← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

لإصابة الحق فله أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإذا حكم فأجتهد مثل الأول، ثم أخطأ فله أجر، قد يقول قائل: هذا له أجر وهذا له أجران، وقد يكون هذا الذي لم يصب قد بذل من الجهد أكثر ممن أصاب، والنتيجة ليست بيده، فكيف يحرم من هذا الأجر؟ والأمر ليس بيده، كلاهما نظر، وكلاهما أهل، وكلاهم أجتهد، لكن في النهاية هذا أصاب وهذا أخطأ، هذا له أجران وهذا له أجر، نقول: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هل ظلم الذي أخطأ بخس من حقه شيء، ما بخس من حقه شيء، وترتيب الأجرين على الإصابة يجعل القضاة والحكام يجتهدون لإصابة الحق أكثر مما لو تساوى الأجر مع من لم يصب الحق، إذا رتب الأجر وسوي بين من أصاب ومن لم يصب تجد بعض القضاة مثل ما يقولون: الأجر واحد، فلا يبذل جميع ما يستطيعه من جهد ووسع؛ لأنه لا فرق بين من يصيب ومن لا يصيب، لكن جاء هنا التفريق بينهما، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، من أجل أن يزيد القاضي، ويزيد الحاكم فيما يتوصل به إلى الإصابة، وفي النهاية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هذا وفق للإصابة، وهذا مع بذله جهده لم يوفق للإصابة فلم يحرم من الأجر، ولا بخس من حقه شيء، يعني يستدل في الحديث، وهذا ظاهر في من يشترط الاجتهاد في الحاكم والقاضي وأرباب الولايات، والاجتهاد في كل باب بحسبه، على ما تقدم، بعضهم يقول وهذا تابع لمسألة كبرى، وهي مسألة الاجتهاد والتقدير، هل يكفي في القاضي أن يكون مقلداً مجتهداً في مذهبه أو لا بد أن يكون مجتهداً في النصوص في الجملة والنظر فيها والموازنة فيها بغض النظر عن مذهب معين؟ منهم من يقول: يكفي أن يكون مجتهد مذهب، وينظر في نصوص إمامه، ويوازن ويتعامل معها مثل ما يتعامل مع النصوص، وهذا مقرر بين أرباب المذاهب، يتعاملون مع نصوص أئمتهم كالتعامل مع النصوص، نصوص الكتاب والسنة، فإذا وجدوا للإمام قولين، أو روايتين قالوا: إن أمكن الجمع بين هاتين الروايتين ولو بحمل مطلق على مقيد، أو عام على خاص تعين المصير إليه، وإلا فإن عرف المتقدم من المتأخر فقوله الآخر، وإلا فالتوقف، يقول هذا بالنسبة لنصوص الأئمة، ويشددون في أمر الاجتهاد في النصوص، ويضيقون على من أراده بشروط وقيود تجعله

стр. 2802

شبه مستحيل، مع أننا لو نظرنا في حقيقة الأمر لقلنا: إن هذا المجتهد في مذهبه في نصوص إمامه لو أستعمل هذا الاجتهاد في نصوص الكتاب والسنة لكان أيسر عليه، نعم إذا كان مقلد حفظ متن وصار يفتي على ضوء هذا المتن هذا أمره سهل، لكن إذا قلنا: إنه يجب عليه أن ينظر في نصوص إمامه إذا تعارضا على مقتضى النظر في النصوص الشرعية كلفناه بأشد وأكثر مما يكلف فيه من ينظر في النصوص التي هي الحكم عند الاختلاف، ولذا أهل التقليد يتعبون تعباً شديداً في فهم نصوص أئمتهم، مع أن نصوص الكتاب والسنة يعني أمرها أيسر، وهي مخدومة ولله الحمد، هناك التفاسير، هناك الشروح، هناك الكتب التي ألفت لتسهيل التعامل مع النصوص، وكلام الله واضح لمن لديه أدنى سبب للفهم وقدرة على المراجعة، كلام الله وكلام رسوله أوضح من كلام الأئمة بكثير، وما وجدت هذه التعقيدات إلا في كلام البشر، فيجعلون هذا المجتهد المقيد، نعم العامي ومن في حكمه هذا فرضه التقليد، لكن من لديه أهلية النظر في نصوص الأئمة لا شك أن لديه النظر في نصوص الكتاب والسنة، لديه أهلية النظر، ولو اتجهت همته إلى نصوص الكتاب والسنة لسهل عليه الأمر، كثير ممن يؤلف في القضاء يقول: عليه أن يكون مجتهد مذهب، يكفيه هذا أن يكون مجتهد مذهب، لكن اجتهد في مذهب إمامه هل يضمن الإصابة؟ لا يضمن الإصابة، ولا شك أن المردود إليه عند التنازع هو الكتاب والسنة، بل وجد من يحرم الاجتهاد، ويمنع الاجتهاد، ويوجب التقليد، حتى قال: ولا يجوز الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة ولو خالفت الكتاب والسنة وقول الصحابي، قالوا هذا الكلام نسأل الله العافية، والحديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد)) يعني اجتهد في الوسائل الشرعية، أجتهد في الوصول إلى الغاية الشرعية، وما عدا ذلك ليس الأمر بيده؛ لأنه إما أن يصيب وإما أن يخطئ وهو مأجور على الحالين.

стр. 2803

الشارح الصنعاني ذكر خطاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، ذكره في الشرح في مقدار صفحة، ثم قال: ولأمير المؤمنين علي ﵁ في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج لم أنقله لشهرته، يعني نقل كتاب عمر لأبي موسى، ولم ينقل خطاب علي للأشتر، قال: وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، يعني شهرته في تلك النواحي؛ لأن غالب السكان في عهده سكان اليمن من الهادوية زيدية، لهم عناية بما يذكر في النهج، لهم عناية في هذا الكتاب، فلا يخفى عليهم خطاب أو العهد الذي عهده علي ﵁ للأشتر، وقد يخفي عليهم ما كتبه عمر ﵁ إلى أبي موسى، ولا شك أن البيئات مؤثرة، ولذا قال هنا: ولأمير المؤمنين علي يقول: ﵇، والأولى أن يقال كغيره: ﵁ وأرضاه، في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، لم أنقله لشهرته، يعني عناية تلك النواحي بعلي أكثر من عنايتهم بعمر؛ لأن غالب السكان هناك في ذلك الوقت هم من الهادوية، وهم من الزيدية، لكن الآن صاروا أقل من غيرهم، صاروا أقل من الشافعية، ومن يعتني بالكتاب والسنة من غير نظر إلى مذهب، يعني أثرت الدعوة السلفية هناك. ثم قال ﵀:

стр. 2804

"وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحدكم)) " سواء كانت لا نافية، فنقول: لا يحكمُ، أو ناهية نقول: لا يحكمْ أحد، أحد نكرة في سباق النفي أو النهي فهي عامة، تفيد العموم ((بين اثنين وهو غضبان)) لماذا؟ لأن الغضب يحجبه عن النظر الكافي في القضية التي يترتب عليه الحكم الصحيح، النظر لا بد منه في القضية على المقتضى الشرعي، فإذا كان القاضي غضبان فإنه حينئذٍ لا يتمكن من النظر الواجب، وسواء قلنا: إن لا ناهية أو نافية فظاهر الخبر التحريم، وهو الأصل في النهي ما لم يوجد صارف، وجمهور أهل العلم حملوه على الكراهة، ونظيره الصلاة وهو يدافع الأخبثين، وهو حاقن، الجمهور على الكراهة، وحمله الظاهرية على ظاهره بالتحريم، وقالوا: إن الصلاة لا تصح، وهنا قالوا: النهي للتحريم والحكم لا يصح إذا نظر وهو غضبان، الجمهور صرفوا النهي من التحريم إلى الكراهة بالعلة، قالوا: إن النهي عاد إلى أمر خارج عن ذات المنهي عنه فلم يعد النهي إلى ذات المنهي عنه ولا إلى شرطه، ولا جزئه المؤثر كالركن، عاد إلى أمر خارج، فينظر في القضية إن أصاب وإن أخطأ، إن كان حكمه على مقتضى القواعد الشرعية فهو نافذ وإلا ينقض إذا لم يكن على مقتضى النظر الشرعي.

стр. 2805

ترجم الإمام البخاري لباب: هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟ ونقل النووي عن جماهير أهل العلم أنه للكراهة، وعلى هذا يقضي ويفتي، يقضي وهو غضبان، ويفتي وهو غضبان، وكذلك إذا وجد ما يشوش الذهن من شدة حر أو شدة برد أو جوع، وما أشبه ذلك، فإنه يكره في حقه أن يقضي، منهم من يفرق بينما إذا كان الغضب لله -جل وعلا- وبينما إذا كان الغضب لأمر من أمور الدنيا، فإذا كان غضبه لأمر من أمور الدنيا فإنه يتجه إليه النهي، وإذا كان لله -جل وعلا- فإنه لا يتجه إليه النهي؛ لأن غضبه لله -جل وعلا-، لا يحمله على عدم النظر التام في القضية، والغضب إذا وجد لا شك أنه يغطي العقل بالكلية عند بعض الناس، وعند بعضهم دون ذلك، والغضب متفاوت كما قرر في طلاق الغضبان، لا شك أن الغضب له درجات، والحامل عليه يختلف، والداعي إليه يختلف، كل ما يشوش الفكر ويشغل عن النظر التام في القضايا يدخل في هذا الحديث ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) والغضب نبه به على ما عداه مما يشوش الذهن، ولا يمكنه من النظر التام في القضايا، يعني مع الأسف وجد أمور يعني هي من بلاوي العصر أنه يوجد قاضٍ في بعض النواحي لا أقول في هذه البلاد في غيرها من البلدان يدخن مثلاً، ويقول: إنه لا يتمكن من النظر في القضايا إلا إذا دخن، هل نقول كما قالوا أفتوا في بلدانهم يعني أنه لا بد أن يدخن، ولا يجوز له أن ينظر في القضايا حتى يدخن، أصلاً مثل هذا ليس بأهل للقضاء، يعني وإن أفتاه من أفتاه بحل الدخان، أو مجرد الكراهية، لكن هذا يمنعه من النظر الصحيح، وهو في الأصل ليس بأهل للقضاء، إن أرادوا به القضاء الشرعي، وإن أرادوا به القضاء المدني على ما يقولون فالأمر يعني أعظم من ذلك، فهل لهذا القول أو لمثل هذا القول حظ من النظر؟ القاضي اعتاد التدخين وإذا أحتاجه لا يتمكن من النظر، ويفعل في أصحابه الأفاعيل، حتى إنه وجد من يبذل عرضه عند عدمه، فالمسألة مشكلاتنا من المقدمات التي هي في الأصل غير شرعية، ونريد أن نبني عليها نتائج شرعية، قاضٍ يدخن تصور، ولا يتمكن من النظر حتى يدخن عدد كافي من السجائر، أصل المقدمة غير شرعية، فكيف نرجو نتيجة شرعية؟! يعني نظيره من يسافر بامرأة

