← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر إِلَى قَوْله تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يشاق الله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين وَقَالَ تَعَالَى لما قصّ قصَّة نوح وهى نصْرَة على قومه فِي الدُّنْيَا فَقَالَ تَعَالَى تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك مَا كنت تعلمهَا أَنْت وَلَا قَوْمك من قبل هَذَا فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين وَقَالَ تَعَالَى وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزقا نَحن نرزقك وَالْعَاقبَة للتقوى وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا إِلَى قَوْله وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط وَقَالَ تَعَالَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين وَقَالَ يُوسُف وَقد نَصره الله فِي الدُّنْيَا لما دخل عَلَيْهِ إخْوَته قَالُوا أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخى قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ

стр. 597

وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَيغْفر لكم وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم وَقَالَ تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه إِن الله بَالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا وَقد رُوِيَ عَن أَبى ذَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ لَو عمل النَّاس كلهم بِهَذِهِ الْآيَة لوسعتهم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيره وَأخْبر أَن مَا يحصل لَهُ من مُصِيبَة انتصار الْعَدو وَغَيرهَا إِنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى فِي يَوْم أحد أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم ويعفوا عَن كثير

стр. 598

وَقَالَ تَعَالَى مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم وَقَالَ تَعَالَى أَو يوبقهن بِمَا كسبوا وذم فِي كِتَابه من لَا يَثِق بوعده لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَذكر مَا يُصِيب الرُّسُل وَالْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى إِذْ جاؤوكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا هُنَالك ابتلى الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا وَإِذ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض مَا وعدنا الله وَرَسُوله إِلَّا غرُورًا واذ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم يَا أهل يثرب لَا مقَام لكم فَارْجِعُوا ويستأذن فريق مِنْهُم النَّبِي يَقُولُونَ إِن بُيُوتنَا عَورَة وَمَا هِيَ بعوره إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَو دخلت عَلَيْهِم من أقطارها ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة لآتوها وَمَا تلبثوا بهَا إِلَّا يَسِيرا وَقَالَ تَعَالَى أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله أَلا إِن نصر الله قريب وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحى إِلَيْهِم من أهل الْقرى أفلم يَسِيرُوا فى الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم ولدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون حَتَّى إِذا استيئس الرُّسُل وظنوا أَنهم قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا فنجى من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم

стр. 599

الْمُجْرمين لقد كَانَ فى قصصهم عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى وَلَكِن تَصْدِيق الذى بَين يَدَيْهِ وتفصيل كل شئ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ وَلِهَذَا أَمر الله رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ بِاتِّبَاع مَا أنزل إِلَيْهِم وَهُوَ طَاعَته وَهُوَ الْمُقدمَة الأولى وَأمرهمْ بانتظار وعده وهى الْمُقدمَة الثَّانِيَة وأمرنا بالاستغفار وَالصَّبْر لأَنهم لابد أَن يحصل لَهُم تَقْصِير وذنوب فيزيله الاسْتِغْفَار ولابد مَعَ انْتِظَار الْوَعْد من الصَّبْر فبالاستغفار تتمّ الطَّاعَة وبالصبر يتم الْيَقِين بالوعد إِن كَانَ هَذَا كُله يدْخل فى مُسَمّى الطَّاعَة وَالْإِيمَان قَالَ تَعَالَى وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبأ الْمُرْسلين وَقَالَ تَعَالَى فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين وَأمرهمْ أَيْضا بِالصبرِ إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِذُنُوبِهِمْ مثل ظُهُور الْعَدو وكما قَالَ تَعَالَى فى قصَّة أحد وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس وليعلم الله الَّذين آمنُوا ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب

стр. 600

الظَّالِمين وليمحص الله الَّذين آمنُوا ويمحق الْكَافرين وَأَيْضًا فقد قصّ سُبْحَانَهُ فى كِتَابه نَصره لرسله ولعباده الْمُؤمنِينَ على الْكفَّار فى قصَّة نوح وَهود وَصَالح وَشُعَيْب وَلُوط وَفرْعَوْن وَغير ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى لقد كَانَ فى قصصهم عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أنزلنَا إِلَيْكُم آيَات مبينات ومثلا من الَّذين خلوا من قبلكُمْ مَا سبق يتَبَيَّن بأصلين: الأَصْل الأول: حُصُول النَّصْر وَغَيره من أنوع النَّعيم لَا يُنَافِي وُقُوع الْقَتْل أَو الْأَذَى وَهَذَا يتَبَيَّن بأصلين أَحدهمَا أَن حُصُول النَّصْر وَغَيره من أَنْوَاع النَّعيم لطائفة أَو شخص لَا يُنَافِي مَا يَقع فِي خلال ذَلِك من قتل بَعضهم وجرحه وَمن أَنْوَاع الْأَذَى وَذَلِكَ أَن الْخلق كلهم يموتون فَلَيْسَ فِي قتل الشُّهَدَاء مُصِيبَة زَائِدَة على مَا هُوَ مُعْتَاد لبنى آدم فَمن عد الْقَتْل فِي سَبِيل الله مُصِيبَة مُخْتَصَّة بِالْجِهَادِ كَانَ من أَجْهَل النَّاس بل الْفِتَن الَّتِي تكون بَين الْكفَّار وَتَكون بَين الْمُخْتَلِفين من أهل القبله لَيْسَ مِمَّا يخْتَص بِالْقِتَالِ فَإِن الْمَوْت يعرض لبني آدم بِأَسْبَاب عَامَّة وَهِي المصائب الَّتِي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وَغَيره وَمن جوع وَغَيره وبأسباب خَاصَّة فَالَّذِينَ يعتادون الْقِتَال لَا يصيبهم أَكثر مِمَّا يُصِيب من لَا يُقَاتل بل الْأَمر بِالْعَكْسِ كَمَا قد جربه النَّاس ثمَّ موت الشَّهِيد من أيسر الميتات وَلِهَذَا قَالَ قل لن ينفعكم الْفِرَار إِن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل وَإِذا لَا تمتعون إِلَّا قَلِيلا قل من ذَا الَّذِي يعصمكم من الله إِن أَرَادَ بكم سوءا أَو أَرَادَ بكم رَحْمَة وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا

стр. 601

فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن الْفِرَار من الْقَتْل أَو الْمَوْت لَا ينفع فَلَا فَائِدَة فِيهِ وَأَنه لَو نفع لم ينفع إِلَّا قَلِيلا إِذْ لَا بُد من الْمَوْت وَأخْبر أَن العَبْد لَا يعصمه من الله أحد إِن أَرَادَ بِهِ سوءا أَو أَرَادَ بِهِ رَحْمَة وَلَيْسَ لَهُ من دون الله ولي وَلَا نصير فَأَيْنَ نفر من أمره وَحكمه وَلَا ملْجأ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى فَفرُّوا إِلَى الله إِنِّي لكم مِنْهُ نَذِير مُبين وَهَذَا أَمر يعرفهُ النَّاس من أهل طَاعَة الله وَأهل مَعْصِيَته كَمَا قَالَ أَبُو حَازِم الْحَكِيم لما يلقِي الَّذِي لَا يَتَّقِي الله من معالجه الْخلق أعظم مِمَّا يلقاه الَّذِي يَتَّقِي الله من معالجة التَّقْوَى وَالله تَعَالَى قد جعل أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أعظمهم بلَاء كَمَا قيل للنَّبِي أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الصالحون ثمَّ الأمثل فالأمثل يَبْتَلِي الرجل على حسب دينه فَإِن كَانَ فِي دينه صلابة زيد فِي بلائه وَإِن كَانَ فِي دينه رقة خفف عَنهُ وَلَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ حَتَّى يمشي على الأَرْض وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة وَمن هَذَا أَن الله شرع من عَذَاب الْكفَّار بعد نزُول التَّوْرَاة بأيدي الْمُؤمنِينَ فِي الْجِهَاد مَا لم يكن قبل ذَلِك حَتَّى إِنَّه قيل لم ينزل بعد التَّوْرَاة عَذَاب عَام من السَّمَاء للأمم كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب من بعد مَا أهلكنا

