Полный текст (435 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وجملةُ الأمر أنه ما مِنْ كلام كان فيه أمرٌ زائد على مجرَّدِ إثباتِ المعنى للشيء، إلاَّ كان الغرضَ الخاصَّ من الكلام، والذي يُقْصَد إليه ويزْجى القول فيه فإذا قلتَ: (جاءني زيدٌ راكباً وما جاءني زيدٌ راكباً)، كنتَ قد وضعْتَ كلامَكَ لأن تُثبتَ مجيئَه راكباً أو تنفي ذلك، لا لأن تُثْبِتَ المجيءَ وتنْفِيَه مطلقاً. هذا ما لا سبيلَ إلى الشَّكَّ فيه.
واعلمْ أنَّه يَلزَمُ من شكَّ في هذا، فتوهَّمَ أنَّه يجوزُ أن تقولَ: (لم أر القومَ كلَّهم)، على معنى أنك لم تَرَ واحداً منهم، أن يُجْريَ النهيَ هذا المجرى فتقولَ: (لا تَضْرب القومَ كلَّهم): على معنى: لا تضْربَ واحداً منهم، وأن تقولَ: (لا تَضْربِ الرجلَيْن كليهما). على معنى: لا تَضْرِبْ واحداً منهما. فإذا قال ذلك، لَزِمَه أن يختل قولَ الناس: لا تَضْرِبْهما معاً ولكنِ اضْرِبْ أحدَهما، ولا تأخُذْهما جميعاً ولكنْ واحداً منهما. وكفى بذلك فساداً.
وإذْ قد بانَ لك من حالِ النَّصْب أنه يقتضي أن يكونَ المعنى، على أنه قد صنَعَ من الذنب بعْضاً، وترك بعضاً؛ فاعلمْ أنَّ الرفعَ على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفْيَ أن يكونَ قد صَنَع منه شيئاً وأتى منه قليلاً أو كثيراً، وأنك إذا قلت: (كلُهم لا يأتيك)، و (كلُّ ذلك لا يكونُ) و (كلُّ هذا لا يَحْسُن)، كنتَ نَفَيْتَ أن يأتِيَه واحدٌ منهم، وأبيْتَ أن يكون، أو يَحْسُنَ شيءٌ مما أشرتَ إليه.
ومما يشهدُ لك بذلك من الشّعرِ، قولُه [من الطويل]:
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمَامَه ... ولا لامرئٍ عمَّا قَضى اللهُ مَزْحَلُ
المعنى عَلَى نفْي أن يَعْدُوَ أحدٌ من الناس حِمَامَه بلا شُبْهة. ولو قلتَ: (فكيفَ وليس يعدو كلُّ حِمامَه). فأَخَّرْتَ (كلاّ) لأفسدتَ المعنى وصرْتَ كأنكَ تقولُ: (إنَّ من الناس من يَسْلَمُ من الحِمام ويبقى خالداً لا يموت).
ومثله قول دِعبل [من الطويل]:
فواللهِ ما أَدري بأيّ سِهامِهَا ... رَمَتني، وكلٌّ عندَنا ليسَ بالمُكْدِي
أَبِالجِيدِ أمْ مَجْرى الوِشاحِ وإنني ... لأُنْهِمُ عَينَيها مع الفاحِِمِ الجَعْدِ
стр. 247
المَعْنى على نَفْي أن يكونَ في سِهامها مُكْدٍ على وجهٍ من الوجوه. ومن البَيِّنِ في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين قال للنبيّ ﷺ : "أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ فقال ﷺ : "كلُّ ذلك لم يَكُنْ" فقال ذو اليدين: "بَعْضُ ذلك قد كان". المعنى لا محالةَ على نَفْي الأمرين جميعاً، وعلى أنه ﵇ أرادَ أنه لم يكنْ واحدٌ منهما: لا القِصَرُ ولا النِّسْيانُ. ولو قيل: (لم يكنْ كلُّ ذلك) لكان المعنى أنه قد كان بعضُه.
واعلمْ أنه، لمَّا كان المعنى مع إعمال الفعلِ المِنفيِّ في "كل" نحو: (لمْ يأتني القومُ كلُّهم، ولم أرَ القومَ كلَّهم)، على أنَّ الفعلَ قد كان مِن البعض ووَقَع على البعض، قلتَ: (لم يأتني القوم كلُّهم ولكنْ أتاني بعضُهم، ولم أرَ القومَ كلَّهم ولكنْ رأيتُ بعضَهم)، فأثبتَّ بعد ما نَفَيْتَ، ولا يكونُ ذلك مع رَفْع "كلّ" بالابتداء. فلو قلتَ: (كلُّهم لم يأتني ولكنْ أتاني بعضهم، وكلُّ ذلك لم يكُنْ ولكنْ كان بعضُ ذلك)، لم يَجُزْ لأنه يؤدِّي إلى التناقض، وهو أن تقول: (لم يأتني واحدٌ منهم ولكنْ أتاني بعضُهم).
واعْلمْ أنَّه ليس التأثيرُ لما ذكَرْنا من إعمال الفعل، وتَرْك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثيرُ لأمر آخَر وهو دخول "كل" في حيِّز النفي وأن لا يَدْخُل فيه، وإنما علَّقْنا الحكْم في البيت وسائر ما مَضى، بإعمال الفعل وترك إعماله من حيثُ كان إعمالُه فيه يقتضي دخولَه في حيِّز النفي، وتَرْكُ إعمالهِ يُوجبُ خروجَه منه من حيث كان الحرفُ النافي في البيت حرْفاً لا ينفصل على الفعل وهو "لم"، لا أنَّ كَوْنَهُ مَعْمولاً للفعل وغيرَ معمول يقتضي ما رأيتَ من الفَرْق. أفَلاَ تَرى أنك لو جئتَ بحرْفِ نَفي يُتَصوَّر انفصالُه عن الفعل، لرأيتَ المعنى في "كل" مع تَرْكِ إعمال الفعل مِثْلَه مع إعمالِه؟ ومثال ذلك قولُه [من البسيط]:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدرِكُه
وقولُ الآخر [من البسيط]:
ما كلُّ رَأْي الفتى يَدْعو إلى رَشَد
стр. 248
"كلّ" كما ترى، غيرُ مُعْمَلٍ فيه الفعلُ ومرفوعٌ إمّا بالابتداء وإما بأنه اسم "ما". ثم إن المعنى ذلك على ما يكون عليه، إذا أعملْتَ فيه الفعلَ فقلتَ: (ما يُدرِكُ المرءُ كلَّ ما يتمنَّاه، وما يدعو كلُّ رأي الفتى إلى رَشَد)، وذلك أن التأثير، لوقوعه في حيِّز النفي؛ وذلك حاصلٌ في الحالين. ولو قدَّمْتَ "كلاّ" في هذا فقلت: (كلُّ ما يتمنى المرءُ لا يُدركُه، وكلُّ رأي الفتى لا يدعو إلى رَشَد)، لتغيَّرَ المعنى، ولصارَ بمنزلةِ أنْ يقال: إنَّ المرءَ لا يدرِكُ شيئاً مما يتمناه، ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رَشَدٍ بوجْهٍ من الوجوه.
واعلمْ أنك إذا أدخلْتَ "كلاّ" في حيِّز النفي، وذلك بأن تُقدِّم النفيَ عليه لفظاً أو تقديراً، فالمعنى على نفي الشُّمول دون نفي الفِعْل والوصفِ نَفْسِه. وإذا أخرجتَ "كلاّ" من حيِّز النفي ولمْ تُدْخِلْه فيه، لا لفظاً ولا تقديراً، كان المعنى على أنك تتبَّعْتَ الجملة فنَفَيْتَ الفعلَ والوصفَ عنها واحداً واحداً. والعلة في أنْ كان ذلك كذلك، أنكَ إذا بدأتَ "بكلّ" كنتَ قد بنَيْتَ النفيَ عليه، وسلَّطْتَ (الكلِّية) على النفْي وأعملْتَها فيه؛ وإعمالُ معنى الكُلِّيةِ في النفي، يَقْتضي أن لا يَشُذَّ شيءٌ عن النفي، فاعرفْه!
واعلمْ أنَّ مِن شأن الوجوهِ والفُروقِ، أن لا يزال يَحْدثُ بسببها وعلى حَسبِ الأغراض والمعاني التي تقع فيها، دقائقُ وخفايا إلى حدٍّ ونهايةٍ، وأنها خفايا تكْتُم أنفُسَها جَهدَها حتى لا يُنْتَبَه لأكثرها، ولا يُعلَمُ أنها هي، وحتى لا تَزالُ تَرى العالِمَ يَعرِضُ له السهوُ فيه، وحتى إنه ليقصِدُ إلى الصواب فيقعُ في أثناء كلامه ما يُوهِم الخطأ؛ وكلًّ ذلك لِشدَّة الخفاءِ وفَرْض الغُموضِ.
стр. 249
فصل
واعلمْ أنه إذا كان بيِّناً في الشيء، أنه لا يَحتمِلُ إلا الوجْهَ الذي هو عليه، حتى لا يُشْكِلَ وحتى لا يُحْتاج في العلم بأن ذلك حقُّه، وأنه الصوابُ إلى فكْرِ ورويةٍ، فلا مَزِيَّةَ؛ وإنما تكون المزيةُ ويجِبُ الفضلُ إذا احتمَلَ في ظاهر الحال غيرَ الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر، ثم رأيتَ النفسَ تَنْبو عن ذلك الوجهِ الآخر، ورأيتَ للذي جاء عليه، حُسْناً وقبولاً يعدَمُهما إذا أنتَ تركْتَه إلى الثاني. ومثالُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأَنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم "الشركاء" حُسْناً وروعةً ومأخذاً من القلوب، أنتَ لا تجد شيئاً منه إن أنتَ أخَّرْتَ، فقلتَ: (وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله). وأنك ترى حالَك حالَ مَنْ نُقِلَ عن الصورة المُبْهجة، والمَنْظر الرائقِ، والحُسْنِ الباهر، إلى الشيء الغُفْل الذي لا تحلى منهُ بكثيرِ طائلٍ، ولا تصيرُ النفسُ به إلى حاصلٍ، والسببُ في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيلَ إليه مع التأخير. بيانه أنَّا، وإنْ كنَّا نرى جملةَ المعنى ومحصوله، أنهم جعلوا الجنَّ شركاءَ وعبدوهُمْ مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يَحصُلَ مع التأخيرِ، حصولَه مع التقديمِ، فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان يَنبغي أن يكون لله شريكٌ لا مِن الجنِّ ولا غيرِ الجِنِّ. وإذا أخَّر فقيل: (جَعلوا الجنَّ شركاء لله). لم يُفِدْ ذلك، ولم يكن فيه شيءٌ أكثرُ من الإخبار عنهم، بأنهم عبَدوا الجنَّ مع اللهِ تعالى؛ فأما إنكارُ أنْ يُعْبَد مع الله غيرُه، وأنْ يكونَ له شريكٌ من الجنِّ وغير الجن، فلا يكونُ في اللفظ، مع تأخير "الشركاء"، دليلٌ عليه. وذلك أنَّ التقدير يكونُ مع التقديم أن "شركاء" مفعولٌ أول لَجَعل، و "لِلَّهِ" في موضعِ المفعول الثاني، ويكونُ "الجنّ" على كلام ثانٍ وعلى تقديرِ أنه كأنه قيل: (فمن جَعلوا شركاءَ لله تعالى؟) فقيل: الجنَّ.
стр. 250
وإذن كان التقدير في "شركَاء" أنه مفعول أول، و"الله" في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء الله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيءٍ دون شيءٍ، وحصَلَ مِن ذلك أنَّ اتخاذَ الشريكِ من غير الجنِّ، قد دخَلَ في الإنكار دخولَ اتخاذه من الجنِّ، لأن الصفةَ إذا ذُكرت مُجَرَّدة غيرَ مُجْراة على شيء، كان الذي يَعْلَق بها من النفي عامَّا في كل ما يجوز أن تكون له الصفةُ. فإذا قلتَ: (ما في الدار كريمٌ)، كنتَ نفَيْتَ الكينونة في الدار عن كلِّ مَنْ يكون الكرَمُ صفةً له. وحكْمُ الإنكار أبداً حكْمُ النفي. وإذا أُخِّر فقيل: (وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله)، كان "الجنَّ" مفعولاً أول والشركاء مفعولاً ثانياً. وإذا كان كذلك كان الشركَاء مخصوصاً غير مُطْلَق من حيثُ كان مُحالاً أن يَجْريَ خبراً على الجنِّ، ثم يكون عامّاً فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احْتَمَلَ أن يكون القصدُ بالإنكار إلى الجنِّ خصوصاً، أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جل اللهُ وتعالى عن أن يكون له شريك وشبيهٌ، بحال.
