← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَهَذَا قَول ضَعِيف وَالْقُرْآن إِنَّمَا فِيهِ وخر رَاكِعا لم يقل خر بعد مَا كَانَ رَاكِعا وَلَا كَانَ دَاوُد حِين تحاكموا إِلَيْهِ رَاكِعا بل كَانَ قَاعِدا معتدلا أَو قَائِما فَخر سَاجِدا وسؤال ابْن طَاهِر إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا أُرِيد بِالرُّكُوعِ انحناء الْقَائِم كركوع الصَّلَاة وَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ خر وَالْمرَاد هُنَا السُّجُود بِالسنةِ واتفاق الْعلمَاء فَالْمُرَاد خر سَاجِدا وَسَماهُ رُكُوعًا لِأَن كل ساجد رَاكِع لَا سِيمَا إِذا كَانَ قَائِما وَسُجُود التِّلَاوَة من قيام أفضل وَلَعَلَّ دَاوُد سجد من قيام وَقيل خر رَاكِعا ليبين أَن سُجُوده كَانَ من قيام وَهُوَ أكمل وَلَفظ خر يدل على أَنه وصل إِلَى الأَرْض فَجمع لَهُ معنى السُّجُود وَالرُّكُوع وَالسُّجُود عبَادَة تفعل مُجَرّدَة عَن الصَّلَاة وكسجود الشَّجَرَة وَسُجُود دَاوُد وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَسُجُود الْآيَات وَغير ذَلِك وَهل يشْتَرط لَهُ شُرُوط الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ كنت فِي الْمَسْجِد حِين وَجَبت الشَّمْس فَقَالَ يَا أَبَا ذَر تَدْرِي أَيْن تذْهب الشَّمْس قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهَا تذْهب حَتَّى تسْجد بَين يَدي الله فَتَسْتَأْذِن فِي الرُّجُوع فليؤذن لَهَا وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا ارجعي من حَيْثُ جِئْت فترجع إِلَى مطْلعهَا فَذَلِك مستقرها ثمَّ قَرَأَ وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا [سُورَة يس ٣٨]

стр. 37

فقد أخبر فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح بسجود الشَّمْس إِذا غربت واستئذانها وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَغَيره قَالَ أَبُو الْعَالِيَة مَا فِي السَّمَاء نجم وَلَا شمس وَلَا قمر إِلَّا يَقع سَاجِدا حِين يغيب ثمَّ لَا ينْصَرف حَتَّى يُؤذن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمين حت يرجع إِلَى مطلعه وَمَعْلُوم أَن الشَّمْس لَا تزَال فِي الْفلك كَمَا اخبر الله تَعَالَى بقوله وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٣٣] فَهِيَ لَا تزَال تسبح فِي الْفلك وَهِي تسْجد لله وتستأذنه كل لَيْلَة كَمَا أخبر النَّبِي ﷺ فَهِيَ تسْجد سجودا يُنَاسِبهَا وتخضع لَهُ وتخشع كَمَا يخضع ويخشع كل ساجد من الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَكَذَلِكَ قَوْله فَمَا بَكت عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض [سُورَة الدُّخان ٢٩] بكاء كل شَيْء بِحَسبِهِ قد يكون خشيَة لله وَقد يكون حزنا على فِرَاق الْمُؤمن روى ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن وهب أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم قَالَ قَالَ عَمْرو يَعْنِي ابْن دِينَار إِنِّي لَيْلَة أَطُوف بِالْبَيْتِ إِذْ سَمِعت حنين رجل بَين الأستار والكعبة وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فَذهب ليل وَجَاء ليل وَهُوَ كَذَلِك حَتَّى كَاد يسفر فانكشف الستور عَنهُ فَإِذا هُوَ طَاوُوس ﵁ فَقَالَ من هَذَا عَمْرو قلت نعم أمتع الله بك قَالَ مَتى وقفت هَهُنَا قَالَ قلت مُنْذُ طَوِيل قَالَ مَا أوقفك قلت سَمِعت بكاءك فَقَالَ أعْجبك بُكَائِي قلت نعم قَالَ وطلع الْقَمَر فِي حرف أبي قبيس قَالَ وَرب هَذِه البنية إِن هَذَا الْقَمَر ليبكي من

стр. 38

خشيَة الله وَلَا ذَنْب لَهُ وَلَا يسْأَل عَمَّا عمل وَلَا يجازى بِهِ فعجبت أَن بَكَيْت من خشيَة الله وَأَنا صَاحب الذُّنُوب وَهَذَا الْقَمَر يبكي من خشيَة الله وَقَرَأَ ابْن زيد ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب [سُورَة الْحَج ١٨] قَالَ فَلم يسْتَثْن من هَؤُلَاءِ أحدا حَتَّى جَاءَ ابْن آدم اسْتَثْنَاهُ فَقَالَ وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب [سُورَة الْحَج ١٨] قَالَ وَالَّذِي كَانَ هُوَ أَحَق بالشكر هُوَ أكفرهم ثمَّ قَرَأَ وَمن الْجبَال جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود وَمن النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام مُخْتَلف ألوانه كَذَلِك إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء [سُورَة فاطر ٢٧ - ٢٩] قَالَ وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي دينهم كَمَا اخْتلف الْأَولونَ السُّجُود فِي اللُّغَة وَلَفظ السُّجُود يتسعمل فِي اللُّغَة لخضوع الجامدات وَغَيرهَا كالبيت الْمَعْرُوف بِجَيْش تضل البلق فِي حجراته ... ترى الأكم فِيهِ سجدا للحوافر

стр. 39

قَالَ ابْن قُتَيْبَة حجراته جوانبه يُرِيد أَن حوافر الْخَيل قد بلغت الأكم ووطئتها حَتَّى خَشَعت وانخفضت قَالَ ابْن عَطِيَّة فِي قَوْله يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل [سُورَة النَّحْل ٤٨] وَقَالَت فرقة مِنْهُم الطَّبَرِيّ عبر عَن الخضوع وَالطَّاعَة وميلان الظلال ودورانها بِالسُّجُود كَمَا يُقَال للمشير بِرَأْسِهِ نَحْو الأَرْض على وَجه الخضوع ساجد وَمِنْه قَول الشَّاعِر وكلتاهما خرت وأسجد رَأسهَا ... كَمَا سجدت نصرانة لم تحنف فصل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالله سُبْحَانَهُ ذكر فِي الرَّعْد قَوْله وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها [سُورَة الرَّعْد ١٥] فَعم فِي هَذِه الْآيَة وَلم يسْتَثْن وَقسم السُّجُود إِلَى طوع وَكره وَقَالَ فِي الْحَج ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب [سُورَة الْحَج ١٨] وَفِي هَذَا الْكثير قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لم يسْجد فَلهَذَا حق عَلَيْهِ الْعَذَاب كَمَا تقدم عَن طَاوُوس وَهُوَ قَول الْفراء وَغَيره وَالثَّانِي أَنه سجد وَحقّ عَلَيْهِ الْعَذَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ السُّجُود الْمَأْمُور بِهِ

стр. 40

قَالَ أَبُو الْفرج وَفِي قَوْله وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب قَولَانِ أَحدهمَا أَنهم الْكفَّار وهم يَسْجُدُونَ وسجودهم سُجُود ظلهم قَالَه مقَاتل وَالثَّانِي أَنهم لَا يَسْجُدُونَ وَالْمعْنَى وَكثير من النَّاس أَبى السُّجُود ويحق عَلَيْهِ الْعَذَاب لتَركه السُّجُود هَذَا قَول الْفراء قلت ذَا قَول الْأَكْثَرين وَقد ذكر الْبَغَوِيّ فِي قَوْله ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض الْآيَة قَالَ قَالَ مُجَاهِد سجودها تحول ظلالها وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة مَا فِي السَّمَاء نجم وَلَا شمس وَلَا قمر إِلَّا يَقع سَاجِدا حِين يغيب ثمَّ لَا ينْصَرف حَتَّى يُؤذن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمين حَتَّى يرجع إِلَى مطلعه قَالَ وَقيل سجودها بِمَعْنى الطَّاعَة فَإِنَّهُ مَا من جماد إِلَّا وَهُوَ مُطِيع لله خاشع لَهُ مسبح لَهُ كَمَا أخبر الله عَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين [سُورَة فصلت ١١] وَقَالَ فِي وصف الْحِجَارَة وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله [سُورَة الْبَقَرَة ٧٤] وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا يتفقهون تسبيحهم [سُورَة الْإِسْرَاء ٤٤] قَالَ وَهَذَا مَذْهَب حسن مُوَافق لقَوْل أهل السّنة قلت قد تقدم قَول الطَّبَرِيّ وَغَيره بِهَذَا القَوْل فَإِذا كَانَ السُّجُود فِي هَذِه الْآيَة لس عَاما وَهُوَ هُنَاكَ عَام كَانَ السُّجُود الْمُطلق هُوَ سُجُود الطوع فَهَذِهِ الْمَذْكُورَات تسْجد تَطَوّعا هِيَ وَكثير من النَّاس وَالْكثير الَّذِي حق عَلَيْهِ الْعَذَاب إِنَّمَا يسْجد كرها وَحِينَئِذٍ فالكثير الَّذِي حق عَلَيْهِ الْعَذَاب لم يقل فِيهِ إِنَّه يسْجد وَلَا نفى عَنهُ كل سُجُود بل تَخْصِيص من سواهُ بِالذكر يدل