стр. 2806

أو بنساء من غير محارم، ثم يقول: أنا لا أستطيع أن أقف في منتصف الطريق خشية على هؤلاء النسوة لأداء صلاة الصبح فلا بد أن تؤخر صلاة الصبح خوفاً عليهم، أصل المقدمة غير شرعية فكيف تطلب نتيجة شرعية؟! مثل هذه الأمور لا بد أن تعالج المقدمات قبل النتائج، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2807

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: بلوغ المرام – كتاب القضاء (٢) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: لماذا لم يورد الحافظ ابن حجر كتاب عمر في القضاء لأبي موسى الأشعري؟ أولاً: الحافظ لم يلتزم إيراد كل ما يتعلق في أحاديث الأحكام، ولذا تجدون ما في البلوغ يعادل ربع ما في المنتقى، والإلزام بغير ما يلتزم به المؤلف ليس بوارد، والإلزامات التي ذكرها الدارقطني من إلزام البخاري ومسلم أحاديث لم يخرجاها في كتابيهما، مع أن شروطهما تتفق، ومتوافرة في هذه الأحاديث، نقول كما قلنا هنا: إن الحافظ لم يلتزم في إيراد جميع أحاديث الأحكام وما يتعلق بها، وكذلك البخاري ومسلم لم يلتزما إيراد كل ما صح، فالاختيار متروك للمؤلف. ذكر الفقهاء ضمن الشروط بالنسبة للقاضي: أن يكون القاضي بصيراً، وعللوا ذلك لكي يرى المدعي والمدعى عليه، فهل معنى ذلك أن الأعمى لا يصلح للقضاء؟ لا شك أنه شرط كمال، هو شرط كمال، وليس بشرط صحة، فكما هو الشأن في الإمارة، هم اشترطوه في الإمامة العظمى والولايات العامة، لكن مع ذلك النبي ﵊ استخلف ابن أم مكتوم مراراً على المدينة، مما يدل على أن ولايته صحيحة، وإمامة الأعمى سبق الكلام فيها حتى من أهل العلم من يقول: إن الأعمى أولى بالإمامة من المبصر، ومنهم من يرى أن المبصر ألوى بالإمامة من الأعمى، وكل له حجته، وكلها علل، وليس فيها نص، فالنبي ﵊ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مراراً، وعلى هذا فالأعمى لا خدش في إمامته، ولا في إمارته، ولا في قضائه، وعلى مر التاريخ تولى القضاء كثير من العميان، إلى عصرنا الحاضر، وكثير منهم متميز في قضائه، بل أكثر المتميزين من العميان، لكنه شرط كمال؛ لأن النظر في ملامح الوجوه، يعني إذا استوى من كل وجه الأعمى والمبصر المبصر أولى، إذا استوى من كل وجه، لكن قد يكون في الأعمى من الصفات ما يميزه على كثير من المبصرين، وحينئذٍ يرجح عليهم. هذا يقول: أنا طالب في كلية الشريعة، وأخشى إن تخرجت أن أختار للقضاء، فما هي نصيحتكم لي؟

стр. 2808

على كل حال إذا كنت تعلم من نفسك، وتؤمن من نفسك الكفاءة والأهلية فلا تتأخر، أما إذا كنت تعرف من نفسك ما لا يعرفه غيرك من عدم الكفاءة؛ لأن اللجان التي تختار للقضاء يعملون على الظاهر، يعاملون الناس على الظاهر، ويتحرون في الاختيار، لكن مع ذلك قد يختارون مفضول، ويتركون من هو أفضل منه؛ لأنهم ليسوا بمعصومين، وبعض الناس يجيد حسن التعامل في الظاهر، وإن كان عنده في الباطن ما قد يكون خادشاً في هذا الاختيار. وهنا يقول: من المعلوم أن القضاء عندنا إلزامي؟ نعم لولي الأمر ومن ينوب عنه أن يلزم من يرى فيه الأهلية، له أن يلزم من يرى فيه الأهلية. يقول: القضاء عندنا إلزامي، ويتم تعليق اسمه في وزارة الخدمة المدنية، فلا يستطيع التقديم في أي وظيفة؟ يعني هذا من باب الإلزام، من تمام الإلزام؛ لأنه لو ترك له الاختيار والتقديم إلى جهة أخرى، ويتم قبوله في تلك الجهة ما صار للإلزام معنى. فما الحكم فيمن لا يرى في نفسه الصلاحية للقضاء؟ إذا كان لا يرى بالفعل؛ لأن بعض الناس قد يخيل له أنه لا يصلح، وقد يتواضع ويهضم نفسه فيرى أنه لا يصلح، وهو في الحقيقة صالح، فإذا شهد له أهل الخبرة واستفاض بين زملائه أنه صالح تكفي هذه الاستفاضة. يقول: علماً بأن هناك في بعض الحالات ممن رفضوا القضاء جلسوا عاطلين عن العمل لمدة سنوات. وهذا أيضاً من تمام الإلزام، ولو لم يجلسوا عاطلين لما تم الإلزام. هذا يقول: في نسختي: ((فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة)) تحقيق الشيخ طارق عوض الله، فهل لفظة (فنعمت) صحيحة؟ الشراح نصوا على التغاير، ووجهوا هذا التغاير بين (نعم وبئس) مما يدل على أن الأصول كذلك، والشيخ طارق من أهل العناية وأهل التجويد، وأهل التحري في التحقيق، لكنه لا سيما في سبل السلام في طبعته أخطاء كثيرة، يعني مرت بنا أخطاء ما يمكن أن تمشي على مثله، فلعله مع كثرة أعماله العلمية، وكل متابعة العمل في هذا الكتاب إلى غيره، وإلا فالمعروف عنه أنه من أهل التحري والتثبت. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2809

يعني في الحديث السابق: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) ماذا عن تولية من عرف بشدة الغضب، أو سرعة الغضب في هذا المرفق العظيم؟ عرفنا أنه في الحديث السابق إذا حكم الحاكم فاجتهد أن الاجتهاد مطلوب للقاضي، وهو قيد وجودي، ونأخذ من هذا الحديث: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) أن الغضب مطلوب عدمه، فلا يصل للقضاء من هو سريع الغضب، أو شديد الغضب، وكل شيء يثيره؛ لأن هذا يؤثر في نظره في القضايا، ومن ثم على أحكام هذه القضايا، والغضب خصلة مذمومة، ووصية النبي ﵊ لمن استوصاه قال له: ((لا تغضب)) وكررها مراراً، لكن قد يقول بعض الناس: أنا مجبول على هذا، فما الحيلة؟ نقول: كما أن العلم بالتعلم كذلك الحلم بالتحلم، إذا وطنت نفسك على التحلم صرت حليماً؛ لأن هذه الملكات وهذه الغرائز منها ما هو غريزي، جبلي، جبل عليه الإنسان، ومنها ما هو مكتسب، فإذا فات الغريزي الجبلي من أصل الخلقة إذا فات هذا لا يفوت الثاني المكتسب، وهو الذي فيه المدح والذم؛ لأن مناط المدح والذم في الأفعال الاختيارية التي للإنسان أن يفعل، وله أن يترك، أما الأفعال الإجبارية فإنها ليست بمناط للذم ولا للمدح. قال ﵀: "وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر)) " الآخَر الذي هو الثاني، والآخِر الذي هو الأخير مقابل للأول، فلو قلت: حتى تسمع كلام الآخَر أو الآخِر المعنى واضح، ولا فرق بينهما هنا. يفرقون في التقويم فيقولون مثلاً: جمادى الآخرة، وربيع الثاني أليس كذلك؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لماذا؟ والعادة أن الثاني إذا كان هناك ثالث، وإذا لم يكن هناك ثالث قالوا: الآخر، يعني أول وآخر، كما في المقابلة في الأسماء الحسنى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [(٣) سورة الحديد]. ربيع الأول ربيع الثاني، جمادى الأولى جمادى الآخرة، لماذا فرقوا بينهما؟ هل في ربيع ثالث؟ أو نقول: هو مجرد تفنن؟ الجواب؟ في جواب؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . . . . . . . . . . أصل؟ طالب:. . . . . . . . . أيوه؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 2810