стр. 602

الْقُرُون الأولى بصائر للنَّاس وَهدى وَرَحْمَة لَعَلَّهُم يتذكرون فَإِنَّهُ قبل ذَلِك قد أهلك قوم فِرْعَوْن وَشُعَيْب لوط وَعَاد وَثَمُود وَغَيرهم وَلم يهْلك الْكفَّار بجهاد الْمُؤمنِينَ وَلما كَانَ مُوسَى أفضل من هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ مُحَمَّد وهما الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا وَقَالَ تَعَالَى قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى أولم يكفروا بِمَا أُوتى مُوسَى من قبل إِلَى قَوْله قل فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهْدى مِنْهُمَا اتبعهُ وَأمر الله هذَيْن الرسولين بِالْجِهَادِ على الدَّين وَشَرِيعَة مُحَمَّد أكمل فَلهَذَا كَانَ الْجِهَاد فِي أمته أعظم مِنْهُ فِي غَيرهم قَالَ تَعَالَى كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شَرّ لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم وَلَكِن ليبلوا بَعْضكُم بِبَعْض وَقَالَ تَعَالَى لِلْمُنَافِقين وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا

стр. 603

فالجهاد للْكفَّار أصلح من هلاكهم بِعَذَاب سَمَاء من وُجُوه أَحدهَا أَن ذَلِك أعظم فِي ثَوَاب الْمُؤمنِينَ وأجرهم وعلو درجاتهم لما يَفْعَلُونَهُ من الْجِهَاد فِي سَبِيل الله لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَيكون الدَّين كُله لله الثَّانِي أَن ذَلِك أَنْفَع للْكفَّار أَيْضا فَإِنَّهُم قد يُؤمنُونَ من الْخَوْف وَمن أسر مِنْهُم وسيم من الصغار يسلم أَيْضا وَهَذَا من معنى قَوْله تَعَالَى كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وكنتم خير النَّاس للنَّاس تأتون بهم فِي الأقياد والسلاسل حَتَّى تدخلوهم الْجنَّة فَصَارَت الْأمة بذلك خير أمة أخرجت للنَّاس وأفلح بذلك الْمُقَاتِلُونَ وَهَذَا هُوَ مَقْصُود الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر وَهَذَا من معنى كَون مُحَمَّد مَا أرسل إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين فَهُوَ رَحْمَة فِي حق كل أحد بِحَسبِهِ حَتَّى المكذبين لَهُ هُوَ فِي حَقهم رَحْمَة أعظم مِمَّا كَانَ غَيره وَلِهَذَا لما أرسل الله إِلَيْهِ ملك الْجبَال وَعرض عَلَيْهِ أَن يقلب عَلَيْهِم الأخشبين قَالَ لَا استأني بهم لَعَلَّ الله أَن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 604

الْوَجْه الثَّالِث أَن ذَلِك أعظم عزة للْإيمَان وَأَهله واكثر لَهُم فَهُوَ يُوجب من علو الْإِيمَان وَكَثْرَة أَهله مَا لَا يحصل بِدُونِ ذَلِك وَأمر الْمُنَافِقين والفجار بِالْمَعْرُوفِ ونهيهم عَن الْمُنكر هُوَ من تَمام الْجِهَاد وَكَذَلِكَ إِقَامَة الْحُدُود وَمَعْلُوم أَن فِي الْجِهَاد وَإِقَامَة الْحُدُود من إِتْلَاف النُّفُوس والأطراف وَالْأَمْوَال مَا فِيهِ فَلَو بلغت هَذِه النُّفُوس النَّصْر بِالدُّعَاءِ وَنَحْوه من غير جِهَاد لَكَانَ ذَلِك من جنس نصر الله للأنبياء الْمُتَقَدِّمين من أممهم لما أهلك نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ وَأما النَّصْر بِالْجِهَادِ وَإِقَامَة الْحُدُود فَذَلِك من جنس نصر الله لما يخْتَص بِهِ رَسُوله وَإِن كَانَ مُحَمَّد وَأمته منصورين بالنوعين جَمِيعًا لَكِن يشرع فِي الْجِهَاد بِالْيَدِ مَا لَا يشرع فِي الدُّعَاء الأَصْل الثَّانِي: التنعم إِمَّا بالأمور الدُّنْيَوِيَّة وَإِمَّا بالأمور الدِّينِيَّة: وَأما الأَصْل الثَّانِي فَإِن التنعم إِمَّا بالأمور الدُّنْيَوِيَّة وَإِمَّا بالأمور الدِّينِيَّة ١- الدُّنْيَوِيَّة فَأَما الدُّنْيَوِيَّة فَهِيَ الحسية مثل الْأكل وَالشرب وَالنِّكَاح واللباس وَمَا يتبع ذَلِك والنفسية وَهِي الرياسة وَالسُّلْطَان فَأَما الأولي فالمؤمن وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق مشتركون فِي جِنْسهَا ثمَّ يعلم أَن

стр. 605

التَّنْعِيم بهَا لَيْسَ هُوَ حَقِيقَة وَاحِدَة مستوية فِي بنى آدم بل هم متفاوتون فِي قدرهَا ووصفها تَفَاوتا عَظِيما فَإِن من النَّاس من يتنعم بِنَوْع من الْأَطْعِمَة والأشربة الَّذِي يتأذي بهَا غَيره إِمَّا لاعتياده بِبَلَدِهِ وَإِمَّا لموافقته مزاجه وَإِمَّا لغير ذَلِك وَمن النَّاس من يتنعم بِنَوْع من المناكح لَا يُحِبهَا غَيره كمن سكن الْبِلَاد الجنوبية فَإِنَّهُ يتنعم بِنِكَاح السمر وَمن سكن الْبِلَاد الشمالية فَإِنَّهُ يتنعم بِنِكَاح الْبيض وَكَذَلِكَ اللبَاس والمساكن فَإِن أَقْوَامًا يتنعمون من الْبرد بِمَا يتأذي بِهِ غَيرهم وأقواما يتنعمون من المساكن بِمَا يتأذي بِهِ غَيرهم بِحَسب الْعَادة والطباع وَكَذَلِكَ الْأَزْمِنَة فَإِنَّهُ فِي الشتَاء يتنعم الْإِنْسَان بِالْحرِّ وَفِي الصَّيف يتنعم بالبرد وأصل ذَلِك أَن التنعم فِي الدُّنْيَا بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهَا وَالِانْتِفَاع بهَا فَكل مَا كَانَت الْحَاجة أقوي وَالْمَنْفَعَة أَكثر كَانَ التنعم واللذة أكمل وَالله قد أَبَاحَ للْمُؤْمِنين الطَّيِّبَات فَالَّذِينَ يقتصدون فِي المآكل نعيمهم بهَا أَكثر من نعيم المسرفين فِيهَا فَإِن أُولَئِكَ إِذا أدمنوها وألفوها لَا يبقي لهَذَا عِنْدهم كَبِير لَذَّة مَعَ أَنهم قد لَا يصبرون عَنْهَا وتكثر أمراضهم بِسَبَبِهَا

стр. 606

٢- الدِّينِيَّة وَأما الدَّين فجماعه شَيْئَانِ تَصْدِيق الْخَبَر وَطَاعَة الْأَمر وَمَعْلُوم أَن التنعم بالْخبر بِحَسب شرفه وَصدقه وَالْمُؤمن مَعَه من الْخَبَر الصَّادِق عَن الله وَعَن مخلوقاته مَا لَيْسَ مَعَ غَيره فَهُوَ من أعظم النَّاس نعيما بذلك بِخِلَاف من يكثر فِي أخبارهم الْكَذِب وَأما طَاعَة الْأَمر فَإِن من كَانَ مَا يُؤمر بِهِ صلاحا وعدلا ونافعا يكون تنعمه بِهِ أعظم من تنعم من يُؤمر بِمَا لَيْسَ بصلاح وَلَا عدل وَلَا نَافِع وَهَذَا من الْفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل فَإِن الله سُبْحَانَهُ يَقُول فِي كِتَابه الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وآمنوا بِمَا نزل على مُحَمَّد وَهُوَ الْحق من رَبهم كفر عَنْهُم سيئاتهم وَأصْلح بالهم ذَلِك بِأَن الَّذين كفرُوا اتبعُوا الْبَاطِل وَأَن الَّذين آمنُوا اتبعُوا الْحق من رَبهم كَذَلِك يضْرب الله للنَّاس أمثالهم وَقَالَ وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب وتفصيل ذَلِك أَن الْحق نَوْعَانِ حق مَوْجُود وَحقّ مَقْصُود وكل مِنْهُمَا ملازم للْآخر فَالْحق الْمَوْجُود هُوَ الثَّابِت فِي نَفسه فَيكون الْعلم بِهِ حَقًا وَالْخَبَر عَنهُ حَقًا وَالْحق الْمَقْصُود هُوَ النافع الَّذِي إِذا قَصده الْحَيّ انْتفع بِهِ وَحصل لَهُ النَّعيم