стр. 41

على أَنه لَيْسَ مثله وَحِينَئِذٍ فَإِذا لم يسْجد طَائِعا حصل فَائِدَة التَّخْصِيص وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسْجد كَارِهًا فكلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيح وَكَذَلِكَ قَالَ طَائِفَة من الْمُفَسّرين وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ قَالُوا وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب بكفرهم وتركهم السُّجُود وهم مَعَ كفرهم تسْجد ظلالهم لله تَعَالَى وَقَالَ فِي [سُورَة النَّحْل أولم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل سجدا لله وهم داخرون وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يستكبرن يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون سُورَة النَّحْل ٤٨ - ٥٠] قَالَ فَلفظ دَابَّة إِن لم يتَنَاوَل بني آدم فالإبل تسْجد طَوْعًا وَإِن تنَاول بني آدم فسجودهم طَوْعًا وَكرها فصل وَالَّذين فسروا السُّجُود بالخضوع والإنقياد لَهُم فِي سجودها قَولَانِ أَحدهمَا أَنه كَونهَا مصنوعة مخلوقة منقادة لمشيئة الله واختياره كَمَا قَالُوا فِي تسبيحها مثل ذَلِك وَأَنه شهادتها ودلالتها على الْخَالِق قَالَ أَبُو الْفرج فِي قَوْله وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض [سُورَة الرَّعْد ١٥] الساجدون على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا من يعقل فسجوده عبَادَة وَالثَّانِي من لَا يعقل فسجوده بَيَان أثر الصَّنْعَة فِيهِ والخضوع الَّذِي يدل على أَنه مَخْلُوق هَذَا قَول جمَاعَة من الْعلمَاء وَاحْتَجُّوا بِالْبَيْتِ الْمُتَقَدّم * ترى الأكم فِيهِ سجدا للحوافر * قَالَ وَأما الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب فألحقها جمَاعَة بِمن يعقل قَالَ

стр. 42

أَبُو الْعَالِيَة سجودها حَقِيقَة مَا مِنْهَا غارب إِلَّا خر سَاجِدا بَين يَدي الله ثمَّ لَا ينْصَرف حَتَّى يُؤذن لَهُ قَالَ وَيشْهد لقَوْل أبي العاليه حَدِيث أبي ذَر وَذكره قَالَ وَأما النَّبَات وَالشَّجر فَلَا يَخْلُو سُجُوده من أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن يكون سجودا لَا نعلمهُ وَهَذَا إِذا قُلْنَا بردعه فيهمَا وَالثَّانِي أَنه تفيؤ ظلاله وَالثَّالِث بَيَان الصَّنْعَة فِيهِ وَالرَّابِع الإنقياد لما سخر لَهُ قلت الثَّالِث وَالرَّابِع من نمط وَاحِد وَهُوَ كالمتقدم وَأما السُّجُود الَّذِي لَا نعلمهُ فَهُوَ كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ أَيْضا فِي قَوْله وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله [سُورَة الْبَقَرَة ٧٤] فَإِن قيل الْحجر لَا يفهم فَكيف يخْشَى قيل الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه قَالَ وَمذهب أهل السّنة أَن لله علما فِي الجمادات وَسَائِر الْحَيَوَانَات سوى الْعُقَلَاء لَا يقف عَلَيْهِ غَيره وَلها صَلَاة وتسبيح وخشية كَمَا قَالَ وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَقَالَ تَعَالَى وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه وَقَالَ ألم ترأن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم الْآيَة فَيجب على الْمَرْء الْإِيمَان بِهِ ويكل علمه إِلَى الله تَعَالَى وَذكر الحَدِيث الصَّحِيح عَن جَابر بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث وَإِنِّي لأعرفه الْآن وَذكر حَدِيث حنين الْجذع وطرقه صِحَاح مَشْهُورَة وروى عَن السّديّ

стр. 43

عَن أبي عباد بن أبي يزِيد عَن عَليّ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة فخرجنا فِي نَوَاحِيهَا خَارِجا من مَكَّة بَين الْجبَال وَالشَّجر فَلم يمر بشجرة وَلَا جبل إِلَّا قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَقَالَ قَالَ مُجَاهِد لَا ينزل حجر من أَعلَى إِلَى أَسْفَل إِلَّا من خشيَة الله وَيشْهد لما قُلْنَا قَوْله تَعَالَى لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله [سُورَة الْحَشْر ٢١] قلت وَأما تَفْسِير سجودها وتسبيحها بنفوذ مَشِيئَة الرب وَقدرته فيهمَا ودلالتها على الصَّانِع فَقَط فالإقتصار على هَذَا بَاطِل فَإِن هَذَا وصف لَازم دَائِم لَهَا لَا يكون فِي وَقت دون وَقت وَهُوَ مثل كَونهَا مخلوقة محتاجة فقيرة إِلَى الله تَعَالَى وعَلى هَذَا فالمخلوقات كلهَا لَا تزَال سَاجِدَة مسبحة وَلَيْسَ المُرَاد هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق [سُورَة ص ١٨] وَقَالَ وَالطير محشورة كل لَهُ أواب [سُورَة ص ١٩] وَقَالَ كل قد علم صلَاته وتسبيحه [سُورَة النُّور ٤١] فقد أخبر عَنهُ أَنه يعلم ذَلِك ودلالتها على الرب يُعلمهُ عُمُوم النَّاس وَأَيْضًا فقد أخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن من كَلَام الهدهد والنمل وَأَن سُلَيْمَان

стр. 44

علم منطق الطير بِمَا يدل على الإختصاص وَهَذَا فِي الْحَيَوَان وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جعل الْجَمِيع يسْجد ثمَّ قَالَ وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب [سُورَة الْحَج ١٨] وَهَذَا الْمَعْنى يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات دَائِما وَهُوَ وصف لَازم لكل مَخْلُوق لَا يزَال مفتقرا إِلَى الْخَالِق وَلَا يزَال دَالا عَلَيْهِ وَلَا يزَال منقادا لما يَشَاء الرب وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قسم السُّجُود إِلَى طوع وَكره وانفعالها لمشيئة الرب وَقدرته لَا يَنْقَسِم إِلَى طوع وَكره وَلَا يُوصف ذَلِك بطوع مِنْهَا وَلَا كره فَإِن دَلِيل فعل الرب فِيهَا لَيْسَ هُوَ فعل مِنْهَا أَلْبَتَّة وَالْقُرْآن يدل على أَن السُّجُود وَالتَّسْبِيح أَفعَال لهَذِهِ الْمَخْلُوقَات وَكَون الرب خَالِقًا لَهَا إِنَّمَا هُوَ كَونهَا مخلوقة للرب لَيْسَ فِيهِ نِسْبَة أَمر إِلَيْهَا يبين ذَلِك أَنه خص الظل بِالسُّجُود بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال والظل مَتى كَانَ وَحَيْثُ كَانَ مَخْلُوق مربوب وَالله تَعَالَى جعل الظُّلُمَات والنور وَالْقَوْل الَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ أقرب من القَوْل الَّذِي ذكره أَبُو الْفرج وَهُوَ سُبْحَانَهُ تَارَة يَجْعَلهَا آيَات لَهُ وَتارَة يَجْعَلهَا سَاجِدَة مسبحة وَهَذَا نوع غير هَذَا وعَلى هَذَا القَوْل الْجَمِيع وَاحِد لَيْسَ فِي كَونهَا سَاجِدَة مسبحة إِلَّا كَونهَا آيَة دَالَّة وشاهدة للخالق تَعَالَى بصفاته لكَونهَا مفعولة لَهُ وَهَذَا معنى ثَابت فِي الْمَخْلُوقَات كلهَا لَازم لَهَا وَهِي آيَات للرب بِهَذَا الإعتبار وَهِي شَوَاهِد وَدَلَائِل وآيات بِهَذَا الإعتبار لَكِن ذَاك معنى آخر كَمَا يفرق بَين كَون الْإِنْسَان مخلوقا وَبَين كَونه عابدا لله فَهَذَا غير هَذَا هَذَا يتَعَلَّق بربوبية الرب لَهُ وَهَذَا يتَعَلَّق بتألهه وعبادته للرب وَالْبَيْت الَّذِي اسْتشْهدُوا بِهِ وَهُوَ قَوْله * ترى الأكم فِيهَا سجدا للحوافر *