فانظرْ الآن إلى شرَفِ ما حصَل من المعنى بأن قُدِّم "الشركاء"، واعتبرْهُ؛ فإنهُ يَنبِّهك لكثيرٍ من الأمور ويدُلُّك على عِظَمِ شأن النظم، وتعلمُ به كيف يكونُ الإيجازُ به، وما صُورَتُه، وكيفَ يزاد في المعنى من غير أن يُزاد في اللفظ، إذ قد ترَى أنْ ليس إلا تقديمٌ وتأخيرٌ وأنه قد حصَل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولْتَه مع تَرْكِهِ لم يحصل لك، واحتجْت إلى أن تَسْتَأْنِفَ له كلاماً نحو أن تقول: (وجعلوا الجِنَّ شُركَاء للهِ وما يَنْبغي أن يكون للهِ شريكٌ لا مِنَ الجن ولا مِنْ غَيْرهم): ثم لا يكونُ له إذا عَقَلَ من كلامَيْن من الشَّرَف والفخامةِ ومِن كَرَمِ الموقعِ في النفس، ما تَجِدُه له الآن وقد عَقلَ من هذا الكلام الواحدِ.
стр. 251
ومما يُنظرُ إلى مثل ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. وإذا أنتَ راجعتَ نفسَك وأذكيتَ حسَّك، وجدتَ لهذا التنكير، وأنْ قيل "على حياةٍ" ولم يُقَلْ: (على الحياة)، حُسْناً وروعةً ولطفَ موقعٍ لا يُقَادَرُ قدرُه. وتَجِدُكَ تَعْدَمُ ذلكَ مع التعريف، وتخرجُ عن الأريحيةِ والأُنْس إلى خلافِهما. والسببُ في ذلك أنَّ المعنى على الازدِياد من الحياة، لا الحياةِ مِنْ أصْلها، وذلك لا يَحْرِصُ عليه إلا الحيُّ، فأمَّا العادِمُ للحياة، فلا يصحُّ منه الحرْصُ على الحياة ولا غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: (ولتجدنَّهُمْ أحْرَصَ الناس ولو عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهِنِه، حياةً في الذي يَستقْبِل). فكما أنك لا تقول ههنا أن يزدادا إلى حياتهم الحياة (بالتعريف)، وإنما تقولُ حياةً، إذ كان التعريفُ يَصْلحُ حيثُ تُراد الحياةُ على الإطلاق كقولنا: (كلُّ أحد يُحب الحياة ويَكرهُ الموتَ)، كذلك الحكْمُ في الآية.
والذي ينبغي أن يراعى، أن المعنى الذي يُوصفُ الإنسانُ بالحرصِ عليه، إذا كان موجوداً حالَ وصفِك له بالحرص عليه، لم يُتصوَّر أن تجعله حريصاً عليه من أصله. كيف ولا يُحْرَصُ على الراهن ولا الماضي. وإنما يكون الحرصُ على ما لم يُوجَد بعدُ.
стр. 252
وشبيهٌ بتنكير (الحياة) في هذه الآية، تنكيرها في قوله : ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وذلك أنَّ السببَ في حُسْن التنكيرِ وأنْ لم يَحْسُنِ التعريفُ، أنْ ليس المعنى على الحياةِ نفسِها، ولكنْ على أنَّه لمَّا كان الإنسانُ إذا عَلِمَ أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، ارتدَعَ بذلك عن القتل، فسلِمَ صاحبُه، صارتِ حياةُ هذا المهموم بِقَتْلِه في مستأَنْفِ الوقتِ، مستفادَةً بالقِصَاص، وصار كأنه قد حَييَ في باقي عُمره به، أي بالقِصاص. وإذا كان المعنى على حياةٍ في بعض أوقاتِه وجَبَ التنكيرُ، وامتنع التعريفُ من حيث كان التعريف يَقْتضي أن تكون الحياةُ قد كانت بالقِصاص من أصْلها، وأن يكون القِصاص قد كان سبباً في كونها في كافة الأوقات، وذلك خلافُ المعنى وغيرُ ما هو المقصودُ. ويُبَيِّنُ ذلك أنك تقول: (لكَ في هذا غِنًى)، فتنكِّرُ إذا أردتَ أن تَجْعل ذلك من بعضِ ما يُسْتَغْنى به. فإن قلت: (لكَ فيه الغِنى) كان الظاهرُ أنك جعلتَ كلَّ غِناه به.
وأمرٌ آخرُ، وهو أنه لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ هَمٌّ وإرادةٌ. وليس بواجبٍ أن لا يكونَ إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عدوٌّ يَهُمَّ بقتلِه، ثم يرْدَعُه خوفُ القِصاص؛ وإذا لم يَجِبْ ذلك فمَنْ لم يهُمَّ بقتْلِهِ فكُفِيَ ذلك الهمَّ لخوفِ القِصاص، فليس هو ممَّن حَيَّ بالقصاص. وإذا دخَلَ الخصوصُ فقد وَجَبَ أن يقال (حياةٌ) ولا يقال (الحياة)، كما وَجَبَ أن يقال (شفاءٌ) ولا يقالُ (الشفاءُ) في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، حيث لم يكن شفاءٌ للجميع.
واعلمْ أنه لا يُتصوَّر أنْ يكون الذي هَمَّ بالقتلِ، فلم يقْتُلْ خوفَ القِصاص داخلاً في الجملة، وأن يكون القِصاصُ أفادَهُ حياةً كما أفادَ المقصودَ قتلُه. وذلك أنَّ هذه الحياةَ إنما هي لمن كان يَقْتُل لولا القِصاصُ، وذلك محالٌ في صفة القاصد للقتل، فإنما يَصِحُّ في وصفه ما هو كالضدِّ لهذا، وهو أن يقال: (إنه كان لا يُخافُ عليه القَتلُ لولا القصاصُ، وإذا كان هذا كذلك، كان وجهاً ثالثاً في وُجوبِ التنكير).
стр. 253
فصل: اشتراط الذوق فيه
واعلمْ أنه لا يصادِفُ القولَ في هذا الباب موقعاً من السامع، ولا يَجدُ لديه قَبولاً، حتى يكونَ من أهلِ الذوقِ والمعرفة، وحتى يكونَ ممن تُحدِّثهُ نفسُه بأنَّ لِمَا يُومئُ إليه من الحُسْن واللطْف أصْلاً، وحتى يختلف الحالُ عليه عند تأمُّلِ الكلامِ، فيجَدَ الأريحيَّة تارةً ويعْرى منها أخرى، وحتى إذا عجَّبْتَه عَجِبَ، وإذا نَبَّهْتَه لَموضع المزيةِ انْتَبَه، فأمَّا من كانت الحالانِ والوجهانِ عنده أبداً على سَواء، وكان لا يَتَفَقَّدُ من أمر النظم إلا الصحَّةَ المطلقة، وإلاَّ إعراباً ظاهراً، فما أقَلَّ ما يُجدي الكلامُ معه! فَلْيَكُنْ مَنْ هذه صِفتُهُ عندكَ، بمنزلةِ مَنْ عَدِمَ الإحساسَ بوزِن الشِّعر والذوقِ الذي يُقيمه به، والطبع الذي يُميٍّزُ صحيحَه من مكسوره، ومَزاحِفه من سالِمِه، وما خرجَ مِن البحر ممَا لم يَخْرُجُ منه، في أنك لا تتصدَّى له، ولا تتكلَّفُ تعريفَه لِعلْمِكَ أنه قد عَدِمَ الأداةَ التي معها تَعرفُ، والحاسَّةَ التي بِها تَجِدُ، فليكُنْ قَدْحُكَ في زنَدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تطمعُ منه في نار.
واعلمْ أنّ هؤلاء، وإنْ كانوا همُ الآفةَ العظمى في هذا الباب، فإنَّ مِن الآفة أيضاً مَنْ زَعم أنه لا سبيلَ إلى معرفة العلَّةِ في قليلِ ما تُعْرَفُ المزيةُ فيه وكثيرِه؛ وأنْ ليس إلاَّ أنْ تَعلمَ أنَّ هذا التقديمَ وهذا التنكيرَ، أو هذا العطْفَ أو هذا الفصْلَ حسَنٌ، وأنَّ له موقعاً من النفس وحظَّا من القَبول. فأمَّا أنْ تَعلم: لمَ كان كذلك وما السَّبَبُ؟ فَمِمَّا لا سبيلَ إليه، ولا مطمعَ في الاطلاع عليه؛ فهو بتوانِيهِ والكَسل فيه في حُكْم مَنْ قال ذلك.
стр. 254
واعلمْ أنه ليس إذا لَمْ يُمكنْ معرفةُ الكلِّ وجَبَ تركُ النظر في الكلِّ؛ وأنْ تعرفَ العلَّةَ والسببَ فيما يُمْكِنك معرفةُ ذلك فيه، وإن قلَّ فتجعلَه شاهداً فيما لم تَعْرِفْ، أحْرَى مِن أنْ تَسُدَّ بابَ المعرفة، على نفسك، وتأْخذَها عن الفهم والتفهم، وتعوِّدَها الكسَل والْهُوَيْنا. قال الجاحظ: وكلامٌ كثير قد جَرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة وثمرةٌ مُرَّةٌ. فمِنْ أَضَرَّ ذلك قولُهم: لم يَدَع الأولُ للآخِرِ شَيئاً. (قال): فلو أنَّ علماءَ كلِّ عصرٍ مذ جرَتْ هذه الكلمةُ في أسمْاعهم، ترَكُوا الاستنباط لِمَا لَمْ يَنتهِ إليهم عَمَّن قَبْلَهم، لرأيتَ العِلم مختلاًّ. واعلمْ أنَّ العلمَ إنما هو معدِنٌ، فكما أنه لا يَمنعُكَ أن ترى ألفَ وِقْرِ قد أُخرجَتْ من معدن تبْرٍ أنْ تطلُبَ فيه وأن تأخُذَ ما تَجد، ولو كَقَدْرِ تُومةٍ، كذلك ينبغي أن يكون رأيْكَ في طلب العلم، ومن الله تعالى نَسألُ التوفيق!
стр. 255
فصل: في المجاز الحكمي
في المجاز الحُكْمي هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم
إِعلم أنَّ طريقَ المجازِ والاتساع في الذي ذكَرْناه قبلُ، أنَّكَ ذكرتَ الكلمةَ وأنتَ لا تُريد معناها، ولكنْ تُريد معنىً ما هو رِدْفٌ له أو شبيهٌ، فتجوَّزْتَ بذلك في ذاتِ الكلمةِ وفي اللفظ نفسِه. وإذْ عرفْتَ ذلكَ، فاعلمْ أنَّ في الكلام مجازاً على غير هذا السبيلِ، وهو أن يكونَ التجوُّزُ في حُكْم يَجْري على الكلمة فقط، وتكون الكلمةُ متروكةً على ظاهرِها، ويكونُ معناها مقصوداً في نفسه ومراداً، مِنْ غَير توريةٍ ولا تَعْريض. والمثالُ في قولهم: (نهارُك صائمٌ وليلُك قائم، ونام ليلي وتجلّى همي). وقولُه تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وقولُ الفرزدق [من الطويل]:
سقاها خُروقٌ في المَسامِع لم تَكُنْ ... عِلاطاً ولا مخبوطةَ في المَلاغِمِ
أنتَ ترمي مجازاً في هذا كلِّه، ولكنْ لا في ذوات الكَلِم وأنْفُس الألفاظِ ولكنْ في أحكامٍ أُجْرِيَتْ عليها. أفلاَ تَرى أنك لم تتجوَّز في قولك: (نهارُكَ صائم وليلُك قائم)، في نفس (صائم وقائم) لكنْ في أنْ أجْرَيْتَهما خَبَرَيْنِ على النهار والليل. وكذلك ليس المجازُ في الآية في لفظة "ربحت" نفسِها، ولكن في إسنادها إلى التجارة. وهكذا الحكْم في قوله: (سقاها خُروق): ليس التجوُّزُ في نَفْس "سقاها" ولكنْ في أن أسْنَدَها إلى (الخُروق). أفلا ترى أنك لا تَرى شيئاً منها إلاَّ وقد أريدَ به معناه الذي وُضِع له على وجهِه وحقيقتِه؟ فلم يُرِدْ (بصائم) غيرَ الصَّوْمِ، ولا (بقائم) غيرَ القيام، ولا بـ (ـربحتْ) غيرَ الربح ولا بـ (ـسَقَتْ) غيرَ السقي، كما أُريدَ بِ (سالَتْ) في قوله [من الطويل]:
وسالت بأعناق المطيِّ الأباطِحُ
غيرَ السَّيْلِ.
