Полный текст (435 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فإنْ قلتَ: قد عَلِمْنا أنَّ علَّة دخولِ (الواو) على الجملة أن تَسْتأنِفَ الإثباتَ ولا تَصلَ المعنى الثاني بالأول في إثباتٍ واحدٍ، ولا تُنَزِّلَ الجملةَ منزلةَ المفردِ. ولكنْ بقي أن تعلَمَ لِمَ كان بعضُ الجمل، بأنْ يكون تَقديرُها تقديرَ المفرد في أن لا يُستأْنَفَ بها الإثبات، أوْلى مِنْ بعض؟ وما الذي منَعَ في قولكَ: (جاءني زيدٌ وهو يسرع أو وهو مسرع)، أن يَدخُلَ الإسراعُ في صلةِ المجيء ويُضَامَّه في الإثبات، كما كان ذلك حين قلتَ: (جاءني زيد يُسرع)؟ فالجوابُ أن السببَ في ذلك أَنَّ المعنى في قولك: (جاءني زيدٌ وهو يُسرعُ) على استئناف إثباتٍ للسرعة ولم يكن ذلك في "جاءني زيد يسرع"، وذلك أنكَ إذا أَعدْتَ ذكْر زَيدٍ، فجئْتَ بضميرِه المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أنْ تُعيدَ اسْمَه صريحاً فتقول "جاءني زيدٌ وزَيدٌ يسرع" في أنك لا تَجد سبيلاً إلى أن تُدخِلَ "يسرعُ في صلة المَجيء وتَضُمَّه إليه في الإثبات، وذلك أن إعادتك ذكْرَ زيدٍ لا يكون، حتى تَقْصدَ استئنافَ الخبر عنه، بأنه يُسرعُ، وحتى تَبتدئَ إثباتاً للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك تركْتَ المبتدأ الذي هو ضميرُ زيدٍ أو اسْمُه الظاهرُ بمَضِيعةٍ وجعَلْتَه لَغُواً في البَيْن، وجرى مجْرى أن تقول: (جاءني زيدٌ وعمرو يُسرع أمامه) ثم تزعُمُ أنك لم تستأنِفْ كلاماً ولم تبتدئ للسرعة إثباتاً وأنَّ حالَ "يُسْرعُ" ههنا حالُه إذا قلتَ: (جاءني زيد يسرع). فجعلْتَ السرعة له ولم تذكُرْ عَمراً، وذلك مُحال.
стр. 212
فإن قلتَ إنما استحال في قولك: (جاءني زيدٌ وعمرو يُسرعُ أمامَه)، أن تَرُدَّ "يُسرع" إلى زيد وتُنْزِله منزلةَ قولك: (جاءني زيدٌ يُسرع) من حيث كان في "يُسرع" ضميرٌ لعمرو، وَتَضَمُّنُهُ ضميرَ "عمرو" يَمْنع أن يكون لزيدٍ وأن يقدَّرَ حالاً له؛ وليس كذلك "جاءني زيد وهو يسرع" لأنَّ السرعة هناك لزيدٍ لا محالة؛ فكيف ساغ أن تَقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟ قيل: ليس المانعُ أن يكون "يُسرع" في قولك: (جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه). حالاً من زيد أنه فعل لعمرو، فإنك لو أخَّرْتَ عمراً فرفَعْتَه (بيُسرع) وأولَيْتَ "يُسرع" زيداً فقلتَ: (جاءني زيدٌ يُسرع عمروا أَمامَه) وجدتَه قد صلُح حالاً لزيدٍ مع أنه فعْلٌ لعمرو، وإنما المانعُ ما عرَّفْتُكَ مِنْ أنك تدَعُ عَمراً بمَضِيعةٍ، وتجيءُ به مبتدأً ثم لا تُعطيه خبراً. ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدِّي إلى أن يكون "يُسرع" قد اجتمعَ في موضعه النصْبُ والرفعُ، وذلك أنَّ جعْلَه حالاً من زيد، يَقتضي أن يكون في موضع نَصْبٍ، وجَعْلَه خبراً عن عمروٍ المرفوعِ بالابتداء، يقتضي أن يكون في موضع رفعٍ، وذلك بيِّنُ التدافعِ؛ ولا يجب هذا التدافعُ إذا أخَّرْتَ عمراً فقلْتَ: (جاءني زيدٌ يسرعُ عمرو أمامَه). لأنك ترفعُه بـ "يسرع" على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعراباً؛ فيقى مُفْرَغاً لأن يُقدَّرَ فيه النصْبُ على أنه حالٌ من زيدٍ، وجرى مجْرى أن تقول: (جاءني زيدٌ مسْرِعاً عمروٌ أَمامَه).
стр. 213
فإن قلتَ: فقد يَنبغي على هذا الأصل ألاَّ تجيءَ جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع (الواو)، وقد ذكرتُ قبْلُ أنَّ ذلك قد جاء في مواضعَ من كلامهم، فالجواب: أنَّ القياسَ والأصْلَ أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع (الواو) وأمَّا الذي جاء في ذلك فَسَبيلهُ سبيلُ الشيء يَخرجُ عن أَصْله وقياسِه والظاهرِ فيه بضربٍ من التأويل ونوعٍ من التشبيه. فقَولُهم "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ" إنما حَسُن بغير (واو) من أجْل أنَّ المعنى: كلَّمْتُهُ مشافِهاً له. وكذلك قولهم "رجعَ عَوْدُه على بَدْئه" إنما جاء الرفعُ فيه والابتداءُ من غير (واو) لأن المعنى رجَعَ ذاهباً في طريقه الذي جاء فيه. وأما قوله:
وجدتُه حاضراهُ الجودُ والكرمُ
فلأن تقديم الخَبر الذي هو "حاضراهُ" يَجعلُه كأنه قال: وجدته حاضراً عندَهُ الجودُ والكرمُ. وليس الحَمْلُ على المعنى وتَنزيلُ الشيء منزلةَ غيرِه، بعَزيزٍ في كلامهم، وقد قالوا: (زيدٌ أضرِبْه). فأجازوا أن يكون مثالُ الأمر، في موضع الخَبر، لأنَّ المعنى على النصب، نحو "اضربْ زيداً" ووضَعوا الجملةَ من المبتدأ والخبر موضعِ الفعل والفاعل، في نحو قوله تعالى: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ٩٣]. لأنَّ الأصْلَ في المعادلة أن تكون الثانية كالأُولى نحو "أدعَوْتموهم أم صَمَتُّمْ". ويدل على أن ليس مجيءُ الجملة من المبتدإ والخبر حالاً بغير (الواو) أصلاً قلَّتُهُ، وأنه لا يَجيءُ إلاَّ في الشيءِ بعد الشيءِ. هذا ويجوز أن يكونَ ما جاء مِن ذلك إنما جاء على إرادة (الواو) كما جاء الماضي على إرادة "قد".
واعلمْ أنَّ الوجْهَ فيما كان مثلَ قولِ بشار:
خرجْتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ
стр. 214
أنْ يُؤخذَ فيه بمذهبِ أبي الحَسنِ الأَخْفش فيُرفَعَ "سوادُ" بالظرف دون الابتداءِ، ويجري الظرفُ ههنا مجرْاه إذا جرَتِ الجملةُ صفةً على النكرة نحو "مررت برجل معه صقر صائداً به غداً"، وذلك أن صاحب الكتاب يُوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقر" بما في "معه" من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يُجْرِيَ الحالَ مَجْرى الصفةِ فيَرفعَ الظاهرَ بالظْرف، إذا هو جاء حالاً، فيكونَ ارتفاع "سَوادُ" بما في "عَلَيَّ" من معنى الفعل، لا بالإبتداءِ؛ ثم ينبغي أن يُقدَّر ههنا خصوصاً أن الظرفَ في تقدير اسم فاعلٍ، لا فعل، أعني أن يكونَ المعنى "خرجتُ كائناً عَلَيَّ سوادٌ وباقياً عَلَيَّ سواد" ولا يقدَّر: "يكونُ عَلَيَّ سوادٌ ويبقى عَلَيَّ سَوادُ"، اللهم إلا أنْ تُقدِّر فيه فعْلاً ماضياً مع "قد" كقولك: (خرجتُ مع البازي قدْ بقيَ عَلَيَّ سوادُ). والأولُ أظهر. وإذا تأملتَ الكلامَ وجدتَ الظرفَ وقَدْ وقَعَ مواقِعَ لا يستقيم فيها إلا أن يُقدَّر تقديرَ اسم فاعل؛ ولذلك قال أبو بكر بنُ السرَّاج في قولنا: (زيدٌ في الدار). إنك مُخيَّرٌ بَيْنَ أن تُقدِّرَ فيه فعلاً فتقولَ: (استقرَّ في الدار) وبين أَن تقدِّرَ اسمَ فاعلٍ فتقولَ: (مستقرٌّ في الدار). وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك (الواو) ظاهرةً وكان "سوادُ" في قوله: (خرجتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ)، بمنزلة ضاء الله في قوله [من الطويل]:
سأَغْسِلُ عني العارَ بالسيفِ جالباً ... عَلَيَّ قضاءَ الله ما كان جالبا
في كونِهِ اسماً ظاهراً قد ارتفع باسم فاعلٍ قد اعتمَدَ على ذي حالٍ، فعَمِلَ عَملَ الفِعْل. ويدلُّكَ على أن التقدير فيه ما ذكرتُ، وأنه من أجْل ذلك حَسُنَ، أنَّكَ تَقول: (جاءني زيد والسيف على كتفه وخرجَ والتاجُ عليه). فتَجِدُه لا يَحْسُن إلا (بالواو). وتعَلم أنَّكَ لو قلتَ: (جاءني زيدٌ السيفُ على كَتفه، وخرجَ التاجُ عليه). كان كلاماً نافراً لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلةِ قولِك: (جاءني وهو مُتقلِّدٌ سيفَه، وخرجَ وهو لابسٌ التاجَ، في أن المعنى على أنك استأنفْتَ كلاماً وابتدأْتَ إثباتاً، وأنك لم تُرِدْ: (جاءني كذلك)، ولكن "جاءني وهو كذلك" فاعرْفه!
стр. 215
القول في الفصل والوصل
فصل: الجمل في العطف وعدمه: ثلاثة
وإذْ قد عَرْفت هذه الأصولَ والقوانينَ في شأن فَصْل الجمل ووَصْلها، فاعلمْ أنَّا قد حصَلْنا من ذلك على أنَّ الجُمَل على ثلاثة أضرب:
١ - جملةٌ حالُها مع التي قبلَها، حالُ الصفةِ مع الموصوفِ، والتأكيدِ مع المؤكَّدِ، فلا يكون فيها العطفُ البتَّةَ، لِشبْهِ العَطْفِ فيها لو عُطِفَتْ، بعَطْفِ الشيء على نَفْسِه.
٢ - وجملة حالها مع التي قبْلها، حالُ الاسم يكونُ غيرَ الذي قَبْله، إلاَّ أَنه يُشارِكُهُ في حكْم، ويدخلُ معه في معنًى مثْلَ أن يكون كلا الاسْمَيْن فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فيكون حقُّها العطفَ.
