← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

يقول: "عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً" هذا الحديث مخرج في السنن عند أبي داود والنسائي، وهو في صحيح ابن خزيمة، وعند غيرهم، لكن المرجح أنه مرسل، ومعارض بما هو أقوى منه، وهو أن النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وسيأتي أنه يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، فالذكر يعق عنه بشاتين، والأنثى بواحدة، وهذا موضع من المواضع الخمسة التي فيها الأنثى على النصف من الذكر، من المواضع الخمسة التي فيها الأنثى على النصف من الذكر ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [(٣٦) سورة آل عمران] مهما قالوا، ومهما طنطنوا، ومهما أجلبوا على ما يريدونه ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [(٣٦) سورة آل عمران] شاءوا أم أبوا، هذا كلام الله -جل وعلا-، الأنثى على النصف من الرجل في خمسة مواضع، منها: العقيقة، ومنها الدية، ومنها الإرث، ومنها الشهادة، ومنها العتق، كم صارت؟ طالب: خمسة. خمسة، قد يقول قائل: إيش معنى العتق؟ يعني جاء في الحديث أن ((من أعتق غلاماً كان فكاكه من النار، ومن أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار)) فدل على أن عتق الجارية يعادل نصف عتق الغلام، وأما الإرث فواضح، والدية على النصف واضح، والعقيقة هنا عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، فالمرجح في حديث ابن عباس في هذا السياق الإرسال، مع أنه جاء عنه أن النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وختنهما. قال: "وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه" نحو حديث ابن عباس.

стр. 2732

والعقيقة كما سيأتي في الحديث الذي يلي هذا حديث "عائشة أن النبي ﵊ أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان" أمرهم، الأمر الأصل فيه الوجوب، لكن لم يقل بوجوب العقيقة إلا الظاهرية، وجماهير أهل العلم على أنها سنة، على أن العقيقة سنة، وخرج الإمام مالك حديثاً مرفوعاً بلفظ: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) فعامة أهل العلم على أن العقيقة سنة، لكنها سنة مؤكدة، سيأتي في حديث سمرة: ((كل غلام مرتهن بعقيقته)). قال: "وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة" رواه الترمذي وصححه" شاتان، يعني من هذا الجنس من الغنم، ولم يقصد بذلك تفضيل الأنثى؛ لأن النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين من الذكور كبشين كبشين، وكونه هنا أمر أن يعق عن الغلام شاتان، المقصود العدد لا الجنس "مكافئتان" يعني متشابهتان متقاربتان في السن والسمن واللون، لا يكون بينهما تباين في شيء ظاهر، نعم لا يوجد مطابقة تامة، لكن تكون متقاربتان، ولعل هذا من باب التفاؤل، أن تكون أخلاقه متقاربة متوازنة، هذا مما ذكره أهل العلم في هذا.

стр. 2733

"وعن الجارية شاة" يعني عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة واحدة، والسبب في ذلك أن النعمة في الموهوب إذا كان ذكراً أعظم منها إذا كان الموهوب أنثى، أعظم منها، ولذلك يكون الشكر على قدر النعمة، فهبة الله -جل وعلا- لعبده ذكراً أكبر وأعظم من هبته أنثى، ((من ابتلي بشيء من هذه البنات)) الرسول ﵊ سماه ابتلاء، وإن كانت البنت لا كما يقوله الجاهلي: "والله ما هي بنعم الولد" يقول إيش؟ نصرها بكاء، وبرها سرقة، تسرق من زوجها، لكن الواقع خلاف ذلك، والشرع أيضاً يقرر خلاف ذلك، وكم من بنت تعدل العدد الكبير من الأبناء، والشواهد على هذا ما يحتاج إلى أن تذكر، وكم من أب، وكم من أم، لا سيما في عصرنا وقبله يتمنى أنه لم يرزق ولد، وإنما رزق بنت، وهي أقرب قلب الوالدين، وهي أقرب إلى الحنو عليهما، والولد إذا تزوج ورزق الأولاد واستقل بنفسه قد ينسى والديه، لكن البنت ما تنسى، مهما انشغلت بزوجها وبيتها، يعني ليس الكلام على إطلاقه حينما يقال: إن الذكر يعني ... ؛ لأنه يظن أن ما دام من ابتلي بشيء من هذه البنات نعم هي حمل وعبئ على أبويها؛ لأنها لا تساعدهم في جلب نفقة، ولا تساعدهم على كسب أموال، لكنها مع ذلك صلتها بأبويها قد تكون أعظم من صلة الولد بأبويه؛ لأن الولد له ما يشغله من أمور الحياة، والبنت وإن اشتغلت بزوجها وولدها وبيتها فإنها في الغالب لا تنسى والديها، لما جبلت عليه من رقة وعطف، وكون الذكر أفضل من الأنثى المقصود به الجنس على الجنس، تفضيل جنس على جنس، وأما بالنسبة للأفراد فكم من امرأة تعدل الفئام من الرجال. أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير المعروف له بنت اسمها: نضار، وله ولد اسمه حيان، والبنت هذه أفضل بكثير من الولد، ماتت هذه البنت فألف كتاباً يتسلى به عنها، ولم يستطع؛ لأنها أديبة أريبة عاقلة فاهمة ذكية عندها شيء من التحصيل بخلاف أخيها، والآن إذا استعرضنا النتائج والتحصيل بين الجنسين وجدنا أنه في جنس النساء أظهر كثير جداً؛ لأنهن أفرغ بال من الأولاد، هذا بالنسبة لعموم الطلاب، أما بالنسبة لخصوص طلاب العلم، فطلاب العلم يتيسر لهم من وسائل التحصيل أكثر مما يتيسر للجنس الثاني.

стр. 2734

المقصود أن في كل خير، أنهم كلهم فيهم خير، والعبرة بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [(١٣) سورة الحجرات] وتفضيل الجنس لا يعني تفضيل الأفراد، فبإمكان المرأة الصالحة أن تفوق كثير من الرجال بعلمها وعملها وتقواها ونفعها، تكون أفضل من الأولاد، والإنسان بسعيه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [(٣٩) سورة النجم]. يقول الخطابي: المراد بالتكافؤ في السن، فلا تكون إحداهما مسنة، والأخرى غير مسنة، بل يكونان مما يجزئ في الأضحية، ومنهم من يقول: متكافئتان، يعني متقابلتان، معناه أن يذبح إحداهما مقابلة للأخرى، لكن هذا الكلم ليس بصحيح؛ لأننا نهينا عن ذلك أن تذبح وأختها تنظر إليها. "وأخرج أحمد والأربعة عن أم كرز الكعبية نحوه" نحو حديث عائشة، سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: ((عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة)) عند الترمذي، ((ولا يضركم أذكراناً كن أم إناثاً)) لكن المقرر في العقيقة أن الذكر أفضل من الأنثى؛ لفعله ﵊، وكذلك حينما عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين. بعد هذا حديث "سمرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى)) رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي". ((كل غلام)) ومثله الجارية، يعني كل مولود مرتهن، اختلف أهل العلم في معنى الحديث، والإمام أحمد يرى أنه موقوف في شفاعته لأبويه على العقيقة، فإن عق عنه أبوه شفع إن مات صغيراً، وإن لم يعق عنه لم يشفع، وبعضهم يقول: إنه مرتهن في تسليط الشيطان عليه، فإن عق عنه لم يسلط عليه، وإن لم يعق عنه سلط عليه، إلى غير ذلك من الأقوال، ولعل الأظهر ما قاله الإمام أحمد ﵀، مع أنه مروي عمن قبل الإمام أحمد، عطاء الخراساني، ومحمد بن مطرف، متقدمان عن الإمام أحمد، فيما نقله الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان، لكن الذي شهر هذا القول هو الإمام أحمد، فنسب إليه.

стр. 2735

((كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه)) وقت الذبح في اليوم السابع من الولادة، بعضهم يرى أنه وقت محدد لا يجوز قبله ولا يجوز بعده كوقت الصلاة وغيرها، إذا انتهى اليوم السابع ما تصح العقيقة، ولكن هذا هو الأولى، فإن فات السابع ففي الرابع عشر، فإن فات الرابع عشر ففي الحادي والعشرين، وقد جاء ما يدل على ذلك. ((ويحلق)) يحلق شعره، ويتصدق بوزنه، وهل يحلق شعر الأنثى كالذكر أو لا؟ منهم من يقول: المراد بالغلام هنا المولود، ويدخل فيه الأنثى، بدليل أن الارتهان للنوعين وللجنسين، فمثله الحلق، ومنهم من يقول: إن الحلق من خواص الذكور، فلا يحلق رأس الجارية. ((ويسمى)) ينتقى له الاسم المناسب الذي لا يزدرى به، ولا يستقذر، ولا يعير به، إذا تصفحنا كتب التراجم وجدنا بعض الأسماء في القديم والحديث أسماء قبيحة، أسماء ببعض الحيوانات، وأسماء ببعض الحشرات، لكن إذا كان الاسم محرماً يجب تغييره، وقد غير النبي ﵊ أسماء في وقته، أما إذا كان قبيحاً لكنه ليس بمحرم ينبغي تغييره، ومن الأصل على الأب أن ينتقي لولده ذكراً كان أو أنثى اسماً إذا نودي به لا يستبشع ولا يستقذر، والعرب في القديم والحديث -لا سيما البادية- لا يهتمون بهذه الأسماء، وكأنهم يرون أن التسمية بهذه الأسماء القبيحة تخيف العدو، إذا دعي يا فلان، سموا كلب، وسموا حمار، وسموا جعل، وجعيل، سموا هذه الأسماء، لكن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن. يجوز التسمية بأسماء الأنبياء، وأسماء الملائكة، يعني ما لم يدل ذلك على شيء من التزكية. هذا الحديث جاء في بعض ألفاظه بدل "يسمى" "يدمى" يعني يؤخذ شيء من دم العقيقة ويوضع على رأس المولود، وهذا تصحيف، هذا تصحيف صوابه "يسمى" قد أمر بإماطة الأذى عنه ((أميطوا عنه الأذى)) فكيف يلوث بهذا الدم النجس؟ والحديث على كل حال من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة، منهم من يرى أنه لم يسمع منه مطلقاً، ومنهم من يرى أنه سمع منه مطلقاً، ومنهم من يقول: إنه سمع منه حديث العقيقة هذا.