стр. 607

فصل وَمِمَّا يظْهر الْأَمر مَا ابتلى الله بِهِ عباده فِي الدُّنْيَا من السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَقَالَ سُبْحَانَهُ فَأَما الْإِنْسَان إِذا مَا ابتلاه ربه فَأكْرمه ونعمه فَيَقُول رَبِّي أكبر من وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه فَيَقُول رَبِّي أهانن كلا يَقُول الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لَيْسَ إِذا مَا ابتلاه فَأكْرمه ونعمه يكون ذَلِك إِكْرَاما مُطلقًا وَلَيْسَ إِذا مَا قدر عَلَيْهِ رزقه يكون ذَلِك إهانة بل هُوَ ابتلاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ الاختبار والامتحان فَإِن شكر الله على الرخَاء وصبر على الشدَّة كَانَ كل وَاحِد من الْحَالين خيرا لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي لَا يقْضى الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء فَشكر كَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء فَصَبر كَانَ خيرا لَهُ وَإِن لم يشْكر وَلم يصبر كَانَ كل وَاحِد من الْحَالين شرا لَهُ

стр. 608

تنَازع النَّاس فِيمَا ينَال الْكَافِر فِي الدُّنْيَا من التنعم هَل هُوَ نعْمَة فِي حَقه أم لَا ؟ وَقد تنَازع النَّاس فِيمَا ينَال الْكَافِر فِي الدُّنْيَا من التنعم هَل هُوَ نعْمَة فِي حَقه أم لَا على قَوْلَيْنِ وَكَانَ أصل النزاع بَينهم هُوَ النزاع فِي الْقُدْرَة والقدرية الَّذين يَقُولُونَ لم يرد الله لكل أحد إِلَّا خيرا لَهُ بخلقه وَأمره وَإِنَّمَا العَبْد هُوَ الَّذِي أَرَادَ لنَفسِهِ الشَّرّ بمعصيته وبترك طَاعَته الَّتِي يستعملها بِدُونِ مَشِيئَة الله وَقدرته أَرَادَ لنَفسِهِ الشَّرّ وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ مَا نعم بِهِ الْكَافِر فَهُوَ نعْمَة تَامَّة كَمَا نعم بِهِ الْمُؤمن سَوَاء إِذْ عِنْدهم لَيْسَ لله نعْمَة خص بهَا الْمُؤمن دون الْكَافِر أصلا بل هما فِي النعم الدينيه سَوَاء وَهُوَ مَا بَينه من أَدِلَّة الشَّرْع وَالْعقل وَمَا خلقه من الْقُدْرَة والألطاف وَلَكِن أَحدهمَا اهتدي بِنَفسِهِ بِغَيْر نعْمَة أخري خَاصَّة من الله وَالْآخر ضل بِنَفسِهِ من غير خذلان يَخُصُّهُ من الله وَكَذَلِكَ النعم الدُّنْيَوِيَّة هِيَ فِي حَقّهمَا على السوَاء وَالَّذين ناظروا هَؤُلَاءِ من أهل الْإِثْبَات رُبمَا زادوا فِي المناظرة نوعا من الْبَاطِل وَإِن كَانُوا فِي الْأَكْثَر على الْحق فكثيرا مَا يرد مناظر المبتدع بَاطِلا عَظِيما بباطل دونه وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة السّنة ينهون عَن ذَلِك ويأمرون بالاقتصاد وَلُزُوم السّنة الْمَحْضَة وَأَن لَا يرد بَاطِل بباطل

стр. 609

فَقَالَ كثير من هَؤُلَاءِ لَيْسَ لله على الْكَافِر نعْمَة دنيوية كَمَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ نعْمَة دينية تخصه إِذْ اللَّذَّة المستعقبة ألما أعظم مِنْهَا لَيست بِنِعْمَة كالطعام المسموم وَكَمن أعطي غَيره أَمْوَالًا لِيَطمَئِن ثمَّ يقْتله أَو يعذبه قَالُوا وَالْكَافِر كَانَت هَذِه النعم سَببا فِي عَذَابه وعقابه كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا نملى لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَقَالَ تَعَالَى أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ وَقَالَ تَعَالَى فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون وَقَالَ تَعَالَى فذرني وَمن يكذب بِهَذَا الحَدِيث سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وأملى لَهُم إِن كيدي متين وَخَالفهُم آخَرُونَ من أهل الْإِثْبَات للقدر أَيْضا فَقَالُوا بل لله على الْكَافِر نعم دنيوية وَالْقَوْلَان فِي عَامَّة أهل الْإِثْبَات من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَغَيرهم قَالَ هَؤُلَاءِ وَالْقُرْآن قد دلّ على امتنانه على الْكفَّار بنعمه ومطالبته إيَّاهُم بشكرها فَكيف يُقَال لَيست نعما قَالَ تَعَالَى ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا

стр. 610

نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها إِلَى قَوْله الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الْفلك لتجرى فِي الْبَحْر بأَمْره وسخر لكم الْأَنْهَار إِلَى قَوْله وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا وَكَيف يكون كفورا من لم ينعم عَلَيْهِ بنعمه فَالْمُرَاد لَازم قَول هَؤُلَاءِ أَن الْكفَّار لم يحب عَلَيْهِم شكر الله إِذْ لم يكن قد أنعم عَلَيْهِم عِنْدهم وَهَذَا القَوْل يعلم فَسَاده بالاضطرار من دين الْإِسْلَام فَإِن الله ذمّ الْإِنْسَان بِكَوْنِهِ كفورا غير شكور إِذْ يَقُول إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود وَقَالَ تَعَالَى وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عَنى إِنَّه لفرح فخور وَقد قَالَ صَالح ﵇ لِقَوْمِهِ واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد عَاد وبوأكم فِي الأَرْض تَتَّخِذُونَ من سهولها قصورا وتنحتون الْجبَال بُيُوتًا فاذكروا آلَاء الله وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين وَقَالَ تَعَالَى ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَقَالَ تَعَالَى وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله وَقَالَ الْأَولونَ قد قَالَ تَعَالَى صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم

стр. 611

وَالْكفَّار لم يدخلُوا فِي هَذَا الْعُمُوم فَعلم أَنهم خارجون عَن النِّعْمَة وَقَالَ تَعَالَى فِي خطابه للْمُؤْمِنين كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَقَالَ تَعَالَى واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم وميثاقه الَّذِي واثقكم بِهِ وَقَالَ تَعَالَى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله وَأما الْكفَّار فَخُوطِبُوا بهَا من جِهَة مَا هِيَ تنعم وَلَذَّة وسرور وَلم تسم فِي حَقهم نعْمَة على الْخُصُوص وَإِنَّمَا تسمي نعْمَة بِاعْتِبَار أَنَّهَا نعْمَة فِي حق عُمُوم بني آدم لِأَن الْمُؤمن سعد بهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْكَافِر ينعم بهَا فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَن كفر الْكَافِر نعْمَة فِي حق الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ لَوْلَا وجود الْكفْر والفسوق والعصيان لم يحصل جِهَاد الْمُؤمنِينَ للْكفَّار وَأمرهمْ الْفُسَّاق والعصاة بِالْمَعْرُوفِ ونهيهم إيَّاهُم عَن الْمُنكر وَلَوْلَا وجود شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ لم يحصل للْمُؤْمِنين من بعض هَذِه الْأُمُور ومعاداتها ومجاهداتها وَمُخَالفَة الْهوى فِيهَا مَا ينالون بِهِ أَعلَى الدَّرَجَات وَأعظم الثَّوَاب والأنسان فِيهِ قُوَّة الْحبّ والبغض وسعادته فِي أَن يحب مَا يُحِبهُ الله وَيبغض مَا يبغضه الله فَإِن لم يكن فِي الْعَالم مَا يبغضه ويجاهد أَصْحَابه لم يتم إيمَانه وجهاده وَقد قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون

стр. 612

قَالُوا وَلَو كَانَت هَذِه اللَّذَّات نعما مُطلقَة لكَانَتْ نعْمَة الله على أعدائه فِي الدُّنْيَا أعظم من نعْمَته على أوليائه قَالُوا ونعمة الله الَّتِي بدلوها كفرا هِيَ إِنْزَال الْكتاب وإرسال الرَّسُول حَيْثُ كفرُوا بهَا وجحدوا أَنَّهَا حق كَمَا قَالَ ﵇ أَلا لَا فَخر إِنِّي من قُرَيْش وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله هم الَّذين كفرُوا بِمَا أنزل الله من الْكتاب وَالرسل وَتلك نعْمَة الله المعظمة وَقَالَ تَعَالَى أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزى الله الشَّاكِرِينَ رَأْي ابْن تَيْمِية وَحَقِيقَة الْأَمر أَن هَذِه الْأَمر فِيهَا من التنعم باللذة وَالسُّرُور فِي الدُّنْيَا مَا لَا نزاع فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون وَقَالَ تَعَالَى أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم

стр. 613

الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا وَقَالَ تَعَالَى وذرني والمكذبين أولى النِّعْمَة ومهلهم قَلِيلا وَقَالَ تَعَالَى ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل وَقَالَ تَعَالَى وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور وَهَذَا أَمر محسوس لَكِن الْكَلَام فِي أَمريْن أَحدهمَا هَل هِيَ نعْمَة أم لَا وَالثَّانِي أَن جنس تنعم الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا بِالْإِيمَان وَمَا يتبعهُ هَل هُوَ مثل تنعم الْكَافِر أَو دونه أَو فَوْقه وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الْمُقدمَة فَأَما الأول فَيُقَال اللَّذَّات فِي أَنْفسهَا لَيست نفس فعل العَبْد بل قد تحدث عَن فعله مَعَ سَبَب آخر كَسَائِر المتولدات الَّتِي يخلقها الله تَعَالَى بِأَسْبَاب مِنْهَا فعل العَبْد لَكِن اللَّذَّات تَارَة تكون بِمَعْصِيَة من ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور كاللذة الْحَاصِلَة بِالزِّنَا وبموافقة الْفُسَّاق وبظلم النَّاس وبالشرك وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم فَهُنَا الْمعْصِيَة هِيَ سَبَب للعذاب الزَّائِد على لَذَّة الْفِعْل لَكِن ألم الْعَذَاب قد يتَقَدَّم وَقد يتَأَخَّر وَهِي تشبه أكل الطَّعَام الطّيب الَّذِي فِيهِ من السمُوم مَا يمرض أَو يقتل ثمَّ ذَلِك الْعَذَاب يُمكن دَفعه بِالتَّوْبَةِ وَفعل حَسَنَات أخر لَكِن يُقَال تِلْكَ اللَّذَّة الْحَاصِلَة بالمعصية لَا تكون معادلة لَهَا مَا فِي التَّوْبَة عَنْهَا والأعمال الصَّالِحَة من الْمَشَقَّة والألم وَلِهَذَا قيل ترك الذَّنب أَمر من التمَاس التَّوْبَة وَقيل رب شَهْوَة سَاعَة أورثت حزنا طَويلا

стр. 614

لَكِن فعل التَّوْبَة والحسنات الماحية قد يُوجب من الثَّوَاب أعظم من ثَوَاب ترك الذَّنب أَولا فَيكون ألم التائب أَشد من التارك إِذا اسْتَويَا من جَمِيع الْوُجُوه وثوابه أَكثر وَكَذَلِكَ لما يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا من المصائب مرَارَة تزيد على حلاوة المعاصى وَتارَة تكون اللَّذَّات بِغَيْر مَعْصِيّة من العَبْد لَكِن عَلَيْهِ أَن يُطِيع الله فِيهَا فيتجنب فِيهَا ترك مأموره وَفعل محظوره كَمَا يؤتاه العَبْد من المَال وَالسُّلْطَان وَمن المآكل والمناكح الَّتِى لَيست بمحرمة وَالله سُبْحَانَهُ أَمر مَعَ أكل الطَّيِّبَات بالشكر فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا وَفِي الْأَثر الطاعم الشاكر كالصائم الصابر رَوَاهُ ابْن ماجة عَن النَّبِي

стр. 615

وَقد قَالَ تَعَالَى ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم وَلما ضاف النَّبِي أَبَا الْهَيْثَم بن التيهَان وجلسوا فِي الظل وأطعمهم فَاكِهَة وَلَحْمًا وسقاهم مَاء بَارِدًا قَالَ هَذَا من النَّعيم الَّذِي تسْأَلُون عَنهُ وَالسُّؤَال عَنهُ لطلب شكره لَا لإثم فِيهِ فَالله تَعَالَى يطْلب من عباده شكر نعمه وَعَلِيهِ أَن لَا يَسْتَعِين بِطَاعَتِهِ على مَعْصِيَته فَإِذا ترك مَا وَجب عَلَيْهِ فِي

стр. 616

نعْمَته من حق واستعان بهَا على محرم صَار فعله بهَا وَتَركه لما فِيهَا سَببا للعذاب أَيْضا فالعذاب أستحقه بترك الْمَأْمُور وَفعل الْمَحْظُور على النِّعْمَة الَّتِي هِيَ من فعل الله تَعَالَى وَإِن كَانَ فعله وَتَركه بِقَضَاء الله وَقدره بِعِلْمِهِ ومشيئته وَقدرته وخلقه فَأن حَقِيقَة الْأَمر أَنه نعم العَبْد تنعيما وَكَانَ ذَلِك التَّنْعِيم سَببا لتعذيبه أَيْضا فقد اجْتمع فِي حَقه تنعيم وتعذيب وَلَكِن التعذيب إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب مَعْصِيَته حَيْثُ لم يؤد حق النِّعْمَة وَلم يتق الله فِيهَا وعَلى هَذَا فَهَذِهِ التنعمات هِيَ نعْمَة من وَجه دون وَجه فَلَيْسَتْ من النعم الْمُطلقَة وَلَا هِيَ خَارِجَة عَن جنس النعم مُطلقهَا ومقيدها فباعتبار مَا فِيهَا من التنعم يصلح أَن يطْلب حَقّهَا من الشُّكْر وَغَيرهَا وَينْهى عَن اسْتِعْمَالهَا فِي الْمعْصِيَة فَتكون نعْمَة فِي بَاب الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَبِاعْتِبَار أَن صَاحبهَا يتْرك فِيهَا الْمَأْمُور وَيفْعل فِيهَا الْمَحْظُور الَّذِي يزِيد عَذَابه على نعمها كَانَت وبالا عَلَيْهِ وَكَانَ أَن لَا يكون ذَلِك من حَقه خيرا لَهُ من أَن يكون فَلَيْسَتْ نعْمَة فِي حَقه فِي بَاب الْقَضَاء وَالْقدر والخلق والمشيئة الْعَامَّة وَإِن كَانَ يكون نعْمَة فِي حق عُمُوم الْخلق وَالْمُؤمنِينَ وعَلى هَذَا يظْهر مَا تقدم من خيرات الله فَإِن ذَلِك اسْتِدْرَاج ومكر وإملاء وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من ثُبُوت الإنعام بهَا من وَجه وسلبه من وَجه آخر مثل مَا ذكر الله فِي قَوْله تَعَالَى فَأَما الْإِنْسَان إِذا مَا ابتلاه ربه فَأكْرمه ونعمه