٣ - وجملةٌ ليستْ في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبْلَها سبيلُ الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكونُ إيَّاه ولا مشارِكاً له في معنى بل هو شيءٌ إِنْ ذُكِرَ لم يُذْكَر إلا بأمرٍ يَنفردُ به، ويكونُ ذكْرُ الذي قبلَه وتَرْكُ الذكْر سواءً في حاله، لعدم التعلُّق بينَهُ وبينَهُ رأساً. وحقُّ هذا تَرْكُ العطفِ البتة، فَتْركُ العطفِ يكونُ إمَّا للاتصالِ إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية؛ والعطفُ لما هو واسطةٌ بين الأمرينِ، وكان له حالٌ بين حاليَنْ، فاعرفْه!
стр. 216
فصل: عطف الجملة على قبل ما يليها
هذا فنٌّ من القَول خاصُّ دقيقٌ. إعلَمْ أنَّ مما يَقِلُّ نظَرُ الناس فيه من أَمْر العطفِ، أنَّه قد يُؤْتى بالجملة فلا تُعْطَف على ما يَليها، ولكنْ تُعْطَفُ على جملةٍ، بينها وبين هذه التي تُعْطفُ جملةٌ أو جملتان؛ مثال ذلك قولُ المتنبي [من الوافر]:
تَولَّوْ بغْتَةً فكأَنَّ بيْناً ... تَهَيَّبني فَفاجَأَني اغْتيالا
فكانَ مَسِيرُ عِيسِهِمُ ذَميلاً ... وسيرُ الدمعِ إثْرَهُمُ انهمالا
قولُه "فكان مَسيرُ عيسهِم" معطوفٌ على "تولوا بغتة" دون ما يليه من قوله: (ففاجأني)، لأنَّا إن عطفناه على هذا الذي يليه، أفسَدْنا المعنى من حيثُ إنه يدخل في معنى (كأَنَّ) وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسيرُ عيسهِم حقيقةً، ويكون مُتَوهَّماً كما كان تهيُّبُ البينِ كذلك؛ وهذا أصْلٌ كبير؛ والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفةِ أخيراً وبين المعطوف عليها الأولى، تَرتبطُ في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى أنَّ قوله "فكأَنَّ بيناً تهيَّبني" مرتبط بقوله "تولوا بغتة"، وذلك أن الثانية مسبَّبٌ والأولى سبَبٌ؛ ألا ترَى أنَّ المعنى "تولوا بغتة فتوهمتُ أنَّ بيناً تهيبني؟ " ولا شك أنَّ هذا التوهُّم، كان بسببِ أن كان التوالِّي بغتةً. وإذا كان كذلك، كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتُها منها منزِلةَ المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة، من معمولات الفعل، مما لا يمكن إفرادُه على الجملة وأن يُتعدَّ كلاماً على حِدَته.
стр. 217
وههنا شيءٌ آخرُ دقيق، وهو أنَّك إذا نظرْتَ إلى قوله: (فكان مسير عيسهم ذميلا)، وجدْتَه لم يُعْطَف هو وحدَه على ما عُطِفَ عليه، ولكن تجدُ العطْفَ قد تناولَ جملة البيتِ مربوطاً آخرُه بأَوَّلِهِ. ألا تَرى أن الغرضَ من هذا الكلام، أن يَجْعل تولِّيهم بغتةً، وعلى الوجه الذي توهَّم من أجله أنَّ البينَ تهيَّبه مُسْتدعياً بكاءه وموجباً أنْ يَنْهملَ دمعُه؛ فلم يَعْنهِ أنْ يَذكُرَ ذَمَلانَ العيسِ إلا ليذكر هَمَلانَ الدمعِ، وأن يوفِّق بينهما. وكذلك الحكْمُ في الأول. فنحن وإن كنَّا قلْنا: إنَّ العطْفَ على "تولوا بغتة" فإنَّا لا نعني أن العطُفَ عليه وحده مقطوعاً عما بَعْدَه، بل العطفُ عليه مضموماً إليه ما بَعْدَه إلى آخره، وإِنما أردْنا بقولنا: "إِنَّ العطفَ عليه أن نُعْلِمكَ أنه الأصْلُ والقاعدة، وأن نَصْرفَك عن أن تَطْرَحَه، وتَجْعلَ العطْفَ على ما يلي هذا الذي تَعْطِفُه، فتزعم أنَّ قولَه: (فكان سيرُ عيسهم)، معطوفٌ على (فاجأني) فتَقعُ في الخطإ كالذي أرَيْناك. فأَمْرُ العطفِ إِذن موضوعٌ على أنك تَعْطِفُ تارةً جملةً على جملة وتَعْمِد، أخرى، إلى جملتين أو جملٍ فتعطفُ بعضاً على بعضٍ، ثم تعْطفُ مجموعَ هذي على مجموعِ تلكَ.
стр. 218
وينبغي أنْ يُجْعَل ما يُصْنَعُ في الشرط والجزاء من هذا المعنى، أصلاً يُعْتَبرُ به. وذلك أَنَّك تَرى متى شئتَ جملتين قد عُطِفتْ إحداهما على الأخرى، ثم جَعلْنا مجموعَهما شرْطاً؛ ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خطيائة أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١١٢]. الشرطُ كما لا يخفى: في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون الأخرى، لأنَّا إنْ قلنا: إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شَرْطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضَتا جَزَاءَيْن وليس معنا إلى جزاءٌ أحدٌ. وإِنْ قلْنا إنه في واحدة منهما دون الأُخرى، لزمَ منه إشراكُ ما ليس بشرطٍ في الجزم، بالشرط، وذلك ما لا يخفى فسَادُه. ثم إنَّا نعلم مِنْ طَريق المعنى، أنَّ الجزاء الذي هو احتمالُ البهتانِ والإِثمِ المبينِ، أمرٌ يتعلَّقُ إيجابُه لمجموع ما حصل من الجملتين؛ فليس هو لاكتساب الخطيئةِ على الانفرادِ، ولا لِرَمْي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل لِرمْي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان مِنَ الرامي، وكذلك الحكْمُ أبداً. فقوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ [النساء: ١٠٠] لم يُعلَّقِ الحكْمُ فيه بالهجرة على الانفراد، بل بها مقروناً إليها أنْ يُدرِكَهُ الموتُ عليها.
واعلمْ أنَّ سبيلَ الجملتين في هذا وجعْلَهما بمجموعهما، بمنزلةِ الجملةِ الواحدةِ، سبيلُ الجزءين تُعْقَدُ منهما الجملةُ، ثم تجعلُ المجموعَ خبراً، أو صفةً، أو حالاً، كقولك: (زيدٌ قام غلامُه، وزيدٌ أبوه كريمٌ، ومررْتُ برجلٍ أبوهُ كريمٌ، وجاءني زيدٌ يعدو به فرسُه). فكما يكون الخبرُ والصفةُ والحالُ، لا محالةَ في مجموع الجزْءَيْنِ لا في أحَدهما، كذلك يكون الشرْطُ في مجموع الجملتين لا في إحداهما. وإذا علمت ذلك في الشرط فاحْتذِه في العطف، فإنك تجده مثله سواءً.
стр. 219
ومما لا يكون العطْفُ فيه إلا على هذا الحَدِّ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين * وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٥٤ـ٥٥]. لو جرَيْتَ على الظاهرِ فجعَلْتَ كلَّ جملةٍ معطوفةً على ما يَليها منعَ منه المعنى، وذلك أنه يلزَمُ منهُ أن يكون قولُه "وما كنتَ ثاوياً في أهلِ مَدْين" معطوفاً على قوله "فتَطاولَ عليهم العمرُ"، وذلك يقْتَضي دخوله في معنى "لكنَّ"، ويصير كأنه قيل: (ولكنَّك ما كنتَ ثاوياً)، وذلك ما لا يَخْفى فسادُه. وإذا كان كذلك، بانَ منه أنه ينبغي أن يكون قد عُطِفَ مجموعُ "وما كنتَ ثاوياً في أهل مدين" إلى "مرسلين" على مجموع قوله: "وما كنتَ بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر" إلى قوله: "العُمُر".
فإن قلت: فهَلاَّ قدَّرْتَ أن يكون "وما كنتَ ثاوياً في أهل مدين" معطوفاً على "وما كنتَ من الشاهدين" دون أن تزعم أنه معطوفٌ عليه مضموماً إليه ما بعدَهُ إلى قوله "العمر"؟ قيل: لأنَّا إنْ قدَّرْنا ذلك وجبَ أن يُنوى به التقديمُ على قوله: (ولكنا أنشأْنا قروناً)، وأن يكون الترتيبُ (وما كنتَ بجانب الغربي إذْ قضَيْنا إلى موسى الأَمر، وما كنتَ من الشاهدين، وما كنتَ ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، ولكنا أنشأْنا قروناً فتطاول عليهم العمر، ولكنَّا كنا مرسلين): وفي ذلك إزالة (لكنَّ) عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه؛ ذاك لأنَّ سبيلَ (لكنَّ) سبيلُ (إلاَّ). فكَما لا يجوز أن تقولَ: (جاءني القومُ وخرَجَ أصحابُكَ إلا زيداً وإلا عمراً)، بِجَعْل "إلاَّ زيداً" استثناءً من (جاءني القوم) و "إلا عمراً" من (خرج أصحابُك)، كذلك لا يجوز أن تصنع مثلَ ذلك بـ (لكنَّ) فتقول: (ما جاءني زيد وما خرج عمرو ولكنَّ بكراً حاضرٌ ولكنَّ أخاك خارج)، فإذا لم يَجُزْ ذلك وكان تقديُركَ الذي زعمتَ يؤدِّي إليه، وجَبَ أن تَحْكُم بامتناعه، فاعرفْه!
هذا وإنما تَجوزُ نيَّةُ التأخير في شيءٍ، يَقْتضي له ذلكَ التأخيرَ مثلَ أَنَّ كونَ الاسم مفعولاً، يقتضي له أن يكون بعْدَ الفاعل؛ فإذا قُدِّمَ على الفاعل، نُويَ به التأخَيرُ. ومعنى (لكنَّ) في الآية، يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه. فكيفَ يجوز أن يُنْوى بها التأخيرُ عنه إلى موضع آخر؟
стр. 220
باب اللفظ والنظم
فصل
وغلَطُ الناسِ في هذا الباب كثيرٌ، فمِنْ ذلك أَنك تَجدُ كثيراً ممَّن يتكلَّمُ في شأن البلاغة، إذا ذكَر أنَّ للعربِ الفضلَ والمزيةَ في حسْنِ النظم والتأليف، وأنَّ لها في ذلك شأْواً لا يبلُغُه الدخلاءُ في كلامهم والمولَّدونَ، جعَلَ يُعلِّل ذلك بأن يقول: لا غرْوَ، فإنَّ اللغة لها بالطبع، ولنا بالتكلف؛ ولن يبلُغَ الدخيلُ في اللغاتِ والألسنةِ مبْلَغَ مَنْ نشأَ عليها، وبُدئ مِن أول خَلْقهِ بها، وأشباهِ هذا مما يُوهِمُ أنَّ المزية أَتتْها من جانب العِلْم باللغة؛ وهو خَطأٌ عظيمٌ وغلَطٌ منْكَرٌ يُفْضِي بقائله إلى رفْع الإعجازِ مِنْ حيثُ لا يَعْلَم. وذلك أنه لا يَثْبتُ إعجازٌ حتى تَثْبُتَ مزايا تَفُوقُ علومَ البشرِ وتَقْصُرُ قِوى نَظَرِهم عنها، ومعلوماتٌ ليس في مُنَنِ أفكارهم وخَواطرهم أَنْ تُفضَي بهم إليها، وأنْ تُطْلِعهَم عليها؛ وذلك محالٌ فيما كان علْماً باللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يحدُثَ في دلائل اللغة ما لم يتواضَعْ عليه أهلُ اللغةِ، وذلك ما لا يَخْفى امتناعُه على عاقلٍ.