стр. 2736

وفي البخاري عن حبيب بن الشهيد قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمعت حديث العقيقة؟ فقال: من سمرة، فدل على أنه سمعه منه، وإن لم يسمع منه غيره، وبعضهم يثبت السماع مطلقاً لسماعه هذا الحديث، والحسن البصري إمام، رأس من رؤوس التابعين، إمام علم وعمل، لكنه موصوف بالتدليس، فهذا الحديث الذي صرح بسماعه من سمرة هذا لا يشك في سماعه منه، لكن بقية الأحاديث لا بد أن يصرح ﵀، التدليس وجد في الكبار، وجد عند بعض الأئمة لأمور ومقاصد ارتكبوا من أجله هذا التدليس، وليس بشيء إذا قيس بإمامتهم وعلمهم وعملهم، وإلا فالأصل أن التدليس قادح، لكن يغتفر في جانب إمامتهم؛ لأن من المدلسين من اغتفر الأئمة تدليسه، إما لقلة تدليسه، أو لإمامته، فلا يذم الحسن أو سفيان أو غيرهما بهذه الصفة لما يتحلون به من إمامة في العلم والعمل، ومقاصدهم -مقاصد المدلسين- مختلفة، منهم من يكون هدفه التغطية والتلبيس على السامع حينما يسقط الراوي الضعيف الذي حدثه ويرتقي لمن فوقه بصيغة موهمة، والأمور بمقاصدها، أحياناً يسقط الضعيف لثبوت الخبر عند المدلس، فلو ذكر هذا الضعيف صار سبباً في صد الناس عنه، فيسقط هذا الضعيف؛ لأن الخبر ثابت عنده، فلو ذكرت الواسطة هذا الضعيف تركه الناس، وأحياناً يكون بالعكس الخبر ضعيف، ويريد أن يمشيه على السامع بإسقاط هذا الضعيف، وهو يختلف باختلاف المقاصد، يعني العالم أو طالب العلم حينما يسأل مثلاً عن كتاب، إذا بين كل ما فيه زهد فيه طلاب العلم، فهل يلزمه أن يبين كل ما في الكتاب من عيوب وأخطاء؟ ما يلزمه، لا سيما إذا كان السامع لا يستوعب، ولذا لا يحسن إفراد أخطاء الكتب التي نفعها عظيم في الأمة، يعني ليس من المستحسن، ولا من المستساغ أن تفرد أخطاء ابن حجر في فتح الباري في مجلد مثلاً يزهد الناس فيه، وإذا أشكل عليهم شيء في الصحيح وقيل: اذهب إلى فتح الباري، قال: إيش فتح الباري كله أخطاء؟ هذا نفعه عظيم، وما فيه من مخالفات أشياء مغتفرة في جانب هذا النفع العظيم، ولا يمنع أن يعلق على هذه الأخطاء في ثنايا الكتاب، ويبين الحق فيها، لكن تبرز هذه الأخطاء من أجل أن يزهد فيه طلاب العلم هذا ليس بمنهج، هذا إذا كان النفع

стр. 2737

في الكتاب أعظم بكثير من الضرر، والضرر مغتفر، بينما إذا كان العكس، إذا كان الضرر هو الظاهر فلا مانع أن تبرز الأخطاء، ويحذر منه طلاب العلم؛ لأن الأمة لا تفقد شيء ولا تخسر شيء إذا زهد فيه طلاب العلم، يعني لا مانع أن تفرد أخطاء الرازي في تفسيره؛ لأن ضرره كبير على طلاب العلم، أو الزمخشري في تفسيره، فالأمة في غنية عن هذين التفسيرين، وإن كان فيهما فوائد، لكن لا يليق بطالب العلم المتوسط أن يقرأ في هذين الكتابين، وقل مثل هذا في كثير من الكتب، بعض الكتب الأمة لا تخسر شيء إذا فُقد، وبعضها خسارة فادحة إذا انصرف عنه طلاب العلم، ومن هذا النوع بعض العلماء تجده لحسن مقصد يحذف الراوي الضعيف من أجل أن يعمل الناس بهذا الحديث الذي ثبت عنده، لكن لو مشّى حديث غير ثابت بهذه الطريقة صار غش وتلبيس على الناس، وإيهام لما لا يصح بالصحة. على كل حال هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة، وقد ثبت سماعه له، وصرح فيه بسماعه منه. مما يذكر في هذا المجال، وأشار إليه الشارح، ويسأل عنه كثيراً ثقب أذن الصبية من أجل التحلي، جزم بعضهم بتحريمه؛ لأنه اعتداء عليها، وإضرار بها، وأذى وألم، ولا يجوز مثل هذا إلا فيما يضطر إليه، الحجامة وإلا فصد وإلا عملية جراحية لضرورة هذا الطفل إليها، أما مجرد التحلي فهو كمال وتحسين، لا يسلك فيه مثل هذا الأذى، وهذا الضرر، وصرح بهذا الغزالي في الإحياء، لكن عامة أهل العلم على جوازه، وأنه موجود ومتوارث قبل النبوة من عهد الجاهلية، واستمر الأمر على ذلك في صدر الإسلام، وما يلي ذلك إلى وقتنا هذا من غير نكير، وضررٌ مغتفر، ضرر يسير فهو مغتفر في جانب التحلية التي هي مطلوبة بالنسبة للأنثى ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [(١٨) سورة الزخرف] هذه من خواص النساء، فيغتفر مثل هذا الضرر، وأمره سهل.

стр. 2738

يذكرون أيضاً الألقاب التي شاعت بعد القرون المفضلة بين أهل العلم التي تدل على التزكية، تقي الدين، ولي الدين، نصير الدين، غيرها من الأسماء من الألقاب، وهي تدل على التزكية، وكون الإنسان يسمي نفسه، أو يلقب نفسه بشيء من هذه الألقاب لا شك أنه يزكي، وقد نهينا عن تزكية النفس ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [(٣٢) سورة النجم] لكن كونه يشتهر بين الناس بالعلم والفضل، ويلقب بلقب مناسب لما اشتهر به من قبل غيره ويتداوله الناس، هذا وجد في خيار الأمة، لكن صدر الأمة، صدر هذه الأمة، وعهد السلف ما يوجد شيء من هذه الألقاب، قال أبو بكر، قال عمر، قال أحمد، قال الشافعي، قال أبو حنيفة، قال مالك، ثم بعد ذلك توسع الناس، فتجد في كتب التراجم بعضهم يستوعب أكثر من سطر في ذكر الألقاب والثناء على بعض أهل العلم لمن يستحق، ثم استدرج الناس فذكروا ألقاباً نقيض ما يتصف به الإنسان، قالوا: نصير الدين الطوسي، كما يقول ابن القيم: نصير الشرك والضلال، كيف يقول نصير الدين؟! وغيره كثير، تدعى لهم هذه الألقاب التي لا يستحقونها، وهي زور وبهتان، ثم جاءت الألقاب التي اعتمد بعض الناس عليها، واكتفوا بها، اغتراراً بهذه الشهادات التي سعوا إلى الحصول عليها، ولقبوا بها، وصار بعضهم لا يرضى أن يسمى باسمه المجرد الذي رضيه له أبوه، وصار الناس يسمعون المدح والثناء في الوجه لمن يستحق ومن لا يستحق، ولا تجد من ينكر، كل هذا خلاف ما جاءت به السنة، وما درج عليه سلف هذه الأمة ...

стр. 2739

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: بلوغ المرام - كتاب الأيمان والنذور (١) الشيخ: عبد الكريم الخضير سم. وقال الحافظ -رحمه الله تعالى- أيضاً: كتاب: الأيمان والنذور عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) متفق عليه. وفي رواية لأبي داود والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا تحلفوا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)). وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((يمينك على ما يصدقك به صاحبك)) وفي رواية: ((اليمين على نية المستحلف)) أخرجهما مسلم. وعن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)) متفق عليه، وفي لفظ للبخاري: ((فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)). وفي رواية لأبي داود: ((وكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير)) وإسنادهما صحيح. وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه)) رواه الخمسة، وصححه ابن حبان. وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: كانت يمين النبي ﷺ : ((لا، ومقلب القلوب)) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع مال امرئ مسلم)) ... فذكر الحديث؟ سم رعاك الله. فذكر الحديث فذكر الحديث، وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ لا، وفيه اليمين الغموس. أحسن الله إليك. قلت: وما اليمين الغموس؟ فذكر الحديث وفيه. اليمين الغموس. فذكر الحديث وفيه اليمين الغموس، قال: ((الذي يقتطع مال امرئ مسلم)) ...

стр. 2740

قلت: وما اليمين الغموس؟ بعدها، قلت: وما اليمين الغموس؟ نعم. أحسن الله إليك. فذكر الحديث وفيه اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)) أخرجه البخاري. وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [(٨٩) سورة المائدة] قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله" أخرجه البخاري، وأورده أبو داود مرفوعاً. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله تسعاً وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)) متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة. وعن أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء)) أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان. يكفي، يكفي. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب: الأيمان والنذور الأيمان: جمع يمين، بفتح الهمزة بخلاف الإيمان بكسرها، الأيمان جمع يمين، والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً، واليمين هي الحلف، والقسم، أصلها أنهم إذا تحالفوا قبض كل واحد على يمين صاحبه. والنذور: جمع نذر، وأصله إيجاب المكلف على نفسه ما لم يجب في أصل الشرع، إيجاب المكلف على نفسه ما لم يجب عليه بأصل الشرع.

стр. 2741

يقول -رحمه الله تعالى-: "عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب" عن ابن عمر عن رسول الله ﵊ "أنه أدرك عمر بن الخطاب" يعني ابن عمر ينقل عن النبي ﵊ أنه أدرك، فهو ينقل عن النبي ﵊، ولا يلزم من ذلك حضوره القصة؛ لأنه لو قال: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، قلنا: إنه حضر القصة، لو قال: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر، قلنا: إن ابن عمر أدرك القصة وحضرها، لكن هو هنا ينقل عن النبي ﷺ "عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب" فكأن النبي ﷺ حدثه بذلك؛ لأن اختلاف الصيغة بين (عن) و (أن) يختلف فيها كيفية التحمل، وذكرنا مراراً ما قاله ابن الصلاح نقلاً عن الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة عن محمد بن الحنفية أن النبي ﷺ مر بعمار، والرواية الأخرى: عن محمد بن الحنفية عن عمار أن النبي ﵊ مر به، قالوا: (عن) متصل، و (أن) منقطع، ونسبوا ذلك لاختلاف الصيغة، وأن (عن) محمول على الاتصال، و (أن) محمولة على الانقطاع. سبب الاتصال والانقطاع هو السياق، وليس مرده الاختلاف في (عن) و (أن) ولذلك لما قرر ذلك ابن الصلاح قال الحافظ العراقي: . . . . . . . . . ... كذا له ولم يصوب صوبه يعني ما أدرك السبب في الحكم بالانقطاع والاتصال، لما قال: عن محمد بن الحنفية أن النبي ﵊ مر بعمار، محمد بن الحنفية أدرك القصة وإلا ما أدرك؟ ما أدرك، تابعي محمد بن الحنفية، وحينما قال: عن محمد بن الحنفية عن عمار أن النبي ﵊ مر به القصة متصلة؛ لأن محمد بن الحنفية وهو تابعي ينقل القصة عن صاحبها. وهنا: "عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب" ابن عمر ينقل عن النبي ﵊ أنه حصل كذا لعمر، فقال النبي ﵊ كذا، بسبب حلف عمر ﵁.

