← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

هذا يقال قبل، لكن هي نذرت وانتهى، على كل حال الإنسان ما دام في سعة فليس له أن يضيق على نفسه، قال: ((إنه لا يأتي)) ... هاه؟ طالب:. . . . . . . . . يجب عليها هي التي ألزمت نفسها، طيب ماذا عما لو طلقها؟ أشد من كونه يتزوج عليها، هو أمسكها ما دام مريض، ويوم إن الله شفاه قال: ما لي بها لازم، وقد تبرعت له بكلية وذبحت البدنة وصامت شهر، وبقي شهر، يلزمها أن تفي بالنذر؟ ومن الذي ألزمها؟ وقد التزمت به، وهو نذر طاعة، لكنه إنما يستخرج به من البخل. قال ﵀: "وعن عقبة بن عامر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفارة النذر كفارة يمين)) " ومقتضى الإطلاق في هذا الحديث أن من نذر أي نذر سواءً كان طاعة وإلا معصية، وإلا مقدور عليه، وإلا يطاق أو لا يطاق أنه مخير، يكفر كفارة يمين، ويخرج من نذره، هذا مقتضى الإطلاق، إطلاق رواية مسلم، لكن "زاد الترمذي فيه: ((إذا لم يسم)) " نذر نَذْر مطلق، قال: لله علي، من غير تقييد، فإذا لم يسمه يكفر كفارة يمين، وإذا سمى شيئاً معيناً فلا يخلو: إما أن يكون طاعة مقدور عليها، فهذا يجب الوفاء به، أو طاعة لا تطاق ولا يقدر عليها، هذا يكفر كفارة يمين، أو نذر معصية هل يكفر أو لا يكفر؟ على خلاف بين أهل العلم هل ينعقد نذر المعصية أو لا ينعقد؟ على ما سيأتي. "وزاد الترمذي فيه: ((إذا لم يسم)) وصححه" أما إذا سمي وكان طاعة مقدوراً عليها فلا بد من أن يفي بنذره. "ولأبي داود من حديث ابن عباس" ... نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لله علي طاعة مثلاً أن أتقرب إليه بأي طاعة، ما سمى لا صيام ولا صلاة، ولا ... ، أو أتصدق بشيء من المال، أما أنه لو تصدق بأقل ما يطلق عليه الشيء كفاه، لكن إذا لم يحدد ما نذره فإنه يكفيه أن يخرج منه بكفارة اليمين، أما إذا سماه فلا يخلو: إما أن يكون طاعة، وهذه الطاعة إما أن تكون مقدوراً عليها أو لا، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

стр. 2767

قال ﵀: "ولأبي داود من حديث ابن عباس مرفوعاً" مرفوعاً يعني إلى النبي ﵊ " ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)) " وهذا يشهد لرواية الترمذي السابقة ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)) وفي خبر ابن عباس وحديث عقبة ما يقيد إطلاق رواية مسلم، وأن الذي يكفر كفارة يمين إذا لم يسم. ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) نذر معصية، إن عاد مريضي فلله عليه أن ينام يوماً كاملاً مثلاً بما في ذلك أوقات الصلاة، إن شفى الله مريضه أو عاد غائبه أن يشرب خمر مثلاً، أو غير ذلك من المعاصي، إن شفى الله مريضي أو عاد غائبي أو تزوج بفلانة، أو تزوجت بفلان أن تقطع رحمها، أو يقطع رحمه، هذه كلها معاصي لا يجوز الوفاء بها، لا يجوز الوفاء لكن هل يكفر أو لا يكفر؟ في خبر ابن عباس: ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) إسناده صحيح إلى ابن عباس، لكن هل هو من قوله أو مما يرفعه إلى النبي ﵊؟ مسألة اختلف فيها أهل العلم، لكن الحفاظ رجحوا وقفه، وأنه من قول ابن عباس، من اجتهاده. ((ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)) نذر المعصية هل ينعقد أو لا ينعقد؟ محل خلاف بين أهل العلم، فإذا قلنا: إنه لا ينعقد لا شيء عليه، وإذا قيل: إنه منعقد، وهو الذي ألزم نفسه بغير لازم عليه أن يكفر كفارة يمين، لا سيما وأن مفاد هذا النذر مفاد اليمين، مفاده الحث أو المنع كما قيل فيمن قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، ومراده بذلك المنع من الخروج يكفر كفارة يمين على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو المفتى به؛ لأن القصد منه الحث أو المنع، فإذا كان القصد من هذا النذر الحث أو المنع فكفارته كفارة يمين، ومن قال: إن نذر المعصية لا ينعقد فإنه لا كفارة فيه. ((ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)) نذر لا يطيقه، لو نذر أن يصعد إلى السطح بغير سلم، هذا لا يطيقه ولا يستطيعه، نذر أن يحج هذا العام حجتين، يستطيع وإلا ما يستطيع؟ ما يستطيع، فهذا كفارته كفارة يمين على قول ابن عباس ﵁.

стр. 2768

قال الحافظ: "وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه" والقول في هذه المسألة "تعارض الوقف مع الرفع" فيها أربعة أقوال لأهل العلم، منهم من يقول: الحكم لمن رفع؛ لأن معه زيادة علم، غاية من وقف أنه قصر في رفعه، والذي رفعه معه زيادة علم على من وقف، ومنهم من يقول: الحكم لمن وقف؛ لأنه هو المتيقن، والرفع مشكوك فيه، منهم من رجح بالكثرة، قال: إذا كان أكثر الرواة على الرفع فهو مرفوع، وإن كان الأكثر على الوقف فهو موقوف، ومنهم من رجح بالأحفظ، إذا كان الذي رفعه أحفظ ممن وقفه فله الحكم، أو العكس، ومثله تعارض الوصل والإرسال، وهذه مسألة كررناها مراراً على أن الأئمة الكبار الحفاظ من المتقدمين لا يحكمون بحكم عام مطرد في مثل هذه المسائل، بل الحكم فيها للقرائن، التي ترجحه القرائن فهو الراجح، سواءً كان الرفع أو الوقف، أو الوصل أو الإرسال. يقول: ما القول الراجح في انعقاد نذر المعصية من عدمه؟ إذا خلت المسألة من الدليل ولم يبق فيها إلا رأي ابن عباس فرأيه أرجح من رأي غيره، فيكفر كفارة يمين. قال: "وللبخاري من حديث عائشة: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) " إذا نذر أن ينام يوماً كاملاً، أو نذر أن يشرب الخمر لا يجوز له أن يفي بهذا النذر، لا يجوز له بحال أن يفي بهذا النذر؛ لأن المعصية محرمة في أصل الشرع، فلا يبيح نذره ما حرم بأصل الشرع، لكن يبقى أن هذا النذر هل هو منعقد أو غير منعقد؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، ولو خرج من نذره بكفارة يمين لكان أحوط، لا سيما وأن مفاد هذا النذر والمراد منه والمقصود منه الحث أو المنع، فيكون حكمه حكم اليمين، كما قيل بمثله في الطلاق. "ولمسلم: من حديث عمران -رضي الله تعالى عنه-: ((لا وفاء لنذر في معصية)) " ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) لا يجوز له أن يعصي؛ لأنه قد يتحيل على ارتكاب المعصية بالنذر، يقول: هذا أمر ألتزمته على نفسي، والله مدح الموفين بالنذر، يقال له: لا، ما وجب بأصل الشرع أقوى وأولى مما أوجبه الإنسان على نفسه، إذا نذر أن يعصي الله فلا يجوز له أن يعصي.

стр. 2769

قال: "وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية" تمشي حافية، تمشي يعني لا تركب إلى بيت الله إلى مكة إلى الكعبة حافية، مشي على الأقدام، وحافية، وحاسرة الرأس، الله -جل وعلا- غني عن تعذيب الإنسان نفسه، الذي نذر أن يضحى في الحج ولا يستظل، وبقي في الشمس حتى أغمي عليه، إن الله -جل وعلا- عن تعذيب الإنسان نفسه غني، فلا وفاء لمثل هذا النذر. نذر أن يقوم الليل كله، نذر أن يقرأ القرآن كل يوم مرة أو مرتين، هذا تعذيب للإنسان، والله -جل وعلا- غني عن مثل هذا، لا سيما فيما لا يطاق؛ لأن بعض الناس يطيق أن يقرأ القرآن في كل يوم، وذكر عن الشافعي وغيره أنه يقرأه مرتين، لكن إذا كان .. ، إذا قسمنا الوقت أربعة وعشرين ساعة على ست ساعات اللي هي مقدار قراءة القرآن، إذا نذر أن يقرأ القرآن أربع مرات في اليوم مثلاً، أو حتى ثلاث مرات، مثل هذا لا يطيقه الإنسان، إلا بالطرق التي تذكر عن بعض المبتدعة أنه باللحظة يقرأ القرآن، بقلبه يقرأ القرآن، يمكن أن يقرأ القرآن في أقل من ساعة، هذه ليست بطريقة شرعية، هذا نذر معصية، إذا كان مراده أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، لكن إذا أراد أن يقرأه بالطريقة المعتبرة المعروفة باللفظ، فإنه لا يستطيع أن يقرأ القرآن في أقل من ست ساعات.

стр. 2770

"نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله" المشي ليس بعبادة مقصودة، نعم رتب عليه ثواب؛ لأنه وسيلة إلى عبادة، فالإنسان من يخرج من بيته إلى أن يرجع إذا قصد العبادة، ولا ينهزه للخروج من بيته إلا العبادة مأجور على هذا المشي، له بكل خطوة إذا مشى إلى الصلاة حسنة، ويحط عنه بكل خطوة خطيئة، لكنه ليس بمقصود لذاته، المشي ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو وسيلة إلى المقصود، وهي الصلاة أو الحج أو الجهاد، أو صلة الرحم، أو ما أشبه ذلك، ولذا لو أن إنساناً مشى، قال: أنا أريد أن أصل الميقات وأرجع، يؤجر على هذا المشي؟ لا يؤجر عليه، أو يصل إلى باب المسجد ويرجع، ما له أجر، إنما الأجر من أجل أن يصلي، ولو قال: أذهب إلى الطريق الأبعد لتكثر الخطى، فاستدار على الحي ثم دخل المسجد، نقول: ليس لك من الأجر إلا بقدر ما يوصلك إلى المسجد؛ لأن المشي ليس بمقصود لذاته، فالقدر الزائد عليه ليس بشرعي، كونه يمشي من أجل المحافظة على صحته، أو المحافظة على زونه كما يقولون، هذا أمر آخر، لكن المقصود المشي الذي يرتب عليه الثواب، إذا كان تابع لعبادة له أجر، إذا كانت العبادة ليست بحاجة إلى هذا المشي فإنه لا أجر فيه، هذه نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية، يختلف أهل العلم في الحج ماشياً أو راكباً، أيهما أفضل؟ من نظر إلى حجه ﵊ قال: الركوب أفضل؛ لأن النبي ﵊ حج راكباً، ومن نظر إلى تقديم المشي ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [(٢٣٩) سورة البقرة] فقدم المشي على الركوب، رجح المشي على الركوب، لكن ما في هذا الحديث "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية" حافية غير منتعلة، ولا لبست الخف، هذا تعذيب من تعذيب الإنسان لنفسه، والله -جل وعلا- عن هذا غني، والله -جل وعلا- لا يصنع بشقاء أختك شيئاً.