стр. 221
واعلمْ أَنَّا لم نُوجِبْ المزيَّةَ من أجلِ العِلْم بأَنفُس الفُروق والوجوهِ فنَسْتنِدَ إلى اللغة، ولكنَّا أوجبْناها للعلم بمواضعها وما يَنْبغي أن يُصْنَع فيها؛ فليس الفضْلُ للعلم بأنَّ (الواو) للجمع و (الفاء) للتعقيب بغير تَراخٍ و "ثم" له بشرط التراخي و "إنْ" لكذا و "إذا" لكذا؛ ولكنْ لأَنْ يتأتَّى لكَ، إذاً نظَمْتَ وألَّفْتَ رسالةً، أنْ تُحْسِنَ التخيُّرَ وأن تَعْرِفَ لكلٍّ مِنْ ذلك مَوضِعَه، وأمرٌ آخرُ إذا تأمَّلهُ إنسانٌ أَنِفَ من حِكايةِ هذا القولِ، فضْلاً عن اعتقاده، وهو أنَّ المزية لو كانت تَجبُ من أجْلِ اللغة والعِلْم بأوضاعها وما أرادَهُ الواضعُ فيها، لكان يَنَبْغي أنْ لا تَجِبَ إلا بِمْثل الفرْقِ بين (الفاء) و (ثم) و (إنْ) و (إذا) وما أشبَهَ ذلك، مما يعبِّرُ عنه وضعٌ لغوي؛ فكانت لا تَجِبُ بالفصْل، وتَرْك العْطفِ، وبالحذْفِ والتكرارِ والتقديمِ والتأخيرِ وسائر ما هو هيئةٌ يُحْدِثُها لك التأليفُ، ويَقْتضيها الغَرضُ الذي تَؤُم والمعنى الذي تَقْصِد، وكان ينبغي أن لا تَجب المزيةُ بما يَبْتدِئه الشاعرُ والخطيبُ في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم يُسْتَعَر له، وأنْ لا تكون الفضيلةُ إلاَّ في استعارةٍ قد تُعورِفَتْ في كلام العربِ وكفى بذلك جَهْلاً. ولم يكنْ هذا الاشتباهُ وهذا الغَلطُ، إلاّ لأنَّه ليس في جملة الخفايا والمُشْكِلات أغربُ مَذْهباً في الغموض، ولا أَعْجَبُ شأناً من هذه التي نحنُ بصَدَدِها، ولا أَكثرُ تفلُّتاًَ من الفَهْم، وانسلالاً منها؛ وإنَّ الذي قاله العلماءُ والبلغاءُ في صفتها والإخبار عنها، رموزٌ لا يَفْهمُها إلاَّ مَنْ هو في مثْلِ حالِهمْ مِنْ لُطْفِ الطَّبْع، ومَنْ هو مُهَيَّأٌ لِفَهْم تلكَ الإشاراتِ، حتى كأنَّ تلك الطباعَ اللطيفةَ وتلكَ القرائحَ والأذهانَ، قد تواضعَتْ فيما بينها على ما سَبيلُه سبيلُ الترجمةِ يِتَواطأُ عليها قومٌ، فلا تَعْدوهُمْ ولا يعَرفُها مَنْ ليس منهم.
стр. 222
وليت شعري مِنْ أينَ، لِمَنْ لم يتْعَبْ في هذا الشأن، ولم يمارسْه ولم يوفرْ عنايَتَه عليه، أنْ يَنْظُرَ إلى قولِ الجاحظ وهو يَذْكُر إعجازَ القرآن: "وَلو أَنَّ رجلاً قرأَ على رَجُلٍ من خُطبائهم وبُلَغائهم، سورةً قصيرةً أو طويلةً، لَتبيَّنَ له في نظامها ومَخْرجها من لفظها وطابَعها، أنه عاجزٌ عن مِثْلها ولو تَحدَّى بها أبلَغَ العربِ، لأَظْهَر عجْزَه عنها"؛ وقولِه وهو يَذكُر رواةَ الأَخبار "ورأيتَ عامتَهم؛ فقد طالَتْ مشاهدتي لهم وهُم لا يقفون إلاَّ على الألفاظ المتخيَّرةِ، والمعاني المنتخَبة، والمخَارِج السهلةِ، والديباجة الكريمةِ، وعلى الطبع المتمكِّن، وعلى السَّبْك الجيِّد وعلى كل كلامٍ له ماءٌ ورَونَقٌ" وقولهِ في بَيْت الحُطَيئة [من الطويل]:
متَى تَأَتِهِ تَعْشُو إِلى ضَوْءِ نارِهِ ... تَجدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مَوْقِدِ
"وما كان ينبغي أن يُمدَح بهذا البيتِ إلاَّ مَنْ هو خيرُ أهل الأرضِ. على أَني لم أُعْجَب بمعناه أكثرَ من عَجَبي بلفظهِ وطَبْعه ونَحْته وسَبْكه" فيَفْهَمُ منه شيئاً أو يقفُ للطابَع والنظامِ والنحْتِ والسَّبْكِ والمَخَارجِ السَّهْلةِ على معنى، أو يَحْلى منه بشيءٍ، وكيف بأنْ يَعْرفه، ولربما خفيَ على كثيرٍ من أَهْله.
стр. 223
واعلمْ أنَّ الداءَ الدَّويَّ والذي أعيى أمرُهُ في هذا الباب، غَلطُ منْ قدَّمَ الشعرَ بمعناه، وأقلَّ الاحتفالَ باللفظ، وجعَلَ لا يُعطيهِ مِنَ المزيَّةِ - إنْ هو أَعطى - إلاَّ ما فَضَل عن المعنى، يقول: (ما في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلامُ إلا بمعناه)؟ فأنتَ تراه لا يُقدِّم شعراً حتى يكونَ قد أَوْدَعَ حكمةً وأَدباً، واشتمل على تشبيهٍ غريبٍ ومعنى نادر؛ فإنْ مالَ إلى اللفظ شيئاً ورأى أن ينحلَه بعضَ الفضيلةِ لم يَعِرفْ غيرَ الاستعارةِ، ثم لا يَنْظُر في حال تلك الاستعارةِ: أَحَسُنَتْ بمجرَّدِ كونِها استعارةً، أَمْ مِن أجْل فَرْقٍ ووَجْهٍ، أم للأمرَيْن؟ لا يحفلُ بهذا وشبهه. قد قَنَعَ بظواهر الأمورِ وبالجُمَل، وبأن يكون كَمَنْ يَجْلُبُ المتاعَ للبيع؛ إِنما همُّه أن يروج عنه. يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحْسَنَ أن يقول: أخذَهُ من فلان، وألمَّ فيه بقولِ كذا، قد استكمل الفضْلَ وبلغَ أقصى ما يرادُ.
стр. 224
واعلمْ أنَّا وإنْ كنَّا إذا اتَّبَعْنا العُرفَ والعادةَ، وما يَهْجسُ في الضمير، وما عليه العامَّةُ، أرانا ذلكَ أنَّ الصوابَ معهم، وأنَّ التعويلَ ينبغي أن يكون على المعنى، وأنَّه الذي لا يَسوغُ القولَ بخلافه، فإنَّ الأمرَ بالضدِّ إذا جئْنا إلى الحقائقِ وإلى ما عليه المحصِّلون، لأنَّا لا نَرى متقدِّماً في علم البلاغة، مبرِّزاً في شأوها، إلاَّ وهو يُنْكِرُ هذا الرأي وَيعيبُه ويُزْري على القائل به، وَيَغْضُّ منه. ومن ذلك ما رُويَ عن البحتري. رُويَ أن عُبَيْدَ الله بنَ عبدِ الله بن طاهرٍ سألَه عن مُسْلم وأبي نُوَاس، أيُّهما أشعر؟ فقال: أبو نُوَاس! فقال إنَّ أبا العباس ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من شأنَ ثَعْلَب وذويه مِن المتعاطين لعلم الشعر دُون عَمله، إنما يَعْلَمُ ذلك مَنْ دُفِع في سَلْكِ طريقِ الشعر إلى مُضَايِقه وانتهى إلى ضَروراته. وعن بعضِهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفتر شعر، فقال ما هذا؟ فقلتُ شعرَ الشنفرى، فقال: وإلى أينَ تَمْضي؟ فقلتُ: إلى أبي العباس أقرأه عليه، فقال: قد رأيتُ أَبا عبَّاسِكم هذا منذ أيامٍ، عند ابن ثَوَابة فما رأيتُه ناقداً للشعر، ولا مميزاً للألفاظ، ورأيتُه يَستجيد شيئاً ويُنشِدُه، وما هو بأَفضَلِ الشعر، فقلت له: أمَّا نَقْدُه وتَمييزُه فهذه صناعة أخرى، ولكنَّه أعرفُ الناس بإعرابه وغَريبهِ فما كان يُنشد؟ قال: قولَ الحارثِ بن وَعْلَة [من الكامل]:
قَومي هُمُ قَتلُوا، أُمَيمَ، أَخي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبني سَهْمي
فلِئنْ عفَوْتُ لأَعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولئنْ سَطَوْتُ لأُوهِيَنْ عَظْمي
فقلتُ: واللهِ ما أَنْشَد إلاَّ أحْسَن شَعرٍ في أحسنِ معنًى ولفظٍ: فقال: أَين الشعرُ الذي فيهِ عُروقُ الذهب؟ فقلتُ: مثْلُ ماذا؟ فقال: مثلُ قولِ أبي ذؤَاب [من الكامل]:
إنْ يَقْتلوكَ فقد ثَلَلْثَ عُروشَهُمْ ... بِعُتَيْبَةَ بنِ الحارثِ بِنِ شِهاب
بأَشَدِّهم كَلَباً على أَعدائهم ... وأعَزِّهِمْ فَقْداً على الأَصْحابِ
وفي مثل هذا قال الشاعر [من الطويل]:
زوامل للأشعار لا عِلْمَ عندهُمْ ... بجيِّدها إلاَّ كَعِلْم الأَباعِرِ
стр. 225
لعمرُكَ ما يدري البعَيرُ إذا غَدَا ... بأَوْسَاقِه أَوْ راحَ ما في الغرائرِ
وقال الآخر [من الخفيف]:
يا أبا جعفر تَحَكَّمُ في الشعْـ ... ـرِ وما فيكَ ألةُ الحُكَّامِ
إنَّ نَقْدَ الدينارِ إلاَّ على الصَّيْـ ... ـرَف صَعْبٌ فكَيْفَ نَقْدُ الكلام
قد رأيناكَ لسْتَ تَفْرُق في الأشْـ ... ـعارِ بَيْنَ الأَرْواحِ والأَجْسَامِ
واعلْمْ أَنَّهم لم يَعيبوا تقديمَ الكلام بمعناه، من حيثُ جَهِلوا أنَّ المعنى إذا كان أدباً وحكْمةً وكان غَريباً نادراً، فهو أَشَرَفُ مما ليس كذلك، بل عابوه مِن حيثُ كان مِنْ حُكْمِ مَنْ قَضى في جنسٍ من الأجناس بفَضْلٍ أو نقصٍ أنْ لا يَعْتبرَ في قَضِيَّتِهِ تلك، إلاَّ الأوصافَ التي تَخصُّ ذلك الجنسَ، وتَرْجعُ إلى حقيقته، وأن لا يَنْظَرَ فيها إلى جنسٍ آخر، وإنْ كان من الأوَّل بسبيلٍ أو متصلاً به اتصالَ ما لا ينفك منه. ومعلومٌ أنَّ سبيلَ الكلام سبيلُ التصوير والصياغةِ، وأنَّ سبيلَ المعنى الذي يُعَبَّرُ عنه، سبيلُ الشيء الذي يقعُ التصويرُ والصَّوْغُ فيه، كالفضة والذهب يُصاغ منهما خاتَمٌ أو سوارٌ. فكما أنَّ مُحالاً إِذا أنتَ أردْتَ النظرَ في صَوْغَ الخاتَم وفي جودةِ العملُ ورداءتهِ، أن تَنْظُرَ إلى الفضة الحاملةِ لتلكَ الصورة، أو الذهبِ الَذي وقعَ فيه العملُ وتلكَ الصنعةُ - كذلك مُحالٌ إذا أردتَ أن تَعرف مكانَ الفضلِ والمزيةِ في الكلام، أن تَنظُرَ في مجرَّد معناه. وكما أنَّا لو فضَّلْنا خاتَماً على خاتمٍ بأن تكونَ فضةُ هذا أجودَ، أو فَصُّه أنفسَ، لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيثُ هو خاتمَ، كذلك ينبغي إذا فضَّلنا بيتاً على بيتٍ من أجل معناه أن لا يكون تفضيلاً له من حيث هو شِعرٌ وكلامِ، وهذا قاطعٌ فاعرفْه!.
