Полный текст (666 стр.). Показаны 631–666 · переход к 636.
стр. 631
على الظُّلم حتي يكون تَارِكًا لَهُ وَزَعَمُوا أَنه قد يَأْمر الْعباد بِمَا لَا يكون مصلحَة لَهُم وَلَا لوَاحِد مِنْهُم لَا يكون الْأَمر مصلحَة وَلَا يكون فعل الْمَأْمُور بِهِ مصلحَة بل قد يَأْمُرهُم بِمَا إِن فَعَلُوهُ كَانَ مضرَّة لَهُم وَإِن لم يفعلوه عاقبهم بِهِ فَيكون العَبْد فِيمَا يَأْمُرهُ بِهِ بَين ضررين ضَرَر إِن أطَاع وضرر إِن عصي وَمن كَانَ كَذَلِك كَانَ أمره للعباد مضرَّة لَهُم لَا مصلحَة لَهُم
وَقَالُوا يَأْمر بِمَا يَشَاء وأنكروا أَن يكون فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْعِلَل الْمُنَاسبَة للْأَحْكَام من جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار مَا تبقي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مُمكنَة بِهِ حتي كَانَ مِنْهُم من دفع علل الْأَحْكَام بِالْكُلِّيَّةِ وَمِنْهُم من قَالَ الْعِلَل مُجَرّد عَلَامَات ودلالات على الحكم لِأَنَّهَا أُمُور تناسب الحكم وتلائمه وَهُوَ يجوزون مَعَ هَذَا أَلا يكون للْعَبد ثَوَاب وَمَنْفَعَة فِي فعل الْمَأْمُور بِهِ لَكِن لما جَاءَت الشَّرِيعَة بالوعد قَالُوا هُوَ مَوْعُود بالثواب الَّذِي وعد بِهِ وَرُبمَا قَالُوا إِنَّه فِي الْآخِرَة فَقَط فَإِن الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ قد لَا يكون فِيهِ مصلحَة للعباد وَلَا مَنْفَعَة لَهُم بِحَال وَلَا يكون فِيهِ تنعم لَهُم وَلَا لَذَّة بِحَال بل قد يكون مضرَّة لَهُم ومفسدة فِي حظهم لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفَعهُمْ وَمَعْلُوم أَنه إِذا اعْتقد الْمَرْء
стр. 632
أَن طَاعَة الله وَرَسُوله فِيهَا أمراه بِهِ قد لَا يكون فِيهَا مصلحَة لَهُ وَلَا مَنْفَعَة وَلَا فِيهَا تنعم وَلَا لَذَّة وَلَا رَاحَة بل يكون فِيهَا مفْسدَة لَهُ ومضرة عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا ألمه وعذابه كَانَ هَذَا من أعظم الصوارف لَهُ عَن فعل مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله ثمَّ إِن كَانَ ضَعِيف الْإِيمَان بالوعيد والوعد ترك الدَّين بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن كَانَ مُؤمنا بالوعيد صَارَت دواعيه مترددة بَين هَذَا الْعَذَاب وَذَلِكَ الْعَذَاب وَإِن كَانَ مُؤمنا بوعد الْآخِرَة فَقَط اعْتقد أَنه لَا تكون لَهُ فِي الدُّنْيَا مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة بل لَا تكون الْمصلحَة وَالْمَنْفَعَة فِي الدُّنْيَا إِلَّا لمن كفر أَو فسق وعصي
الرَّد عَلَيْهِم
وَهَذَا أَيْضا وَإِن كَانَ هُوَ غَايَة حَال هَؤُلَاءِ فَهُوَ مِمَّا يصرف النُّفُوس عَن طَاعَة الله وَرَسُوله ويبقي العَبْد الْمُؤمن مُتَرَدّد الدَّوَاعِي بَين هَذَا وَهَذَا وَهُوَ لَا يَخْلُو من أَمريْن إِمَّا أَن يرجح جَانب الطَّاعَة الَّتِي يستشعر أَنه لَيْسَ فِيهَا طول عمره لَهُ مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة وَلَا لَذَّة بل عَذَاب وألم بل مفْسدَة ومضرة وَهَذَا لَا يكَاد يصبر عَلَيْهِ أحد
стр. 633
وَإِمَّا أَن يرجح جَانب الْمعْصِيَة تَارَة أَو تارات أَو غَالِبا ثمَّ إِن أحسن أَحْوَاله مَعَ ذَلِك أَن يَنْوِي التَّوْبَة قبيل مَوته
وَلَا ريب إِن كَانَ مَا قَالَه هَؤُلَاءِ حَقًا فَصَاحب هَذِه الْحَال أَكيس وأعقل مِمَّن مَحْض طَاعَة الله طول عمره إِذْ أَن هَذَا سلم من عَذَاب ذَلِك الْمُطِيع فِي الدُّنْيَا ثمَّ إِنَّه بِالتَّوْبَةِ أحبط عَنهُ الْعقَاب وأبدل الله سيئاته بِالْحَسَنَاتِ فَصَارَت جَمِيع سيئاته حَسَنَات فَصَارَ ثَوَابه فِي الْآخِرَة قد يكون أعظم وَأعظم من ثَوَاب ذَلِك الْمُطِيع الَّذِي مَحْض الطَّاعَة وَلَو كَانَ ثَوَابه دون ثَوَاب ذَلِك لم يكن التَّفَاضُل بَينهم إِلَّا كتفاضل أهل الدَّرَجَات فِي الْجنَّة وَهَذَا مِمَّا يختاره أَكثر النَّاس على مكابدة الْعَذَاب والشقاء وَالْبَلَاء بطول الْعُمر إِذْ هُوَ أَمر لَا يصبر عَلَيْهِ أحد فَإِن مصابرة الْعَذَاب سِتِّينَ أَو سبعين سنة بِلَا مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة وَلَا لَذَّة لَيْسَ هُوَ من جبلة الْأَحْيَاء إِذا جوزوا أَن لَا يكون فِي شَيْء من طَاعَة الله مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة طول عمره
وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الْعباد مَعَ الله بِمَنْزِلَة الأجراء مَعَ المستأجرين كَأَن الله أستأجرهم طول مقامهم فِي الدُّنْيَا ليعملوا مَا لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا فِيهِ لرَبهم مَنْفَعَة ليعوضهم مَعَ ذَلِك بعد الْمَوْت بأجرتهم وَفِي هَذَا من تَشْبِيه الله بالعاجز الْجَاهِل السَّفِيه مَا يجب تَنْزِيه الله عَنهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
стр. 634
الْمقَالة الصَّحِيحَة لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة
وَالْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده أَن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أرسل رَسُوله رَحْمَة للْعَالمين وان إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب رَحْمَة عَامَّة لِلْخلقِ أعظم من إِنْزَال الْمَطَر وإطلاع الْبذر وَإِن يحصل بِهَذِهِ الرَّحْمَة ضَرَر لبَعض النُّفُوس
ثمَّ إِنَّه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ قَتَادَة وَغَيره من السّلف لم يَأْمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَلَا نَهَاهُم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ بخلا مِنْهُ بل أَمرهم بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ ونهاهم عَمَّا فِيهِ فسادهم
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضري فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أتقي قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجْتَمعُوا فِي صَعِيد وَاحِد يَسْأَلُونِي فَأعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا إِلَّا كَمَا ينقص الْبَحْر إِذا غمس فِيهِ الْمخيط غمسة وَاحِدَة يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم ترد عَلَيْكُم فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه
стр. 635
رفع الله الْحَرج عَن الْمُؤمنِينَ
وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف النَّبِي الْأُمِّي يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم
وَقَالَ تَعَالَى لما ذكر الْوضُوء مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون فَأخْبر أَنه لَا يُرِيد أَن يَجْعَل علينا من حرج فِيمَا أمرنَا بِهِ وَهَذِه نكرَة مُؤَكدَة بِحرف من فَهِيَ تَنْفِي كل حرج وَأخْبر أَنه إِنَّمَا يُرِيد تطهيرنا وإتمام نعْمَته علينا
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدَّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم فقد أخبر أَنه مَا جعل علينا فِي الدَّين من حرج نفيا عَاما مؤكدا فَمن اعْتقد أَن فِيمَا أَمر الله بِهِ مِثْقَال ذرة من حرج فقد كذب الله وَرَسُوله فَكيف بِمن اعْتقد أَن الْمَأْمُور بِهِ قد يكون فَسَادًا وضررا لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَلَا مصلحَة لنا وَلِهَذَا لما لم يكن فِيمَا أَمر الله وَرَسُوله حرج علينا لم يكن الْحَرج من ذَلِك إِلَّا من النِّفَاق كَمَا قَالَ تَعَالَى فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا
стр. 636
وَقَالَ الله تَعَالَى فِيمَا أَمر بِهِ من الصّيام يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر فَإِذا كَانَ لَا يُرِيد فِيمَا أمرنَا بِهِ مَا يعسر علينا فَكيف يُرِيد مَا يكون ضَرَرا وَفَسَادًا لنا بِمَا أمرنَا بِهِ إِذا أطعناه فِيهِ
الْإِيمَان وَالطَّاعَة خير من الْكفْر وَالْمَعْصِيَة للْعَبد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
ثمَّ إِنَّه يكون قد أخبر أَن الْإِيمَان وَالطَّاعَة خير من الْكفْر وَالْمَعْصِيَة للْعَبد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن كَانَ لجهله يظنّ أَن ذَلِك خير لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا يَقُوله هَؤُلَاءِ الَّذين فيهم جهل ونفاق الَّذين قد يَقُولُونَ إِن الْمَأْمُور بِهِ قد لَا يكون فِيهِ للْعَبد مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة طول عمره بل يكون ذَلِك فِي الْمنْهِي عَنهُ فَقَالَ تَعَالَى كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وعسي أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم وعسي أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شَرّ لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ
وَقَالَ تَعَالَى عَن الَّذين اتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان إِلَى قَوْله من خلاق ولبئس مَا شروا بِهِ أنفسهم لَو كَانُوا يعلمُونَ فَأخْبر أَنهم يعلمُونَ أَن هَذِه الْأُمُور لَا تَنْفَع بعد الْمَوْت بل لَا يكون لصَاحِبهَا نصيب فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا طلبُوا بهَا مَنْفَعَة الدُّنْيَا وَقد يسمون ذَلِك الْعقل المعيشي أَي الْعقل الَّذِي يعِيش بِهِ الْإِنْسَان فِي الدُّنْيَا عيشة طيبَة فَقَالَ تَعَالَى وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لمثوبة من عِنْد الله خير لَو كَانُوا يعلمُونَ فاخبر أَن أولياءه الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ينبههم على
стр. 637
أَن فِي ذَلِك مَا هُوَ خير لَهُم مِمَّا طلبوه فِي الدُّنْيَا لَو كَانُوا يعلمُونَ فَيحصل لَهُم فِي الْآخِرَة من الْخَيْر الَّذِي هُوَ الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة مَا هُوَ أعظم مِمَّا يحصلوه بذلك من خير الدُّنْيَا
كَمَا قَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر الْمُحْسِنِينَ ثمَّ قَالَ ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي أمرنَا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ
وَقَالَ عَن إِبْرَاهِيم وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين
وَقد قَالَ تَعَالَى مَا يبين بِهِ أَن فعل الْمَكْرُوه من الْمَأْمُور خير من تَركه فِي الدُّنْيَا أَيْضا قَالَ تَعَالَى وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا
стр. 638
وَهَذَا فِي سِيَاق حَال الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا وَهَؤُلَاء مُنَافِقُونَ من أهل الْكتاب
وَالْمُشْرِكُونَ حَالهم أَيْضا شَبيه بِحَال الَّذين نبذوا كتاب الله وَرَاءَهُمْ ظهريا كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان فَإِن أُولَئِكَ عدلوا عَمَّا فِي كتاب الله إِلَى اتِّبَاع الجبت والطاغوت وَالسحر والشيطان وَهَذِه حَال الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب الَّذين يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَحَال الَّذين يتحاكمون إِلَى الطاغوت من المظهرين للْإيمَان بِاللَّه وَرُسُله فِيهَا من حَال هَؤُلَاءِ
والطاغوت كل مُعظم ومتعظم بِغَيْر طَاعَة الله وَرَسُوله من إِنْسَان أَو شَيْطَان أَو شَيْء من الْأَوْثَان
وَهَذِه حَال كثير مِمَّن يشبه الْيَهُود من المتفقهه والمتكلمة وَغَيرهم مِمَّن فِيهِ نوع نفاق من هَذِه الْأمة الَّذين يُؤمنُونَ بِمَا خَالف كتاب الله وَسنة رَسُوله من أَنْوَاع الجبت والطاغوت وَالَّذين يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى غير كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم
стр. 639
ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا أَي هَؤُلَاءِ لم يقصدوا مَا فَعَلُوهُ من الْعدْل عَن طَاعَة الله وَرَسُوله إِلَى اتِّبَاع مَا اتَّبعُوهُ من الطاغوت إِلَّا لما ظنوه من جلب مَنْفَعَة لَهُم وَدفع مضرَّة عَنْهُم مثل طلب علم وَتَحْقِيق كَمَا يُوجد فِي صنف المتكلمة وَمثل طلب أذواق ومواجيد كَمَا يُوجد فِي صنف المتعبدة وَمثل طلب شهوات ظَاهِرَة وباطنة كَمَا يُوجد فِي صنف الَّذين يُرِيدُونَ الْعُلُوّ وَالَّذين يتبعُون شهوات الغي
