيبه هو فلا داعي لهذا الكلام، يقول: أمه ماتت ولم تتصدق أفأتصدق عنها؟ أينفع أن أتصدق عنها؟ قال: ((نعم)) لكن أظنها لو تكلمت تصدقت! يعني هل هذا الكلام مؤثر في الحكم أو غير مؤثر؟ بمعنى أنه ينفذ ما يغلب على الظن أن الميت يريده؟ يعني بعض العوام يعرف أن أباه أو أمه يحب نوع من الطعام، فتجده في بعض المناسبات يشتري هذا النوع ويتصدق به على الناس، ويجعل ثوابه لوالده أو والدته ممن يحب هذا الطعام، هذا لا شك تصور تصرف من هؤلاء العوام يعني كونه هو يحب هذا الطعام هل يعني أن غيره يحب هذا الطعام؟ هل المنظور إليه المتصدق عنه أو المتصدق عليه؟ المتصدق عليه ينظر الأنفع له؛ لأن هذا يعظم الأجر، افترض أن المتصدق عنه يحب طعام لا يحبه الناس هل يتصدق به عنه؟ لا، هنا يغلب على الظن أنها لو تكلمت تصدقت فهل يتصدق عنها من مالها من أصل المال بناءً على غلبة الظن؟ أو أن نقول: المال انتقل لا علاقة لها به؟! وحينئذٍ من أراد أن يتصدق يتصدق من نصيبه، والصدقة هنا واصلة، يصل ثوابها، من العبادات التي يصل ثوابها إلى الميت، وتقدم في الوقف: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) وذكر العلماء

стр. 2611

الخصال التي يجري عملها بعد وفاة صاحبها، وأوصلوها إلى عشر.

стр. 2612

يكثر بين الناس أنه إذا مرض الوالد أو الوالدة أو القريب أو العزيز، ووصل إلى حدٍ لا يصح تصرفه فيه، إغماء، في العناية، والصدقة تدفع ميتة السوء و ((داووا مرضاكم بالصدقة)) فيأتي الأولاد أو بعض الأولاد يجتهد ويتصدق عن هذا المريض من ماله أعني المريض، يعني شخص له أولاد ومرض وارتفع عنه قلم التكليف بالغيبوبة، وأدخل العناية، والولد يعرف أن الصدقة لها أثر في الشفاء بإذن الله -جل وعلا- والدواء، فيقول: نريد أن نشتري مائة كيس من الرز مثلاً ونتصدق بها عن الوالد، هل يجوز أن يتصدق به من مال الوالد؟ من أصل المال أو من ماله هو؟ يعني لا يجوز أن يتصرف بشيءٍ من مال الوالد، إن أراد أن يتصدق بشيءٍ من ماله هو فلا أحد يمنعه وجزاه الله خيراً، ويتصدق عن والده ويصل الأجر -إن شاء الله تعالى-، وتترتب الآثار على ذلك إن لم يكن ثم مانع، المقصود أن هذا في قوله: إن أمي افتلتت نفسها ولم توصِ وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ يعني من مالي أو من مالها؟ احتمالان، وإن كان السياق يشم منه أنه يريد أن يتصدق عنها من مالها، يعني السياق يشمّ منه أنه يريد الصدقة عنها من مالها؛ لأن قوله: "أظنها لو تكلمت" فبناءً على غلبة الظن أنه ينفذ ما تريد، لكن القواعد الشرعية والنصوص تدل على أنه لا يتصرف أحد بمال غيره، وهذا الذي يرجح الاحتمال الثاني أنه يتصدق عنها من ماله هو، وهنا يتعارض الأصل مع الظاهر، وفي مثل هذه المسألة إذا تعارض الأصل مع الظاهر، الظاهر أنه يريد أن يتصدق عنها من مالها، بناءً على غلبة ظنه أنها تريد الصدقة، هذا الظاهر، هذا ظاهر اللفظ، والأصل أنه ليس لأحدٍ أن يتصرف في مال غيره، وهنا تعارض الأصل والظاهر، فيقدم هنا الأصل لضعف هذا الظاهر، يعني ليس من الظهور بحيث يقدم على الأصل؛ لأن من الظواهر ما يكون ظهوره أقوى من الأصل، ومن الظواهر ما يكون ظهوره أضعف من الأصل، وذكرنا مثال سابق قلنا: لو أن واحد من الإخوان من طلاب العلم دخل مكتبة زميله من طلاب العلم فوجد أعجبه كتاب فسحبه من الدرج فإذا به مكتوب عليه ملك فلان بن فلان بن فلان، والتاريخ والتوقيع نفسه أو غيره مثلاً، شخص ثالث من زملائه، فالأصل أن هذا الكتاب لمن