стр. 2771

أيضاً نذرت أن تمشي حافية حاسرة عن رأسها، هذه معصية لا يجوز الوفاء به، ولذا قال: "فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته، فقال النبي ﷺ : ((لتمش ولتركب)) " يعني تمشي أحياناً، وتركب أحياناً، وماذا عما لو ركبت الطريق كله، وقد نذرت أن تمشي مع قدرتها على المشي؟ المراوحة بين الركوب والمشي، يعني كونها تمشي بعض الطريق، قد يقال: إنها وفت بنذرها، نذرت أن تمشي ومشت، لكن الغاية إلى بيت الله، فالمشي إلى بيت الله، فاللفظ لا يتحقق إلا أن يكون المشي من بيتها إلى بيت الله، هنا قال: ((فلتمش ولتركب)) ومن غير نذر الراكب قد يحتاج إلى المشي؛ لأن طول الركوب ممل حتى على السيارات المريحة، والمراكب الفخمة، تجد الإنسان أحياناً يقف ويمشي خطوات يرتاح من كثرة الجلوس. قال: " ((لتمش ولتركب)) متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولأحمد والأربعة فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً)) " الله -جل وعلا- غني عن أن يعذب الإنسان نفسه.

стр. 2772

كلف الجن والإنس بعبادته، ومعلوم أن التكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة أحياناً، وإن كان الدين يسر، لكن فيه تكاليف، فيه ما لا تهواه النفوس، حفت الجنة بالمكاره، لكن هل هذا لأن الله بحاجة إلى صلاة المرء أو إلى صيامه، أو إلى قيامه، أو إلى جهاده، ليس بحاجة، وإنما هو من أجل مصلحة الإنسان نفسه، العبادات والتكاليف إنما شرعت من أجل الإنسان نفسه ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)) والعكس ((ما نقص من ملكي شيئاً)) لكن هذه التكاليف .. ؛ لأنه قد يقول قائل: هذا الرسول ﵊ قام حتى تفطرت قدماه، ألا يمكن أن يقول قائل: إن الله عن تعذيب الرسول نفسه لغني؟ يمكن أن يقال، لكن هذه تكاليف، هذه لها أصول شرعية، مأمور بها، ما تدخل في مثل هذا الذي ابتدعه الإنسان من تلقاء نفسه، ونجد بعض المبتدعة يخرجون عما حده الله، وعما شرعه، يتعدون ما أوجب الله عليهم، الله -جل وعلا- عن تعذيبهم أنفسهم غني، لكن الذي له أصل في الشرع ما يقال فيه مثل هذا، وإن كان فيه مشقة على النفس، وهذه المشقة في الظاهر، وعند من لم يعتد هذا الأمر، وإلا فالرسول ﵊ يرتاح بهذه الصلاة التي تفطرت قدماه فيها، وهي في الحقيقة ليست بمشقة ولا كلفة، والدين يسر، وهو يتلذذ بمثل هذا الفعل. صيام الهواجر الأيام الشديدة الحر، يعني من الناحية النظرية الإنسان الذي لم يعتد مثل هذا الأمر يقول: كيف؟ هذا تعذيب، انتظر يا أخي حتى يعتدل الجو، لكنه يتلذذ بهذا، وكم من شخص من سلف هذه الأمة بكى عند موته، ما الذي أبكاه؟ لأنه أفقد المال والأهل؟ لا، يبكي على صيام الهواجر، وقيام الليالي الشاتية، هل نقول: هذا تعذيب؟ أبداً؛ لأن هذا مشروع جاء الشرع به، لكن ما لم يأت به شرع، ويكلف الإنسان هذا الله -جل وعلا- عن تعذيب الإنسان نفسه لغني.

стр. 2773

"ولأحمد والأربعة فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مرها فلتختمر)) " يعني تغطي رأسها ووجهها؛ لأن هذا نذر معصية " ((مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام)) " لأنها نذرت نذراً فيه معصية، وكفارته حينئذٍ كفارة يمين على ما تقدم في كلام ابن عباس، فلم تستطع الوفاء، أو لم تستطع حكماً، هي تستطيع فعلاً أن تمشي، وتمشي حافية وغير مختمرة، بالنسبة للفعل تستطيع، لكنها حكماً ممنوعة من مثل هذا، فالاستطاعة ليست بالنظر إليها وإلى قدرتها، وإنما هي بالنسبة إلى الحكم الشرعي، فالممنوع شرعاً حكمه حكم الممنوع حساً، ولذا في قوله ﵊: ((صل فإنك لم تصل)) قد يقول: إنه صلى ركع وسجد وقام وقعد ((فإنك لم تصل)) يعني ما فعلت شيء، قد يقول قائل: إن صورة الصلاة موجودة، لكن المقصود الصلاة المعتبرة شرعاً، ومثل هذه الصلاة يصح نفيها؛ لأن وجودها كعدمها، وقدرتها واستطاعتها هنا وجودها مثل عدمها؛ لأنها ممنوعة شرعاً. ((لتصم ثلاثة أيام)) إذا قلنا كفارة يمين، فكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب، تخيير في الخصال الثلاث، ثم ترتيب مع الصيام، إذا لم تستطع تصوم، ولعله عرف من حالها أنها لا تستطيع العتق ولا الإطعام ولا الكسوة فأمرها بالصيام ((لتصم ثلاثة أيام)) على أن هذه الرواية حسنها الترمذي، وهي عند الإمام أحمد والأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، لكن حسنها الترمذي، وفي تحسين الترمذي كلام لأهل العلم، قد ينازع فيه. جاء في بعض الروايات، قال: ((فلتركب ولتهدي بدنة)) والرواية سندها جيد عند أبي داود، لكن الإمام البخاري قال: "لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر بالإهداء" "لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر بالإهداء". "وعن ابن عباس ﵄" ... ولذا رواية الصحيح ما فيها شيء لا صيام ولا إهداء.

стр. 2774

"وعن ابن عباس ﵄ قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: ((اقضه عنها)) " سعد بن عبادة أمه ماتت وقد نذرت أن تتصدق، بعض الروايات: أن تعتق، فأمره أن يقضي هذا النذر، ومثله لو كان المنذور صوماً ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)) ومثله الصدقة كما هنا، سواءً كانت بالمال أو بالعتق. ((اقضه عنها)) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، فهل يجب على ولي الميت أن يصوم عن ميته الذي عليه نذر صيام؟ أولاً: المرجح أن هذا في صوم النذر، لا فيما أوجب الله عليه، هو الذي رجحه شيخ الإسلام وابن القيم كما جاء في بعض رواياته: ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)) ولا يصام عن الميت الصيام الذي وجب في أصل الشرع، وإنما يصام عنه إذا ألزم نفسه به بنذر على ما تقدم، في كتاب الصيام. ((اقضه عنها)) هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب، وبعض أهل العلم يحمله على الاستحباب؛ لأن هذا السائل محسن فكيف يلزم بغير لازم؟ ومنهم من يفرق بينما إذا كان للميت الذي نذر أن يتصدق أو يصوم إن كانت له تركة يمكن أن يتصدق منها، فإنه يلزم الوفاء، وإلا يبقى على الاستحباب، إن صام عنه وليه أجر، وسقط عنه عن ميته ما التزمه على نفسه، وإلا لا تزر وازرة وزر أخرى. قال: "وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فسأله" هل ينحر في هذا المكان المعين أم لا؟ فسأله النبي ﵊، في هذا ما يدل على أن المفتي عليه أن يستفصل من السائل، عليه أن يستفصل، ويتثبت من السائل قبل الجواب "فسأله: فقال: ((هل كان فيها وثن يعبد؟ )) " هل كان في السابق ما يلزم أن يكون الآن ((هل كان فيها وثن يعبد؟ )) والوثن أعم من الصنم، يعني سواءً كان مصوراً أو غير مصور، الشجر أوثان، القبور أوثان ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)).

стр. 2775

" ((هل كان فيها وثن يعبد؟ )) قال: لا، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ )) " أماكن عباداتهم واجتماعاتهم التي يجتمعون فيها اجتماعات دورية مرتبة، هذه يجب أن تزال، ولا يجوز إحياؤها بحال. قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ )) أنت إذا ذبحت في المكان الذي كان فيه وثن أحييت ذكرى هذا المكان، إذا كان فيها محل يجتمع فيه الكفار من أي طائفة تكون، وذبحت فيه أحييت ذكرى ما كانوا يفعلونه، ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ )) يترددون على هذا المكان في وقت معين على نمط معين، هذا هو العيد، لا يجوز أن تحيا مثل هذه الأماكن، وأحياؤها مساهمة في إعادة الوثنية من جديد. " ((هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ )) فقال: لا، فقال: ((أوف بنذرك)) " يعني بعد أن تأكد أنه ليس هناك ما يمت إلى الجاهلية وإلى أهلها بأدنى صلة ((أوف بنذرك)) الآن تأكدنا أنه ما في إشكال. ((أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم)) وقطيعة الرحم من المعصية، لكن التنصيص عليها إذا حلف ألا يدخل بيت أمه أو بيت والده، أو بيت أخيه، أو نذر ألا يفعل، فإنه لا يجوز له الوفاء بهذا النذر، والتنصيص على قطعية الرحم لأهميتها، من باب عطف الخاص على العام؛ للاهتمام بشأن الخاص، والعناية به، وإلا يدخل في المعصية، من أعظم المعاصي قطيعة الرحم. ((ولا فيما لا يملك ابن آدم)) نذر أن يعتق عبد فلان، هذا لا يملكه، فلا يجوز لا يستطيع الوفاء به، وحينئذٍ نذره إما أن يلغى باعتبار أنه لم ينعقد على قول، أو أنه يكفر عن هذا النذر كفارة يمين على ما تقدم. " ((ولا فيما لا يملك ابن آدم)) رواه أبو داود والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث كردم عند الإمام أحمد".