واعلمْ أنَّ الذي ذكرتُ لك في المجاز هناك، من أنَّ مِنْ شأنِه أنْ يفْخُمَ عليه المعنى، وتحدُثَ فيه النباهةُ، قائمٌ لك مثلُه ههنا. فليس يَشْتَبِه عَلى عاقلٍ أنْ ليس حالُ المعنى وموقعُه في قوله [من الرجز]:
فنامَ ليلي وتجلَّى همِّي
كحالِه وموقِعِه، إذا أنتَ تركْتَ المجاز وقلتَ: (فنمتُ في ليل وتجلَّى همِّي) كما لم يكنِ الحالُ في قولكُ: (رأيتُ أسداً): كالحالِ في "رأيتُ رجلاً كالأسدِ". ومَنْ الذي يَخْفى عليه مكانُ العُلُوِّ وموضِعُ المزية وصورةُ الفرقان بين قولِه تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وبين أنْ يُقال: (فما رَبحوا في تجارتهم)؟ وإنْ أردْتَ أن تزْدادَ للأمر تبييناً، فانظرْ إلى بيت الفرزْدق [من الكامل]:
يَحْمي، إذا اختُرِطَ السيوفُ نِساءَنا ... ضَرْبٌ تطيرُ له السواعدُ أرعَلُ
стр. 256
وإلى رونقه ومائِه وإلى ما عليه من الطَّلاوة، ثم ارْجِع إلى الذي هو الحقيقةُ وقل: (نحمي، إذا اخْتُرِطَ السيوفُ، نساءنا، بضرب تطيرُ له السواعدُ أرعلِ)؛ ثم اسْبرْ حالَكَ، هل ترَى مما كنتَ تراه شيئاً؟ وهذا الضربُ من المجاز على حدَّته كنزٌ من كنوز البلاغةِ، ومادَّةُ الشاعرِ المُفْلِق والكاتب البليغِ في الإبداع والإحسانِ، والاتِّساع في طرقِ البيان؛ وأنْ يجيءَ بالكلام مطبوعاً مصنوعاً، وأن يضَعه بَعيدَ المرامِ، قريباً من الأفهامِ؛ ولا يَغُرَّنَّكَ مِنْ أمره أنَّك تَرى الرجُلَ يقول: (أتى بي الشوقُ إلى لقائكَ، وسار بي الحنينُ إلى رؤيتك، وأقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان)، وأشباهُ ذلك مما تَجدُه لِسَعَته وشُهْرته، يَجْري مَجْرى الحقيقةِ التي لا يُشْكِلُ أمرُها؛ فليس هو كذلك أبداً؛ بل يَدِقُّ ويَلْطُفُ حتى يَمْتِنعَ مثْلُه إلاَّ على الشاعرِ المُفْلِقِ، والكاتبِ البليغِ، وحتى يأتيَك بالبِدْعة لم تَعْرفها، والنادرةِ تأنَقُ لَها.
وجملةُ الأمرِ أنَّ سبيلَه سبيلُ الضرْبِ الأولِ الذي هو مجازٌ في نفسِ اللفظِ ذاتِ الكلمة؛ فكما أنَّ من الاستعارة والتمثيل، عاميَّا مثلَ: (رأيتُ أسداً، وَوَرَدْتُ بحراً، وشاهدْتُ بَدْراً، وسَلَّ مِن رأْيه سيفاً) وخاصّياً لا يَكْملُ له كلُّ أحدٍ، مثلَ قوله:
وسالتْ بأعناق المطيِّ الأباطحُ
كذلك الأمرُ في هذا المجاز الحُكْميِّ.
واعلمْ أنه ليس بواجبٍ في هذا أن يكونَ للفعل فاعلٌ في التقدير، إذا أنتَ نَقَلْتَ الفعلَ إليه عدْتَ به إلى الحقيقة، مثلَ أنَّكَ تقول في "ربحتْ تجارتُهم": رَبحوا في تجارتهم، وفي: "يحمي نساءَنا ضَرْبٌ" نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتَّى في كل شيء. ألا تَرَى أنه لا يُمكِنُكَ أن تُثْبِتَ للفعل في قولك: (أقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان)، فاعلاً سوى "الحقّ"؛ وكذلك لا تستطيع في قوله [من مجزوء الوافر]:
وصيَّرني هواك وبي ... لِحَيني يُضْرَبُ المَثَلُ
وقوله [من مجزوء الوافر]:
يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْناً ... إذا ما زِدْتَه نَظَرا
стр. 257
أنْ تَزعُم أنَّ لـ (صيَّرَني) فاعلاً قد نُقِلَ عنه الفعلُ فجُعِلَ للهوى، كما فُعِلَ ذلك في "ربحتْ تجارتُهم، ويحمي نساءنا ضرْبُ". ولا تستطيعُ كذلك أن تُقدِّر لـ (يزيدُ) في قوله: (يزيدُك وجهه): فاعلاً غيرَ الوجهِ. فالاعتبار إذنْ، بأنْ يكون المعنى الذي يرجِعُ إليه الفعلُ، موجوداً في الكلام على حقيقته. معنى ذلك أن القُدوم في قولك: (أقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان)، موجودٌ على الحقيقة، وكذلك الصيرورةُ في قوله: (وصيَّرني هواك). والزيادة في قوله: (يزيدُك وجهه): موجودتان على الحقيقة. وإذا كان معنى اللفظِ موجوداً على الحقيقة، لم يكُنِ المجازُ فيه نَفْسَه؛ وإذا لم يكن المجازُ في نفسِ اللفظِ، كان لا مَحالة في الحُكْم؛ فاعرفْ هذه الجملة وأَحْسِنْ ضبْطَها حتى تكونَ على بصيرةٍ من الأمر! ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن عوف [من الوافر]:
أبي عَبَرَ الفوارسَ يومَ دَاجٍ ... وعمِّي مالكٌ وضَعَ السِّهاما
فلو صاحَبْتِنا لرَضيتِ عَنَّا ... إذا لم تَغْبُقِ المائةُ الغلاما
يُريد إذا كان العامُ عامَ جَدْب، وجفَّت ضروعُ الإبل، وانقطع الدَّرُّ، حتى إن حلَبَ منها مائةً، لم يَحْصل من لبنها ما يكون غَبُوقَ غلامٍ واحدٍ. فالفعل الذي هو [غبَق] مستعملٌ في نفسه على حقيقته، غيرُ مُخْرَجٍ عن معناهُ وأصْلِه إلى معنى شيءٍ آخر، فيكون قد دخلَه مجازٌ في نفسه، وإنما المجازُ في أن أُسنِد إلى الإبل وجُعِل فِعْلاً لها. وإسنادُ الفعلِ إلى الشيء حُكْم في الفعل، وليس هو نفسَ معنى الفعلِ، فاعرفه!
واعلمْ أنَّ مِن سبَب اللطفِ في ذلك أنه ليس كلُّ شيء يَصْلُح لأن يُتعاطى فيه هذا المجازُ الحُكْمي بسهولة، بل تَجدُك في كثيرٍ من الأمر وأنتَ تحتاجُ إلى أن تُهيِّئَ الشيءَ وتصلِحَه لذلك بشيءٍ تتوخاه في النظْم. وإنْ أرَدْت مثالاً في ذلك فانظرْ إلى قوله [من الطويل]:
تناسَ طِلابَ العامريةِ إذْ نأتْ ... بأسجَحَ مِرْ قال الضحى قَلقِ الضَّفْرِ
إذا ما أحسَّتْهُ الأفاعي تحيَّزتْ ... شواةُ الأفاعي مِنْ مُثَلَّمةٍ سُمْرِ
تجوبُ له الظَّلْماءَ عينٌ كأنَّها ... زجاجةُ شَرْبٍ غيرُ ملأى ولا صِفْرِ
стр. 258
يَصفُ جملاً ويُريد أن يهتديَ بنورِ عينِه في الظلْماءِ، ويُمكنه بها أن يَخْرُقَها ويمضيَ فيها. ولولاها لكانتِ الظلماءُ كالسَّدِّ والحاجزِ الذي لا يجد شيئاً يُفرِّجُه به ويَجْعلُ لنفسِه فيه سَبيلا. فأنتَ الآن تعلَمُ أنه لولا أنه قال: (تجوبُ له). فعلَّق "له" (بتَجُوب) لَمَا صلحَتْ العَينُ لأن يُسْنَد "تجوب" إليها، ولكان لا تَتَبَيَّنُ جهةَ التجوُّز في جعْل "تجوب" فعلاً للعين كما ينبغي. وكذلك تَعْلم أنه لو قال مثلاً: (تجوبُ له الظلماءَ عينُه): لم يكنْ له هذا الموقعُ، ولاضطْرَبَ عليه معناهُ وانقَطَع السِّلْكُ من حيثُ كان يَعيبه حينئذٍ أن يَصِفَ العينَ بما وصفَها به الآنَ. فتأملْ هذا واعتَبِرْهُ! فهذه التهيئةُ وهذا الاستعدادُ في هذا المجاز الحُكْمي، نظيرُ أنك تَراك في الاستعارة التي هي مجازٌ في نفس الكلمةِ وأنتَ تحتاج في الأمر الأكثرِ إلى أنْ تُمهِّد لها وتُقدِّم أو تؤخِّر ما يُعْلَمُ به أَنكَ مستعيرٌ ومُشبِّهٌ؛ ويُفتَحُ طريقُ المجاز إلى الكلمة. ألا ترى إلى قوله [من الطويل]:
وصاعقةٍ من نَصْلِه يَنْكفي بها ... على أَرْؤُسِ الأقرانِ خمسُ سحائبِ
عنَى (بخمس السحائب) أنامله؛ ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعةَ، ولم يَرْمها إليك بغْتةً، بل ذكر ما يُنْبئ عنها، ويُسْتَدلُّ به عليها، فذكَر أن هناكَ صاعقةً وقال: (مِنْ نصلِه)، فبيَّن أنَّ تلك الصاعقةَ مِنْ نَصْلِ سيفِه، ثم قال: (أرؤس الأقران)، ثم قال: (خمس) فذكر الخمس التي هي عدَدُ أناملِ اليد، فبانَ مِن مجموعِ هذه الأمور غرَضُهُ. وأنشدوا لبعض العرب [من الرجز]:
فإنْ تعافُوا العدلَ والإيْمانا ... فإنَّ في أيْمَاننا نِيرانا
يُريد: (في أيماننا سيوفاً نَضْربكُم بها)، ولولا قولُه أوَّلاً: (فإن تعافوا العدلَ والإيمانَ): وأنَّ في ذلك دلالةً على أنَّ جوابَه أنَّهم يُحَارَبُون ويُقْسَرُون على الطاعة بالسيف، ثم قولُه: (فإنَّ في أيماننا): لما عُقِلَ مرادُه، ولما جازَ له أن يَستعيرَ النيرانَ للسيوفِ، لأنه كان لا يَعْقِل الذي يُريد، لأنَّا وإنْ كنَّا نقول: (في أيديهم سيوفٌ تَلمعُ كأنها شُعَل النَّيران)، كما قال [من الكامل]:
стр. 259
ناهضتَهُمْ والبارقاتُ كأنَّها ... شُعَلٌ على أيديهِمُ تَتَلهَّبُ
فإنَّ هذا التشبيه لا يبلُغُ مَبْلَغَ ما يُعْرَفُ مَعَ الإطلاق كمعرفتنا إذا قال: (رأيتُ أسداً): أنهُ يُريد الشجاعة. وإذا قال: (لقيتُ شسماً وبدراً): أنه يُريدُ الحُسْنَ، ولا يقوى تلك القوَّة، فاعرفْه! "
وممَّا طريقُ المَجاز فيه الحكْمُ قولُ الخنساء [من البسيط]:
تَرْتَعُ ما رتعَتْ حتى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي إقْبالٌ وإِدبارُ
وذاك أنها لم تُرِدْ بـ (الإقبال والإدبار) غيرَ معناهما، فتكونَ قد تجوَّزت في نفسِ الكلمةِ، وإنما تجوَّزَتْ في أَنْ جعلَتْها لكثرة ما تُقبِلُ وتُدْبِرُ ولِغَلَبة ذاكَ عليها واتصالِه بها، وأنه لم يَكْن لها حالٌ غيرَهما، أنها قد تجسَّمتْ من الإقبال والإدبار. وإِنما كان يكون المجازُ في نفْس الكلمةِ لو أنها كانت قد استعارت الإقبالَ والإدبارَ لمعنىً غير معناهما الذي وُضعا له في اللغة، ومعلوم أن ليس الاستعارة مما أرادته في شيء.