стр. 226
واعلمْ أَنك لستَ تنظرُ في كتابٍ صُنِّفَ في شأنِ البلاغةِ، وكلام جاء عن القدماء، إلاَّ وجدْتَه يَدلُّ على فساد هذا المذهب، ورأيتَهُمْ يَتشدَّدُون في إنكاره وَعْيبه والعَيْبِ به. وإذا نظرتَ في كتب الجاحظَ وجدتَه يبلغ في ذلك كلَّ مبلغ ويتشدَّد غايةَ التشدُّد، وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العِلْم بالمعاني مشتركاً وسوَّى فيه بين الخاصَّة والعامَّة فقال: "ورأيتُ ناساً يُبَهرِجونَ أشعارَ المولَّدينَ ويَستَسْقطون مَنْ رَواها، ولم أرَ ذلكَ قطُّ إلاَّ في روايةِ غير بَصيرٍ بجوهَر ما يُرْوَى، ولو كان له بَصرٌ لَعَرف موضِعَ الجيِّد ممَّن كان وفي أيِّ زمان كان. وأنا سمعتُ أبا عمرو الشيباني، وقد بلغَ من استجادته لهذين البيتينِ، ونحنُ في المسجد الجامع يومَ الجمعة، أن كلَّفَ رجلاً حتى أَحضرَهُ قرطاساً ودواةً حتى كتَبَهما. قال الجاحظ: وأنا أَزعمُ أن صاحبَ هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً، ولولا أنْ أَدخَلَ في الحكومةِ بعضَ الغَيْبِ، لزعمتُ أنَّ ابنَه لا يقول الشعر أيضاً، وهما قوله [من السريع]:
لا تحسبنَّ الموتَ موْتَ البلى ... وإنَّما الموتُ سؤالُ الرجالْ
كلاهما موتٌ ولكنَّ ذا ... أَشَدُّ من ذاكَ على كُلِّ حالْ"
ثم قال: "وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني والمعاني مطروحةٌ في الطريق، يَعْرفُها العجميُّ والعربيُّ، والقرويُّ والبدويُّ، وإنما الشأنُ في إقامة الوزنِ، وتَخيّر اللفظِ، وسهولَة المَخْرج، وصحَّةِ الطَّبْعِ، وكَثْرةِ الماءِ، وجودةِ السَّبْك، وإنما الشِّعرُ صياغةٌ وضربٌ من التصوير". فقد تَراهُ كيفَ أَسْقَطَ أمرَ المعاني وأبَى أن يَجِبَ لها فضْلٌ فقال: (وهي مطروحة في الطريق) ثم قال: (وأنا أزعمُ أنَّ صاحبَ هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً)، فأعْلَمَكَ أنَّ فَضْلَ الشعر بلفظِه، لا بمعناهُ، وأنه إذا عَدِمَ الحُسْنَ في لفظه ونَظْمه، لم يستحقَّ هذا الاسمَ بالحقيقة. وأعاد طَرَفاً من هذا الحديث في (البيان) فقال:
стр. 227
"ولقد رأيتُ أبا عمر والشيبانيَّ يكتبُ أشعاراً من أفواه جلسائه، ليُدخِلَها في باب التحفُّظ والتذكُّر، وربما خيِّل إليَّ أنَّ أبناء أولئك الشعراءِ لا يستطيعون أبداً أن يقولوا شعراً جيداً لمكان أعراقهم من أولئك الآباء: (ثم قال) ولولا أنْ أكونَ عيَّاباً ثُمَّ للعلماء خاصة، لصورتُ لك بعضَ ما سمعتُ من أبي عبيدة. ومَن هو أبعدُ في وهْمك من أبي عبيدة؟ "
واعلمْ أَنهم لم يَبْلغوا في إنكار هذا المذهبِ ما بلَغوه إلاَّ لأنَّ الخطأَ فيه عظيمٌ وأنه يُفْضي بصاحبه إلى أن يُنْكِر الإعجازَ ويُبْطِلَ التحدِّي من حيثُ لا يَشعر، وذلك أنه إنْ كان العملُ على ما يَذهبون إليه من أنْ لا يَجِبَ فضلٌ ومزيةٌ إلاَّ من جانب المعنى، وحتى يكونَ قد قال حكمةً أو أدباً، واستخرجَ معنًى غريباً أو شبيهاً نادراً، فقد وَجَب اطِّراحُ جميعِ ما قالَه الناسُ في الفصاحة والبلاغة، وفي شأنِ النظم والتأليف، وبَطَلَ أنْ يجِبَ بالنظم فضْلٌ وأن تَدْخُلَه المزيةُ وأن تتفاوتَ فيه المنازلُ. وإذا بطَلَ ذلك، فقد بطَل أن يكَون في الكلام مُعْجِزٌ وصار الأمرُ إلى ما يقولُه اليهودُ، ومَنْ قال بمثْلِ مقَالِهم في هذا الباب ودخلَ في مثل تلك الجَهالات، ونَعُوذ بالله من العَمَى بعْدَ الإبصار!
стр. 228
فصل منه
لا يكونُ لإحدى العبارتين مزيةٌ عَلَى الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثيرٌ لا يكونُ لصاحبتها، فإن قلتَ: فإذا أفادتْ هذه ما لا تُفيدُ تلكَ، فليسَتا عبارتَيْنِ عن معنى واحدٍ، بل هما عبارتان عن معنَيَيْن اثنينِ، قيل لكَ: إنَّ قولَنا "المعنى" في مثل هذا، يُرادُ به الغرضُ. والذي أرادَ المتكلمُ أن يُثْبته أو يَنْفِيَه نَحْو أن تَقْصد تشبيه الرجل بالأسد، فتقولَ: (زيدٌ كالأسد). ثم تريدُ هذا المعنى بعينهِ فتقولُ: (كأن زيداً الأسدُ). فتُفيدُ تشبيهَهُ أيضاً بالأَسد، إلاَّ أنك تَزيدُ في معنى تشبيهِهِ به، زيادةً لم تَكُنْ في الأول، وهي أنْ تَجعله من فَرْط شَجاعته وقوةِ قَلْبه، وأنه لا يَرُوعُه شيءٌ بحيث لا يتَميَّزُ عن الأسد، ولا يُقَصِّر عنه، حتى يتوَّهم أنه أسدٌ في صورة آدميٍّ. وإذا كان هذا كذلك، فانظرْ هل كانت هذه الزيادةُ وهذا الفرقُ إلاَّ بما تُوَخِّيَ في نظم اللفظِ وترتيبهِ حيثَ قُدِّم (الكافُ) إلى صدرِ الكلام ورُكِّبتْ مع "أنَّ". وإذا لم يكنْ إلى الشكِّ سبيلٌ أنَّ ذلكَ كان بالنظم، فاجعلْه العِبْرَة في الكلام كلِّه وَرُضْ نَفْسَك على تفهُّم ذلك وتَتبُّعه، واجعلْ فيها أنك تُزالُ منه أمْراً عظيماً لاَ يُقادَرُ قَدْرُه، وتَدخُلُ في بحرٍ عميق لا يُدْرَك قعرُه!
стр. 229
فصل: هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام
قد عُلِمَ أنَّ المُعارِضَ للكلام، معارِضٌ له مِنَ الجهة التي منها يوصفُ بأنه فَصيحٌ وبَليغٌ، ومتخيَّر اللفظُ، جيدُ السبْكِ ونحوُ ذلك من الأوصافِ التي نَسَبُوها إلى اللفظ. وإذا كان هذا هكذا، فبِنا أنْ نَنْظرَ، فيما إذا أُتيَ به كان معارضاً، ما هو؟ أهو أنْ يجيءَ بلفظٍ فيضعَه مكانَ لفظٍ آخرَ، نحو أنْ يقولَ: بدلَ "أسد" "ليث" وبدل "بَعُدَ" "نأى" ومكان "قرُبَ" "دنا"، أمْ ذلك ما لا يذهبُ إليه عاقلٌ ولا يقولُه مَنْ به طَرْقٌ؟ كيفَ، ولَوْ كان ذلك معارَضةً لكان الناسُ لا يَفصلِون بين الترجمةِ والمعارَضَة، ولكان كلُّ مَنْ فَسَّرَ كلاماً، معارِضاً له؟ وإذا بطَل أن يكون جهةً للمعارَضَة وأن يكون الواضِعُ نفسُه في هذه المنزلة معارضاً على وجهٍ من الوجوهِ، علمتَ أنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ وسائرَ ما يجري في طريقهما، أوصافٌ راجعةٌ إلى المعاني وإلى ما يُدَلُّ عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفُسِها، لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظُ، وكان لا يُعْقَل تعارضٌ في الألفاظ المجرَّدة إلا ما ذكرتُ، لم يَبْقَ إلا أنْ تكونَ المعارضةُ معارضةً من جهةٍ تَرجعُ إلى معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضةُ إلى جهة المعنى وكان الكلامُ يعارَض من حيث هو فَصيحٌ وبليغٌ ومُتخيَّرُ اللفظِ، حصَلَ من ذلك أنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ وتخيرَ اللفظ، عبارةٌ عن خصائصَ ووجوهٍ تكون معاني الكلام عليها، وعن زياداتٍ تَحْدثُ في أصول المعاني كالذي أريتُكَ فيما بين "زيدً كالأسد" و "كأنَّ زيداً الأسدُ" وأنْ لا نَصيبَ للألفاظِ من حيث هي ألفاظٌ فيها بوجهٍ من الوُجوه.