стр. 2776

قالوا كما في رواية أبي داود: إن هذا له سبب، أن هذا الذي نذر، نذر إن ولد له ولد ذكر أن ينحر إبلاً في ذلك المكان، لكن لو ذبح في غير هذا المكان، مع قدرته أن يصل إلى ذلك المكان، هذا المكان لا يخلو إما أن يتطلب شد رحل وسفر أو لا، والذبح عبادة، تقرب إلى الله -جل وعلا-، كالصلاة، فإن كان يحتاج إلى شد رحل فلا يجوز حينئذٍ أن يشد الرحل إلا لو نذر أن يذبح بمكة مثلاً، أو بالمدينة، أو التي تشد إليها الرحال، أو نذر أن يصلي في كذا أو كذا على ما سيأتي في الحديث الذي يليه. قال: "وعن جابر ﵁ أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: ((صل ها هنا)) فسأله، فقال: ((صل ها هنا)) فسأله، فقال: ((فشأنك إذاً)) " لأن بيت المقدس مما يجوز شد الرحل إليه، لكن إذا نذر أن يصلي في مكان غير المساجد الثلاثة فإنه يصلي في أي مكان، في مكانه ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) إذا نذر أن يصلي في المسجد الحرام لا بديل له، لا بد أن يصلي في المسجد الحرام، نذر أن يصلي في المسجد النبوي عليه أن يصلي في المسجد النبوي، أو في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، وإذا نذر أن يصلي في بيت المقدس كما هنا يصلي في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي؛ لأنهما أفضل منه. "فسأله" هذا مصر إلا أن يذهب إلى بيت المقدس ((شأنك إذاً)) لأن بيت المقدس مما يجوز شد الرحل إليه، ((فشأنك إذاً)) (إذاً) هذه تنوين وإلا نون؟ هاه؟ طالب:. . . . . . . . . ويش يقولون؟ طالب:. . . . . . . . . النطق واحد، لكن كيف تكتب بنون؟ حينئذٍ تكتبها بنون وإلا بكسرتين؟ هاه؟ طالب:. . . . . . . . . تنوين، ((فشأنك إذاً)) نون وإلا تنوين؟ ويش عندكم مكتوب تنوين وإلا نون؟ طالب:. . . . . . . . . نسختك ويش فيها؟ طالب:. . . . . . . . . وأنت؟ طالب:. . . . . . . . . نون ساكنة عندنا كذا. المبرد يقول: وددت أن أكوي يد من يكتب (إذاً) بالنون، أو (حينئذٍ) أو (وقتئذٍ) وهنا كتبت بالنون؟ والخلاف موجود، كما قال الإخوان موجود عند أئمة اللغة، هل تكتب بالنون الساكنة أو بالتنوين؟ "رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم".

стр. 2777

يعني مثل هذه العبارة: "وددت أن أكوي" لا شك أنه تحمس وتشدد فيما يراه، يعني مثلما قالوا: من منع أبان فهو أتان، يعني منعه من الصرف، مع أن ابن مالك الإمام المشهود له بالمعرفة والخبرة يمنعه من الصرف، هاه؟ طالب:. . . . . . . . . ويش هو؟ طالب:. . . . . . . . . أبان، مثل عثمان، هاه؟ طالب:. . . . . . . . . أصلية وإلا زائدة؟ هل هو من الإباء أو من الإبانة؟ إيه؟ طالب:. . . . . . . . . أبان يعني قطع، هاه؟ إذا كانت أصلية فهو مصروف، وإذا كانت زائدة فهو ممنوع من الصرف. قال بعد ذلك: "وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) " عندكم ((هذا)) وإلا ما فيه؟ هاه؟ طالب:. . . . . . . . . يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) " الإشارة هذه إلى مسجده ﵊ في وقته، ومن يمنع إلحاق المزيد في المسجد في فضل المسجد، ومضاعفة المسجد يستند إلى الإشارة، حينما أشار: ((مسجدي هذا)) فعلى هذا التوسعة القديمة والجديدة بعد عصره ﵊ ليس حكمها حكم المسجد؛ لوجود هذه الإشارة، لذلك وجودها مؤثر، هذا الذي جعلني أقول: هل هي موجودة عندكم وإلا غير موجودة؟ هي في الأصل موجودة، واستدل بها أهل العلم على هذا، لكن الأكثر على أن المزيد في حكم الأصل، وأن المضاعفة كما هي في الأصل في مسجده ﵊ فيما أضيف إليه؛ لأن الحكم واحد. هذا الحديث تقدم، سبق شرحه في باب الاعتكاف، وإيراده هنا من قبل المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما لو نذر أن يصلي في أي مسجد أي بقعة هل يلزمه الوفاء؟ بل هل يجوز له أن يشد الرحل ليتمم، ويأتي بما نذر به، أو أنه لا يجوز له أن يشد الرحل إلى أي مكان كان إلا إلى المساجد الثلاثة المذكورة.

стр. 2778

((إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام)) بعض الناس يرغب في المضاعفات الموجودة في المسجد الحرام، ويرى رأي جمهور أهل العلم في أن المضاعفة في مكة كلها، الحرم كله حرم، بحدوده المعروفة، ولا تختص المضاعفة بالمسجد، ثم يقول: أنا أريد أن أذهب إلى مكة لأصلي في مسجد بطرف مكة، لكنه في الحرم، ويشد الرحل لا إلى المسجد نفسه، وإنما يقول: مكة كلها مسجد، والمضاعفة موجودة على قول الجمهور، يجوز له أن يشد الرحل إلى أي مسجد غير المسجد الحرام في مكة؟ التنصيص مسجد الحرام، يعني على الخلاف، من يرى أن الحرم كله مسجد ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [(٢١٧) سورة البقرة] يعني إخراج المسلمين من قبل الكفار هل حصل من المسجد أو من مكة؟ من مكة، فالجمهور على أن مكة كلها مسجد، والمضاعفة موجودة، وعلى هذا يشد الرحل إلى أي مسجد في مكة، ومن خص ذلك بالمسجد، مسجد الكعبة قال: لا يجوز له أن يشد الرحل إلا إلى المسجد نفسه. مسجد الأقصى ((مسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) هذا ترتيب بالواو، العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإلا فمسجد النبي ﵊ أفضل من المسجد الأقصى، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجد النبي ﵊ بألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وعلى هذا لو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى على ما تقدم له أن يصلي في المسجد النبوي، وله من باب أولى أن يصلي في المسجد الحرام، ولا عكس.

стр. 2779

شد الرحال إلى المشاهد والقبور وغيرها مما يحصل معها من تعظيم للمقبورين والأولياء على حد زعمهم، وصرف أنواع العبادة لهم، هذا لا يحتاج إلى كلام، وأنه هو الشرك الأكبر الذي وقعت فيه هذه الأمور، ومع الأسف أن كثير من الرحلات سواءً كانت للحج أو لغيره، جل قصدهم الذهاب إلى هذه المشاهد، يعني من خلال الاستقراء، رحلات الحج بدون .. ، إلا القليل النادر، القليل النادر اللي يهتم فيها بالأمور الشرعية، وإلا أكثرهم إلى المزارات والمشاهد والجبال، وأماكن يدعى أن فلاناً الولي مر بها، أو أن فلاناً وطئها، أو هذا الجبل فيه قدم آدم، أو فيه قدم كذا، ولا شك أن هذا من أعظم ما أوقع الناس في الشرك، -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا تقدم الكلام فيه في باب الاعتكاف، والشاهد منه أنه إذا نذر أن يصلي في أحد هذه المساجد يجوز له أن يفي بنذره، بل يلزمه إذا كان في المسجد الحرام لا بد أن يصلي في المسجد الحرام؛ لأنه لا بديل له، وأما إذا نذر أن يصلي في المسجد النبوي فله أن يصلي في المسجد الحرام لأنه أفضل. قال بعد ذلك: "وعن عمر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام" في الجاهلية، نذر عمر ﵁ قبل أن يسلم أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام "قال الرسول ﵊: ((فأوف بنذرك)) " النذر من الكافر هل ينعقد وإلا لا ينعقد؟ ينعقد وإلا ما ينعقد؟ طالب:. . . . . . . . . إيه ينعقد مطلق وإلا ينعقد إن أسلم؟ يعني لو أن عمر سأل النبي ﵊ قبل أن يسلم، قال: نذرت أن أعتكف، هل يقول له: أوف بنذرك حال كفره؟ لا، لكن هذه مسألة فرع من مسألة كبرى عند أهل العلم، وهي أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لكن لا تصح منهم حال كفرهم، وهنا انعقد النذر، ولذلك قال له: ((أوف بنذرك)) لأنك مخاطب بالنذر؛ لأنه من فروع الشريعة، والآن أنت أهل لأن تفي بنذرك، فعليك أن تفي به، فقال: ((فأوف بنذرك)).

стр. 2780

المسألة الثانية: اعتكف ليلة، الليلة ليست محلاً للصيام، يستدل بهذا الحديث من يقول: إنه لا يلزم أن يكون الاعتكاف مقروناً بالصيام، وبهذا قال الحنابلة والشافعية، وقال غيرهم: لا يصح إلا مع الصيام، باعتبار أن النبي ﵊ لم يعرف عنه أنه اعتكف إلا صائماً. طالب: أقل الاعتكاف رعاك الله. ما يسمى اعتكاف شرعاً، يعني المكث الطويل هذا اعتكاف، لكن قول الفقهاء: "من دخل المسجد فلينو الاعتكاف ولو لحظة" هذا لا أصل له، ولا قيمة له، مجرد الجلوس العادي ينتظر صلاة هذا ليس باعتكاف، لا يطلق عليه اعتكاف لغة، فأقل ما يطلق عليه من المكث اعتكاف لزوم للمكان، لغة هذا أقل ما .. ؛ لأن هذا أمر تحديده متروك إلا من قرنه بالصيام، فقال: لا بد أن يكون يوماً من أوله إلى آخره، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. يقول: أيهما أفضل سد فرجة في الصف الأول أم الانضمام لشخص صلى منفرداً في الصف الثاني؟ يعني يدخل اثنان فأحدهما يجد فرجة في الصف الأول، والثاني يبقى فذ، فهل يصف مع صاحبه ويحسن إليه، ويترك الفرجة في الصف الأول ليسدها من يأتي؟ ((من وصل صفاً وصله الله)) لكن الإحسان إلى أخيك المسلم، وجعله يدرك الصلاة لا شك أن فيه فضل، وفيه إيثار، والإيثار عند أهل العلم بالقرب مكروه على حسب حكم هذه القربة، لكن قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً، وهنا إذا آثرت أخاك، وصففت معه، وتركت الصف الأول لا شك أنك فرطت فيما رتب على سد الفرجة، وعلى الصف الأول، لكنك جبرت خاطر أخيك وصححت صلاته، فمن هذه الحيثية لو حصل مثل هذا الإيثار كان محموداً. يقول: رأيت أن طلبة العلم يعني بعض طلبة العلم يسمح لطلابه بتقبيل يديه بدون أن يمنعهم على أن منهم من قد لا يفعل ذلك مع والديه، فأثر ذلك في نفسي، فهل فعله صحيح؟ لأني لم أرَ كبار العلماء يسمحون لطلابهم ... إلى آخره؟