يعني لوقوعه في آخر فصل الشتاء؟ هذا ليس بمطرد، يعني جمادى الآخرة الماضي في فصل الشتاء أو في عز الصيف؟ في شدة الصيف اللي يظهر أنه مجرد تفنن، يعني لئلا يكثر الثاني الثاني، الآخر الآخر، مجرد تفنن في العبارة، والمعنى واضح. ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر)) لا يجوز للقاضي أن يحكم لأحد الخصمين بمجرد سماع كلامه؛ لأنه قد يكون عند الثاني ما يدفع الدعوى، فإذا سمع كلام المدعي، وسمع كلام المدعى عليه، إن اعترف فلا يحتاج إلى بينة، إن أنكر طلبت البينة من المدعي، إذا كانت البينة مقنعة مرضية يثبت بها الحق حكم بها، وإن كانت البينة غير مقنعة ووجودها مثل عدمها فإنه يتجه إلى المدعى عليه، ويطلب منه اليمين؛ لأن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. ثم بعد ذلك إن نكل المدعى عليه عن اليمين إذا قال المدعي: ليست لي بينة، عاد القاضي إلى المدعى عليه وطلب منه اليمين، إن نكل هل يقضى عليه بالنكول، ويحكم عليه بلزوم الحق وثبوته؟ أو يقال له: تقبل يمين المدعي؟ وهذا ما يعرف برد اليمين. ومالك ﵀ قال: إنه لا يعلم أحد قال برد اليمين على المدعي، مع أن ممن قال به قضاة عصره ابن أبي ليلى وابن شبرمة، فالمسألة خلافية هل يحكم عليه بمجرد النكول، أو تطلب اليمين من المدعي فترد عليه؟ مسألة خلافية بين أهل العلم. إن سكت المدعى عليه قال له: ماذا تقول؟ سكت، هل يحكم عليه بمجرد هذا السكوت، أو ذكر شيئاً مثل السكوت، قال: لا أعترف ولا أنكر، منهم من يقول: يحكم عليه كما يحكم على الغائب، ومنهم من يقول: يحبس حتى يعترف أو ينكر. الحكم على الغائب مسألة خلافية بين أهل العلم فأبو حنيفة يقول: لا يحكم عليه مطلقاً حتى يحضر، طيب، لكن بعض المدعى عليهم قد يتخذ الغياب ذريعة لضياع الحق، فيختفي، أو يسافر إلى بلد لا يمكن إحضاره منه، ولا يمكن استخلاف من قاضٍ إلى قاضٍ، فمن أجل أن يضيع الحق يسافر أو يختفي حتى يظن أن الدعوى تركت، فمن أهل العلم وهم الجمهور يقولون: يقضى عليه، تضرب له مدة إن حضر وإلا يقضى عليه، فإذا حضر بعد ذلك فأثبت ما ينفي هذه الدعوى عمل بها، وإلا نفذ الحكم، وهذا قول الأكثر.

стр. 2811

هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، حديث علي: ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر)) معناه صحيح، لكن فيه كلام، في ثبوته كلام، وله شاهد، ولذا احتاج الحافظ أن يورد له شاهداً من حديث ابن عباس عند الحاكم. ((حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي)) يعني إذا مشى القاضي على هذه المقدمات المرسومة الشرعية يعرف كيف يقضي، لكن إذا كان يتخبط مرة يسأل المدعي، ومرة يسأل المدعى عليه، مرة يرد على المدعي، ومرة لا يلتفت إلى المدعى عليه، مثل هذا ما يمكن أن يقضي بين الناس، لكن إذا اتخذ هذه الطريقة والوسيلة الشرعية لإثبات الحقوق فإنه سوف يدري كيف يقضي. قال علي: "فما زلت قاضياً بعد" استمر في القضاء على هذه الطريقة، "فما زلت قاضياً بعد" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس يصل به إلى درجة الحسن، ومعناه على كل حال صحيح. قال ﵀: "وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي)) " تتنازعون، فيدعي بعضكم على بعض ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته)) يعني أبلغ بالحجة وبيان ما يريد ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)) ولا شك أن التعبير له دور، حسن التعبير له دور في جلاء الحق، كما أن ضعف العبارة قد تغطي شيء من الحق، ولذا جاء في الحديث: ((إن من البيان لسحراً)) فالبيان مؤثر، لا شك أنه مؤثر، فالحق قد يعتريه سوء تعبير، أحياناً إذا أردت أن تمدح شيئاً لا سيما إذا كنت من أهل البلاغة والفصاحة جعلته بمكانة أعلى من مكانته الحقيقية، بخلاف ما إذا كنت في الفصاحة والبلاغة أقل فإنك قد لا توفيه حقه، كما قالوا في العسل: تقول: هذا جنى النحل تمدحه ... وإن شئت قلت: هذا قيء الزنابير

стр. 2812

ما في فرق، بالنسبة للواقع هذا هو، جنى النحل يجنيه من الزهور والورود هذا جناه، وإن شئت قلت: هذا قيء الزنابير، مجرد اللفظ قيء هذا ذم، وإن كانت هذه حقيقته، لكن إذا عبرت بالأسلوب المقبول مدحت، وإذا عبرت بالأسلوب الذي تنفر منه الطباع، وإن كان هو الواقع، فكما قالوا: "الحق يعتريه سوء تعبير" فيكون أحد الخصمين أبلغ وألحن وأفصح، وأسرع في الحجة وبيانها، يبادر بها، ويجليها ويوضحها، والثاني بطيء في الرد، وإذا استحضر الرد قصر في التعبير عنه، وهذا في كثير من الأمور تجد الإنسان يسأل سؤال أو يطرح عليه إشكال فلا يبادر بالجواب، ثم إذا ذهب إلى منزله، واستلقى في فراشه حضر الجواب، هذا ما ينفع، وبعض الناس ما شاء الله مباشرة هات السؤال، وخذ الجواب، فإذا كان الخصم من هذا النوع حجته حاضرة، وعنده فصاحة وبلاغة، ولحن في القول، فإنه يستطيع أن يجلي القضية، ويستطيع أن يصرف نظر القاضي إلى كلامه، بينما خصمه أقل من مستواه. وبعض الناس يضيّع حقه بكلامه الذي .. ، الحجج القوية التي تؤيده تغيب عنه، فيستمسك بحجج ضعيفة، يستدل القاضي من خلالها أنه لا حجة له قوية، يعني الآن في المناظرات تجدون بعض الناس في المناظرة يكون حاضر الجواب، ويعبر عنه بأسلوب يجعل الناس يقبلونه، ويجعل الخصم يذعن له، وبعض الناس عنده ضعف في هذا الباب، ومثل هذا لا سيما إذا كان من أهل الحق لا يجوز له أن يناظر؛ لأنه إذا ضعف أمام خصمه، وغلب في الحجة والبيان، فإنه سيقضى على أهل مذهبه بالعجز، وينسب عجزه إلى مذهبه، ما يقال: والله عجز فلان، إنما يقال: عجز أهل المذهب الفلاني عن الجواب عن الشبه التي وجهت إليهم.

стр. 2813

وفي تفسير الرازي الكبير يورد الشبه قوية جداً، ويجيب عنها بضعف، فهل نقول: إن من مقصده تقرير هذه الشبه؟ لأنك إذا أردت أن تقرر شبهة، أو أردت أن تقرر ما في نفسك مما تميل إليه، وتتوجه إليه، وترجحه تجليه بأقوى ما تستطيع من أدلة وبيان، وتجلب عليه بكل ما أوتيت من حجة، ثم قد تورد ما يمكن إيراده عليه، فلا تأتي بأقوى الإرادات ليقتنع القارئ أنه لا يوجد أقوى من هذه، وحينئذٍ يحكم بما قررت، وينساق وراءه، والإنصاف والعدل أن الإنسان إذا ساق الأقوال بأدلتها أن يورد أقوى ما يجد في الطرفين؛ لأن هذا أسلوب يسلكه بعض المقلدة، تجده يورد المذهب الذي يذهب إليه، ويميل إليه، مذهب إمامه، ويورد أقوى الأدلة لهذا الإمام النقلية والعقلية، ثم يقول، يذكر القول الثاني، ويذكر أضعف ما عنده من حجج. إذا اقتنع القارئ بمثل هذا الكلام، وتوقف عليه، ما تعداه إلى الكتب الأخرى التي يجلى فيها القول الثاني من أصحابه وأربابه فإنه سوف يقتنع، ومثل هذا لو أورد مذاهب، وأحياناً ترجح الأقوال بالنظر إلى قائليها، قد لا تكون الحجة واضحة في الطرفين، لكن قد ترجح الأقوال بالنظر للقائلين، فلو قال: ذهب مالك والشافعي إلى كذا، ودليلهم كذا، وذهب فلان يعني ممن لم يشتهر بعلم، لو كان منصفاً قال: ذهب مالك والشافعي، وذهب أحمد وأبو حنيفة، هذا لو كان منصف، لكن ما يذكر أحمد وأبو حنيفة في الطرف الثاني، تجده يذكر شخص غير معروف بعلم، وغير مشهور، أنت إذا وجدت هذا الشخص غير المشهور بالعلم في مقابل مالك والشافعي ماذا تقول؟ لا شك أن ترجيح القول باعتبار القائلين ملحظ عند أهل العلم، يعني لو كان القول قوياً لقال به غير هذا الشخص، لكن لضعفه لم يقل به إلا هذا الشخص، مع أنه معروف في المذاهب الأخرى، لكنه من باب الهجوم على العقول حتى تذعن لما يلقيه الإنسان.

стр. 2814

ولذلك على الإنسان أن يتأنى ويتريث في دراسة المسائل العلمية، كثير من الناس إذا قيل له: المذهب عند الحنابلة كذا، لكن شيخ الإسلام ﵀ اختار كذا، خلاص أذعن واستسلم، شيخ الإسلام، إذا قالت حذام فصدقوها، أو ابن القيم درس هذه المسألة دراسة مستفيضة، نعم هجم قول ابن القيم، وما أجلب عليه ابن القيم من بيان، وترك النظر الدقيق في المسألة، نعم شيخ الإسلام إمام من أئمة المسلمين، وابن القيم إمام، لكن إذا رجحنا بالنسبة للقائلين، يعني من غير نظر في أدلة ولا غيرها أين منزلة شيخ الإسلام وابن القيم من منزلة الإمام أحمد أو مالك أو الشافعي؟! فكثير من الناس يقتنع بمجرد العرض، نقول: لا، لا تقتنع، ابن قدامه أو غير ابن قدامه من كبار الفقهاء حينما يعرض قول الحنابلة، ويؤيده بما عنده من أدلة، ثم يعرض قول الآخرين، اذهب إلى كتب الآخرين، وشف ما عندهم من أدلة؛ لأن عدم الاستيعاب إما أن يكون بسبب تقصير أو قصور، كم في كتب المالكية من أدلة تؤيد أقوالهم لم نطلع عليها، وقل مثل هذا في الشافعية والحنفية، فالإنسان عليه أن يبحث الأقوال من كتب أصحابها، ولا يقتنع بلحن بعض العلماء وبلاغة بعض العلماء، كم من قول راجع على الناس؛ لأن ابن القيم -رحمة الله عليه- عنده بيان، وعنده قوة حجة، كمن قول راج لأن ابن حزم بقوة حجته وبيانه، ثم إذا دققت ونظرت في أقوال الآخرين وأدلتهم وجدت أن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر.