стр. 45

فَإِنَّمَا ذكر سُجُود الأكم للحوافر وَذَلِكَ خضوعها وانخفاضها لَهَا فَهَذَا خضوع جماد لجماد وَلَا يلْزم أَن يكون سَائِر أَنْوَاع الخضوع مثل هَذَا وَإِنَّمَا يشْتَرك فِي نوع الخضوع وَلَيْسَ خضوع الْمَخْلُوقَات للخالق مثل هَذَا وَإِن قيل هُوَ انفعالها لمشيئته وَقدرته بل ذَاك نوع أبلغ من هَذَا فَلَا يجب أَن يكون سجودها بِغَيْر خضوع مِنْهَا وَطَاعَة وَلَكِن هَذَا الْبَيْت يَقْتَضِي أَنه لَا يجب أَن يكون سُجُود كل شَيْء وَضعه رَأسه بِالْأَرْضِ وَهَذَا حق بل هُوَ خضوع للرب يُنَاسب حَاله وَقد قيل لسهل بن عبد الله أيسجد الْقلب قَالَ نعم سَجْدَة لَا يرفع رَأسه مِنْهَا أبدا وَأهل الْجنَّة فِي الْجنَّة قد ألهموا التَّسْبِيح كَمَا ألهموا النَّفس فِي الدُّنْيَا وكما يلهم أهل الدُّنْيَا النَّفس وهم خاضعون للرب مطيعون لَهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ سُجُود بِوَضْع رَأس فِي الأَرْض فَهَذَا أَمر بِهِ فِي الدُّنْيَا لحَاجَة النَّفس إِلَيْهِ فِي خضوعها لله تَعَالَى فَلَا تكون خاضعة إِلَّا بِهِ بِخِلَاف حَالهَا فِي الْجنَّة فَإِنَّهَا قد زكتْ وصلحت آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 46

رِسَالَة فِي لفظ السّنة فِي الْقُرْآن

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِه نستعين وَعَلِيهِ التكلان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فَهَذَا فصل لفظ السّنَن فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن اعْلَم أَنه قد ذكر الله تَعَالَى لفظ سنَنه فِي مَوَاضِع من كِتَابه فَقَالَ تَعَالَى سنة من قد أرسلنَا قبلك من رسلنَا وَلَا تَجِد لسنتنا تحويلا [سُورَة الْإِسْرَاء ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله لَهُ سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا [سُورَة الْأَحْزَاب ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي آخر السُّورَة ملعونين أَيْنَمَا ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا [سُورَة الْأَحْزَاب ٦١ - ٦٢] وَقَالَ فَهَل ينظرُونَ إِلَّا سنة الْأَوَّلين فَلَنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا [سُورَة فاطر ٤٣] وَقَالَ سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ [سُورَة غَافِر ٨٥] وَقَالَ وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا [سُورَة الْفَتْح ٢٢ - ٢٣]

стр. 48

وَقَالَ تَعَالَى قد خلت من قبلكُمْ سنَن [سُورَة آل عمرَان ١٣٧] وَقَالَ تَعَالَى وَمَا منع النَّاس أَن يُؤمنُوا إِذْ جَاءَهُم الْهدى ويستغفروا رَبهم إِلَّا أَن تأتيهم سنة الْأَوَّلين [سُورَة الْكَهْف ٥٥] سنته نصْرَة أوليائه وإهانة أعدائه فَهَذِهِ كلهَا تتَعَلَّق بأوليائه كمطيعيه وعصاته كالمؤمنين والكافرين فسنته فِي هَؤُلَاءِ إكرامهم وسنته فِي هَؤُلَاءِ إهانتهم وعقوبتهم الْآيَة الأولى فَأَما الأولى فَإِنَّهَا تتَعَلَّق بالرسل لِأَنَّهُ لَا حرج عَلَيْهِم فِيمَا فرض الله تَعَالَى لَهُم وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم [سُورَة التَّحْرِيم ٢] والمفروض هُنَا مُبَاح مُقَدّر مَحْدُود مثل إِبَاحَة زَوْجَة المتبنى بعد أَن قضى مِنْهَا وطرا وَطَلقهَا لَا بِأَن تُؤْخَذ مِنْهُ بِغَيْر اخْتِيَاره وَقد قَالَ تَعَالَى وَقد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم [سُورَة الْأَحْزَاب ٥٠] أَي أَوْحَينَا وحرمنا قبل وَهنا المُرَاد بِهِ سنته فِي رسله أَنه أَبَاحَ لَهُم الْأزْوَاج وَغَيرهَا كَمَا قَالَ وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية [سُورَة الرَّعْد ٣٨] وَأَنه لَا حرج عَلَيْهِم فِي ذَلِك فَلم يكن مُحَمَّد ﷺ بدعا من الرُّسُل وَلم يقل هُنَا وَلنْ تَجِد لسنتنا تبديلا فَإِنَّهُ لَا نَبِي بعد مُحَمَّد الْأَرْبَعَة الْبَوَاقِي: وَالْأَرْبَعَة الْبَوَاقِي تَتَضَمَّن عُقُوبَة الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ فَالْأولى قَوْله

стр. 49

الأولى إِنَّهُم لَو استفزوه فأخرجوه لم يَلْبَثُوا خَلفه إِلَّا قَلِيلا كَسنة من أرسل قبله من الرُّسُل فإمَّا أَن يُقَال وَقع هَذَا الْإِخْرَاج بِالْهِجْرَةِ وَلم يَلْبَثُوا خَلفه إِلَّا قَلِيلا وَهُوَ مَا أَصَابَهُم يَوْم بدر وَإِمَّا أَن يُقَال لم يَقع الثَّانِيَة وَالثَّانيَِة قَوْله لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض الْآيَة [سُورَة الْأَحْزَاب ٦٠] كَمَا أصَاب من قبلهم من أهل الْكتاب فَإِن الله أخرجهم فَإِن لم ينْتَه غي هَؤُلَاءِ بل أظهرُوا الْكفْر كَمَا أظهره أُولَئِكَ أخرجناهم كَمَا أخرجناهم بِخِلَاف مَا إِذا كتموه وَهَذِه السنه تَتَضَمَّن أَن كل من جاور الرَّسُول ﷺ مَتى أظهر مُخَالفَته مكن الله الرَّسُول من إِخْرَاجه وَهَذِه فِي أهل الْعمد وَالْمُنَافِقِينَ وَقد يُقَال هِيَ لَهُم مَعَ الْمُؤمنِينَ أبدا الثَّالِثَة وَالثَّالِثَة فِي أهل الْمَكْر السيء وَأَن سنة الله أَن ينصر رسله وَالَّذين آمنُوا على أعدائهم وينتقم مِنْهُم وَقَالَ هُنَا فَلَنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا الرَّابِعَة وَالرَّابِعَة فِي حَال الْكفَّار مَعَ الْمُؤمنِينَ

стр. 50

السّنَن الْمُتَعَلّقَة بالأمور الطبيعية ينقضها الله إِذا شَاءَ وَهَذِه السّنَن كلهَا سنَن تتَعَلَّق بِدِينِهِ وَأمره وَنَهْيه ووعده ووعيده وَلَيْسَت هِيَ السّنَن الْمُتَعَلّقَة بالأمور الطبيعية كسنته فِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب وَغير ذَلِك من الْعَادَات فَإِن هَذِه السّنة ينقضها إِذا شَاءَ بِمَا شاءه من الحكم كَمَا حبس الشَّمْس على يُوشَع وكما شقّ الْقَمَر لمُحَمد ﷺ وكما مَلأ السَّمَاء بِالشُّهُبِ وكما أَحْيَا الْمَوْتَى غير مرّة وكما جعل الْعَصَا حَيَّة وكما أنبع المَاء من الصَّخْرَة بعصا وكما أنبع المَاء من بَين أَصَابِع الرَّسُول ﷺ وَقد ذكر بعض هَذِه الْآيَات السهروردي فِي الْمَنْقُول فِي الألواح الْعمادِيَّة وَفِي المبدأ والمعاد محتجا بهَا على مَا يَقُوله هُوَ أَمْثَاله من المتفلسفة أَن الْعَالم لم يزل وَلَا يزَال هَكَذَا بِنَاء على أَن هَذِه سنة الرب وعادته وَهِي لَا تَبْدِيل لَهَا إِذْ كَانَ عِنْدهم لَيْسَ فَاعِلا بمشيئته واختياره بل مُوجب بِذَاتِهِ فَيُقَال لَهُم احتجاجكم على هَذَا بِالْقُرْآنِ فِي غَايَة الْفساد فَإِن الْقُرْآن يُصَرح بنقيض مذهبكم فِي جَمِيع الْمَوَاضِع وَقد علم بالإضطرار أَن مَا يَقُولُونَهُ مُخَالف لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فاحتجاجكم بِهَذَا أفسد من احتجاج النَّصَارَى على أَن مُحَمَّدًا شهد بِأَن دينهم بعد النّسخ والتبديل حق بآيَات من الْقُرْآن حرفوها عَن موَاضعهَا قد تكلمنا عَلَيْهَا فِي الْجَواب الصَّحِيح لمن بدل