стр. 2781

المسألة في تقبيل اليدين صح فيها ثلاثة أحاديث، وأما تقبيل الرجل فهو ضعيف، أما تقبيل اليد فقد صح فيه ثلاثة أحاديث، وكون الإنسان لا يرضى بذلك لنفسه لا يعني أنه لا يجيزه، فكونه جائز شرعاً لا يعني أنه لا بد من فعله، وكونه واقع تحقيقاً لهذا الجواز لا يعني أن من رفض ذلك أنه لا يجيزه، وعلى كل حال لو تورع الإنسان عن ذلك هذا أولى، كما أن من شيوخنا الكبار لا يرضى بتقبيل رأسه فضلاً عن يده، هذا الأمر إليه. ما حكم دعاء ختم القرآن في الصلاة؟ وهل ينكر على من فعله؟ وهل للرجل أن يمنع أهله من حضورها؟ أنا لا أعرف أصلاً للدعاء عند ختم القرآن في صلاة ثنائية، يعني في التراويح، وإن رآه الإمام أحمد، وقال: كان أهل مكة يفعلونه، وقيل له: لو كان في الوتر؟ فقال: لا، في التراويح؛ ليكون لنا دعاءان، على كل حال هذا العبرة بما ثبت عن النبي ﵊، ولا أعرف ما يؤيد ذلك من السنة، لكن الحل في مثل هذا أن يجعل في الوتر، ينتهى من قراءة القرآن في الوتر، ويدعى بعد الركوع بدلاً من دعاء القنوت؛ ليوافق ختم القرآن، هذا له أصل حينئذٍ. يقول: ادع لي أن يردني إلى دينه رداً جميلاً، وأن يزيدني علماً، وحفظاً لكتابه، واتباعاً لسنة نبيه ﵊، فإن الفتن تتكالب علينا -نسأل الله السلامة والعافية-؟ هذا مطلوب لكل إنسان أن يدعو بهذا الدعاء له ولغيره. هل يمكن الجمع في النوايا في الصلاة بالنسبة للسنن مثلاً والنوافل، وهل تجمع نية قضاء راتبة الصبح إذا أراد قضاءها في وقت الضحى، هل تجمع مع نية ركعتي الضحى؟ وهل تجمع الضحى مع نية قضاء الوتر مثلاً إذا نام عنه ليلاً وأراد قضاءه صباحاً؟ وهل تجمع نية صيام الست مثلاً مع صيام البيض؟ وجزيت خيراً. القاعدة في مثل هذا أنه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مقضية والأخرى مؤداة، ينصون على هذا، ليست إحداهما مقضية والأخرى مؤداة، فإنها تدخل الصغرى في الكبرى. يقول: هل يجوز الدخول بالصغيرة ولو لم تبلغ إذا كانت أهلاً لأن توطأ أم أن البلوغ مشترط في جواز الوطء؟ ولماذا أخر النبي ﵊ الدخول بعائشة حتى بلغت تسع سنين؟

стр. 2782

النبي ﵊ عقد عليها وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع، ومع ذلك كانت نضوة الخلقة بعد التسع، يعني قد لا تحتمل الوطء في ذلك الوقت؛ لأنها كانت خفيفة الوزن، وهي بنت تسع سنين، وكانت صغيرة، وكانت تلعب بالأرجوحة مع البنات، وهي بنت تسع سنين، ولا يلزم من العقد، أو من الدخول الوطء، بل الأمر مرده إلى تحمل ذلك وعدمه، والعقد على الصغيرة جائز، ولو كانت دون تسع، أو دون ست، يعني مجرد العقد، وأما الوطء فمع الإطاقة إذا أطاقت ذلك وإلا فلا. يقول: هل يشترط في اليمين الغموس أن يقتطع بها مال امرئ مسلم، أم أن الحديث فسر اليمين الغموس ببعض ... ؟ لا شك أنه إذا كان يقتطع بها مال امرئ مسلم فالأمر أعظم وأشد، وإذا كان لا يقتطع بها مال امرئ مسلم، وهو فيها كاذب فكذبه مع اليمين أشد من كذبه دون يمين، لكن لا يصل إلى حد أن يقتطع به مال امرئ مسلم. يقول: ما أفضل الشروح لكتاب بلوغ المرام؟ البلوغ له شروح كثيرة متقدمة ومطبوعة، وشروح حديثة بعضها مطبوع، وبعضها مسموع، وسبل السلام شرح مناسب ومتوسط ومختصر، وشرح متين على طريقة أهل العلم، على طريقة أهل العلم في التصنيف وانتقاء العبارات، ويبقى أن عليه ملاحظات ما يسلم، لكن مع ذلك هو من أفضل الشروح، وأما شروح المعاصرين فهي كثيرة جداً، كل المشايخ شرحوا البلوغ، وهي موجودة بعضها مطبوع، وبعضها مسموع. هذه تقول: كيف التدرج في علم النحو في دراسة علم النحو؟ بماذا يبدأ بعد الأجرومية؟ وبماذا ينتهي؟ يعني الطريقة المألوفة عند أهل العلم أنه يبدأ بالأجرومية ثم القطر، قطر الندى، وبعضهم يقرأ في ملحة الإعراب بدل القطر، وبعضهم في كافية ابن الحاجب، وبعضهم في المفصل للزمخشري، وهذه الكتب الثلاثة لها شأن عند أهل العلم، لكنها في بلادنا غير معروفة لا الملحة ولا الكافية، ولا المفصل للزمخشري.

стр. 2783

على كل حال الغاية في هذا الباب ألفية ابن مالك، فإذا قرأ الأجرومية، وحضر شرحها، وسمع وقرأ الشروح لا سيما شرح الكفراوي الذي يولد في طالب العلم ملكة إعرابية لا يترك شيئاً لا يعربه، شرح العشماوي فيه قواعد وضوابط في هذا العلم قد لا توجد عند غيره، وهو شرح مختصر، وهذان الشرحان معتمدان عند أهل العلم. هناك شروح ميسرة ومبسطة لبعض المعاصرين، لكن هذان الشرحان لا يعدلهما شيء، ثم بعد ذلك إذا قرأ في القطر وشرحه، تأهل للنظر في الألفية، وإن ترك القطر وقرأ في كافية ابن الحاجب، لكن الخشية أن يشكل عليه شيء، فلا يجد من يحله له؛ لأن الكتاب إذا كان غير مطروق في البلد قد يعوز في فهمه بعض الجمل، أو بعض العبارات، ثم النتيجة لا يجد من يشرحه له، نعم الشروح موجودة ومتيسرة وكثيرة، والكافية صار لها حضوة عند أهل العلم، والكافيجي نسب إليها، محيي الدين الكافيجي نسب إليها؛ لأنه لزمها قراءة واقراءاً وتدريساً، فنسب إلى كافية ابن الحاجب، فلها حضور، ولها أيضاً شروح كبيرة ومطبوعة وقديمة جداً، طبع بعضها قبل مائتي سنة، من أوائل المطبوعات شروح الكافية، وكذلك الملحة للحريري، نظم سلس وسهل، ويجري على اللسان بسهولة جداً، ويقبله السمع، وهي أيضاً مشروحة من قبل الناظم نفسه الحريري، وأيضاً بحرق اليمني شرحها بشرح طيب. هل مواقف الحرم المدني من المسجد علماً أنها. . . . . . . . .؟ ليست من المسجد، المواقف ليست من المسجد، والساحات التي فيها دورات المياه ليست من المسجد، فلا يصلى فيها إلا عند أن يضيق المسجد، وتتصل الصفوف، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2784

شرح: بلوغ المرام - كتاب القضاء (١) عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه بلوغ المرام: كتاب: القضاء عن بريدة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقضِ به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار)) رواه الأربعة, وصححه الحاكم. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وعنه -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة)) رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) متفق عليه. وعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) متفق عليه. وعن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي؟ )) قال علي: فما زلت قاضياً بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه, وقواه ابن المديني, وصححه ابن حبان. وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-. وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار)) متفق عليه.

стр. 2785

وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟! )) رواه ابن حبان. وله شاهد من حديث بريدة عند البزار، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه. وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقضِ بين اثنين في عمره)) رواه ابن حبان وأخرجه البيهقي ولفظه: ((في تمرة)). حسبك. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف -رحمه الله تعالى-: كتاب: القضاء القضاء بالمد يطلق ويراد به ما يشارك أو ما هو بإزاء القدر، القضاء والقدر، ويطلق أيضاً ويراد به الحكم، يطلق ويراد به الفراغ من الشيء، ويطلق بإطلاقات بلغها بعضهم وأبلغها إلى عشرة، مع إمكان التداخل في بعضها.

стр. 2786

والقضاء هو بيان الحكم للمتخاصمين المتنازعين المختلفين مع الإلزام به، وبهذا يفترق ويختلف عن الفتوى التي هي بيان الحكم من غير إلزام، فإذا احتيج إلى الخصومة بين طرفين مع الحاجة الداعية إلى إلزام أحدهما بالحكم فهو قضاء، وإن احتيج إلى بيان الحكم لتبرأ الذمة ويخرج من العهدة مع غير إلزام له بذلك، وتتبع إلزام بشري، أما إلزام إلهي فنتيجة الفتوى أيضاً ملزمة، إذا سأل من تبرأ الذمة بتقليده من أهل العلم، وأمره بشيء لزمه اعتماد قوله، وإذا حصل له أمر من أمور دينه أو دنياه ثم سأل من أهل العلم من تبرأ الذمة بتقليده إنه لا يجوز له أن يسأل عن حكم شرعي ويقال له: يجب عليك كذا، أو يحرم عليك كذا، أو يلزمك كذا، ثم يقول: إن هذه فتوى والفتوى من غير إلزام، نقول: لا فيها إلزام من الله -جل وعلا-، لكن ما في أحد يتتبعك ويلزمك بما أفتيت به، بينما القضاء فيه إلزام؛ لأن فيه أكثر من طرف، والحق فيه لآدمي فتلزم بنتيجة القضية، أو يلزم خصمك إن كان الحق لك، بينما الفتوى في أمور الديانة في أبواب الدين، لكن ليس هناك من يتتبعك؛ لأنها في الغالب بينك وبين ربك، لكن لا يسعك أن إذا سمعت الفتوى ممن تبرأ الذمة به، وأفتاك بما يلزمك فعله، أو يلزمك تركه، أن تقول: أنا بالخيار هذه فتوى، لا، لكن المراد بالإلزام وعدم الإلزام هنا أنه في القضاء والخصومات أطراف متنازعة، فإما أن يكون الحق لك، وحينئذٍ يلزم خصمك، أو يكون الحق عليك فتلزم حينئذٍ بأداء هذا الحق، لكن لو أفتي شخص فقيل له: عليك كفارة، ما في من يتابعك ويلزمك بإخراج هذه الكفارة، لكنك إن لم تخرجها فأنت آثم، فأنت ملزم من قبل الرب -جل وعلا-، وهذا فرق بين الأمرين، هناك أمور يعتريها أو يتجاذبها وينتابها الأمران، طلق امرأته فذهب يسأل هذا الطلاق واقع أو غير واقع؟ لفظ بالطلاق، يسأل من أهل العلم، يستفتي هل يقع أو لا يقع؟ فيشرح ما وقع بالتفصيل، فيقول له: الطلاق وقع، أو يقول: الطلاق لم يقع، إن تدخلت المرأة أو ولي أمرها في ذلك فهي خصومة فيها إلزام، وإن جاء يستفتي فالمسألة بينه وبين ربه، يلزمه شرعاً أن يعمل بما أفتي به كسائر الفتاوى، لكن إذا لفظ بالطلاق قال لزوجته: أنت طالق، وفي نيته