стр. 2815

ومن هذا الحديث نأخذ أن على الإنسان أن يتأنى في أموره كلها، يعني في بحث المسائل العلمية، وفي بحث القضايا التي عند الخصوم، يعني أحياناً تكون القضية عند قاض من الشباب، يعني ليس له قدم راسخة في القضاء، جديد على القضاء، ويتقاضى فيها جهتان، وينوب عن كل جهة شخص ضليع، وقد حصل، حتى أن القاضي في بعض الجلسات ما يستطيع أن يتصرف، أمام هذا أو ذاك، في مثل هذه الحالة عليه أن يعتذر عن هذه القضية، ألا يمكن أن يوجد في الخصوم من هو أفقه من القاضي، وأبلغ من القاضي؟ القاضي عليه أن يحكم بالمقدمات الشرعية، لكن أحياناً تكون بعض القضايا لها ذيول، ولها تاريخ، بعض القضايا تستمر مدة طويلة، ويترتب عليها قضايا أخرى، وتتشعب، تحتاج إلى شيء من اللم، يدركها من له قدم راسخة في القضاء، فمثل هذه الأمور إذا وردت على قاض يعني جديد على القضاء ما مر عليه مثل هذه القضايا المتشعبة لا ضير أن يقول: والله أنا تقصر مرتبتي عن مثل هذه القضية، وتحال إلى غيره، أو يشترك معه غيره، ما في أدنى غضاضة ولا إشكال.

стр. 2816

((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه)) الرسول ﵊ بشر ((إنما أنا بشر)) بشر لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله إياه، فيقضي على نحو ما يسمع، الرسول ﵊ بالإمكان أن يصل إلى الحكم المطابق للواقع؛ لأنه مؤيد بالوحي، لكنه في هذه الحالة قدوة للقضاة، يعني من يأتي بعده من القضاة الذين لم يؤيدوا بوحي، فكيف يصنعون لو لم يقل النبي ﵊ هذا الكلام؟ كما أنه ﵊ سها في صلاته مع إمكان أن ينبه بالوحي، ومع ذلك سها ونبه من قبل بعض من خلفه، ينسى ﵊ ليسن، والنبي ﵊ تنام عيناه ولا ينام قلبه، ومع ذلك نام عن صلاة الصبح حتى أيقظهم حر الشمس، لماذا؟ ليشرع، لو لم ترد مثل هذه القضايا ما عرفنا كيف نتصرف إذا وقعت لنا؟ يعني أهل الحرص وأهل التحري لو لم يحصل من النبي ﵊ النوم في هذه الحادثة ثم نام، نام قلبه عن الصلاة حتى طلعت عليه الشمس، ماذا يحصل له من الأسى والحزن؟ ما يكدر عليه حياته، لكن إذا عرف أن النبي ﵊ نام صار هذا فيه تسلية له، وعرف كيف يتصرف كما تصرف النبي ﵊. ومثل هذا يقضي النبي ﵊ على نحو ما يسمع من هذا الخصم البليغ، ثم بعد ذلك قد تكون النتيجة، الوسيلة شرعية، سمع من المدعي، سمع جواب المدعى عليه، طلب البينة من المدعي، أحضرت البينة، ثم بعد ذلك حكم له، النتيجة شرعية وصحيحة ما فيها أدنى إشكال، والقاضي مأجور على أي حال، سواءً كان أصاب أو أخطأ، فإن أصاب فله أجران على ما تقدم، وإن أخطأ له أجر، لكن ماذا عن المدعي والمدعى عليه إذا لم يطابق الحكم الواقع؟ ((فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار)) المدعي الذي أخذ هذا الحق بشهادة زور مثلاً، شهد أناس ظاهرهم العدالة، وحكم بهم القاضي، اجتهد ورأى أن الذمة تبرأ بشهادتهم، ثم صار الحكم غير مطابق للواقع.

стр. 2817

يحكم للمدعي بقطعة من نار ((فإنما أقطع له قطعة من نار)) وفي رواية: ((فإن شاء أخذها، وإن شاء فليدعها)) وهذا أسلوب تهديد، وليس أسلوب تخيير، لا، وعامة أهل العلم على أن هذا الحكم لا يحل ولا يبيح للمدعي أخذ ما حكم له به، وإن حكم به القاضي، وأيده التمييز، فإنه حرام عليه أن يأخذ منه شيئاً، ومعروف عند الحنفية أنه إذا حكم به القاضي نفذ حكمه ظاهراً وباطناً، ويحل له أن يأكل ما حكم له به القاضي، لكن هذا القول مصادم لهذا النص الصحيح الصريح، ومنهم من يفرق بين الفروج وبين الأموال، فيقول: ينفذ الحكم ظاهراً وباطناً في النكاح والطلاق، ولا ينفذ باطناً -وإن نفذ ظاهراً- في الأموال، مع أنك تعجب من مثل هذا القول، وإلا المفترض أن يكون العكس؛ لأن الفروج يحتاط لها أكثر مما يحتاط للأموال، وعلى كل حال الحديث نص قاطع في أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به إذا كان مبطلاً في حقيقة الأمر. يقتطع له قطعة من نار، والذين يأكلون أموال اليتامى جاء في القرآن عنهم أنهم ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [(١٠) سورة النساء] و ((الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) لأن هذا هو المآل، معصية توعد عليها بالعذاب بالنار، فهذا مآله، وهذا في حقوق العباد، وأمره أشد من حقوق الله تعالى، هذا من الديوان الذي لا يغفر، وإن كان ما دون الشرك داخل تحت المشيئة، لكن أمره أشد من حقوق الله -جل وعلا-. ثم بعد هذا قال -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كيف تقدس أمة؟ )) " التقديس: هو التطهير ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟! )) كيف تطهر هذه الأمة وهذا واقعها؟ الشديد القوي يأكل الضعيف، وهذا استبعاد لهذا التطهير وهذا التقديس ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟! )) والحديث له شواهد من حديث بريدة وأبي سعيد، كما أشار المؤلف -رحمه الله تعالى-، وبها يصل إلى درجة الحسن لغيره، وإلا فمفرداتها ضعيفة.

стр. 2818

الحق لا بد من أخذه من الظالم للمظلوم، بغض النظر عن موقع هذا الظالم وهذا المظلوم ((ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) والنبي ﵊ لما وضع الدماء في حجة الوداع والربا، أول ما بدأ بدم ابن ربيعة ابن عمه، وأول ما وضع ربا العباس بن عبد المطلب عم النبي ﵊، وهذا هو الواجب وهو المتعين أن يبدأ السلطان بنفسه، وأقرب الناس إليه في تطبيق الحقوق والحدود؛ ليمكن امتثال ما يأمر به، وينهى عنه. بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، فهلكوا بسبب ذلك، ولا فرق بين شريف ووضيع أمام التشريع، وأبو بكر في أول خطبة خطبها يقول: "القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له الحق" والنصرة واجبة للظالم والمظلوم، النصرة للمظلوم واضحة، لكن نصرة الظالم بأن يكف عن الظلم، مهما كان موقعه ومنزلته، سواءً كان من ذوي القربى، أو من ذوي الهيئات وعلية القوم، لا بد أن يؤخذ منهم الحق. سم. أحسن الله إليك. وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يُدعى بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره)) رواه ابن حبان، وأخرجه البيهقي ولفظه: ((في تمرة)). وعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) رواه البخاري. وعن أبي مريم الأزدي -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين، فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم، احتجب الله دون حاجته)) أخرجه أبو داود والترمذي. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم" رواه أحمد والأربعة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. وله شاهد: من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- عند الأربعة إلا النسائي. وعن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- قال: "قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" رواه أبو داود، وصححه الحاكم.

стр. 2819

هذا يقول: هلا بينت كيف يميز القاضي بين المدعي والمدعى عليه؟ إذا جلس الخصمان بين يديه سأل: أيكما المدعي؟ ثم صاحب الدعوى يقول: أنا المدعي، وقد يقول المدعى عليه: أنا المدعي، فتكون الدعوى مقلوبة، وحينئذٍ لا ينظر فيها، لا تنظر الدعوى مقلوبة، لا تنظر الدعوى المقلوبة، لكن في النهاية يصل القاضي إلى معرفة المدعي من المدعى عليه بأن المدعي إذا تَرك تُرك، إذا تَرك تُرك، والمدعى عليه إذا ترك لم يترك، فإذا ادعى كل منهما أنه هو المدعي قال لهما القاضي: انصرفا، هذا المدعى عليه بينصرف فوراً، لكنه لن يترك في حقيقة الأمر، المدعي الحقيقي لن يتركه، ولن ينصرف فيتبين بذلك المدعي من المدعى عليه، يعني إذا قال القاضي للخصمين: ما عندي لكم سماع انصرفا، أحدهما سوف ينصرف، والثاني لن ينصرف، وبهذا نعرف أن هذا المنصرف هو المدعى عليه؛ لأنه لن يترك، وأما المدعي لن ينصرف وإن انصرف فيكون قد أبطل دعواه إذا انصرف. يقول -رحمه الله تعالى-: "وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يدعى بالقاضي العادل)) " يعني يؤمر به ((يوم القيامة)) فيحضر ((فيلقى من شدة الحساب)) من التدقيق في الحساب ((ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره)).