стр. 617

فَيَقُول ربى أكرمن وَأما إِذا مَا آبتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه فَيَقُول رَبِّي أهانن كلا فَإِنَّهُ قد أخبر أَنه أكْرمه وَأنكر قَول الْمُبْتَلى رَبِّي أكرمن وَاللَّفْظ الَّذِي أخبر الله بِهِ مثل اللَّفْظ الَّذِي أنكرهُ الله من كَلَام الْمُبْتَلى لَكِن الْمَعْنى مُخْتَلف فَإِن المبتلي اعْتقد أَن هَذِه كَرَامَة مُطلقَة وَهِي النِّعْمَة الَّتِي يقْصد بهَا أَن النعم إكرام لَهُ والإنعام بِنِعْمَة لَا يكون سَببا لعذاب أعظم مِنْهَا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الله تَعَالَى ابتلاه بهَا ابتلاء ليتبين هَل يطيعه فِيهَا أم يعصيه مَعَ علمه بِمَا سَيكون من الْأَمريْنِ لَكِن الْعلم بِمَا سَيكون شَيْء وَكَون الشَّيْء وَالْعلم بِهِ شَيْء وَأما قَوْله تَعَالَى فَأكْرمه ونعمه فَإِنَّهُ تكريم بِمَا فِيهِ من اللَّذَّات وَلِهَذَا قرنه بقوله ونعمه وَلِهَذَا كَانَت خوارق الْعَادَات الَّتِي تسميها الْعَامَّة كَرَامَة لَيست عِنْد أهل التَّحْقِيق كَرَامَة مُطلقًا بل فِي الْحَقِيقَة الْكَرَامَة هِيَ لُزُوم الاسْتقَامَة وهى طَاعَة الله وَإِنَّمَا هِيَ مِمَّا يَبْتَلِي الله بِهِ عَبده فَإِن أطاعه بهَا رَفعه وَإِن عَصَاهُ بهَا خفضه وَإِن كَانَت من آثَار طَاعَة أخري كَمَا قَالَ تَعَالَى وألو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا لنفتنهم فِيهِ وَمن يعرض عَن ذكر ربه يسلكه عذَابا صعدا

стр. 618

وَإِذا كَانَ فِي النِّعْمَة والكرامة هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَهِيَ من بَاب الْأَمر وَالشَّرْع نعْمَة يجب الشُّكْر عَلَيْهَا وَفِي بَاب الْحَقِيقَة الْقَدَرِيَّة لم تكن لهَذَا الْفَاجِر بهَا إِلَّا فتْنَة ومحنة اسْتوْجبَ بِمَعْصِيَة الله فِيهَا الْعَذَاب وَهِي فِي ظَاهر الْأَمر أَن يعرف حَقِيقَة الْبَاطِن ابتلاء وامتحان يُمكن أَن تكون من أَسبَاب سعادته وَيُمكن أَن تكون من أَسبَاب شقاوته وَظهر بهَا جَانب الِابْتِلَاء بالمر فَإِن الله يَبْتَلِي بالحلو والمر كَمَا قَالَ تَعَالَى ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون وَقَالَ وبلوناهم بِالْحَسَنَاتِ والسيئات لَعَلَّهُم يرجعُونَ فَمن ابتلاه الله بالمر بالبأساء وَالضَّرَّاء والبأس وَقدر عَلَيْهِ رزقه فَلَيْسَ ذَلِك إهانة لَهُ بل هُوَ ابتلاء فَإِن أطَاع الله فِي ذَلِك كَانَ سعيدا وَإِن عَصَاهُ فِي ذَلِك كَانَ شقيا كَمَا كَانَ مثل ذَلِك سَببا للسعادة فِي حق الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ وَكَانَ شقاء وسببا للشقاء فِي حق الْكفَّار والفجار وَقَالَ تَعَالَى وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس وَقَالَ تَعَالَى أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا وَقَالَ تَعَالَى وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على

стр. 619

النِّفَاق لَا تعلهم نَحن تعلمهمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم وَقَالَ تَعَالَى ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ وكما أَن الْحَسَنَات وَهِي المسار الظَّاهِرَة الَّتِي يَبْتَلِي بهَا العَبْد تكون عَن طاعات فعلهَا العَبْد فَكَذَلِك السَّيِّئَات وَهِي المكاره الَّتِي يَبْتَلِي بهَا العَبْد تكون عَن معاصي فعلهَا العَبْد كَمَا قَالَ تَعَالَى مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَقَالَ تَعَالَى أولما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنِّي هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير وَقَالَ تَعَالَى فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم فَإِن الْإِنْسَان كفور ثمَّ تِلْكَ المسار الَّتِي هِيَ من ثَوَاب طَاعَته إِذا عصي الله فِيهَا كَانَت سَببا لعذابه والمكاره الَّتِي هِيَ عُقُوبَة مَعْصِيَته إِذا أطَاع الله فِيهَا كَانَت سَببا

стр. 620

لسعادته فَتدبر هَذَا لتعلم أَن الْأَعْمَال بخواتيمها وَأَن مَا ظَاهره نعْمَة هُوَ لَذَّة عاجلة قد تكون سَببا للعذاب وَمَا ظَاهره عَذَاب وَهُوَ ألم عَاجل قد يكون سَببا للنعيم وَمَا هُوَ طاعه فِيمَا يري النَّاس قد يكون سَببا لهلاك العَبْد بِرُجُوعِهِ عَن الطَّاعَة إِذا ابْتُلِيَ فِي هَذِه الطَّاعَة وَمَا هُوَ مَعْصِيّة فِيمَا يري النَّاس قد يكون سَببا لسعادة العَبْد بتوبته مِنْهُ وتصبره على الْمُصِيبَة الَّتِي هِيَ عُقُوبَة ذَلِك الذَّنب فَالْأَمْر وَالنَّهْي يتَعَلَّق بالشَّيْء الْحَاصِل فَيُؤْمَر العَبْد بِالطَّاعَةِ مُطلقًا وَيُنْهِي عَن الْمعْصِيَة مُطلقًا وَيُؤمر بالشكر على كل مَا يتنعم بِهِ وَأما الْقَضَاء وَالْقدر وَهُوَ علم الله وَكتابه وَمَا طابق ذَلِك من مَشِيئَته وخلقه فَهُوَ بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة الآجلة فالأعمال بخواتيمها والمنعم عَلَيْهِم فِي الْحَقِيقَة هم الَّذين يموتون على الْإِيمَان وَقد يذكر تنَازع النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فالمثبتة للْقَضَاء وَالْقدر من متكلمه أهل الْإِثْبَات وَغَيرهم يلاحظون الْقدر من علم الله وَكتابه ومشيئته وخلقه وَقد يعرضون عَمَّا جَاءَ بِهِ الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَعَن الْحِكْمَة الْعَامَّة وَمَا فِي تَفْصِيل ذَلِك من الحكم الْخَاصَّة

стр. 621

وَأما من لم يُلَاحظ إِلَّا الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد فَقَط من الْقَدَرِيَّة وَمن ضاهاهم فِي حَاله فقد كفر بِمَا وَجب عَلَيْهِ الْإِيمَان بِهِ من خلق الله وَكتابه ومشيئته وتدبيره لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ الَّذين سبقت لَهُم مِنْهُ الْحجَّة بتدبير خَاص وَمن قَضَائِهِ على الْكفَّار بِمَا هُوَ فِيهِ عدل سُبْحَانَهُ كَمَا فِي الحَدِيث الْمَرْفُوع مَاض فِينَا أَمرك عدل فِينَا قضاؤك وَلَا يظلم رَبك أحدا وَإِذا عرف أَن كل وَاحِد من الِابْتِلَاء بالسراء وَالضَّرَّاء قد يكون فِي بَاطِن الْأَمر مصلحَة للْعَبد أَو مفْسدَة لَهُ وَأَنه إِن أطَاع الله بذلك كَانَ مصلحَة لَهُ وَإِن عَصَاهُ كَانَ مفْسدَة لَهُ تبين أَن النَّاس أَرْبَعَة أَقسَام مِنْهُم من يكون صَلَاحه على السَّرَّاء وَمِنْهُم من يكون صَلَاحه على الضراء وَمِنْهُم من يصلح على هَذَا وَهَذَا وَمِنْهُم من لَا يصلح على وَاحِد مِنْهُمَا