قَالَ تَعَالَى وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا أَي ضلوا عَن مطلوبهم الَّذِي هُوَ جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فَإِن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي طَاعَة الله وَرَسُوله دون اتِّبَاع الطاغوت فَإِذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم فِي الدُّنْيَا فَأَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم قَالُوا مَا أردنَا بِمَا فَعَلْنَاهُ إِلَّا إحسانا أَي أردنَا الْإِحْسَان إِلَى نفوسنا لَا ظلمها وتوفيقا أَو جمعا بَين هَذَا وَهَذَا لتجتمع الْحَقَائِق والمصالح
قَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم من الاعتقادات الْفَاسِدَة والإرادات الْفَاسِدَة الظَّن وَمَا تهوي الْأَنْفس فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا
ثمَّ قَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا
стр. 640
رحِيما فَدَعَاهُمْ سُبْحَانَهُ بعد مَا فَعَلُوهُ من النِّفَاق إِلَى التَّوْبَة وَهَذَا من كَمَال رَحمته بعباده يَأْمُرهُم قبل الْمعْصِيَة بِالطَّاعَةِ وَبعد الْمعْصِيَة بالاستغفار وَهُوَ رَحِيم بهم فِي كلا الْأَمريْنِ بأَمْره لَهُم بِالطَّاعَةِ أَولا برحمته وَأمرهمْ بالاستغفار من رَحمته فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَحِيم بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذين أطاعوه أَولا وَالَّذين استغفروه ثَانِيًا
فَإِذا كَانَ رحِيما بِمن يطيعه وَالرَّحْمَة توجب إِيصَال مَا يَنْفَعهُمْ إِلَيْهِم وَدفع مَا يضرهم عَنْهُم فَكيف يكون الْمَأْمُور بِهِ مُشْتَمِلًا على ضررهم دون منفعتهم
معنى الْمَجِيء إِلَى الرَّسُول ﷺ بعد مماته
وَقَوله فجاؤوك الْمَجِيء إِلَيْهِ فِي حُضُوره مَعْلُوم كالدعاء إِلَيْهِ وَأما فِي مغيبه ومماته فالمجيء إِلَيْهِ كالدعاء إِلَيْهِ وَالرَّدّ إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول وَقَالَ تَعَالَى فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول وَهُوَ الرَّد والمجيء إِلَى مَا بعث بِهِ من الْكتاب وَالْحكمَة وَكَذَلِكَ الْمَجِيء إِلَيْهِ لمن ظلم نَفسه هُوَ الرُّجُوع إِلَى مَا أمره بِهِ فَإِذا رَجَعَ إِلَى مَا أمره بِهِ فَإِن الجائي إِلَى الشَّيْء فِي حَيَاته مِمَّن ظلم نَفسه يَجِيء إِلَيْهِ دَاخِلا فِي طَاعَته رَاجعا عَن مَعْصِيَته كَذَلِك فِي مغيبه ومماته
واستغفار الله مَوْجُود فِي كل مَكَان وزمان وَأما اسْتِغْفَار الرَّسُول فَإِنَّهُ أَيْضا
стр. 641
يتَنَاوَل النَّاس فِي مغيبه وبعد مماته فَإِنَّهُ أَمر بِأَن يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَهُوَ مُطِيع لله فِيمَا أمره بِهِ والتائب دَاخل فِي الْإِيمَان إِذْ الْمعْصِيَة تنقص الْإِيمَان وَالتَّوْبَة من الْمعْصِيَة تزيد فِي الْإِيمَان بِقَدرِهَا فَيكون لَهُ من اسْتِغْفَار النَّبِي بِقدر ذَلِك
فَأَما مَجِيء الْإِنْسَان إِلَى الرَّسُول عِنْد قَبره وَقَوله اسْتغْفر لي أَو سل لي رَبك أَو ادعو لي أَو قَوْله فِي مغيبه يَا رَسُول الله ادْع لي أَو اسْتغْفر لي أَو سل لي رَبك كَذَا وَكَذَا فَهَذَا لَا أصل لَهُ وَلم يَأْمر الله بذلك وَلَا فعله وَاحِد من سلف الْأمة المعروفين فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة وَلَا كَانَ ذَلِك مَعْرُوفا بَينهم وَلَو كَانَ هَذَا مِمَّا يسْتَحبّ لَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك ولكان ذَلِك مَعْرُوفا فيهم بل مَشْهُورا بَينهم ومنقولا عَنْهُم فَإِن مثل هَذَا إِذا كَانَ طَرِيقا إِلَى غفران السَّيِّئَات وَقَضَاء الْحَاجَات لَكَانَ مِمَّا تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعَلى نَقله لَا سِيمَا فِيمَن كَانُوا أحرص النَّاس على الْخَيْر فَإِذا لم يعرف أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَلَا نَقله أحد عَنْهُم علم أَنه لم يكن مِمَّا يسْتَحبّ وَيُؤمر بِهِ
стр. 642
بل الْمَنْقُول الثَّابِت عَنهُ مَا أَمر الله بِهِ النَّبِي من نَهْيه عَن اتِّخَاذ قَبره عيدا ووثنا وَعَن اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد
وَأما مَا ذكره بعض الْفُقَهَاء من حِكَايَة الْعُتْبِي عَن الْأَعرَابِي الَّذِي أُتِي قبر النَّبِي وَقَالَ يَا خير الْبَريَّة إِن الله يَقُول وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم وَإِنِّي قد جِئْت وَأَنه رَأْي النَّبِي فِي الْمَنَام وَأمره أَن يبشر الْأَعرَابِي فَهَذِهِ الْحِكَايَة وَنَحْوهَا مِمَّا يذكر فِي قبر النَّبِي وقبر غَيره
стр. 643
من الصَّالِحين فَيَقَع مثلهمَا لمن فِي إيمَانه ضعف وَهُوَ جَاهِل بِقدر الرَّسُول وَبِمَا امْر بِهِ فَإِن لم يعف عَن مثل هَذَا لِحَاجَتِهِ وَإِلَّا اضْطربَ إيمَانه وَعظم نفَاقه فَيكون فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْمُؤَلّفَة بالعطاء فِي حَيَاة النَّبِي كَمَا قَالَ إِنِّي لأتألف رجَالًا بِمَا فِي قُلُوبهم من الْهَلَع والجزع وَأكل رجَالًا إِلَى مَا جعل الله فِي قُلُوبهم من الْغَنِيّ وَالْخَيْر مَعَ أَن أَخذ ذَلِك المَال مَكْرُوه لَهُم فَهَذِهِ أَيْضا مثل هَذِه الْحَاجَات
وَأما الْمَشْرُوع الَّذِي وَردت بِهِ سنته فَهُوَ دُعَاء الْمُسلم ربه متوسلا بِهِ لَا دعاؤه فِي مماته ومغيبه وَهُوَ أَن يفعل كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ أَن النَّبِي علم رجلا أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوسل إِلَيْك بنبيك مُحَمَّد نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد يَا نَبِي الله إِنِّي أتوسل بك إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتي
стр. 644
ليقضيها اللَّهُمَّ شفعه فِي وَذَلِكَ أَن الله يَقُول من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ تَعَالَى مَا لكم من دونه من ولي وَلَا شَفِيع ثمَّ قَالَ تَعَالَى فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حتي يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا
فأقسم بِنَفسِهِ على أَنه نفى إِيمَان من لم يجمع أَمريْن تحكيمه فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ أَن لَا يجد فِي نَفسه حرجا وَهَذَا يُوجب أَنه لَيْسَ فِي أمره وَنَهْيه مَا يُوجب الْحَرج لمن امتثل ذَلِك فَإِن حكمه لَا بُد فِيهِ من أَمر وَنهي وَإِن كَانَ فِيهِ إِبَاحَة أَيْضا فَلَو كَانَ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ مضرَّة للْعَبد ومفسدة وألما بِلَا لَذَّة راجحة لم يكن العَبْد ملوما على وجود الْحَرج فِيمَا هُوَ مضرَّة لَهُ ومفسدة
على الْمُؤمن أَن يحب مَا أحب الله وَيبغض مَا أبغضه الله ويرضى بِمَا قدره الله
وَلِهَذَا لم يتنازع الْعلمَاء أَن الرِّضَا بِمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَاجِب محبب لَا يجوز كَرَاهَة ذَلِك وَسخطه وَأَن محبَّة ذَلِك وَاجِبَة بِحَيْثُ يبغض مَا أبغضه الله
стр. 645
ويسخط مَا أسخطه الله من الْمَحْظُور وَيُحب مَا أحبه ويرضى مَا رضيه الله من الْمَأْمُور
وَإِنَّمَا تنازعوا فِي الرِّضَا بِمَا يقدره الْحق من الْأَلَم بِالْمرضِ والفقر فَقيل هُوَ وَاجِب وَقيل هُوَ مُسْتَحبّ وَهُوَ أرجح وَالْقَوْلَان فِي أَصْحَاب الإِمَام احْمَد وَغَيرهم وَأما الصَّبْر على ذَلِك فَلَا نزاع أَنه وَاجِب
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الأول وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون
فَجعل من الْمُنَافِقين من سخط فِيمَا مَنعه الله إِيَّاه وَرَسُوله وحضهم بِأَن يرْضوا بِمَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَالَّذِي آتَاهُ الله وَرَسُوله يتَنَاوَل مَا أَبَاحَهُ دون مَا حظره وَيدخل فِي الْمُبَاح الْعَام مَا أوجبه وَمَا أحبه
وَإِذا كَانَ الصَّبْر على الضراء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أوجبه الله واحبه كَمَا أوجب الشُّكْر على النعماء وأحبه كَانَ كل من الصَّبْر وَالشُّكْر مِمَّا يجب محبته وَعَمله فَيكون مَا قدر لِلْمُؤمنِ من سراء مَعهَا شكر وضراء مَعهَا صبرا خيرا لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي لَا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ أَن أَصَابَته سراء فَشكر كَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء فَصَبر كَانَ
стр. 646
خيرا وإِذا لَهُ وَإِذا كَانَ خيرا فالخير هُوَ الْمَنْفَعَة والمصلحة الَّذِي فِيهِ النيعم وَال كَمَا تقدم
فَيكون كل مَقْدُور قدر للْعَبد إِذا عمل فِيهِ بِطَاعَة الله وَرَسُوله خيرا لَهُ وَإِنَّمَا يكون شرا لمن عمل بِمَعْصِيَة الله وَرَسُوله وَمثل ذَلِك فَهُوَ بِحَسبِهِ وَنِيَّته بلَاء قد يعْمل فِيهِ بِطَاعَة الله وَقد يعْمل فِيهِ بِمَعْصِيَة الله فَلَا يُوصف بِوَاحِد من الْأَمريْنِ
فصل
جَمِيع الحركات ناشئة عَن الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار
وَإِذا كَانَ كل حَرَكَة فِي الْوُجُود فَلَا تَخْلُو من أَن تكون إرادية أَو طبعية أَو قسرية وَتبين أَن الطبيعة والقسرية فرع وَتبع للإرادية فَثَبت أَن جَمِيع الحركات ناشئة عَن الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار وَذَلِكَ يبطل أَن يُضَاف خلق شَيْء من الْمَخْلُوقَات إِلَى الطَّبْع الَّذِي فِي الْأَجْسَام مثل أَن يكون الْخَالِق للأجنة فِي الْأَرْحَام هُوَ طبع أَو الْخَالِق للنبات هُوَ طبع لِأَن الطَّبْع لَا يكون مبدءا لحركة
стр. 647
الْجِسْم وانتقال أَصله إِلَّا إِذا أخرج عَن طبعه بِغَيْر طبعه كَمَا يجمع بَين الْأَجْسَام بالمزج والخلط فتنتقل عَن مراكزها ومحالها الْمُخَالف لمقتضي طبعها وَعند التَّحْقِيق يعود الطَّبْع إِلَى أَنه لَيْسَ فِيهَا سَبَب للحركة عَن حَالهَا وسكونها فَيكون الطَّبْع بِمَنْزِلَة السّكُون وَعدم الْحَرَكَة أَو أمرا وجوديا منافيا للحركة فالحركة الْوَارِدَة عَلَيْهَا مُخَالفَة لَهُ والطبع جمود وَهِي تنْتَقل عَن إِرَادَة وحركة فَعلم بطلَان إِصَابَة شَيْء من الْحَوَادِث العرضية عَن مُجَرّد الطَّبْع الَّذِي فِي الْموَات فَكيف بالحوادث الجوهرية
والإرادة وَالِاخْتِيَار مستلزمة للحياة وَالْعلم كَمَا أَن الْحَيَاة أَيْضا مستلزمة للْعلم وللإرادة بل وللإرادة وَالْحَرَكَة كَمَا قرر ذَلِك عُثْمَان بن سعيد وَغَيره من أَئِمَّة السّنة
стр. 648
وكما أَن الْحَرَكَة مستلزمة للإرادة والحياة فالحياة أَيْضا مستلزمة للحركة والإرادة وَلِهَذَا كَانَ أعظم آيَة فِي الْقُرْآن الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم فالاسم الْحَيّ مُسْتَلْزم لصفاته وأفعاله وَهُوَ من أعظم الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة على ثُبُوت صِفَات الْكَمَال والمصحح لَهَا والمستلزم ثُبُوتهَا وَنفي نقيضها كَالْعلمِ وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر وَغير ذَلِك كَمَا هُوَ مُبين فِي مَوْضِعه
فصل
قَالَ الله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود والنصاري أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين فتري الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشي أَن تصيبنا دَائِرَة فعسي الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين وَيَقُول الَّذين آمنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم إِنَّهُم لمعكم حبطت أَعْمَالهم فَأَصْبحُوا خاسرين يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين
стр. 649
يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون
أصل الْمُوَالَاة الْحبّ وأصل المعاداة البغض
وأصل الْمُوَالَاة هِيَ الْمحبَّة كَمَا أَن أصل المعاداة البغض فَإِن التحاب يُوجب التقارب والاتفاق والتباغض يُوجب التباعد وَالِاخْتِلَاف وَقد قيل الْمولي من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب وَهَذَا يَلِي هَذَا أَي هُوَ يقرب مِنْهُ
والعدو من العدواء وَهُوَ الْبعد وَمِنْه العدوة وَالشَّيْء إِذا ولي الشَّيْء ودنا مِنْهُ وَقرب إِلَيْهِ اتَّصل بِهِ كَمَا أَنه إِذا عدي عَنهُ ونأي عَنهُ وَبعد مِنْهُ كَانَ مَاضِيا عَنهُ