стр. 51

دين الْمَسِيح فَإِن النَّصَارَى وَإِن كَانُوا كفَّارًا بتبديل الْكتاب الأول وَتَكْذيب الثَّانِي فهم خير مِنْكُم من وُجُوه كَثِيرَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بالأصول الْكُلية الَّتِي اتّفقت عَلَيْهَا الرُّسُل وَإِن كَانُوا حرفوا بعض ذَلِك كالإيمان بِأَن الله خَالق كل شَيْء وَأَنه بِكُل شَيْء عليم وعَلى كل شَيْء قدير وَالْإِيمَان بملائكته وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْجنَّة وَالنَّار وَغير ذَلِك مِمَّا تكذبون أَنْتُم بِهِ الْأَدِلَّة على ذَلِك وَأما بَيَان الدّلَالَة فَمن وُجُوه الأول أَحدهَا أَن يُقَال الْعَادَات الطبيعية لَيْسَ للرب فِيهَا سنة لَازِمَة فَإِنَّهُ قد عرف بالدلائل اليقينية أَن الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب مخلوقة بعد أَن لم تكن فَهَذَا تَبْدِيل وَقع وَقد قَالَ تَعَالَى يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات [سُورَة إِبْرَاهِيم ٤٨] الثَّانِي وَأَيْضًا فقد عرف انْتِقَاض عَامَّة الْعَادَات فالعادة فِي بني آدم أَلا يخلقوا إِلَّا من أبوين وَقد خلق الْمَسِيح من أم وحواء من أَب وآدَم من غير أم وَلَا أَب وإحياء الْمَوْتَى متواتر مَرَّات مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ تَكْثِير الطَّعَام وَالشرَاب لغير وَاحِد من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ ﵈ الثَّالِث وَأَيْضًا فعندكم تغيرات وَقعت فِي الْعَالم كالطوفانات الْكِبَار فِيهَا تَغْيِير الْعَادة وَهَذَا خلاف عَادَته الَّتِي وعد بهَا وَأخْبر أَنَّهَا لَا تَتَغَيَّر لنصرة أوليائه وإهانة أعدائه فَإِن هَذَا علم بِخَبَرِهِ وحكمته أما خَبره فَإِنَّهُ أخبر بذلك ووعد بِهِ وَهُوَ الصَّادِق الَّذِي لَا يخلف الميعاد

стр. 52

وَهَذَا يُوَافق طرق جَمِيع طوائف أهل الْملَل وَيَقُولُونَ مُقْتَضى حكمته أَن يكون الْعَاقِبَة والنصر لأوليائه دون أعدائه كَمَا قد بسط ذَلِك فِي مَوَاضِع وَأما الْأُمُور الطبيعية فإمَّا أَن تقع بمحض الْمَشِيئَة على قَول وَإِمَّا أَن تقع بِحَسب الْحِكْمَة والمصلحة على قَول وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فتبديلها وَتَحْوِيلهَا لَيْسَ مُمْتَنعا كَمَا فِي نسخ الشَّرَائِع وتبديل آيَة بِآيَة فَإِنَّهُ إِن علق الْآيَة بمحض الْمَشِيئَة فَهُوَ يفعل مَا يَشَاء وَإِن علقها بالحكمة مَعَ الْمَشِيئَة فالحكمة تَقْتَضِي تَبْدِيل بعض مَا فِي الْعَالم كَمَا وَقع كثير من ذَلِك فِي الْمَاضِي وسيقع فِي الْمُسْتَقْبل فَعلم أَن هَذِه السّنَن دينيات لَا طبيعيات وَلَكِن فِي قَوْله تَعَالَى وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا حجَّة لِلْجُمْهُورِ الْقَائِلين بالحكمة فَإِن أَصْحَاب الْمَشِيئَة الْمُجَرَّدَة يجوزون نقض كل عَادَة وَلَكِن يَقُولُونَ إِنَّمَا نعلم مَا يكون بالْخبر سنته تَعَالَى مطردَة فِي الدينيات والطبيعيات وَقَوله تَعَالَى فَلَنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا دَلِيل على أَن هَذَا من مُقْتَضى حكمته وَأَنه يقْضِي فِي الْأُمُور المتماثلة بِقَضَاء متماثل لَا بِقَضَاء مُخَالف فَإِذا كَانَ قد نصر الْمُؤمنِينَ لأَنهم مُؤمنُونَ كَانَ هَذَا مُوجبا لنصرهم حَيْثُ وجد هَذَا الْوَصْف بِخِلَاف مَا إِذا عصوا وَنَقَضُوا إِيمَانهم كَيَوْم أحد فَإِن الذَّنب كَانَ لَهُم وَلِهَذَا قَالَ وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا فَعم كل سنة لَهُ وَهُوَ يعم سنته فِي خلقه وَأمره فِي الطبيعيات والدينيات نقض الْعَادة لاخْتِصَاص معِين لَكِن الشَّأْن أَن تعرف سنته وَحَقِيقَة هَذَا أَنه إِذا نقض الْعَادة فَإِنَّمَا ينقضها لاخْتِصَاص تِلْكَ الْحَال بِوَصْف امتازت بِهِ عَن غَيره فَلم تكن سنته

стр. 53

مَعَ ذَلِك والإختصاص بسنته مَعَ عَدمه كَمَا نقُول إِذا خصت الْعلَّة لفَوَات شَرط أَو وجود مَانع وكما نقُول فِي الإستحسان الصَّحِيح وَهُوَ تَخْصِيص بعض أَفْرَاد الْعَام بِحكم يخْتَص بِهِ لامتيازه عَن نَظَائِره بِوَصْف يخْتَص بِهِ السّنة هِيَ الْعَادة وَالسّنة هِيَ الْعَادة فِي الْأَشْيَاء المتماثلة وَسنة هُنَا تجْرِي على سنه هَذَا فِي الإشتقاق الْأَكْبَر وَالسّنة من هَذَا الْبَاب سَوَاء كَانَ أَصله سنوة أَو سنهة وهما لُغَتَانِ فِي السّنة وَالسّنَن وأَسْنَان الْمشْط وَنَحْو ذَلِك بِلَفْظ السّنة يدل على التَّمَاثُل فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذا حكم فِي الْأُمُور المتماثلة بِحكم فَإِن ذَلِك لَا ينْتَقض وَلَا يتبدل وَلَا يتَحَوَّل بل هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يفوت بَين المتماثلين وَإِذا وَقع تَغْيِير فَذَلِك لعدم التَّمَاثُل وَهَذَا القَوْل أشبه بأصول الْجُمْهُور الْقَائِلين بالحكمة فِي الْخلق وَالْأَمر وَأَنه سُبْحَانَهُ يُسَوِّي بَين المتماثلين وَيفرق بَين الْمُخْتَلِفين كَمَا دلّ الْقُرْآن على هَذَا فِي مَوَاضِع كَقَوْلِه تَعَالَى أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين [سُورَة الْقَلَم ٣٥] وَمن هَذَا الْبَاب صَارَت قصَص الْمُتَقَدِّمين عِبْرَة لنا وَلَوْلَا الْقيَاس واطراد فعله وسنته لم يَصح الإعتبار بهَا والإعتبار إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ حكم الشَّيْء حكم نَظِيره كالأمثال المضروبة فِي الْقُرْآن وَهِي كَثِيرَة وَذكر لفظ التبديل والتحويل كَقَوْلِه تَعَالَى قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم وَلَا تحويلا [سُورَة الْإِسْرَاء ٥٦] فالتبديل أَن تبدل بِخِلَافِهِ والتحويل أَن تحول من مَحل إِلَى مَحل

стр. 54

مثل استفزازه من الأَرْض ليخرجوه فَإِنَّهُم لَا يلبثُونَ خَلفه إِلَّا قَلِيلا وَلَا تتحول هَذِه السّنة بِأَن يكون هُوَ الْمخْرج وهم اللابثون بل مَتى أَخْرجُوهُ خَرجُوا خَلفه وَلَو مكث لَكَانَ هَذَا اسْتِصْحَاب حَال بِخِلَاف ظُهُور الْكفَّار فَإِنَّهُ كَانَ تبديلا لظُهُور الْمُؤمنِينَ وَظُهُور الْكفَّار إِذْ كَانَ لَا بُد من أَحدهمَا وَأما أهل الْمَكْر السيء وَالْكفَّار فَهِيَ سنة تَبْدِيل لَا بُد لَهُم من الْعقُوبَة لَا يبدلون بهَا غَيرهَا وَلَا نتحول عَنْهُم إِلَى الْمُؤمنِينَ وَهُوَ عيد لأهل الْمَكْر السيء أَنه لَا يَحِيق إِلَّا بأَهْله وَلنْ يتبدلوا بِهِ خيرا بتضمن نفيا وإثباتا فَلهَذَا نفى عَنهُ التبديل والتحويل فصل وَالْقُرْآن قد دلّ على هَذَا الأَصْل فِي مَوَاضِع كَقَوْلِه قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ [سُورَة الْأَنْعَام ٤٧] وَقَوله وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد [سُورَة هود ١٠٢] وَقَوله أكفار كم خير من أولئكم [سُورَة الْقَمَر ٤٣] وَمِنْه قَوْله لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب [سُورَة يُوسُف ١١١] وَقَوله قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين التقتا [سُورَة آل عمرَان ١٣] إِلَى قَوْله إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولى الْأَبْصَار [سُورَة آل عمرَان ١٣] فصل وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه تَارَة يعاقبهم عقب السَّرَّاء وَتارَة يعاقبهم عقب