стр. 2613

كتب عليه الاسم، والظاهر أنه لصاحب المكتبة، فهل يقدم صاحب الاسم؟ نقول: خذ كتابك وانتهى الإشكال؟ أو نقول: ما دام موجود بحوزة فلان وفي مكتبته والذي يظهر أنه له؟ أحياناً نقدم الأصل وأحياناً نقدم الظاهر، تحتاج المسألة إلى مرجّح، كيف المرجح؟ المرجح إن كان الأصل الذي عليه الاسم اسم هذا الشخص إن كان هذا الشخص الذي اسمه مكتوب على الكتاب جرت عادته أنه يبيع، يشتري كتاب ويكتب عليه اسم ويتصفحه ويقرأه يوم يومين شهر ثم يبيعه، إذا جرت عادته بذلك قدمنا الظاهر على الأصل، وإن كان عرف من عادته أنه لا يبيع أبداً، وعرف من عادته أنه يعير، قدمنا الأصل على الظاهر، وهنا الظاهر عندنا فيه ضعف بالنسبة للأصل، وحينئذٍ يقدم الأصل فلا يتصدق أحد عن أحد إلا من ماله هو الذي يملكه، وذكرنا أن مما يقع للناس أن الأب يكون غنياً ويدخل العناية في غيبوبة والصدقة لها أثرها في مثل هذه الحالة فيتصرف بعض الورثة، ويشتري سيارة تريلا أو ثنيتن أو ثلاث من الأطعمة ويتصدق بها، نقول: لا تصدق من مالك، لا من ماله هو، أنت لا تملك شيء من ماله. يقول ﵀: "وعن أبي أمامة الباهلي" واسمه صدي بن عجلان، نعم، هنا، نقول: بيّن أن الإنسان لا يجوز له أن يتصرف بمال غيره إلا بطيبة نفسٍ منه، يعني ظاهر السياق، لكن الأصول العامة تدل على غير هذا الظاهر، وقدمنا الأصل على الظاهر لضعف الظاهر بالنسبة لهذا الأصل، هذه المسائل الخفيفة تحتاج إلى معرفة ما يعين على فهم هذه النصوص، كثير من طلاب العلم تجد ليست له عناية بالعربية ولا بعلوم الآلة لا بأصول الفقه، ولا بقواعد التفسير، ولا بعلوم الحديث، ولا يستطيع أن يتعامل مع النصوص إلا بواسطتها، فإما أن يقتصر على النصوص فيكون ظاهرياً؛ لأنه ليس عنده ما يعين على فهم هذه النصوص، أو يعرف ما وراء هذه النصوص بالقواعد والضوابط التي يذكرها أهل العلم، فتنحل عنده الإشكالات؛ لأن عندنا ظاهر صحيح ظاهر لكنه ضعيف بالنسبة للأصل، وإذا تعارض الأصل مع الظاهر عند أهل العلم لهم طرق في تقديم أحدهما على الآخر. في الحديث الذي يليه يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2614

"وعن أبي أمامة الباهلي" واسمه صدي بن عجلان -رضي الله تعالى عنه- "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث)) رواه الإمام أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس" سنده بمفرده، وإن كان له شواهد يرتقي بها إلى الصحيح، فالحديث صحيح على كل حال، لكن أقوى من إسناده تلقيه بالقبول، وأهل العلم يقررون أن تلقي العلماء بالقبول للخبر أقوى من مجرد كثرة الطرق، فصححوا هذا الحديث، وعملوا به، والإجماع -إجماع من يعتد به- على أنه لا وصية لوارث، ويكون هذا الحديث في مقابل قول الله -جل وعلا-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] لمن؟ ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾ وهما من الورثة، هذا الحديث مع الآية، الآية تثبت الوصية للوارث، والحديث يقول: ((لا وصية لوارث)) فالحديث تلقاه العلماء بالقبول، وإن كان لم يخرج في الصحيحين، ولا في واحدٍ منهما، وله شواهد عن عمرو بن خارجة وعن أنس -رضي الله تعالى عنه-، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن جابر وغيرهم، له شواهد، فماذا نقول في تعارض الخبر مع الآية؟ هل نقول: إن الحديث ناسخ للآية؟ وهل يسوغ نسخ الآية بمثل هذا الحديث؟ أما من لا يرى نسخ الكتاب بالسنة فيقول: إن الحديث لا يقوى، وإن تلقّاه العلماء بالقبول النسخ القطعي، الذي هو الآية، بنسخ الآية؛ لأن السنة لا تنسخ القرآن، ومن يقول: بأن السنة تنسخ القرآن لا إشكال عنده، لكن الذي يقول: بأن السنة لا تنسخ القرآن قالوا: إن الذي نسخ الآية آيات المواريث، ويشير إلى ذلك قوله في الحديث: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه)) فالوالدان في آية الوصية قد أعطي حقهما من الميراث، فلا وصية لهما كغيرهما من الورثة ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)) يعني هل نقول: إن هذا بيان أو نسخ؟ بيان للناسخ وهو الآيات آيات المواريث، أو نقول: إنه نسخ؟ يعني نظير ما قيل في حديث عبادة: ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة

стр. 2615

والرجم)) هل نقول: إن هذا بيان لقول الله -جل وعلا-: ﴿حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [(١٥) سورة النساء] قد جعل الله لهن سبيلاً، أو نقول: إن الحديث ناسخ للآية؟ الذي يرى نسخ الآية بالحديث هذا ما عنده إشكال في هذا وفي هذا، يقول: الآية نسخت بالحديث وكلها شرع، والحديث وحي؛ لأن النبي ﵊ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، والذي لا يقول بنسخ الكتاب بالسنة يقول: بيان، وهنا بيان للناسخ والناسخ آيات المواريث، والناسخ في حديث عبادة ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [(٢) سورة النور] بدلاً من الحبس، فالناسخ القرآن، والحديث مبين للناسخ، وعلى كل حال المسألة معروفة عند أهل العلم، والآية متروكة العمل سواء قلنا: بالبيان أو بالنسخ، يعني سواء قلنا: بالبيان في هذا الحديث أو بالنسخ، فلا وصية لوارث، عرفنا المأخذ والمدرك يا إخوان؟ لأن بعض الناس قد يشوش يقول: هذا حديث وآية الوصية آية، والحديث لا ينسخ عند الجمهور .. ، الحديث لا ينسخ القرآن، فنقول: الحديث ليس بناسخ، وإنما الحديث مبين، مبين للنسخ بحيث أنه أحال على الناسخ ((أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه)) في آيات المواريث ((فلا وصية لوارث)) وحينئذٍ يكون من باب البيان.

стр. 2616

"رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، ورواه الد ارقطني من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وزاد في آخره: ((إلا أن يشاء الورثة)) وإسناده حسن" إلا أن يشاء الورثة: هذا الاستثناء قد تعقّب قوله ﵊: ((لا وصية لوارث)) إلا أن يشاء الورثة فهل لنا أن نقول: لا وصية بأكثر من الثلث إلا أن يشاء الورثة؟ فنجعل هذا الاستثناء متعقب لما تقدم لأن الأمر لا يعدوهم؟ كونه يتعقّب لا وصية لوارث، يعني عنده من الأولاد خمسة فأوصى لواحدٍ منهم بشيء يخصه به من ماله زيادة على إرثه وأجاز إخوته ذلك، يملكون وإلا ما يملكون؟ إلا أن يشاء الورثة هذا الاستثناء يتعقب هذه الجملة بلا إشكال، لكن هل يصلح أن نركب هذه الجملة بالحديث السابق؟ الثلث والثلث كثير إلا أن يشاء الورثة، لماذا؟ هي جاءت هنا في هذا السياق، في هذا الحديث إلا أن يشاء الورثة، فكونها -كون الاستثناء- هنا يرجع إلى ((لا وصية لوارث)) هذا ما فيه إشكال، فإذا شاء الورثة أن يوصى لوارث أوصي له، أما كونه يرجع إلى الزيادة على الثلث فليس مأخذه من هذا الاستثناء، وإنما مأخذه من العلة ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء)) فالأمر إلى الورثة، والمسألة لا تسلم من خلاف على ما سبقت الإشارة إليه، الوصية للوارث بالتنصيص يعني يذكر في وصيته أن لولده فلان لابنه فلان أو لبنته فلانة المحل الفلاني أو الدكان الفلاني، أو المزرعة الفلانية، أو المبلغ المذكور من المال أو غلة كذا ليس له ذلك، بالتنصيص عليه باسمه، لكن لو نص عليه بوصفه، قال: هذه المزرعة وصية وتلزم بموته، وغلتها في السنة مائة ألف، وقال: يصرف من غلتها على طلاب حلقات التحفيظ، وعلى طلاب العلم، وواحد من أولاده من طلاب العلم، وآخر في حلقات التحفيظ، وعشرة لا يتصفون بهذا الوصف، يستحقان وإلا ما يستحقان؟ نقول: هما ورثة ما يستحقون وإلا بالوصف يستحقون؟ يعني لا شك أن المنع في هذا الحديث لئلا يؤثر بعض الأولاد دون بعض، كما منع من العطية لبعضهم دون بعض حال حياته، فيتهم بأنه يقدم بعضهم على بعض، لكن بالوصف؟ وإذا كان القصد من كلامه في وصيته الحث على حفظ القرآن، وطلب العلم فأولى

стр. 2617

من يحث على ذلك الورثة، فدخولهم بالوصف لا إشكال فيه -إن شاء الله تعالى-؛ لأنه لا يتهم، إلا إذا فهم من قصده التخصيص بالوصف، التنفيل والزيادة لبعض الورثة دون بعض، بأن يكون الوصف لا أثر له في تحقيق الهدف الشرعي من الوصية والوقف، لا أثر له في تحقيق الهدف الشرعي من الوصية، يعني كونه يصرف على طلاب العلم، يصرف على .. ، هذا لا شك أنه يحقق الهدف الشرعي من الوصية والوقف، لكن إذا وصف بوصفٍ لا يحقق الهدف الشرعي، إذا وصفه بوصفٍ قهري جبلي، قال: للطويل منهم، أو للأعرج، وهو يعرف أن في ولده من هو أعرج، ولا يقصد بذلك أن هذه العلة تعوقه عن تحصيل ما يستفيد منه، المقصود أنه إذا عُرف من تنصيصه على وصفٍ لا يحقق الهدف الشرعي إنما يحقق شيئاً في نفسه يريد به زيادة بعض الورثة على بعض فإن هذا لا ينفذ، أما إذا نص على وصف يحقق الهدف الشرعي من الوقف والوصية فإنه حينئذٍ لا مانع من دخوله فيه -إن شاء الله تعالى-، ولا يدخل في المحظور.