стр. 2787

أن يقول لها: أنت طاهر، فسبق لسانه لم يقصد بذلك الطلاق، وإنما سبق لسانه إلى اللفظ الصريح الذي لا يحتاج إلى نية أو كناية، هذا إن وقعت فيه الخصومة بينه وبين زوجته يلزم، ويقع طلاقه؛ لأن هذا لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، وإن لم تقع الخصومة فيدين، إذا لم ينو الطلاق سبق لسانه، أو قال أو عهدها مربوطة فقال: أنت طالق يعني من وثاق، والقرينة تدل على ذلك، فهذه الأمور قد ينتابها الأمران الفتوى والقضاء، وهناك أمور خاصة في الخصومات والأقضية، وهناك أمور في العبادات محلها الفتوى، سبق في كتاب الصلاة: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)) ورواية الأكثر: ((فأتموا)) فهل ما يدركه المصلي مع الإمام أول صلاته، وما يفوته هو آخر صلاته أو العكس بناء على الروايتين؟ وهنا نحتاج إلى معرفة معنى القضاء، من يقول: إن المراد بالقضاء في رواية: ((فاقضوا)) هو ما يقابل الأداء يقول: إن ما يدركه المصلي مع الإمام هو آخر صلاته، ثم يقضي ما فاته، في مقابل الأداء، وهذه رواية صحيحة، لكنها محمولة على رواية الأكثر كما تقدم، في قوله: ((وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) وعلى هذا كما تقدم المرجح إن ما يدركه المصلي المسبوق مع إمامه هو أول صلاته، وما يصليه بعد سلامه، بعد سلام الإمام هو آخر صلاته، ويكون حينئذٍ القضاء والأداء بمعنى واحد هنا، المراد به إتمام ما فاته. قال -رحمه الله تعالى-: "عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((القضاة ثلاثة)) " قسمة ثلاثية، والفائدة من ذكر العدد الإجمالي قبل التفصيل أنه يعين على الحفظ والاستذكار، يعني لو لم يقل: القضاة ثلاثة فقال: القضاة منهم من هو في النار، ومنهم من هو في الجنة، ما انحصرت القسمة، وقد ينسى بعض الأقسام، لكن إذا قيل: ثلاثة فعددت واحد، اثنين، فلا بد أن تراجع لتعرف الثالث كما جاء في نصوص كثيرة ((اجتنبوا السبع الموبقات)) وغير ذلك من النصوص.

стр. 2788

((القضاة ثلاثة)) كأنه قيل: من هم يا رسول الله؟ فقال: ((اثنان في النار، وواحد في الجنة)) هل نستطيع أن نقول: إن ثلث القضاة في الجنة، وثلثيهم في النار من خلال هذا النص؟ هذا تقسيم إجمالي، قد يكون الناجون أكثر، وقد يكونون أقل، حسب الوصف الذي علق عليه الهلاك والنجاة، ويكون في زمان أو في مكان الغالب عليهم الصلاح والاستقامة والعلم فتكون النجاة أغلب، وقد يكون العكس فيكون الهلاك أكثر.

стр. 2789

((اثنان في النار وواحد في الجنة)) يعني كما جاء في الحديث: ((يقول الله -جل وعلا- لآدم: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب كم؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)) مثل هذا لا شك أنه من نصوص الترهيب؛ لأن الإنسان لا يضمن لنفسه السلامة، وإن قلنا: إن هذه القسمة لا تدل على أن النجاة أغلب أو الهلاك أغلب، إنما على الإنسان أن ينظر في هذه الأوصاف التي علق عليها النجاة وعلق عليها الهلاك؛ لأنه في الحديث أيضاً قال .. ، في الحديث ما يدل على أن أكثر أهل النار من يأجوج ومأجوج، وهذا أيضاً لا يجعل الإنسان يأمن من مكر الله، ويقول: يأجوج ومأجوج عددهم كبير جداً، والكفار أيضاً ملئوا المشارق والمغارب ونسبتنا بالنسبة إليهم يسيرة، فيأمن من مكر الله، على المسلم أن يكون خائفاً راجياً، وعلى كل حال النص الذي بين أيدينا ينظر فيه إلى الأوصاف، وكل قاض بحسبه، ما يقال: الآن عدد القضاة يعني عندنا على سبيل المثال ألف، منهم ستمائة وكسور هاذولا في النار هذا الكلام ليس صحيح، وإن جاء في الحديث الحصر: ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) فالحصر حصر أوصاف لا حصر أشخاص ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) على كل حال هذا فيه شيء من التخويف والترهيب لمن وَلي القضاء، أو وُلي القضاء ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) كأنه قيل: من هم؟ فصّل، من هم يا رسول الله؟ عرفنا العدد الإجمالي، وعرفنا شيئاً من التفصيل، لكن لا يكفي هذا التفصيل، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، لا بد أن يعرف الحق، وتتوافر فيه شروط الصلاحية للقضاء، وأن يقضي به، لا بد أن يتوافر فيه أمران، العلم الذي يؤهله ويمكنه من النظر في القضايا على المقتضى الشرعي، ولا بد أن يقضي على ما يؤديه إليه علمه واجتهاده المعتمد على النصوص، فإذا تخلف أحد الشرطين، أحد شرطي النجاة فهو في النار، لا بد أن يكون عالماً، وأن يحكم بالحق، إن لم يكن عالماً فهو في النار ولو أصاب الحق، فإن كان جاهلاً لا تتوافر فيه الشروط، شروط الصلاحية للقضاء، الأمر الثاني: إن لم يحكم بالحق فهو في النار، ولو كان عالماً.

стр. 2790

قال: ((رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة)) عرف الحق فقضى به ((ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار)) عرف الحق عنده علم تتوافر فيه الأهلية للقضاء لكنه لا يقضي بالحق، هذا في النار -نسأل الله السلامة والعافية- ((ورجل لم يعرف الحق)) جاهل ((فقضى للناس على جهل فهو في النار)) الحد الذي يعرف به أن هذا الشخص يصلح وتتوفر فيه الأهلية للقضاء، أو لا يصلح وهو في هذا الباب كغيره من الأبواب، هل يصلح للإمامة أو لا يصلح؟ هل يصلح للفتوى أو لا يصلح؟ هل يصلح لأي عمل؟ لا بد فيه من أن يستفيض أمره بين أقرانه ومعارفه أنه من أهل العلم، وهل يكفي أن يؤنس من نفسه الصلاحية واكتمال الشروط؟ أولاً: بالنسبة للظروف والأحوال والبلدان تختلف، والأزمان أيضاً تختلف فما يشترط في بلد يكثر فيه العلماء قد يتساهل في بعض الشروط بالنسبة لبلد آخر دون البلد الأول في كثرة أهل العلم وتيسر أسبابه، الآن خريجو الكليات الشرعية الذين منهم ينتقى القضاة، هل مجرد حصوله على شهادة كلية شرعية يكفي في أن يكون مؤهلاً للقضاء، هذه أمارة وعلامة أنه درس هذه المقررات وهذه الكتب التي بعض من درسها يصلح لأن يكون أهلاً للفتوى وأهلاً للقضاء، وبعضهم أقل مستوى، وبعضهم مستواه رديء لا يصلح لا لهذا ولا لهذا، فلا بد أن تكون له عناية بالعلم الشرعي، الذي يؤهله للقضاء وللفتيا، كان العلماء يعرفون طلابهم من قرب ويرشحونهم إلى أن جاءت الدراسات النظامية والعلماء هم الذين يرشحون من يصلح للقضاء وللفتيا في الجهات والنواحي، وكان العلماء في السابق هم القضاة وهم المفتون، لكن لا بد من تعدد القضاة، وتعدد المفتين نظراً لكثرة الأقطار والأقاليم فتجد هذا العالم يرشح من طلابه من يصلح للقضاء ومن يصلح للفتيا ومن يصلح للتعليم، ومن يصلح لإدارة أمور الناس العامة وهكذا، الآن يحضر للكليات أعداد هائلة ويتخرجون، وكثير ممن درسهم لا يعرف من أحوالهم إلا القليل، لكن هذه الشهادات صارت قرائن يستدل بها على تحصيل شيء من العلم من خلال ما قرئ في هذه الكليات من علوم، ولا يعني أن هذا الطالب تخرج في كلية شرعية أنه يصلح للقضاء أو يصلح للإفتاء، لكنه في الجملة عنده شيء من

стр. 2791

العلم، فإن كانت له عناية بالعلم الشرعي، بالوحيين، وما يعين على فهم نصوص الوحيين، وعرف بذلك، واستفاض أمره بين شيوخه وأقرانه وزملائه، هذا تكونت لديه الأهلية، وإلا فكثير من الخريجين مستواهم دون المطلوب، والقضاء مزلة قدم، وكذلك الفتوى لأنها توقيع عن الله -جل وعلا-، بعضهم يقول: إن القضاء أمره أشد من الفتوى؛ لأن القضاء فيه إلزام وجاءت فيه النصوص، نعم جاءت فيه النصوص التي تحذر وتخوف من الدخول في مزلة القدم هذه، نعم الفتوى أيضاً جاء فيها ما هو نظيره أو أشد، فمن عظائم الأمور القول على الله بلا علم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] يعني لا يقول: أنا أهرب من القضاء، وأتولى الفتوى، كلاهما مزلة قدم، يعني التعليم الذي هو خيار ثالث بالنسبة لطلاب العلم باعتبار أن المعلم لديه فرصة أن يقرأ ما يريد شرحه قبل الحضور، ويراجع في المسائل التي يريد تقريرها، أمره أخف، لكنه بمثابة القاضي بالنسبة للعدل بين الطلاب والتعامل معهم بالسوية وإعطائهم حقوقهم، هو بمثابة القاضي من هذه الحيثية، تجد بعض الناس يتساهل في بعض الولايات ويقول: الحمد لله إحنا ما علينا تبعات، لا إحنا قضاة ولا مفتين، عليك تبعات، وليت هذا الأمر للمسلمين وائتمنت عليه، فلا بد أن تبرأ من عهدته بيقين، وكم من واحد ممن دخل في هذه الولايات التي يظن أن أمرها يسير والنتيجة أنه يأكل حرام، لا يؤدي ما أؤتمن عليه كما يجب، لا يوفي حق من ولي عليهم كما ينبغي، هذه النصوص التي جاءت في القضاء، والتي جاءت في القول على الله بلا علم شديدة جداً، لكن أيضاً المرافق الأخرى هي ولايات وتدخل في ((نعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) على ما سيأتي.