стр. 55

الضراء إِذا لم يتضرعوا فَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ إِلَى قَوْله مبلسون [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٧٦ - ٧٧] فَهُنَا أخبر أَنه بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَا اسْتَكَانُوا وَمَا تضرعوا حَتَّى أَخذهم بالإهلاك كَمَا قَالَ ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ [سُورَة السَّجْدَة ٢١] وَقَالَ أَولا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ ثمَّ لَا يتوبون وَلَا هم يذكرُونَ [سُورَة التَّوْبَة ١٢٦] وَالضَّمِير يكون عَائِدًا على الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وَقَالَ فِي [سُورَة الْأَنْعَام وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء إِلَى قَوْله وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين سُورَة الْأَنْعَام ٤٢ - ٤٥] فَهَذِهِ نظيرها فِي الْأَعْرَاف فِي قَوْله وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَبِي إِلَّا أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء وَالضَّرَّاء إِلَى قَوْله وهم لَا يَشْعُرُونَ الْآيَات [سُورَة الْأَعْرَاف ٩٤ - ٩٥] فقد ذمهم أَنهم لم يتضرعوا لما أَخذهم بالبأساء وَالضَّرَّاء فَإِنَّهُ بعد هَذَا بدل الْحَالة السَّيئَة بالحالة الْحَسَنَة فَلم يطيعوا فَأَخذهُم بِالْعَذَابِ بَغْتَة فَهُنَا أَخذهم أَولا بالضراء ليضرعوا فَلم يتضرعوا فَابْتَلَاهُمْ الله بالسراء ليطيعوا فَلم يطيعوا فَأَخذهُم بِالْعَذَابِ وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى وبلوناهم بِالْحَسَنَاتِ والسيئات لَعَلَّهُم يرجعُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٦٨] فَهَؤُلَاءِ ابتلوا بالضراء أَولا ثمَّ بالسراء ثَانِيًا وَقد أخبر أَنه مَا أرسل فِي قَرْيَة من نَبِي إِلَّا كَانُوا هَكَذَا

стр. 56

وَهَذَا كَمَا ذكره سُبْحَانَهُ فِي حَال قوم فِرْعَوْن وَغَيرهم وَهَذَا ذمّ لمن لم يستقم لَا فِي الضراء وَلَا فِي السَّرَّاء لَا دَعَا بالضراء وَلَا بالسراء وَلَا تضرع فِي الضراء وَلَا شكر وَلَا آمن فِي السَّرَّاء ابْتَلَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَهِي النعم والسيئات وَهِي المصائب فَمَا أطاعوا لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا وَأما آيَة الْمُؤمنِينَ فأمراؤهم لم يستكينوا وَلم يتضرعوا حَتَّى فتح عَلَيْهِم بَابا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذا هم فِيهِ مبلسون وَهَؤُلَاء قد يكون تقدم لَهُم ابتلاء بِالْحَسَنَاتِ أَولا فَإِنَّهُ قَالَ فِي أول الْكَلَام يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٥١] إِلَى قَوْله أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ إِلَى قَوْله حَتَّى إِذا اخذنا مترفيهم بِالْعَذَابِ إِذا هم يجأرون الْآيَة ٦٤ إِلَى قَوْله وَلَو رحمناهم وكشفنا مَا بهم من ضرّ للجوا فِي طغيانهم يعمهون وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم الْآيَتَانِ ٧٥ ٧٦ فَهَؤُلَاءِ كَانُوا فِي حَالَة حَسَنَة فَلَمَّا لم يتقوه أَخذ مترفيهم بِالْعَذَابِ ثمَّ أَخذهم بِالْعَذَابِ ليتضرعوا فَلَمَّا لم يتضرعوا ابْتَلَاهُم بِالْحَسَنَاتِ أَولا فَلَمَّا لم يتقوه استحقوا الْعَذَاب فَيعْتَبر الْفرق بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء آخِره وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 57

رِسَالَة فِي قصَّة شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 58

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِه نستعين أما بعد فقد ذكر الله قصَّة شُعَيْب النَّبِي ﷺ فِي غير مَوضِع من كِتَابه وإرساله إِلَى أهل مَدين وَقَالَ فِي مَوضِع آخر كذب أَصْحَاب الأيكة الْمُرْسلين [سُورَة الشُّعَرَاء ١٧٦] فَأكْثر النَّاس يَقُولُونَ إِنَّهُم أهل مَدين وَمن النَّاس من يَجْعَلهَا قصتين شيخ مَدين لم يكن شعيبا وَذكر فِي قصَّة مُوسَى أَنه وَلما ورد مَاء مَدين وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان قَالَ مَا خطبكما الْآيَة [سُورَة الْقَصَص ٢٣] إِلَى آخر الْقِصَّة فموسى ﵇ قضى أكمل الْأَجَليْنِ وَلم يذكر عَن هَذَا الشَّيْخ أَنه كَانَ شعيبا وَلَا أَنه كَانَ نَبيا وَلَا عِنْد أهل الْكِتَابَيْنِ أَنه كَانَ نَبيا وَلَا نقل عَن أحد من الصَّحَابَة أَن هَذَا الشَّيْخ الَّذِي صاهر مُوسَى كَانَ شعيبا النَّبِي لَا عَن ابْن عَبَّاس وَلَا غَيره بل الْمَنْقُول عَن الصَّحَابَة أَنه لم يكن هُوَ شُعَيْب قَالَ سنيد بن دَاوُد شيخ البُخَارِيّ فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس

стр. 59

قَالَ اسْمه يثرى قَالَ حجاج وَقَالَ غَيره يثرون وَعَن شُعَيْب الجبائي أَنه قَالَ اسْم الجاريتين ليا وصغوره وَامْرَأَة مُوسَى صغوره ابْنة يثرون كَاهِن مَدين والكاهن الحبر وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَن اسْمه يثرون أَو يثرى وَقَالَ ابْن جرير اسْم إِحْدَى الجاريتين ليا وَيُقَال شرفا وَالْأُخْرَى صغورة وَقَالَ أَيْضا وَأما أَبوهُمَا فمختلف فِي اسْمه فَقَالَ بَعضهم اسْمه يثرون وَقَالَ ابْن مَسْعُود الَّذِي اسْتَأْجر مُوسَى ابْن أخي شُعَيْب يثرون وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ يثرون ابْن أخي شُعَيْب النَّبِي ﷺ وَقَالَ آخَرُونَ اسْمه يثرى وَهُوَ مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحسن يَقُولُونَ هُوَ شُعَيْب النَّبِي لَا وَلكنه سيد أهل المَاء يَوْمئِذٍ قَالَ ابْن جرير وَهَذَا لَا يدْرك علمه إِلَّا بِخَبَر عَن مَعْصُوم وَلَا خبر فِي ذَلِك

стр. 60

وَقيل اسْمه أثرون فَهَذِهِ كتب التَّفْسِير الَّتِي تروي بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَة عَن النَّبِي ﷺ وَالتَّابِعِينَ لم يذكر فِيهَا عَن أحد أَنه شُعَيْب النَّبِي ﷺ وَلَكِن نقلوا بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ يَقُولُونَ إِنَّه شُعَيْب وَلَيْسَ بشعيب وَلكنه سيد المَاء يَوْمئِذٍ فالحسن يذكر أَنه شُعَيْب عَمَّن لَا يعرف وَيرد عَلَيْهِم ذَلِك وَيَقُول لَيْسَ هُوَ شُعَيْب وَإِن كَانَ الثَّعْلَبِيّ قد ذكر أَنه شُعَيْب فَلَا يلْتَفت إِلَى قَوْله فَإِنَّهُ ينْقل الغث والسمين فَمن جزم بِأَنَّهُ شُعَيْب النَّبِي فقد قَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم وَمَا لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَمَّن يحْتَج بقوله من عُلَمَاء الْمُسلمين وَخَالف فِي ذَلِك مَا ثَبت عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن الْبَصْرِيّ مَعَ مُخَالفَته أَيْضا لأهل الْكِتَابَيْنِ فَإِنَّهُم متفقون على أَنه لَيْسَ هُوَ شُعَيْب النَّبِي فَإِن مَا فِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود وَالْإِنْجِيل الَّذِي عِنْد النَّصَارَى أَن اسْمه يثرون وَلَيْسَ لشعيب النَّبِي عِنْدهم ذكر فِي التَّوْرَاة كَانَ شُعَيْب عَرَبيا ومُوسَى عبرانيا وَقد ذكر غير وَاحِد من الْعلمَاء أَن شعيبا كَانَ عَرَبيا بل قد رُوِيَ عَن أبي ذَر مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ رَوَاهُ أَبُو حَاتِم وَغَيره أَن شعيبا كَانَ عَرَبيا وَكَذَلِكَ هود وَصَالح ومُوسَى كَانَ عبرانيا فَلم يكن يعرف لِسَانه