стр. 2742

"عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب" جمع راكب، مثل صحب جمع صاحب "في ركب، وعمر يحلف بأبيه" يعني على عادتهم في الجاهلية، وهذا قبل النهي "يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) " ما قال: يا عمر لا تحلف بأبيك، هذه طريقته ﵊ حينما يبلغه منكر، وكثيراً ما يقول: ((ما بال أقوام؟ )) وهو يعرف القائل، لكن ما يلزم في الخطبة أن يقول: أنت يا فلان قلت كذا، وهذا حرام، لكن أحياناً قد يحتاج إلى التصريح، شخص مرتكب لمنكر، وضرره متعد، يجب التحذير منه، قال الخطيب: ما بال أقوام؟ ما بال أقوام؟ في خطبة، خطبتين، ولا انتهى، مثل هذا يكشف ويفضح من أجل أن يرتدع، يعني في أول الأمر يقال: ما بال أقوام؟ مرة، مرتين، لكن إذا استمر واسترسل فلم يستح من الله -جل وعلا-، ولا من خلقه هذا لا يستحيا منه، يُكشف، وجاء ما يدل على ذلك. الرسول ﵊ ناداهم قائلاً: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) لأن الحلف بغير الله شرك، كما جاء في الحديث: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) لأن هذا التعظيم باليمين لا يكون إلا لله -جل وعلا-، ولا يجوز أن يشرك معه غيره، هذا اليمين المقرون بحروف القسم، لو قال: لعمري مثلاً، قالوا: هذا مشعر بقسم وليس بقسم، ونص أهل العلم على جوازه، وهو لا يقسم بعمره، لكن إذا قال: وفلان، وأبيه، وأمه، والأمانة، والكعبة، ومحمد، وما أشبه ذلك يقسم بذلك هذا لا يجوز بحال، محرم. قال: ((ألا إن الله ينهاكم)) ألا: أداة تنبيه، ((إن الله)) توكيد ((ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) ولا غير الآباء، لا يجوز الحلف إلا بالله -جل وعلا-، باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.

стр. 2743

((فمن كان حالفاً)) من احتاج إلى يمين ليؤكد كلامه ((فليحلف بالله)) وثبت عن النبي ﵊ أنه حلف في مواطن عديدة، ذكر ابن القيم في الهدي أنه حلف في نحو ثمانين موضعاً، حلف في نحو ثمانين موضعاً، الحلف على الأمور المهمة جرى منه ﵊ من غير استحلاف، مع أننا نهينا أن نجعل الله -جل وعلا- عرضة لأيماننا، وأن يكون الحلف بالله من أيسر الأمور عندنا، لا، يكون على الأمور المهمة، فإذا احتيج إليه فلا مانع منه، وقد يندب إليه إذا أريد تأكيد حكم من الأحكام الشرعية، أو أمر من الأمور التي لا تتحقق إلا به. ((فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) وعامة أهل العلم على تحريم الحلف بغير الله، وإن شذ بعضهم وقال: إن الله -جل وعلا- حلف وأقسم ببعض مخلوقاته، استدل بذلك على جواز ذلك، وأن النهي للكراهة، الله -جل وعلا- له أن يحلف بما شاء من خلقه، بخلاف المخلوق المكلف بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. ((فليحلف بالله أو ليصمت)) لا يتكلم، لا يحلف. قال: "وفي رواية لأبي داود والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم)) " فضلاً عن غيرهما، يعني أعظم الناس عند المرء أبوه وأمه، فإذا منع من الحلف بهما فلئن يمنع من الحلف بغيرهما من باب أولى، مع أنه مأمور أن يعظم والديه، ويحترم والديه، لكن لا يصل هذا الاحترام، وهذا التعظيم إلى أن يحلف بهما، أو يصرف لهما شيء من حقوق الرب ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [(١٥) سورة لقمان] لا يجوز طاعتهما في مثل هذا. ((ولا بالأنداد)) التي تجعل لله -جل وعلا- مشابهة ومساوية، ونظيرة لله -جل وعلا-، فلا يجوز الحلف باللات ولا بالعزى، ومن حلف بشيء من ذلك عليه أن يتشهد، ويحقق توحيده بلا إله إلا الله من جديد؛ لأنه أشرك.

стр. 2744

((ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله)) بهذا الاسم، وفي حكمه غيره من الأسماء، والصفات الثابتة لله -جل وعلا-، ((ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)) لأن الكذب حرام، الكذب محرم، فكيف إذا أكد باليمين؟ يزيد التحريم، لكن الحلف بالله -كما قال ابن مسعود- كاذباً أيسر وأسهل من الحلف بغيره وإن كان صادقاً، كلاهما محرم، لكن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، وحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، ((ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)) ((من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)) وهذا يؤيد ما جاء في الحديث أن ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)). قد يقول قائل: جاء في صحيح مسلم قوله ﵊: ((أفلح وأبيه إن صدق)) وهذا محمول عند أهل العلم أنه قبل النهي، أو كما قال السهيلي وغيره: إن الأصل: "وأبيه والله" فقصرت اللامان، فتصحفت الكلمة، وأبيه والله في الصورة قريبة، ويقرر بعض أهل العلم أنه رأى في نسخة عتيقة من صحيح مسلم أنها "أفلح والله إن صدق" مع أن القسم لا يوجد في البخاري، مع أن القصة موجودة في البخاري، والقسم لا يوجد في البخاري. يقول -رحمه الله تعالى- بعد هذا: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يمينك على ما يصدقك به صاحبك)) وفي رواية: ((اليمين على نية المستحلف)) أخرجهما مسلم"

стр. 2745

إذا كان لشخص على آخر حق، دين، فطلب منه اليمين، صاحب الدين ليست عنده بينة، وإذا لم توجد البينة عند المدعي اتجه اليمين إلى المدعى عليه، المنكر، تلزمه اليمين، وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين ردت اليمين إلى المدعي في قول جمع من أهل العلم، فالمدعى عليه إذا حلف قيل له: احلف، زيد يدعي عليك بأن في ذمتك له مبلغ من المال، قدره ألف، أو مائة ألف، أو أكثر أو أقل، قال: ما عندي له شيء، طيب يا زيد هات البينة؟ والله ما عندي بينة، أنا أقرضته ما عندنا أحد إلا الله -جل وعلا-، تحلف يا عمرو أنه ما أقرضك شيء؟ قال: يحلف، والله ما أقرضني شيء، ويقصد في المكان الفلاني، أو في الشهر الفلاني، ينفعه هذا التأويل وإلا ما ينفع؟ هذا لا ينفع؛ لأنه على نية المستحلف لا على نية الحالف، هذا إذا كان ظالماً، أما إذا كان مظلوماً، إذا كان مظلوماً له أن يتخلص باليمين مع التورية، وحينئذٍ ينتفع إذا كان مظلوماً، أما إذا كان ظالماً فإن اليمين على نية المستحلف. قال ﵀: "وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)) " كفر عن يمينك، يعني إذا حلفت على فعل محرم، أو ترك واجب يجب عليك أن تحنث في يمينك، وتكفر عنه، أو تكفر ثم تحنث، أو تحنث ثم تكفر؛ لأنه قال في الرواية الأولى: ((كفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)) وفي لفظ: ((فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)) ((فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير)) هذا إذا حلف على ترك واجب، أو فعل محرم، أقسم ألا يزور أباه أو أخاه أو أمه يجب عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير؛ لأن الصلة خير، واجبة، وقطيعتها محرمة، وكذلك إذا حلف ألا يصلي أو لا يصوم، يجب عليه أن يكفر عن يمينه، ثم يأتي الذي هو خير.

стр. 2746

إذا حلف على فعل مكروه أو ترك مستحب، حلف ألا يوتر مثلاً، أو لا يصلي الضحى، أو حلف أن يرتكب شيئاً مكروهاً الذي لا يصل إلى حد التحريم فإنه حينئذٍ ينبغي له أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير، بخلاف ما إذا حلف على فعل واجب، أو حلف على ترك محرم، فإنه يجب عليه أن يستمر على حلفه، ولا يجوز له أن يحنث؛ لأن الفعل محرم من الأصل، ترك الواجب محرم، وفعل المحرم لا يجوز، ثم يزداد بعد ذلك شدة بهذه اليمين التي عقدها على نفسه، أما إذا حلف على شيء مباح فعلاً أو تركاً، فالأمر بيده، هو مخير، إن أراد أن يستمر يستمر على يمينه، وإن أراد أن يحنث في يمينه ويكفر فالأمر إليه، لا سيما إذا رأى أن عدم الاستمرار هو الخير بالنسبة له. ((وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)) الرواية الأخرى ((فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)) قلنا في درس مضى: إنه إذا كان للعبادة سبب وجوب ووقت وجوب، في أي مناسبة قيل هذا؟ هاه؟ طالب:. . . . . . . . . نحر الهدي، إذا كان للعبادة سبب وجوب ووقت وجوب، سبب وجوب الكفارة انعقاد اليمين، ووقت وجوبها الحنث، قالوا: لا يجوز فعلها قبل السبب اتفاقاً، لا يجوز أن تبذل كفارة يمين قبل أن تحلف، قبل سبب الوجوب، ولا تذبح الهدي قبل الدخول في الإحرام الذي هو سبب الوجوب، ويجوز بعد الوقت، يعني بعد دخول الوقت بالاتفاق وقت الوجوب الذي هنا، وهنا الحنث، يعني يحنث يخالف ما حلف عليه فعلاً أو تركاً، ثم يكفر هذا لا إشكال فيه بالاتفاق يجزئه. لكن إن كفر قبل الحنث بعد سبب الوجوب وقبل وقت الوجوب؟ مقتضى الروايات التي بين أيدينا جواز ذلك، وقال به جمهور أهل العلم، جمهور أهل العلم، ومنهم من يرى أن فعل الشيء قبل وقته لا يصح ولا يجزئ، كما لو صليت قبل دخول وقت الصلاة، إلى الآن ما تعين عليك كفارة فكيف تكفر؟ قبل وقت الوجوب لا تجزئ، لكن جمهور أهل العلم على الجواز، والقاعدة هذه في قواعد ابن رجب، ينبغي لطالب العلم أن يراجعها، ولها فروع كثيرة جداً، تنفع طالب العلم، فيها فروع يحتاج إليها.

