Полный текст (666 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كَانَ الحكم الديني فِي هَذِه الْآيَة أظهر إِرَادَة وَأَنه أَمر بِالصبرِ على تبليغه وَالْقِيَام بحقوقه
وَلما كَانَ صبره عَلَيْهِ لَا يتم إِلَّا بمخالفته لمن دَعَاهُ إِلَى خِلَافه من كل آثم أَو كفور نَهَاهُ عَن طَاعَة هَذَا وَهَذَا وأتى بِحرف أَو دون الْوَاو ليدل على أَنه مَنْهِيّ عَن طَاعَة أَيهمَا كَانَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ لَا تُطِع أَحدهمَا وَهُوَ أَعم فِي النَّهْي من كَونه مَنْهِيّا عَن طاعتهما فَإِنَّهُ لَو قيل لَهُ لَا تطعهما أَو لَا تُطِع آثِما وكفورا لم يكن صَرِيحًا فِي النَّهْي عَن طَاعَة كل مِنْهُمَا بمفرده
الْآيَتَانِ: ٢٥، ٢٦
وَلما كَانَ لَا سَبِيل إِلَى الصَّبْر إِلَّا بتعويض الْقلب بِشَيْء هُوَ أحب إِلَيْهِ من فَوَات مَا يصبر على فَوته أمره بِأَن يذكر ربه سُبْحَانَهُ بكرَة وَأَصِيلا فَإِن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصَّبْر وَأَن يصبر لرَبه بِاللَّيْلِ فَيكون قِيَامه بِاللَّيْلِ عونا على مَا هُوَ بصدده بِالنَّهَارِ ومادة لقُوته ظَاهرا وَبَاطنا ولنعيمه عَاجلا وآجلا
الْآيَة: ٢٧
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَمَّا يمْنَع العَبْد من إِيثَار مَا فِيهِ سعادته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ حب العاجلة وإيثارها على الْآخِرَة تَقْدِيمًا لداعي الْحس على دَاعِي الْعقل
الْآيَة: ٢٨
ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ خلقهمْ وإحكامه وإتقانه بِمَا شدّ من أسرهم وَهُوَ ائتلاف الْأَعْضَاء والمفاصل والأوصال وَمَا بَينهَا من الرباطات وَشد بَعْضهَا
стр. 72
بِبَعْض وَحَقِيقَته الْقُوَّة وَمِنْه قَول الشَّاعِر
من كل مجتنب شَدِيد أسره ... سَلس القياد تخاله مختالا
وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا لَهُ شدّ ورباط وَمِنْه الإسار وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الْأَسير
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه قَادر على أَن يُبدل أمثالهم بعد مَوْتهمْ وَأَنه إِذا شَاءَ ذَلِك فعله وَإِذا للمحقق فَهَذَا التبديل وَاقع لَا محَالة فَهُوَ الْإِعَادَة الَّتِي هِيَ مثل الْبدَاءَة
هَذَا هُوَ معنى الْآيَة وَمن قَالَ غير ذَلِك لم يصب مَعْنَاهَا وَلَا توحشك لَفْظَة الْمثل فَإِن الْمعَاد مثل للمبدوء وَإِن كَانَ هُوَ بِعَيْنِه فَهُوَ معاد أَو هُوَ مثله من جِهَة المغايدة بَين كَونه مبدءا ومعادا وَهَذَا كَالدَّارِ إِذا تهدمت وأعيدت بِعَينهَا فَهِيَ الأولى وَكَذَلِكَ الصَّلَاة الْمُعَادَة هِيَ الأولى وَهِي مثلهَا
стр. 73
وَقد نطق الْقُرْآن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يعيدهم وَيُعِيد أمثالهم إِذْ شَاءَ وَكِلَاهُمَا وَاحِد فَقَالَ كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى وإلينا ترجعون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٣٥] وَقَالَ وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ [سُورَة الرّوم ٢٧] وَقَالَ أوليس الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم بلَى وَهُوَ الخلاق الْعَلِيم [سُورَة يس ٨١] وَقَالَ إِنَّا لقادرون على أَن نبدل أمثالكم وننشئكم فِي مَا لَا تعلمُونَ وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فلولا تذكرُونَ [سُورَة الْوَاقِعَة ٦١ - ٦٢]
فَهَذَا كُله معاد الْأَبدَان وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ خلق جَدِيد فِي موضِعين من كِتَابه وَهَذَا الْخلق الْجَدِيد هُوَ الْمثل
الْآيَة: ٢٩
ثمَّ ختم سُبْحَانَهُ السُّورَة بِالشَّرْعِ وَالْقدر كَمَا افتتحها بالخلق وَالْهِدَايَة فَقَالَ فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا [الْآيَة ٢٩] فَهَذَا شَرعه وَمحل أمره وَنَهْيه
الْآيَة الثَّلَاثُونَ
ثمَّ قَالَ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله الْآيَة ٣٠ فَهَذَا قَضَاؤُهُ وَقدره ثمَّ ذكر الإسمين الموجبين للتخصيص وهما اسْم الْعَلِيم الْحَكِيم
وَقَوله وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله فَأخْبر أَن مشيئتهم مَوْقُوفَة على مَشِيئَته وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجب ذَلِك حُصُول الْفِعْل مِنْهُم إِذْ أَكثر مَا فِيهِ أَنه جعلهم شائين وَلَا يَقع الْفِعْل إِلَّا حِين يشاؤه مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله [سُورَة المدثر ٥٥ - ٥٦] وَقَالَ لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله [سُورَة التكوير ٢٨ - ٢٩] وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقع الْفِعْل مِنْهُم حَتَّى يُرِيد من نَفسه إعانتهم وتوفيقهم
فَهُنَا أَربع إرادات إِرَادَة الْبَيَان وَإِرَادَة الْمَشِيئَة وَإِرَادَة الْفِعْل وَإِرَادَة الْإِعَانَة وَالله أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا
стр. 74
رِسَالَة فِي قَوْله تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة
стр. 75
فصل
قَالَ الله تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة [سُورَة الْبَقَرَة ٧٥]
قَالَ عَليّ بن أبي طَالب الصَّبْر من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَإِذا انْقَطع الرَّأْس بار الْجَسَد أَلا لَا إِيمَان لمن لَا صَبر لَهُ
فالصبر على أَدَاء الْوَاجِبَات وَاجِب وَلِهَذَا قرنه بِالصَّلَاةِ فِي أَكثر من خمسين موضعا فَمن كَانَ لَا يُصَلِّي من جَمِيع النَّاس رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَإِنَّهُ يُؤمر فَإِن امْتنع عُوقِبَ بِإِجْمَاع الْمُسلمين ثمَّ أَكْثَرهم يوجبون قتل تَارِك الصَّلَاة وَهل يقتل كَافِرًا مُرْتَدا أَو فَاسِقًا على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَالْمَنْقُول عَن أَكثر السّلف يَقْتَضِي كفره وَهَذَا مَعَ الْإِقْرَار بِالْوُجُوب فَأَما مَعَ جحود الْوُجُوب فَهُوَ كَافِر بالِاتِّفَاقِ
وَمن ذَلِك تعاهد مَسَاجِد الْمُسلمين وأئمتهم وَأمرهمْ بِأَن يصلوا بهم صَلَاة النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَصلى مرّة بِأَصْحَابِهِ على طرف الْمِنْبَر وَقَالَ إِنَّمَا فعلت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي
فعلى إِمَام الصَّلَاة أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة كَامِلَة لَا يقْتَصر على مَا يجوز للمنفرد
стр. 76
الإقتصار عَلَيْهِ إِلَّا لعذر وَكَذَلِكَ على إمَامهمْ فِي الْحَج وأميرهم فِي الْحَرْب أَلا ترى الْوَكِيل وَالْوَلِيّ فِي البيع وَالشِّرَاء عَلَيْهِ أَن يتَصَرَّف لمُوكلِه ولموليه على الْوَجْه الْأَصْلَح لَهُ فِي مَاله وَهُوَ فِي مَال نَفسه يفوت على نَفسه مَا شَاءَ فَأمر الدَّين أهم وَمَتى اهتمت الْوُلَاة بإصلاح دين النَّاس صلح الدَّين للطائفتين وَالدُّنْيَا وَإِلَّا اضْطَرَبَتْ الْأُمُور عَلَيْهِم جَمِيعًا
وملاك ذَلِك حسن النِّيَّة للرعية وإخلاص الدَّين كُله لله والتوكل عَلَيْهِ فَإِن الْإِخْلَاص والتوكل جماع صَلَاح الْخَاصَّة والعامة كَمَا أمرنَا أَن نقُول فِي صَلَاتنَا إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين فهاتان الكلمتان قد قيل إنَّهُمَا تجمعان مَعَاني الْكتب الْمنزلَة من السَّمَاء
وروى أَنه ﷺ كَانَ مرّة فِي غزَاة فَقَالَ يَا مَالك يَوْم الدَّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين فَجعلت الرُّءُوس تندر عَن كواهلها