стр. 2820

شدة الحساب تدل على المناقشة، ومن نوقش الحساب عذب ((يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره)) وهذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، والراجح عدم ثبوته، ويذكر في كتب أهل العلم من باب التحذير من الظلم، والترغيب في العدل، إذا كان هذا القاضي العادل فكيف بغيره؟! مع أنه جاءت النصوص التي تدل على مدح أهل العدل والإنصاف من القضاة وغيرهم ((المقسطون على منابر من نور يوم القيامة)) المقسطون: يعني العادلين الذين يعدلون بين أهليهم وغيرهم ممن ولوا أمرهم على منابر من نور، فيكف يقال: ((يلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين))؟ إذا ثبت له الوصف وهو العدل، والقاسطون بخلاف ذلك، المقسطون على منابر من نور، والقاسطون؟ ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [(١٥) سورة الجن] نسأل الله العافية، فالمقسط هو العادل، والقاسط هو الذي يعدل عن الحق، ويميل إلى الباطل. ((يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره)) هذا العادل إذا لقي من شدة الحساب من التدقيق والمناقشة لا محيد ولا مفر أنه هالك ((من نوقش الحساب عذب)) مما يدل على أن هذا الحديث في معناه وفي ثبوته نظر. ((بين اثنين في عمره)) رواه ابن حبان، وأخرجه البيهقي، ولفظه: ((في تمرة)) من قضى بين اثنين في تمرة، فقضى بها لأحدهما دون الآخر، ولو كان عادلاً قضى بها لصاحبها، يتمنى أنه ما قضى، مما يدل على ضعف هذا الخبر؛ لأنه إذا كان العادل بهذه المثابة فمن يتولى القضاء بعد ذلك؟! من يفصل بين الناس؟ من يحل مشاكل الناس؟ إذا كان هذا في حق العادل؟ نعم الظالم الجائر جاءت النصوص بوعيده، لكن العادل جاءت النصوص الصحيحة القطعية بمدحه، وهذا الحديث يتضمن ذمه بخلاف ما جاء في النصوص القطعية. على كل حال هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم في سنده وفي متنه.

стр. 2821

قال ﵀: "وعن أبي بكرة" نفيع بن الحارث الصحابي المعروف "﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) " هذا الحديث في البخاري، ويكثر الكلام فيه من قبل بعض الكتاب الذين يطنطنون بالمساواة بين الرجل والمرأة، ويدعون إلى أن تتولى المرأة جميع الإعمال بما فيها الولاية العظمى، وبما فيها ما يعرضها للوحوش من البشر، ولا فرق عندهم بين العمل الذي يناسبها، والعمل الذي لا يناسبها، لا يناسب طبيعتها، فتجدهم يكتبون عن هذا الحديث، ومع الأسف أنه قدح في الحديث من قبل من ينتسب إلى العلم والدعوة، وألف في السنة، ونقد السنة، ومما أورده هذا الحديث، وقال: مما يدل على عدم صحته أن الواقع يخالفه، كيف الواقع يخالفه؟ يعني تركيب المرأة تصلح معه أن تتولى الأمور العامة للناس؟ لها وظائف لا يستطيع الرجال أن يقوموا بها، لكن للرجال وظائف لا تستطيعها ولا تطيقها النساء. هذا الكاتب الذي كتب عن السنة، ونقد بعض متون السنة، وأورد أمثلة، ومنها هذا الحديث، وقال: إن الواقع يخالفه، كيف الواقع يخالفه؟ قال: غاندي حكمت الهند سبعمائة مليون في وقتها، ومشت أمورهم بحكمها؟ كيف مشت؟! بغير ما أنزل الله تمشي الأمور؟! يقول: جولد مائير هزمت العرب بسبعة وستين، وثلاثة وسبعين أو ما أدري كم؟ رئيسة وزراء إسرائيل، وتاتشر المرأة الحديدية التي صارت رئيسة وزراء بريطانيا مدة، هؤلاء نسوة نجحن في قيادة الأمم والشعوب كيف يقال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))؟ بمثل هذا الكلام ترد النصوص الصحيحة؟! يعني إذا تطاولنا على البخاري ماذا يبقى لنا؟ لكنه الهوى والضلال، وليس للضلال حد ولا نهاية إذا بدأ الإنسان وانساق وراء عقله فإنه لن يقف عند حد، سوف يضيع في المتاهات، يعني يمكن أن يقول هذا الشخص مثل هذا الكلام في بداية طلبه للعلم، وفي أثناء طلبه للعلم، لكن نسأل الله الثبات. ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم)) لما تولت بنت كسرى، ولوها بعد أبيها، قال النبي ﵊: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) وهكذا حصل، وهكذا وقع الخبر مطابقاً لما أخبر به النبي ﵊.

стр. 2822

حتى هؤلاء النسوة اللواتي تولين هذه المهمات مما ذكر في الأمثلة، هل المرأة هي التي تدير شئون الملك والحكم والدول في حقيقة الأمر؟ هي مجالس التي تدير هذه الدول مجالس، ودساتير يعملون بها، هي في أصلها مخالفة لما شرعه الله -جل وعلا-، ويطبقها أناس، مجالس ليس التطبيق يوكل إلى فرد بعينه، فليست هي في الحقيقة هي الحاكمة، وإن نصبوها تمثالاً يتوصلون به إلى مآربهم ومقاصدهم، فينظر إلى الأمور بعين الاعتدال والإنصاف والحكمة، نعم المرأة نصف المجتمع، ولها مهام أنيطت بها من قبل الشرع لا يستطيعها الرجال، فلا يستطيع الرجل تربية الأولاد، ولا حضانة الأولاد، لا يستطيعها إلا النساء، وهذه من أعظم المهمات؛ لأنك تتعامل مع شخص لا يعقل، وله مشاعره، وله عواطفه، يعني لست تتعامل مع حضيرة غنم لا تعقل، ولا تتعامل مع عقلاء ينصاعون للأوامر والنواهي، ويحذرون بالترهيب، ويرغبون بالترغيب، لا، تتعامل مع شخص ليس ببهيمة، له مشاعره، وله عواطفه، وله نفسيته التي تتأثر بأدنى شيء، وتنخدش بأدنى شيء، لكنه ليس عنده من العقل ما يميز به ما ينفعه ويضره، والإنسان في هذه المرحلة من أصعب ما يمكن التعامل معه، وكلت هذه المهمة العظيمة للمرأة، ولا يطيقها الرجال، لا يستطيع الأب أن يتعامل مع الولد في هذه السن، لكن وكل له أمور أخرى تليق بتركيبه، وتليق بطبيعته البشرية، والرجال قوامون على النساء، ومع ذلك لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، يعني لهن حقوق مثل ما للرجل عليهن، ولكن الرجال فضلوا على النساء بدرجة.

стр. 2823

قال بعضهم: إن بعض النساء أذكى من زوجها بمراحل، ومع ذلك تحشر المرأة الذكية في البيت، والرجل الأقل ذكاءً يخرج للناس، فكان من بعض الأجوبة اللطيفة، مما قاله بعضهم ممن يرد على هذه الشبه، قال: ليس الظهور بأكمل من الاختفاء مطلقاً، فأنت ترى الحارس أكثر مما ترى المدير، والحارس أقل من المدير، يعني ليس الظهور أمام الناس باستمرار هو من أجل أنه أفضل، أو من أجل أن من أتيح له الظهور أفضل من غيره، وعلى كل حال كانت المرأة مظلومة في الجاهلية، فرفع الإسلام من شأنها، بما لا مزيد عليه؛ لأن الزيادة على ما قرره الإسلام ضرر على الجنسين، وماذا جنت الأمة من الدعوات التي خلال قرن من الزمان، يعني أخرجت المرأة من وظيفتها، ومع ذلك ما استفادت مما وكل إليها، ولا استفيد منها على المستوى الذي خطط له، لكن يظهر من خلال بعض التصرفات شيء ينم عن بعض النوايا السيئة. فليس الحرص على المرأة وخروج المرأة وعمل المرأة النظر فيه إلى المصلحة بقدر ما فيه من تقليد من جهة، وإرضاء لرغبات ونزوات من بعض المغرضين، والله المستعان.

стр. 2824

قال ﵀: "وعن أبي مريم الأزدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته)) " الجزاء من جنس العمل، لماذا يولى هذا الشخص على أمر من أمور المسلمين؟ إنما ولي ليخدم مصالح المسلمين، فإذا احتجب عنهم لم يستطع القيام بما وكل إليه، وما أسند إليه، فإذا احتجب عنهم ضيعهم، وضيع حوائجهم، فيجازى بجنس عمله، تضيع حاجته، ويحتجب الله -جل وعلا- دون حاجته، وإذا احتجب الله -جل وعلا- دون حاجته من يقضيها؟ البشر كلهم لا يستطيعون قضاء حاجة من احتجب الله دون حاجته؛ لأن قلوب هؤلاء البشر كلهم بيد الله -جل وعلا-، هو الذي يسيرهم لقضاء حاجة فلان، وتفريج هم فلان، وتنفيس كربة فلان، حتى الذي يدفع المال من جيبه للفقير هذا لا يدفع من ماله ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾ [(٣٣) سورة النور] وقد يأتي شخصان من ذوي الحاجات إلى غني، وقد يكون أحدهما أشد حاجة من الآخر، فينشرح صدره ليعطي فلان ويمنع فلان، الله -جل وعلا- هو الذي أمره بإعطاء فلان، وحجب عطاءه عن فلان. "وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ " طيب ولعلنا نكتفي بهذا نرجئ ما بقي للدرس القادم، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2825

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: بلوغ المرام – كتاب القضاء (٣) باب: الشهادات الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم" الراشي: هو الدافع للمال من أجل أن يحكم له، والمرتشي هو الآخذ من أجل أن يحكم، ولا يختص هذا بالحاكم ولا بالقاضي، بل كل من له نفوذ أو يستطيع النفع ممن يأخذ أجراً على عمله، أما من لا يأخذ أجراً فله أن يأخذ بقدر أجرته، أجرة المثل من صاحب القضية له أجرة المثل، أما العامل الذي يتقاضى أجراً من عمله فأخذه لهذا المال رشوة، وسواءً قُدم على أنه رشوة صريحة مكشوفة، أو على أنه هدية، والمقصود منها كسب القضية، أو منفعة، يقدم له خدمة في مقابل أن ييسر له أمر نجاح قضيته، والمرتشي هو الآخذ على أي وجه كان، سواءً أخذ مالاً، أو أخذ منفعة، قُدم له خدمة هذه رشوة، والعامل على الصدقة لما أهدي له يقال له: ابن اللتبية أهدي له، فلما قدم إلى المدينة قال: هذا هو الصدقة، وهذا أهدي إلي، قال النبي ﵊: ((هلا جلس في بيت أبيه فينظر هل يهدى له؟ )). الرشوة إن كانت لأخذ ما لا يستحقه فهذه مجمعة على تحريمها، وأنها من كبائر الذنوب، وأنها من أعظم معاول الهدم، واستقامة الأمور والأحوال في المجتمعات، الآن كثير من المجتمعات لا تستخرج فيها الحقوق إلا بالرشوة، والذي يتورع عن الرشوة يضيع حقه في كثير من المجتمعات، وهذا هو الذي جعل الراشي والمرتشي مستحقان للعنة الله؛ لأن آثارها سيئة، وعواقبها وخيمة، سواءً كان المبلغ المدفوع رشوة كبيراً أو صغيراً، كلها رشوة.