стр. 622

وَالْإِنْسَان الْوَاحِد قد تَجْتَمِع لَهُ هَذِه الْأَحْوَال الْأَرْبَعَة فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة أَو فِي وَقت وَاحِد باعتبارها أَنْوَاع يَبْتَلِي بهَا وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث الْمَرْفُوع أَن من عبَادي من لَا يصلحه إِلَّا الْغَنِيّ وَلَو أفقرته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي من لَا يصلحه إِلَّا الْفقر وَلَو أغنيته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي من لَا يصلحه إِلَّا السقم وَلَو أصححته لأفسده ذَلِك وَذَلِكَ أَنِّي أدبر عبَادي إِنِّي بهم خَبِير بَصِير فَكَمَا أَن التنعم العاجل لَيْسَ بِنِعْمَة قي الْحَقِيقَة قد يكون فِي الْحَقِيقَة بلَاء وشرا بِاعْتِبَار الْمعْصِيَة فِيهِ وَالطَّاعَة الْمُتَقَدّمَة قد تكون حابطة وسببا للشر بِاعْتِبَار مَا يعقبها من ردة وفتنة فَكَذَلِك التألم العاجل قد يكون فِي الْحَقِيقَة خيرا ونعمة وَالْمَعْصِيَة الْمُتَقَدّمَة قد تكون سَببا للخير بِاعْتِبَار التَّوْبَة وَالصَّبْر على مَا تعقبه من مُصِيبَة لَكِن تتبدل الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَهَذَا يَقْتَضِي أَن العَبْد مُحْتَاج فِي كل وَقت إِلَى الِاسْتِعَانَة بِاللَّه على طَاعَته وتثبيت قلبه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 623

حَال الْإِنْسَان عِنْد السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان هُوَ كَمَا وَصفه الله بقوله تَعَالَى وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤؤس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور وَقَالَ تَعَالَى إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير فَأخْبر أَنه عِنْد الضراء بعد السَّرَّاء ييأس من زَوَالهَا فِي الْمُسْتَقْبل وَيكفر بِمَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ قبلهَا وَعند النعماء بعد الضراء يَأْمَن من عود الضراء فِي الْمُسْتَقْبل وَيُنْسِي مَا كَانَ فِيهِ بقوله ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور على غَيره يفخر عَلَيْهِم بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا فَأخْبر أَنه جزوع عِنْد الشَّرّ لَا يصبر عَلَيْهِ منوع عِنْد الْخَيْر يبخل بِهِ وَقَالَ تَعَالَى إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار وَقَالَ تَعَالَى إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود وَقَالَ تَعَالَى إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا وَقَالَ تَعَالَى وَكَانَ الْإِنْسَان قتورا وَقَالَ وَإِن مَسّه الشَّرّ فيؤوس قنوط وَقَالَ تَعَالَى فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا

стр. 624

حَال الْمُؤمن عِنْدهمَا وَقد وصف الْمُؤمنِينَ بِأَنَّهُم صَابِرُونَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس والصابرون فِي النعماء أَيْضا بقوله تَعَالَى إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَالصَّبْر فِي السَّرَّاء قد يكون أَشد وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من الصَّحَابَة ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فَلم نصبر وَكَانَ النَّبِي يستعيذ بِاللَّه من فتْنَة الْقَبْر وَشر فتْنَة الْغَنِيّ وَقَالَ لأَصْحَابه وَالله مَا الْفقر أخشي عَلَيْكُم وَلَكِن أَخَاف أَن تبسط عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا بسطت على من كَانَ قبلكُمْ فتتنافسوا فِيهَا كَمَا تنافسوا فِيهَا وتهلككم كم أهلكتهم

стр. 625

فَمن لم يَتَّصِف بِحَقِيقَة الْإِيمَان هُوَ إِمَّا قَادر وَإِمَّا عَاجز فَإِن كَانَ قَادِرًا أظهر مَا فِي نَفسه بِحَسب قدرته من الْفَوَاحِش وَالْإِثْم وَالْبَغي والإشراك بِاللَّه وَالْقَوْل عَلَيْهِ بِغَيْر علم وَمن ترك الْقسْط وَترك إِقَامَة الْوَجْه عِنْد كل مَسْجِد وَدُعَاء الله مخلصا لَهُ الدَّين ثمَّ يكون شرهم بِحَسب كل مِنْهُم من حَيْثُ نُفُوسهم وقدرتهم فَإِن العَبْد لَا يفعل إِلَّا بقدرة وَإِرَادَة فَمن كَانَ أقدر وأفجر كَانَ أمره أَشد كفرعون وَأَمْثَاله من الجبارين المتكبرين لَا يصبرون عَن أهوائهم وَلَا يَتَّقُونَ الله وَأما الْمُؤمن فَإِنَّهُ مَعَ قدرته يفعل مَا أَمر الله بِهِ من الْبر وَالتَّقوى دون مَا نهي عَنهُ من الْإِثْم والعدوان ثمَّ أُولَئِكَ الَّذين لم يتصفوا بِحَقِيقَة الْإِيمَان بل فيهم من الْفُجُور كفر أَو نفاق أَو فسوق مَا فيهم إِذا كَانُوا عاجزين عَن إرادتهم لَا يقدرُونَ على أهوائهم بِنَوْع من أَنْوَاع الْقُدْرَة تجدهم أذلّ النَّاس وأطوع النَّاس لمن يستعملهم فِي أغراضهم وأجزع النَّاس لما أَصَابَهُم ذَلِك أَنه لَيْسَ فِي قُلُوبهم من الْإِيمَان مَا يعتاضون بِهِ وتستغني بِهِ نُفُوسهم ويصبرون بِهِ عَمَّا لَا يصلح لَهُم وَهَذِه حَال الْأُمَم الْبَعِيدَة عَن الْعلم وَالْإِيمَان كالترك التتار وَالْعرب فِي جاهليتهم فَإِنَّهُم أعز النَّاس إِذا قدرُوا وأذل النَّاس إِذا قهروا

стр. 626

وَأما الْمُؤْمِنُونَ فَكَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُم وَقد غلبوا وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين فهم الأعلون إِذا كَانُوا مُؤمنين وَلَو غلبوا وَقَالَ كَعْب بن زُهَيْر فِي صفة الصَّحَابَة لَيْسُوا مفاريح إِن نَالَتْ رماحهم ... يَوْمًا وَلَيْسوا مجازيعا إِذا نيلوا وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْرُوع فِي حق كل ذِي إِرَادَة فَاسِدَة من الْفَوَاحِش وَالظُّلم والشرك وَالْقَوْل بِلَا علم أحد أَمريْن إِمَّا إصْلَاح إِرَادَته وَإِمَّا منع قدرته فَإِنَّهُ إِذا اجْتمعت الْقُدْرَة مَعَ إِرَادَته الْفَاسِدَة حصل الشَّرّ وَأما ذُو الْإِرَادَة الصَّالِحَة فتؤيد قدرته حَتَّى يتَمَكَّن من فعل الصَّالِحَات وَذُو الْقُدْرَة الَّذِي لَا يُمكن سلب قدرته يسعي فِي إصْلَاح إِرَادَته بِحَسب الْإِمْكَان فالمقصود تَقْوِيَة الْإِرَادَة الصَّالِحَة وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا بِحَسب الْإِمْكَان وتضعيف الْإِرَادَة الْفَاسِدَة وَالْقُدْرَة مَعهَا بِحَسب الْإِمْكَان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْمُؤمن أرجح فِي النَّعيم واللذة من الْكَافِر فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة وَإِن كَانَت الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر وَهَذَا مِمَّا يظْهر بِهِ حسن حَال الْمُؤمن وترجحه فِي النَّعيم واللذة على الْكَافِر فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة وَإِن كَانَت الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر

стр. 627

فَأَما مَا وعد بِهِ الْمُؤمن بعد الْمَوْت من كَرَامَة الله فَإِنَّهُ تكون الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سجنا وَمَا للْكَافِرِ بعد الْمَوْت من عَذَاب الله فَإِنَّهُ تكون الدُّنْيَا جنَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك وَذَلِكَ أَن الْكَافِر صَاحب الْإِرَادَة الْفَاسِدَة إِمَّا عَاجز وَإِمَّا قَادر فَإِن كَانَ عَاجِزا تَعَارَضَت إِرَادَته وَقدرته حَتَّى لَا يُمكنهُ الْجمع بَينهمَا وَإِن كَانَ قَادِرًا أقبل على الشَّهَوَات وأسرف فِي التذاذه بهَا وَلَا يُمكنهُ تَركهَا وَلِهَذَا تَجِد الْقَوْم من الظَّالِمين أعظم النَّاس فجورا وَفَسَادًا وطلبا لما يروحون بِهِ أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب وَمَعَ هَذَا فَلَا تطمئِن قُلُوبهم بِشَيْء من ذَلِك هَذَا فِيمَا ينالونه من اللَّذَّة وَأما

стр. 628

مَا يخافونه من الْأَعْدَاء فَهُوَ أعظم النَّاس خوفًا وَلَا عيشة لخائف وَأما الْعَاجِز مِنْهُم فَهُوَ فِي عَذَاب عَظِيم لَا يزَال فِي أَسف على مَا فَاتَهُ وعَلى مَا أَصَابَهُ وَأما الْمُؤمن فَهُوَ مَعَ مقدرته لَهُ من الْإِرَادَة الصَّالِحَة والعلوم النافعة مَا يُوجب طمأنينة قلبه وانشراح صَدره بِمَا يَفْعَله من الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَله من الطُّمَأْنِينَة وقرة الْعين مَا لَا يُمكن وَصفه وَهُوَ مَعَ عَجزه أَيْضا لَهُ من أَنْوَاع الإرادات الصَّالِحَة والعلوم النافعة الَّتِي يتنعم بهَا مَا لَا يُمكن وَصفه لذات أهل الْبر أعظم من لذات أهل الْفُجُور وكل هَذَا محسوس مجرب وَإِنَّمَا يَقع غلط أَكثر النَّاس أَنه قد أحس بِظَاهِر من لذات أهل الْفُجُور وذاقها وَلم يذقْ لذات أهل الْبر وَلم يخبرها وَلَكِن أَكثر النَّاس جهال كَمَا لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ وَهَذَا الْجَهْل لعدم شُهُود حَقِيقَة الْإِيمَان وَوُجُود حلاوته وذوق طعمه انْضَمَّ إِلَيْهِ أَيْضا جهل كثير من الْمُتَكَلِّمين فِي الْعلم بِحَقِيقَة مَا فِي أَمر الله من الْمصلحَة وَالْمَنْفَعَة وَمَا فِي خلقه أَيْضا لعَبْدِهِ الْمُؤمن من الْمَنْفَعَة والمصلحة فَاجْتمع الْجَهْل بِمَا أخبر الله بِهِ من خلقه وَأمره وَمَا أشهده عباده من حَقِيقَة الْإِيمَان وَوُجُود حلاوته مَعَ مَا فِي النُّفُوس من الظُّلم مَانِعا للنفوس من عَظِيم نعْمَة الله وكرامته ورضوانه موقعا لَهَا فِي بأسه وعذابه وَسخطه

стр. 629

لما خَاضَ النَّاس فِي مسَائِل الْقدر ابتدع طوائف مِنْهُم مقالات مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة: وَذَلِكَ أَن النَّاس لما خَاضُوا فِي مسَائِل الْقدر وَلم يخلق الله وَيَأْمُر وَنَحْو ذَلِك بِغَيْر هدي من الله فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا بدع الْقَدَرِيَّة فَزعم فريق أَنه لَا يخلق أحدا من الْأَشْخَاص إِلَّا لأجل مصلحَة الْمَخْلُوق وَلَا يَأْمُرهُ إِلَّا لِأَن أمره مصلحَة لَهُ أَيْضا وَإِنَّمَا العَبْد هُوَ الَّذِي صرف عَن نَفسه الْمصلحَة وَفعل الْمفْسدَة بِغَيْر قدرَة الرب وَبِغير مَشِيئَته وهم إِنَّمَا قصدُوا بهَا تَنْزِيه الرب عَن الظُّلم وَالْعَيْب وَوَصفه بالحكمة وَالْعدْل وَالْإِحْسَان لَكِن سلبوه علمه وَقدرته وكتابته وخلقه وَنَفَوْا مَشِيئَته وعمومها فَقَالَ قوم مِنْهُم إِنَّه لَا يعلم وَلَا يكْتب مَا يكون من الْعباد حَتَّى يفعلوه وَقَالَ آخَرُونَ بل علم ذَلِك وَعلم أَنهم لَا يطيعونه وَلَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يضرهم وَمَعَ هَذَا فقصد تعريفهم بالخلق وَالْأَمر للمنفعة الْخَالِصَة الدائمة فَقَالَ لَهُم النَّاس من علم أَن مَقْصُوده من الْخَيْر لَا يكون وَقد سعي فِي حُصُوله بمنتهى قدرته كَانَ من أَجْهَل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عَن قَلِيل من السَّفه بِالْتِزَام مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ وَزَعَمُوا أَنه لَا يقدر إِلَّا على مَا فعل بهم فسلبوه قدرته

стр. 630

بدع طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات فَرد على هَؤُلَاءِ من أهل الْإِثْبَات فأثبتوا عُمُوم قدرته وَعُمُوم مَشِيئَته وخلقه وَعلمه الْقَدِيم وكل هَذَا حسن مُوَافق للْكتاب وَالسّنة وَهُوَ مَعَ تَمام الْإِيمَان الْقدر بِعلم الله الْقَدِيم ومشيئته وخلقه وَقدرته على كل شَيْء لَكِن ضمُّوا إِلَى ذَلِك أَشْيَاء لَيست من السّنة فَإِنَّهُ من السّنة أَن يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَألا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَأَنه يَأْمر الْعباد بِطَاعَتِهِ وَمَعَ هَذَا يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالله يدعوا إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فزعموا مَعَ ذَلِك أَنه يخلق الْخلق لَا لحكمة فِي خلقهمْ وَلَا لِرَحْمَتِهِ لَهُم بل قد يكون خلقهمْ ليضرهم كلهم وَهَذَا عِنْدهم حِكْمَة فَلم ينزهوه عَمَّا نزه عَنهُ نَفسه من الظُّلم حَيْثُ أخبر أَنه إِنَّمَا يَجْزِي النَّاس بأعمالهم وَأَنه لَا يزر وَازِرَة وزر أخري وَأَنه من يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما بل زعما أَن كل مَقْدُور عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم مثل تَعْذِيب الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وتكريم الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَغير ذَلِك مِمَّا نزه الله نَفسه عَنهُ فَلم يكن الظُّلم الَّذِي نزه الله نَفسه عَنهُ حَقِيقَة عِنْد هَؤُلَاءِ إِذْ كل مَا يُمكن وَيقدر عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم فَقَوله تَعَالَى وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد عِنْدهم لَا يُرِيد مَا لَا يكون مُمكنا مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدهم لَا يقدر