وَقد ذكر ذَلِك فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه فاعبده وتوكل عَلَيْهِ [سُورَة هود ١٢٣] وَقَوله عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب [سُورَة هود ٨٨] [سُورَة الشورى ١٠] وَكَانَ ﷺ إِذا ذبح أضحيته قَالَ مِنْك وَإِلَيْك
стр. 77
وأصل ذَلِك الْمُحَافظَة على الصَّلَوَات بِالْقَلْبِ وَالْبدن وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس بالنفع وَالْمَال الَّذِي هُوَ الزَّكَاة وَالصَّبْر على أَذَى الْخلق وَغَيره من النوائب فبالقيام بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّبْر يصلح حَال الرَّاعِي والرعية وَإِذا عرف الْإِنْسَان مَا يدْخل فِي هَذِه الْأَسْمَاء الجامعة عرف مَا يدْخل فِي الصَّلَاة من ذكر الله تَعَالَى ودعائه وتلاوة كِتَابه وإخلاص الدَّين لَهُ والتوكل عَلَيْهِ وَفِي الزَّكَاة من الْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالْمَالِ والنفع من نصر الْمَظْلُوم وإغاثة الملهوف وَقَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ قَالَ كل مَعْرُوف صَدَقَة فَيدْخل فِيهِ كل إِحْسَان وَلَو ببسط الْوَجْه والكلمة الطّيبَة
فَفِي الصَّحِيح عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان وَلَا حَاجِب فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا شَيْئا قدمه وَينظر أشأم مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا شَيْئا قدمه وَينظر أَمَامه فيستقبل النَّار فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَتَّقِي النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل فَإِن لم يجد فبكلمة طيبَة
وَفِي السّنَن لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه
стр. 78
طلق وَفِي رِوَايَة ووجهك إِلَيْهِ منبسط وَلَو أَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء المستسقي
وَفِي الصَّبْر احْتِمَال الْأَذَى وكظم الغيظ وَالْعَفو عَن النَّاس وَمُخَالفَة الْهوى وَترك الأشر والبطر كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليئوس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات الْآيَة [سُورَة هود ٩ - ١١]
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد من بطْنَان الْعَرْش أَلا ليقمْ من أجره على الله فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا وَأصْلح
وَلَيْسَ من حسن النِّيَّة للرعية وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم أَن يفعل مَا يهوونه وَيتْرك مَا يكرهونه قَالَ تَعَالَى وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٧١] وَقَالَ لأَصْحَاب نبيه ﷺ وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم رَسُول الله لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم [سُورَة الحجرات ٧]
стр. 79
رِسَالَة فِي تَحْقِيق التَّوَكُّل
стр. 80
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فَهَذَا
فصل فِي التَّوَكُّل
التَّوَكُّل عِنْد طَائِفَة مُجَرّد عبَادَة لَا يحصل بِهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة
قد ظن طَائِفَة مِمَّن تكلم فِي أَعمال الْقُلُوب أَن التَّوَكُّل لَا يحصل بِهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة بل مَا كَانَ مُقَدرا بِدُونِ التَّوَكُّل فَهُوَ مُقَدّر مَعَ التَّوَكُّل وَلَكِن التَّوَكُّل عبَادَة يُثَاب عَلَيْهَا من جنس الرِّضَا بِالْقضَاءِ وَذكر ذَلِك أَبُو عبد الله بن بطة فِيمَا صنفه فِي هَذَا الْبَاب وَقَول هَؤُلَاءِ يشبه قَول من قَالَ إِن الدُّعَاء لَا يحصل بِهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة بل هُوَ عبَادَة يُثَاب عَلَيْهَا كرمي الْجمار وَآخَرُونَ يَقُولُونَ بل الدُّعَاء عَلامَة وأمارة وَيَقُولُونَ ذَلِك فِي جَمِيع الْعِبَادَات وَهَذَا قَول من يَنْفِي الْأَسْبَاب فِي الْخلق وَالْأَمر وَيَقُول إِن الله يفعل عِنْدهَا لَا بهَا وَهُوَ قَول من طَائِفَة من متكلمي أهل الْإِثْبَات للقدر كالأشعري وَغَيره وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْفُقَهَاء والصوفية
стр. 81
وأصل هَذِه الْبِدْعَة من قَول جهم فَإِنَّهُ كَانَ غاليا فِي نفي الصِّفَات وَفِي الْجَبْر فَجعل من تَمام تَوْحِيد الذَّات نفي الصِّفَات وَمن تَمام تَوْحِيد الْأَفْعَال نفى الْأَسْبَاب حَتَّى أنكر تَأْثِير قدرَة العَبْد بل نفى كَونه قَادِرًا وَأنكر الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَكَانَ يخرج إِلَى الجذمي فَيَقُول أرْحم الرَّاحِمِينَ يفعل كل هَذَا يَعْنِي أَنه يفعل بمحض الْمَشِيئَة بِلَا رَحْمَة وَقَوله فِي الْقدر قد يقرب إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه من الطوائف
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء وَالْجُمْهُور وَكثير من أهل الْكَلَام إِثْبَات الْأَسْبَاب كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة مَعَ دلَالَة الْحس وَالْعقل وَالْكَلَام على هَؤُلَاءِ مَبْسُوط فِي مَوَاضِع أخر
التَّوَكُّل عِنْد الْجُمْهُور يجلب الْمَنْفَعَة وَيدْفَع الْمضرَّة وَهُوَ سَبَب عِنْد الْأَكْثَرين
وَالْمَقْصُود هُنَا الْكَلَام على التَّوَكُّل فَإِن الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن المتَوَكل يحصل لَهُ بتوكله من جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة مَا لَا يحصل لغيره وَكَذَلِكَ الدَّاعِي وَالْقُرْآن يدل على ذَلِك فِي مَوَاضِع كَثِيرَة ثمَّ هُوَ سَبَب عِنْد الْأَكْثَرين وعلامة عِنْد من يَنْفِي الْأَسْبَاب قَالَ تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه إِن الله بَالغ أمره قد جعل الله لكل شَيْء قدرا [سُورَة الطَّلَاق ٢ - ٣] والحسب الْكَافِي فَبين أَنه كَاف من توكل عَلَيْهِ وَفِي الدُّعَاء يَا حسب المتَوَكل فَلَا يُقَال هُوَ حسب غير المتَوَكل كَمَا هُوَ حسب المتَوَكل لِأَنَّهُ علق هَذِه الْجُمْلَة على الأولى تَعْلِيق الْجَزَاء على الشَّرْط فَيمْتَنع فِي مثل ذَلِك أَن يكون وجود الشَّرْط كَعَدَمِهِ وَلِأَنَّهُ رتب الحكم على الْوَصْف الْمُنَاسب لَهُ
توكل الْمُؤمن على الله هُوَ سَبَب كَونه حسبا لَهُ
فَعلم أَن توكله هُوَ سَبَب كَونه حسبا لَهُ وَلِأَنَّهُ ذكر ذَلِك فِي سِيَاق التَّرْغِيب فِي التَّوَكُّل كَمَا رغب فِي التَّقْوَى فَلَو لم يحصل للمتوكل من الْكِفَايَة
стр. 82
مَا لَا يحصل لغيره لم يكن ذَلِك مرغبا فِي التَّوَكُّل كَمَا جعل التَّقْوَى سَببا لِلْخُرُوجِ من الشدَّة وَحُصُول الرزق من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَقد قَالَ تَعَالَى الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل [سُورَة آل عمرَان ١٧٣] فمدحوه سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ نعم الْوَكِيل لما توكلوا عَلَيْهِ بقَوْلهمْ حَسبنَا الله أَي كافينا الله لَا يسْتَحق الْمَدْح إِن لم يجلب لمن توكل عَلَيْهِ مَنْفَعَة وَيدْفَع عَنهُ مضرَّة وَالله خير من توكل الْعباد عَلَيْهِ فَهُوَ نعم الْوَكِيل يجلب لَهُم كل خير وَيدْفَع عَنْهُم كل شَرّ
وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا [سُورَة المزمل ٨ - ٩] وَقَالَ تَعَالَى وآتينا مُوسَى الْكتاب وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل أَلا تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا [سُورَة الْإِسْرَاء ٢] فَأمر أَن يتَّخذ وَكيلا وَنهى أَن يتَّخذ من دونه وَكيلا لِأَن الْمَخْلُوق لَا يسْتَقلّ بِجَمِيعِ حاجات العَبْد وَالْوكَالَة الْجَائِزَة أَن يُوكل الْإِنْسَان فِي فعل يقدر عَلَيْهِ فَيحصل للْمُوكل بذلك بعض مَطْلُوبه فَأَما مطالبه كلهَا فَلَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا الله وَذَلِكَ الَّذِي يُوكله لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بِمَشِيئَة الله وَقدرته فَلَيْسَ لَهُ أَن يتوكل عَلَيْهِ وَإِن وَكله بل يعْتَمد على الله فِي تيسير مَا وَكله فِيهِ فَلَو كَانَ الَّذِي يحصل للمتوكل على الله يحصل وَإِن توكل على غَيره أَو يحصل بِلَا توكل لَكَانَ اتِّخَاذ بعض المخلوقين وَكيلا أَنْفَع من اتِّخَاذ الْخَالِق وَكيلا وَهَذَا من أقبح لَوَازِم هَذَا القَوْل الْفَاسِد قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ [سُورَة الْأَنْفَال ٦٤] أَي الله كافيك وكافي من اتبعك من
стр. 83
الْمُؤمنِينَ فَلَو كَانَت كِفَايَته للْمُؤْمِنين المتبعين للرسول سَوَاء اتَّبعُوهُ أَو لم يتبعوه لم يكن للْإيمَان وَاتِّبَاع الرَّسُول ثمَّ أثر فِي هَذِه الْكِفَايَة وَلَا كَانَ لتخصصهم بذلك معنى وَكَانَ هَذَا نَظِير أَن يُقَال هُوَ خالقك وخالق من اتبعك من الْمُؤمنِينَ وَمَعْلُوم أَن المُرَاد خلاف ذَلِك
وَإِذا كَانَ الْحسب معنى يخْتَص بِهِ بعض النَّاس علم أَن قَول المتَوَكل حسبي الله وَقَوله تَعَالَى وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه [سُورَة الطَّلَاق ٣] أَمر مُخْتَصّ لَا مُشْتَرك وَأَن التَّوَكُّل سَبَب ذَلِك الإختصاص وَالله تَعَالَى إِذا وعد على الْعَمَل بوعد أَو خص أَهله بكرامة فَلَا بُد أَن يكون بَين وجود ذَلِك الْعَمَل وَعَدَمه فرق فِي حُصُول تِلْكَ الْكَرَامَة وَإِن كَانَ قد يحصل نظيرها بِسَبَب آخر فقد يَكْفِي الله بعض من لم يتوكل عَلَيْهِ كالأطفال لَكِن لَا بُد أَن يكون للمتوكل أثر فِي حُصُول الْكِفَايَة الْحَاصِلَة للمتوكلين فَلَا يكون مَا يحصل من الْكِفَايَة بالتوكل حَاصِلا مُطلقًا وَإِن عدم التَّوَكُّل
التَّوَكُّل سَبَب نعْمَة الله وفضله
وَقد قَالَ تَعَالَى وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله وَالله ذُو فضل عَظِيم [سُورَة آل عمرَان ١٧٣ - ١٧٤] فمعقب هَذَا الْجَزَاء وَالْحكم لذَلِك الْوَصْف وَالْعَمَل بِحرف الْفَاء وَهِي تفِيد السَّبَب فَدلَّ ذَلِك على أَن ذَلِك التَّوَكُّل هُوَ سَبَب هَذَا الإنقلاب بِنِعْمَة من الله وَفضل وَأَن هَذَا الْجَزَاء جَزَاء على ذَلِك الْعَمَل
وَفِي الْأَثر من سره أَن يكون أقوى النَّاس فَليَتَوَكَّل على الله فَلَو كَانَ التَّوَكُّل لَا يجلب مَنْفَعَة وَلَا يدْفع مضرَّة لم يكن المتَوَكل أقوى من غَيره
стр. 84
قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ إِن الله كَانَ عليما حكيما وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك من رَبك إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا [سُورَة الْأَحْزَاب ١ - ٣]
وَقَالَ فِي أثْنَاء السُّورَة وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ ودع أذاهم وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا [الْآيَة ٤٨]
فَأمره سُبْحَانَهُ بتقواه وَاتِّبَاع مَا يُوحى إِلَيْهِ وَأمره بالتوكل كَمَا جمع بَين هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه فاعبده وتوكل عَلَيْهِ [سُورَة هود ١٢٣] وَقَوله وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا [سُورَة المزمل ٨ - ٩] وَقَوله تَعَالَى رَبنَا عَلَيْك توكلنا وَإِلَيْك أنبنا وَإِلَيْك الْمصير [سُورَة الممتحنة ٤] وَقَوله تَعَالَى هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب [سُورَة الرَّعْد ٣٠] وَقَوله تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه [سُورَة الطَّلَاق ٢ - ٣]
وَقَوله تَعَالَى فِي الْفَاتِحَة إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وَعلم الْقُرْآن جمع فِي الْفَاتِحَة وَعلم الْفَاتِحَة فِي هذَيْن الْأَصْلَيْنِ عبَادَة الله والتوكل عَلَيْهِ
وَإِذا أفرد لفظ الْعِبَادَة دخل فِيهِ التَّوَكُّل فَإِنَّهُ من عبَادَة الله تَعَالَى كَقَوْلِه تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس ابعدوا ربكُم [سُورَة الْبَقَرَة ٢١] وَقَوله تَعَالَى وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون [سُورَة الذاريات ٥٦] وَإِذا قرن بِهِ التَّوَكُّل كَانَ مَأْمُورا بِهِ بِخُصُوصِهِ
وَهَذَا كَلَفْظِ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْعَمَل وَلَفظ الصَّلَاة مَعَ الْعِبَادَة وَمَعَ اتِّبَاع
стр. 85
الْكتاب وَلَفظ الْفَحْشَاء وَالْبَغي مَعَ الْمُنكر ونظائر ذَلِك مُتعَدِّدَة
فكون اللَّفْظ عِنْد تجرده وإفراده يتَنَاوَل أنواعا وَقد يعْطف بعض تِلْكَ الْأَنْوَاع عَلَيْهِ فَيكون مَأْمُورا بِهِ بِخُصُوصِهِ ثمَّ قد يُقَال إِذا عطف لم يدْخل فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَقد يُقَال بل أَمر بِهِ خَاصّا وعاما كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال وَإِذا كَانَ الله أمره بالتوكل على الله ثمَّ قَالَ وَكفى بِاللَّه وَكيلا [سُورَة الْأَحْزَاب ٣] علم أَن الله وَكيل كَاف لمن توكل عَلَيْهِ كَمَا يُقَال فِي الْخطْبَة وَالدُّعَاء الْحَمد لله كَافِي من توكل عَلَيْهِ
وَإِذا كَانَ كفى بِهِ وَكيلا فَهَذَا مُخْتَصّ بِهِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ غَيره من الموجودات كفى بِهِ وَكيلا فَإِن من يتَّخذ وَكيلا من المخلوقين غَايَته أَن يفعل بعض الْمَأْمُور وَهُوَ لَا يَفْعَلهَا إِلَّا بإعانة الله لَهُ وَهُوَ عَاجز عَن أَكثر المطالب
فَإِذا كَانَ سُبْحَانَهُ وصف نَفسه بِأَنَّهُ كفى بِهِ وَكيلا علم أَنه يفعل بالمتوكل عَلَيْهِ مَا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى غَيره فِي جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار إِذْ لَو تبقى شَرّ لم يكن كفى بِهِ وَكيلا وَهَذَا يَقْتَضِي بطلَان ظن من ظن أَن المتَوَكل عَلَيْهِ لَا يحصل لَهُ بتوكله عَلَيْهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة بل يجْرِي عَلَيْهِ من القضايا مَا كَانَ يجْرِي لَو لم يتوكل عَلَيْهِ
وَالَّذين ظنُّوا هَذَا أصل شبهتهم أَنهم لما أثبتوا أَن الله إِذا قضى شَيْئا فَلَا بُد أَن يكون وَأَنه مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَن مَا سبق بِهِ علمه فَهُوَ كَائِن لَا محَالة صَارُوا يظنون مَا يُوجد بِسَبَب يُوجد بِدُونِهِ وَمَا يُوجد مَعَ عدم الْمَانِع يُوجد مَعَ الْمَانِع
стр. 86
وَهَذَا غلط عَظِيم ضل فِيهِ طوائف طَائِفَة قَالَت لَا حَاجَة إِلَى الْأَعْمَال الْمَأْمُور بهَا فَإِن من خلق للجنة فَهُوَ يدخلهَا وَإِن لم يُؤمن وَمن خلق للنار فَهُوَ يدخلهَا وَإِن آمن
وَهَذِه الشُّبْهَة سُئِلَ عَنْهَا النَّبِي ﷺ لما قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد علم مَقْعَده من الْجنَّة وَالنَّار قَالُوا أَولا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشَّقَاء فسييسر إِلَى عمل أهل الشَّقَاء
الْأَسْبَاب -وَمِنْهَا التَّوَكُّل- من قدر الله