стр. 2747

((فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)) هذا في الصحيحين "وفي لفظ للبخاري: ((فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)) " قد يقول قائل: إن الواو لا تقتضي ترتيب، فتحمل الرواية الثانية على الأولى أو العكس، لا سيما وأنه في رواية أبي داود قال: ((فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير)) فتحمل الرواية الثانية على الأولى؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، بدليل الرواية الأخيرة رواية أبي داود، لكن ورود الخبر بهذه الصفة وهذه الصيغة يدل على جواز الأمرين. قال: "وإسنادها صحيح" وإسنادها وليس إسنادهما، يعني نسخة الشارح إسنادهما بالتثنية، لكن الصواب "وإسنادها" وعلى هذا أكثر نسخ البلوغ، وهذا هو الصحيح المتجه؛ لأننا لا نحتاج أن نقول: رواية البخاري إسنادها صحيح، لا نحتاج أن نقول: رواية البخاري إسنادها صحيح، هذا من العبث أن نقول: إسنادها صحيح؛ لأنه يفهم منه أننا إذا ذكرنا رواية للبخاري ولم نقل: إسنادها صحيح أن فيها ما فيها، ويخطئ من يقول: أخرجه البخاري وهو صحيح، أو بإسناد صحيح، لا نحتاج إذا كان الحديث مخرج في الصحيحين، أو في أحدهما أن نصحح، الأمة تلقت الكتابين بالقبول، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله -جل وعلا-، والتطاول إلى هذا الحد أن نصحح ما في الصحيح لا شك أنه ليس بمحله، ولذا صواب العبارة: "وإسنادها" يعني رواية أبي داود "صحيح" لأن سنن أبي داود لم تلتزم فيه الصحة، فيه الصحيح والحسن والضعيف، فيحتاج إلى بيان الصحيح من غيره، أما ما في الصحيحين أو في أحدهما فهذا لا يحتاج أن نقول: صحيح. من أهل العلم من يفرق بين الكفارة إذا كانت بالعتق أو الإطعام فيجوز تقديمها قبل الحنث، وبين ما إذا كانت بالصيام فلا يجوز تقديمها على الحنث؛ لأن الصيام عبادة لا يجوز ولا يصح قبل وقته، كما لو صام بعض رمضان في شعبان، أو صلى صلاة قبل دخول وقتها، لكن أكثر أهل العلم على جواز الكفارة بجميع خصالها سواءً كان العتق أو الإطعام أو الكسوة أو الصيام.

стр. 2748

قال ﵀: "وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه)) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان" ((قال: إن شاء الله)) هذا الاستثناء ينفع ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله)) كما حلف سليمان ﵇ أن يطأ نساءه تلد كل واحدة منهن فارساً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فما الذي حصل؟ ما ولدت واحدة منهن إلا واحدة جاءت بشق ولد؛ لأنه لم يستثن، وهنا الاستثناء ينفع، لماذا؟ لأن الأمر إذا علق بالمشيئة يتبين عند حصوله أو عدمه، فإن حصل فإن الله -جل وعلا- قد شاءه، وإن لم يحصل فإن الله -جل وعلا- حينئذٍ لم يشأ، والمراد بذلك المشيئة الكونية التي علمها عند الله -جل وعلا-، ما تتبين إلا بعد ظهور ما رتب عليها، منهم من يقول: إذا حلفت على أمر مطلوب شرعاً لا ينفعك أن تقول: إن شاء الله، لماذا؟ لأن الله قد شاءه وأراده، فلا ينفعك الاستثناء حينئذٍ، نظراً إلى المشيئة الشرعية، لكن مقتضى الحديث أن الملحوظ والمنظور إليه الإرادة والمشيئة الكونية. نظير هذا إذا قيل لك: أقرئ فلاناً مني السلام، فقلت: إن شاء الله، ما أقرأته السلام، يعني يلزمك أن تقرأه السلام؛ لأنك التزمت للشخص؟ لكن علقته ... ، ما شاء الله أني أقرئه منك السلام، فتكون حينئذٍ بالخيار، ما تلزم نفسك بغير لازم، إذا قال لك: أقرئ فلاناً مني السلام، وقلت: أبشر، من دون مشيئة، أنت الآن التزمت للرجل، لكن إذا قلت: إن شاء الله خرجت من العهدة، فإن أقرأته فقد شاء الله منك أن تقرئه السلام، وإن لم تقرئه فقد شاء الله منك ألا تقرئه. ومثل هذا اليمين، إذا قلت: إن شاء الله بنية التعليق لا بنية التبرك، فإنك تنتفع بهذا التعليق، ولا بد أن تقول، ما يكفي أن تضمر في نفسك إن شاء الله؛ لأن قال: ((فقال: إن شاء الله)) يعني قالها لفظاً.

стр. 2749

الأمر الثاني: أن يكون هذا التعليق متصل بالكلام، ما تقول: والله لأفعلن كذا، ثم من الغد تقول: إن شاء الله، وإن جاء عن ابن عباس أن التعليق ينفع ولو بعد سنة، لكن قال أهل العلم لو قيل بهذا ما حنث أحد، قبل أن يرتكب ما حلف عليه يقول: إن شاء الله، على رأي ابن عباس، هذا لا ينتفع به، لا بد أن يكون التعليق بالمشيئة متصل بالكلام، لا يمنع الانقطاع الاضطراري، انقطع ليتنفس، انقطع ليسعل، أو يتثاءب مثلاً، أو يعطس، هذه أمور خارجة عن الإرادة فهي في حكم المتصل. الاستثناء في الإيمان، إذا قال: مؤمن إن شاء الله، هذه مسألة كبيرة من مباحث الإيمان، وفيها خلاف بين أهل العلم، منهم من يراها من عظائم الأمور، ومنهم من يرى الجواز، إن كان قوله: إن شاء الله مراده بذلك التبرك فلا إشكال، ولا يترتب عليه شيء، لكن إن كان مراده التعليق إن شاء الله، التعليق بالمشيئة، ويش يترتب عليه؟ تعليق الإيمان بالمشيئة، وبعض الناس في كثير من أحواله، أو في أكثر أحواله التعليق، هل جاء فلان؟ يقول: إن شاء الله، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . إيه نعم الذين يرون منعها يرون أنه متراخ في إيمانه، والذي يقول: إن شاء الله تجد من لفظه أنه غير جازم بما يخبر به، هذا سبب المنع ممن منع، ومنهم من يقول: إن المشيئة مشيئة الله -جل وعلا-، وللمؤمن الإيمان حاصلة، واجتمعت في إيمان المؤمن المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما المانع من تعليقه بهذه المشيئة؟ ولا يكون فيها شيء من التردد أو التراخي والتساهل في أمر الإيمان الذي هو عقد قلب ينبغي أن يكون جازماً فيه لا يرتابه أي ريب ولا تردد.

стр. 2750

منهم من يسمي من يعلق إيمانه بالمشيئة يسميهم شكاكة، حتى أنه سئل بعضهم عن الزواج بمن يعلق بالمشيئة فأبدى في المسألة احتمالين، الأول: لا، لأنه من الشكاكة، والثاني: نعم، قياساً على الذمية؛ لأن المسألة يعني حسب تصور أهل العلم لها، وكل ينظر إليها من زاوية لا شك أنها من كبار المسائل، وهنا إذا قال: إن شاء الله لا حنث عليه، لماذا؟ لأنه إن فعل فقد شاء الله أن يفعل، وإن ترك فقد شاء الله أن يترك، هذا إذا نظرنا إلى المشيئة الكونية، أما المشيئة الشرعية فلا يدخل فيها المأمور؛ لأن الله قد شاءه. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . ويش يقصد؟ تبرك وإلا تعليق؟ طالب:. . . . . . . . . على ما يصدقه به صاحبه، ما تنفعه التورية إذا كان ظالماً، وإذا كان مظلوماً نفعته على ما تقدم. يقول ابن العربي: أجمع المسلمون بأن قوله: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً. وقوله: ((فقال)) يدل على أنه لا بد من النطق في هذا الاستثناء، لا بد منه؛ لأنه رتب على القول، ولذا قال أهل العلم في قوله ﵊: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) وأنه لا يكفي أن يعتقد في قلبه ولا يتلفظ، لا بد أن يقول، لا بد أن ينطق، وهنا يقال: لا بد أن ينطق. قال بعض المالكية: يجوز الاستثناء بالنية من غير لفظ، يعني يستثني بقلبه، ولكن الحديث صريح في القول ((فقال)) ولا يترتب الأثر إلا على القول، ومثله الأذكار من قال كذا فله كذا، لا يكفي أن يذكر بقلبه لا بد أن يتلفظ به. قال: وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء من غير لفظ، قال الشارح: "وإلى هذا أشار البخاري وبوب عليه: باب النية في الأيمان، لكن صريح القول لا ينطبق إلا على من تلفظ به".