стр. 2618

هذا الحديث جزم الإمام الشافعي في الأم بأنه متواتر، ولا يلفظه بهذا اللفظ، لا يقول: متواتر، وإنما يقول: إنه نقله الكافة عن الكافة، وهذا هو المتواتر، وإن نفى ونازع الرازي في كونه متواتراً، الرازي ينازع في تواتره، في تواتر هذا الحديث، والشافعي يثبت، ومعروف أن الرازي شافعي المذهب، لكن هل لمثل الرازي أن يثبت التواتر وعدم المتواتر لا سيما في الحديث، وهو ليست له أدنى عناية في الحديث؟ أو نقول: إن التواتر مبحث أصولي، وليس بمبحثٍ حديثي فيكون له مدخل في الباب؟ يعني التواتر ليس من مباحث علوم الحديث كما يقرر أهل العلم إنما من مباحث الأصوليين، ولذا ظهر في الآونة الأخيرة من ينازع في وجود المتواتر والآحاد، وينفي ذلك، ويغلظ القول على من يقول بذلك، ويقول: إنه ليس من مباحث أهل الحديث؛ هو ليس من مباحث أهل الحديث؛ لأنه لا يحتاج إلى دراسة، إذا ثبت أنه متواتر ما يحتاج أن تعرض رواة هذا الحديث بجميع طرقه على كتب الرجال، خلاص، متواتر يعني أنت ملزم بتصديقه، مفيد للعلم بلا تردد، فليس من مباحث هذا العلم -علم الحديث- من هذه الحيثية، بمعنى أنه لا يبحث عن رجاله، هو من مباحث الأصوليين، معروف مباحث الأصوليين، لكن هل للرازي أن يدخل في مثل هذا التواتر فينفيه وليس له علاقة بالحديث؟ نقول: هذه المسألة تثار في هذه الأيام، وأنه كيف تذكر أقوال الرازي في علوم الحديث؟ تذكر أقوال الغزالي في علوم الحديث؟ تذكر أقوال الآمدي في علوم الحديث؟ وهؤلاء من المتكلمين لا علاقة لهم بالسنة، يعني الغزالي بضاعته كما يقول عن نفسه في الحديث مزجاة، ضعيفة جداً؛ ولذا في كتبه الموضوعات، الأحاديث الموضوعة، فهل لمثل هذا أن يدخل نفسه في هذه الموضوعات أو ليس له ذلك؟ الرازي ذكر في تفسير سورة العصر حديثاً أن امرأةً في سوق المدينة تبحث أين رسول الله؟ فدل عليه فقالت له: إنها شربت الخمر، وزنت، وولدت من الزنا، فقتلت الولد، وفعلت وفعلت؟ قال: أما القتل فجزاؤه جهنم كما في آية النساء، وأما الشرب فحده ثمانون جلدة، وأما الزنا فلعلك لم تصلِ صلاة العصر؟ هذا الكلام نقله الرازي في تفسيره مرفوعاً إلى النبي ﵊، ثم نقله عنه الألوسي، وهذا

стр. 2619

الذي يهمّنا، نقله عنه الألوسي قال: تفرد بذكره الإمام، كانوا يلقبون الرازي بالإمام، تفرد بذكره الإمام، ولعمري أنه إمام في نقل ما لا يعرفه أهل الحديث هذا مدح وإلا ذم؟ ذم بلا شك، فمثل هذا هل يعارض قول الشافعي بقوله؟ الشافعي يقول: نقله الكافة عن الكافة، يعني متواتر، وينازع الرازي في تواتره؟ أما نقل أقوالهم في كتب علوم الحديث أنا ليس فيها عندي أدنى إشكال؛ لأن علوم الحديث منها ما يستند إلى الرواية، ومنها ما يعتمد على الدراية والفهم والاستنباط، هم لهم مدخل في مسألة الفهم، وبعض طلاب العلم ينازع ويشارك في علوم الحديث، أقول: إذا نازعت في دخول مثل هؤلاء أنت هل أنت تدخل في الرواية أو في الدراية؟ يعني مثل هذا المنازع يعني مثلنا لو نازعنا إحنا لا عندنا حفظ يوازي ما عند أئمة الحديث الذين هم أهل الشأن، عندنا شيء من الفهم نستطيع أن نفهم به كلام أهل العلم مثلما يفهم الرازي والغزالي وفلان وفلان، فمدخلهم في هذا الباب من باب الدراية والفهم، ولا شك أن من مباحث علوم الحديث مما يدرك بالرأي، مباحث علوم الحديث، ومنها ما يعتمد على النقل والرواية، وهذا لا ندخل فيه لا نحن ولا رازي ولا غزالي ولا طلاب العلم المتعلمين الآن الذين يشنون الحملات ما لهم مدخل؛ لأنهم ليسوا بحفاظ، وليسوا من أهل النقل، فالأمور -ولله الحمد- ماشية ما فيها إشكال، ويظنون أن على علوم الحديث خطر من ذكر أسماء هؤلاء، أبداً ليس فيها خطر، الرواية معولها على أهلها، والفهم والاستنباط أيضاً كل له أن يدلي برأيه، ويعرض على النقل، وعلى كل حال منازعة الرازي في هذا وإن كان خبير ودقيق في تطبيق شروط التواتر عنده خبرة ودقة، لكن هل يعني أن قوله ينفى به قول الإمام الشافعي؟ أبداً، ولا شك أن الحديث قد تلقي بالقبول فهو صحيح لا إشكال في ثبوته، وأما الاستثناء ((إلا أن يشاء الورثة)) في حديث ابن عباس فسنده أقل من السند الأول، ولم يتلق بالقبول كتلقيه فهو حسن.