стр. 631

على الظُّلم حتي يكون تَارِكًا لَهُ وَزَعَمُوا أَنه قد يَأْمر الْعباد بِمَا لَا يكون مصلحَة لَهُم وَلَا لوَاحِد مِنْهُم لَا يكون الْأَمر مصلحَة وَلَا يكون فعل الْمَأْمُور بِهِ مصلحَة بل قد يَأْمُرهُم بِمَا إِن فَعَلُوهُ كَانَ مضرَّة لَهُم وَإِن لم يفعلوه عاقبهم بِهِ فَيكون العَبْد فِيمَا يَأْمُرهُ بِهِ بَين ضررين ضَرَر إِن أطَاع وضرر إِن عصي وَمن كَانَ كَذَلِك كَانَ أمره للعباد مضرَّة لَهُم لَا مصلحَة لَهُم وَقَالُوا يَأْمر بِمَا يَشَاء وأنكروا أَن يكون فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْعِلَل الْمُنَاسبَة للْأَحْكَام من جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار مَا تبقي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مُمكنَة بِهِ حتي كَانَ مِنْهُم من دفع علل الْأَحْكَام بِالْكُلِّيَّةِ وَمِنْهُم من قَالَ الْعِلَل مُجَرّد عَلَامَات ودلالات على الحكم لِأَنَّهَا أُمُور تناسب الحكم وتلائمه وَهُوَ يجوزون مَعَ هَذَا أَلا يكون للْعَبد ثَوَاب وَمَنْفَعَة فِي فعل الْمَأْمُور بِهِ لَكِن لما جَاءَت الشَّرِيعَة بالوعد قَالُوا هُوَ مَوْعُود بالثواب الَّذِي وعد بِهِ وَرُبمَا قَالُوا إِنَّه فِي الْآخِرَة فَقَط فَإِن الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ قد لَا يكون فِيهِ مصلحَة للعباد وَلَا مَنْفَعَة لَهُم بِحَال وَلَا يكون فِيهِ تنعم لَهُم وَلَا لَذَّة بِحَال بل قد يكون مضرَّة لَهُم ومفسدة فِي حظهم لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفَعهُمْ وَمَعْلُوم أَنه إِذا اعْتقد الْمَرْء

стр. 632

أَن طَاعَة الله وَرَسُوله فِيهَا أمراه بِهِ قد لَا يكون فِيهَا مصلحَة لَهُ وَلَا مَنْفَعَة وَلَا فِيهَا تنعم وَلَا لَذَّة وَلَا رَاحَة بل يكون فِيهَا مفْسدَة لَهُ ومضرة عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا ألمه وعذابه كَانَ هَذَا من أعظم الصوارف لَهُ عَن فعل مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله ثمَّ إِن كَانَ ضَعِيف الْإِيمَان بالوعيد والوعد ترك الدَّين بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن كَانَ مُؤمنا بالوعيد صَارَت دواعيه مترددة بَين هَذَا الْعَذَاب وَذَلِكَ الْعَذَاب وَإِن كَانَ مُؤمنا بوعد الْآخِرَة فَقَط اعْتقد أَنه لَا تكون لَهُ فِي الدُّنْيَا مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة بل لَا تكون الْمصلحَة وَالْمَنْفَعَة فِي الدُّنْيَا إِلَّا لمن كفر أَو فسق وعصي الرَّد عَلَيْهِم وَهَذَا أَيْضا وَإِن كَانَ هُوَ غَايَة حَال هَؤُلَاءِ فَهُوَ مِمَّا يصرف النُّفُوس عَن طَاعَة الله وَرَسُوله ويبقي العَبْد الْمُؤمن مُتَرَدّد الدَّوَاعِي بَين هَذَا وَهَذَا وَهُوَ لَا يَخْلُو من أَمريْن إِمَّا أَن يرجح جَانب الطَّاعَة الَّتِي يستشعر أَنه لَيْسَ فِيهَا طول عمره لَهُ مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة وَلَا لَذَّة بل عَذَاب وألم بل مفْسدَة ومضرة وَهَذَا لَا يكَاد يصبر عَلَيْهِ أحد

стр. 633

وَإِمَّا أَن يرجح جَانب الْمعْصِيَة تَارَة أَو تارات أَو غَالِبا ثمَّ إِن أحسن أَحْوَاله مَعَ ذَلِك أَن يَنْوِي التَّوْبَة قبيل مَوته وَلَا ريب إِن كَانَ مَا قَالَه هَؤُلَاءِ حَقًا فَصَاحب هَذِه الْحَال أَكيس وأعقل مِمَّن مَحْض طَاعَة الله طول عمره إِذْ أَن هَذَا سلم من عَذَاب ذَلِك الْمُطِيع فِي الدُّنْيَا ثمَّ إِنَّه بِالتَّوْبَةِ أحبط عَنهُ الْعقَاب وأبدل الله سيئاته بِالْحَسَنَاتِ فَصَارَت جَمِيع سيئاته حَسَنَات فَصَارَ ثَوَابه فِي الْآخِرَة قد يكون أعظم وَأعظم من ثَوَاب ذَلِك الْمُطِيع الَّذِي مَحْض الطَّاعَة وَلَو كَانَ ثَوَابه دون ثَوَاب ذَلِك لم يكن التَّفَاضُل بَينهم إِلَّا كتفاضل أهل الدَّرَجَات فِي الْجنَّة وَهَذَا مِمَّا يختاره أَكثر النَّاس على مكابدة الْعَذَاب والشقاء وَالْبَلَاء بطول الْعُمر إِذْ هُوَ أَمر لَا يصبر عَلَيْهِ أحد فَإِن مصابرة الْعَذَاب سِتِّينَ أَو سبعين سنة بِلَا مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة وَلَا لَذَّة لَيْسَ هُوَ من جبلة الْأَحْيَاء إِذا جوزوا أَن لَا يكون فِي شَيْء من طَاعَة الله مصلحَة وَلَا مَنْفَعَة طول عمره وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الْعباد مَعَ الله بِمَنْزِلَة الأجراء مَعَ المستأجرين كَأَن الله أستأجرهم طول مقامهم فِي الدُّنْيَا ليعملوا مَا لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا فِيهِ لرَبهم مَنْفَعَة ليعوضهم مَعَ ذَلِك بعد الْمَوْت بأجرتهم وَفِي هَذَا من تَشْبِيه الله بالعاجز الْجَاهِل السَّفِيه مَا يجب تَنْزِيه الله عَنهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا

стр. 634

الْمقَالة الصَّحِيحَة لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَالْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده أَن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أرسل رَسُوله رَحْمَة للْعَالمين وان إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب رَحْمَة عَامَّة لِلْخلقِ أعظم من إِنْزَال الْمَطَر وإطلاع الْبذر وَإِن يحصل بِهَذِهِ الرَّحْمَة ضَرَر لبَعض النُّفُوس ثمَّ إِنَّه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ قَتَادَة وَغَيره من السّلف لم يَأْمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَلَا نَهَاهُم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ بخلا مِنْهُ بل أَمرهم بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ ونهاهم عَمَّا فِيهِ فسادهم وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضري فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أتقي قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجْتَمعُوا فِي صَعِيد وَاحِد يَسْأَلُونِي فَأعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا إِلَّا كَمَا ينقص الْبَحْر إِذا غمس فِيهِ الْمخيط غمسة وَاحِدَة يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم ترد عَلَيْكُم فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه

стр. 635

رفع الله الْحَرج عَن الْمُؤمنِينَ وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف النَّبِي الْأُمِّي يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم وَقَالَ تَعَالَى لما ذكر الْوضُوء مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون فَأخْبر أَنه لَا يُرِيد أَن يَجْعَل علينا من حرج فِيمَا أمرنَا بِهِ وَهَذِه نكرَة مُؤَكدَة بِحرف من فَهِيَ تَنْفِي كل حرج وَأخْبر أَنه إِنَّمَا يُرِيد تطهيرنا وإتمام نعْمَته علينا وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدَّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم فقد أخبر أَنه مَا جعل علينا فِي الدَّين من حرج نفيا عَاما مؤكدا فَمن اعْتقد أَن فِيمَا أَمر الله بِهِ مِثْقَال ذرة من حرج فقد كذب الله وَرَسُوله فَكيف بِمن اعْتقد أَن الْمَأْمُور بِهِ قد يكون فَسَادًا وضررا لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَلَا مصلحَة لنا وَلِهَذَا لما لم يكن فِيمَا أَمر الله وَرَسُوله حرج علينا لم يكن الْحَرج من ذَلِك إِلَّا من النِّفَاق كَمَا قَالَ تَعَالَى فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا
следующие страницы →