стр. 230
واعلمْ أنك لا تَشْفي العلَّةَ ولا تنْتهي إلى ثلجِ اليقين، حتى تتجاوزَ حدَّ العلم بالشيء مجْملاً إلى العِلْم به مفصَّلاً، وحتى لا يُقْنِعَك إلا النظرُ في زواياه والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمَنْ تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعهَ وانتهى في البحث عن جوهرِ العُود الذي يُصْنَع فيه، إلى أنْ يعْرِفَ منْبِتَه ومجرى عُروقِ الشجر الذي هو منه. وإنَّا لنراهم يقيسونَ الكلام في معنى المعارَضة، على الأعمالِ الصناعيةِ كنَسْج الديباجِ وصَوْغِ الشَّنْفِ والسِّوَار وأنواعِ ما يُصاغُ، وكلِّ ما هو صَنْعةٌ وعملُ يَدٍِ بعد أن يَبلُغَ مبلغاًً يقعُ التفاضُلُ فيه، ثم يَعظُم حتى يَزيدَ فيه الصانعُ على الصانِع زيادةً يكون له بها صيتٌ ويدخُلُ في حدِّ ما يَعْجَزُ عنه الأكثرونَ.
стр. 231
وهذا القياسُ وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً، وكالشيءِ المركوز في الطباع، حتى ترَى العامَّةَ فيه كالخاصَّة، فإنَّ فيه أمراً يجبُ العلمُ به، وهو أنه يُتصوَّر أن يَبْدأ هذا فيَعْمل ديباجاً، ويُبْدِعَ في نقشِه وتصويره، فيجيءُ آخرُ ويَعْمل ديباجاً آخر مثْلَه في نقْشهِ وهيئتِه وجملةِ صفته، حتى لا يَفْصِلَ الرائي بينهما، ولا يقَعَ لمن لم يَعْرِفْ القصةَ ولم يَخْبُر الحالَ، إلا أنهما صنعةُ رجلٍ واحد وخارجان من تحت يدٍ واحدة؛ وهكذا الحكْم في سائر المصنوعاتِ كالسِّوار يَصوغُه هذا، ويجيءُ ذاكَ فيَعْملُ سواراً مثله ويؤدِّي صنْعَتَه كما هي، حتى لا يُغادِرَ منها شيئاً البتَّةَ؛ وليس يُتَصوَّر مثلُ ذلك في الكلام، لأنه لا سبيلَ إلى أن تجيء إلى معنى بيتٍ من الشعرٍ أو فْصِلٍ من النثرِ فتؤدِّيَهُ بعينهِ وعلى خاصِّيَّتهِ وصَنْعَتهِ، بعبارة أخرى، حتى يكونَ المفهومُ مِن هذه هو المفهومُ مِن تلك، لا يُخالِفُه في صِفَةٍ ولا وَجْهٍ ولا أمرٍ من الأُمور، ولا يَغُرَّنَّكَ قولُ الناس: (قد أتى بالمعنى بعينِه وأخَذَ معنى كلامِهِ فأَدَّاهُ على وجههِ)؛ فإنه تَسَامحٌ منهم؛ والمرادُ أنه أدَّى الغرَضَ فأمَّا أن يؤدِّيَ المعنى بعينهِ على الوجْه الذي يكونُ عليه في كلام الأول، حتى لا تَعْقِلَ ههنا إلا ما عقَلْتَه هناك، وحتى يكونَ حالُهما في نفْسِك حال الصورَتَيْنِ المشتبهتَيْنِ في عينك، كالسوارَيْن والشَّنْفَيْن، ففي غاية الإحالة، وظنٌّ يُفضي بصاحبه إلى جهالةٍ عظيمةٍ وهي أن تكون الألفاظُ مختلفةَ المعاني إذا فُرِّقتْ، ومتَّفِقَتهَا إذا جُمِعَتْ وأُلِّفَ منها كلامٌ؛ وذلك أنْ ليسَ كلامُنا فيما يُفْهَمُ من لفظتينِ مفردَتْين نحو "قعدَ وجلَسَ" ولكن فيما فُهم من مجموع كلامٍ، ومجموعِ كلامٍ آخرَ. نحو أن تنظر في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقولِ الناس: (قتلُ البعضِ إحياءٌ للجميع): فإنه وإنْ كان قد جرَتْ عادةُ الناسِ بأن يقولوا في مثل هذا إنهما عبارتان معبَّرُهما واحدٌ، فليس هذا القولُ قولاً يمكنُ الأخذُ بظاهرِهِ أوْ يَقَعُ لعاقلٍ شكٌّ أنْ ليس المفهومُ مِن أحدِ الكلامين المفهوم من الآخر.
стр. 232
فصل
الكلامُ على ضَرْبين: ضربٌ أنتَ تَصِلُ منه إلى الغَرضِ بدلالةِ اللفظِ وحدَه، وذلك إذا قصَدْتَ أن تُخْبِر عن زيد مثلاً "بالخروج" على الحقيقة، فقلتَ: (خرج زيدٌ): و "بالانطلاقِ" عن عمرو، فقلتَ: (عمروٌ منطلِقٌ)؛ وعلى هذا القياسِ. وضربٌ آخر أنتَ لا تصِلُ منه إلى الغرضِ بدلالة اللفظِ وحدَه، ولكنْ يدلُّكَ اللفظُ على معناه الذي يَقْتضيه موضوعُهُ في اللغة، ثم تَجدُ لذلك المعنى دلالةً ثانيةً تَصِلُ بها إلى الغَرَض، ومَدارُ هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل. وقد مضتِ الأمثلةُ فيها مشروحة مستقصاة؛ أوَ لا تَرى أنكَ إذا قلْتَ: (هو كثيرُ رمادِ القِدْر)، أو قلتَ: (طويلُ النجاد)، أو قلتَ في المرأةِ: (نَؤُومُ الضحى) فإنَّكَ في جميع ذلك لا تُفيدُ غرضَك الذي تعني مِنْ مجردِ اللفظ، ولكنْ يَدلُّ اللفظُ على معناه الذي يُوجِبُهُ ظاهرهُ، ثم يَعْقِلُ السامعُ من ذلك المعنى، على سبيلِ الاستدلالِ، معنًى ثانياً هو غَرَضُك، كمعرفتِكَ مِنْ (كثير رماد القدر) أنه مضيافٌ، ومن (طويل النِّجاد) أنه طويلُ القامة، ومن (نؤوم الضحى) في المرأة، أنها مُتْرفَةٌ مخدومةٌ لها - مَنْ يكفيها أَمْرَها. وكذا إذا قال: (رأيتُ أسداً) - ودلَّكَ الحالُ على أنه لم يُرِدِ السبعَ - علمتَ أنه أرادَ التشبيهَ، إِلا أنَّه بالغَ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميِّزُ عن الأسَد في شجاعته. وكذلك تعلم من قوله: (بَلَغَني أنك تُقَدِّمُ رِجْلاً وترخِّر أَخرى)، أنَّه أراد التردُّدَ في أمر البَيْعة واختلاف العَزْم في الفعل وتَرْكِه، على ما مضى الشرحُ فيه.
وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملة، فهاهنا عبارةٌ مختصرةٌ وهي: أن تَقولَ المعنى ومعنى المعنى. تَعنى بـ "المعنى" المفهومَ من ظاهر اللفظ، والذي تَصِلُ إليه بغير واسطةٍ. وبـ "معنى المعنى" أن تَعْقِل من اللفظ معنًى ثم يُفضي بكَ ذلك المعنى إلى معنى آخر كالذي فسَّرْتُ لك.
стр. 233
وإذْ قد عرفتَ ذلك، فإذا رأيتَهم يجعلونَ الألفاظَ زينةً للمعاني وحِلْيةً عليها، ويجعلون المعاني كالجواري، والألفاظَ كالمعارض لها وكالوشي المحبَّر واللباس الفاخرِ، والكُسْوة الرائقة، إلى أشباه ذلك مما يُفخِّمون به أمرَ اللفظِ ويجعلون المعنى ينْبُلُ ويِشْرُفُ، فاعلمْ أنهم يَضَعونَ كلاماً قد يُفخِّمون به أمرَ اللفظِ ويجعلون المعنى، أعطاكَ المتكلمُ أغراضَه فيهِ مِنْ طريقِ "معنى المعنى"، فكنَّى، وعرَّضَ، ومثَّل، واستعار، ثم أحْسَنَ، في ذلك كلِّه، وأصابَ ووضعَ كلَّ شيءٍ منه في موضعِهِ، وأصابَ به شاكلته؛ وعمَد فيما كنَّى به، وشبَّهَ ومثَّلَ لما حسُنَ مأخذُه ودَقَّ مسلَكُه ولطُفَتْ إشارتُه، وأن المِعْرَضَ وما في معناه، ليس هو اللَفْظَ المنطوقَ به، ولكنْ معنى اللفظِ الذي دَلَلْتَ به على المعنى الثاني كمعنى قوله [من الوافر]:
... ... ... ... ... ... ... فإني ... جبانُ الكَلْبِ مهزولُ الفصيلِ
الذي هو دليلٌ على أنه مِضْيافٌ؛ فالمعاني الأُوَلُ المفهومه من أنْفُس الألفاظ، هي المَعارِضُ والوشْيُ والحَلْيُ وأشباهُ ذلك. والمعاني الثواني التي يُومَأُ إليها بتلك المعاني، هي التي تُكْسَى تلك المعارضَ وتزيَّن بذلك الوشي والحلي. وكذلك إذا جُعِلَ المعنى يُتَصَوَّرُ من أجلِ اللفظِ بصورةٍ، ويبدو في هيئةٍ ويتشكَّل بشكلٍ يُرجِع المعنى في ذلك كلِّه إلى الدلالاتِ المعنوية، ولا يصلُح شيء منه حيثُ الكلامُ على ظاهرهِ، وحيثُ لا يكونُ كنايةٌ وتمثيلٌ به، ولا استعارةٌ ولا استعانةٌ في الجملة بمعنىً على معنًى، وتكونُ الدلالةُ على الغَرض مِنْ مجرَّد اللفظِ. فلو أَنَّ قائلاً قال: (رأيتُ الأسَدَ). وقال آخرُ: (لَقِيتُ الليثَ)، لم يَجُزْ أن يقالَ في الثاني إنه صوَّرَ المعنى في غير صورتِهِ الأُولى، ولا أنْ يُقال أبرزَهُ في معرضٍ سوى معرضِه، ولا شيئاً من هذا الجنس. وجملةُ الأمر أنَّ صُوَرَ المعاني، لا تتغير بِنَقْلها من لفظٍ إلى لفظٍ حتى يكون هناك اتساعٌ ومجازٌ، وحتى لا يُرادَ من الألفاظ ظواهرُ ما وُضِعَتْ له في اللغة، ولكنْ يُشارُ بمعانيها إلى معانٍ أُخَرَ.