стр. 2620

من التحايل على الوصية للوارث، من التحايل عليه، الوصية للوارث ممنوعة، لكن من التحايل على ذلك أن يقر لوارثه، أولاده عشرة ولما قرب موته قال: ولدي فلان عندي له مبلغ كذا، فإن كان عرف من تصرفاته في حال حياته أنه يحبه أكثر من غيره، ويؤثره أكثر من غيره فلا تنفذ هذه الوصية؛ لأنه متهم، وأما إذا عرف أنه هو وإخوانه على حدٍ سواء فإقراره على نفسه معتبر، ما لم تدل القرائن على خلاف ذلك، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2621

شرح: بلوغ المرام - كتاب البيوع (٢٥) باب: الوديعة الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادةً في حسناتكم)) يقول: رواه الدارقطني، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، رواه الدارقطني يعني من حديث معاذ بن جبل، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، فهو شاهد لحديث معاذ وابن ماجه، يعني ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة شاهد ثاني لحديث معاذ، يقول الحافظ: وكلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً، والله أعلم. هذه الأحاديث الثلاثة أو حديث معاذ وشاهديه لا شك أنها بالنظر إلى مفرداتها، لا تخلو من ضعف، لكنها باعتبار المجموع، فمن يحسن بالطرق، وهو المعروف عند أهل العلم إلا من ندر، يحكمون على هذا النوع من الحديث الذي مفرداته ضعيفة وبمجموعها تتقوى، يقولون: هو الحديث الحسن لغيره. يقول الحافظ: "وكلها ضعيفة، ولكن قد يقوي بعضها بعضاً" لأن قد هذه للتقليل وليست للتحقيق؛ لأنها دخلت على المضارع، فالأصل فيها إذا دخلت على المضارع صارت للتقليل، فهل هذه قاعدة مطردة؟ يعني الأحاديث الضعيفة إذا كانت الأحاديث كلها بمفرداتها ضعيفة قد يتقوى بعضها ببعض؟ أو يتقوى بعضها ببعض؟ أما إذا كان الضعف ليس بشديد، وتعددت الطرق يتقوى بعضها ببعض، لكن إذا كان الضعف شديداً فإنها لا تتقوى وقد تتقوى، كما قرر ذلك بعض العلماء كالسيوطي ونحوه؛ لأنه لما ذكر شديد الضعف ومجيئه من طرق متعددة قال: . . . . . . . . . ... وربما يكون كالذي بُدِيْ يعني أنه يكون كالحسن لغيره، المجتمع من أحاديث ضعيفة ضعفها ليس بشديد.

стр. 2622

وهنا الضعف قابل للتقوية، فالحديث هنا حسن لغيره؛ لأنه له شواهد وله طرق يقوي بعضها بعضاً، أما قول الحافظ يفيد أنه يشك في وصوله إلى مرتبة الحسن لغيره؛ لأنه قال: قد يقوي بعضها بعضاً، والعادة أنه يحكم بمثل هذا، ويجزم به، لكن إذا كان الضعف غير شديد، أما إذا كان الضعف شديداً فإن الأكثر من أهل العلم أن وجود الطرق لمثله في الضعف في شدة الضعف فإنه لا يستفيد منها، وتبقى ضعيفة. على كل حال الحديث هذا المتجه كونه حسناً لغيره ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم)) إن الله تصدق عليكم، الأصل في المال أنه لله ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور] وإنما المتصدق إنما هو سبب ووسيلة لوصول مال الله إلى هذا السائل أو هذا المعطى. فأنت مجرد سبب ووسيط في هذا المال، والرسول ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسمٌ والله المعطي)) فهذا الغني الذي بيده الأموال هي مال الله، وليست من ماله، وتصدق الله على هذا الذي بيده المال بثلث ماله عند وفاته يوصي به، يوصي به زيادة في حسناته، مما ينفق من هذا المال من وجوه البر، أما الوصية والوقف الذي لا يتحقق منه الهدف الشرعي فإنه لا يكون فيه زيادة في الحسنات، بل قد يكون وبالاً على صاحبه، فبعض الناس يوقف، وتكون غلة الوقف على جهةٍ لا يتحقق فيها الهدف الشرعي، إما جهة مباحة، أو تزاول بعض المنكرات، كثيرٌ من الأثرياء يوقفون الأموال الطائلة، ومع ذلك لا يجنون من ورائها حسنات كما في هذا الحديث، بل يجنون من ورائها الآثام، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2623

فمن وقف سوقاً تجارياً، وجعل غلته في مصارف الخير، وهذا السوق يباع فيه ما حرم الله -جل وعلا-، ومع الأسف أنا وجدنا من هذا النوع شيء كثير؛ لأنه لما يكون المال كثيراً تكون الإحاطة به ومراقبته عسيرة، وإذا أراد الإنسان كما يقولون ويبررون ويعللون أن تكون التجارات صافية خالية مائة بالمائة فمعناه ينزوي في بيته ولا يعمل شيء، وهذا تيئيس من الأعمال المباحة، نعم وقف غلته ثلاثون مليون ريال في السنة وقف، هذه الثلاثون المليون تصرف في وجوه البر، لكن هي مجموعة من أسواق تجارية يباع فيها ما يباح وما يحرم، مثل هذا لا يحقق الهدف الشرعي، أو يكون وقف يبنى –يشيد- والعمال يشتغلون وقت الصلاة، الناس يصلون والعمال يشتغلون، هذا تناقض هذا، يعني هذا وقف يراد منه الثواب من الله -جل وعلا-، زيادة في الحسنات كما في الحديث، ومع ذلك تترك الصلاة، وتؤخر الصلاة من أجله.