стр. 2751

قال ﵀: "وعنه ﵁ قال: كانت يمين النبي ﷺ : ((لا، ومقلب القلوب)) " تقدم النقل عن ابن القيم ﵀، وأنه استقرأ الأيمان والأقسام النبوية، فبلغت عنده نحو ثمانين موضعاً، وكثيراً ما يقول: ((لا ومقلب القلوب)) ((والذي نفسي بيده)) ((والذي نفس محمد بيده)) ((لا ومصرف القلوب)) هذه كثيراً ما يقولها، كثيراً ما يقول: ((والذي نفسي بيده)) ((والذي نفس محمد بيده)). كان النبي ﵊ يواظب على هذا اليمين ((لا، ومقلب القلوب)) والفائدة من ملازمة أو الإكثار من هذه اليمين التذكير بمضمون اليمين، وهو أنه ينبغي أن يستحضر الإنسان أن قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يتكل على عمله، أو على ما هو فيه من استقامة والتزام؛ لأنه كم من مهتد قد ضل، وكم من مسلم قد ارتد، وكم من ضال قد اهتدى، وكم من مستقيم خرج عن حد الاستقامة إلى الفسق والعكس، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. يعني الإكثار من هذه اليمين تذكر السامع، وتذكر المتكلم بمعنى مقلب القلوب، مصرف القلوب، تجعل الإنسان على خوف وعلى وجل من سوء العاقبة، وأن يستحضر دائماً الدعاء بالثبات على الاستقامة إلى الممات؛ لأن القلوب بيد الله، يقلبها كيفما شاء. القلوب المرادة هنا ليس المراد بها ذواتها، يعني ليس القلب بدل ما هو منكوس يعتدل، أو يذهب يمين، أو شمال، لا، إنما المراد أحوالها، المراد تقلب أحوالها من استقامة إلى ضدها، من كفر إلى إسلام، من إسلام إلى ضده، لا سيما في أوقات الفتن التي تضل الناس كقطع الليل المظلم ((يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا)) ولذا على الإنسان أن يلهج في جميع أحواله، ويدعو الله -جل وعلا- بالثبات، ومثل ما تقدم أن اليمين تجوز بجميع أسماء الله الحسنى وبصفاته الثابتة له في كتابه وسنة نبيه ﵊. يقول: ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية في حربه للتتار أنه قال: "والله لنغلبنهم هذه المرة، فقيل له: قل إن شاء الله، فقال: أقولها تحقيقاً لا تعليقاً، فعلى أي وجه يحمل قوله؟

стр. 2752

هذا من باب ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) لكن لا يحسن من كل إنسان أن يبتلي نفسه ويختبر نفسه، لا بد أن تظهر للإنسان علامات وقرائن تدل على أنه صادق مع الله -جل وعلا-، وإلا على الإنسان ألا يبتلي نفسه ويمتحنها بمثل هذه المواقف، وبمثل هذه المضايق؛ لأن فيه نوع تزكية، ومثل هذا الكلام لا شك أنه مما تضيق فيه الأنظار؛ لأنه قد يقول قائل: إن شيخ الإسلام يزكي نفسه، حيث ادعى أنه ممن لو أقسم على الله لأبره، فمثل هذا لا ينبغي أن يقدم عليه الشخص إلا إذا ظهر له بقرائن أنه صادق مع الله -جل وعلا-، وجرب ذلك سراً قبل أن يجربه علناً؛ لأن بعض الناس يقول: بين الآخرين في مجلس من المجالس: اللهم إن كنت مخلصاً لك فاقبضني إليك الآن، طيب ما قبض، هل معناه أنه غير مخلص؟ يعرض نفسه للابتلاء، يعرض نفسه لشيء لا يطيقه، ولا داعي لمثل هذا الكلام، نعم إذا احتيج إلى ذلك؛ لأنه في بعض المواطن قد يحتاج الإنسان لمثل هذا، يعني بعض الدعاة دعا قبيلة كاملة إلى الإسلام، فقيل له: إن دعوت الله أن يغيثنا فاستجاب الله دعاك أسلمنا، فعلى الإنسان أن يحتقر نفسه، طيب افترض أنه دعا ولا سقوا، ويش النتيجة؟ النتيجة أنه لو كان في احتمال أنهم يسلمون ينتفي هذا الاحتمال، لكن رجح أنه ينكسر بين يدي الله -جل وعلا-، وعلم الله -جل وعلا- منه صدق النية فأغاثهم ... ، لكن هذه مواطن محاك، هذه محاك لا ينبغي للإنسان في وقت السعة أن يتعرض لها، وكلام شيخ الإسلام لا شك أنه داخل في قوله ﵊: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه اليمين الغموس. عد الكبائر لا على سبيل الحصر، وليست محصورة بسبع، كما قال ابن عباس: إلى السبعين أقرب، ومن ألف في الكبائر أوصلها إلى المئات حسب الضابط الذي قرره أهل العلم على خلاف بينهم، وهذا يثبت أن هناك من الذنوب ما هو كبير، ومنها ما هو صغير.

стр. 2753

"ما الكبائر؟ " ما قال: ما المعاصي؟ ما الذنوب؟ الكبائر، فالذنوب منها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة، الكبائر هذه لا تكفر إلا بالتوبة أو رحمة أرحم الراحمين ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(١١٦) سورة النساء] لكن الأصل أنها تحتاج إلى توبة، وأما بالنسبة للصغائر فاجتناب الكبائر يكفر الصغائر ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [(٣١) سورة النساء] ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهن ما لم تغش كبيرة)). من هذه الكبائر، والتمييز بين الكبائر والصغائر يختلف فيه أهل العلم، ما جاءت تسميته بأنه كبير، هذا لا إشكال فيه، في النص، وأما القواعد والضوابط التي جعلت للفرق بين الكبائر والصغائر، فمنها ما رتب عليه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، أو نفي عنه الإيمان، أو توعد بلعن، وطرد من رحمة الله، أو غضب، أو ما أشبه ذلك، كل هذه من الكبائر، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀ وغيره. "ما الكبائر؟ فذكر الحديث"، عد مجموعة من الكبائر، وذكر من ضمن ما ذكر اليمين الغموس، فعول، صيغة مبالغة بمعنى فاعل؛ لأنها تغمس يمين غامس تغمس مرتكبها في النار، أو في العذاب. "اليمين الغموس" استفصل وسأل "وما اليمين الغموس؟ قال ﵊: ((التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)) " الظاهر أن السائل هو الأعرابي، والمسئول عن التفسير هو النبي ﵊، هذا ظاهر السياق كما تدل عليه الروايات، وإن أبدى بعضهم احتمال أن السائل الراوي عن ابن عمر، والمجيب ابن عمر، لكن لا يوجد ما يدل عليه.

стр. 2754

اليمين الغموس هي ((التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)) اليمين تنقسم إلى أقسام: منها لغو اليمين، لا والله، وبلى والله، كما سيأتي في كلام عائشة ﵂، هذا ما فيه شيء، لا فيه كفارة ولا، الذي يجري على اللسان بغير قصد، وليست فيه مؤاخذة، ومنه ما يحلف فيه الإنسان على أمر ماض يغلب على ظنه وقوعه، يقول: والله ما جاء، قال شخص: جاء زيد أمس، قال: والله ما جاء؛ لأنه يغلب على ظنه أنه لم يحضر، لا سيما إذا استدل بقرينة تدل على عدم حضوره، فتبين له أنه حضر، يعني المقرر أن يحضر مثلاً، اتصل على هذا الشخص وقال: فاتت الرحلة، لن أحضر اليوم، ثم تيسر له في الرحلة التي بعدها مباشرة وحضر، قيل لفلان الذي أخبر: حضر زيد أمس جاء البارحة، قال: والله ما جاء، هو متصل بي، وقال: خلاص فاتت الرحلة، هذا على غلبة ظن، هذا ما عليه كفارة. لو حلف أنه ما جاء، وهو يعرف أنه جاء، رآه بالأمس، قال: والله ما جاء، هذا ليس فيه كفارة، لكنه يأثم بهذا اليمين التي حلف فيها، وهل تسمى غموس أو لا تسمى؟ ((يقتطع بها مال امرئ مسلم)) منهم من يقول -نظر إلى قوله-: ((هو فيها كاذب)): يكفي أن تسمى غموس، وليس فيها كفارة، أعظم من أن تكفر، لكن من رأى في الحد الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم، قال: هذه ليست غموس، لكنه آثم بكذبه، وتأكيد هذا الكذب باليمين، ولا كفارة فيها. إذا حلف على أمر مستقبل، والله لا يفعل كذا في المستقبل، ثم فعله، هذه اليمين المكفرة المنعقدة، إذا حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، اقترض من زيد ألف ريال، ثم أقسم أنه ليس عنده شيء، زيد ما عنده بينة، فتوجهت اليمين إلى المقترض فحلف أنه لم يقترض منه شيء هذه هي غموس؛ لأنه اقتطع بها مال امرئ مسلم، وهو كاذب في ذلك. وهذه اليمين عند الجمهور لا تكفر، ومثلها قتل العمد، أعظم من أن يكفر، واليمين الغموس أعظم من أن تكفر، هذا قول أكثر أهل العلم، ويرى الشافعية أنها تكفر لعموم الأدلة الدالة على لزوم الكفارة لمن حنث في يمينه.

стр. 2755

قال ﵀: "وعن عائشة ﵂ في قوله تعالى" يعني في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [(٨٩) سورة المائدة] "قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله" يجري على اللسان من غير قصد، وهو موجود عند كثير من الناس، لا يقتطع به مال امرئ مسلم، ولا يترتب عليه شيء، إنما يجري على اللسان من غير قصد، علماً أنه مع عدم المؤاخذة إلا أنه لا ينبغي للمسلم أن يجعل الله -جل وعلا- عرضة ليمينه، فيحلف على أدنى شيء، ويعود لسانه على هذا، لكن إذا حصل وتعود ما عليه شيء، ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [(٨٩) سورة المائدة] قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله" أخرجه البخاري" عن عائشة موقوفاً عليها، وهو عند أبي داود مرفوع إلى النبي ﵊، فإذا نظرنا إلى ما في الصحيح وهو أرجح، قلنا: إن ما في سنن أبي داود معل برواية الصحيح، ولو كانت ثابتة لأثبتها البخاري، وعدوله عنها يدل على عدم ثبوتها، وإذا قلنا: إنه لا مانع أن يثبت مرفوع ويثبت موقوف، فمرة تنشط عائشة ﵂ فتنسبه إلى النبي ﵊، ومرة تقوله من تلقاء نفسها. وتفسير الصحابي ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا يمكن أن يقول الصحابي في كلام الله شيئاً من تلقاء نفسه، أو من قبل رأيه، لما ورد من التحذير الشديد أن يقال في القرآن بالرأي، لكن جمهور أهل العلم حملوا ذلك على أسباب النزول؛ لأن أسباب النزول لا بد أن يكون النبي ﵊ طرفاً فيها. وعُدّ ما فسره الصحابي ... رفعاً فمحمول على الأسبابِ وهذا منها، هذا تفسير لقوله -جل وعلا-: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [(٨٩) سورة المائدة] من يرى أن تفسير الصحابي له حكم الرفع قال: هو مرفوع، وإن لم تصرح عائشة بذكر النبي ﵊، والذي يقول: لا، التفسير يحتمل أن تقوله من تلقاء نفسها استنباطاً، ولا مانع من ذلك، وكثير من تفاسير الصحابة واضح أنه استنباط.