فأولياء الله ضد أعدائه يقربهُمْ مِنْهُ ويدنيهم إِلَيْهِ ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم وَيكون عَلَيْهِم مِنْهُ صَلَاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وَهُوَ إبعاد مِنْهُ وَمن رَحمته ويبغضهم ويغضب عَلَيْهِم وَهَذَا شَأْن المتوالين والمتعادين فَالصَّلَاة ضد اللَّعْنَة وَالرَّحْمَة والرضوان ضد الْغَضَب والسخط وَالْعَذَاب ضد النَّعيم
قَالَ تَعَالَى فِي حق الصابرين أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون
стр. 650
وَقَالَ تَعَالَى فِي حق الْمُنَافِقين عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا
وَقَالَ تَعَالَى فِي حق الْمُجَاهدين يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم
وَقَالَ تَعَالَى فِي قَاتل الْمُؤمن مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما
والمتلاعنان يَقُول الرجل فِي الْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين وَذَلِكَ يكون قَاذِفا وَقد قَالَ تَعَالَى إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم وَتقول الْمَرْأَة فِي الْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين لِأَنَّهُ إِذا كَانَ صَادِقا كَانَت زَانِيَة فاستحقت الْغَضَب الَّذِي هُوَ ضد الرَّحْمَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فنهي عَن الرأفة بهما فِي دين الله
وَالْمُؤمن يغار وَالله يغار وغيرة الله أعظم كَمَا قد استفاض عَن النَّبِي فِي الصَّحِيح من غير وَجه أَنه قَالَ لَا أحد أغير من الله من أجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن
стр. 651
وَفِي بعض الْأَحَادِيث الصِّحَاح لَا أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته وَفِي بَعْضهَا إِن الله يغار وغيرته أَن يَأْتِي العَبْد مَا حرم عَلَيْهِ
والغيرة فِيهَا من البغض وَالْغَضَب مَا يدْفع بِهِ الْإِنْسَان مَا غَار مِنْهُ فالزنا وَإِن كَانَ صادرا عَن الشَّهْوَة والمحبة مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا فَإِن ذَلِك مُقَابل بضرورة التَّنَزُّه عَن الْفَوَاحِش والتورع عَن الْمُحرمَات فَأمر الله أَن
стр. 652
لَا تأخذنا بهما رأفة فِي دين الله فنهانا عَن أَن تكون منا رأفة تدفع الْعَذَاب عَنْهُمَا فضلا عَن أَن يكون محبَّة لذَلِك الْفِعْل وَلِهَذَا أخبرنَا بِهِ بِأَنَّهُ لَا يحب ذَلِك أصلا فَقَالَ تَعَالَى إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء وَمَا لَا يَأْمر بِهِ لَا أَمر إِيجَاب وَلَا أَمر اسْتِحْبَاب لَا يُحِبهُ قَالَ لوط ﵇ إِنِّي لعملكم من القالين والقلي بغضه وهجره والأنبياء أَوْلِيَاء الله يحبونَ مَا يحب الله ويبغضون مَا يبغض
وَرُبمَا قيل القلي أَشد البغض فَالله سُبْحَانَهُ يبغض ذَلِك وَهُوَ سُبْحَانَهُ يبغض كل مَا نهي عَنهُ كَمَا أَنه يحب كل مَا أَمر بِهِ بل الْغيرَة مستلزمة لقُوَّة البغض إِذْ كل من يغار يبغض مَا غَار مِنْهُ وَلَيْسَ كل من يبغض شَيْئا يغار مِنْهُ فالغيرة أحض وأقوي
وَلَا ريب أَن الْمَرْأَة الْمُزَوجَة الزَّانِيَة اسْتحقَّت الْغَضَب لشيئين لأجل مَا فِي الزِّنَا من التَّحْرِيم وَلِأَنَّهَا اعْتدت فِيهِ على الزَّوْج فأفسدت فراشة وَلِهَذَا كَانَ للزَّوْج إِذا قذف امْرَأَته وَلم يَأْتِ بأَرْبعَة شُهَدَاء أَن يلاعنها لما لَهُ فِي ذَلِك من الْحق وَلِأَنَّهُ مظلوم إِذا كَانَ صَادِقا وَعَلِيهِ فِي زنَاهَا من الضَّرَر مَا يحْتَاج إِلَى
стр. 653
دَفعه بِمَا شَرعه الله كالمقذوف الَّذِي لَهُ أَن يَسْتَوْفِي حد الْقَذْف من الْقَاذِف الَّذِي ظلمه فِي عرضه فَكَذَلِك الزَّوْج لَهُ أَن يَسْتَوْفِي حد الْفَاحِشَة من الْبَغي الظالمة لَهُ المعتدية عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّبِي ص فِي حق الرجل على امْرَأَته وَأَن لَا يوطئن فرشكم من تكرهونه فَلهَذَا كَانَ لَهُ أَن يقذفها ابْتِدَاء وقذفها إِمَّا مُبَاح لَهُ وَأما وَاجِب عَلَيْهِ إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ لنفي النّسَب ويضطرها بذلك إِلَى أحد أَمريْن إِمَّا أَن تعترف فيقام عَلَيْهَا الْحَد فَيكون قد استوفي حَقه وتطهرت هِيَ أَيْضا من الْجَزَاء لَهَا والنكال فِي الْآخِرَة بِمَا حصل وَإِمَّا أَن تبوء بغضب الله عَلَيْهَا وعقابه فِي الْآخِرَة الَّذِي هُوَ أعظم من عِقَاب الدُّنْيَا فَإِن الزَّوْج مظلوم مَعهَا والمظلوم لَهُ اسْتِيفَاء حَقه إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة قَالَ الله تَعَالَى
стр. 654
لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم بِخِلَاف غير الزَّوْج فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حق الافتراش فَلَيْسَ لَهُ قَذفهَا وَلَا أَن يُلَاعن إِذا قَذفهَا لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَى ذَلِك مثل الزَّوْج وَلَا هُوَ مظلموم فِي فراشها لَكِن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزَّوْج مَا لَا يحْتَاج إِلَى اللّعان فَإِن فِي الْفَاحِشَة إِلْحَاق عَار بالأهل والعار يحصل بمقدمات الْفَاحِشَة
فَإِذا لم تكن الْفَاحِشَة مَعْلُومَة بِإِقْرَار وَلَا بَيِّنَة كَانَ عُقُوبَة مَا ظهر مِنْهَا كَافِيا فِي اسْتِيفَاء الْحق مثل الْخلْوَة وَالنَّظَر وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي نهي الله عَنْهَا وَهَذَا من محَاسِن الشَّرِيعَة
وَكَذَلِكَ كثيرا مَا يقْتَرن بالفواحش من ظلم غير الزَّانِيَيْنِ فَإِن إِذا حصل بَينهمَا محبَّة ومودة فَاحِشَة كَانَ ذَلِك مُوجبا لتعونهما على أغراضهما فَيبقى كل مِنْهُمَا يعين الآخر على أغراضه الَّتِي يكون فِيهَا ظلم النَّاس فَيحصل الْعدوان وَالظُّلم للنَّاس بِسَبَب اشتراكهما فِي الْقَبِيح وتعاونهما بذلك على الظُّلم كَمَا جرت الْعَادة فِي الْبَغي من النِّسَاء وَالصبيان أَن خدنه أَو المسافح بِهِ يحصل لَهُ مِنْهُ من الْإِكْرَام وَالعطَاء والنصر والمعاونة مَا يُوجب استطالة ذَلِك الْفَاجِر بترك حُقُوق الْخلق والعدوان عَلَيْهِم
стр. 655