стр. 2792

((رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في حكمه فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار)) القسمة كما في الحديث ثلاثية، ألا يمكن أن تزاد هذه القسمة برابع، رجل عرف الحق قضى به أو لم يقض به، هذان اثنان، ورجل جهل الحق قضى بالحق أو قضى بالجهل، يعني وافق الحق أو خالف، يمكن أن يوافق على قسمة رباعية؟ أو نقول: إن الجاهل قسم واحد سواء وافق أو خالف؟ فموافقته لا تعفيه من الإثم؛ لأن بعض الناس يُسأل عن مسألة فلا يتورع فيفتي بغير علم، ثم بعد ذلك يذهب إلى المراجع فيبحث في هذه المسألة، فإذا وجد أنه أصاب الحق فرح فرحاً شديداً، وظن أنه برئ من العهدة، نقول: لا يبرأ من العهدة، هذا حاصل، يُسأل عن مسألة فتجده يجيب فوراً من غير علم مجاملة لمن سأله، أو يخشى أن يقال: ليس عنده علم فلا يتورع، وهذا حال كثير من طلاب العلم، ثم إذا انتهى من الجواب ندم، ولات ساعة مندم، نعم الندم توبة، لكن لا يعفيه هذا من أن يرتكب مثل هذا الأمر، يذهب للمراجع فإذا وجد قوله وافق القول الراجح ظن أنه برئ من العهدة، لم يبرأ ... ، هو مؤاخذ على فتواه بغير علم، سواء وافق الحق وطابق القول الراجح أو لم يطابق، وهنا نقول: ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار نسأل الله العافية، يعني سواء طابق أو لم يطابق، طابق الحق أو لم يطابق، في حديث في الصحيحين وغيرهما: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، وإنما يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً أتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) حينما ينزع، أو يقبض العلماء يحتاج الناس إلى بعض من عنده شيء من العلم، ولو لم تتوافر فيه جميع الشروط، يعني لو لم نجد في البلد بحثنا نحتاج إلى قاضي، نحتاج إلى مفتي، فوجدنا أمثل من في البلد لا تتوافر فيه جميع الشروط، يُترك الناس بدون فتوى وبدون قضاء؟ أو نقول: يأثم الناس كلهم حيث لم يتأهل فيهم من يقوم بهذا الواجب؟ لأن القضاء والفتوى من فروض الكفايات لا بد أن يقوم به من يكفي، وعلى ولي الأمر أن يبذل جهده في تهيئة الأكفاء للفتوى والقضاء، وجميع أمور الناس، وما يهمهم،

стр. 2793

ويحتاجون إليه، هذه من أوجب الواجبات عليه، لكن افتُتح بلد من بلدان الكفر فاحتيج إلى قاضٍ يؤتى به من بلد آخر ليقضي بينهم، كما أرسل النبي ﵊ علياً، وأرسل أبا موسى، وأرسل معاذ، وأرسل ... إلى الجهاد، يفتون الناس، ويقضون بينهم، في بلد من بلدان المسلمين ناءٍ، والعلم فيه عزيز، والغربة فيه مستحكمة، وإن كانوا في الأصل مسلمين، يعني جاءنا من الأقطار ومن الآفاق من هو مفتٍ، أو نائب مفتٍ، تجد أولويات العلوم يفتقدونها، لكن هم أمثل القوم بالنسبة لقومهم، فينظر في هذا الأمثل فالأمثل، إذا كانت الذمة تبرأ بمن دونه بمن دون الأمثل تجوز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، هذا ما في إشكال، لكن إذا كان هذا الدون لا يكفي تعيّن على الأمثل أن يقضي بين الناس، وأن يفتي الناس، هذا الأمثل الذي يؤنس من نفسه الأهلية للفتوى والقضاء يتعين عليه ويأثم إذا رفض، لكن إذا لم يطلب منه، ويرى أن هذا الشخص الذي اتجهت إليه الأنظار لا تبرأ الذمة به، هل عليه أن يطلب؟ وليس له أن يرفض إذا طلب، لا يجوز له أن يتخلف، لكن إذا لم يُطلب ويعرف هذا الشخص الذي اتجهت إليه الأنظار لا تبرأ الذمة به، ويحصل بسبب توليه الفتوى أو القضاء الضلال والإضلال، بعضهم يقول: يتعين عليه أن يخبر عن نفسه، ولا تبرأ ذمته بمجرد السكوت، ولا يمكن أن تطلب السلامة بمثل هذا، هذا قاله جمع من أهل العلم، بل عليه أن يعرض نفسه أو يُعرض، ومن هذا قول يوسف ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ [(٥٥) سورة يوسف] وإلا فالأصل أن الإنسان لا يعرض نفسه لهذه الأمور، لكن إن طُلب منه ولا يوجد بل تعين عليه لا يوجد غيره ممن يقوم بهذا الأمر وتعين عليه لا يجوز له أن يتخلف، الآن النصوص التي جاءت في هذا الباب من التحذير من الدخول في الولايات ((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة)) ((القضاة ثلاثة)) و ((من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين)) وغير ذلك من النصوص، هذه النصوص لا شك أن فيها التحذير من القضاء، فإذا تعين على الإنسان فلا يجوز أن يتخلف، ومن باب ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قد يتورع الإنسان عن القضاء، وقد فعله كثير من السلف، طُلب مالك للقضاء رفض،

стр. 2794

طلب أبو حنيفة للقضاء فرفض وضرب وحبس، وجمع من السلف اختفوا هربوا لما طلبوا للقضاء، هذا ما يفعله الإنسان بالنسبة لنفسه، لكن لو استشاره شخص، وقال: عُرض علي القضاء، أو اخترت للقضاء كما يفعلون الآن ماذا يقول؟ هل يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وأنا لا أريد الدخول ولا أحبه لنفسي فلا أنصحك، يقول لكل من استشاره: لا أنصحك بالقضاء؟ يعني من باب: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) أو يقول: توكل على الله وأقبل وإذا لم تقبل من أين يؤتى لنا بالقضاة؟ كيف يعطل هذا الأمر، وهذا المرفق العظيم؟ وهل هذا يخالف الحديث؟ المشورة تنبني على صلاحية المستشير وعدم صلاحيته، فإن كان صالحاً للقضاء فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة فيشار عليه بأن يقبل، وإن كان غير صالح فيشار عليه أن لا يقبل؛ لأن مثل هذا يعتريه ما يعتريه، لو جاءك شخص يستشيرك قال: إنه اختير للقضاء فهل تشير عليه بما تحب لنفسك من السلامة والعافية التي لا يعدلها شيء؟ أو تقول: أقبل القضاء، وإذا لم تقبل أنت والثاني والثالث من زملائك ونظرائك فمن أين يؤتى للمسلمين بمن يحل مشاكلهم وخصوماتهم؟ نقول: المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، وأنت حينئذٍ لم تخالف الحديث ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) لأنك قدمت، نعم ارتكبت ما ارتكبت من شيء من المخالفة، لكنه في سبيل تحصيل مصلحة عليا، وارتكبت ضرراً لكنه في مقابل ضرر أعظم منه، ارتكاب أخف الضررين أمر مقرر في الشرع، وطلب أعلى المصلحتين أمر مقرر أيضاً، فالمصالح العامة مقدمة على الخاصة.

стр. 2795

متى يتأهل الشخص في القضاء؟ يتأهل إذا عرف من نصوص الكتاب والسنة ما يحتاجه في هذا الباب، وعرف كيف يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة عند التعارض؟ فلا بد من معرفة نصوص الوحيين اللازمة في هذا الباب، ومنهم من يشترط الاجتهاد المطلق في جميع أبواب الدين، لكن لو قيل بهذا لتعذر الحصول على العدد الكافي من القضاة، لكن اجتهاد في بابه وواقع الأمة يشهد بذلك، فالقضاة على مر العصور فيهم المجتهد المطلق، فيهم من علمه شمولي لجميع أبواب الدين، وفيهم من يحسن التعامل مع الخصوم في هذا الباب، ويقضي بينهم، بحكم الله -جل وعلا- على حسب اجتهاد سواء أصاب أو أخطأ بالمقدمات الشرعية المعروفة التي تترتب عليها نتائجها الشرعية، وإن كان في كثير من أبواب الدين مستواه أقل، إذا عرف علم الكتاب وعلم السنة، أو عَلَم من كتاب الله ما يحتاج إليه، وعلم من سنته ما يحتاج إليه، وعرف كيف يتعامل؟ وعرف من اللغة وعلوم الآلة ما يعينه على فهم الكتاب والسنة، وعرف كيف يقايس الأمور كما في كتاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري، وهو كتاب عظيم في هذا الباب، على كل طالب علم أن ينظر فيه، وأن ينظر في شرحه، الإمام ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين أطال وأفاض في شرح هذا الكتاب، يستفيد، يفيد منه القضاة فوائد عظمى، هذا الكتاب المشروح في إعلام الموقعين فيما يقارب مجلدين من الكتاب، نصف الكتاب في شرح كتاب أبي موسى، كتاب عمر لأبي موسى في القضاء، وصار عنده شيء من النباهة، ومعرفة بعض الحيل التي يرتكبها بعض الناس لكسب القضايا؛ لأن الناس أحدثوا ما أحدثوا من الحيل فلا بد من أن يكون القاضي على دراية منها، لا يؤتى بشخص ولو كان من أحفظ الناس للنصوص، ومن أعلمهم، يؤتى بشخص عنده شيء من الغفلة، ولا يدري ما يدور حوله، فينصب لفض الخصومات بين الناس، بل لا بد من أن يكون نبيهاً حذراً مما يحدثه الخصوم، وكل زمان له وسائله وطرقه، ولذا احتيج في الأزمان المتأخرة إلى وجود المحامين، ويدل على ذلك الحديث اللاحق: ((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع، وقد يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بشيء من حق أخيه)) ... إلى آخر الحديث على ما سيأتي، بعضهم يحسن عرض القضية