стр. 61

وَظَاهر الْقُرْآن يدل على مُخَاطبَة مُوسَى للمرأتين وأبيهما بِغَيْر ترجمان وَإِنَّمَا شُبْهَة من ظن ذَلِك أَنه وجد فِي الْقُرْآن قصَّة شُعَيْب وإرساله إِلَى أهل مَدين وَوجد فِي الْقُرْآن مَجِيء مُوسَى إِلَى مَدين ومصاهرته لهَذَا فَظن أَنه هُوَ وَالْقُرْآن يدل أَن الله أهلك قوم شُعَيْب بالظلة فَحِينَئِذٍ لم يبْق فِي مَدين من قوم شُعَيْب أحد وَشُعَيْب لَا يُقيم بقريه لَيْسَ بهَا أحد وَقد ذكرُوا أَن الْأَنْبِيَاء كَانُوا إِذا هَلَكت أممهم ذَهَبُوا إِلَى مَكَّة فأقامة بهَا إِلَى الْمَوْت كَمَا ذكر أَن قبر شُعَيْب بِمَكَّة وقبر هود بِمَكَّة وَكَذَلِكَ غَيرهمَا ومُوسَى لما جَاءَ إِلَى مَدين كَانَت معمورة بِهَذَا الشَّيْخ الَّذِي صاهره وَلم يكن هَؤُلَاءِ قوم شُعَيْب الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن بل وَمن قَالَ إِنَّه كَانَ ابْن أخي شُعَيْب أَو ابْن عَمه لم ينْقل ذَلِك عَن ثَبت وَالنَّقْل الثَّابِت عَن ابْن عَبَّاس لَا يُعَارض بِمثل قَول هَؤُلَاءِ وَمَا يذكرُونَهُ فِي عَصا مُوسَى وَأَن شعيبا أعطَاهُ إِيَّاهَا وَقيل أعطَاهُ إِيَّاهَا هَذَا الشَّيْخ وَقيل جِبْرِيل وكل ذَلِك لَا يثبت وَعَن أبي بكر أَظُنهُ الْهُذلِيّ قَالَ سَأَلت عِكْرِمَة عَن عَصا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصا خرج بهَا آدم من الْجنَّة ثمَّ قبضهَا بعد ذَلِك جِبْرِيل فلقي بهَا مُوسَى لَيْلًا فَدَفعهَا إِلَيْهِ وَقَالَ السّديّ فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف أَمر أَبُو الْمَرْأَتَيْنِ ابْنَته أَن يَأْتِي مُوسَى بعصا وَكَانَت تِلْكَ الْعَصَا عَصا استودعها ملك فِي صُورَة رجل إِلَى آخر الْقِصَّة استودعه إِيَّاهَا ملك فِي سُورَة رجل وَأَن حماه خاصمه وَحكما بَينهمَا رجلا

стр. 62

وَأَن مُوسَى أطَاق حملهَا دون حميه وَذكر عَن مُوسَى أَنه أَحَق بِالْوَفَاءِ من حميه وَلَو كَانَ هَذَا هُوَ شعيبا النَّبِي لم يُنَازع مُوسَى وَلم ينْدَم على إِعْطَائِهِ إِيَّاهَا وَلم يحاكمه وَلم يكن مُوسَى قبل أَن ينبأ أَحَق بِالْوَفَاءِ مِنْهُ فَإِن شعيبا كَانَ نَبيا ومُوسَى لم يكن نَبيا فَلم يكن مُوسَى قبل أَن ينبأ أكمل من نَبِي وَمَا ذكره زيد من أَنه كَانَ يعرف أَن مُوسَى نَبِي إِن كَانَ ثَابتا فالأحبار والرهبان كَانَت عِنْدهم عَلَامَات الْأَنْبِيَاء وَكَانُوا يخبرون بأخبارهم قبل أَن يبعثوا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم فصل وَأما شياع كَون حمى مُوسَى شعيبا النَّبِي عِنْد كثير من النَّاس الَّذين لَا خبْرَة لَهُم بحقائق الْعلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية فَهَذَا مِمَّا لَا يغتر بِهِ عَاقل فَإِن غَايَة مثل ذَلِك أَن يكون مَنْقُولًا عَن بعض المنتسبين إِلَى الْعلم وَقد خَالفه غَيره من أهل الْعلم وَقَول الْعَالم الَّذِي يُخَالِفهُ نَظِيره لَيْسَ حجَّة بل يجب رد مَا تنَازعا فِيهِ إِلَى الْأَدِلَّة وَمِثَال ذَلِك مَا ذكره بَعضهم أَو كثير مِنْهُم من أَن الرُّسُل الْمَذْكُورين فِي [سُورَة يس هم من حواريي الْمَسِيح ﵇ وَأَن حبيب النجار آمن بهم وَهَذَا أَمر بَاطِل عِنْد أجلاء عُلَمَاء الْمُسلمين وَعند أهل الْكتاب فَإِن الله قد أخبر عَن هَذِه الْقرْيَة الَّتِي جاءها المُرْسَلُونَ أَنه قد أهلك أَهلهَا فَقَالَ تَعَالَى إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون الْآيَة ٢٩]

стр. 63

وأنطاكية لما جاءها اثْنَان من الحواريين بعد رفع الْمَسِيح آمنُوا بهما وَهِي أول مَدِينَة اتبعت الْمَسِيح وَلم يُهْلِكهُمْ الله بعد الْمَسِيح بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَأهل الْكتاب فَكيف يجوز أَن يُقَال هَؤُلَاءِ هم رسل الْمَسِيح وَأَيْضًا فَإِن الَّذين أتوهم كَانَا اثْنَيْنِ من الحواريين وَأهل الْكتاب معترفون بذلك وَلم يكن حبيب النجار مَوْجُودا حِينَئِذٍ بل هَؤُلَاءِ رسل أرسلهم الله قبل الْمَسِيح وَأهْلك أهل تِلْكَ الْقرْيَة وَقد قيل إِنَّهَا أنطاكية وآمن حبيب بأولئك الرُّسُل ثمَّ بعد هَذَا عمرت أنطاكية وجاءتهم رسل الْمَسِيح بعد ذَلِك والحواريون لَيْسُوا رسل الله عِنْد الْمُسلمين بل هم رسل الْمَسِيح كالصحابة الَّذين كَانَ النَّبِي ﷺ يرسلهم إِلَى الْمُلُوك وَمن زعم أَن هَؤُلَاءِ حواريون فقد جعل لِلنَّصَارَى حجَّة لَا يحسن أَن يُجيب عَنْهَا وَقد بسطنا ذَلِك فِي الرَّد على النَّصَارَى وَبينا أَن الحواريين لم يَكُونُوا رسلًا فَإِن النَّصَارَى يَزْعمُونَ أَن الحواريين رسل الله مثل إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَقد يفضلونهم على إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَهَذَا كفر عِنْد الْمُسلمين وَقد بَينا ضلال النَّصَارَى فِي ذَلِك آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه

стр. 64

رِسَالَة فِي الْمعَانِي المستنبطة من سُورَة الْإِنْسَان

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِه نستعين فصل تَفْسِير السُّورَة إِجْمَالا اعْلَم أَن سُورَة هَل أَتَى على الْإِنْسَان سُورَة عَجِيبَة الشَّأْن من سور الْقُرْآن على اختصارها [الْآيَتَانِ: ١، ٢] فَإِن الله سُبْحَانَهُ ابتدأها بِذكر كَيْفيَّة خلق الْإِنْسَان من النُّطْفَة ذَات الأمشاج والأخلاط الَّتِي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفهُ عَلَيْهَا أطوارا وينقله من حَال إِلَى حَال إِلَى أَن تمت خلقته وكملت صورته فَأخْرجهُ إنْسَانا سويا سميعا بَصيرًا ثمَّ لما تَكَامل تَمْيِيزه وإدراكه هداه طريقي الْخَيْر وَالشَّر وَالْهدى والضلال الْآيَة الثَّالِثَة وَأَنه بعد هَذِه الْهِدَايَة إِمَّا أَن يشْكر ربه وَإِمَّا أَن يكفره ثمَّ ذكر مآل أهل الشُّكْر وَالْكفْر وَمَا أعد لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء وَبَدَأَ أَولا بِذكر عَاقِبَة أهل الْكفْر ثمَّ عَاقِبَة أهل الشُّكْر وَفِي آخر السُّورَة ذكر أَولا أهل الرَّحْمَة ثمَّ أهل الْعَذَاب فَبَدَأَ السُّورَة بِأول أَحْوَال الْإِنْسَان وَهِي النُّطْفَة وختمها بآخر أَحْوَاله وَهِي كَونه من