وَأَيْضًا فَإِن محبته لَهُ قد تحمل الطَّالِب الرَّاغِب على أَخذ أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق ليعطيه ذَلِك وتحمله أَيْضا على ترك حُقُوق النَّاس وَقَطِيعَة رَحمَه لأجل ذَلِك الشَّخْص فَإِنَّهُ لَا يُمكن الْجمع بَين الْأَمريْنِ ويحمله أَيْضا على الِانْتِصَار لَهُ بالعدوان
فَفِي الْجُمْلَة الْمحبَّة توجب مُوَافقَة الْمُحب للمحبوب فَإِذا كَانَت الْمحبَّة فَاسِدَة لَا يُحِبهَا الله وَلَا يرضاها إِذا لم يَتَعَدَّ ضررها للاثنين تكون الْعقُوبَة لَهما حَقًا لله لَكِن هِيَ فِي الْغَالِب بل فِي اللَّازِم يتَعَدَّى ضررها إِلَى النَّاس فَإِن كل وَاحِد من الشخصين عَلَيْهِ حُقُوق للنَّاس وَهُوَ ينْهَى عَن الْعدوان عَلَيْهِم فَإِذا تحابا وتعاونا لم يتَمَكَّن كل مِنْهُمَا من الْقيام بِحُقُوق النَّاس وَاحْتَاجَ إِلَى أَن يعتدي عَلَيْهِم
وَلَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يعْتَبر بِظَاهِر مَا يُقَال إِن الْإِنْسَان إِذا فعل فَاحِشَة فَإِن الْإِثْم عَلَيْهِ خَاصَّة وَلَيْسَ ذَلِك بظُلْم للْغَيْر فَإِن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَاحِشَة الْمَحْضَة مثل الزِّنَا الْمَحْض الَّذِي لم يتَعَلَّق بِهِ حق الْغَيْر فإمَّا زنا الزَّوْجَة فَفِيهِ ظلم بالِاتِّفَاقِ كَمَا بَيناهُ
وَكَذَلِكَ الْمحبَّة والعشق الْفَاسِد فَإِن هَذَا أعظم ضَرَرا من الزِّنَا مرّة وَاحِدَة
стр. 656
فَإِن الرجل إِذا زنا مرّة أَو مرَّتَيْنِ حصل غَرَضه وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة ثمَّ إِنَّه قد يكون بعوض من أَحدهمَا للْآخر وَقد لَا يكون فَرُبمَا كَانَ فِيهِ ظلم للْغَيْر
وَأما الْمحبَّة والعشق فَإِن ذَلِك مُسْتَلْزم للعدوان على غَيرهمَا فِي الْعَادة فَإِن الْمحبَّة توجب أَن يُعْطي المحبوب من الْمَنَافِع وَالْأَمْوَال مَا يُوجب حرمَان الْغَيْر والعدوان عَلَيْهِ وَيُوجب من الِانْتِصَار للمحبوب وَالدَّفْع عَنهُ مَا فِيهِ أَيْضا ترك حق الْغَيْر والعدوان عَلَيْهِ أَلا تري أَن الرجل إِذا أحب غير امْرَأَته أَو الْمَرْأَة إِذا أحبت غير زَوجهَا قصر كل مِنْهُمَا فِي حُقُوق الآخر واعتدي عَلَيْهِ بل إِذا أحب الرجل امْرَأَة أَو صَبيا قصر فِي حُقُوق أَهله وأصدقائه مِمَّن لَهُ عَلَيْهِ حق بل وظلمهم أَيْضا كَمَا يظلم غَيرهم لأَجله وَهَذَا سوى مَا فِي ذَلِك من حق الله الَّذِي يُوجب غليظ عِقَابه وَإِن كَانَ الرجل الْعَاقِل قد يقوم من الْحُقُوق بِمَا يُمكن ويدع الظُّلم بِحَسب الْإِمْكَان إِلَّا أَن هَذَا مَظَنَّة وَسبب لذَلِك وَهَذَا مِمَّا يُوجب تحير الرجل وتردده وتلومه إِلَى الْحق تَارَة وَإِلَى الْبَاطِل أُخْرَى وَهَذَا مرض عَظِيم كَمَا ذكر الله تَعَالَى ذَلِك فِي قَوْله فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض وَأما مَا فِي ذَلِك من ظلم كل مِنْهُمَا لنَفسِهِ ولخدنه فَذَاك ظَاهر لكنهما ظلما أَنفسهمَا فهما الظالمان المظلومان وَأما الْغَيْر فظلماه بِغَيْر رِضَاهُ وَلَا اخْتِيَاره
وَكَذَلِكَ مَا تُفْضِي إِلَيْهِ هَذِه الْمحبَّة الْبَاطِلَة من ظلم كل مِنْهُمَا للْآخر إِمَّا بقتْله وَإِمَّا بتعذيبه بِغَيْر الْحق وَإِمَّا مَنعه من الِاتِّصَال بِالنَّاسِ وَفعل مَا يخْتَار
стр. 657
من مصلحَة وَغَيرهَا فَفِيهَا هَذِه الْمَفَاسِد كلهَا وأكبر مِنْهَا لَكِن ذَلِك ظلم مِنْهُمَا لأنفسهما مبدؤه المحبه الْفَاسِدَة
وَلِهَذَا أَمر سُبْحَانَهُ أَن لَا تأخذنا بهما رأفه فِي دين الله فَإِن الرأفة وَالرَّحْمَة توجب أَن توصل للمرحوم مَا يَنْفَعهُ وتدفع عَنهُ مَا يضرّهُ وَإِذا رأف بهما أحد لأجل مَا فِي قلوبهما من الشَّهْوَة والمحبة وَغير ذَلِك وَترك عذابهما كَانَ ذَلِك جالبا لما يضرهما ودافعا لما ينفعهما فَإِن ذَلِك مرض فِي قلوبهما وَالْمَرِيض الَّذِي يَشْتَهِي مَا يضرّهُ لَيْسَ دواؤه إعطاءه المشتهي الضار بل دواؤه الحمية وَإِن آلمته وإعطاؤه مَا يَنْفَعهُ وتعويضه عَن ذَلِك الضار بِمَا أَمر مِمَّا لَا يضر
فَهَكَذَا أهل الشَّهَوَات الْفَاسِدَة وَإِن أضرمت قُلُوبهم نَار الشَّهْوَة لَيْسَ رحمتهم والرأفة بهم تمكينهم من ذَلِك أَو ترك عَذَابهمْ فَإِن ذَلِك يزِيد
стр. 658
بلاءهم وعذابهم والحرارة الَّتِي فِي قُلُوبهم مثل حرارة المحموم متي مكن المحموم مِمَّا يضرّهُ ازْدَادَ مَرضه أَو انْتقل إِلَى مرض شَرّ مِنْهُ
فَهَذِهِ حَال أهل الشَّهَوَات بل تدفع تِلْكَ الشَّهْوَة الحلوة بضدها وَالْمَنْع من موجباتها ومقابلتها بالضد من الْعَذَاب المؤلم وَنَحْوه الَّذِي يخرج الْمحبَّة من الْقلب كَمَا قيل
فَإِنِّي رَأَيْت الْحبّ فِي الْقلب والأذى ... إِذا اجْتمعَا لم يلبث الْحبّ يذهب
فَإِذا كَانَ يحصل بالمحبة ونيل الشَّهْوَة أَمر مِمَّا يزِيد ألمه على لذتها انكفت النَّفس وَكَذَلِكَ إِذا حصل بدله أَمر لذيذ أطيب مِنْهُ اغتاظت النَّفس فاللذيذ يتْرك لما يرجح عَلَيْهِ من لذيذ وأليم كَمَا أَن الْأَلِيم مُحْتَمل لما يرجح عَلَيْهِ من لذيذ وأليم وَإِذا تكافئا تقابلا فَلم يغلب أَحدهمَا الآخر بل تبقي الْأُمُور على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذا اسْتَوَت الدَّوَاعِي والصوارف وَاحْتِمَال الْأَلِيم وفوت اللذيذ وَإِن كَانَ فِيهِ مرَارَة فَذَلِك يدْفع بِهِ مَا هُوَ أَمر مِنْهُ ويجلب بِهِ مَا هُوَ أرجح مِنْهُ من الحلو
وَلَكِن هَذَا من محبَّة بني آدم وفتنتهم الَّتِي لَا بُد مِنْهَا وَهِي محالفة الْأَهْوَاء فَلَا تقوم مصلحَة أحد من بني آدم بِدُونِ ذَلِك أبدا لَا مصلحَة دُنْيَاهُ وَلَا مصلحَة دينه كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أجمع عقلاء كل أمة على أَن النَّعيم لَا يدْرك بالنعيم وَلَا بُد من الصَّبْر فِي جَمِيع الْأُمُور قَالَ تَعَالَى وَالْعصر إِن
стр. 659
الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ
فَلَا بُد من التواصي بِالْحَقِّ وَالصَّبْر إِذْ أَن أهل الْفساد وَالْبَاطِل لَا يقوم باطلهم إِلَّا بصبر عَلَيْهِ أَيْضا لَكِن الْمُؤْمِنُونَ يتواصون بِالْحَقِّ وَالصَّبْر وَأُولَئِكَ يتواصون بِالصبرِ على باطلهم كَمَا قَالَ قَائِلهمْ أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم إِن هَذَا لشَيْء يُرَاد