стр. 2756

على كل حال الحديث روي مرفوعاً وموقوفاً، وخير ما يفسر به كلام الله -جل وعلا- بكلام نبيه ﵊، إذا وجد، أو بكلام صحابته -رضوان الله عليهم-. قال -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله تسعاً وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)) متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء". يعني الترمذي لما ساق هذا الحديث سرد هذه الأسماء التسعة والتسعين، وهي موجودة عند ابن حبان، الثابت في الصحيحين العدد المجمل تسعة وتسعين مائة إلا واحد، عند الترمذي وابن حبان سرد لهذه الأسماء. يقول ابن حجر: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" اجتهاد، نظر في النصوص في الكتاب والسنة فجمع منها تسعة وتسعين اسماً، فسردها وليس من قوله ﵊؛ لأنه قال: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" لذلك الاعتماد على ما جاء في الترمذي وابن حبان من تحديد هذه الأسماء وترديدها على الألسنة، ونظمها في شعر يقال في كل وقت، تحصيلاً لهذا الوعد ليس في محله؛ لأن هذا اجتهاد من بعض الرواة؛ لأنه قد تكون تركت من الأسماء ما هو أولى، وإلا فلا حصر في التسعة والتسعين، لا حصر، لكن الحصر مع الوصف التسعة والتسعين محصورة في كونها من أحصاها، وإلا فالأسماء الحسنى لا يمكن أن تحصى ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) هذا يمكن الاطلاع عليه؟ لا يمكن، وقد يعلّم بعض الخلق من الأسماء ما لم يعلمه غيره، ولذا تجدون من أهل العلم من أهل الاطلاع الواسع من يجمع الأسماء الحسنى من نصوص الكتاب والسنة، فيتصدى لها آخر فتجد تفاوت بين جمع هذا، وجمع هذا، فيعلم هذا ما لا يعلمه هذا، وهكذا. التسعة والتسعين المائة إلا واحد هذه وجه الحصر فيها في كونها من أحصاها، ما عداها لا يمكن حصره، لكن لا يترتب عليه هذا الوصف.

стр. 2757

أولاً: مناسبة الحديث لباب الأيمان أن الله -جل وعلا- له الأسماء الحسنى فيدعى بها، وتبعاً لذلك يقسم بها؛ لأن القسم لا يكون إلا باسم من أسماء الله التي منها هذه التسعة والتسعين، فيدعى بها ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [(١٨٠) سورة الأعراف] وأيضاً يقسم بها؛ لأن القسم إنما يكون بأسماء الله لا بغيره. ((إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحد)) يعني صريح في التحديد، في تحديد العدد، من أهل العلم من يقول: الأسماء الحسنى مائة، طيب في الصحيحين: ((تسعة وتسعين مائة إلا واحد)) في أوضح من هذا الحصر؟ ((تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحد)) يقول: مائة الأسماء الحسنى، كيف صارت مائة؟ يعني هل هذه معاندة من القائل أو محادة؟ أو نقول: له وجه؟ له وجه وإلا ما له وجه؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . يعني هذا الاسم من الأسماء الحسنى الله -جل وعلا- له تسعة وتسعين، فإذا أضيفت إليه صارت مائة، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ يعني الكلام له وجه، وإلا فالحديث ما في أوضح من هذا الحصر ((تسعة وتسعين مائة إلا واحد)) يعني عدد لا يحتمل الزيادة والنقصان، لكن مع ذلك قال بعض أهل العلم: إنها مائة، إذا أضيف إليها لفظ الجلالة المتحدث عنه، المتحدث عنه له تسعة وتسعون، فإذا أضيف إليها صارت مائة. ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها)) إيش معنى أحصاها؟ جاء في بعض الروايات: حفظها، وهل يكفي الحفظ من غير معرفة للمعنى وإفادة من هذا المعنى؟ ((من طاف أسبوعاً يحصيه كان له بكل خطوة حسنة)) إيش معنى يحصيه؟ يعني يضبط أنه سبعة أشواط بحيث لا يزيد ولا ينقص؟ أو أنه يحضر قلبه فيه، وأنه في عبادة فلا يغفل ولا يتشاغل عنه بغيره؟ هكذا قرر أهل العلم، ولذا القول أن من أحصاها مجرد الحفظ ومجرد التكرار ومجرد الترديد عند أكثر أهل العلم لا يكفي، حتى يعقل معناها، ويفيد من هذه المعاني، ومعرفة الأسماء الحسنى من أنفع ما ينفع المسلم في حياة قلبه.

стр. 2758

ومن أفضل ما يقرأ في هذا ما سطره ابن القيم في نونيته، يعني ذكر الأسماء الحسنى لا يقال: إنه أحاط بالأسماء الحسنى، لا، لكن ذكر ما ذكر منها، وبين معانيها، وكيفية الإفادة من هذه المعاني، يعني إذا عرفت من أسماء الله -جل وعلا- الله إيش تستفيد من هذا الاسم؟ أنه -جل وعلا- هو المألوه المعبود بحق، وعلى هذا لا يجوز أن تصرف لغيره شيء من أنواع العبادة، الرحمن، إذا عرفت أنه الرحمن، وعرفت معنى الرحمن، ومعنى الرحمة طمعت في هذه الرحمة، بطمع نافع، رغبة نافعة، لا رغبة مفاليس، أو طمع مفاليس، رغبة مقرونة بالعمل، إذا عرفت أنه جبار، إيش معنى الجبار؟ تعرف معناه، ويورث ذلك في قلبك هيبة منه وخشية ورهبة تحدوك إلى العمل بما أمرك به، واجتناب ما نهاك عنه، فإذا عرفت الأسماء الحسنى على هذه الطريقة استفدت منها، وإلا مجرد قصيدة تقال وتقرأ، ماذا تستفيد؟ ومن أهل العلم من يقول: إن حفظها وقراءتها يرتب عليه هذا الجزاء، ومعرفة معانيها والإفادة من معانيها قدر زائد على ذلك، يعني نظير ما يقال في القرآن، الأجر المرتب على قراءة كل حرف بعشر حسنات هذا يحصل بمجرد القراءة، ما وراء ذلك من القراءة على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل أجره زائد على ذلك، فتكون من هذا النوع، الأذكار من قال كذا فله كذا، من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة في يوم حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر، هذا الأجر رتب على مجرد القول، يعني كونك تعقل ما تقول هذا قدر زائد على ذلك، وإن كان من أهل العلم من يرى أن الذكر بدون عقل لا قيمة له، التلاوة بدون تدبر لا قيمة لها، لكن إذا تأملنا ما جاء من النصوص في ترتيب هذه الأجور، وهذه الموعودات على مجرد القول وفضل الله واسع، من قال كذا فله كذا، انتهى، قال، تحقق الشرط فليتحقق الجزاء.

стр. 2759

" ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)) متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، قال ابن حجر: والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" إيش معنى إدراج؟ نعم إدخال ما ليس من كلامه ﵊ في كلامه، وإلحاقه به، بحيث لا يتميز، والإدراج يكون في أول المتن، وفي وسطه، وفي أثنائه، وفي آخره، وهذا هو الكثير الغالب كما هنا. قد يقول قائل: ما الفائدة من تعيين رقم من دون تفصيل؟ رقم إجمالي تسعة وتسعين من غير تفصيل، نعم؟ نعم الاجتهاد في البحث عن هذه التسعة والتسعين؛ ليعظم الأجر، كما أبهمت ساعة الجمعة، وليلة القدر، يعني لو بينت التسعة والتسعين انتهى الإشكال، لو حفظت تسعة وتسعين في صفحة واحدة، أو في نصف صفحة، لكن لما يقال: تسعة وتسعين، ورتب عليها هذا الأجر العظيم، تجعل المسلم يحرص ويتعب في تحصيلها، فيعظم أجره عند الله -جل وعلا-، وكذلك ساعة الجمعة حينما جاء الخلاف القوي هل هي من دخول الإمام أو آخر ساعة من العصر؟ وكذلك ليلة القدر حينما جاء فيها الأحاديث الكثيرة التي مجموعها يدل على الإبهام، التي لا يمكن الوصول إلى ليلة بعينها من خلال ما جاء في النصوص، تحروها في العشر الأواخر، في السبع الأواخر، في سابعة تبقى، في كذا، في أوتار، في .. ، كل هذا من أجل أن يكثر الاجتهاد، ولا يتكل الناس على ليلة بعينها فتزداد أجورهم.

стр. 2760

بعد هذا حديث: "أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صُنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء)) " ((من صنع إليه معروف)) يعني فليكافئه، يعطيه في مقابل هذا المعروف، النبي ﵊ يقبل الهدية، ويثيب عليها، أما أن تأخذ من غيرك بدون مقابل فلا شك أنه .. ؛ لأن الهدية لا شك أنها تزيل ما في القلوب، وتقرب المسلم إلى أخيه ((تهادوا تحابوا)) لكن ماذا عن المقابل؟ يعرف زيد من الناس أنه يأخذ ولا يعطي، ماذا تكون النتيجة؟ ممقوت، لكن " ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء)) أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان" وهذا الحديث لا تظهر مناسبته في الباب، إيش دخل حديث: ((من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء)) للأيمان والنذور؟ يعني هو بكتاب الجامع الذي محله الآداب والأخلاق على ما سيأتي أليق، تظهر مناسبة يا إخوان؟ ما يظهر مناسبة. قال الشارح: ولا يخفى أن ذكر الحديث هنا غير موافق لباب الأيمان والنذور، وإنما محله باب الأدب، الذي سيأتي في كتاب الجامع، آخر كتب بلوغ المرام. الإنسان إذا صُنع إليه معروف قد يجد ما يكافئه به، أهدي إليه هو يهدي، أعطي يعطي، لكن بعض الناس ما عنده شيء، يكافئ بالدعاء، ومن أجمع الأدعية "جزاك الله خيراً" لأن خير يشمل خير الدنيا والآخرة، والدعاء لا شك أنه ينفع، دعاء المسلم لأخيه لا سيما إذا كان في ظهر الغيب، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2761

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: بلوغ المرام - كتاب الأيمان والنذور (٢) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير سم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه: بلوغ المرام في تتمة كتاب الأيمان والنذور: وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)) متفق عليه. وعن عقبة بن عامر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفارة النذر كفارة يمين)) رواه مسلم، وزاد الترمذي فيه: ((إذا لم يسم)) وصححه. ولأبي داود: من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)) وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه. وللبخاري: من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)). ولمسلم: من حديث عمران -رضي الله تعالى عنه-: ((لا وفاء لنذر في معصية)). وعن عقبة بن عامر -رضي الله تعالى عنه- قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله تعالى حافية، فقال النبي ﷺ : ((لتمش ولتركب)) متفق عليه، واللفظ لمسلم. وللخمسة فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام)). وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: استفتى سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: ((اقضه عنها)) متفق عليه.