واعلمْ أنْ ليس بالوجه، أنْ يُعَدَّ هذا على الإطلاق، مَعدَّ ما حُذِفَ منه المضاف، وقيم المضاف إليه مُقامه، مثلَ قولِه : ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
ومثلَ قولِ النابغة الجعديّ [من المتقارب]:
وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصْبَحَتْ ... خُلاَلَتُهُ كأبي مَرْحَبِ
وقولِ الأعرابي [من الوافر]:
حَسِبْتَ بُغَام راحلتي عنَاقا ... وما هي وَيْبَ غَيْرِك بالعَنَاقِ
وإنْ كنَّا نراهم يذكرونَه حيثُ يذكرونَ حذْفَ المضافِ ويقولون إنه في تقدير "فإنما هي ذات إقبال وإدبار" ذاك لأنَّ المضافَ المحذوفَ مِن نحو الآية والبيتينِ، في سبيل ما يُحْذفُ من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يُحْذَفَ خبرُ المبتدأ أَو المبتدأُ، إذا دَلَّ الدليلُ عليه، إلى سائر ما إذا حُذِفَ كان في حكْم المنطوق به؛ وليس الأمرُ كذلك في بيت الخنساء، لأنَّا إذا جعلْنا المعنى فيه الآن، كالمعنى إذا نحنُ قلنا: (فإنما هي ذاتُ إقبال وإدبار)، أفسَدْنا الشِّعرَ على أنفسِنا وخرَجْنا إلى شيء مغسول، وإلى كلامٍ عامِّيٍّ مرذولٍ، وكان سبيلنا سبيلَ مَنْ يَزْعُم مثلاً في بيتِ المتنبي [من الوافر]:
стр. 260
بدَتْ قَمراً ومالتْ خُوطَ بانٍ ... وفاحَتْ عنبراً ورنَتْ غَزالا
أَنه في تقدير محذوفٍ وأنَّ معناه الآن كالمعنى إذا قلت: (بدتْ مثلَ قمر ومالتْ مثلَ خوطِ بانٍ وفاحَتْ مثلَ عنبرٍ ورَنَتْ مثلَ غَزالٍ)، في أنَّا نَخْرجُ إلى الغثاثة وإلى شيء يَعْزِلُ البلاغةَ عن سلطانها، ويخْفِضُ من شأنها، ويَصُدُّ أوجُهَنا عن مَحاسِنها، ويَسُدُّ باب المعرفة بها وبلطائفها علينا. فالوجْهُ أن يكون تقديرُ المضافِ في هذا، على معنى أنه، لو كان الكلامُ قد جيءَ بهِ على ظاهره، ولم يُقْصَد إلى الذي ذكَرْناه من المبالغة والاتِّساع، وأنْ تُجْعَلَ الناقةُ كأَنها قد صارتْ بجملتها إقبالاً وإدباراً، حتى كأنها قد تجسَّمَتْ منهما، لَكانَ حقُّه حينئذٍ أن يُجاء فيه بلفظِ الذاتِ فيُقال: (إنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبار). فأَمَّا أن يكون الشعرُ الآن موضوعاً على إرادة ذلك، وعلى تنزيله منزلةَ المنطوقِ به حتى يكونَ الحالُ فيه كالحال في:
حسبتَ بُغَامَ راحِلتي عناقا
حينَ كان المعنى والقصْدُ أن يقول: (حسبتَ بغامَ راحلتي بغامَ عناق)، فما لا مساغَ له عندَ مَنْ كان صحيحَ الذوقِ، صحيحَ المعرفةِ، نسَّابة للمعاني.
стр. 261
فصل
هذه مسألةٌ قد كنتُ عمِلْتُها قديماً، وقد كتبتُها ههنا لأنَّ لها اتصالاً بهذا الذي صارَ بنا القولُ إليه، قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أي لِمَنْ كان أعْمَلَ قلْبَه فيما خُلِق القلبُ لهُ مِنَ التدبُّر والتفكُّر والنظرِ فيما ينبغي أن يُنْظَرَ فيه. فهذا على أن يُجْعلَ الذي لا يعي ولا يسَمعُ ولا يَنْظرُ ولا يتفكَّرُ، كأنه قد عَدِمَ القلبَ من حيثُ عَدِمَ الانتفاع به، وفاتَه الذي هو فائدةُ القلبِ والمطلوبُ منه، كما جُعِلَ الذي لا يَنْتفِعُ بِبصرِهِ وسَمْعه، ولا يُفكِّر فيما يؤديان إليه، ولا يَحْصُل من رؤية ما يُرَى وسَماعِ ما يُسْمَعُ على فائدة بمنزلةِ مَنْ لا سَمْعَ له ولا بَصَرَ. فأمَّا تفسيرُ مَنْ يُفَسِّرهُ على أنه بمعنى "من كان له عقل" فإنه إنما يَصحُّ على أن يكون قد أرادَ الدلالةَ على الغرضِ على الجملة. فأمَّا أن يؤخذَ به على هذا الظاهر حتى كأنَّ القلبَ اسمٌ للعقل كما يَتوهَّمُه أهلُ الحَشْوِ ومَنْ لا يَعرِفُ مخارِجَ الكلامِ، فمحالٌ باطلٌ لأنه يؤدي إلى إبطال الغرَضِ من الآيةِ وإلى تَحْريفِ الكلامِ عن صورتِه، وإزالةِ المعنى عن جهته. وذاك أن المرادَ به الحثُّ على النظرِ، والتقريعُ على تَرْكه وذمُّ مَنْ يُخِلُّ به وَيغْفِل عنه. ولا يَحْصُل ذلك إلا بالطريقِ الذي قدَّمْتُه، وإلاَّ بأنْ يكونَ قد جُعِل من لا يَفْقَه بقلبهِ ولا يَنْظُر ولا يَتفكَّر، كأنه ليس بذي قلب، كما يُجْعَل كأنه جمادٌ وكأنه ميْتٌ لا يَشْعر ولا يُحِسّ. وليس سبيلُ مَنْ فسَّر القلبَ ههنا على العقل، إلا سبيلَ من فَسَّر عليه العينَ والسَّمعَ في قول الناس: (هذا بَيِّنٌ لمن كانت له عَينٌ ولِمَنْ كان له سَمْع)، وفسَّرَ العمى والصمَم والموتَ في صفة من يُوصَفُ بالجهالة، على مُجرَّد الجهل، وأجْرى جميعَ ذلك على الظاهر، فاعرفْه! ومِنْ عادةِ قومٍ ممَّن يَتعاطى التفسيرَ بغَيْرِ علم أن تَوهَّمُوا أبداً في الألفاظ الموضوعةِ على المجاز والتمثيل، أنها على ظواهرها؛ فيُفْسِدوا المعنى بذلك، ويُبْطِلوا الغرضَ ويَمْنَعوا أنفسَهم والسامعَ منهم، العِلْمَ بموضعِ البلاغةِ وبمكانِ الشرفِ.
وناهيك بهم إذا هُم أخذوا في ذكْر الوجوه وجَعَلوا يُكْثِرون في غير طائل! هناك ترى ما شئتَ من بابِ جَهْلٍ قد فتَحُوه، وزَنْدِ ضَلالةٍ قد قَدَحُوا به، ونسألُ اللهَ تعالى العصمةَ والتوفيقَ.
стр. 262
فصل: في الكناية والتعريض
هذا فنٌّ مِن القول دقيقُ المسلكِ، لطيفُ المأخذِ، وهو أَنَّا نَراهُمْ كما يَصنعون في نفس الصفة بأن يَذْهَبوا بها مذْهَبَ الكناية والتعريض، كذلك يَذْهبون في إثباتِ الصفة هذا المذْهَبَ. وإذا فعلوا ذلك بدَتْ هناك محاسِنُ تَملأُ الطرْفَ، ودقائقُ تُعْجِزُ الوصفَ، ورأيتَ هناك شِعْراً شاعراً، وسِحْراً ساحراً، وبلاغةً لا يَكْملُ لها إلا الشاعرُ المُفْلِقُ، والخَطيبُ المِصْقَعُ. وكما أنَّ الصفةَ، إذا لم تأتِكَ مُصَرَّحاً بذِكْرِها، مكْشوفاً عن وجهها، ولكنْ مدلولاً عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألْطَفَ لمكانها؛ كذلك إثباتُك الصفةَ للشيء تُثْبِتُها له إِذا لم تُلْقِهِ إلى السامع صَريحاً، وجئتَ إليه مِنْ جانبِ التعريضِ والكناية، والرمز والإشارة، كان له مِن الفَضْل والمزيةِ، ومن الحُسْنِ والرونقِ، ما لا يَقلُّ قليلُه، ولا يُجْهَلُ موضِعُ الفضيلةِ فيه.
وتفسيرُ هذه الجملة وشرْحُها، أنَّهم يَرمون وصْفَ الرجل ومدْحَه، وإثباتَ معنًى من المعاني الشريفةِ له، فيَدَعونَ التصْريحَ بذلك، ويُكَنُّونَ عن جَعْلها فيه بِجَعْلها في شيء يَشْتمِلُ عليه وَيتَلبَّس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أَرادوا من الإِثباتِ، لا من الجهة الظاهرةِ المعروفةِ، بل من طريقٍ يَخْفى، ومَسْلكٍ يَدِقُّ. ومثاله قول زياد الأعجم [من الكامل]:
إنَّ السَّماحةَ والمروءَ والندى ... في قُبَّةِ ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرجِ
стр. 263
أراد كما لا يخفى، أنْ يُثْبِتَ هذه المعانيَ والأوصافَ خلالاً للممدوحِ وضرائبَ فيه، فتركَ أن يُصرَّحَ فيقولَ: إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندى لمجموعةٌ في ابن الحَشْرج، أو مقصورةٌ عليه، أو مختصَّة به، وما شاكَلَ ذلك مما هو صريحٌ في إثباتِ الأوصافِ للمذكورين بها، وعدَلَ إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونَها في القُبَّة المضروبةِ عليه، عبارةً عن كونها فيه، وإشارةً إليه؛ فخرَجَ كلامُه بذلك إلى ما خَرَجَ إليه من الجَزالةِ، وظهرَ فيه ما أنت تَرى من الفخَامة. ولو أنه أَسْقَط هذه الواسِطَة من البَيْن لما كان إلا كلاماً غُفْلاً، وحديثاً ساذجاً. فهذه الصنعةُ في طريقِ الإثباتِ هي نظيرُ الصنعةِ في المعاني، إذا جاءتْ كناياتٍ عن معانٍ آخَر نحو قوله [من الوافر]:
وما يَكُ فيِّ مِنْ عَيبٍ فإنِّي ... جبانُ الكلبِ مهزولُ الفَصيل
فكما أَنَّه إنما كان مِنْ فاخرِ الشِّعر وممَّا يقَعُ في الاختيار لأجْل أَنْ أَرادَ أنْ يذْكُرَ نفسَه بالقرى والضيافةِ، فكنَّى عن ذلك بجُبْنِ الكَلْب وهُزالِ الفصيل وتَرَكَ أن يُصرِّحَ فيقولَ: (قد عُرِفَ أنَّ جَنابِي مألوفٌ وكلبي مؤدَّبٌ لا يَهِرُّ في وجوهِ مَنْ يَغْشاني من الأضيافِ؛ وإني أَنْحَرُ المَتَالِى من إبلي وأَدَعُ فِصالَها هَزْلى). كذلك إنما راقَكَ بيتُ زياد لأنه كنَّى عن إثباتِه السماحة والمروءةَ والندى، كائنةً في الممدوح، بجعلها كائنةً في القبةِ المضروبةِ عليه.
هذا - وكما أنَّ مِنْ شأنِ الكنايةِ الواقعةِ في نفسِ الصفةِ أن تجيءَ على صورٍ مختلفةٍ، كذلك مِنْ شأنها إذا وقعَتْ في طريقِ إثباتِ الصفةِ أنْ تجيءَ على هذا الحدِّ، ثم يكونُ في ذلك ما يتناسَبُ كما كان ذلك في الكناية عن الصفةِ نفسِها. تفسيرُ هذا أنك تَنظُرُ إلى قولِ يزيد بن الحَكَم يمدح به يزيدَ بن الُهَلَّبِ وهو في حبْس الحجَّاج [من المنسرح]:
أصْبَحَ في قَيْدِكَ السَّماحة والمَجْـ ... ـدُ وفضلُ والصلاحِ والحسَبُ
فتراه نظيراً لبيتِ زياد، وتَعْلم أنَّ مكان "القيد" ههنا هو مكانُ "القبة" هناك، كما أنَّك تَنْظُر إلى قوله: (جبانُ الكلب)، فتعْلَم أنَّه نَظيرٌ لقوله [من الطويل]:
стр. 264
زجرتُ كلابي أن يهِرَّ عَقُورها
مِنْ حَيثُ لم يكُنْ ذلك الجبنُ إلاَّ لأَنْ دامَ منهُ الزجْرُ واستمرَّ حتى أخرجَ الكَلْبَ بذلك عمَّا هو عادتُه، من الهَريرِ والنَّبْح في وجْه مَنْ يَدْنو مِنْ دارٍ هو مُرْصَدٌ لأن يَعُسَّ دونها. وتنظر إلى قوله: (مهزول الفصيل)، فتعلم أنه نظير قول ابن هَرْمَةَ.
لا أُمْتِع العُوذَ بالفصال
وتنظر إلى قول نُصَيْبٍ [من المتقارب]:
لِعَبْدِ العَزيزِ على قَوْمِهِ ... وغيرهمُ منَنٌ ظاهِرَهْ
فبابُك أسْهَلُ أبوابِهِمْ ... ودارُكَ مأَهُولَةٌ عَامِرَهْ
وكلْبُكَ آنسُ بالزائرينَ ... مِنَ الأُمّ بالإبْنَةِ الزائرَهْ
فَتَعلمُ أنه من قول الآخر [من الطويل]:
يكادُ إذا ما أبصرَ الضيفَ مَقْبلاً ... يَكلّمه من حُبِّهِ وهْوَ أَعْجَمُ
وأنَّ بينهما قرابةً شديدةً ونسباً لاصقاً، وأنَّ صورتَهما في فَرْط التناسبِ، صورةُ بيتَيْ زياد ويزيد.