стр. 2826

بعضهم يقول: إن لي حق في هذه الجهة، ولا يدفع لي إلا إذا دفعت، فأنا أدفع هذه الرشوة، وهذا المبلغ من أجل استخراج حقي، وبعض أهل العلم قد يتسمح في مثل هذا، لكنها داخلة في عموم اللفظ ((لعن الله الراشي والمرتشي)) فإذا دفع هذا المال ولو كان لاستخراج حقه فإنه داخل، وإن تسمح بعضهم في ذلك وقال: إنه لا يصل إلى حقه إلا بهذه الطريقة؛ لأن الراشي في مثل هذه الصورة وإن كان الأمر بالنسبة إليه أخف مما لو لم يكن له حق، فإن المرتشي الذي يأخذ المال ليخرج هذا الحق الذي يستحقه الراشي لن يفرق مستقبلاً بين محق ومبطل، فهي إعانة له، والقاعدة أن ما حرم أخذه حرم دفعه، فيحرم على الموظف أن يأخذ مبلغاً من المال ليستخرج حقك الذي لا تستطيع استخراجه، وقد تقول: أنا أتوصل بهذه الرشوة إلى استخراج حقي، وقد وجدت من يفتيني، نقول: إنه يحرم على هذا الموظف الأخذ، ومن ثم يحرم عليك الدفع؛ لأن ما حرم أخذه حرم دفعه، ثم بعد ذلك هذا المرتشي سوف يأخذ من المبطل إذا أخذ من المحق. على كل حال هذه الخصلة الذميمة التي عاثت في كثير من بلدان المسلمين -فضلاً عن غيرهم- فساداً، وصارت أمور الناس لا تمشي إلا بدفع شيء من المال، وتتابع عليها الصغير والكبير، وضيع الحقوق والحدود بسببها، بعضهم يأخذ شيء يسير ويمشي المعاملة داخل في اللعن، ولو كان يسيراً، وبعضهم يدفع أموالاً طائلة ليستخرج في مقابلها ما هو أعظم منها، داخل في اللعن أيضاً ((لعن الله الراشي)) الذي يدفع المال ((والمرتشي)) الذي يأخذ، وفي بعض الطرق: ((والرائش)) الواسطة، السفير بينهما.

стр. 2827

((في الحكم)) وهذه اللفظة لا توجد في كثير من الروايات، فإذا عرفنا أن الرشوة هي ما يأخذه من يُعين على استخراج ما ليس له، وقد يندرج فيه كما أشرنا من له حق، يدخل فيه دخولاً أولياً، إذا دفعت الرشوة للحاكم أو للقاضي ليحكم بغير حكم الله، ثم من دونه من أعوانه ليسهل لهذا الراشي كسب القضية، وتيسير الحكم، أو تخفيفه، من ذلكم الشفاعة -الجاه- في الحدود، كما في حديث المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده، فأرادوا من يشفع لها عند رسول الله ﷺ ليعفو عن الحد، فتشفعوا بأسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، فغضب النبي ﵊ وقال: ((أتشفع في حد من حدود الله؟ )) وكذلك الشفاعات التي يترتب عليها تقديم غير المستحق وتأخير المستحق، جاء الخبر: ((اشفعوا تؤجروا)) لكن على ألا يترتب على هذه الشفاعة ضرر على أحد، إذا ترتب عليها ضرر على أحد فإنه حينئذٍ لا تجوز، وبذل المال وبذل الجاه من أجل كسب هذه الأمور من القضايا والتقديم والتأخير كل هذا ممنوع، إذا ترتب على الشفاعة والجاه الضرر. ومن شفع فليس له أن يأخذ على هذه الشفاعة أجراً، على خلاف بين أهل العلم، لكن المرجح أنه لا يجوز أن يأخذ عليها أجراً، إنما يشفع لله، إذا رأى أن المشفوع له أهل لما شفع له به. قال: "رواه أحمد والأربعة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي".

стр. 2828

هنا مسألة وهي: أن الإنسان قد يكون مديراً أو رئيساً في دائرة أو وزيراً أو مسئولاً، تأتي الهدايا أحياناً تكون باسمه الشخصي، وأحياناً يكون باسم وظيفته، يعني المؤسسات العلمية تجد مثلاً مدير الجامعة، أو عميد الكلية أو رئيس القسم يهدى إليهم كتب، يهدى كتب، هدية مقدمة لرئيس قسم كذا، هدية مقدمة لعميد كلية كذا، فهل هذه الهدية له أو لمن يقوم مقامه بعده؟ أو هي للعمل وليست للشخص؟ أحياناً تكون باسمه الشخصي، هدية لفلان هذه ما فيها إشكال، تكون له، لكن أحياناً يؤلف كتاب لا سيما من منسوب هذه الجهة، وهي جهة علمية، يقولون: هدية لفضيلة عميد الكلية، ليس باسمه، وإنما بوصفه، هذا الذي يظهر أنها ليست له؛ لأن المراعى فيها الوصف، وإذا كان التنصيص على اسمه هدية لفلان فالمراعى فيه الشخص، ويأتي فيها ما يأتي في الهدايا، إذا كان يهدي إليه قبل العمل، وإذا كان يتهم، أو يظن به أنه يكسب من وراء هذه الهدية تسهيل أو مراعاة في شيء من الأمور فإنها حينئذٍ داخلة في الرشوة. "وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي إلا أنه لم يذكر فيه لفظ الحكم الذي جاء في حديث أي هريرة". والرشوة محرمة بالإجماع، ومن كبائر الذنوب؛ لأنها توعد عليها باللعن، ومن ضابط الكبيرة أنها إن توعد عليها بلعن أو غضب أو بنار أو بعدم دخول الجنة، أو ترتب عليها حد في الدنيا، فإن هذا ضابط الكبيرة عند شيخ الإسلام وغيره. يتصور من يتصدى لفصل الخصومات بين الناس وليس له أجر ولا رزق من بيت المال، إن كان له أجر أو رزق من بيت المال هذا لا يجوز له أن يأخذ من الخصوم شيئاً، وإن أخذ فهو الرشوة، لكن إذا لم يكن له رزق من بيت المال، وذلك حينما تكون أمور الناس غير منتظمة، يوجد من يتصدى للفصل بين الناس، وليس له أجر مرتب من بيت المال، هل له أن يأخذ من الخصوم؟ لا يجوز أن يأخذ من أحد الخصمين؛ لأن لأخذه من أحدهما أثر على نفسه، فيخشى أن يميل ويحيف على الثاني، لكن إذا قال: قضيتكم هذه أفصل بينكما فيها بمبلغ كذا، بينكما بالسوية، في هذه الصورة لا يخشى أن يميل مع أحدهما دون الآخر.

стр. 2829

في عمل المحامين يأخذون الأجر في مقابل المحاماة، منهم من يأخذه مقطوعاً من أول الأمر، سواءً كسب القضية أو خسرها، هذا لا يظن به أن يبذل الأسباب من أجل أن يكسب القضية، ولا يحمله ذلك على الفجور في القضية من باب ((وإذا خاصم فجر)) أما إذا كان الأجر على النجحان على ما يقولون، على كسب القضية فهذا يخشى منه أن يحمله هذا الأجر على أن يفجر في قضيته، في خصومته، وأن يسعى جاهداً لكسب القضية من حق أو باطل، ويجلب عليها بما يستطيع، وقد يدخل فيها من يستطيع التأثير، وقد يبذل فيها شيء من المال على جهة الرشوة، وهكذا، فمثل هذا في إساغته نظر، إنما يوكله ليقاضي ويخاصم عنه بمبلغ كذا سواء كان الحق له أو عليه، وحينئذٍ يضمن نزاهة الخصومة، والمحامون هم في مزلة من الأقدام، في مزلة قدم، يخشى عليهم بسبب تأثير المادة، وهي من وسائل الكسب المربحة في وقتنا، وفي عصرنا، فيخشى على المحامي أنه لا يحرص على إحقاق الحق، وإنما يحرص على كسب القضية، فإن أعطي المال من أجل إنجاح القضية هذا ظاهر، لكن قد يسعى لإنجاح القضية ولو لم يعط على النجحان على ما يقولون؛ ليشتهر بين الناس أنه يكسب القضايا، فعليه أن يتقي الله -جل وعلا-؛ لأن من خصال المنافق ((وإذا خاصم فجر)) ويكون بليغاً في حجته، حاضراً في بديهته، ثم بعد ذلك يكسب القضايا، وهو يعرف أنه مبطل، هذا يدخل في هذا الباب -نسأل الله السلامة والعافية-. قال ﵀: "وعن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" رواه أبو داود، وصححه الحاكم" لكنه ضعيف؛ لأنه من رواية مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف عند أهل العلم.