стр. 234
واعلمْ أن هذا كذلك ما دام النظْمُ واحداً، فأمَّا إذا تغيَّر النظْمُ فلا بدَّ حينئذٍ من أن يتغيَّر المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيتَ في المسألة التي مضَت الآنَ، أعني قولَك: (إنَّ زيداً كالأسدِ، وكأنَّ زيداً الأسدُ)، ذاك لأنه لم يتغيَّر من اللفظ شيءٌ وإنما تغيَّر النظْمُ فقط، أما فتْحُكَ "أَنْ" عند تقديم (الكاف) وكانت مكسورةً، فلا اعتدادَ بها، لأن معنى الكَسْرِ باقٍ بحاله.
واعلمْ أنَّ السببَ في أَنْ أَحالوا في أشباهِ هذه المحاسنِ التي ذكرْتُها لكَ على اللفظ، أنها ليستْ بأنفُس المعاني، بل هي زياداتٌ فيها وخصائصُ، ألا ترى أنْ ليست المزيةُ التي تجدُهَا لِقولك: (كأنَّ زيداً الأسدُ)، على قولك: (زيدٌ كالأسد)، شيئاً خارجاً عن التشبيه الذي هو أصْل المعنى، وإنما هو زيادةٌ فيه وفي حُكْم الخصوصية في الشكل، نحْو أن يُصاغَ خاتمٌ على وجهٍ وآخرُ على وجهٍ آخر، تَجمعُهما صورةُ الخاتم، ويفترقان بخاصة، وشيءٌ يُعْلَم إلاَّ أنه لا يُعْلَم منفرداً. ولمَّا كان الأمرُ كذلك، لم يُمكِنْهم أنْ يُطلِقوا اسمَ المعاني على هذه الخصائص، إذْ كان لا يَفترِقُ الحالُ حينئذٍ بين أصْلِ المعنى، وبين ما هو زيادةٌ في المعنى وكيفيةٌ له، وخصوصيةٌ فيه. فلمَّا امتنعَ ذلكَ، تَوصَّلوا إلى الدلالة عليها بأنْ وَصفوا اللفْظَ في ذلك بأوصافٍ يُعْلمُ أنها لا تكونُ أوصافاً له من حيثُ هو لفظٌ كنحْوِ وصْفِهم له بأنه لفظٌ شريفٌ، وأنه قد زانَ المعنى، وأنَّ له ديباجةً، وأنَّ عليه طلاوةً، وأنَّ المعنى منه في مثل الوشْي، وأنه عليه كالحَلْي، إلى أشباه ذلك مما يُعْلَم ضرورةً أنه لا يُعنَى بمثلِه الصوتُ والحرف. ثمَّ إنه لمَّا جرَت به العادة واستمرَّ عليه العُرفُ وصار الناسُ يقولون اللفظَ، واللفظُ لزَّ ذلك بأنفُسِ أقوامٍ باباً من الفساد وخامرهم منهُ شيءٌ لستُ أُحْسِنُ وصْفَهُ.
стр. 235
فصل
ومن الصفاتِ التي تجدهُم يُجْرُونها على اللفظ، ثمَّ لا تَعترضِكُ شُبهةٌ ولا يكونُ منكَ توقُّفٌ في أنها ليستْ له ولكنْ لمعناه، قولُهم: لا يكونُ الكلام يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتى يُسابِقَ معناهُ لفظَهُ ولفظه معناه، ولا يكون لفظُه أسْبَقَ إلى سمعك مِنْ معناهُ إلى قلبك. وقولُهم: يدخلُ في الأُذن بلا إذْن، فهذا مما لا يَشُكُّ العاقلُ في أنه يَرجِعُ إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يُرادَ به دلالةُ اللفظِ على معناه الذي وُضِع له في اللغة؛ ذاك لأنه لا يَخلو السامِعُ من أن يكونَ عالِماً باللغة وبمعاني الألفاظِ التي يَسمعُها، أو يكونَ جاهلاً بذلك؛ فإن كان عالِماً لم يُتَصوَّرْ أنْ يَتفاوتَ حالُ الألفاظِ معه فيكونَ معنى لفظٍ أسرعَ إلى قلبه من معنى لفظٍ آخرَ؛ وإنْ كان جاهلاً كان ذلك في وصفهِ أبْعدَ.
وجملةُ الأمرِ أنَّه إنما يُتصوَّر أن يكون لمعنى أسرعَ فهماً منه لِمعنىً آخر، إذا كان ذلك مما يدرَكُ بالفكْر، وإذا كان مما يتجدَّد له العلمُ به عند سمعه للكلام، وذلك مُحالٌ في دلالاتِ الألفاظ اللغوية، لأن طريقَ معرفتها التوقيفُ، والتقدُّمُ بالتعريف.
وإذا كان ذلك كذلك، عُلِمَ عِلْمَ الضرورة أنَّ مصْرِفَ ذلك إلى دلالات المعاني على المعاني، وأنهم أرادوا أنَّ مِن شَرْط البلاغةِ أن يكونَ المعنى الأولُ الذي تجعلُه دليلاً على المعنى الثاني ووَسيطاً بينَكَ وبينَه، متمكِّناً في دلالته، مستقلاً بوسّاطَتهِ، يَسْفُرُ بينك وبينه أحْسَنَ سفارة، ويُشيرُ لك إليهِ أبْيَنَ إشارة، حتى يخيَّلَ إليك أنَّك فهِمْتَه من حاقِّ اللفظ، وذلك لقِلَّة الكلفة فيه عليكَ، وسرعةِ وصولهِ إليك، فكان من الكناية، مثلَ قوله [من المنسرح]:
لا أُمتِعُ العُوذَ بالفِصَالِ ولا ... أبتاعُ إلا قريبةَ الأجَلِ
ومن الاستعارة مثلَ قوله [من الطويل]:
وصدر أراحَ الليلُ عازِبَ هَمِّهِ ... تضاعَفَ فيه الحُزْنُ مِنْ كُلِّ جانِبِ
ومن التمثيل، مثلَ قوله [من المديد]:
لا أَذُودُ الطيرَ عَنْ شَجَرٍ ... قد بلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ
стр. 236
وإن أردتَ أنْ تعرِفَ مالَه بالضِّدِّ من هذا فكان منقوصَ القوَّة في تأدية ما أُريد منه، لأنه يتعرِضُه ما يَمنعه، أن يَقْضيَ حقَّ السِّفارةِ فيما بينكَ وبين معناكَ، ويُوضحَ تمامَ الإيضاحِ عن مَغْزاك، فانظرْ إلى قول العباس بن الأحنف [من الطويل]:
سأطلُبُ بُعْدَ الدارِ عنْكُمْ لِتَقْرَبوا ... وتَسْكُبُ عينايَ الدموعَ لِتَجْمُدا
بدأَ فدلَّ بسَكْبِ الدموعِ على ما يُوجِبه الفِرَاقُ من الحُزْن والكَمَد، فأحْسَنَ وأصابَ، لأنَّ مِن شأنِ البكاءِ أبداً أن يكون أمارةً للحُزنِ، وأنْ يُجْعَلَ دلالةً عليه وكنايةً عنه، كقولهم: أبكاني وأضْحكَني، على معنى: "ساءني وسرَّني".
وكما قال [من السريع]:
أبكانيَ الدهرُ ويا رُبّما ... أضْحَكني الدهْرُ بما يُرْضي
ثم ساقَ هذا القياسَ إلى نقيضِه، فالتمس أن يَدُلَّ على ما يُوجبهُ دوامُ التلاقي من السرور، بقوله "لتجمدا" وظنَّ أنَّ الجمودَ يَبْلغُ له في إفادةِ المسرَّة والسلامةِ من الحُزْن، ما بَلَغَ سكْبُ الدمع في الدلالةِ على الكآبةِ والوقوعِ في الحزن. ونظرَ إلى أن الجمودَ خُلُوُّ العينِ من البَكاء، وانتفاءُ الدموعِ عنها، وأنه إذا قالَ "لتجمدا" فكأنَّه قال: أحْزنُ اليومَ لئلا أحزنَ غداً، وتبكي عينايَ جُهْدَهما لئلا تبكِيا أبدا؛ وغَلِطَ فيما ظنَّ وذاك، أنَّ الجمودَ هو أنْ لا تبكي العينُ، مع أنَّ الحالَ حالُ بكاء، ومع أن العينَ يرادُ منها أن تبكي ويُشْتكى مِنْ أنْ لا تَبْكي، ولذلك لا ترَى أحداً يذكُرُ عينَه بالجمودِ، إلا وهو يَشْكُوها ويذُمُّها وينسبها إلى البُخْل، ويَعُدُّ امتناعَها من البكاءِ تَرْكاً لمعونةِ صاحبِها على ما بهِ من الهَمِّ، ألا ترى إلى قولهِ [من الطويل]:
ألاَ إنّ عَيناً لم تَجُدْ يومَ واسِطٍ ... عليكَ بِجارِي دَمْعِها لَجَمُودُ
стр. 237
فأتَى بالجمودِ تأكيداً لنفي الجُودِ؛ ومُحالٌ أن يَجْعَلها لا تَجودُ بالبكاءِ وليس هناك التماسُ بكاءٍ، لأنَّ الجودَ والبُخْل يَقْتضيانِ مطلوباً يُبْذَلُ أو يُمْنَعُ. ولو كان الجمودُ يَصْلُح لأن يُرادَ به السلامةُ من البكاء، ويصِحَّ أن يُدَلَّ به على أنَّ الحال حالُ مَسَّرةٍ وحُبورٍ، لجازَ أن يُدْعى به للرجلِ فيقال: (لا زالتْ عينُك جامدةً) كما يقال: (لا أبكى الله عينَكَ)، وذاك مما لا يُشَكُّ في بُطْلانه. وعلى ذلك قولُ أهل اللغة: عينٌ جَمُودٌ - لا ماءَ فيها، وسنةٌ جمادٌ، لا مطرَ فيها، وناقةٌ جمادٌ - لا لَبَن فيها. وكما لا تُجْعَلُ السنةُ والناقةُ جماداً إلاَّ على مَعْنى أنَّ السنةَ بخيلةٌ بالقَطْر، والناقةُ لا تَسْخُو بالدُّرِّ، كذلك حُكْمُ العينِ لا تُجْعَل جَمُوداً إلا وهناك ما يَقْتضي إرادةَ البكاء منها، وما يَجْعَلُها إذا بكَتْ، مُحْسِنةً موصوفةً بأنْ قد جادَتْ وسخَتْ، وإذا لم تَبْكِ، مسِيئةً موصوفةً بأنْ قد ضنَّتْ وبَخِلَتْ.