ومما هو إثباتٌ للصفة على طريقِ الكنايةِ والتعريضِ قولُهم: (المجْدُ بين ثَوْبَيْه، والكَرَمُ في بُرْدَيْه): وذلك أن قائل هذا يتَوصَّلُ إلى إثباتِ المجدِ والكَرَم للممدوح، بأن يَجعلَهما في ثوبه الذي يلْبَسُه، كما توصل زياد إلى إثباتِ السماحةِ والمروءة والندى لابن الحَشْرج، بأنْ جَعَلَها في القُبَّة التي هو جالسٌ فيها. ومن ذلك قوله [من البسيط]:
وحيثما بكَ أَمرٌ صالحٌ تكُنِ
وما جاء في معناه من قوله [من المتقارب]:
يَصيرُ أَبانٌ قرينَ السَّما ... حِ والمَكْرُماتِ معاً حيثُ صارا
وقولُ أبي نُواسَ [من الطويل]:
فما جازَهُ جُوْدٌ ولا حلَّ دُونَه ... ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصيرُ
كلُّ ذلك تَوصُّلٌ لإثباتِ الصفة في الممدوح، بإثباتها في المكان الذي يكونُ فيه، وإلى لُزومها له، بلُزومها الموضِعَ الذي يَحُلُّه. وهكذا إن اعتبرْتَ قولَ الشَّنفَرى، يصفُ امرأة بالعفة [من الطويل]:
يبيتُ بمنجاةٍ مِنَ اللَّوْم بيْتُها ... إِذا ما بُيوتٌ بالملامَةِ حُلَّتِ
стр. 265
وجدْتَهُ يَدْخُل في معنى بيتِ زياد، وذلك أنه توصَّلَ إلى نفي اللَّوْم عنها، وإبعادها عنه، بأن نَفَاه عن بيتها وباعَدَ بينَهُ وبَيْنَهُ، وكان مَذْهبُه في ذلك مذْهَبَ زياد في التوصل إلى جَعْلِ السماحةِ والمروءةِ والندى في ابنِ الحَشْرَجِ بأن جعَلَها في القبة المضروبةِ عليه. وإنما الفرقُ أنَ هذا يَنْفي وذاك يُثْبِتُ؛ وذلك فَرْقٌ لا في موضِعِ الجمعِ، فهو لا يَمْنَعُ أن يكونا مِنْ نِصَابٍ واحدٍ.
ومما هو في حُكْم المناسِب لبيتِ زياد وأمثالهِ التي ذكَرْتُ وإنْ كان قد أُخْرِجَ في صورةٍ أغربَ وأَبدَعَ، قولُ حسَّان ﵁ [من الطويل]:
بَنَى الْمَجْدَ بَيْتاً فَاسْتَقَرَّتْ عِمَادُه ... عَليْنا فأعْيى الناسَ أنْ يَتَحوَّلا
وقولُ البحتري [من الكامل]:
أَوَ ما رأيتَ المجدَ ألقى رحْلَه ... في آلِ طلحةَ ثم لم يَتحوَّلِ
ذاكَ لأنَّ مدَارَ الأمرِ على أنَّه جَعَلَ المجْدَ والممدوحَ في مكانٍ، وجعَلَه يكونُ حيثُ يكونُ.
واعلمْ أنه ليس كلُّ ما جاء كنايةً في إثباتِ الصفةِ، يَصْلحُ أَنْ يُحْكَمَ عليه بالتناسُبِ. معنى هذا أنَّ جعْلَهمُ الجُودَ والكَرَمَ والمجْدَ، يَمْرضُ بِمَرضِ الممدوحِ، كما قال البحتري [من الطويل]:
ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذي ... وجَدْتَ وقلْنا اعتَلَّ عضوٌ من المَجْدِ
وإنْ كان يَكونُ القصْدُ منه إثباتَ الجودِ والمجدِ للممدوح، فإنه لا يَصِحُّ أنْ يقال إِنه نظيرٌ لبيتَ زياد، كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس [من الطويل]:
ولكنْ يصَيرُ الجودُ حيثُ يصَيرُ
وغيرِه مما ذكَرْنا أنه نظيرٌ له؛ كما أنه لا يجوز أن يُجْعَل قَولُه:
وكلبُكَ أرافُ بالزائرينَ
стр. 266
مثلاً، نظيراً لقوله: (مهزول الفصيل): وإنْ كان الغَرضُ منهما جميعاً الوصفَ بالقِرى والضيافةِ، وكانا جميعاً كنايتين عن معنى واحد، لأنَّ تعاقُبَ الكناياتِ على المعنى الواحدِ، لا يُوجِبُ تَناسُبَها، لأنه في عَرُوض أنْ تَتَّفِقَ الأشعارُ الكثيرة في كونها مَدْحاً، بالشجاعة مَثَلاً، أو بالجودِ أو ما أشْبَه ذلك. وقد يَجْتمِعُ في البيت الواحدِ كنَايتانِ، المغْزى منهما شيءٌ واحدٌ؛ ثم لا تكونُ إِحداهما في حكْم النظيرِ للأخرى. مثالُ ذلك أنه لا يكونُ قوله: (جبان الكلب): نظيراً لقوله: (مهزول الفصيل). بل كلُّ واحدةٍ من هاتينِ الكنايَتْينِ أَصْلٌ بنفسِه وجنسٌ على حدة. وكذلك قولُ ابن هَرْمَة [من المنسرح]:
لا أُمْتِعُ العُوذَ بالفصالِ ولا ... أَبْتاعُ إلا قريبةَ الأَجَلِ
ليس إحدى كنايتَيْه في حُكْمِ النظيرِ للأخرى، وإن كان المُكنَّى بهما عنه واحداً، فاعرفْه!
وليس لِشُعَبِ هذا الأصْلِ وفروعه، وأمثلتِه، وصُورهِ وطُرُقِهِ ومسالِكِه، حدٌّ ونهاية.
ومن لطيفِ ذلك ونادرِه قولُ أبي تمام [من الوافر]:
أَبَيْنَ فما يَزُرْنَ سِوى كَريم ... وحسْبُكَ أَن يَزُرْنَ أبا سَعيدِ
ومثلُه وإنْ لم يَبلُغْ مبلَغَه، قولُ الآخرِ [من الوافر]:
متى تَخْلُو تَميمٌ مِنْ كَريمٍ ... ومَسْلمَةُ بْنُ عَمْروٍ مِنْ تميمِ
وكذلك قولُ بعضِ العربِ [من المتقارب]:
إذا اللهُ لم يَسْقِ إلاَّ الكِرامَ ... فسقَى وجوهَ بني حنْبل
وسَقَّى ديارَهُمْ باكِرٌ ... من الغيثِ في الزمنِ المُمْحِلِ
وفنٌّ منه غريبٌ قَولُ بعضِهم في البرامكة [من الطويل]:
سألتُ النَّدَى والجَودَ ما لي أَراكُما ... تَبَدَّلْتُما ذُلاً بعزِّ مُؤبَّدِ
وما بالُ ركْنِ المجْدِ أمسى مُهَدَّما ... فقالا أُصِبْنا بابنِ يَحيى مُحمَّدِ
فقلتُ فهلاَّ مُتَّمَا عند موتهِ ... فقد كُنْتُما عبْدَيْه في كل مشْهِدِ
فقالا أَقَمنا كيْ نُعزَّى بفَقْدِه ... مسافةَ يومٍ ثم نَتْلُوه في غَدِ
стр. 267
فصل: في إنّ ومواقعها
واعلمْ أَنّ مما أَغمضَ الطريقَ إلى معرفة ما نحنُ بصدده، أَنَّ ههنا فروقاً خفيَّةً تَجهلُها العامَّةُ وكثيرٌ من الخاصة، ليس أَنَّهم يَجْهلونَها في موضعٍ ويَعْرفونها في آخرَ، بل لا يَدْرون أَنها هي، ولا يَعْلمونها في جملةٍ ولا تفْصيل. رُويَ عن ابن الأنباريِّ أَنه قال: ركبَ الكنْديُّ المتفلسِف إلى أبي العبّاس وقال له: إني لأَجِدُ في كلام العَرب حَشْواً، فقال له أبو العباس: في أيِّ موضع وجَدْتَ ذلك؟ فقال: أَجدُ العربَ يقولون: (عبدُ الله قائم)، ثم يقولون: (إنَّ عبدَ الله قائم)، ثم يقولون: (إنَّ عبدَ الله لقائمٌ): فالألفاظُ متكررةٌ والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفةٌ لاختلافِ الألفاظِ؛ فقولُهم: (عبدُ الله قائمٌ): إخبارٌ عن قيامه؛ وقولُهم: (إنَّ عبدَ الله قائمٌ): جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ؛ وقولُهم: (إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ): جوابٌ عن إنكار مُنْكِرٍ قيامَهُ. فقد تَكرَرَّت الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني. قال فما حارَ المتفلسِفُ جواباً. وإِذا كان الكنديُّ يذَهْبُ هذا عليهِ حتى يَرْكَبَ فيه ركُوبَ مستفهِمٍ أو معْترِضٍ، فما ظنُّكَ بالعامَّة ومَنْ هو في عداد العامَّة ممَّنْ لا يَخْطُرُ شبْهُ هذا بِبالِهِ.
واعلمْ أنَّ ههنا دقائقَ لو أنَّ الكنديَّ استقرى وتصفَّحَ وتَتَبَّع مواقِعَ "إنَّ"، ثم ألْطَفَ النظرَ وأكثرَ التدبُّرَ، لعَلِمَ عِلْمَ ضرورةٍ أنْ ليس سواءً دخولُها وأن لا تَدْخُلَ. فأوَّلُ ذلك وأعْجَبُه ما قدَّمتُ لك ذكْرَه في بيت بشار:
بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهَجيرِ ... إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التبكيرِ
وما أنشدتُه معه من قول بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ ... إنَّ غناءَ الإِبِلِ الحُداءُ
стр. 268
وذلك أنه هل شيءٌ أَبْينُ في الفائدةِ وأَدلّ على أنْ ليس سواءً دخولُها وأنْ لا تَدْخُلَ، مِنْ أنكَ ترى الجملةَ إذا هي دخلَتْ تَرتبِطُ بما قبْلَها وتأتلف معه، وتَتَّحدُ به، حتى كأنَّ الكلامَيْنِ قد أُفرِغا إفراغاً واحداً، وكأَن أحدَهُما قد سُبِكَ في الآخر؟ هذه هي الصورةُ، حتى إذا جئتَ إلى "إنَّ" فأسقطتَها، رأيتَ الثاني منهما قد نَبَا عن الأولِ وتجافى معناه عن معناه، ورأيْتَه لا يتَّصلُ به؛ ولا يكونُ منه بسبيلٍ حتى تجيءَ بـ (الفاء) فتقولَ: (بكِّرا صاحبيَّ قبل الهجيرِ فذاكَ النجاحُ في التبكير). و: (غنِّها وهي لك الفداءُ فغناء الإبل الحُداءُ). ثم لا ترَى (الفاء) تُعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألْفة وتَردُّ عليك الذي كنتَ تجِدُ بـ (إنَّ) من المعنى.
وهذا الضربُ كثيرٌ في التنزيل جداً. من ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]. وقولُه عزَّ اسْمُه: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [لقمان: ١٧]. وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ومن أبْيَن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقد يتكرَّرَ في الآية الواحدة، كقوله عزَّ اسمُه: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]. وهي عَلَى الجملة من الكَثْرة بحيثُ لا يُدركها الإحصاءُ.
стр. 269
ومِنْ خصائصها أَنك تَرى لِضميرِ الأمرِ والشأنِ معها، من الحُسْنِ واللطفِ، ما لا تَراه إذا هي لم تَدْخُل عليه، بل تراه لا يَصْلُحُ حيثُ يصْلُح إلاَّ بها، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، وقول: ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ﴾ [الأَنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧] ومن ذلك قوله: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦].
وأجاز أبو الحسن فيها وجْهاً آخرَ، وهو أنْ يكون الضميرُ في "إنها" (للأَبصار) أُضْمِرَتْ قبْلَ الذكْرِ على شَريطة التفسير. والحاجةُ في هذا الوجْه أيضاً إلى "أنَّ" قائمةٌ كما كانت في الوجه الأولِ. فإنه لا يُقال: (هي لا تَعْمى الأَبصار)، كما لا يقال: (هو مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرُ فإنَّ الله لا يُضيع). فإن قلتَ: أوَ ليسَ قد جاء ضميرُ الأمرِ مبتدأً به مُعرًّى مِن العوامل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]؟ قيل: "هو" وإنْ جاء ههنا، فإنه لا يكاد يُوجَدُ مع الجملة من الشَّرْط والجزاء، بل تَراه لا يجيءُ إلاَّ بـ (إنَّ). على أنهم قد أَجازوا في ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أنْ لا يكونَ الضميرُ للأَمر.