وَهَذَا الْمَعْنى قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيح فِي مَوَاضِع تَبْيِين أَن مَا سبق بِهِ الْكتاب سبق بالأسباب الَّتِي تُفْضِي إِلَيْهِ فالسعادة سبقت بِأَن صَاحبهَا يسْتَعْمل فِيمَا يصير بِهِ سعيدا والشقاوة سبقت بِأَن صَاحبهَا يسْتَعْمل فِيمَا يصير بِهِ شقيا فالقدر يتَضَمَّن الْغَايَة وسببها لم يتَضَمَّن غَايَة بِلَا سَبَب كَمَا تضمن أَن هَذَا ويلد لَهُ بِأَن يتَزَوَّج ويطأ الْمَرْأَة وَهَذَا ينْبت أرضه بِأَن يزرع ويسقى الزَّرْع وأمثال ذَلِك
وَكَذَلِكَ فِي السّنَن أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقى نسترقيها وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا فَقَالَ هِيَ من قدر الله
стр. 87
بَين أَن الْأَسْبَاب الَّتِي تدفع بهَا المكاره هِيَ من قدر الله لَيْسَ الْقدر مُجَرّد دفع الْمَكْرُوه بِلَا سَبَب
وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ إِن الدُّعَاء لَا يُؤثر شَيْئا والتوكل لَا يُؤثر شَيْئا هُوَ من هَذَا الْجِنْس لَكِن إِنْكَار مَا أَمر بِهِ من الْأَعْمَال كفر ظَاهر بِخِلَاف تَأْثِير التَّوَكُّل وَلَكِن الأَصْل وَاحِد وَهُوَ النّظر إِلَى المقدرو مُجَردا عَن أَسبَابه ولوازمه وَمن هَذَا الْبَاب أَن الْمَقْتُول يَمُوت بأجله عِنْد عَامَّة الْمُسلمين إِلَّا فرقة من الْقَدَرِيَّة قَالُوا إِن الْقَاتِل قطع أَجله ثمَّ تكلم الْجُمْهُور لَو لم يقتل فَقَالَ بَعضهم كَانَ يَمُوت لِأَن الْأَجَل قد فرغ وَقَالَ بَعضهم لَا يَمُوت لانْتِفَاء السَّبَب
وكلاء الْقَوْلَيْنِ قد قَالَه من ينتسب إِلَى السّنة وَكِلَاهُمَا خطأ فَإِن الْقدر سبق بِأَنَّهُ يَمُوت فَبِهَذَا السَّبَب لَا بِغَيْرِهِ فَإِذا قدر انْتِفَاء هَذَا السَّبَب كَانَ فرض خلاف مَا فِي الْمَقْدُور وَلَو كَانَ الْمَقْدُور أَنه لَا يَمُوت بِهَذَا السَّبَب أمكن أَن يكون الْمُقدر أَنه يَمُوت بِغَيْرِهِ وَأمكن أَن يكون الْمُقدر أَنه لَا يَمُوت فالجزم بِأَحَدِهِمَا جهل فَمَا تعدّدت أَسبَابه لم يجْزم بِعَدَمِهِ عِنْد عدم بَعْضهَا وَلَو لم يجْزم بِثُبُوتِهِ إِن لم يعرف لَهُ سَبَب آخر بِخِلَاف مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَبَب وَاحِد مثل دُخُول النَّار فَإِنَّهُ لَا يدخلهَا إِلَّا من عصى فَإِذا قدر أَنه لم يعْص لم يدخلهَا
نصر الله مَعَ التَّوَكُّل عَلَيْهِ
قَالَ تَعَالَى فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاروهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ [سُورَة آل عمرَان ١٥٩ - ١٦٠] فَأمره إِذا عزم أَن
стр. 88
يتوكل على الله فَلَو كَانَ المتَوَكل لَا يُعينهُ على مثل مَا عزم عَلَيْهِ لم يكن بِهِ عِنْد الْعَزْم فَائِدَة يبين سُبْحَانَهُ أَنه هُوَ النَّاصِر دون غَيره فَقَالَ وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ فَنهى عَن التَّوَكُّل على غَيره وَأمر بالتوكل عَلَيْهِ ليحصل للمتوكل عَلَيْهِ النَّصْر الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَإِلَّا فالمتوكل على غَيره يطْلب مِنْهُ النَّصْر فَإِن كَانَ ذَلِك الْمَطْلُوب لَا يحصل مِنْهُ لم يكن لذكر انْفِرَاده بالنصر معنى فَإِنَّهُ على هَذَا القَوْل نَصره لمن توكل عَلَيْهِ كنصره لمن لم يتوكل عَلَيْهِ وَهَذَا يُنَاقض مَقْصُود الْآيَة بل عِنْد هَؤُلَاءِ قد ينصر من يتوكل على غَيره وَلَا ينصر من توكل عَلَيْهِ فَكيف يَأْمر بالتوكل عَلَيْهِ دون غَيره مَقْرُونا بقوله إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى أَلَيْسَ الله بكاف عَبده ويخوفونك بالذين من دونه وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد [سُورَة الزمر ٣٦] إِلَى قَوْله قل حسبي الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون [سُورَة الزمر ٣٨] فَبين أَن الله يَكْفِي عَبده الَّذِي يعبده الَّذِي هُوَ من عباده الَّذين لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان الَّذين هم من عباده المخلصين الَّذين هم من عباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا الَّذين هم من عباد الله الَّذين يشربون من عين يفجرونها تفجيرا
وَمثل هَذَا قَوْله سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [سُورَة الْإِسْرَاء ١] وَقَوله تَعَالَى وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ [سُورَة الْجِنّ ١٩] وَقَوله تَعَالَى وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٣] ونظائر ذَلِك مُتعَدِّدَة ثمَّ أمره بقوله حسبي الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون
стр. 89
توكل الْمُرْسلين يدْفع عَنْهُم شَرّ أعدائهم
وَقَالَ تَعَالَى واتل عَلَيْهِم نبأ نوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِن كَانَ كبر عَلَيْكُم مقَامي وتذكيري بآيَات الله فعلى الله توكلت فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقتضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون [سُورَة يُونُس ٧١]
وَكَذَلِكَ قَالَ عَن هود لما قَالَ لِقَوْمِهِ إِن نقُول إِلَّا اعتراك بعض آلِهَتنَا بِسوء قَالَ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون من دونه فكيدوني جَمِيعًا ثمَّ لَا تنْظرُون إِنِّي توكلت على الله رَبِّي وربكم مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم [سُورَة هود ٥٤ - ٥٦] فَهَذَا من كَلَام الْمُرْسلين مِمَّا يبين أَنه بتوكله على الله يدْفع شرهم عَنهُ
فنوح يَقُول إِن كَانَ كبر عَلَيْكُم مقَامي وتذكيري بآيَات الله فعلى الله توكلت فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون فَدَعَاهُمْ إِذا استعظموا مَا يَفْعَله كارهين لَهُ أَن يجتمعوا ثمَّ يَفْعَلُوا بِهِ مَا يريدونه من الإهلاك وَقَالَ تَعَالَى فعلى الله توكلت فلولا أَن تَحْقِيقه هَذِه الْكَلِمَة وَهُوَ توكله على الله يدْفع مَا تحداهم بِهِ ودعاهم إِلَيْهِ تعجيزا لَهُم من مناجزته لَكَانَ قد طلب مِنْهُم أَن يهلكوه وَهَذَا لَا يجوز وَهَذَا طلب تعجيز لَهُم فَدلَّ على أَنه بتوكله على الله يعجزهم عَمَّا تحداهم بِهِ
وَكَذَلِكَ هُوَ يشْهد الله وإياهم أَنه بَرِيء مِمَّا يشركونه بِاللَّه ثمَّ يتحداهم ويعجزهم بقوله فكيدوني جَمِيعًا ثمَّ لَا تنْظرُون إِنِّي توكلت على
стр. 90
الله رَبِّي وربكم مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها بَين أَنه توكل على من أَخذ بنواصي الْأَنْفس وبسائر الدَّوَابّ فَهُوَ يدفعكم عني لِأَنِّي متوكل عَلَيْهِ وَلَو كَانَ وجود التَّوَكُّل كَعَدَمِهِ فِي هَذَا لَكَانَ قد أغراهم بالإيقاع بِهِ وَلم يكن لذكر توكله فَائِدَة إِذْ كَانَ حَقِيقَة الْأَمر عِنْد هَؤُلَاءِ أَنه لَا فرق بَين من توكل وَمن لم يتوكل فِي وُصُول الْعَذَاب عَلَيْهِ وهم كَانُوا أَكثر وَأقوى مِنْهُ فَكَانُوا يهلكونه لَوْلَا قوته بتوكله عَلَيْهِ فَإِن التَّوَكُّل إِن لم يُعْطه قُوَّة فهم أقوى مِنْهُ وَهُوَ لَو قَالَ بِأَن الله مولَايَ وناصري وَنَحْو ذَلِك لعلم أَنه قَالَه مخبرا فَالله يدفعهم عَنهُ وَإِنَّمَا يدفعهم لإيمانه وتقواه وَلِأَنَّهُ عَبده وَرَسُوله
وَالله تَعَالَى مَعَ رسله وأوليائه فَإِذا كَانَ بِسَبَب الْإِيمَان وَالتَّقوى يدْفع الله عَن الْمُؤمنِينَ التقين كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا [سُورَة الْحَج ٣٨] علم أَن العَبْد تقوم بِهِ أَعمال باطنة وظاهرة يجلب بهَا الْمَنْفَعَة وَيدْفَع بهَا الْمضرَّة فالتوكل من أعظم ذَلِك وَعلم أَن من ظن أَن الْمَقْدُور من الْمَنَافِع والمضار لَيْسَ مُعَلّقا بالأسباب بل يحصل بِدُونِهَا فَهُوَ غلط