فإنْ قيلَ إنه أراد أن يقول: (إني اليوم أَتجرَّعُ غُصَصَ الفِراقِ، وأحْمِلُ نَفْسي على مُرِّهِ، واحْتمِلُ ما يُؤدِّيني إليه من حُزْنٍ يُفيضُ الدموعَ مِنْ عَيني ويَسْكُبُها لكي أتسبَّب بذلك إلى وصْلٍ يدومُ ومسَرَّةٍ تتَّصِلُ حتى لا أعرِفَ بعد ذلك الحزنَ أصْلاً ولا تعرِفَ عيني البكاءَ، وتصيرَ في أنْ لا تُرى باكيةُ أبداً كالجَمودِ التي لا يَكُونُ لها دَمْعٌ)؛ فإنَّ ذلك لا يَستقيمُ ويستتِبُّ، لأنه يُوقِعُه في التناقضِ ويَجْعَلُه كأنه قال: (احْتَمِل البكاءَ لهذا الفراقِ عاجلاً لأصيرَ في الآجِل بدَوَام الوصْلِ واتِّصالِ السُّرورِ في صُورةِ مَنْ يُريد مِنْ عَينِه أنْ تَبكي ثم لا تَبْكي، لأنها خُلِقَتْ جامدةٌ لا ماء فيها). وذلك مِن التهافُتِ والاضطرابِ، بحيثُ لا تَنْجعُ الحيلةُ فيه.
стр. 238
وجملةُ الأمر أنَّا لا نعلم أحَداً جعَلَ جُمودَ العينِ دليلَ سرورٍ وأمارةِ غِبْطةٍ، وكنايةً عن أنَّ الحالَ حالُ فرِح. فهذا مثالٌ فيما هو بالضدِّ ممَّا شرَطوا مِنْ أنْ لا يكونَ لفظُهُ اسْبَقَ إلى سمعِكَ، من معناه إلى قلْبِك، لأنكَ تَرى اللفظَ يصِلُ إلى سمعِكَ وتحتاجُ إلى أن تُخُبَّ وتُوضِعَ في طلب المعنى. ويَجْري لكَ هذا الشرحُ والتفسيرُ في النظْمِ كما جرى في اللفظ، لأنه إذا كان النظْمُ سَويّاً والتأليفُ مستقيماً، كان وُصولَ المعنى إلى قلبك، تِلوَ وصولِ اللفظِ إلى سَمْعك؛ وإذا كان على خلافِ ما ينبغي، وصَلَ اللفظُ إلى السمع وبَقيتَ في المعنى تَطلُبُه وتَتْعَبُ فيه؛ وإذا أفرطَ الأمرُ في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا إنه يسْتَهِلكُ المعنى.
واعلمْ أنْ لمْ تَضِقِ العبارةُ، ولم يُقَصِّرِ اللفظُ، ولم يَنْغَلقِ الكلامُ في هذا الباب، إلاَّ لأنَّه قد تناهى في الغُموض والخَفَاء إلى أقصى الغايات؛ إنك لا ترى أغْربَ مَذْهباً، وأعجَبَ طريقاً، وأحْرى بأن تَضْطرِبَ فيه الأراءُ، منه. وما قولُك في شيءٍ قد بلَغ مِنْ أمرِه أن يُدَّعَى على كبار العلماءِ بأنهم لم يَعْلَموه ولم يَفْطِنوا له؟ فقد ترى أن البحتريَّ قال حين سُئِلَ عن مسلم وأبي نواس، أيُّهما أشعرُ؟ فقال: أبو نواس. فقيل: فإنَّ أبا العباس ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا مِنْ شأنِ ثَعْلَب وذويهِ من المتعاطين لِعلْم الشّعْر دون عَمَلِه، إنما يعلم ذلك من دُفع في مَسْلك طريقِ الشعر إلى مضايقِه وانتهى إلى ضروراته.
стр. 239
ثم لم ينفَكَّ العالِمونَ به والذين هُمْ مِنْ أهله، من دُخولِ الشُّبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السَّهْو والغلط لهم؛ رُويَ عن الأصمعي أنه قال: كنتُ أسيرُ مع أبي عمرو بن العلاء وخلفٍ الأحمر وكانا يأتيان بشاراً فيُسلِّمانِ عليه بغاية الإعظامِ ثم يقولون؛ (يا أبا مُعاذٍ ما أحدثْتَ؟) فيُخْبِرُهما ويُنْشِدُهما، ويَسْألانِه ويكتبان عنه متواضِعَيْن له حتى يأتيَ وقتُ الزوالِ ثم ينصرفان. وأتيَاه يوماً فقالا: ما هذه القصيدةُ التي أحدثْتَها في سَلمِ بن قُتَيْبَةَ؟ قالَ هي التي بلَغَتْكُم. قالوا: بلَغَنا أنك أكْثَرتَ فيها من الغَريب. قال: نعم، بلغني أن سَلْم بْنَ قتيبة، يَتباصَرُ بالغريب، فأحببْتُ أن أوردَ عليه ما لا يَعْرَفُ. قالوا: فانْشِدْناها يا أبا مُعاذ! فأنشدهما [من الخفيف]:
بكِّرا صاحبيَّ قَبْلَ الهجيرِ ... إنَّ ذاكَ النجاحَ في التَّبْكيرِ
حتى فرَغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكانَ: " إن ذاك النجاحَ في التبكيرِ" بكِّرا فالنجاح في التبكير كان أحسَنَ. فقال بشار: إنما بنَيْتُها أعرابية وَحْشيَّة، فقلتُ: إنَّ ذاكَ النجاحَ في التبكير، كما تقولُ الأعرابُ البدويون. ولو قلتُ: "بكِّرا فالنجاحُ" كان هذا من كلام المولَّدينَ ولا يُشْبِهُ ذاكَ الكلامَ ولا يَدْخُل في معنَى القصيدة. قال: فقام خلَفُ فقبَّلَ بين عينيه. فهل كان هذا القولُ من خَلَف، والنقدُ عَلَى بشار، إلاَّ لِلُطْفِ المعنى في ذلك وخَفَائِه؟
واعلمْ أنَّ مِنْ شأن "إنَّ" إذا جاءت على هذا الوجه، أن تُغْني غَناء (الفاءِ) العاطِفةِ مثلاً، وأنْ تُفيدَ من رَبْط الجملةِ بما قبلها، أمراً عجيباً، فأنتَ تَرى الكلامَ بها مستأْنَفاً، غيرَ مستأنفٍ، مقطوعٍ موصولاً معاً. أفلا تَرى أنك لو أَسْقَطْتَ "إنَّ" من قوله: "إنَّ ذاك النجاح في التكير" لم تَر الكلامَ يَلتئمُ، ولو رأيتَ الجملةَ الثانيةَ لا تتَّصل بالأولى ولا تكونُ منها بسبيلٍ حتى تجيء (بالفاء) فتقولُ:
بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ ... فذاكَ النجاحُ في التكبيرِ
ومثلُه قولُ بعضِ العرب [من الرجز]:
فغنِّها وهيَ لكَ الفداءُ ... إنَّ غناء الإِبلِ الحُداءُ
стр. 240
فانظرْ إلى قوله: (إنَّ غِناءَ الإبلِ الحداءُ). وإلى ملاءمته الكلامَ قبلَه، وحسْنِ تشبثِه به، وإلى حُسْن تعطُّفِ الكلامِ الأول عليه! ثم انظرْ إذا تركتَ "إنَّ" فقلتَ: (فغنِّها وهي لك الفداءُ، غناء الإبل الحداءُ) كيف تكونُ الصورةُ وكيفَ يَنْبو أحَدُ الكلامَيْن عن الآخر، وكيف يُشئِم هذا ويُعْرِق ذاك، حتى لا تَجدَ حيلةً في ائتلافهما. حتى تَجْتَلِبَ لهما (الفاءَ) فتقول: (فغنِّها وهي لكَ الفداءُ فغناءُ الإبلِ الحُداء)؛ ثم تعلَّمْ أنْ ليستِ الأُلفةُ بينهما مِنْ جنسِ ما كان، وأنْ قد ذَهبتِ الأنَسَة التي كنتَ تَجِدُ، والحُسْنُ الذي كنتَ ترى.
ورويَ عن عنبسة أنه قال: قدِمَ ذو الرمة الكوفةَ، فوقفَ يُنشِدُ الناسَ بالكناسة قصيدته الحائية التي منها [من الطويل]:
هِيَ البُزءُ والأسقامُ والهمُّ والمُنى ... وموتُ الهوى في القلب مني المبرِّحُ
وكان الهوى بالنأْي يُمْحَى فيمَّحي ... وحُبُّكِ عندي يَستجِدُّ ويَرْبَحُ
إذا غيَّرَ النّّأيُ المحبِّينَ لم يَكَدْ ... رسَيسُ الهوى مِنْ حُبِّ ميَّةَ يَبْرَحُ
قال: فلما انتهى إلى هذا البيت، ناداه ابنُ شُبْرُمَة: يا غيلانُ! أراه قد بَرِحَ قال: فشنَق ناقته وجعَل يتأَخَّر بها ويتفكَّرُ، ثم قال:
إذا غيَّر النأيُ المحبينَ لم أَجِدْ ... رسَيسَ الهوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
قال: فلما انصرفتُ، حدثتُ أبي. قال: أخطأَ ابنُ شُبْرُمة حين أنكَرَ على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غيَّر شِعْرَه لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقولِ اللهِ تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]. وإنما ولم يَرَها ولم يكد.
стр. 241
واعلمْ أنَّ سبَبَ الشُّبهةِ في ذلك، أنه قد جرى في العُرفِ أن يقال: (ما كادَ يَفعلُ ولم يكد يفعل)، في فعل قد فُعِلَ، على معنى: أنه لم يَفْعل إلاَّ بعْدَ الجهدِ وبعْدَ أن كان بَعيداً في الظنِّ أن يَفْعَله. كقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. فلمَّا كان مجيءُ النفي في (كاد) على هذا السبيل، توهَّم ابنُ شُبْرُمةَ أنه إذا قال: (لم يكَدْ رسيسُ الهوى مِن حبِّ مية يبرحُ) فقد زَعم أنَّ الهَوى قد بَرِح؛ ووقعَ لذي الرُّمة مثلُ هذا الظنِّ. وليس الأمرُ كالذي ظنَّاهُ. فإنَّ الذي يقتضيهِ اللفظُ إذا قيل: (لم يكَدْ يَفعل وما كاد يَفعل) أن يكونَ المرادُ أنَّ الفعلَ لم يكنْ من أصْله، ولا قارَبَ أن يكونَ، ولا ظُنَّ أنه يكونُ وكيفَ بالشكِّ في ذلك، وقد عَلِمْنا أنَّ "كادَ" موضوعٌ لأنْ يَدُلَّ على شدة قُرْب الفِعلِ من الوقوع، وعلى أنه قد شارَفَ الوجودَ؟ وإذا كان كذلك، كان مُحالا أن يوجِبَ نَفْيُه وجودَ الفعل، لأنه يؤدِّي إلى أن يوجِبَ نفيُ مقاربةِ الفعلِ الوجودَ وجودَه، وأن يكون قولُك: (ما قاربَ أنْ يَفْعل)، مقْتضِياً على البتَّ أنَّه قد فَعَل. وإذْ قد ثبتَ ذلك، فمن سبيلكَ أن تَنْظُر. فمتى لم يكنِ المعنى على أنه قد كان هناك صورةٌ تقتضي أن لا يكون الفعلُ، وحالٌ يَبعُدُ معها أن يكونَ، ثُمَّ تغيَّرَ الأمرُ كالذي تراه في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فليس إلاَّ أن تُلزِمَ الظاهرَ وتجعلَ المعنى على أنك تَزْعمُ أنَّ الفعلَ لم يقارِبْ أن يكونَ، فضلاً عن أن يكون؛ فالمعنى إذن في بيتِ ذي الرّمة، على أنَّ الهوى مِنْ رسوخه في القلب وثُبوته فيه وغلَبَته على طِباعِه، بحيثُ لا يُتوَهَّم عليه البِراحُ، وأنَّ ذلك لا يقارِبُ أن يكون فضلاً عن أن يكونَ؛ كما تقول: إذا سَلاَ المُحِبُّونَ وفَتَروا في محبتهم، لم يقَعْ لي وَهمٌ ولم يَجْرِ مني على بالٍ أنه يجوز عَلَيَّ ما يُشْبِه السَّلوةَ وما يعدُّ فترةً، فضلاً عن أن يُوجَدَ ذلك مني وأصيرَ إليه. وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: (لم يَرها ولم يكد).