فالتواصي بِالْحَقِّ بِدُونِ الصَّبْر كَمَا يَفْعَله الَّذين يَقُولُونَ آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي أحدهم فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله وَالَّذين يعْبدُونَ الله على حرف فَإِن أصَاب أحدهم خير اطْمَأَن بِهِ وَإِن أَصَابَته فتْنَة انْقَلب على وَجهه خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
والتواصي بِالصبرِ بِدُونِ الْحق كَقَوْل الَّذين قَالُوا أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم كِلَاهُمَا مُوجب للخسران وَإِنَّمَا نجا من الخسران الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَهَذَا مَوْجُود فِي كل من خرج عَن هَؤُلَاءِ من أهل الشَّهَوَات الْفَاسِدَة وَأهل الشُّبُهَات الْفَاسِدَة أهل الْفُجُور وَأهل الْبدع
وَمَا ذَكرْنَاهُ من أَن الْمحبَّة الْفَاسِدَة توجب ظلم المتحابين لأنفسهما
стр. 660
ولغيرهما مَوْجُود فِي كل محبَّة يبغضها الله كمحبة الأنداد والشركاء من دونه قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله وَقَالَ تَعَالَى وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم وكمحبة أهل الشَّهَوَات لجنس الْفَوَاحِش ومحبة أهل الظُّلم والقائلين على الله مَا لَا يعلمُونَ فَإِن الْمحبَّة توجب تعاون المتحابين واتفاقهما فَلَا بُد أَن يبغضا ويعاديا من يبغض ذَلِك مِنْهُمَا ويخالفهم فِيهِ
وَمَعْلُوم أَن كل مُؤمن فَإِنَّهُ يبغض مَا يبغضه الله وَيُحب مَا يُحِبهُ الله فَلَا بُد أَن يكون التحاب الَّذِي يبغضه الله مُوجبا لنَوْع بغض الْمُؤمنِينَ بِحَسبِهِ
فصل
تَقْسِيم الْعلم إِلَى فعلي وانفعالي
قد كتبت فِي غير هَذَا الْموضع أَن النَّاس وَإِن تنازعوا فِي الْعلم هَل هُوَ صفة إنفعالية تَابِعَة للمعلوم كَمَا قد يُطلقهُ كثير من أهل الْكَلَام أَو هُوَ صفة فعلية مُؤثرَة فِي الْمَعْلُوم كَمَا يَقُوله طوائف من المتفلسفة
فَإِن الصَّوَاب أَنه يَنْقَسِم إِلَى النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا فَمِنْهُ مَا هُوَ تَابع للمعلوم غير مُؤثر فِيهِ بِحَال وَهُوَ الْعلم النظري القولي الخبري الْمَحْض كعلمنا بِمَا لَا تَأْثِير لنا فِي وجوده كَالْعلمِ بالخالق وَمَلَائِكَته وَكتبه وأنبيائه وَسَائِر مخلوقاته
وَمِنْه مَا هُوَ فعلي لَهُ تَأْثِير فِي الْمَعْلُوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من حُصُول مَنْفَعَة وَدفع مضرَّة
стр. 661
وَهَذَا التَّقْسِيم ثَابت فِي علم الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يعلم نَفسه وَيعلم مخلوقاته أَيْضا وَالْأول علم بموجود وَالثَّانِي علم بمقصود
لَكِن الْعلم بالموجود المستغني عَن أفعالنا يتبع الْعلم بِهِ حبه تَارَة وبغضه أخري فَيكون الْعلم بِهِ سَببا لأفعال لنا مُتَعَلقَة بِهِ فَيكون هَذَا الْعلم الانفعالي فعليا مؤثرا من هَذَا الْوَجْه وَعلمنَا بِالْحَسَنَاتِ والسيئات الَّتِي فِي أَفعَال غَيرنَا من هَذَا الْوَجْه
علم الرب بِأَفْعَال عباده الصَّالِحَة والسيئة يسْتَلْزم حبه للحسنات وبغضه للسيئات
وَعلم الرب سُبْحَانَهُ بِأَفْعَال عباده الصَّالِحَة والسيئة مُسْتَلْزم أَيْضا حبه للحسنات وبغضه للسيئات وَالْعلم بِالْمَقْصُودِ من أفعالنا وَإِن كَانَ مؤثرا فِي الْمَعْلُوم وَهُوَ سَبَب فِي حُصُوله فَلَا يكون إِلَّا بعد علم بِأُمُور مَوْجُودَة أوجب قصدا أَو اخْتِيَارا لتِلْك الْأَفْعَال فَإِن الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ يتبع الْإِرَادَة والإرادة تتبع المُرَاد فَلَا بُد أَن يتَصَوَّر الْفَاعِل المُرَاد قبل قصد الْفِعْل الَّذِي هُوَ سَبَب إِلَيْهِ كَمَا يُقَال آخر الفكرة أول الْعَمَل وتسمي الْعلَّة الغائية فَلَا بُد من تصور ذَلِك المُرَاد وَأَن يكون مَا يَتَرَتَّب على الْفِعْل من لَذَّة تجلب مَنْفَعَة وتدفع مضرَّة فاللذة مَشْرُوطَة بالإحساس باللذيذ وَالْإِنْسَان لَا يفعل ابْتِدَاء لطلب لذيذ إِلَّا أَن يكون قد أحسه قبل ذَلِك فَأَحبهُ واشتهاه واشتاق إِلَيْهِ وَذَلِكَ علم بِأَمْر مَوْجُود تَابع للمعلوم تبعه علم بِأَمْر مَقْصُود تَابع للْعلم وَإِن كَانَت اللَّذَّة
стр. 662
قد تحصل ابْتِدَاء لَا عَن شوق كمن يَذُوق الشَّيْء الطّيب الَّذِي لم يكن يعرفهُ فَيُحِبهُ بعد ذَلِك لَكِن هَذَا لم يتَقَدَّم مِنْهُ طلب وَفعل فِي حُصُول هَذَا المحبوب بِخِلَاف من ذاقه ابْتِدَاء فَأَحبهُ ثمَّ سعي فِي تَحْصِيل نَظَائِر مَا حصل لَهُ ابْتِدَاء
فقد تبين أَن كلا العلمين الْفعْلِيّ والانفعالي مُسْتَلْزم للْآخر وَكَذَلِكَ علم الرب بِنَفسِهِ مُسْتَلْزم لعلمه بصفاته وافعاله ومفعولاته وَهُوَ سُبْحَانَهُ يحمد نَفسه ويثني عَلَيْهَا فَلَا نحصي ثَنَاء عَلَيْهِ بل هُوَ كَمَا أثني على نَفسه وَعلمه بأفعاله ومفعولا ته مُسْتَلْزم لعلمه بِنَفسِهِ وَعلمه بالمخلوقات وأفعالها يتبعهُ حبه وبغضه وَأمره وَنَهْيه وَعلمه بِمَا يَفْعَله بعباده من ثَوَاب وعقاب وَغير ذَلِك تَابع لعلمه بِمَا هِيَ عَلَيْهِ وَقد تكلمنا على نَحْو هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع
وَإِنَّمَا الْمَقْصُود فِي هَذَا الْمَكَان أَن هَذَا التَّقْسِيم الْوَارِد فِي الْعلم يرد نَحوه فِي الْإِرَادَة والمحبة وَنَحْو ذَلِك
الْإِرَادَة والمحبة ينقسمان أَيْضا إِلَى فعليتين وانفعاليتين
فَإِن الْإِرَادَة والمحبة تَنْقَسِم أَيْضا إِلَى فعلية مُؤثرَة فِي المُرَاد المحبوب وَهِي إِرَادَة الْفِعْل وحبه وَإِن كَانَ المُرَاد المحبوب تَابعا مَفْعُولا مَعْدُوما وَقد ظن بعض النَّاس أَن الْإِرَادَة والمحبة لَيست إِلَّا هَذَا النَّوْع حتي قَالَ لَا تتَعَلَّق الْإِرَادَة والمحبة إِلَّا بالمعدوم دون الْمَوْجُود وبالمحدث دون الْقَدِيم وَهَذَا قَول طوائف من أهل الْكَلَام وَأكْثر هَؤُلَاءِ هم أَكثر الْقَائِلين بِأَن الْعلم لَا يكون إِلَّا انفعاليا
стр. 663