غلط من أنكر الْأَسْبَاب أَو جعلهَا مُجَرّد أَمارَة أَو عَلامَة
وَكَذَلِكَ قَول من جعل ذَلِك مُجَرّد أَمارَة وعلامة لاقتران هَذَا بِهَذَا فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن فِي خلقه وَأمره كَقَوْلِه تَعَالَى فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات [سُورَة الْأَعْرَاف ٥٧] وَقَوله تَعَالَى كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية [سُورَة الحاقة ٢٤] وَقَوله تَعَالَى جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة السَّجْدَة ١٧]
стр. 91
وَأنكر تَعَالَى على من ظن وجود الْأَسْبَاب كعدمها فِي قَوْله تَعَالَى أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين [سُورَة الْقَلَم ٣٥] وَقَوله تَعَالَى أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار [سُورَة ص ٢٨] وأمثال ذَلِك
وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ بالجبد رقالوا بِالْأَمر وَالنَّهْي حَقِيقَته أَنه إِعْلَام بِوُقُوع الْعَذَاب بِالْمَعَاصِي بمحض الْمَشِيئَة لَا لسَبَب وَلَا لحكمة فقلبوا حَقِيقَة الْأَمر وَالنَّهْي إِلَى الْجَبْر كَمَا أبطلوا الْأَسْبَاب وَالْحكم وأبطلوا قدر الْعباد وهم وَإِن كَانُوا يردون على الْقَدَرِيَّة ويذكرون من تناقضهم مَا يبين بِهِ فَسَاد قَول الْقَدَرِيَّة فَردُّوا بَاطِلا بباطل وَقَابَلُوا بِدعَة ببدعة كرد الْيَهُود على النَّصَارَى وَالنَّصَارَى على الْيَهُود مقاتلهم فِي الْمَسِيح وكلا المقالتين بَاطِلَة وَكَذَلِكَ تقَابل الْخَوَارِج والشيعة فِي عَليّ كِلَاهُمَا بَاطِل على بَاطِل ونظائر مُتعَدِّدَة
فصل
فرض الله الدُّعَاء على الْعباد لافتقارهم إِلَى هدايته
وَإِن مَا فرض عَلَيْهِ من الدُّعَاء الرَّاتِب الَّذِي يتَكَرَّر فِي الصَّلَوَات بل الرَّكْعَات فَرضهَا ونفلها هُوَ الدُّعَاء الَّذِي تضمنته أم الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين لِأَن كل عبد فَهُوَ مُضْطَر دَائِما إِلَى مَقْصُود هذاالدعاء وَهُوَ هِدَايَة الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَإِنَّهُ لَا نجاة من الْعَذَاب إِلَّا بِهَذِهِ الْهِدَايَة وَلَا وُصُول
стр. 92
إِلَى السَّعَادَة إِلَّا بِهِ فَمن فَاتَهُ هَذَا الْهدى فَهُوَ إِمَّا من المغضوب عَلَيْهِم وَإِمَّا من الضَّالّين
وَهَذَا الإهتداء لَا يحصل إِلَّا بهدى الله فَمن يهده الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا [سُورَة الْكَهْف ١٧] وَهَذِه الْآيَة مِمَّا يتَبَيَّن بهَا فَسَاد مَذْهَب الْقَدَرِيَّة الَّذين يَزْعمُونَ أَن العَبْد لَا يفْتَقر فِي حُصُول هَذَا الإهتداء إِلَى الله بل كل عبد عِنْدهم مَعَه مَا يحصل بِهِ الإهتداء وَالْكَلَام عَلَيْهِم مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن كل عبد فَهُوَ مفتقر دَائِما إِلَى حُصُول هَذِه الْهِدَايَة وَأما سُؤال من يَقُول فقد هدَاهُم إِلَى الْإِيمَان فَلَا حَاجَة إِلَى الْهدى وَجَوَاب من يُجيب بِأَن الْمَطْلُوب دوَام الْهدى فَكَلَام من لم يعرف حَقِيقَة حَال الْأَسْبَاب وَمَا أَمر بِهِ فَإِن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أَن تفعل فِي كل وَقت مَا أمرت بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت من علم وَعمل وَلَا تفعل مَا نهيت عَنهُ وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي كل وَقت إِلَى أَن يعلم مَا أَمر بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَمَا نهى عَنهُ وَإِلَى أَن يحصل لَهُ إِرَادَة جازمة لفعل الْمَأْمُور وَكَرَاهَة جازمة لترك الْمَحْظُور وَهَذَا الْعلم الْمفصل والإرادة المفصلة لَا يتَصَوَّر أَن تحصل للْعَبد فِي وَقت وَاحِد بل فِي كل وَقت يحْتَاج أَن يَجْعَل الله فِي قلبه من الْعُلُوم والإرادات مَا يهدى بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت نعم حصل لَهُ هدى مُجمل فَإِن الْقُرْآن حق وَدين الْإِسْلَام حق وَالرَّسُول وَنَحْو ذَلِك وَلَكِن هَذَا الْهدى الْمُجْمل لَا يُعينهُ إِن لم يحصل لَهُ هدى مفصل فِي كل مَا يَأْتِيهِ ويدبره من الجزئيات الَّتِي يحار فِي كثير مِنْهَا أَكثر عقول الْخلق ويغلب الْهوى أَكثر الْخلق لغَلَبَة الشُّبُهَات والشهوات على النُّفُوس
стр. 93
وَالْإِنْسَان خلق ظلوما جهولا فَالْأَصْل فِيهِ عدم الْعلم وميله إِلَى مَا يهواه من الشَّرّ فَيحْتَاج دَائِما إِلَى علم مفصل يَزُول بِهِ جَهله وَعدل فِي محبته وبغضه وَرضَاهُ وغضبه وَفعله وَتَركه وإعطائه وَمنعه وكل مَا يَقُوله ويعمله يحْتَاج فِيهِ إِلَى عدل يُنَافِي ظلمه فَإِن لم يمن الله عَلَيْهِ بِالْعلمِ الْمفصل وَالْعدْل الْمفصل وَإِلَّا كَانَ فِيهِ من الْجَهْل وَالظُّلم مَا يخرج بِهِ عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَقد قَالَ تَعَالَى لنَبيه بعد صلح الْحُدَيْبِيَة وبيعة الرضْوَان إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته عَلَيْك ويهديك صراطا مُسْتَقِيمًا وينصرك الله نصرا عَزِيزًا [سُورَة الْفَتْح ١ - ٣] فَأخْبر أَنه فعل هَذَا ليهديه صراطا مُسْتَقِيمًا فَإِذا كَانَ هَذَا حَاله فَكيف حَال غَيره
والصراط الْمُسْتَقيم قد فسر بِالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَام وَطَرِيق الْعُبُودِيَّة وكل هَذَا حق فَهُوَ مَوْصُوف بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ فحاجته إِلَى هَذِه الْهِدَايَة ضَرُورِيَّة فِي سعادته ونجاته بِخِلَاف الْحَاجة إِلَى الرزق والنصر فَإِن الله يرزقه وَإِذا انْقَطع رزقه مَاتَ وَالْمَوْت لَا بُد مِنْهُ فَإِن كَانَ من أهل الْهِدَايَة كَانَ سعيدا وَإِن كَانَ بعد الْمَوْت وَكَانَ الْمَوْت موصلا لَهُ إِلَى السَّعَادَة الدائمة الأبدية فَيكون رَحْمَة فِي حَقه وَكَذَلِكَ النَّصْر إِذا قدر أَنه قهر وَغلب حَتَّى قتل فَإِذا كَانَ من أهل الْهِدَايَة إِلَى الإستقامة مَاتَ شَهِيدا وَكَانَ الْقَتْل من تَمام نعْمَة الله عَلَيْهِ فَتبين أَن حَاجَة الْعباد إِلَى الْهَدْي أعظم من حَاجتهم إِلَى الرزق بل لَا نِسْبَة بَينهمَا فَلهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاء هُوَ الْمَفْرُوض عَلَيْهِم
وَأَيْضًا فَإِن الدُّعَاء يتَضَمَّن الرزق والنصر لِأَنَّهُ إِذا هدي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كَانَ من الْمُتَّقِينَ وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَكَانَ مِمَّن ينصر الله وَرَسُوله وَمن نصر الله نَصره وَكَانَ من جند الله وجند الله هم الغالبون فالهدى التَّام يتَضَمَّن حُصُول أعظم مَا يحصل بِهِ الرزق والنصر
стр. 94
رِسَالَة فِي تَحْقِيق الشُّكْر
стр. 95
فصل
يتَعَلَّق بالشكر
الْمُجبرَة والقدرية والملاحدة لَا يحْمَدُونَ الله وَلَا يشكرونه
اعْلَم أَن أهل الْبدع الْقَدَرِيَّة من الْجَهْمِية الْمُجبرَة والقدرية النافية لَا يحْمَدُونَ الله وَلَا يشكرونه كَمَا أَنهم لَا يعبدونه وَأما أهل الْإِلْحَاد من المتفلسفة والباطنية فهم أبعد عَن حَمده وشكره
مقَالَة الْمُجبرَة