стр. 2624

فشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- يقول: إذا كان الوقف لا يحقق الهدف الشرعي فإنه لا يصح أن يسمى وقف، فضلاً عن كونه يضاد ويناقض ويعارض الهدف الشرعي من الوقف، هناك أوقاف ووصايا تكون سبباً لقطيعة الرحم فهل من المصلحة أن تستمر مع استمرار هذا الوصف؟ أو من المصلحة أن تباع ويقطع دابرها، ويلتئم الناس حولها، وتقسم وتوزع وينتهي إشكالاتها، بعض القضاة يستروح لمثل هذا، لا سيما إذا عجز عن الإصلاح بين هؤلاء الورثة، فلا شك أن نية الواقف الخير -إن شاء الله تعالى-، لكن ما يدري ما وراء هذا الخير؟ فمن وقف وقفاً داراً أو عمارة تؤجر عليه أن يتحرى في المستأجرين، وأن لا يمكنهم من أن يزاولوا ما حرم الله -جل وعلا- في هذه الدار التي يرجو ثوابها، وثواب غلتها، أو الأسواق أو الدكاكين أو غير ذلك مما ينتفع به، لا بد أن تكون المنفعة مباحة؛ لأنه في الحديث يقول: ((زيادةً في حسناتكم)) فالهدف الشرعي من الوقف والوصية التقرب إلى الله -جل وعلا-، وبهذا يستدل من يبطل الوقف الذري على الذرية، يوقف بيته على أولاده، ما الذي يحققه الوقف من الهدف؟ يحققه ألا يبيع الأولاد البيت، يضمن لهم بقاء البيت، أما كونه يأثم أو يؤجر هذا ليس قصداً له، لا يريد بذلك الثواب من الله -جل وعلا-، وإنما يريد أن يبقى أولاده في هذا البيت، لا يخرجون ولا يُخرجون، فمنهم من يصحح مثل هذا الوقف، ومنهم من يقول: هذا ليس بوقف، ولا يثبت الوقف بمثل هذا القصد.

стр. 2625

في الوقف هناك وفي الفرائض ذكرنا أن الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة: أولها: مؤونة التجهيز، تغسيل الميت وتكفينه، وحمله ودفنه إذا كانت هذه تحتاج إلى أموال فإنها تكون من أصل التركة قبل كل شيء، يلي ذلك الديون المتعلقة بالتركة، الديون على الميت المتعلقة بالتركة، كالدين الذي فيه رهن، يلي ذلك الديون التي لا تتعلق بعين التركة، وإنما تتعلق بذمة الميت، سواءً كانت الديون للخلق أو للخالق، الرابع من الحقوق: الوصايا، الخامس: الإرث، فالحقوق ترتيبها هكذا: مؤونة التركة، مؤونة التجهيز، الحقوق المتعلقة بعين التركة، الديون التي لا تتعلق بعين التركة، ثم الوصايا رقم أربعة، فتقدم الديون على الوصايا، وهذا لا شك أنه هو الجاري على قواعد الشريعة؛ لأن الديون بالنسبة للوصايا نفل، فهي دون الديون في المرتبة والاهتمام، وفي قول الله -جل وعلا-: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [(١١) سورة النساء] هنا في الآية تقدمت الوصية على الدين فهل لهذا التقديم حظ في الأولوية؟ إذا قلنا: نبدأ بما بدأ الله به فنقدم الوصية على الدين، أو نقرر ما قرره أهل العلم من تقديم الدين على الوصية؛ لأنه أهم وأحق في التنفيذ، وأبرئ للذمة، يعني لا بد أن تكون الذمة قد برئت من عهدة الواجب لتلتفت إلى المستحب، هل نقول في مثل هذا كما قال النبي ﷺ لما رقي على الصفا قال: ((أبدأ بما بدأ الله به)) وفي رواية: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)) وذكره أهل العلم في الوضوء، ذكروه دليلاً على الترتيب، فهل نقول: نرتب هنا كما رتبنا هناك؟ أو نقول: نقدم الدين على الوصية ولو تقدمت الوصية على الدين في هذا الباب؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . يقدم الدين على الوصية، وأما البداءة هنا؟ طالب:. . . . . . . . . يعني تقديم الصفا على المروة ما هو بسبب أن الله -جل وعلا- قدمه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] وتقديم غسل الوجه على اليدين؛ لأن الله قدم غسل الوجه على اليدين؟ لماذا لا نقدم الوصية على الدين هنا؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نقدم على هذا الوصية نبدأ بما بدء الله تعالى به، وإلا نقدم الدين على الوصية؟