ومن لطيفِ ما جاء في هذا الباب ونادرِهِ، ما تَجدهُ في آخر هذه الأبياتِ التي أنْشدَها الجاحظُ لبعض الحجازيين [من الطويل]:
إذا طَمَعْ يوماً عرَاني قَرَيْتُهُ ... كتائبَ يأسٍ كرَّها وطِرادَها
أَكُدُّ ثِمَادي والمياهُ كثيرةٌ ... أُعالِجُ منها حفْرَها واكْتِدادَها
وأَرْضى بها من بحرِ آخرَ إنَّه ... هو الرّيُّ أن تَرْضَى النفوسُ ثِمادَها
المقصودُ قوله: إنه هو الرّيُّ؛ وذلك أن (الهاء) في (إنه) تحتمل أمرَيْن:
стр. 270
أحدُهما أن تكونَ ضميرَ الأَمْرِ ويكونَ قولُه "هو" ضميرُ "أن ترضى" وقد أُضمِر قبل الذكْر على شريطة التفسير. الأصل: إنَّ الأمرَ أن ترضى النفوسُ ثِمادَها، الرِّيُّ. ثم أُضمِر قبل الذكْرِ كما أُضمرِت "الأبصارُ" في "فإنها لا تَعْمَى الأبصار" على مذهب أبي الحسن، ثم أُتيَ بالمُفْسَّر مصرَّحاً به في آخر الكلام فعُلِمَ بذلك أن الضميرَ السابق له وأنَّه المراد به.
والثاني أن تكون (الهاء) في "إنه" ضميرَ "أن تَرْضى" قبل الذكْرِ، ويكون "هو" فَصْلاً ويكونُ أصْلُ الكلام: (إنَّ أنْ تَرضى النفوسُ ثِمادها هو الرِّيُّ)، ثُم أُضمِر على شريطةِ التفسير. وأَيَّ الأمَرْينِ كان، فإنه لا بدَّ فيه من "إِنَّ" ولا سبيل إلى إِسقاطها لأنَّكَ إنْ أسقطْتَها، أَفْضَى ذلكَ بكَ إلى شيءٍ شنيعٍ وهو أن تقولَ: (وأَرْضى بها من بحرِ آخرَ هو هو الريُّ أن تَرْضى النفوسُ ثِمَادَها).
هذا وفي "إنَّ" هذه شيءٌ آخرُ يُوجِبُ الحاجةَ إليها، وهو أَنها تَتولَّى من ربط الجملةِ بما قبْلَها نحواً مما ذكرتُ لك في بيت بشار. ألا ترى أَنك لو أَسقطْتَ "إنَّ" والضميرَيْنِ معاً، واقتصَرْتَ على ذكر ما يَبْقى من الكلام لم تَقلْهُ إلا (بالفاء) كقولك: (وأرضى بها من بحرِ آخرَ فالريُّ أن ترضَى النفوس ثِمادها)، فلو أنَّ الفيلسوفَ قد كان تَتَبَّع هذه المواضعَ لما ظن الذي ظنَّ.
هذا، وإذا كان خلَفُ الأحمرُ، وهو القدوةُ ومَنْ يُؤخذُ عنه، ومَن هُو بحيثُ يَقول الشعرَ فيَنْحَلُه الفحولَ الجاهليينَ، فيخَفْى ذلك له، يجوزُ أَنْ يَشْتبه ما نحن فيه عليه، حتى يقَعَ له أن يَنْتَقِد على بشَّار، فلا غرو أن تَدْخُلَ الشُّبهةُ في ذلك على الكندي.
ومما تَصنعُه "إنَّ" في الكلام، أنَّك تَراها تُهيِّيء النكِرةَ وتُصْلِحُها لأن يكونَ لها حكْمُ المبتدأ، أعنى أن تكونَ محدَّثاً عنها بحديثٍ من بعدها. ومثال ذلك قوله [من مخلَّع البسيط]:
إنَّ شِواءَ ونَشْوَةً ... وخَبَب البازلِ الأمُونِ
стр. 271
قد ترى حُسْنَا وصحَّةَ المعنى معها، ثم إنَّك إنْ جئتَ بها من غير "إنَّ" فقلت: (شواءٌ ونشوةٌ وخبَبُ البازلِ الأمونِ)، لم يكنْ كلاماً. فإنْ كانت النكرةُ موصوفةً وكانت لذلك تَصْلحُ أن يُبْتَدأ بها، فإِنك تراها مع "إِنَّ" أحْسَنَ، وترى المعنى حينئذٍ أَوْلى بالصحة وأمْكَنَ؛ أفلاَ تَرى إلى قوله [من الخفيف]:
إنًَّ دهْر يلفُّ شَملي بسُعدى ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ
ليس بخفيٍّ - وإنْ كان يستقيم أنْ تقول: (دهرٌ يلف شملي بسُعدى دهرٌ صالح) - أنْ ليسَ الحالانِ على سواء. وكذلك ليس بِخَفيِّ أَنَّك لو عمدت إِلى قولِه [من مجزوء الرمل]:
إِنَّ أمراً فادِحاً ... عن جَوابي شَغَلَكْ
فأسقطتَ منه "إِن"، لَعدِمْتَ منه الحسْنَ والطلاوةَ والتمكُّنَ الذي أنتَ واجِدُهُ الآنَ، ووجَدْتَ ضعفاً وفتوراً.
ومن تأثير "إنَّ" في الجملة، أنها تُغْني إذا كانت فيها، عن الخَبر في بعض الكلامِ؛ ووَضَعَ صاحبُ "الكتاب" في ذلك باباً فقال: هذا بابُ ما يَحْسُنُ عليه السكوتُ في الأحرُفِ الخمسة لإضمارِكَ ما يكونُ مستقرًّا لها وموضعاً لو أَظهرتَه. وليس هذا المُضْمَرُ بنفسِ المُظْهَر، وذلك "إنَّ مالاً وإنَّ ولداً وإنَّ عدداً" أي: إنَّ لَهُمْ مالاً؛ فالذي أضمرتَ هو: "لهم" ويقولُ الرجلُ للرَّجل: هلْ لكُم أَحدٌ، إنَّ الناسَ ألْبٌ عليكم؟ فتقول: إنَّ زيداً وإِنَّ عَمراً: أَي لنا. وقال [من المنسرح]:
إنَّ مَحَلاًّ وإنَّ مُرْتَحلاً ... وإنَّ في النفس إِنْ مَضَوْا مَهَلا
ويقول: (إنَّ غيرَها إبلاً وشاءً)، كأنه قال: (إنَّ لنا أو عندَنا غيرَها).
(قال) وانتصبَ (الإبلُ والشاءُ) كانتصاب الفارسِ إذا قلتَ: ما في الناس مثلَه فارساً. و (قال) ومثلُ ذلك قوله [من الرجز]:
يا ليت أيَّام الصِّبَا رواجعا
(قال) فهذا كقولهم: أَلاَ ماءً بارداً: كأنه قال: ألا ماءً لنا بارداً! وكأنه قال: "يا ليتَ أيام الصِّبا أقبلَتْ رَواجعا".
стр. 272
فقد أراك في هذا كلِّه أنَّ الخبرَ محذوف؛ وقد تَرى حُسْنَ الكلامِ وصحَّتَه مع حذفِه وترْكِ النطقِ به؛ ثم إنَّك إِنْ عمَدْتَ إلى "إِنَّ" فأسقطتَها وجدْتَ الذي كان حسُنَ من حذف الخبرِ، لا يَحْسُنُ أو لا يَسوغُ. فلو قلتَ: (مالٌ وعددٌ ومحلٌّ ومرتحلٌ وغيرُها إبلاً وشاءً): لم يكنْ شيئاً. وذلك أنَّ "إِنَّ" كانت السَّببَ في أنْ حَسُنَ حذفُ الذي حُذِفَ من الخَبر، وأنها حاضِنتُهُ والمترجِمُ عنه والمتكفِّلُ بشأنه.
واعلمْ أنَّ الذي قلنا في "إنَّ" من أنها تدخلُ على الجملة، من شأنها إذا هي أُسقطتْ منها أن يُحتاجَ فيها إلى (الفاء)، لا يَطِّردُ في كلِّ شيءٍ وكلِّ موضعٍ، بل يكونُ في موضعٍ دونَ موضعٍ، وفي حالٍ دون حالٍ، فإنك قد تَراها قد دَخَلتْ على الجملة ليستْ هي مما يقتضي (الفاء)، وذلك فيما لا يُحصى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥١ـ٥٢] وذاك أنَّ قبلَه: ﴿إِنَّ هاذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ومعلومٌ أنَّك لو قلتَ: (إنَّ هذا ما كنتُم به تمترون، فالمتَّقون في جناتٍ وعيون) لم يكنْ كلاماً. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولائك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأَنبياء: ١٠١] لأنَّك لو قلتَ: (لهمْ فيها زَفِيرٌ وهم فيها لا يسمعون، فالذين سبقت لهم من الحسنى): لم تَجِدْ لإدخالك (الفاء) فيه وجهاً. وكذا قولُه: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [الحج: ١٧] جملة في موضع الخبر، ودخولُ (الفاء) فيها محالٌ، لأنَّ الخبر لا يُعطَف على المبتدأ. ومثلُه سواءٌ ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠].
стр. 273
فإذنْ إنما يكونُ الذي ذكَرْنا في الجملة، من حديث اقتضاءِ (الفاء) إذا كان مصدرُها مصدرَ الكلام يُصحَّحُ به ما قبلَه ويُحْتَجُ له ويُبَيَّنُ وجهُ الفائدة فيه. ألاَ ترى أنَّ الغرضَ من قوله: (إنَّ ذاك النجاح في التبكير): جُلُّه أن يُبيِّن المعنى في قوله لصاحبيه "بَكِّرا" وأن يحْتجَّ لنفسه الأمر بالتكبير ويُبيَّنَ وَجْهَ الفائدة فيه. وكذلك الحكْم في الآي التي تَلَوْناها. فقولُه: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] بيانٌ للمعنى في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] ولِمَ أُمروا بأن يتقوا؛ وكذلك قولُه: ﴿إِنَّ صَلَواتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] بيانٌ للمعنى في أمر النبي ﷺ بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيلُ كلِّ ما أنتَ تَرى فيه الجملةَ يُحتاجُ فيها إلى (الفاء). فاعرفْ ذلك!
стр. 274
فأمَّا الذي ذُكر عن أبي العباس مِنْ جَعْله لها جوابَ سائلٍ، إذا كانتْ وحدَها، وجوابَ مُنْكِر إذا كان معها (اللام)، فالذي يدلُّ على أنَّ لها أصْلاً في الجواب، أنَّا رأيناهُمْ قد ألزمُوها الجملةَ من المبتدأ والخبر، إذا كانت جواباً للقَسَم نحو (والله إِنَّ زيداً مُنْطلِقٌ) وامتنعوا مِنْ أن يقولوا: (والله زيدٌ منطلق) ثم إنَّا إذا استقرَيْنا الكلامَ وجَدْنا الأمرَ بيِّناً في الكثير من مواقِعها أنه يُقصَدُ بها إلى الجواب، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ [الكهف: ٨٣ـ٨٤] وكقوله في أول السورة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٣] وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأَنعام: ٥٦] وقوله: ﴿وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين﴾ [الحجر: ٨٩] وأشباهِ ذلك مما يُعْلَم به أنَّه كلامٌ أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بأن يُجيبَ به الكفارَ في بعض ما جادَلوا وناظَروا فيه، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] وذاك أنه يَعْلم أنَّ المعنى: فأتياهُ، فإذا قال لكما: ما شأْنُكُما وما جاءَ بكُما وما تقولانِ؟ فقُولا: إنَّا رسولُ رَبِّ العالمين. وكذا قولُه: ﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ [الأعراف: ١٠٤]، هذا سبيلُهُ.
ومن البيِّن في ذلك قولُه تعالى في قصة السَّحَرة ﴿قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥]. وذلك لأنه عِيَانٌ أنه جوابُ فرعونَ عن قولِه ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. فهذا هو وجْهُ القول في نُصْرة هذه الحكايةِ.