وَذَلِكَ أَن الْمُجبرَة حَقِيقَة قَوْلهم أَنه لَيْسَ برحيم وَلَا منعم بل وَلَا إِلَه يسْتَحق أَن يعبد وَيُحب بل صُدُور الْإِحْسَان عَنهُ كصدور الْإِسَاءَة وَإِنَّمَا هُوَ يفعل بمحض مَشِيئَة ترجح الشَّيْء على مثله لَا لمرجح وكل الممكنات عِنْدهم متماثلة فَلَا فرق بَين أَن يُرِيد رَحْمَة الْخلق ونفعهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم أَو يُرِيد فسادهم وهلاكهم وضرارهم يَقُولُونَ هَذَا كُله عِنْده سَوَاء
وَمَعْلُوم أَن الإنعام إِنَّمَا يكون إنعاما إِذا قصد بِهِ الْمُنعم نفع الْمُنعم عَلَيْهِ دون إضراره وَأما إِذا قصد الْأَمريْنِ فَهَذَا لَيْسَ جعله منمعما مصلحا بِأولى من جعله معتديا مُفْسِدا كمن بِيَدِهِ سيف يضْرب بِهِ صديق الْإِنْسَان تَارَة وعدوه أُخْرَى أَو مَعَه دَرَاهِم يقوى بهَا تَارَة ويقويه بهَا تَارَة فَهَذَا لَيْسَ كَونه محسنا إِلَيْهِ بِأولى من كَونه ضارا لَهُ ومحسنا إِلَى عدوه
مقَالَة الْقَدَرِيَّة النافية
وَأما النافية فعندهم أَن هَذَا كُله وَاجِب عَلَيْهِ الْبَيَان وَخلق الْقُدْرَة وإزاحة الْعِلَل وَالْجَزَاء وَمن فعل الْوَاجِب الَّذِي يسْتَحقّهُ غَيره عَلَيْهِ لم يسْتَحق الشُّكْر الْمُطلق
стр. 96
وَأَيْضًا إنعامه بِالْهدى على الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار سَوَاء فَشكر الْمُؤمنِينَ لَهُ على الْهدى كشكر الْكفَّار عَلَيْهِ إِذْ لم ينعم على الْمُؤمنِينَ بِنَفس الْهدى بل هم اهتدوا بقدرتهم ومشيئتهم وَإِذن كَانَ إنعامه على النَّوْعَيْنِ سَوَاء وَلَكِن هَؤُلَاءِ هم الَّذين فعلوا مَا يسعدون بِهِ
مقَالَة المتفلسفة
والمتفلسفة أرسطو وَأَتْبَاعه عِنْدهم أَنه لَا يفعل شَيْئا وَلَا يُرِيد شَيْئا وَلَا يعلم شَيْئا وَلَا يخلق شَيْئا فعلى أَي شَيْء يشْكر أم على أَي شَيْء يحمد ويعبد
مقَالَة باطنية الشِّيعَة والمتصوفة
والباطنية باطنية الشِّيعَة والمتصوفة كَابْن سبعين وَابْن عَرَبِيّ هم فِي الْبَاطِن كَذَلِك بل يَقُولُونَ الْوُجُود وَاحِد وجود الْمَخْلُوق هُوَ وجود الْخَالِق فَيجب عِنْدهم أَن يكون كل مَوْجُود عابدا لنَفسِهِ شاكرا لنَفسِهِ حامدا لنَفسِهِ
مقَالَة ابْن عَرَبِيّ
وَابْن عَرَبِيّ يَجْعَل الْأَعْيَان ثَابِتَة فِي الْعَدَم وَقد صرح بِأَن الله لم يُعْط أحدا شَيْئا وَأَن جَمِيع مَا للعباد فَهُوَ مِنْهُم لَا مِنْهُ وَهُوَ مفتقر إِلَيْهِم لظُهُور وجوده فِي أعيانهم وهم مفتقرون إِلَيْهِ لكَون أعيانهم ظَهرت فِي وجوده فالرب إِن ظهر
стр. 97
فَهُوَ العَبْد وَالْعَبْد إِن بطن فَهُوَ الرب وَلِهَذَا قَالَ لَا تحمد وَلَا تشكر إِلَّا نَفسك فَمَا فِي أحد من الله شَيْء وَلَا فِي أحد من نَفسه شَيْء وَلِهَذَا قَالَ إِنَّه يَسْتَحِيل من العَبْد أَن يَدعُوهُ لِأَنَّهُ يشْهد أحدية الْعين فالداعي هُوَ الْمَدْعُو فَكيف يَدْعُو نَفسه وَزعم أَن هَذَا هُوَ خُلَاصَة غَايَة الْغَايَة فَمَا بعد هَذَا شَيْء وَقَالَ فَلَا تطمع أَن ترقى فِي أَعلَى من هَذِه الدرج فَمَا ثمَّ شَيْء أصلا وَإِن هَذَا إِنَّمَا يعرفهُ خُلَاصَة خُلَاصَة الْخَاصَّة من أهل الله
فَصرحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بعد وجود الْمَخْلُوقَات وجود يخلق ويرزق ويعبد وَلِهَذَا كَانَ صَاحبه القَاضِي يَقُول
مَا الْأَمر إِلَّا نسق وَاحِد ... مَا فِيهِ من حمد وَلَا ذمّ
وَإِنَّمَا الْعَادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم
وَقد قَالَ تَعَالَى وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله ثمَّ إِذا مسكم الضّر
стр. 98
فإليه تجأرون ثمَّ إِذا كشف الضّر عَنْكُم الْآيَة [سُورَة النَّحْل ٥٣ - ٥٤] إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَا يشتهون الْآيَة ٥٧
كفر باطنية المتصوفة أعظم من كفر الفلاسفة
وَهَذِه الْآيَات كَمَا تناولت ذمّ الَّذين جعلُوا لَهُ شَرِيكا وَولدا فَتَنَاولهَا لذم هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة أعظم فَإِن الْقَائِلين بقدم الْعَالم وَأَنه مَعْلُول جَعَلُوهُ كُله وَالدّلَالَة قَدِيما أزليا مَعَه وَهَذَا أعظم من قَول أُولَئِكَ وَالَّذين لم يَجْعَلُوهُ معلولا لَهُ قَالُوا إِنَّه قديم مَعَه وَاجِب الْوُجُود مماثل لَهُ بل وَجعلُوا الْفلك هُوَ الَّذِي تحدث عَنهُ الْحَوَادِث لَكِن حركته للشبه بِهِ وَهَذَا أعظم من كل شرك فِي الْعَالم وَمن شرك الْمَجُوس والحرنانيين فَإِن أُولَئِكَ وَإِن جعلُوا مَعَه قَدِيما إِمَّا الظلمَة وَهِي إِبْلِيس عِنْد الْمَجُوس وَإِمَّا النَّفس والهيولي عِنْد الحرنانيين فهم يَقُولُونَ إِنَّه أحدث الْعَالم وَأَنه رَكبه من النَّفس والهيولي الْقَدَمَيْنِ ورحبه من أَجزَاء النُّور والظلمة
وَلِهَذَا ذكر مُحَمَّد بن كَعْب وَغَيره عَن الْمَجُوس والصابئة أَنهم قَالُوا عَن الله لَوْلَا أولياؤه لذل فَأنْزل الله تَعَالَى وَلم يكن لَهُ ولي من الذل [سُورَة الْإِسْرَاء ١١١] فَإِنَّهُم يجعلونه مُحْتَاجا إِلَى من يعاونه إِذْ كَانَ
стр. 99
مَغْلُوبًا من وَجه مَعَ القدماء مَعَه كَمَا هُوَ غَالب من وَجه
وَكفر أُولَئِكَ أعظم فَإِنَّهُم لم يجْعَلُوا لَهُ تَأْثِيرا فِي الْفلك وَلَا تَصرفا بِوَجْه من الْوُجُوه فَهَؤُلَاءِ تنقصوه وسلبوه الربوبية والإلهية أعظم من أُولَئِكَ وجعلوه مَعَ الْفلك مَغْلُوبًا من كل وَجه لَا بِقدر أَن يفعل فِيهِ شَيْئا وكقول عَبدة الْأَوْثَان هُوَ أجل من أَن نعبده بل نعْبد الوسائط وَهُوَ أجل من أَن يبْعَث بشرا رَسُولا فجحدوا توحيده ورسالته على وَجه التَّعْظِيم لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَجُوس الثنوية أثبتوا الظلمَة تَنْزِيها لَهُ عَن فعل الشَّرّ والحرنانيون أثبتوا مَعَه النَّفس والهبلوي قديمين تَنْزِيها لَهُ عَن إِحْدَاث الْعَالم بِلَا سَبَب فالأمم كلهم يعظمونه لَكِن تَعْظِيمًا يسْتَلْزم شُبْهَة وسبة
كل مَا بالخلق من نعْمَة فَمن الله
وَالْمَقْصُود هُنَا قَوْله تَعَالَى وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله [سُورَة النَّحْل ٥٣] وَقَوله وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ [سُورَة الجاثية ١٣] فَالْأَمْر ضد مَا قَالَه هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة ابْن عَرَبِيّ وَنَحْوه حَيْثُ قَالُوا مَا فِي أحد من الله شَيْء فَيُقَال لَهُم بل كل مَا بالخلق من نعْمَة فَمن الله وَحده
قَالَ النَّبِي ﷺ من قَالَ إِذا أصبح اللَّهُمَّ مَا أصبح بِي من نعْمَة أَو بِأحد من خلقك فمنك وَحدك لَا شريك لَك فلك الْحَمد وَلَك الشُّكْر فقد أدّى شكر ذَلِك الْيَوْم وَمن قَالَ إِذا أَمْسَى اللَّهُمَّ مَا أَمْسَى بِي من نعْمَة أَو بِأحد من خلقك فمنك وَحدك لَا شريك لَك فلك الْحَمد وَلَك الشُّكْر فقد أدّى شكر تِلْكَ اللَّيْلَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
стр. 100
فَكل مَا بالخلق من النعم فَمِنْهُ وَحده لَا شريك لَهُ وَلِهَذَا هُوَ سُبْحَانَهُ يجمع بَين الشُّكْر والتوحيد فَفِي الصَّلَاة أول الْفَاتِحَة الْحَمد لله رب الْعَالمين وأوسطها إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين والخطب وكل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم وَعَن ابْن عَبَّاس إِذا قلت لَا إِلَه إِلَّا الله فَقل الْحَمد لله فَإِن الله يَقُول فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدَّين الْحَمد لله رب الْعَالمين [سُورَة غَافِر ٦٥]
وَفِي حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَالَ حِين يصبح الْحَمد لله رَبِّي لَا أشرك بِهِ شَيْئا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ظلّ تغْفر لَهُ ذنُوبه حَتَّى يُمْسِي وَمن قَالَهَا حِين يُمْسِي غفرت لَهُ ذنُوبه حَتَّى يصبح رَوَاهُ أبان الْمحَاربي عَن النَّبِي ﷺ كَمَا ذكره ابْن عبد الْبر وَغَيره