стр. 2626

طالب:. . . . . . . . . لا، لا، المسألة مفترضة في دين واجب في ذمة زيد من الناس فيريد أن يوصي، أما إذا كانت واجبة فهي دين، ما صارت وصية، المعتبر فيها الدين، نعم نصوص الشريعة تدل على أهمية الدين والبراءة من عهدته، وأن أمره شديد وعظيم، ونفس الميت مرتهنة بدينه، والنبي ﷺ رفض أن يصلي على المدين حتى ضمن ذلك عليه، والشهادة تكفر كل شيء إلا الدين، فإبراء الذمة شيء في غاية الأهمية في الشرع، والوصية نفل، ولا شك أنه ما تقرب أحد إلى الله بمثل ما افترض عليه، فإعفاء الدين فرض واجب فيقدم، إذاً كيف قدمت الوصية في الآية مع أن الدين أهم؟ ليس هذا في موضع فقط في مواضع ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [(١١) سورة النساء] ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [(١٢) سورة النساء] كلها على هذه الوتيرة. طالب:. . . . . . . . . أو دين؟ لكن تقديمها في اللفظ حتى إن الصفا والمروة بمطلق الجمع في الواو ما هي للترتيب، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لا قد تكون للتخير وقد تكون للتقسيم والتنويع، يعني لها معاني. طالب:. . . . . . . . . نعم الدين له من يطالب به، والوصية ليس لها من يطالب بها؛ لأن الوصية قبل ثبوتها ليس لها من يطالب بها، يعني شخص عنده الأموال ومدين ببعضها ويريد أن يوصي هل في أحد يلزمه بأن يوصي؟ لكن في من يلزمه بسداد الدين؛ فلكون الوصية بصدد أن تنسى لعدم المطالب بها قدمت على الدين؛ لأن له من يطالب به، نعم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: باب: الوديعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ قال: ((من أودع وديعة فليس عليه ضمان)) أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف، وباب قسم الصدقات تقدم في آخر قسم الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد -إن شاء الله تعالى-. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: الوديعة

стр. 2627

الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي مودعة، وهي العين التي توضع عند من تظن فيه الأمانة لحفظها، وجاء الأمر برد الأمانات إلى أهلها ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء] سواء كانت هذه الوديعة مال أو عين ينتفع بها، أو ينتفع بها مادياً أو معنوياً، فلا بد من ردها، وقد تلا النبي ﷺ الآية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء] حينما رد مفتاح الكعبة على بني شيبة، فالأمانة لا بد من ردها وعدم ردها خيانة، وجاء في خصال النفاق خيانة الأمانة ((وإذا اؤتمن خان)) وقبول الأمانة وحفظها والمحافظة عليها من التعاون على البر والتقوى، ومما ينبغي أن يسود بين المسلمين دون مقابل، فالله -جل وعلا- في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان، وخشي على شيء من ماله، ووضعه عند من يتوسم فيه الأمانة، لكن هل يلزم قبوله أو لا يلزم؟ لا يلزم إلا إذا تعين عليه بحيث لا يوجد غيره، وإن أخذه صاحبه وسافر به معه تعرض للخطر هو وإياه، فإنه حينئذٍ يلزمه. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2628

"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله تعالى عنهم-" تقدم الكلام في هذه السلسلة مراراً، وأن العلماء اختلفوا في حكم المروي بها، فمنهم المصحح، ومنهم المضعف، ومنهم من توسط، وقال: إذا صح السند إلى عمرو فلا أقل من أن يقال: بحسن الخبر، وسبب الخلاف ومنشأه الخلاف فيما يعود إليه الضمير في قوله: "عن جده" هل يعود إلى عمرو فيكون جد عمرو محمد وعلى هذا يكون الخبر مرسلاً؟ أو يعود إلى شعيب فيكون الجد عبد الله بن عمرو بن العاص؟ والخلاف في رواية شعيب بن عبد الله بن عمرو في سماعه منه معروف، وإن صرح بالسماع في بعض المواضع، وعين مرجع الضمير في روايات عند أحمد والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، وعلى كل حال التوسط في مثل هذه السلسلة هو الأقوى والأظهر أنه يكون حسن؛ لكن يشترطون أن يصح الخبر، يصح السند إلى عمرو، وهنا فيه ضعف قبل عمرو بن شعيب، فيه المثنى بن الصباح وهو متروك، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف، وله طرق وآثار تدل عليه، وقد عمل به الصحابة، فهو مروي عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وجابر، فكلهم روي عنهم أن الوديعة أمانة، والمودع مؤتمن، والمؤتمن ليس عليه ضمان إلا إذا فرط، المؤتمن ليس عليه ضمان إلا إذا فرط، فإذا فرط فإنه يضمن، إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن، والإجماع واقع على أن الوديع ليس عليه ضمان، يعني المؤتمن ليس عليه ضمان إلا عند التفريط، إذا فرط فلا إشكال في كونه يضمن، وعلى هذا ما يودع من الأموال عند من يحفظها من أفراد أو مؤسسات أو بنوك تأتي بمبلغ من المال تودعه عند هذه الجهة، إذا أودعت عند البنك مبلغ من المال يضمن وإلا يضمن؟ نعم؟ يضمن؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 2629