стр. 2796

أكثر من غيره، وحينئذٍ يحكم له، ولو كان غير محق، فالقاضي لا بد أن يكون نبيهاً يعرف ما يحدثه الناس من الحيل، ويعرف ما يدور حوله مما يرتكبه الناس، يعرف أيضاً شيء من اللغة، ويعرف أيضاً أقاويل الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة؛ لئلا يقضي بما يخالفهم، وينظر في الكتب التي تعينه على ذلك. ثم قال ﵀: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ومن ولي القضاء، أو ولّي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) " ولي وولّي كلاهما مؤداه واحد، من ولّي فقد تولى " ((القضاء فقد ذبح بغير سكين)) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان" هذا أيضاً فيه تحذير؛ لأنه بمثابة القتل له، بمثابة الذبح له، وفري الأوداج، فالأمر جد خطير إذا كان بمثابة القتل، كما جاء في الحديث الآخر: ((لعن المؤمن كقتله)) وهذا الذي تولي أو ولّي القضاء حصل له هذا الأمر وهو الذبح؛ لأنه إن كان أهلاً لذلك فالتبعات عليه عظيمة في تحري الحق، وهو أمر شاق يترتب عليه في الدنيا أن يخسر نصف الناس. إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي القضاء هذا إن عدل وهذا ليس بالأمر السهل على النفس، وإن كان جاهلاً ليس بأهل ولا كفؤ فخسارته أعظم؛ لأن الأول إن كان ثم خسارة فهي في الدنيا، وخسارة الثاني في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2797

((ذبح بغير سكين)) يعني ما يحتاج إلى أن يذبح بما يفري الأوداج، وينهر الدم، هو مذبوح على كل حال، لكن لا يلزم منه أنه يموت موتاً حسياً، وإنما هو قضاء عليه بالهلاك المعنوي، وقد يكون في بعض صوره أشد من الهلاك الحسي، الهلاك المعنوي في بعض الأحوال أشد من الهلاك الحسي، ويقرر أهل العلم يعني من باب التنظير أن مسخ القلب أعظم من مسخ البدن؛ لأن مسخ البدن قد تكون عقوبة جوزي عليها في الدنيا، وكفرت به سيئاته التي أرتكبها، لكن مسخ القلب -نسأل الله السلامة والعافية-! فالذي جزاءه في الآخرة أعظم وأشد، نقول: هنا حكم عليه بالهلاك، فمن هلك في الدنيا هلك هلاكاً حسياً كما جاء في "هلك ماعز" ومع ذلك ... ، وذاك الرجل الذي جامع في رمضان قال: هلكت يا رسول الله، وماعز رجم فهلك هلاكاً حسياً، وانتهى من تبعة الذنب، لكن الذي حكم عليه بالنار، واستمر على ذلك لم يحصل منه توبة، ولم يحدث أوبة إلى أن لقي الله -جل وعلا- وهو من أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية، هنا يقول: ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) منهم من يقول: إن هذا الذبح أشد من الذبح بالسكين لأن السكين تريح وهذا الذبح لا يريح، ومنهم من يقول: وهذا نسبوه إلى بعض من تولى القضاء فهو يهون من شأن هذا التحذير، وهذا الترهيب في هذا الحديث، يقول: ذبح ذبحاً لا يصل إلى حد الذبح بالسكين، فأمره أسهل؛ لأن غاية الذبح أن يكون بفري الأوداج وهذا بالسكين وهذا دونه، وعلى كل حال اللفظ غير مراد، وإنما المراد به الهلاك، أنه في الغالب أنه هالك، كما تقدم من أن القضاة ثلاثة، الناجي منهم واحد، والهالك اثنان. قال ﵀:

стр. 2798

"وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " عنه يعني عن أبي هريرة صحابي الحديث السابق "قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم ستحرصون على الإمارة)) " في عهد السلف صدر هذه الأمة كان الأمير يسمى عامل، وكان عاملاً لأبي بكر، عاملاً لعمر، لماذا؟ لأنها كلفة، هي مجرد تكليف، وليست بتشريف، لكن بعد ذلك بعد عهد السلف صار الأمر مع ما فيه من تكليف صار فيه شيء من التشريف، صار فيه شيء من الكسب، يعني لما ولي أبو بكر ﵁ وبويع كان تاجراً يتعاطى التجارة، ويأكل من كسب يده، لما تولى الخلافة انقطع عن التجارة، ففرض له الصحابة أهل الحل والعقد منهم نصف شاة في اليوم، هذه أجرته له ولأهله بدل ما يتكسب، لكن هل تكفي أو أضعاف أضعاف هذا المقدار بعد ذلك حينما حرص الناس على الإمارة لأنهم يرون فيها الشرف والمال، وهذان مهلكان، وجاء في ذلك حديث: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأضر لها من حب الشرف والمال بالمسلم)) .... الشرف يحبون المال ((ستحرصون على الإمارة)) لماذا؟ لأن فيها الشرف، وفيها الرئاسة، وفيها الأمر والنهي، وفيها التسلط إذا وجد معها شيء من الظلم، وفيها المال ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة)) لأن الذي يؤدي ما أوجب الله عليه في هذا الباب قليل، والتبعة عظيمة، ومسئولية كبيرة أمام الله -جل وعلا-، وهو مسئول عن رعيته، ويجب عليه أن يتحسس أحوالهم، ويتتبع أخبارهم، فيرفع الظلم عن المظلومين، ويرفع الحاجة عن المحتاجين، وستكون ندامة يوم القيامة، والسلامة لا يعدلها شيء، ((فنعم المرضعة)) نعم ما دام حياً، ويرتضع من أموال بيت المال نعم المرضعة، مال ليس فيه تعب ولا كلفة ((وبئست الفاطمة)) يعني الفطام عند الموت إذا انقطعت إفادته من هذا المال الذي يأخذه بغير حقه بئست الفاطمة.

стр. 2799

نعم المرضعة، الدنيا وما يتعلق بها من زخرفها، وبئست الفاطمة، وذُكر فعل المدح، وأنث فعل الذم، وما يعود عليه الضمير واحد؛ لأنه مؤنث غير حقيقي، يجوز تأنيث الفعل له، ويجوز تذكيره، حينما يقولون: إذا كان المؤنث غير حقيقي تقول: طلع الشمس وطلعت الشمس، لكن إذا قلت: الشمس طلعت إذا كان الفاعل ضمير يعود إلى مؤنث سواء كان حقيقي أو مجازي على ما يقولون: يجب تأنيث الفعل له، وهنا الفاعل في الموضعين غير مذكور، فهل نقول: إنه في حكم ما تقدم ذكره فيجب التأنيث، أو نقول: هو في حكم المذكور فيجوز التأنيث والتذكير؟ ننتبه لأنهم يقولون: يجب تأنيث الفعل إذا كان الفاعل ضمير يعود إلى مؤنث مطلقاً سواء كان حقيقاً أو مجازياً، يجب تأنيث الفعل، فاطمة قامت، والشمس طلعت يجب؛ لأن الفعل ضمير يعود إلى مؤنث، بينما إذا قلت: طلعت الشمس أو طلع الشمس يجوز إذا كان المؤنث حقيقي، وفصل بينه وبين الفعل يجوز، ومن باب الندرة والشذوذ حكى سيبويه: قال فلانة، لكن الذي معنا من أي النوعين؟ هل نقول: إنه ضمير يعود إلى مؤنث فيجب التأنيث، أو نقول: إنه في حكم المذكور لأنه لم يتقدم له ذكر؟ يعني ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [(٣٢) سورة ص] الشمس تقدم لها ذكر أو ما تقدم؟ ما تقدم لها، فهي في حكم المذكور للعلم بها، بحيث لا يمكن أن يسأل أحد، يقول: ما هي التي توارت بالحجاب؟ وهنا ((فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) بناء على أنه في حكم المذكور فذكر مرة وأنث أخرى؛ لأنه لو كان مذكوراً حقيقة لكان هذا حكمه، يجوز التأنيث ويجوز التذكير. قال ﵀:

стр. 2800

"وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) " الاجتهاد لا بد له، أو لا بد منه، في الحالين لا بد أن يجتهد، فيبذل جهده ويستفرغ وسعه؛ ليكون له في النهاية أجران مع الإصابة، أو أجر واحد مع الخطأ ((إذا حكم الحاكم)) القاضي، والأصل أن الحاكم الإمام الأعظم هو القاضي هو الذي يقضي بين الناس، لكن لما كثرت الأقاليم والنواحي، وازداد حاجة الناس إلى القضاة تعدد القضاة، فصار الحاكم والسلطان ينيب عنه من يقضي بين الناس، فإذا أجتهد هذا الحاكم سواء كان الأصل أو النائب فاجتهد، فالاجتهاد مطلوب في الحالين لا بد من أن يجتهد، ولا بد أن ينظر في القضايا بروية وتؤده، وتفكر في الأمر لا يستعجل، وتكون لديه أهلية على ما تقدم للنظر في القضايا، فإذا حصل هذا وأجتهد، ونظر ما عند المدعي، وما عند المدعى عليه، نظر ما عند المدعي من بينة، ثم نظر في البينة هل هي مما يقوم به الحكم أو لا؟ ثم تقرر عنده قبول البينة، ونظر في كلام المدعى عليه، فيبدأ بالمدعي فيسأله، يقول: أيكما المدعي؟ فإذا قال أحدهما: أنا، قال: ما عندك؟ فيدلي بدعواه ثم ينظر ما عند المدعى عليه، ثم يطلب البينة أو اليمين إن لم تك بينة، بالطريقة والوسيلة الشرعية المعروفة، إذا نظر بالطريقة الشرعية اجتهد بذل وسعه وهو أهل لذلك، أهل لهذا الاجتهاد وأجتهد النتيجة بيد الله -جل وعلا-، وهو يبذل ما عنده، ولا يكلف ما وراء ذلك من إصابة الحق في باطن الأمر، عليه أن يسعى، عليه أن يبذل، عليه أن يجتهد، عليه أن ينظر في القضايا بالطرق الشرعية، وما عدا ذلك النتائج بيد الله -جل وعلا-، وهكذا في جميع الأعمال، على الإنسان أن يبذل وسعه، ويستفرغ جهده في القضاء، في الفتوى، في التعليم، في الدعوة في غيرها، والنتائج بيد الله؛ لأنه يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد هل نقول: إن هذا ما أجتهد؟ نقول: أجتهد لكن النتيجة بيد الله، يأتي النبي ومعه رجل أو رجلان وهكذا، يعني نقول: هذا فشل في دعوته؟ لا، نجح في دعوته، بذل ما بيده، وليس عليه ما وراء ذلك، الآن الحاكم أجتهد ووفق