فَالْحَمْد أول الْأَمر كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم والتوحيد نهايته وَلِهَذَا كَانَ النّصْف من الْفَاتِحَة الَّذِي هُوَ لله أَوله حمد وَآخره تَوْحِيد إياك نعْبد
وَالْحَمْد رَأس الشُّكْر فالحامد يشكره أَولا على نعمه ثمَّ يعبده وَحده فَإِن العَبْد أول مَا يعرف مَا يحصل لَهُ من النِّعْمَة مثل خلقه حَيا وَخلق طرق الْعلم السّمع وَالْبَصَر وَالْعقل
стр. 101
وَقد تنَازع النَّاس فِي أول مَا أنعم الله على العَبْد فَقيل هُوَ خلقه حَيا أَو خلق الْحَيَاة كَمَا قَالَ ذَلِك من قَالَه من الْمُعْتَزلَة وَقيل بل إِدْرَاك اللَّذَّات ونيل الشَّهَوَات كَمَا يَقُوله الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه من الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره كَالْقَاضِي أبي يعلى فِي أحد قوليه وَمن أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم من قَالَ بل أَولهَا هُوَ الْإِيمَان وَلم يَجْعَل مَا قبل الْإِيمَان نعْمَة بِنَاء على أَن تِلْكَ لَا تصير نعما إِلَّا بِالْإِيمَان وَأَن الْكَافِر لَيْسَ عَلَيْهِ نعْمَة وَهَذَا أحد قولي الْأَشْعَرِيّ وَأحد الْقَوْلَيْنِ لمتأخري أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم كَأبي الْفرج
نعْمَة الله على الْكفَّار وَغَيرهم وَلَكِن نعْمَته الْمُطلقَة على الْمُؤمنِينَ
وَالصَّحِيح أَن نعْمَة الله على كل أحد على الْكفَّار وَغَيرهم لَكِن النِّعْمَة الْمُطلقَة التَّامَّة هِيَ على الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ الَّذين أمرنَا أَن نقُول فِي صَلَاتنَا اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم فَإِن جعلت غير صفة لَا اسْتثِْنَاء فِيهَا لم يدْخل المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضالون فِي الْمُنعم عَلَيْهِم وَإِن جعلت اسْتثِْنَاء فقد دخلُوا فِي الْمُنعم عَلَيْهِم لَكِن رجحوا الأول فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ غير هَهُنَا بِمَعْنى لَا وَلَا بِمَعْنى غير وَلذَلِك جَازَ الْعَطف عَلَيْهَا كَمَا يُقَال فلَان يغر محسن وَلَا مُجمل فَإِذا كَانَ غير بِمَعْنى سوى فَلَا يجوز الْعَطف عَلَيْهَا بِلَا لَا يجوز فِي الْكَلَام عِنْدِي سوى عبد الله وَلَا زيد وَقد روى عَن عمر أَنه قَرَأَ صِرَاط من أَنْعَمت عَلَيْهِم غير
стр. 102
المغضوب عَلَيْهِم وَغير الضَّالّين
وَهَذَا قد ذكره غير وَاحِد من أهل الْعَرَبيَّة ومثلوه بقول الْقَائِل إنى لأقر بالصادق غير الْكَاذِب قَالُوا وَغير هُنَا صفة لَيست للإستثناء وأصل غير أَن تكون صفة وَهِي فِي الْآيَة صفة وَلِهَذَا خفضت كَأَنَّهُ قيل صِرَاط الْمُنعم عَلَيْهِم المغايرين لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء
هَذِه هِيَ النِّعْمَة الْمُطلقَة التَّامَّة وَالْقُرْآن مَمْلُوء من ذكر نعمه على الْكفَّار وَقد قَالَ تَعَالَى كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨] فالحياة نعْمَة وَإِدْرَاك اللَّذَّات نعْمَة وَأما الْإِيمَان فَهُوَ أعظم النعم وَبِه تتمّ النعم
فالإنسان بجبلته يطْلب مَا يُوَافقهُ ويتنعم بِهِ من الْغذَاء وَغَيره على هَذَا فطر فَيعرف النِّعْمَة فَيعرف الْمُنعم فيشكره فَلهَذَا كَانَ الْحَمد هُوَ الإبتداء فَإِن شعوره بِنَفسِهِ وَبِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ ويتنعم بِهِ قبل شعوره بِكُل شَيْء وَهُوَ من حِين خرج من بطن أمه شعر بِاللَّبنِ الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ ويتنعم بِهِ وَبِمَا يخرج مِنْهُ وَهُوَ الثدي فَلهَذَا تعرف الله إِلَيْهِ بِالنعَم ليشكره وشكره ابْتِدَاء مَعْرفَته بِاللَّه فَإِذا عرف الله أحبه فعبده وتنعم بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَعرف مَا فِي التأله لَهُ من اللَّذَّة الْعَظِيمَة الَّتِي لَا يعد لَهَا لَذَّة فَلهَذَا كَانَ التَّوْحِيد نهايته أَوله الْحَمد وَآخره إياك نعْبد
وَكَذَلِكَ فِي الْجنَّة كَمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن صُهَيْب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 103
أَنه قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة إِن لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ ألم يبيض وُجُوهنَا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ وَهِي الزياده فالنظر إِلَيْهِ أكمل اللَّذَّات وَآخِرهَا كَمَا قَالَ فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ وَلِهَذَا قيل أطيب مَا فِي الدُّنْيَا مَعْرفَته وَأطيب مَا فِي الْآخِرَة مشاهدته
وعبادته وَحده بمحبته وَقصد رُؤْيَته هُوَ لأهل السّنة الَّذين يقرونَ بإلاهيته وحكمته وَأَنه يسْتَحق الْمحبَّة وَأَن يكون هُوَ أحب إِلَى العَبْد من كل شَيْء
الْجَهْمِية والمعتزلة يُنكرُونَ محبته تَعَالَى ويقرون بِوُجُوب الشُّكْر
وَأما الْجَهْمِية والمعتزلة فينكرون محبته وَحَقِيقَة إلاهيته وعَلى قَوْلهم تمْتَنع عِبَادَته لَكِن الْمُعْتَزلَة تقر بِالنعْمَةِ وَوُجُوب الشُّكْر وعَلى هَذَا بنوا دينهم وَغَايَة الْوَاجِبَات هِيَ الشُّكْر وَلِهَذَا قَالُوا الشُّكْر يجب عقلا وَأما الْعِبَادَة والمحبة فَلم يعرفوها وَلم يصلوا إِلَيْهَا بل أنكروها
وَأما الْجَهْمِية الْمُجبرَة لَا هَذَا وَلَا هَذَا لَكِن يعترفون بقدرته وَأَنه يفعل مَا يَشَاء وَلِهَذَا كَانُوا فِي الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات أبعد من الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم مرجئة مجبرة فَلَا يجزمون بالوعيد وَهَذَا نصف الْحَرْف الْبَاعِث على الْعَمَل ويقلون بالجبر وَهَذَا نصف الإعتراف بِحَق الله على العَبْد وَوُجُوب شكره فتضعف دواعيهم من جِهَة الْخَوْف وَمن جِهَة الشُّكْر لَا يشكرون نعمه الْمَاضِيَة
стр. 104
الْجَهْمِية الْمُجبرَة يضعف شكرهم وخوفهم ويقوى رجاؤهم
وَلَا يخَافُونَ عُقُوبَته الْمُسْتَقْبلَة وَلَكِن لما آمن من آمن مِنْهُم بالرسل صَار عِنْدهم خوف مَا ورجاء وصاروا يوجبون الشُّكْر شرعا وَعِنْدهم دَاعِي الرَّجَاء فالرجاء عِنْدهم أغلب من الْخَوْف وَهُوَ أحد الْمَعْنيين فِي تسميتهم مرجئة قيل إِنَّه من الرَّجَاء أَي يجْعَلُونَ النَّاس راجين فهم مرجية لَا مخيفة لَكِن الصَّحِيح أَنهم مرجئة بِالْهَمْز من الإرجاء لَكِن يُشَارك الرَّجَاء فِي الإشتقاق الْأَكْبَر
الْمُؤمن يخَاف الله ويرجوه وَيُحِبهُ
وَلِهَذَا قيل من عبد الله بالرجاء وَحده فَهُوَ مرجىء وَمن عَبده بالخوف وَحده فَهُوَ حروري وَمن عَبده بالحب فَهُوَ زنديق وَمن عَبده بالخوف والرجاء وَالْحب فَهُوَ مُؤمن موحد
الْقَائِلُونَ بوحدة الْوُجُود يحبونَ بِدُونِ خوف أَو رَجَاء
وَذَلِكَ أَن الْحبّ الَّذِي لَيْسَ مَعَه رَجَاء وَلَا خوف يبْعَث النَّفس على اتِّبَاع هَواهَا وَصَاحبه إِنَّمَا يحب فِي الْحَقِيقَة نَفسه وَقد اتخذ إلاهه هَوَاهُ فَلهَذَا كَانَ زنديقا وَمن هُنَا دخلت الْمَلَاحِدَة الباطنية كالقائلين بوحدة الْوُجُود فَإِن هَؤُلَاءِ سلوكهم عَن هوى ومحبة فَقَط لَيْسَ مَعَه رَجَاء وَلَا خوف وَلِهَذَا يتنوعون
стр. 105