إيش لون فرط؟ إيش لون يفرط، وهو عنده حصون وأغلاق وحرس؟ هل الأموال التي توضع في البنوك ويسمونها ودائع أو أمانات هل هي بالفعل أمانات أو قروض؟ إذا كنت قد جئت بالمال ووضعته في كيس فأخذه منك الوديع أو المؤتمن من بنك أو غيره فوضعه في كيسه، وكتب عليه اسمك، ولا يعرف كم عدده، ما فتح الكيس وعده وقال كذا ورماه مع أمواله، فإذا وضعه كما هو ولم يتصرف فيه فهو أمانة، لو تلف ما يضمن، لكن إذا كان أخذه منك وعده وقال: المبلغ كذا، وسجله ووضعه ورماه في صندوقه، يشتغل به، ويتاجر به، يرابح به، ويستعمله لخاصته مثل هذا يضمن؛ لأن هذه ليست سبيل الأمانة ولا طريقها، الأمانة لا يتصرف فيها، فإذا تصرف فيها واستفاد منها فإنه حينئذٍ يضمن؛ لأن الغنم مع الغرم، أما إذا وضعها كما هي في مكان آمن لا يخشى عليها من أحد فإنه حينئذٍ أمين، ولا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، فهل البنوك تأخذ الأموال على أساس أنها أمانات؟ هم يسمونها ودائع، لكن هل هي بالفعل وديعة وأمانة بحيث لا تضمن؟ أو هم يتصرفون فيها؟ يتصرفون إذاً يضمنون، يتصرفون فيها بنية الضمان، لكن لو جاء شخص بمال وقال: هذه عشرة آلاف أنا لست بحاجة لها، وإن تركتها عندي صرفتها في غير لازم، فلعلك تحفظها، ويقول: أنا أحفظها أمانة عندي، لكن أريد أن استعملها، قد أحتاج منها للنفقة فينفق منها، ويرد ما أنفقه، ينفق منها خلال الشهر فإذا استلم الراتب رد ما أنفقه، وكملت الأمانة ثم بعد ذلك جاء لص فسرقها، هل نقول: إن هذا تصرف؟ هذا متصرف أو غير متصرف؟ يعني قبل رد ما أخذه يضمن بلا شك، اقترض منها خمسة آلاف لينفق منها خلال الشهر فلما استلم راتبه رجع الخمسة آلاف، فلما رجعها ووضعها بالمكان الأمين سرقت، هل نقول: إن هذا متصرف أو غير متصرف؟ نقول: هل هذا التصرف مؤثر في الأمانة أو غير مؤثر؟ أما قبل إعادة المبلغ لا شك أنه يضمن، لو أخذ المبلغ هذا واشترى به سلعة، ثم بعد ذلك خسرت السلعة يضمن بلا شك، أو أنفق منه ما أنفق يضمن، لكنه أنفق منه وقد استأذن صاحبه أن ينفق منه، ويعيد إليه ما أنفقه في نهاية الشهر، بعد إعادته وربطه وكتابة اسمه عليه، وضعه في مكان آمن فسرق، فهل يضمن باعتباره تصرف أو لا يضمن

стр. 2630

باعتباره أنه أعاده كما كان وقد استأذن صاحبه؟ فالتصرف مأذون فيه، وهذا يحصل ممن يتولى الصدقات والنفقات في سبيل الله، بعض الناس يجمع إما للفقراء وإما لتفطير صائم مثلاً، أو لتحفيظ أو ما أشبه ذلك، أو لمشاريع لبناء مسجد، المسجد يحتاج إلى سنة عمارة، وعنده المبلغ ينفق منه ويصرف ويبيع ويشتري، ثم في النهاية يعيد، هل يجوز له أن يتصرف أو لا؟ وإذا استلم المبلغ ووضعه في مكان آمن لم يتعدَ فيه ولم يفرط لا يضمن لو تلف، لكن إذا كان ينفق منه ويتصرف ويبيع ويشتري ويتاجر ويضمن، لا بد أن يضمن مع هذا التصرف؛ لأن الخراج بالضمان، لكن هل يجوز له أن يستعمل هذه الأموال في مصالحه الخاصة مع غلبة الظن في إعادتها عند الحاجة إليها؟ يقول: المسجد يحتاج خمسمائة ألف مثلاً أو مليون، والمسجد يحتاج إلى سنة عمارة، ويقول: المليون جالس في البنك ليش يجلس؟ أنا أستفيد منه، ويغلب على ظنه أنه كلما طلب شيء للمسجد وفره، لا شك أن الأحوط والأبرء للذمة ألا يتصرف بشيء لا قليل ولا كثير، ولذا لا يجوز أن يخاطر بهذه الأموال؛ لأن بعض الناس في وقت الأسهم عنده أموال لتفطير صائم في رمضان مثلاً، ورمضان باقي عليه ستة أشهر عشرة أشهر مثلاً، يقول: لماذا لا ندخل هذه الأموال في المساهمات إذا جاء رمضان إلى أضعاف، ثم بعد ذلك حصل ما حصل، لا شك أن الضمان عليه، وأنه يغرم ما فات بسبب تصرفه، وعلى هذا الورع والأحوط بألا يتصرف بهذه الأموال بشيء، وإن تصرف فيها أو تلف شيء منها، أو فقد شيء منها لا بد من ضمانه، ولا بد من إحضاره في وقته، لا يتسبب في تأخيره، في النهاية قال المؤلف ﵀:
следующие страницы →