стр. 2762

وعن ثابت بن الضحاك -رضي الله تعالى عنه- قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: ((هل كان فيها وثن يعبد؟ )) قال: لا، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ )) فقال: لا، فقال: ((أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم)) رواه أبو داود والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث كردم عند أحمد. وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: ((صل ها هنا)) فسأله، فقال: ((صل ها هنا)) فسأله، فقال: ((فشأنك إذاً)) رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي)) متفق عليه، واللفظ للبخاري. ((ومسجدي هذا)). سم رعاك الله. ((ومسجدي هذا)) أحسن الله إليك. ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) متفق عليه، واللفظ للبخاري. وعن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: ((فأوف بنذرك)) متفق عليه، وزاد البخاري في رواية: فاعتكف ليلة. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فأحاديث الدرس كلها في النذر، وأما ما يتعلق بالأيمان فقد انتهى. أول أحاديث النذر ما ذكره الحافظ من حديث "ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر" النذر أن يلزم الإنسان نفسه بشيء لم يوجب عليه في أصل الشرع. الرسول ﵊ نهى عن النذر، والله -جل وعلا- مدح الذين يوفون بالنذر، الوسيلة منهي عنها، والغاية مطلوبة.

стр. 2763

"نهى عن النذر" فقال جمع من أهل العلم: إن هذا باب من العلم غريب، إذا أن الوسائل في الأصل لها أحكام الغايات، فإذا كانت الغاية مطلوبة صارت الوسيلة مطلوبة، والمقرر عند أهل العلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا كان النذر الوفاء به واجباً كانت وسيلته واجبة؛ لأنه لا يتم إلا به، لكن هذا الباب على خلاف غيره من الأبواب، الوسيلة ممنوعة. "نهى عن النذر" على خلاف بين أهل العلم في مقتضى النهي هل هو التحريم أو الكراهة؟ الأصل في النهي التحريم، لكن صرف عند جمهور أهل العلم عن التحريم إلى الكراهة بلزوم الوفاء به، إذ لو كان النهي فيه للتحريم لصار لاغياً، لصار مقتضاه لاغياً، وفي الحقيقة مقتضاه ليس بلاغي، بل يجب الوفاء به في بعض الصور، وبعض الصور لا يجوز الوفاء به، وبينهما صور مترددة بين الوفاء وبين الكفارة على ما سيأتي. من أهل العلم كالنووي رأى اطراد هذا الباب مع غيره من الأبواب، فقال: إن النذر مستحب، لماذا؟ لأن غايته واجبة، فأقل الأحوال أن يكون مستحب، وهذا الكلام ليس له حظ من النظر، مع ثبوت النهي عن النبي ﵊، والنهي كما يقرر أهل العلم أقل أحواله الكراهة. "نهى عن النذر، وقال: ((إنه لا يأتي بخير)) " لا يأتي بخير، لا يغير من القضاء شيئاً، إذا نذر إن شفى الله مريضه أن يفعل كذا لن يغير من قدر الله شيئاً، لن يشفى مريضه بسبب النذر، إن رد الله غائبه أن يفعل كذا لن يغير مما قضى الله شيئاً، ولن يرد الله غائبه بسبب نذره.

стр. 2764

((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)) بعض الناس لا تجود نفسه أن يتصدق حتى ينذر، ويلزم نفسه بذلك، إن حصل كذا، أو لله عليه كذا دون تعليق، لله علي أن أتصدق بكذا، وكثير من الناس في أثناء الشهر تجده يقول: لله علي إذا استلمت الراتب أتصدق بمائة بمائتين بألف، هذا يستخرج به من البخيل؛ لأنه في الأصل ما يتصدق إلا بمثل هذه الطريقة، ثم بعد ذلك ما النتيجة؟ لو ترك الأمر من دون نذر، ومن دون عهد مع الله -جل وعلا- ولم يتصدق الأمر سهل إلا إذا كان واجب، وجبت عليه الصدقة، لكن ماذا عما لو قال: لله عليه أن أخرج كذا من راتبي ثم بعد ذلك ما فعل؟ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [(٧٥) سورة التوبة] النتيجة؟ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [(٧٧) سورة التوبة] ... أنت في سعة يا أخي لست بملزوم، أنت لست بملزم أن تقول مثل هذا الكلام، لكن بعض الناس ما يملك، ما يستطيع أن يتصدق ابتداءً، يخرج أحب الأشياء إليه إلى قلبه، ويبذله طائعاً مختاراً هذا صعب عليه، فهو إذاً بخيل ((وإنما يستخرج به من البخيل)) بعض الناس يصعب عليه فعل الواجب، أو ترك المحظور، فيقول: لله علي إن فاتتني الصلاة أن أتصدق بكذا، ولله علي إن اغتبت أحداً أن أتصدق بكذا، وهذا فعله بعض السلف، قال: لله عليه إن اغتبت أن أتصدق بكذا، قال: فهانت علي الغيبة، سهل، المقابل موجود؛ لأنه واجد غني، يقول: ثم عدل عن هذا إلى قوله: لله علي إن اغتبت أحداً أن أصوم يوماً، يقول: فتركت الغيبة، الصيام صعب، ما هو مثل بذل المال، وإن كان بعض الناس إذا كان ليس ذا جدة، وقد مرن نفسه على الصيام، الصيام أسهل عليه، وبعض الناس ممن اتصف بالشح الصيام أسهل عليه على كل حال، صيام الدهر أسهل من إنفاق درهم عند بعض الناس، والعكس عند بعضهم، لكن ماذا عما لو أكد الأمر الشرعي بالتزامه بنذر أو عهد أو نحوهما مما يلزم به نفسه، ما يلزمه الوفاء به، إن فاتتني ركعة أن أتصدق بعشرة، فاتتني ركعتان أتصدق بعشرين وهكذا، ثم بعد ذلك الحساب في آخر اليوم بعد صلاة العشاء، صلاة الفجر ماذا فاته؟ صلاة الظهر؟ ثم يجمع خمس ركعات في اليوم، يعني يتصدق

стр. 2765

بخمسين ريال، يعني هذا بخيل لا يتصدق إلا إذا التزم، فوجب عليه ما التزم به، لكن ما الباعث؟ هل نقول في مثل هذا مثل ما قيل فيمن قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بكذا؟ هذا ما الذي بعثه على أن يقول أو يلتزم بهذا الالتزام؟ إنما هو الحرص على العبادة، والحرص على ترك المحرم، إن اغتبت أحداً تصدقت بكذا، فأمره يختلف عن من قال: إن شفى الله مريضي لا سيما إذا كان يظن أن مثل هذا النذر له أثر في النتائج في القضاء والقدر، وحينئذٍ يقال له: ((إنه لا يأتي بخير)). وعلى كل حال الإنسان ما دام في سعة من أمره لا يليق به أن يضيق على نفسه، ولو كان هذا في أمور الطاعة، لكن لو عند المحاسبة في آخر النهار أراد أن يكفر عما فاته من غير التزام، قال: فاتني من صلاة الصبح ركعة، ومن صلاة الظهر ركعة، ومن صلاة العصر ما فاتني شيء، من المغرب ركعة، ومن العشاء ركعتين، صار عنده أربع ركعات، قال: هذه أربعين ريال صدقة لعلها تكفر، مع أنه ما ارتكب ذنب، لكنه خلاف الأولى بلا شك، والناس مقامات، بعضهم يفعل هذا إذا فاتته تكبيرة الإحرام، وبعضهم تفوته الصلاة كاملة، وبعضهم يفوته الوقت ولا يحرك عنده ساكناً، نعم إذا كان من هذا الباب فلا مانع من غير أن يلزم نفسه، أما إذا أوجب على نفسه ما لم يجب عليه في أصل الشرع، ثم ضيق على نفسه بسببه؛ لأن بعض الناس ينذر نذور لا يستطيع الوفاء بها، امرأة نذرت إن شفى الله زوجها، أن تصوم شهرين، وتذبح بدنة، وزوجها مريض بالكلى، تبرعت له بكلية فشفاه الله، وشرعت في الصيام وذبحت البدنة كانت النهاية بعد أن عافاه الله أن تزوج ثانية، تكمل الصيام وإلا ما تكمل؟ ما تستطيع أن تكمل الصيام؛ لأنها صامت من أجله، ثم هذه الخاتمة، هذه النتيجة، فالإنسان ما دام في سعة من أمره لا يلزم نفسه بشيء، ثم في النهاية يعجز عنه، وسيأتي أنه لا نذر فيما لا يطيقه ابن آدم، وهل نقول لمثل هذه المرأة: إن مثل هذا لا يطاق؟ صامت شهر وبقي شهر، يعني إذا نظرنا إلى قدرتها تستطيع الصيام، لكن الحال التي تعيشها ومن أجله تصوم، وهذه هي الخاتمة! قد لا تطيق مثل هذا، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 2766