стр. 2801

لإصابة الحق فله أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإذا حكم فأجتهد مثل الأول، ثم أخطأ فله أجر، قد يقول قائل: هذا له أجر وهذا له أجران، وقد يكون هذا الذي لم يصب قد بذل من الجهد أكثر ممن أصاب، والنتيجة ليست بيده، فكيف يحرم من هذا الأجر؟ والأمر ليس بيده، كلاهما نظر، وكلاهما أهل، وكلاهم أجتهد، لكن في النهاية هذا أصاب وهذا أخطأ، هذا له أجران وهذا له أجر، نقول: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هل ظلم الذي أخطأ بخس من حقه شيء، ما بخس من حقه شيء، وترتيب الأجرين على الإصابة يجعل القضاة والحكام يجتهدون لإصابة الحق أكثر مما لو تساوى الأجر مع من لم يصب الحق، إذا رتب الأجر وسوي بين من أصاب ومن لم يصب تجد بعض القضاة مثل ما يقولون: الأجر واحد، فلا يبذل جميع ما يستطيعه من جهد ووسع؛ لأنه لا فرق بين من يصيب ومن لا يصيب، لكن جاء هنا التفريق بينهما، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، من أجل أن يزيد القاضي، ويزيد الحاكم فيما يتوصل به إلى الإصابة، وفي النهاية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هذا وفق للإصابة، وهذا مع بذله جهده لم يوفق للإصابة فلم يحرم من الأجر، ولا بخس من حقه شيء، يعني يستدل في الحديث، وهذا ظاهر في من يشترط الاجتهاد في الحاكم والقاضي وأرباب الولايات، والاجتهاد في كل باب بحسبه، على ما تقدم، بعضهم يقول وهذا تابع لمسألة كبرى، وهي مسألة الاجتهاد والتقدير، هل يكفي في القاضي أن يكون مقلداً مجتهداً في مذهبه أو لا بد أن يكون مجتهداً في النصوص في الجملة والنظر فيها والموازنة فيها بغض النظر عن مذهب معين؟ منهم من يقول: يكفي أن يكون مجتهد مذهب، وينظر في نصوص إمامه، ويوازن ويتعامل معها مثل ما يتعامل مع النصوص، وهذا مقرر بين أرباب المذاهب، يتعاملون مع نصوص أئمتهم كالتعامل مع النصوص، نصوص الكتاب والسنة، فإذا وجدوا للإمام قولين، أو روايتين قالوا: إن أمكن الجمع بين هاتين الروايتين ولو بحمل مطلق على مقيد، أو عام على خاص تعين المصير إليه، وإلا فإن عرف المتقدم من المتأخر فقوله الآخر، وإلا فالتوقف، يقول هذا بالنسبة لنصوص الأئمة، ويشددون في أمر الاجتهاد في النصوص، ويضيقون على من أراده بشروط وقيود تجعله

стр. 2802

شبه مستحيل، مع أننا لو نظرنا في حقيقة الأمر لقلنا: إن هذا المجتهد في مذهبه في نصوص إمامه لو أستعمل هذا الاجتهاد في نصوص الكتاب والسنة لكان أيسر عليه، نعم إذا كان مقلد حفظ متن وصار يفتي على ضوء هذا المتن هذا أمره سهل، لكن إذا قلنا: إنه يجب عليه أن ينظر في نصوص إمامه إذا تعارضا على مقتضى النظر في النصوص الشرعية كلفناه بأشد وأكثر مما يكلف فيه من ينظر في النصوص التي هي الحكم عند الاختلاف، ولذا أهل التقليد يتعبون تعباً شديداً في فهم نصوص أئمتهم، مع أن نصوص الكتاب والسنة يعني أمرها أيسر، وهي مخدومة ولله الحمد، هناك التفاسير، هناك الشروح، هناك الكتب التي ألفت لتسهيل التعامل مع النصوص، وكلام الله واضح لمن لديه أدنى سبب للفهم وقدرة على المراجعة، كلام الله وكلام رسوله أوضح من كلام الأئمة بكثير، وما وجدت هذه التعقيدات إلا في كلام البشر، فيجعلون هذا المجتهد المقيد، نعم العامي ومن في حكمه هذا فرضه التقليد، لكن من لديه أهلية النظر في نصوص الأئمة لا شك أن لديه النظر في نصوص الكتاب والسنة، لديه أهلية النظر، ولو اتجهت همته إلى نصوص الكتاب والسنة لسهل عليه الأمر، كثير ممن يؤلف في القضاء يقول: عليه أن يكون مجتهد مذهب، يكفيه هذا أن يكون مجتهد مذهب، لكن اجتهد في مذهب إمامه هل يضمن الإصابة؟ لا يضمن الإصابة، ولا شك أن المردود إليه عند التنازع هو الكتاب والسنة، بل وجد من يحرم الاجتهاد، ويمنع الاجتهاد، ويوجب التقليد، حتى قال: ولا يجوز الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة ولو خالفت الكتاب والسنة وقول الصحابي، قالوا هذا الكلام نسأل الله العافية، والحديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد)) يعني اجتهد في الوسائل الشرعية، أجتهد في الوصول إلى الغاية الشرعية، وما عدا ذلك ليس الأمر بيده؛ لأنه إما أن يصيب وإما أن يخطئ وهو مأجور على الحالين.

стр. 2803

الشارح الصنعاني ذكر خطاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، ذكره في الشرح في مقدار صفحة، ثم قال: ولأمير المؤمنين علي ﵁ في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج لم أنقله لشهرته، يعني نقل كتاب عمر لأبي موسى، ولم ينقل خطاب علي للأشتر، قال: وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، يعني شهرته في تلك النواحي؛ لأن غالب السكان في عهده سكان اليمن من الهادوية زيدية، لهم عناية بما يذكر في النهج، لهم عناية في هذا الكتاب، فلا يخفى عليهم خطاب أو العهد الذي عهده علي ﵁ للأشتر، وقد يخفي عليهم ما كتبه عمر ﵁ إلى أبي موسى، ولا شك أن البيئات مؤثرة، ولذا قال هنا: ولأمير المؤمنين علي يقول: ﵇، والأولى أن يقال كغيره: ﵁ وأرضاه، في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، لم أنقله لشهرته، يعني عناية تلك النواحي بعلي أكثر من عنايتهم بعمر؛ لأن غالب السكان هناك في ذلك الوقت هم من الهادوية، وهم من الزيدية، لكن الآن صاروا أقل من غيرهم، صاروا أقل من الشافعية، ومن يعتني بالكتاب والسنة من غير نظر إلى مذهب، يعني أثرت الدعوة السلفية هناك. ثم قال ﵀:

стр. 2804

"وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحدكم)) " سواء كانت لا نافية، فنقول: لا يحكمُ، أو ناهية نقول: لا يحكمْ أحد، أحد نكرة في سباق النفي أو النهي فهي عامة، تفيد العموم ((بين اثنين وهو غضبان)) لماذا؟ لأن الغضب يحجبه عن النظر الكافي في القضية التي يترتب عليه الحكم الصحيح، النظر لا بد منه في القضية على المقتضى الشرعي، فإذا كان القاضي غضبان فإنه حينئذٍ لا يتمكن من النظر الواجب، وسواء قلنا: إن لا ناهية أو نافية فظاهر الخبر التحريم، وهو الأصل في النهي ما لم يوجد صارف، وجمهور أهل العلم حملوه على الكراهة، ونظيره الصلاة وهو يدافع الأخبثين، وهو حاقن، الجمهور على الكراهة، وحمله الظاهرية على ظاهره بالتحريم، وقالوا: إن الصلاة لا تصح، وهنا قالوا: النهي للتحريم والحكم لا يصح إذا نظر وهو غضبان، الجمهور صرفوا النهي من التحريم إلى الكراهة بالعلة، قالوا: إن النهي عاد إلى أمر خارج عن ذات المنهي عنه فلم يعد النهي إلى ذات المنهي عنه ولا إلى شرطه، ولا جزئه المؤثر كالركن، عاد إلى أمر خارج، فينظر في القضية إن أصاب وإن أخطأ، إن كان حكمه على مقتضى القواعد الشرعية فهو نافذ وإلا ينقض إذا لم يكن على مقتضى النظر الشرعي.

стр. 2805

ترجم الإمام البخاري لباب: هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟ ونقل النووي عن جماهير أهل العلم أنه للكراهة، وعلى هذا يقضي ويفتي، يقضي وهو غضبان، ويفتي وهو غضبان، وكذلك إذا وجد ما يشوش الذهن من شدة حر أو شدة برد أو جوع، وما أشبه ذلك، فإنه يكره في حقه أن يقضي، منهم من يفرق بينما إذا كان الغضب لله -جل وعلا- وبينما إذا كان الغضب لأمر من أمور الدنيا، فإذا كان غضبه لأمر من أمور الدنيا فإنه يتجه إليه النهي، وإذا كان لله -جل وعلا- فإنه لا يتجه إليه النهي؛ لأن غضبه لله -جل وعلا-، لا يحمله على عدم النظر التام في القضية، والغضب إذا وجد لا شك أنه يغطي العقل بالكلية عند بعض الناس، وعند بعضهم دون ذلك، والغضب متفاوت كما قرر في طلاق الغضبان، لا شك أن الغضب له درجات، والحامل عليه يختلف، والداعي إليه يختلف، كل ما يشوش الفكر ويشغل عن النظر التام في القضايا يدخل في هذا الحديث ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) والغضب نبه به على ما عداه مما يشوش الذهن، ولا يمكنه من النظر التام في القضايا، يعني مع الأسف وجد أمور يعني هي من بلاوي العصر أنه يوجد قاضٍ في بعض النواحي لا أقول في هذه البلاد في غيرها من البلدان يدخن مثلاً، ويقول: إنه لا يتمكن من النظر في القضايا إلا إذا دخن، هل نقول كما قالوا أفتوا في بلدانهم يعني أنه لا بد أن يدخن، ولا يجوز له أن ينظر في القضايا حتى يدخن، أصلاً مثل هذا ليس بأهل للقضاء، يعني وإن أفتاه من أفتاه بحل الدخان، أو مجرد الكراهية، لكن هذا يمنعه من النظر الصحيح، وهو في الأصل ليس بأهل للقضاء، إن أرادوا به القضاء الشرعي، وإن أرادوا به القضاء المدني على ما يقولون فالأمر يعني أعظم من ذلك، فهل لهذا القول أو لمثل هذا القول حظ من النظر؟ القاضي اعتاد التدخين وإذا أحتاجه لا يتمكن من النظر، ويفعل في أصحابه الأفاعيل، حتى إنه وجد من يبذل عرضه عند عدمه، فالمسألة مشكلاتنا من المقدمات التي هي في الأصل غير شرعية، ونريد أن نبني عليها نتائج شرعية، قاضٍ يدخن تصور، ولا يتمكن من النظر حتى يدخن عدد كافي من السجائر، أصل المقدمة غير شرعية، فكيف نرجو نتيجة شرعية؟! يعني نظيره من يسافر بامرأة
следующие страницы →