فهم من الَّذين قَالَ الله فيهم أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ [سُورَة الجاثية ٢٣] وَلِهَذَا يجوزون الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا الْآيَة وَمَا بعْدهَا إِلَى قَوْله كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ [سُورَة الرّوم ٣٠ - ٣٢]
وهم فِي الْحَقِيقَة يُنكرُونَ محبَّة الله وَلَكِن يَقُولُونَ الْحِكْمَة هِيَ التَّشَبُّه بِهِ وَلِهَذَا كَانَ ابْن عَرَبِيّ يَجْعَل الْوَلِيّ هُوَ المتشبه بِهِ فِي التخلق بأسمائه وينكر اللَّذَّة بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْخطاب وَيَقُول مَا التذ عَارِف قطّ بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَنَّهَا على أَصله مُشَاهدَة وجود مُطلق وَلَا لَذَّة فِيهَا
وَوَقع بَينه وَبَين شهَاب الدَّين السهروردي مُنَازعَة هَل حِين يتجلى لَهُم يخاطبهم فَأثْبت شهَاب الدَّين ذَلِك كَمَا جائت بِهِ الْآثَار وَأنكر ذَلِك ابْن عَرَبِيّ وَقَالَ مِسْكين هَذَا السهروردي نَحن نقُول لَهُ عَن تجلي الذَّات وَهُوَ يَقُول عَن تجلي الصِّفَات
стр. 106
وَهَذَا بِنَاء على أَصله الْفَاسِد وَهُوَ أَن الذَّات وجود مُطلق لَا تقوم بِهِ صِفَات لَا كَلَام وَلَا غَيره فيستحيل عِنْد تجليها خطاب
وشهاب الدَّين كَانَ أتبع للسّنة وَالشَّرْع مِنْهُ وَلِهَذَا كَانَ صَاحبهمَا ابْن حمويه يَقُول ابْن عَرَبِيّ بَحر لَا تكدره الدلاء وَلَكِن نور الْمُتَابَعَة المحمدية على وَجه الشَّيْخ شهَاب الدَّين شَيْء آخر لكنه كَانَ ضَعِيف الْإِثْبَات للصفات والعلو لما فِيهِ من التجهم الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ يَقُول عَن الرب لَا إِشَارَة وَلَا تعْيين
وَهَؤُلَاء مخانيث الْجَهْمِية وَابْن عَرَبِيّ من ذكورهم فهم يستطيلون على من دخل مَعَهم فِي التجهم وَإِنَّمَا يقهرهم أهل السّنة المثبتون العارفون بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وبمخالفتهم لَهُ وببطلان مَا يناقصن السّنة من المعقولات الْفَاسِدَة وَلم يكن السهروردي من هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ الحريري قَالَ كنت أثبت الْمحبَّة أَولا ثمَّ رَأَيْت أَن الْمحبَّة مَا تكون إِلَّا من غير لغير وَمَا ثمَّ غير
стр. 107
فَهَؤُلَاءِ منتهاهم إِنْكَار الْمحبَّة الَّتِي يَسْتَحِقهَا الرب وَلِهَذَا لَا يتابعون رَسُوله وَلَا يجاهدون فِي سَبيله وَالله وصف الْمُؤمنِينَ بِهَذَا وَبِهَذَا فمحبة هَؤُلَاءِ تجر إِلَى الزندقة
وَأَيْضًا فقد يَقُولُونَ إِن الْمُحب لَا تضره الذُّنُوب وصنف ابْن حمويه فِي ذَلِك مصنفا بناه على مَا يُقَال إِذا أحب الله عبدا لَا تضره الذُّنُوب وَهَذَا إِذا قَالَه المحق فقصده أَنه لَا يتْركهُ مصرا عَلَيْهَا بل يَتُوب عَلَيْهِ مِنْهَا فَلَا تضره فَأَخذه هَؤُلَاءِ وَقَالُوا إِن الذُّنُوب لَا تضر المحبوبين وأحدهم يَقُول عَن نَفسه إِنَّه مَحْجُوب فَلَا تضره الذُّنُوب فصاروا مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين قَالُوا نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه [سُورَة الْمَائِدَة ١٨] فَصَارَ فيهم زندقة من هَذَا الْوَجْه وَمن غَيره
بَيَان مقَالَة أهل السّنة
وَقد قَالَ تَعَالَى عَن يُوسُف كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين [سُورَة يُوسُف ٢٤] وَقَالَ تَعَالَى لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ [سُورَة النِّسَاء ١٢٣] وَسيد المحبين المحبوبين خَاتم الرُّسُل وَقد قَالَ إِنِّي أعلمكُم بِاللَّه واشدكم خشيَة لَهُ
وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يحب إِلَّا الْحَسَنَات وَلَا يحب السَّيِّئَات وَهُوَ يحب الْمُتَّقِينَ والمحسنين وَالصَّابِرِينَ والتوابين والمتطهرين وَلَا يحب كل مختال فخور وَلَا يحب
стр. 108
الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر فَإِذا أحب عبدا وأذنب كَانَ من التوابين المتطهرين
وَبَعض النَّاس يَقُول الشَّاب التائب حبيب الله وَالشَّيْخ التائب عتيقه وَلَيْسَ كَذَلِك بل كل من تَابَ فَهُوَ حبيب الله سَوَاء كَانَ شَيخا أَو شَابًّا وَقد روى أهل ذكرى أهل مجالستي وَأهل شكري أهل زِيَادَتي وَأهل طَاعَتي أهل كَرَامَتِي وَأهل معصيتي لَا أويسهم من رَحْمَتي إِن تَابُوا فَأَنا حبيبهم وَإِن لم يتوبوا فَأَنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب
وَهَذَا فعله مَعَ عباده إِذا أذنبوا إِمَّا أَن يَتُوب عَلَيْهِم وَإِمَّا أَن يبتليهم بِمَا يطهرهم إِذا لم يَجْعَل السَّيِّئَات تخفص درجتهم وَإِن لم يكن هَذَا وَلَا هَذَا انخفضت درجتهم بِحَسب سيئاتهم عَن دَرَجَات من ساواهم فِي الْحَسَنَات وَسلم من تِلْكَ السَّيِّئَات كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا [سُورَة الْأَنْعَام ١٣٢] لأهل الْجنَّة وَلأَهل النَّار دَرَجَات من أَعْمَالهم بحسبها كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع
وَالْعَبْد هُوَ فَقير دَائِما إِلَى الله من كل وَجه من جِهَة أَنه معبوده وَأَنه مستعانه فَلَا يَأْتِي بِالنعَم إِلَّا هُوَ وَلَا يصلح حَال العَبْد إِلَّا بِعِبَادَتِهِ وَهُوَ مذنب أَيْضا لَا بُد لَهُ من الذُّنُوب فَهُوَ دَائِما فَقير مذنب فَيحْتَاج دَائِما وَإِلَى الغفور الرَّحِيم الغفور الَّذِي يغْفر ذنُوبه والرحيم الَّذِي يرحمه فينعم عَلَيْهِ وَيحسن إِلَيْهِ فَهُوَ دَائِما بَين إنعام الرب وذنوب نَفسه كَمَا قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ إِنَّه يسير بَين مطالعة الْمِنَّة ومطالعة عيب النَّفس وَالْعَمَل وكما قَالَ ذَلِك الْعَارِف لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ إِنِّي أصبح بَين نعْمَة وذنب فَأُرِيد أَن أحدث للنعمة شكرا وللذنب اسْتِغْفَارًا
стр. 109
وَفِي سيد الإستغفار أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي وَفِي الحَدِيث الإلهي فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَكَانَ يَقُول فِي خطبَته الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ وَفِي الْقُنُوت اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك ونستهديك ونستغفرك إِلَى آخِره وَكَانَ ﷺ إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع يحمد الله ثمَّ يَسْتَغْفِرهُ فَيَقُول رَبنَا وَلَك الْحَمد ملْء السَّمَاوَات وملء الأَرْض وملء مَا بَينهمَا وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي مَا منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج وَالْمَاء وَالْبرد اللَّهُمَّ نقني من خطاياي كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس
стр. 110
والإستغفار مقرون بِالْحَمْد كَمَا قرن بِالتَّوْحِيدِ وكما قرن الْحَمد بالتحميد وَقد جمعت الثَّلَاثَة فِي مثل كَفَّارَة الْمجْلس سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك
وَكَانَ الْمَقْصُود أَن الْجَهْمِية الْمُجبرَة لما آمن مِنْهُم من آمن بالرسل صَار عِنْدهم خوف مَا ورجاء مَا وصاروا يوجبون الشُّكْر شرعا فالداعي عِنْدهم جُزْء من الشَّرْع وَأما دَاعِي الْمُعْتَزلَة فَهُوَ أقوى من داعيهم فهم أحسن أعمالا وأعبد وأطوع وَأَوْرَع كَأَهل السّنة والمعرفة فهم يعبدونه مَعَ الْخَوْف والرجاء وَالشُّكْر بداعي الْمحبَّة وَمَعْرِفَة الْحِكْمَة والإلهية وَهَذِه مِلَّة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فهم فَوق هَؤُلَاءِ كلهم وَالله تَعَالَى أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم
следующие страницы →