стр. 66

الْآيَة الرَّابِعَة أهل الرَّحْمَة أَو الْعَذَاب ووسطها بأعمال الْفَرِيقَيْنِ فَذكر أَعمال أهل الْعَذَاب مجملة فِي قَوْله إِنَّا اعتدنا للْكَافِرِينَ [سُورَة الْإِنْسَان ٤] وأعمال أهل الرَّحْمَة مفصلة وجزاءهم مفصلا فتضمنت السُّورَة خلق الْإِنْسَان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ والمعاد والخلق وَالْأَمر وهما الْقُدْرَة وَالشَّرْع وتضمنت إِثْبَات السَّبَب وَكَون العَبْد فَاعِلا مرِيدا حَقِيقَة وَأَن فاعليته ومشيئته إِنَّمَا هِيَ بِمَشِيئَة الله فَفِيهَا الرَّد على طائفتين الْقَدَرِيَّة والجبرية وفيهَا ذكر أَقسَام بني آدم كلهم فَإِنَّهُم إِمَّا أهل شمال وهم الْكفَّار أَو أهل يَمِين وهم نَوْعَانِ أبرار ومقربون الْآيَة الْخَامِسَة وَذكر سُبْحَانَهُ أَن شراب الْأَبْرَار يمزج من شراب عباده المقربين لأَنهم مزجوا أَعْمَالهم ويشربه المقربون صرفا خَالِصا كَمَا أَخْلصُوا أَعْمَالهم وَجعل سُبْحَانَهُ شراب المقربين من الكافور الَّذِي فِيهِ من التبريد وَالْقُوَّة مَا يُنَاسب برد الْيَقِين وقوته لما حصل لقُلُوبِهِمْ وَوصل إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا فِي ذَلِك من مُقَابلَته للسعير وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن لَهُم شرابًا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فِيهِ من طيب الرَّائِحَة وَلَذَّة الطّعْم والحرارة الَّتِي توجب تغير برد الكافور وإذابة الفضلات وتطهير الأجواف وَلِهَذَا وَصفه سُبْحَانَهُ بِكَوْنِهِ شرابًا طهُورا أَي مطرها لبطونهم فوصفهم سُبْحَانَهُ بِجَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَمَا قَالَ ولقاهم نَضرة وسرورا [الْآيَة ١١] فالنضرة جمال وُجُوههم وَالسُّرُور جمال قُلُوبهم كَمَا قَالَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم [سُورَة المطففين ٢٤]

стр. 67

وَقَرِيب من هَذَا قَول امْرَأَة الْعَزِيز فِي يُوسُف فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم [سُورَة يُوسُف ٣٢] فَأخْبرت بِجَمَال ظَاهره حِين أشارت إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَلَيْهِنَّ ثمَّ ضمت إِلَى ذَلِك إخبارها بِأَن بَاطِنه أجمل من ظَاهره بِأَنِّي راودته فَأبى إِلَّا الْعِفَّة وَالْحيَاء والإستعصام ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ من أَعمال الْأَبْرَار مَا يُنَبه سامعه على جمعهم لأعمال الْبر كلهَا فَذكر سُبْحَانَهُ وفاءهم بِالنذرِ وخوفهم من رَبهم وإطعامهم الطَّعَام على محبتهم لَهُ وإخلاصهم لرَبهم فِي طاعتهم الْآيَة السَّابِعَة وَذكر سُبْحَانَهُ الْوَفَاء بِالنذرِ وَهُوَ أَضْعَف الْوَاجِبَات فَإِن العَبْد هُوَ الَّذِي أوجبه على نَفسه بالتزامه فَهُوَ دون مَا أوجبه الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فَإِذا وفى لله بأضعف الواجبين الَّذِي الْتَزمهُ هُوَ فَهُوَ بِأَن يُوفى بِالْوَاجِبِ الْأَعْظَم الَّذِي أوجبه الله عَلَيْهِ أولى وَأُخْرَى وَمن هَهُنَا قَالَ من قَالَ من الفسرين المقربون يُوفونَ بِطَاعَة الله ويقومون بِحقِّهِ عَلَيْهِم وَذَلِكَ أَن العَبْد إِذا نذر لله طَاعَة فوفى بهَا فَإِنَّمَا يفعل ذَلِك لكَونهَا صَارَت حَقًا لله يجب الْوَفَاء بهَا وَهَذَا مَوْجُود فِي حُقُوقه كلهَا فَهِيَ فِي ذَلِك سَوَاء ثمَّ أخبر عَنْهُم بِأَنَّهُم يخَافُونَ الْيَوْم العسير القمطرير وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة

стр. 68

فَفِي ضمن هَذَا الْخَوْف إِيمَانهم بِالْيَوْمِ الآخر وكفهم عَن الْمعاصِي الَّتِي تَضُرهُمْ فِي ذَلِك الْيَوْم وقيامهم بالطاعات الَّتِي يَنْفَعهُمْ فعلهَا ويضرهم تَركهَا فِي ذَلِك الْيَوْم الْآيَة الثَّامِنَة ثمَّ أخبر عَنْهُم بإطعام الطَّعَام على محبتهم لَهُ وَذَلِكَ يدل على نفاسته عِنْدهم وحاجتهم إِلَيْهِ وَمَا كَانَ كَذَلِك فالنفوس بِهِ أشح والقلوب بِهِ أعلق وَالْيَد لَهُ أمسك فَإِذا بذلوه فِي هَذِه الْحَال فهم لما سواهُ من حُقُوق الْعباد أبذل فَذكر من حُقُوق الْعباد بذل قوت النَّفس على نفاسته وَشدَّة الْحَاجة منبها على الْوَفَاء بِمَا دونه كَمَا ذكر من حُقُوقه الْوَفَاء بِالنذرِ منبها على الْوَفَاء بِمَا هُوَ فَوْقه وَأوجب مِنْهُ وَنبهَ بقوله على حبه الْآيَة ٨ أَنه لَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ أحب إِلَيْهِم مِنْهُ لما آثروه على مَا يحبونه فآثروا المحبوب الْأَعْلَى على الْأَدْنَى الْآيَة التَّاسِعَة ثمَّ ذكر أَن مصرف طعامهم إِلَى الْمِسْكِين واليتيم والأسير الَّذين لَا قُوَّة لَهُم ينصرونهم بهَا وَلَا مَال لَهُم يكافئونهم بِهِ وَلَا أهل وَلَا عشيرة يتوقعون مِنْهُم مكافأتهم كَمَا يَقْصِدهُ أهل الدُّنْيَا والمعاوضون بإنفاقهم وإطعامهم ثمَّ أخبر عَنْهُم أَنهم إِنَّمَا فعلوا ذَلِك لوجه الله وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ مِمَّن أطعموه عوضا من أَمْوَالهم وَلَا ثَنَاء عَلَيْهِم بألسنتهم كَمَا يُريدهُ من لَا إخلاص لَهُ بإحسانه إِلَى النَّاس من معاوضتهم أَو الشكُور مِنْهُم فتضمن ذَلِك الْمحبَّة وَالْإِخْلَاص وَالْإِحْسَان الْآيَة الْعَاشِرَة ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِمَا صدقهم عَلَيْهِ قبل أَن يقولوه حَيْثُ قَالُوا إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا عبوسا قمطريرا الْآيَة ١٠ فَصَدَّقَهُمْ قبل قَوْلهم

стр. 69

إِذْ يَقُول تَعَالَى يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا الْآيَة ٧ الْآيَة: ١١ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وقاهم شَرّ مَا يخافونه ولقاهم فَوق مَا كَانُوا يأملونه الْآيَات: ١٢-٢٠ وَذكر سُبْحَانَهُ أَصْنَاف النَّعيم الَّذِي حياهم بِهِ من المساكن والملابس والمجالس وَالثِّمَار وَالشرَاب والخدم وَالنَّعِيم وَالْملك الْكَبِير وَلما كَانَ فِي الصَّبْر من حبس النَّفس والخشونة الَّتِي تلْحق الظَّاهِر وَالْبَاطِن من التَّعَب وَالنّصب والحرارة مَا فِيهِ كَانَ الْجَزَاء عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ الَّتِي فِيهَا السعَة وَالْحَرِير الَّذِي فِيهِ اللين والنعومة والإتكاء الَّذِي يتَضَمَّن الرَّاحَة والظلال المنافية للْحرّ الْآيَة: ٢١ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ لون ملابس الْأَبْرَار وَأَنَّهَا ثِيَاب سندس خضر وإستبرق وحليتهم وَأَنَّهَا أساور من فضَّة فَهَذِهِ زِينَة ظواهرهم ثمَّ ذكر زِينَة بواطنهم وَهُوَ الشَّرَاب الطّهُور وَهُوَ بِمَعْنى التَّطْهِير فَإِن قيل فَلم اقْتصر من آنيتهم وحليتهم على الْفضة دون الذَّهَب وَمَعْلُوم أَن الْجنان جنتان من فضَّة آنيتهما وحليتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وَمَا فيهمَا قيل سِيَاق هَذِه الْآيَات إِنَّمَا هُوَ فِي وصف الْأَبْرَار ونعيمهم مفصلا دون تَفْصِيل جَزَاء المقربين فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أشارة تنبه على مَا سكت عَنهُ وَهُوَ أَن شَارِب الْأَبْرَار يمزج من شرابهم فالسورة مسوقة بِصفة الْأَبْرَار وجزائهم على التَّفْصِيل وَذَلِكَ وَالله أعلم