стр. 275
ثم إنَّ الأصْلَ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليه البناءُ، هو الذي دُوِّن في الكتبِ من أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثَبَت ذلكَ، فإذا كان الخبرُ بأمْرٍ ليس للمخاطَبِ ظنٌّ في خلافه البتَّةَ، ولا يكونُ قد عقَدَ في نفسه أنَّ الذي تزعُم أَنه كائن، غيرُ كائنٍ، وأنَّ الذي تزعُم أنه لم يكن، كائنٌ، فأنتَ لا تحتاج هناك إلى "إنَّ" وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظَنُّ في الخلاف، وعقْدُ قلبٍ على نَفْى ما تُثْبِتُ أو إثباتِ ما تَنْفي. ولذلك تَراها تزدادُ حُسْناً إذا كان الخبرُ بأمر يَبْعُدُ مثْلُه في الظنِّ وبشيءٍ قد جرتْ عادةُ الناسِ بخلافِهِ، كقول أبي نُوَاس [من الرجز]: ... عليكَ باليأسِ منَ الناسِ ... إنَّ غِنى نَفْسِك في الياسِ
فقد تَرى حُسْنَ موقعِها، وكيف قبولُ النفس لها؛ وليس ذلك إلاَّ لأنَّ الغالِبَ على الناس أنهم لا يَحمِلون أنفسَهم على اليأس، ولا يدَعُونَ الرجاءَ والطمَعَ، ولا يعترفُ كلُّ أحدٍ ولا يُسلِّمُ أنَّ الغِنى في اليأس. فلمَّا كان كذلك، كان الموضعُ مَوْضعَ فقرٍ إلى التأكيدِ، فلذلك كان من حُسْنها ما تَرى. ومثلُه سواءٌ قولُ محمد بن وهيب [من الطويل]:
أجارَتَنا إنَّ التعفُّفَ بالياسِ ... وصَبْرٌ على استذرارِ دُنْيا بإبْساسِ
حَرِيَّانِ أنْ لا يَقْذِفا بمذلَّةٍ ... كريماً وأن لا يُخوجاه إلى الناسِ
أجارَتنا إنَّ القِداحَ كواذبٌ ... وأكْثرُ أسبابِ النجاحِ مع الياسِ
هو كما لا يخفى كلامٌ معَ مَنْ لا يَرى أنَ الأمْرَ كما قال، بل يُنْكِرهُ ويَعْتقد خلافَه. ومعلومٌ أنه لم يقلْه إلا والمرأةُ تَحْدوهُ وتبعثُه على التعرُّضِ للناس وعلى الطَّلبِ.
ومن لطيفِ مواقعِها، أنْ يُدَّعى على المخاطَب ظَنَّ لم يظنَّه، ولكنْ يُرادُ التهكُّم به وأنْ يقال: إنَ حالَكَ والذي صنَعْتَ، يَقْتضي أن تكون قد ظننْتَ ذلك ومثالُ ذلك قولُ الأول [من السريع]:
جاءَ شقيقٌ عارضاً رُمْحَه ... إنَّ بَني عَمِّكَ فيهمْ رِماحْ
стр. 276
يقول: إنَّ مجيئَه هكذا مُدِلاً بنَفْسِه وبشجاعَتِهِ، قد وضعَ رمْحَه عرضاً، دليلٌ على إعجابٍ شديدٍ، وعلى اعتقاد منه أنَّه لا يقومُ له أحدٌ، حتى كأنْ ليس مع أحدٍ منَّا رمحٌ يدفَعَهُ به، وكأنَّا كلَّنا عُزْلٌ. وإذا كان كذلك وَجَبَ إذا قيل إنها جوابُ سائلٍ، أنْ يُشْتَرَطَ فيه أنْ يكونَ للسائل ظنٌّ في المسؤولِ عنه، على خلاف ما أنتَ تُجيبُهُ به. فأمَّا أَنْ يُجْعل مجرَّدُ الجوابِ أصْلاً فيه فلا، لأنه يؤدي أن لا يَسْتقيم لنا إذا قال الرجل: (كيف زيد؟) أنْ تقولَ: (صالح). وإذا قال: (أين هو؟ أن تقول: في الدار). وأنْ لا يصحَّ حتى تقولَ: إنه صالحٌ وإنه في الدار. وذلك ما لا يقولُه أحَد. وأمَّا جعْلُها إذا جُمِعَ بينها وبين (اللام) نحو: (إنَّ عبدَ الله لقائم): الكلام مع المنكَّر، فجيِّدٌ، لأنه إذا كان الكلام مع المُنَكَّر، كانت الحاجةُ إلى التأكيد أشدَّ. وذلك أنَّك أحوجُ ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خَبَرِك إذا كان هناك مَنْ يَدْفعُه ويُنْكِر صحَّتَه. إلاَّ أنه يَنبغي أن يُعْلَم أنه، كما يكونُ للإنكارِ قد كان مِن السامعِ، فإنه يكونُ للإنكارِ يُعلمُ أو يُرَى أنه يَكونُ مِن السامعين.
وجملةُ الأمر أنك لا تقول: (إنه لكذلك)، حتى تُريدَ أن تَضَعَ كلامَكَ وضْعَ مَنْ يزَعُ فيه عن الإنكار.
стр. 277
واعْلَمْ أنها قد تَدْخلُ للدلالة على أنَّ الظنَّ قد كان منكَ أيها المتكلِّمُ في الذي كان، أنَّه لا يكون. وذلك قولُكَ لِلشيءِ، هو بمرأى من المُخاطَبِ ومَسْمع: (إنه كان من الأمْر ما تَرى وكان منِّي إلى فلانٍ إحسانٌ ومعروفٌ، ثم إنه جَعلً جَزائي ما رأيْت)، فتجعلُكَ كأنك تَردُّ على نفْسِك ظَنَّكَ الذي ظنَنْتَ، وتُبيِّنُ الخطأ الذي توهَّمْتَ؛ وعلى ذلك، واللهُ أعلمُ، قولُه تعالى حكايةً عن أُمِّ مريمَ ﵂ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]. وكذلك قولُه ، حكايةً عن نوحٍ ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧]. وليس الذي يَعْرِضُ بسببِ هذا الحرفِ من الدقائق والأُمور الخفيَّةِ بالشيء يُدْرَك بالهوينا. ونحن نَقْتصِر الآن على ما ذكَرْنا، ونأخذُ في القول عليها إذا اتصلت بها (ما).
стр. 278
باب القصر والاختصاص
فصل: في مسائل إنما
قال الشيخ أبو علي في الشيرازيَّات: يقولُ ناسٌ من النحويين في نحْو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، إنَّ المعنى: ما حَرَّمَ ربِّي إلاَّ الفواحش. (قال): وأصبتُ ما يدلُّ على صحة قولهم في هذا وهو قولُ الفرزدق [من الطويل]:
أنا الذائدُ الحامي الذِّمارَ وإنَّما ... يُدافِعُ عن أحسابِهِم أنا أوْ مِثْلِي
فليس يَخْلو هذا الكلامُ مِنْ أن يكونَ موجِباً أو مَنْفيّاً. فلو كان المرادُ به الإيجاب لم يَسْتقمْ. ألاَ ترى أنَّك لا تقول: (يُدافعُ أنا ولا يُقاتلُ أنا)، وإنما تقول: (أدافعُ وأُقاتل) إلاَّ أنَّ المعنى لمَّا كان: ما يُدافِعُ إلا أنا، فصَلْتَ الضميرَ كما تفصله مع النَّفي إذا ألحقتَ معه "إلاَّ" حَمْلاً على المعنى. وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم﴾ [البقرة: ١٧٣]: النصْبُ في "الميتة" هو القراءةُ. ويجوزُ: (إنما حُرِّمَ عليكم). قال أبو إسحاق: والذي اختارُه أن تكونَ (ما) هي التي تمنعُ "إنَّ" مِنَ العمل، ويكونُ المعنى: "ما حُرِّمَ عليكُم إلاَّ الميتةُ" لأنَّ (إنما) تأتي إثباتاً لما يُذْكَرُ بعدها ونَفْياً لِمَا سواه، وقول الشاعر:
وإنما يُدافع عن أحسابهم أنا أوْ مِثلي
المعنى: ما يُدافِع عن أحسابهم، إلا أنا أو مثلي. انتهى كلام أبي عليّ.
стр. 279
إعلمْ أنهم، وإنْ كان قد قالوا هذا الذي كتبتُه لك، فإنهم لم يَعْنُوا بذلك أنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأنَّ سبيلَهما سبيلُ اللفظَيْن يُوضَعان لمعنى واحد. وفرقٌ بينَ أنْ يكونَ في الشيء معنى الشيء، وبين أنْ يكونَ الشيءُ الشيءَ عَلَى الإطلاق. يُبيِّنُ لكَ أنهما لا يكونان سواءً أنه ليس كلُّ كلام يصلُحُ فيه (ما) و (إلاَّ) يصلح فيه (إنما). ألاَ تَرى أنها لا تَصْلُح في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إلاه إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٦٢]. ولا في نحو قولنا: (ما أحدٌ إلاَّ وهُو يقول ذاك). إذْ لوْ قلتَ: (إنما مِنْ إلهٍ الله، وإنما أحد وهو يقول ذاك): قلتَ ما لا يكون له معنى. فإن قلتَ: إن سبَب ذلك أنَّ (أحداً) لا يقع إلاَّ في النفي، وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأنَّ (مِنْ) المزيدة في (ما مِنْ إلهٍ إلا الله)، كذلك لا تكونُ إلاَّ في النفي، قيل: ففي هذا كفايةٌ؛ فإنه اعتراف بأنْ ليسا سواءً لأنهما لو كانا سواءً لكان ينبغي أن يكونَ في (إنما) مِنَ النفي مثلُ ما يكون في (ما) و (إلاَّ). وكما وجدتَ (إنما) لا تصلح فيما ذكرْنا تجدُ (ما وإلاَّ) لا تصْلُح في ضَرْبٍ من الكلام قد صلحتْ فيه (إنما)؛ وذلك في مثل قولك: (إنما هو دِرهمٌ لا دينارٌ). لو قلتَ: (ما هو إلاَّ درهمٌ لا دينارٌ): لم يكنْ شيئاً. وإذْ قد بانَ بهذه الجملة أنهم حينَ جعلوا (إنما) في معنى (ما وإلاَّ) لم يَعْنوا أنَّ المعنى فيهما واحدٌ على الإطلاق، وأن يُسْقطوا الفرْقَ، فإني أُبَيِّن لكَ أمرَهُما وما هو أصْلٌ في كل واحد منهما، بعَوْنِ اللهِ وتوفيقهِ!
إِعْلم أنَّ موضوعَ (إنما) على أن تجيءَ لخَبرٍ لا يَجهلُهُ المخاطَبُ، ولا يَدفعُ صِحَّتَه أو لِمَا يُنزَّلُ هذه المنزلةَ. تفسير ذلك أَنكَ تقولُ للرجل: (إنما هو هو أخوك وإنما هو صاحبك القديم)، لا تقولُه لِمَنْ يَجْهلُ ذلك ويدفَعُ صحَّتَه، ولكنْ لِمَن يَعْلَمُه ويُقِرُّ به. إلاَّ أنك تُريد أن تُنَبِّهَهُ للذي يجب عليه من حقِّ الأخ وحُرْمةِ الصاحبِ. ومثلُه قول الآخر [من الخفيف]:
إنما أنتَ والدٌ والأبُ القا ... طِعُ أحْنى مِنْ واصلِ الأولادِ
стр. 280
لم يُرد أن يُعْلِمَ كافوراً أنَّ والدٌ، ولا ذاكَ مما يحتاجُ كافورٌ فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أنْ يُذكِّرَهُ منه بالأمر المعلوم لينْبَني عليه استدعاءُ ما يُوجِبهُ، كونُهُ بمنزلةِ الوالدِ.
ومثلُ ذلك قولُهم: (إنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخْشَى الفَوْتَ) وذلكَ أنَّ مِن المعلوم الثابتِ في النفوس أنَّ مَنْ لم يَخْشَ الفوتَ، لَمْ يَعْجَل. ومِثالُه مِنَ التنزيلِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ﴾ [الأَنعام: ٣٦]. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر وَخشِيَ الرحمان بالغيب﴾ [يس: ١١] وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٣] كلُّ ذلك تذكيرٌ بأمرٍ ثابتٍ معلومٍ. وذلك أنَّ كلَّ عاقلٍ يَعْلَم أنَّه لا تكونُ استجابةٌ إلاَّ ممَّنْ يَسْمَعُ ويَعقلُ ما يقال له ويُدْعى إليه؛ وأن مَنْ لم يَسْمعْ ولم يعقِلْ، لم يَسْتجبْ؛ وكذلك معلومٌ أنَّ الإنذارَ إنما يكون إنذاراً، ويكون له تأثيرٌ إذا كان مع مَنْ يؤمِنُ بالله ويَخْشاهُ ويُصدِّقُ بالبعثِ والساعةِ. فأمَّا الكافرُ الجاهلُ فالإنذارُ وتَرْكُ الإنذار معه، واحدٌ. فهذا مثالُ ما الخبرُ فيهِ خبرٌ بأمر يعلمُه المخاطَبُ ولا يُنْكِرُه بحالٍ، وأمَّا مثالٌ ما يُنَزَّل هذه المنزلةَ، فكقوله [من الخفيف]:
إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِنَ اللَّـ ... ـهِ تجلَّتْ عن وجْهِهِ الظلْماءُ
ادَّعى في كونِ الممدوح بهذه الصفة أنَّه أمرٌ ظاهرٌ معلومٌ للجميع، على عادة الشعراء، إذا مدحوا أنْ يدَّعوا في الأوصاف التي يَذْكُرون بها الممدوحينَ أنها ثابتةٌ لهم، وأنهم قد شُهروا بها، وأنهم لم يَصِفوا إلاَّ بالمعلوم الظاهرِ الذي لا يَدْفعُه أحدٌ، كما قال [من الطويل]:
وتَعْذُلني أفناءُ سَعْدٍ عليهمُ ... وما قلْتُ إلاَّ بالذي علِمَتْ سَعْدُ
وكما قال البحتريُّ [من الكامل]:
لا أدَّعي لأبي العلاءِ فضيلةً ... حتَّى يُسَلِّمَها إليه عِدَاه
ومثلُه قولُهم: (إنما هو أسَدٌ وإنما هو نارٌ وإنما هو سيفٌ صارمٌ)، إذا أدخلوا (إنما) جعلوا ذلك في حُكْم الظاهر المعلومِ الذي لا يُنْكَر ولا يُدْفَع ولا يَخْفى.