فيجعلون الْعلم لَا يتَعَلَّق فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِمَعْلُوم متبوع كالموجود ويجعلون الْإِرَادَة لاتتعلق إِلَّا بِمُرَاد تَابع كالمفعول الْمَعْدُوم
وتنقسم إِلَى انفعاليه تَابعه للمراد المحبوب لَيست مُؤثرَة فِي وجوده أصلا بل يكون المحبوب المُرَاد مَوْجُودا بِدُونِ الْإِرَادَة وَإِنَّمَا يحب الْمُحب ذَلِك الْمَوْجُود ويريده وَيُقَال فِي كثير من أَنْوَاع ذَلِك يهواه ويعشقه وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات
وَهَذَا الْقسم فِي الْحَقِيقَة هُوَ الأَصْل فِي الْقسم الأول كَمَا قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي بعض الْقَوَاعِد الْمُتَقَدّمَة من سِنِين وَذكرنَا أَن الْعلم والإرادة إِنَّمَا يتَعَلَّق أَولا بالموجود وَأَن تعلقه بالمعدوم تَابع لتَعَلُّقه بالموجود وَذكرنَا أَن الْإِنْسَان لَا يحب الشَّيْء ويريده حَتَّى يكون لَهُ بِهِ شُعُور أَو إحساس أَو معرفَة وَنَحْو ذَلِك وَيكون مَعَ ذَلِك بِنَفسِهِ إِلَيْهِ ميل وفيهَا لَهُ حب وكل وَاحِد من هَاتين الْفرْقَتَيْنِ فِي فطرته وجبلته الْمعرفَة والمحبة وَلِهَذَا كَانَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فطْرَة الْإِسْلَام وَهِي عبَادَة الله وَحده وأصل ذَلِك مَعْرفَته ومحبته وَالنَّفس لَا تحس الْعَدَم الْمَحْض وَإِنَّمَا تعرف الْعَدَم بِنَوْع من الْقيَاس الْمُقدر على الْوُجُود كَمَا يقدر فِي نَفسه جبل ياقوت وبحر زئبق فَنزل ذَلِك مِمَّا علمه من الْجَبَل وَمن الْيَاقُوت ثمَّ يَنْفِي
стр. 664
ذَلِك الْمُقدر فِي ذهنه أَن يكون مَوْجُودا فِي الْخَارِج وَهُوَ لم يحكم على نَفْيه حَتَّى صَار مَوْجُودا فِي نَفسه وجودا تقديريا
الْحبّ يتبع الإحساس والإحساس يكون بموجود لَا بمعدوم
فَإِذا كَانَ الْحبّ يتبع الإحساس والإحساس لَا يكون إِلَّا بموجود مَا فَإِن مَا يحب لَا يكون إِلَّا بموجود وَأَيْضًا فَإِن الإحساس لَا يكون أَولا إِلَّا لموجود فَكَذَلِك الْحبّ فِي نَفسه لَا يكون إِلَّا لموجود أَو مَحْبُوب وَإِن كَانَ يحب وجود الْمَعْدُوم فَهُوَ لاشيء وَمَا لَيْسَ بِشَيْء لَا يكون محبوبا وَإِن كَانَ يحب وجود الْمَعْدُوم ويريده فَلَا بُد أَن يكون قبل ذَلِك قد ذاقه والتذ بِهِ مَوْجُودا حَتَّى أحبه بعد ذَلِك أَو ذاق والتذ بنظيره أَو بِمَا يُشبههُ كَمَا ذَلِك فِي الْعلم وَهَذَا مَذْكُور فِي غير هَذَا الْموضع
وَلَا يرد على هَذَا مَا يُوجد من بكاء الصَّبِي حِين يُولد قبل أَن يَذُوق طعم اللَّبن فَإِذا ذاق اللَّبن التذ بِهِ وَسكن فَإِن الصَّبِي قبل ذوقه اللَّبن لم يكن يُحِبهُ ويشتهيه وَلَكِن يجد ألم الْجُوع فيبكي من ذَلِك الْأَلَم فَلَمَّا ذاق اللَّبن وَوجد لذته وَأَنه أذهب ألم الْجُوع أحبه من حِينَئِذٍ صَار يشتهيه وَيُحِبهُ وَهَكَذَا كل
стр. 665
من جَاع فَإِنَّهُ لَا يَشْتَهِي شَيْئا معينا إِلَّا أَن يكون ذاقه قبل ذَلِك وَلَكِن يجد طلبا لما يزِيل بِهِ ألم الْجُوع وَلِهَذَا إِذا حضر عِنْده ماقد ذاقه قبل ذَلِك ومالم يذقه قبل ذَلِك اشتاق إِلَى الأول وأحبه وَكَانَ شوقه إِلَى الثَّانِي ومحبته إِيَّاه مَشْرُوطًا بذوقه إِيَّاه وَسَمَاع وَصفه مِمَّن يُخبرهُ فَإِن سَماع الْوَصْف يُورث الْمحبَّة والشوق كَمَا يُورث الْعلم كَمَا قيل
وَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا
لكَون النَّفس ذاقت طعم الْحبّ لما هُوَ من نَظِير لذَلِك أَو شَبيه بِهِ وَلَو من وَجه بعيد فَكَمَا أَن الشَّيْء لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد الْحس بِهِ أَو بِمَا فِيهِ شبه بِهِ من بعض الْوُجُوه فَكَذَلِك لَا يحب كَذَلِك
الْأُمُور الغائبة لَا تعرف وَلَا تحب وَتبْغض إِلَّا بِنَوْع من الْقيَاس والتمثيل
وَلِهَذَا ضربت الْأَمْثَال للتعريف وَالتَّرْغِيب والترهيب فَإِن الْأُمُور الغائبة عَن الْمُشَاهدَة والإحساس لَا تعرف وتحب وَتبْغض إِلَّا بِنَوْع من التَّمْثِيل وَالْقِيَاس سَوَاء كَانَ الْغَائِب أكمل فِي الصِّفَات الْمَطْلُوبَة الْمُشْتَركَة كالموعود بِهِ من أَمر الْجنَّة وَالنَّار وكما يصف بِهِ الرب نَفسه أَو مَا كَانَ دون ذَلِك كَمَا مثل من الْأُمُور بِمَا هُوَ أكمل مِنْهُ
وَمن هُنَا ضل من ضل من الصابئة المتفلسفة وَمن أضلوه من أهل الْملَل حَيْثُ ظنُّوا أَن مَا وصف الله بِهِ من الْجنَّة وَالنَّار إِنَّمَا هِيَ أَمْثَال مَضْرُوبَة لتفهيم الْمعَاد الروحاني من غير أَن تكون حقائق وضل من رد عَلَيْهِم من نفاة أهل الْكَلَام كَمَا
стр. 666
أصَاب الْفَرِيقَيْنِ مثل ذَلِك فِي أَمر النَّفس الناطقة حَيْثُ تقابلوا بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات وَحَيْثُ اتّفق الْفَرِيقَانِ على مثل هَذَا الضلال فِي صِفَات ذِي الْجلَال فخاضوا فِي بَاب الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر خوضا لَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط الْكَلَام فِيهِ وَإِن كَانَ كل ذِي مقَالَة فَلَا بُد أَن تكون فِي مقَالَته شُبْهَة من الْحق وَلَوْلَا ذَلِك لما راجت واشتبهت
وَإِن كَانَت الْإِرَادَة والمحبة تَنْقَسِم إِلَى متبوعة للمراد تكون لَهُ كالسبب الْفَاعِل وَإِلَى تَابِعَة للمراد يكون هُوَ لَهَا كالسبب الْفَاعِل وَتَكون عَنهُ كالمسبب الْمَفْعُول وَهَذَا هُوَ الأَصْل
وَإِذا علم أَن جَمِيع حركات الْعَالم صادرة عَن محبَّة وَإِرَادَة وَلَا بُد للمحبة والإرادة من سَبَب فَاعل يكون هُوَ المحبوب المُرَاد علم بذلك أَنه لَا بُد لجَمِيع الحركات من إِلَه يكون المعبود الْمَقْصُود المُرَاد المحبوب لَهَا وَأَنَّهَا دَالَّة على الْإِلَه الْحق من هَذَا الْوَجْه وَأَنه لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا وَهَذَا غير هَذَا الْوَجْه الَّذِي دلّت مِنْهُ على ربوبيته وَقد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة إِذْ هُوَ أجل الْعلم الإلاهي وأشرفه وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُود هُنَا التَّنْبِيه على أَن الْإِرَادَة نَوْعَانِ كَالْعلمِ وَالله أعلم