стр. 70

لأَنهم أَعم من المقربين وَأكْثر مِنْهُم وَلِهَذَا يخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين وَعَن المقربين السَّابِقين بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين وَأَيْضًا فَإِن فِي ذكر جَزَاء الْأَبْرَار تَنْبِيها على أَن جَزَاء المقربين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر أهل الْكفْر وَأهل الشُّكْر وَأهل الشُّكْر نَوْعَانِ أبرار أهل يَمِين ومقربون سَابِقُونَ وكل مقرب سَابق فَهُوَ من الْأَبْرَار وَلَا ينعكس فاسم الْأَبْرَار والمقربين كاسم الْإِسْلَام وَالْإِيمَان أَحدهمَا أَعم من الآخر الْآيَة: ٢٢ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أخبر أَن هَذَا جَزَاء سَعْيهمْ المشكور وكل من الْأَبْرَار والمقربين سَعْيهمْ مشكور فَذكر سُبْحَانَهُ السَّعْي المشكور وَالسَّعْي المسخوط الْآيَتَانِ: ٢٣، ٢٤ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ نبيه ﷺ بِمَا أنعم عَلَيْهِ من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ وَأمره بِأَن يصبر لحكمه وَهُوَ يعم الحكم الديني الَّذِي أمره بِهِ فِي نَفسه وَأمره بتبليغه وَالْحكم الكوني الَّذِي يجْرِي عَلَيْهِ من ربه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ امتحن عباده وابتلاهم بأَمْره وَنَهْيه وَهُوَ حكمه الديني وابتلاهم بِقَضَائِهِ وَقدره وهوحكمه الكوني وَفرض عَلَيْهِم الصَّبْر على كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ وَإِن

стр. 71

كَانَ الحكم الديني فِي هَذِه الْآيَة أظهر إِرَادَة وَأَنه أَمر بِالصبرِ على تبليغه وَالْقِيَام بحقوقه وَلما كَانَ صبره عَلَيْهِ لَا يتم إِلَّا بمخالفته لمن دَعَاهُ إِلَى خِلَافه من كل آثم أَو كفور نَهَاهُ عَن طَاعَة هَذَا وَهَذَا وأتى بِحرف أَو دون الْوَاو ليدل على أَنه مَنْهِيّ عَن طَاعَة أَيهمَا كَانَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ لَا تُطِع أَحدهمَا وَهُوَ أَعم فِي النَّهْي من كَونه مَنْهِيّا عَن طاعتهما فَإِنَّهُ لَو قيل لَهُ لَا تطعهما أَو لَا تُطِع آثِما وكفورا لم يكن صَرِيحًا فِي النَّهْي عَن طَاعَة كل مِنْهُمَا بمفرده الْآيَتَانِ: ٢٥، ٢٦ وَلما كَانَ لَا سَبِيل إِلَى الصَّبْر إِلَّا بتعويض الْقلب بِشَيْء هُوَ أحب إِلَيْهِ من فَوَات مَا يصبر على فَوته أمره بِأَن يذكر ربه سُبْحَانَهُ بكرَة وَأَصِيلا فَإِن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصَّبْر وَأَن يصبر لرَبه بِاللَّيْلِ فَيكون قِيَامه بِاللَّيْلِ عونا على مَا هُوَ بصدده بِالنَّهَارِ ومادة لقُوته ظَاهرا وَبَاطنا ولنعيمه عَاجلا وآجلا الْآيَة: ٢٧ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَمَّا يمْنَع العَبْد من إِيثَار مَا فِيهِ سعادته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ حب العاجلة وإيثارها على الْآخِرَة تَقْدِيمًا لداعي الْحس على دَاعِي الْعقل الْآيَة: ٢٨ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ خلقهمْ وإحكامه وإتقانه بِمَا شدّ من أسرهم وَهُوَ ائتلاف الْأَعْضَاء والمفاصل والأوصال وَمَا بَينهَا من الرباطات وَشد بَعْضهَا

стр. 72

بِبَعْض وَحَقِيقَته الْقُوَّة وَمِنْه قَول الشَّاعِر من كل مجتنب شَدِيد أسره ... سَلس القياد تخاله مختالا وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا لَهُ شدّ ورباط وَمِنْه الإسار وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الْأَسير ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه قَادر على أَن يُبدل أمثالهم بعد مَوْتهمْ وَأَنه إِذا شَاءَ ذَلِك فعله وَإِذا للمحقق فَهَذَا التبديل وَاقع لَا محَالة فَهُوَ الْإِعَادَة الَّتِي هِيَ مثل الْبدَاءَة هَذَا هُوَ معنى الْآيَة وَمن قَالَ غير ذَلِك لم يصب مَعْنَاهَا وَلَا توحشك لَفْظَة الْمثل فَإِن الْمعَاد مثل للمبدوء وَإِن كَانَ هُوَ بِعَيْنِه فَهُوَ معاد أَو هُوَ مثله من جِهَة المغايدة بَين كَونه مبدءا ومعادا وَهَذَا كَالدَّارِ إِذا تهدمت وأعيدت بِعَينهَا فَهِيَ الأولى وَكَذَلِكَ الصَّلَاة الْمُعَادَة هِيَ الأولى وَهِي مثلهَا

стр. 73

وَقد نطق الْقُرْآن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يعيدهم وَيُعِيد أمثالهم إِذْ شَاءَ وَكِلَاهُمَا وَاحِد فَقَالَ كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى وإلينا ترجعون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٣٥] وَقَالَ وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ [سُورَة الرّوم ٢٧] وَقَالَ أوليس الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم بلَى وَهُوَ الخلاق الْعَلِيم [سُورَة يس ٨١] وَقَالَ إِنَّا لقادرون على أَن نبدل أمثالكم وننشئكم فِي مَا لَا تعلمُونَ وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فلولا تذكرُونَ [سُورَة الْوَاقِعَة ٦١ - ٦٢] فَهَذَا كُله معاد الْأَبدَان وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ خلق جَدِيد فِي موضِعين من كِتَابه وَهَذَا الْخلق الْجَدِيد هُوَ الْمثل الْآيَة: ٢٩ ثمَّ ختم سُبْحَانَهُ السُّورَة بِالشَّرْعِ وَالْقدر كَمَا افتتحها بالخلق وَالْهِدَايَة فَقَالَ فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا [الْآيَة ٢٩] فَهَذَا شَرعه وَمحل أمره وَنَهْيه الْآيَة الثَّلَاثُونَ ثمَّ قَالَ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله الْآيَة ٣٠ فَهَذَا قَضَاؤُهُ وَقدره ثمَّ ذكر الإسمين الموجبين للتخصيص وهما اسْم الْعَلِيم الْحَكِيم وَقَوله وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله فَأخْبر أَن مشيئتهم مَوْقُوفَة على مَشِيئَته وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجب ذَلِك حُصُول الْفِعْل مِنْهُم إِذْ أَكثر مَا فِيهِ أَنه جعلهم شائين وَلَا يَقع الْفِعْل إِلَّا حِين يشاؤه مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله [سُورَة المدثر ٥٥ - ٥٦] وَقَالَ لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله [سُورَة التكوير ٢٨ - ٢٩] وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقع الْفِعْل مِنْهُم حَتَّى يُرِيد من نَفسه إعانتهم وتوفيقهم فَهُنَا أَربع إرادات إِرَادَة الْبَيَان وَإِرَادَة الْمَشِيئَة وَإِرَادَة الْفِعْل وَإِرَادَة الْإِعَانَة وَالله أعلم آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 74

رِسَالَة فِي قَوْله تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة

стр. 75

فصل قَالَ الله تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة [سُورَة الْبَقَرَة ٧٥] قَالَ عَليّ بن أبي طَالب الصَّبْر من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَإِذا انْقَطع الرَّأْس بار الْجَسَد أَلا لَا إِيمَان لمن لَا صَبر لَهُ فالصبر على أَدَاء الْوَاجِبَات وَاجِب وَلِهَذَا قرنه بِالصَّلَاةِ فِي أَكثر من خمسين موضعا فَمن كَانَ لَا يُصَلِّي من جَمِيع النَّاس رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَإِنَّهُ يُؤمر فَإِن امْتنع عُوقِبَ بِإِجْمَاع الْمُسلمين ثمَّ أَكْثَرهم يوجبون قتل تَارِك الصَّلَاة وَهل يقتل كَافِرًا مُرْتَدا أَو فَاسِقًا على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَالْمَنْقُول عَن أَكثر السّلف يَقْتَضِي كفره وَهَذَا مَعَ الْإِقْرَار بِالْوُجُوب فَأَما مَعَ جحود الْوُجُوب فَهُوَ كَافِر بالِاتِّفَاقِ وَمن ذَلِك تعاهد مَسَاجِد الْمُسلمين وأئمتهم وَأمرهمْ بِأَن يصلوا بهم صَلَاة النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَصلى مرّة بِأَصْحَابِهِ على طرف الْمِنْبَر وَقَالَ إِنَّمَا فعلت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي فعلى إِمَام الصَّلَاة أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة كَامِلَة لَا يقْتَصر على مَا يجوز للمنفرد
следующие страницы →