стр. 2830

ومن العدل بين الخصوم المطلوب من القاضي الواجب عليه أن يعدل بين الخصمين في كل شيء، ولا يظهر منه لا بتصريح ولا بتلميح ولا بقرينة أن أحدهما أقرب إليه من الثاني، ومن هذا أن يقعد بين يديه على حد سواء، وهذا الحديث كما عرفنا ضعيف، لكن من العدل الواجب على القاضي أن يكون مجلس الخصمين متساوٍ، فلا يكون أحدهما في كرسي أثير مريح، والثاني دونه، ولا يكون أحدهما أقرب إلى القاضي والثاني أبعد، بل لا بد أن يكون قربهما منه على حد سواء، ولا يكون أحدهما أرفع في مجلسه من الثاني والثاني دونه، بل لا بد أن يستويا في المجلس. من الذي يجلس في الكرسي الذي عن يمين القاضي والكرسي الذي عن يساره؟ المفترض أن هذا مجلس قاضي وأمامه كرسيان، يحرص كل واحد أن يجلس على الأيمن؛ لأنه إن قدم شيء بدء به، والكلام سوف يبدأ معه، الأولى أن يكون في الكرسي الأيمن المدعي؛ لأنه هو الذي يُبدأ به بالكلام، والمدعى عليه في الكرسي الأيسر، وأهل العلم يقررون أن الأولية لها دخل في الأولوية، فأول من يبدأ به هو الأولى بأن يجلس عن يمين القاضي، فالأولية لها دخل في الأولوية.

стр. 2831

أخرج أبو نعيم في الحلية -حلية الأولياء- قصة لعلي بن أبي طالب مع يهودي بين يدي القاضي شريح، علي بن أبي طالب سقط منه درع من دابته، فالتقطه اليهودي، فادعاه علي ﵁ قال اليهودي: هذا درعي، فقال: لا، هذا درعي في يدي، وأنت مدعٍ، فتحاكما إلى شريح، علي ﵁ في وقتها أمير المؤمنين، والقصة فيها ضعف، لكن لا يبعد وقوعها، فتحاكما عند شريح، أمير المؤمنين مع يهودي، تحاكما عند القاضي شريح، وهو من مشاهير القضاة في تاريخ الإسلام الطويل، أجلسهما بين يديه فقال: ما تقول يا علي؟ قال: هذه درعي، سقطت من دابتي، قال: عندك بينة؟ قال: نعم، فأحضر مولاه قنبر، وابنه الحسن، فقبل شهادة المولى، ورد شهادة الحسن؛ لأنه لا تقبل شهادة الابن لأبيه ولا العكس، وقال لليهودي: ما عندك؟ قال: هي درعي وفي يدي، وعنده استعداد يحلف، بل حلف، فحكم بالدرع لليهودي، قضى بالدرع لليهودي، ويعرف شريح أن الدرع لأمير المؤمنين؛ لأن علياً ﵁ قال: أترد شهادة من شهد له النبي ﷺ بأنه سيد مع أخيه الحسين، سيدا شباب أهل الجنة؟ قال: أنا أشهد أنهما سيدا شباب أهل الجنة، لكن في هذا المجلس يستوي المسلمون، وإذا ردت شهادة الابن من غيرك فترد منك، والتهمة والظنة حاصلة في شهادة الابن لأبيه والعكس، قال: صدقت، والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك، صدقه، ثم بعد ذلك ما الذي حصل؟ حكم به لليهودي، والنتيجة؟ أن اليهودي أسلم لما رأى من عدالة الإسلام والمسلمين، وقال: إنها لأمير المؤمنين، كما يقول: هي درعه سقطت من دابته، وأعطاه إياه.

стр. 2832

قول شريح فيما يقول الشارح قول شريح: والله إنها لدرعك، كأنه عرفها سابقاً أنها لأمير المؤمنين، ويعلم أنها درعه، لكنه لا يرى الحكم بعلمه، يعني لو أن قاضياً يعرف أن هذا الكتاب لفلان من طلاب العلم رآه بيده مراراً، ثم وقع بيد شخص آخر فادعى عليه صاحبه وليست لديه بينة، فاتجه النظر إلى المدعى عليه فحلف أنه كتابه، والقاضي يعرف أن هذا الكتاب كتاب فلان يعرفه، يحكم به لمن؟ هو ما عنده بينة إلا علم القاضي، قال الشارح: "ويعلم أنها درعه، لكنه لا يرى الحكم بعلمه" والجمهور يرون أن القاضي لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالمقدمات الشرعية "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" ولو كنتُ أعرف أن الكتاب أو هذه الدرع أو غيرها لهذا الشخص. لكن الذي ذكر عن شريح على وجه الخصوص القاضي في هذه الخصومة فيما ذكره ابن حجر وغيره في فتح الباري أن القاضي شريح يرى الحكم بعلم القاضي، ويذكرون أنه في قضية من القضايا يعرف أن هذه الآلة المدعى فيها لفلان؛ لأنه اعترف على نفسه في غير مجلس القضاء، الاعتراف إنما هو في مجلس القضاء، أما إذا كان الاعتراف قبل القضية فإنه يدخل في علم القاضي لا يدخل في المقاضاة، فحكم عليه شريح، وقال له .. ، قال المحكوم عليه: أريد بينة، فقال شريح فيما يذكرون عنه: شهد عليك ابن أخت خالتك، يعني لو اعترف في المجلس هذا ما في إشكال، لكن هذا الاعتراف سابق قبل الدعوى، مما تولد عنه علم القاضي بأن هذه المدعى فيها ليست له، وحكم بها لخصمه قائلاً: شهد عليك ابن أخت خالتك، من هو ابن أخت خالته؟ هو نفسه، هذا ما ذكر عن القاضي شريح، وهنا يقول، قول شريح: وإنها لدرعك كأنه عرفها، ويعلم أنها درعه؛ لكنه لا يرى الحكم بعلمه. وعلى كل حال هذه القصة التي حصلت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه- مع اليهودي هذه فيها ضعف. سم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وقال الحافظ -رحمه الله تعالى-: باب: الشهادات عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) رواه مسلم.

стр. 2833

وعن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت)) رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) رواه أبو داود وابن ماجه. وعن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه خطب فقال: "إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم" رواه البخاري. وعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. متفق عليه في حديث طويل. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ قال لرجل: ((ترى الشمس؟ )) قال: نعم. قال: ((على مثلها فاشهد أو دع)) أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وقال: إسناد جيد. وعن أبي هريرة ﵁ مثله. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: الشهادات الشهادات: جمع شهادة، وهي مصدر شهد شهادة، والمصدر يجمع لتعدد أنواعه.

стр. 2834

الشهادة: هي الإخبار عن الحق لمن هو له، وبعضهم يطلقها بإزاء علم، ويستدل بقوله -جل وعلا-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [(١٨) سورة آل عمران] يعني علم، لكن في صدر سورة المنافقون ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [(١) سورة المنافقون] فغاير بين الشهادة والعلم، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [(١) سورة المنافقون] فهناك مغايرة بين الشهادة والعلم؛ لأن الشهادة أعم؛ لأنها إخبار بما مفاده العلم إذا كان عن مشاهدة رؤية، أو ثبت مفادها بطريق يحصل به العلم القطعي، وقد يخبر يشهد بما مفاده، أو ما يفيده الظن الغالب كما في الاستفاضة مثلاً، الاستفاضة يثبت بها الحكم، ويشهد به، فلا يلزم أن تكون الشهادة صادرة عن علم مجزوم به، فالأصل أن تكون عن علم، إما رؤية أو سماع، أو بغير ذلك مما يفيد العلم، بطريق الحواس، أو الخبر المقطوع به، المجزوم به، وقد تكون الشهادة بسبب ظني كالاستفاضة.

стр. 2835

قال ﵀: "عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) " وفي الحديث الذي يليه الآن الإتيان بالشهادة قبل السؤال في الحديث الأول سيق مساق المدح، وفي الحديث الثاني حديث عمران: ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون)) ... إلى آخره، سيق الإدلاء بالشهادة قبل الاستشهاد مساق الذم، وهنا يكون بين الحديثين تعارض، في الحديث الأول يمدح من يدلي بالشهادة قبل طلبها، وفي الحديث الثاني يذم من أدلى بالشهادة قبل طلبها، وللجمع بين الحديثين عند أهل العلم أكثر من نظر ومسلك، فمنهم من يقول: إن حديث زيد بن خالد الذي فيه مدح من يدلي بشهادته قبل طلبها في حالة ما إذا خشي ضياع الحق بأن يكون صاحب الحق لا يدري ولا يعرف هذه الشهادة، فيتقدم الشاهد إلى صاحب الحق، ويقول: عندي لك شهادة، وحينئذٍ يمدح لئلا يضيع الحق، أما إذا كان صاحب الحق يعرف أن هذا عنده شهادة في هذه القضية، فإن مبادرة الشاهد قبل طلبها لا شك أنه يورث تهمة، أنه يريد نفع المشهود له، وحينئذٍ يتهم في حقه، فيذم إذا أدلى بها قبل طلبها. منهم من يفرق بين حقوق الآدميين، وما يتعلق بحقوق الله -جل وعلا- من أمر الاحتساب، فيجعل الحديث الأول، حديث زيد بن خالد منصب على ما إذا كانت الشهادة في حق لله -جل وعلا-، يدلي بها، ويبادر بإبدائها، فيتقدم بها قبل أن تطلب منه، والحديث الثاني حديث عمران فيما إذا كانت في حقوق الآدميين؛ لأنه بالنسبة لحق الله -جل وعلا- لا يتهم إذا بادر بالإدلاء بها قبل أن تطلب، لا يتهم؛ لأنه لا يحوز حظاً لنفسه، ولا لمن يتوقع ويرجو نفعه، بخلاف ما إذا كان في حق آدمي، فإنه قد يتهم.