هذا يقال قبل، لكن هي نذرت وانتهى، على كل حال الإنسان ما دام في سعة فليس له أن يضيق على نفسه، قال: ((إنه لا يأتي)) ... هاه؟ طالب:. . . . . . . . . يجب عليها هي التي ألزمت نفسها، طيب ماذا عما لو طلقها؟ أشد من كونه يتزوج عليها، هو أمسكها ما دام مريض، ويوم إن الله شفاه قال: ما لي بها لازم، وقد تبرعت له بكلية وذبحت البدنة وصامت شهر، وبقي شهر، يلزمها أن تفي بالنذر؟ ومن الذي ألزمها؟ وقد التزمت به، وهو نذر طاعة، لكنه إنما يستخرج به من البخل. قال ﵀: "وعن عقبة بن عامر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفارة النذر كفارة يمين)) " ومقتضى الإطلاق في هذا الحديث أن من نذر أي نذر سواءً كان طاعة وإلا معصية، وإلا مقدور عليه، وإلا يطاق أو لا يطاق أنه مخير، يكفر كفارة يمين، ويخرج من نذره، هذا مقتضى الإطلاق، إطلاق رواية مسلم، لكن "زاد الترمذي فيه: ((إذا لم يسم)) " نذر نَذْر مطلق، قال: لله علي، من غير تقييد، فإذا لم يسمه يكفر كفارة يمين، وإذا سمى شيئاً معيناً فلا يخلو: إما أن يكون طاعة مقدور عليها، فهذا يجب الوفاء به، أو طاعة لا تطاق ولا يقدر عليها، هذا يكفر كفارة يمين، أو نذر معصية هل يكفر أو لا يكفر؟ على خلاف بين أهل العلم هل ينعقد نذر المعصية أو لا ينعقد؟ على ما سيأتي. "وزاد الترمذي فيه: ((إذا لم يسم)) وصححه" أما إذا سمي وكان طاعة مقدوراً عليها فلا بد من أن يفي بنذره. "ولأبي داود من حديث ابن عباس" ... نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لله علي طاعة مثلاً أن أتقرب إليه بأي طاعة، ما سمى لا صيام ولا صلاة، ولا ... ، أو أتصدق بشيء من المال، أما أنه لو تصدق بأقل ما يطلق عليه الشيء كفاه، لكن إذا لم يحدد ما نذره فإنه يكفيه أن يخرج منه بكفارة اليمين، أما إذا سماه فلا يخلو: إما أن يكون طاعة، وهذه الطاعة إما أن تكون مقدوراً عليها أو لا، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

стр. 2767

قال ﵀: "ولأبي داود من حديث ابن عباس مرفوعاً" مرفوعاً يعني إلى النبي ﵊ " ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)) " وهذا يشهد لرواية الترمذي السابقة ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)) وفي خبر ابن عباس وحديث عقبة ما يقيد إطلاق رواية مسلم، وأن الذي يكفر كفارة يمين إذا لم يسم. ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) نذر معصية، إن عاد مريضي فلله عليه أن ينام يوماً كاملاً مثلاً بما في ذلك أوقات الصلاة، إن شفى الله مريضه أو عاد غائبه أن يشرب خمر مثلاً، أو غير ذلك من المعاصي، إن شفى الله مريضي أو عاد غائبي أو تزوج بفلانة، أو تزوجت بفلان أن تقطع رحمها، أو يقطع رحمه، هذه كلها معاصي لا يجوز الوفاء بها، لا يجوز الوفاء لكن هل يكفر أو لا يكفر؟ في خبر ابن عباس: ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) إسناده صحيح إلى ابن عباس، لكن هل هو من قوله أو مما يرفعه إلى النبي ﵊؟ مسألة اختلف فيها أهل العلم، لكن الحفاظ رجحوا وقفه، وأنه من قول ابن عباس، من اجتهاده. ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) نذر المعصية هل ينعقد أو لا ينعقد؟ محل خلاف بين أهل العلم، فإذا قلنا: إنه لا ينعقد لا شيء عليه، وإذا قيل: إنه منعقد، وهو الذي ألزم نفسه بغير لازم عليه أن يكفر كفارة يمين، لا سيما وأن مفاد هذا النذر مفاد اليمين، مفاده الحث أو المنع كما قيل فيمن قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، ومراده بذلك المنع من الخروج يكفر كفارة يمين على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو المفتى به؛ لأن القصد منه الحث أو المنع، فإذا كان القصد من هذا النذر الحث أو المنع فكفارته كفارة يمين، ومن قال: إن نذر المعصية لا ينعقد فإنه لا كفارة فيه. ((ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)) نذر لا يطيقه، لو نذر أن يصعد إلى السطح بغير سلم، هذا لا يطيقه ولا يستطيعه، نذر أن يحج هذا العام حجتين، يستطيع وإلا ما يستطيع؟ ما يستطيع، فهذا كفارته كفارة يمين على قول ابن عباس ﵁.

стр. 2768

قال الحافظ: "وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه" والقول في هذه المسألة "تعارض الوقف مع الرفع" فيها أربعة أقوال لأهل العلم، منهم من يقول: الحكم لمن رفع؛ لأن معه زيادة علم، غاية من وقف أنه قصر في رفعه، والذي رفعه معه زيادة علم على من وقف، ومنهم من يقول: الحكم لمن وقف؛ لأنه هو المتيقن، والرفع مشكوك فيه، منهم من رجح بالكثرة، قال: إذا كان أكثر الرواة على الرفع فهو مرفوع، وإن كان الأكثر على الوقف فهو موقوف، ومنهم من رجح بالأحفظ، إذا كان الذي رفعه أحفظ ممن وقفه فله الحكم، أو العكس، ومثله تعارض الوصل والإرسال، وهذه مسألة كررناها مراراً على أن الأئمة الكبار الحفاظ من المتقدمين لا يحكمون بحكم عام مطرد في مثل هذه المسائل، بل الحكم فيها للقرائن، التي ترجحه القرائن فهو الراجح، سواءً كان الرفع أو الوقف، أو الوصل أو الإرسال. يقول: ما القول الراجح في انعقاد نذر المعصية من عدمه؟ إذا خلت المسألة من الدليل ولم يبق فيها إلا رأي ابن عباس فرأيه أرجح من رأي غيره، فيكفر كفارة يمين. قال: "وللبخاري من حديث عائشة: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) " إذا نذر أن ينام يوماً كاملاً، أو نذر أن يشرب الخمر لا يجوز له أن يفي بهذا النذر، لا يجوز له بحال أن يفي بهذا النذر؛ لأن المعصية محرمة في أصل الشرع، فلا يبيح نذره ما حرم بأصل الشرع، لكن يبقى أن هذا النذر هل هو منعقد أو غير منعقد؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، ولو خرج من نذره بكفارة يمين لكان أحوط، لا سيما وأن مفاد هذا النذر والمراد منه والمقصود منه الحث أو المنع، فيكون حكمه حكم اليمين، كما قيل بمثله في الطلاق. "ولمسلم: من حديث عمران -رضي الله تعالى عنه-: ((لا وفاء لنذر في معصية)) " ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) لا يجوز له أن يعصي؛ لأنه قد يتحيل على ارتكاب المعصية بالنذر، يقول: هذا أمر ألتزمته على نفسي، والله مدح الموفين بالنذر، يقال له: لا، ما وجب بأصل الشرع أقوى وأولى مما أوجبه الإنسان على نفسه، إذا نذر أن يعصي الله فلا يجوز له أن يعصي.

стр. 2769

قال: "وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية" تمشي حافية، تمشي يعني لا تركب إلى بيت الله إلى مكة إلى الكعبة حافية، مشي على الأقدام، وحافية، وحاسرة الرأس، الله -جل وعلا- غني عن تعذيب الإنسان نفسه، الذي نذر أن يضحى في الحج ولا يستظل، وبقي في الشمس حتى أغمي عليه، إن الله -جل وعلا- عن تعذيب الإنسان نفسه غني، فلا وفاء لمثل هذا النذر. نذر أن يقوم الليل كله، نذر أن يقرأ القرآن كل يوم مرة أو مرتين، هذا تعذيب للإنسان، والله -جل وعلا- غني عن مثل هذا، لا سيما فيما لا يطاق؛ لأن بعض الناس يطيق أن يقرأ القرآن في كل يوم، وذكر عن الشافعي وغيره أنه يقرأه مرتين، لكن إذا كان .. ، إذا قسمنا الوقت أربعة وعشرين ساعة على ست ساعات اللي هي مقدار قراءة القرآن، إذا نذر أن يقرأ القرآن أربع مرات في اليوم مثلاً، أو حتى ثلاث مرات، مثل هذا لا يطيقه الإنسان، إلا بالطرق التي تذكر عن بعض المبتدعة أنه باللحظة يقرأ القرآن، بقلبه يقرأ القرآن، يمكن أن يقرأ القرآن في أقل من ساعة، هذه ليست بطريقة شرعية، هذا نذر معصية، إذا كان مراده أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، لكن إذا أراد أن يقرأه بالطريقة المعتبرة المعروفة باللفظ، فإنه لا يستطيع أن يقرأ القرآن في أقل من ست ساعات.

стр. 2770

"نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله" المشي ليس بعبادة مقصودة، نعم رتب عليه ثواب؛ لأنه وسيلة إلى عبادة، فالإنسان من يخرج من بيته إلى أن يرجع إذا قصد العبادة، ولا ينهزه للخروج من بيته إلا العبادة مأجور على هذا المشي، له بكل خطوة إذا مشى إلى الصلاة حسنة، ويحط عنه بكل خطوة خطيئة، لكنه ليس بمقصود لذاته، المشي ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو وسيلة إلى المقصود، وهي الصلاة أو الحج أو الجهاد، أو صلة الرحم، أو ما أشبه ذلك، ولذا لو أن إنساناً مشى، قال: أنا أريد أن أصل الميقات وأرجع، يؤجر على هذا المشي؟ لا يؤجر عليه، أو يصل إلى باب المسجد ويرجع، ما له أجر، إنما الأجر من أجل أن يصلي، ولو قال: أذهب إلى الطريق الأبعد لتكثر الخطى، فاستدار على الحي ثم دخل المسجد، نقول: ليس لك من الأجر إلا بقدر ما يوصلك إلى المسجد؛ لأن المشي ليس بمقصود لذاته، فالقدر الزائد عليه ليس بشرعي، كونه يمشي من أجل المحافظة على صحته، أو المحافظة على زونه كما يقولون، هذا أمر آخر، لكن المقصود المشي الذي يرتب عليه الثواب، إذا كان تابع لعبادة له أجر، إذا كانت العبادة ليست بحاجة إلى هذا المشي فإنه لا أجر فيه، هذه نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية، يختلف أهل العلم في الحج ماشياً أو راكباً، أيهما أفضل؟ من نظر إلى حجه ﵊ قال: الركوب أفضل؛ لأن النبي ﵊ حج راكباً، ومن نظر إلى تقديم المشي ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [(٢٣٩) سورة البقرة] فقدم المشي على الركوب، رجح المشي على الركوب، لكن ما في هذا الحديث "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية" حافية غير منتعلة، ولا لبست الخف، هذا تعذيب من تعذيب الإنسان لنفسه، والله -جل وعلا- عن هذا غني، والله -جل وعلا- لا يصنع بشقاء أختك شيئاً.
следующие страницы →