стр. 281
فصل في النفي والإثبات
وأما الخبرُ بالنّفْي والإثباتِ نحو "ما هذا إلاَّ كذا وإنْ هو إلاَّ كذا"، فيكونُ للأمرِ يُنْكِرهُ المخاطَبُ ويَشُكُّ فيه. فإذا قلتَ: (ما هو إلاَّ مُصيبٌ، أو: ما هو إلا مُخْطَئ): قُلْتَه لِمَنْ يَدْفَع أنْ يكنَ الأمرُ على ما قلتَه. وإذا رأيتَ شخصاً مِنْ بعيدٍ فقلتَ: (ما هو إلا زيدٌ): لم تَقُلْه إلاَّ وصاحِبُك يَتوهَّم أنه ليس زيداً وأنه إنسانٌ آخر، ويجدُّ في الإنكارِ أن يكونَ زيداً. وإذا كان الأمرُ ظاهراً كالذي مضَى، لم تَقُلْه كذلك. فلا تقولُ للرجل تُرقِّقُه على أخيهِ وتُنَبِّهُهُ للذي يَجب عليه من صِلة الرَّحِم ومن حُسْن التحابِّ: (ما هو إلاَّ أخوك). وكذلك لا يَصْلُح في "إنما أنتَ والد": ما أنتَ إلاَّ والد. فأما نحو: "إنما مصعبٌ شهابٌ" فيَصلُحُ فيه أن تقول: (ما مصعبٌ إلاَّ شهابٌ)؛ لأنه ليس من المعلومِ على الصحَّة، وإنما ادَّعى الشاعرُ فيه أنَّه كذلك. وإذا كان هذا هكذا، جاز أنْ تقولَه بالني والإثبات. إلاَّ أنك تُخْرِجُ المدحَ حينئذٍ عن أن يكونَ على حَدِّ المبالغة، من حيث لا يكونُ قد ادَّعَيْتَ فيه أنه معلومٌ وأنه، بحيثُ لا يُنْكِره مُنْكِرٌ ولا يُخَالِفُ فيه مُخالِفٌ.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] إنما جاء - واللهُ أعلمُ - بـ (إنْ) و (إلاَّ) دون (إنما). فلم يَقُلْ: (إنما أنتُم بشرٌ مثلُنا)، لأنهم جعلوا الرسلَ كأنهم بادِّعائهم النبوَّة، قد أخرجوا أنفُسَهم عن أن يكونوا بَشَراً مثلَهم، وادَّعوا أمْراً لا يجوز أن يكَون لِمَنْ هو بشر.
стр. 282
ولمَّا كان الأمرُ كذلك، أُخرجَ اللفظُ مُخرَجَهُ حيثُ يراد إثباتُ أمرٍ يدفَعُه المخاطَبُ ويدَّعي خلافَه، ثم جاء الجوابُ من "الرسُل" الذي هو قولُه تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١]. كذلك بـ (إنْ وإلاَّ) دون (إنما)، لأنَّ مِنْ حُكْمِ مَنْ ادَّعى عليه خصْمُه الخلافَ في أمرٍ هو لا يُخالِفُ فيه، أن يُعيد، كلامَ الخصْمِ على وجهه، ويجيءَ به على هيئته ويَحْكيه كما هو.
فإذا قلت للرجل: (أنتَ مِنْ شأنِكَ كيتَ وكيتَ)، قال نعم: (أنا مَنْ شأني كيتَ وكيتَ ولكنْ لا ضَيْرَ عَلَيَّ ولا يلزَمُني مِنْ أجْلِ ذلك ما ظنَنْتُ أنه يلزَمُ)؛ فالرُّسُلُ صلوات اللهُ عليهم كأنهم قالوا، إنَّ ما قُلْتُم مِنْ أَنَّا بشرٌ مثلُكم كما قلتم، لَسْنا نُنْكِر ذلك، ولا نَجْهَلُه ولكنَّ ذلك لا يَمْنعُنا مِنْ أن يكون الله تعالى قد منَّ علينا وأكْرَمنا بالرسالة. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] فجاءنا بـ (إنما) لأنه ابتداءُ كلام قد أمر النبيُّ ﷺ بأن يُبلِّغه إيَّاهُم، ويقولَه معَهم، وليس هو جواباً لكلام سابقٍ قد قيل فيه: إنْ أنْتَ إلاَّ بشرٌ مثلُنا: فيجبُ أنْ يُؤْتى به على وفْقِ ذلك الكلامِ، ويراعى فيه حَذْوُه كما كان ذلك في الآية الأولى.
стр. 283
وجملةُ الأمرِ أنك متى رأيتَ شيئاً هو مِن المَعْلوم الذي لا يُشَكُّ فيه قد جاء بالنفي، فذلك لتقديرِ معنًى صارَ به في حُكْم المشكوكِ فيه. فمِنْ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور * إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢ـ٢٣]. إنما جاء - واللهُ أعلم - بالنفي والإثبات لأنه لمَّا قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور﴾ [فاطر: ٢٢] وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي ﷺ : إنك لن تستطيعَ أن تُحوِّل قلوبهم عما هي عليه من الإباء، لا تملك أن تُوقِعَ الإيمانَ في نفوسهم، مع إصرارهم على كُفرهم، واستمرارِهم على جَهْلِهم، وصدِّهم بأسماعهم عما تقولُه لهم وتَتْلُوه عليهم، كان اللائقُ بهذا أن يُجعَل حالُ النبيِّ ﷺ ، حالَ مَنْ قد ظَنَّ أنه يملكُ ذلك ومَنْ لا يَعْلَمُ يقيناً أنه ليس في وُسْعه شيءٌ أكثرُ من أن يُنْذِر ويُحَذِّر؛ فأخْرَجَ اللفظَ مُخْرَجَه إذا كان الخطابُ مع مَنْ يَشُكُّ فقيل: ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣]. ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تقولُ للرجل، يُطِيلُ مُناظَرةَ الجاهلِ ومقاولَتَهُ: (إنَّك لا تَستطيعُ أنْ تُسْمِعَ الميِّتَ وأنْ تُفْهِمَ الجمادَ وأن تحوِّلَ الأعمى بصيراً؛ وليس بيدِكَ إلاَّ أن تُبَيِّنَ وتحتجَّ، ولستَ تملكُ أكثرَ من ذلك). لا تقول ههنا: فإنما الذي بيدِك أنْ تُبَيِّنَ وتحتجَّ، ذلك لأنك لم تَقُلْ له: إنك لا تستطيع أنْ تُسْمِعَ الميتَ حتى جعلْتَه بمثابة مَنْ يَظُنُّ أنه يملك وراءَ الاحتجاجِ والبيانِ، شيئاً؛ وهذا واضحٌ فاعرفْه!
ومثلُ هذا، في أنَّ الذي تقدَّم من الكلام، اقتضى أن يكونَ اللفظُ كالذي تَراه من كَوْنه (بإنْ وإلاَّ)، قولُه تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِيَ السواء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
стр. 284
فصل: هذا بيان آخر في إنما
اعْلَمْ أنها تفيد في الكلام بَعْدَها، إيجابَ الفعلِ لشيءٍ ونَفْيَه عن غيرِه. فإذا قلْتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، عُقِلَ منه أنكَ أرَدْتَ أن تنفيَ أن يكونَ الجائي غيرَه. فمعنى الكلام معَها شبيهٌ بالمعنى في قولك: (جاءني زيدٌ لا عمرو)؛ إلا أنَّ لها مزيَّةً وهي أنَّك تَعْقِلُ معها إيجابَ الفعلِ لشيء ونفْيَه عن غيره دفعةً واحدةً وفي حالٍ واحدةٍ، وليس كذلك الأمرُ في: (جاءني زيد لا عمرو)؛ فإنك تَعْقلُهما في حالين. ومزيةً ثانية وهي أنها تَجْعلُ الأمرَ ظاهراً في أنَّ الجائي زيدٌ، ولا يكونُ هذا الظهورُ إذا جعلتَ الكلامَ بـ (لا) فقلْتَ: (جاءني زيدٌ لا عمرو).
"لا" العاطفة و "إنما"
ثم اعلمْ أنَّ قولَنا في (لا) العاطفةِ: إنها تنفي عن الثاني ما وَجَب للأولِ، ليس المرادُ به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شاركَ الأوَّلَ في الفعل، بل أنها تنفي أن يكونَ الفعلُ الذي قلتَ إنه كان من الأول، قد كان مِن الثاني دون الأولِ، ألا تَرى أنْ ليس المعنى في قولك: (جاءني زيدٌ ولا عمرو)، أنه لم يكُنْ مِن عمرو مجيءٌ إليك مثلُ ما كان من زيدٍ، حتى كأنه عكسُ قولك: (جاءني زيدٌ وعمرو)؛ بل المعنى أنَّ الجائي هو زيدٌ لا عمرو. فهو كلامٌ تقولُه مع مَن يَغْلط في الفعل، قد كان من هذا، فيتوَهَّم أنه كان من ذلك. والنكتةُ أنه لا شُبْهةَ في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنه ليس إلا جاءٍ واحدٌ. وإنما الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي زيدٌ أم عمرو، فأنتَ تُحقِّقُ على المخاطب بقولك: (جاءني زيد لا عمرو)، أنه زيدٌ وليس بعمروٍ. ونكتةٌ أخرى وهي أنك لا تقول: (جاءني زيدٌ لا عمرو)، حتى يكونَ قد بلغَ المخاطَبَ أنه كان مجيءٌ إليك من جاءٍ، إلاَّ أنه ظنَّ أنه كان مِنْ عمروٍ فأعلَمْتَه أنه لم يكْن مِنْ عمروٍ ولكنْ مِن زيدٍ.
стр. 285
وإذْ قد عرفْتَ هذه المعاني في الكلام بـ (لا) العاطفةِ، فاعلمْ أنها بجُملتها، قائمةٌ لك في الكلام بـ (إنما). فإذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، لم يكن غرَضُك أنْ تنفيَ أن يكون قد جاءَ مع زيد غيرُه، ولكنْ أن تنفيَ أن يكونَ المجيءُ الذي قلتَ إنه كان منه، كان من عمرو، وكذلك تكون الشبهةُ مرتفعةً في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنْ ليس إلا جاءٍ واحد، وإنما تكون الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي زيدٌ أم عمرو. فإذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ) حقَّقْتَ الأمرَ في أنه زيد. وكذلك لا تقول: (إنما جاءني زيد)، حتى يكونَ قد بلَغَ المخاطَب أنْ قد جاءك جاءٍ، ولكنَّه ظنَّ أنه عمرو مثلاً، فأعلَمْتَه أنه زيدٌ. فإن قلتَ: فإنه قد يصحُّ أنْ تقول: (إنما جاءني مِنْ بين القوم زيدٌ وحدَه وإنما أتاني مِنْ جملتهم عمروٌ فقط: فإنَّ ذلك شيءٌ كالتكلف، والكلامُ هو الأولُ. ثم الاعتبارُ به إذا أُطْلِقَ فَلَمْ يقيَّد بـ (وحده) وما في معناه. ومعلومٌ أنكَ إذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، ولم تَزدِ عَلَى ذلك، أنَّه لا يَسبقُ إلى القلب مِن المعنى إلاَّ ما قدَّمْنا شرْحَه مِنْ أنك أردْتَ النصَّ على زيد أنه الجائي وأن تُبْطِلَ ظنَّ المخاطَبِ أنَّ المجيء لم يكن منه، ولكنْ كان مِن عمرو، حَسَبَ ما يكونُ إذا قلت: جاءني زيدٌ لا عمرو: فاعرفْه.
النفي والإثبات بما وإلا
وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملة، فإنَّا نَذْكُر جملةً من القولِ في (ما) و (إلاَّ) وما يكونُ مِنْ حُكْمهما.
إِعلمْ أنك إذا قلتَ: (ما جاءني إلاَّ زيد). احتمل أمرين: أحدُهما أنْ تُريدَ اختصاصَ زيدٍ بالمجيء وأن تَنْفِيَه عمَّنْ عداه. وأنْ يكونَ كلاماً تقوله لا لأنَّ بالمخاطَب حاجةً إلى أن يعْلمَ أنَّ زيداً قد جاءك ولكنْ، لأنَّ به حاجةً إلى أن يَعْلم أنه لم يَجِئْ إليكَ غيرُه.
следующие страницы →