стр. 2836

منهم من حمل حديث زيد بن خالد الحديث الأول في مدح الإدلاء بالشهادة قبل طلبها أنه من باب المبالغة، وأنه لا يراد حقيقة اللفظ، وأن الشخص يشهد قبل أن يستشهد، لا يشهد حتى يستشهد لكنه لا يتأخر، وإنما يبادر بالإدلاء بالشهادة، فنزّلت هذه المبادرة التي ليس فيها تأخر منزلة من شهد قبل أن يستشهد؛ لأنه كأنه مجرد ما طلب منه شهد، فكأنه سبق الطلب بمبادرته، والجواب الأول هو جواب الأكثر، أكثر أهل العلم، وهو المرضي. "عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) " والشك هل قال ذلك مرتين أو ثلاثاً؟ فتكون مع قرنه ثلاثة أو أربعة؟ والمرجح الثلاثة، كما جاء في رواية الباب: ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) خيركم، يعني الأمة، هو لا يخاطب الصحابة -رضوان الله عليهم- إنما يخاطب الأمة بمجموعها؛ لأن قرنه هم صحابته، فما عطف عليه ممن يلونهم من ليس من الصحابة من التابعين، ثم الذين يلونهم من أتباعهم، على خلاف بين أهل العلم في المراد بالقرن، وهم أهل زمان متقاربون في السن والوجود، كما قالوا في الطبقة.

стр. 2837

واختلفوا في تحديد القرن بالزمان من أربعين إلى مائة وعشرين، لكن الاصطلاح بين أهل العلم استقر على أن المراد بالقرن مائة سنة، وعليه عامة المؤرخين الذين يؤرخون للقرون، جعلوه مائة سنة، مع أننا لو نظرنا إلى أعمار الناس فالقوم المتشابهون يجمعهم في الغالب سبعون سنة، وهذا قول جمع من أهل العلم أن المراد بالقرن سبعون سنة، وحدد ابن حجر في فتح الباري نهاية القرون المفضلة بسنة مائتين وعشرين، كيف يكون التحديد بمائتين وعشرين؟ على اعتبار أن القرن سبعين، طيب مائتين وعشرين، لماذا يصير مائتين وعشرة؟ بناء على أن ((ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) ثلاث، فقرنه انتهى بسنة عشرة، فإذا أضفنا إليها الذين يلونهم سبعين، والذين يلونهم سبعين، والذين يلونهم سبعين، يكون الحد مائتين وعشرين، وابن حجر ذكر في فتح الباري أنه في هذا الزمن كثرت البدع، وانتشرت، وصار لها من يدعهما ويروجها، ويمتحن عليها، أصول البدع وجدت في وقت مبكر، في آخر عهد الصحابة، وجد بعض البدع، لكنها ضعيفة، وإنما نشطت وقويت ودعمت وامتحن من أجلها الأخيار في هذا الزمان الذي ذكره ابن حجر ﵀. ((ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم)) يعني يوجد قوم ((يشهدون ولا يستشهدون)) هؤلاء الذين يدلون بشهاداتهم قبل أن تطلب يشك فيهم أنهم يوجد ما يدفعهم إلى الإدلاء بهذه الشهادة، فتقوى التهمة بالنسبة لهم، ولذا وجه إليهم الذم، وإلا ما الذي يجعل هذا الشاهد يدلي بما عنده قبل أن يطلب؟ إنما هو لرغبة أو رهبة، فسيق الخبر عنهم مساق الذم، وهذا فيما إذا لم يخش ضياع الحق، أما إذا خشي ضياع الحق فحديث زيد بن خالد صريح في أنه يدلي بشهادته قبل أن يستشهد. ((ويخونون ولا يؤتمنون)) يوجد بعد القرون المفضلة يخونون ولا يؤتمنون، وكثرت الخيانة في الناس، وأول ما يرفع من الدين الأمانة، قد يقول قائل: إنه وجد في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين، وفي عصر تابعيهم من ذلك شيء، لكن الحكم عند أهل العلم إنما هو بالنسبة للغالب.

стр. 2838

التفضيل في قوله: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) تفضيل أفراد في القرن الأول الذين هم صحابة النبي ﵊، التفضيل أفراد عند عامة أهل العلم، وأن أدنى الصحابة منزلة أفضل من أفضل التابعين، ومنهم من يقول: التفضيل بين الصحابة والتابعين تفضيل إجمالي جملي، كالتفضيل بين التابعين وتابعيهم، وإلى هذا يميل ابن عبد البر، وعلى هذا قد يوجد في من بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة، ولكن جماهير أهل العلم أن فضل الصحبة شرف لا يناله من جاء بعدهم، مهما عمل من الأعمال، ومهما بلغ من الفضل والعلم. يستدل ابن عبد البر، ومن يقول بقوله بحديث: ((أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره)) وأيضاً ما ثبت للمتمسك بالدين والسنة في آخر الزمان من أن للواحد منهم أجر خمسين، قيل: منهم يا رسول الله؟ قال: ((لا، منكم)) يدل على أنه يوجد في آخر الأمة من هو أفضل من بعض الصحابة، هذا ما يقرره ابن عبد البر، ولكن عامة أهل العلم على أن أدنى الصحابة منزلة أفضل من أفضل التابعين، والتفضيل إفرادي كل فرد فرد، وليس إجمالي كما هو شأن التفضيل بين التابعين وتابعيهم؛ لأن هذا الشرف بصحبته ﵊ لا يمكن أن يناله أحد، وحديث المتمسك بالدين والعامل به في آخر الزمان له أجر خمسين بالنسبة لأجر العمل الذي يرتب عليه لقلة الأعوان، يكون له هذا الأجر، ويبقى أجر صحبة وشرف الصحبة لا يمكن أن يناله أحد، وهو بمفرده يرجح بجميع أعمال من جاء بعد الصحابة. بالنسبة للتابعين وتابعيهم إجمالي؛ لأنه قد يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من بعض التابعين؛ لأن شرف الصحبة خاص بالصحابة.

стр. 2839

((ينذرون ولا يوفون)) النذر معروف مقرر عند أهل العلم أنه مكروه، ويستخرج به من البخيل، إلزام المسلم نفسه شيئاً ليس بلازم، وإيجابه على نفسه أمر لا يجب عليه في أصل الشرع إنما يفعل ذلك البخيل الذي لا يعمل إلا إذا ألزم نفسه، لا يلتزم إلا إذا ألزم نفسه، لكن الوفاء به إذا كان نذر طاعة يجب الوفاء به، يجب الوفاء به، ويقرر أهل العلم أن النذر باب من العلم غريب، وسيلته مكروهة وغايته واجبة؛ لأن الوسائل لها أحكام الغايات، أحكام المقاصد، هذه من قواعد الدين، لكن في هذا الباب الوسيلة مكروهة والغاية واجبة، فإذا لم يف بنذره، وقد أمر بالوفاء بالعقود والعهود والنذور ((أوف بنذرك)) ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) يكثر من ينذر ولا يفي، بعض الناس يلزم نفسه يقول: إذا جاء آخر الشهر واستلمنا الراتب سوف أتصدق بمائة ريال، هذا لا يخلو إما أن يقترن بيمين أو لا يقترن، فإن اقترن باليمين دخل في حكم ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ﴾ [(٧٥) سورة التوبة] وإن لم يقترن بيمين فهو مجرد وعد، لا يثبت إلا بالقبض، لكن الوفاء بالوعد مطلوب، وأمره أخف مما لو اقترن بيمين، أو جاء على صيغة النذر الذي يلزم الوفاء به. ((ويظهر فيهم السمن)) البدانة تظهر في المتأخرين بكثرة، التنعم والترف، لا يوجد في سلف هذه الأمة، إنما فتحت الدنيا على من بعدهم، وكان السمن نادر في صدر هذه الأمة وفي خيارها، والسمن نتيجة للشره في الأكل والشرب والراحة، وهذا لا شك أنه يعوق عن تحصيل كثير من مصالح الدين، لكن بعض الناس خلقة يركبه اللحم والشحم من غير قصد، ومن غير أكل، تجد الأكل قليل جداً، ومع ذلك الوزن يزيد، وبعض الناس يأكل كثيراً ووزنه ينقص، مثل هذا ليس بيد الإنسان، إنما المراد به ذم الترف، وذم الشره في الأكل والشرب والراحة.

стр. 2840

الشافعي ﵀ يقول: "ما رأيت عاقلاً سميناً إلا أن يكون محمد بن الحسن" يعني فائق العقل جداً محمد بن الحسن، ومع ذلك يوجد كثير من العقلاء من هذا النوع، لكن المذموم ما يستطيعه الإنسان، هناك أشياء يستطيعها الإنسان وأشياء لا يستطيعها، وبعض الناس كما هو مشاهد وزنه يزيد وأكله قليل، بعض الناس يكون عنده غدد وجسمه قابل للزيادة هذا يزيد ولو قل أكله، هذا ما يلام، لكن الذي يلام من يسعى لذلك، وهي مجرد علامة في المتأخرين، والعلامات قد تكون مذمومة، وقد تكون هي لمجرد الإخبار، يعني علامة الخوارج حلق الشعر ((سيماهم التحليق)) أو قال: ((التسبيد)) كما في البخاري، سيما الخوارج، لكن هل الحلق مذموم؟ هم لا يتركون فرصة للشعر أن ينبت يتعاهدونه كما يفعل -مع الأسف- كثير من الناس اليوم في لحيته يمر الموسى إذا أراد الخروج إلى الدوام يومياً، فالخوارج يمرون الموسى على شعورهم لأنها سيماهم، لكن من احتاج إلى حلقه أو لا يستطيع إكرامه فضلاً عن كونه في نسك حج أو عمرة هذا لا يذم، فهذه مجرد علامة من علاماتهم، وإن لم يترتب عليها مدح أو ذم، ونقول مثل هذا في ((يظهر فيهم السمن)) إذا لم يقصد ذلك. قال ﵀: "وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي)) " الشارح يقول: غَمر بفتح الغين المعجمة، يراها بفتح الغين والميم غَمَر، وتكسر الميم، لكن الأكثر على أن الغين مكسورة ((ولا ذي غِمر على أخيه)) يعني حقد على أخيه ((ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت)).
следующие страницы →