стр. 242
فبدأُوا فنَفَوْا الرؤيةَ، ثم عطَفُوا "لم يكد" عليه، ليُعْلموك أنْ ليس سبيلُ "لم يكد" ههنا سبيلَ "ما كادوا" في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] في أنه نَفْيٌ معقِّبٌ على إثباتٍ، وأنْ ليس المعنى على أنَّ رؤيةً كانت مِنْ بعْدِ أن كادت لا تكون، ولكن المعنى أن رؤيتَها لا تُقارِب أن تكونَ، فضلاً عن انْ تكونَ. ولو كان "لَم يكَدْ" يُوجِب وجودَ الفعل، لكان هذا الكلامُ منهم مُحالاً جارياً مَجْرى أن تقول: "لم يَرَها، ورآها؛ فاعرفْه!
وههنا نكتةٌ وهي أنَّ "لم يكد" في الآية والبيت، واقعٌ في جوابِ (إذا). والماضي إذا وقَعَ في جواب الشرط، على هذا السبيل، كان مستقبَلاً في المعنى؛ فإذا قلتَ: (إذا خرجْتَ لمْ أخرُجْ) كنتَ قد نفَيْتَ خُروجاً فيما يُسْتَقْبَل. وإذا كان الأمر كذلك، استحالَ أن يكون المعنى في البيتِ أو الآيةِ على أنَّ الفعلَ قد كان، لأنه يُؤدِّي إلى نْ يجيءَ (لمْ أفعلْ) ماضياً صريحاً في جواب الشرط، فتقول: (إذا خرجتَ لم أخرجْ أمسِ)، وذلك محالٌ.
ومما يتَّضِحُ فيه هذا المعنى، قولُ الشاعر [من المتقارب]:
ديارٌ لجهمَةَ بالمُنْحَنى ... سَقاهُنَّ مرتجزٌ باكرُ
وراحَ عليهنَّ ذو هَيْدَبِ ... ضعيفُ القُوى ماؤهُ زاخِرُ
إذا رامَ نَهْضاً بها لم يَكَدْ ... كذِي الساقِ أَخْطأَها الجابِرُ
- وأعود إلى الغرض - فإذا بلغَ من دقة هذه المعاني أنْ يَشْتَبهِ الأمرُ فيها على مثْل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشْتبهِ على ذي الرّمة في صوابٍ قالَه فيَرَى أنه غيرُ صوابِ، فما ظَنُّكَ بغيرهم، وما تَعجُّبُك مِن أنْ يَكْثُر التخليط فيه؟ ومن العَجَب في هذا المعنى قولُ أبي النجم [من الرجز]:
قدْ أصبَحَتْ أُمُّ الخيارِ تدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كُلُّه لم أصْنَعِ
стр. 243
قد حمَلَهُ الجميعُ على أنه أَدْخَلَ نَفْسَه من رفع "كلُّ" في شيء إنما يجوزُ عند الضرورة مِنْ غير أنْ كانت به ضرورةٌ. قالوا لأنه ليس في نصب "كلّ" ما يَكْسِرُ له وَزْناً أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأمَّلتَ وجدْتَه لم يَرتكِبْه ولم يَحْمِل نفسَه عليه إلاَّ لحاجةٍ له إلى ذلك، وإلاَّ لأنه رأى النَّصْبَ يَمنعُه ما يريد، وذاك أنه أراد أنها تدَّعي عليه ذَنباً لم يَصْنع منه شيئاً البتَّةَ لا قليلاً ولا كثيراً، ولا بَعضاً ولا كُلاًّ.
والنصْب يَمنعُ من هذا المعنى، ويَقْتضي أن يكون قد أتى من الذنبِ الذي ادَّعته، بعْضَه، وذلك أنَّا إذا تأملْنا وجَدْنا إعمال الفِعلِ في "كل"، والفعلُ منفيٌّ لا يَصْلُحُ أن يكونَ إلاَّ حيثُ يُراد أنَّ "بَعْضاً" كان و "بعضاً" لم يكن. نقولُ: (لم ألْقَ كلَّ القومِ ولم آخذْ كلَّ الدراهم)، فيكونُ المعنى أنك لقِيتَ بعضاً من القوم. ولم تَلْقَ الجميعَ، وأخذْتَ بعضَاً من الدراهم وتركْتَ الباقي، ولا يكون أَنْ تريد أنك لم تَلْقَ واحداً من القوم ولم تأخذْ شيئاً من الدراهم. وتعرف ذلك بأن تَنْظرَ إلى "كل" في الإثبات وتتعرفَ فائدتَه فيه.
стр. 244
وإذا نظرتَ وجدتَهُ قد اجْتُلِبَ لأنْ يُفيدَ الشُّمولَ في الفعل الذي تُسْنِدُه إلى الجملة أو تُوقِعُه بها. تفسيرُ أنكَ إنما قلْتَ: (جاءني القومُ كلُّهم)، لأنكَ لو قُلْتَ: (جاءَني القومُ) وسكَتَّ، لكانَ يَجوزُ أن يَتوهَّم السامعُ أنه قد تخلَّفَ عنكَ بَعضُهم، إلاَّ أنكَ لم تعتدَّ بهم، أو أنَّكَ جَعَلْتَ الفعلَ إذا وقَعَ مِن بَعْضِ القوم، فكأنما وَقَعَ من الجميع لِكَوْنهم في حُكْمِ الشخصِ الواحد كما يقال للقبيلة: (فعلْتُم وصنعْتُم)، يُرادُ فِعْل قد كان مِنْ بَعْضِهم أوْ واحدٍ منهم؛ وهكذا الحُكْم أبداً. فإذا قلتَ: (رأيتُ القومَ كلَّهم، ومررتُ بالقومِ كلِّهم) كُنْتَ قد جئت (بكلّ) لئلاَّ يُتَوهَّمَ أنه قد بَقِيَ عليك مَنْ لم تَرَهُ ولم تَمُرَّ به. وينبغي أن يُعْلَم أنَّا لا نَعْني بقولنا "يفيدُ الشمول" أنَّ سبيلَه في ذلك سبيلُ الشيء يُوجِبُ المعنى من أصْله وأنه لولا مكانُ "كلّ" لَمَا عُقِلَ "الشُّمولُ"، ولم يكنْ فيما سَبَق مِن اللفظ دليلٌ عليه. كيف، ولو كان كذلك، لم يكنْ يُسمَّى تأكيداً؛ فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظُ المقتضِي الشُّمولَ مستعمَلاً على خَلافٍ ظاهر، ومتجوَّزاً فيه.
стр. 245
وإذْ قد عرفتَ ذلك، فهاهنا أصْلٌ وهو أنه مِن حُكْم النفي، إذا دَخل على كلام ثُمَّ كان في ذلك الكلام تقييدٌ على وجهٍ من الوجوه، أن يتوجَّه إلى ذلك، التقييدُ وأن يقعَ له خصوصاً. تفسيرُ ذلك أنك إذا قلتَ: (أتاني القومُ مجتمِعينَ)، فقال قائل: لم يأْتكِ القومُ مجتمعين، كان نَفْيُه ذلك متوجهاً إلى الاجتماع الذي هو تقييدٌ في الإتيان دون الإتيان نفْسِه، حتى إنَّه إنْ أرادَ ينفي الإتيان مِنْ أصله، كان مِنْ سَبيله أن يقولَ: إنَّهم لم يأْتوكَ أصْلاً، فما مَعْنى قولِكَ "مجتمعين"؟. هذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ. وإذا كان هذا حكْمُ النفي إذا دَخَلَ على كلام فيه تقييدٌ، فإنَّ التأكيدَ ضربٌ من التقييدِ. فمتى نَفَيْتَ كلاماً فيهِ تأكيدٌ، فإنَّ نَفْيكَ ذلكَ يتوجَّه إلى التأكيد خصوصاً ويَقَعُ له. فإذا قلت: (لم أرَ القومَ كلَّهم، أوْ لَمْ يأتني القومُ كلُّهم، أوْ لم يأتني كلُّ القوم، أو لَمْ أَرَ كلَّ القوم): كنتَ عمدْتَ بنَفْيِكَ إلى معنى "كل" خاصة، وكان حكْمُه حُكْمَ "مجتمعين" في قولك: (لم يأتني القومُ مجتمعين). وإذا كان النفيُ يَقَعُ (لكلِّ) خصوصاً، فواجبٌ إذا قلتَ: (لم يأتني القومُ كلُّهم، أو لم يأتني كلُّ القوم) أن يكونَ قد أتاكَ بعضُهم؛ كما يجبُ إذا قلتَ: (لم يأتني القومُ مجتمعين): أنْ يكونوا قد أَتَوْك أَشْتاتاً. وكما يَستحيلُ أن يقولَ: (لم يأتني القومُ مجتمعينَ): وأنتَ تُريد أنهم لم يأتوك أصْلاً لا مجتمعين ولا منفردين؛ كذلك مُحالٌ أنْ تقول: (لم يأتني القومُ كلُّهُمْ): وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصْلاً. فاعرفْه!
واعلمْ أنك إذا نظرْتَ، وجَدْتَ الإثباتَ كالنفي فيما ذكرتُ لكَ، ووجدتَ النفي قد احتذاهُ فيه وتَبِعَه، وذلك أنك إذا قلت: (جاءني القومُ كلُّهم)، كان "كل" فائدةَ خبرِكَ هذا والذي يتوجَّه إليك إثباتُك، بدلالةِ أنَّ المعنى على أنَّ الشكَّ لم يقَعْ في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملةِ وإنما وَقعَ في شُموله "الكل" وذلك الذي عناكَ أمرُه مِن كلامِكَ.
стр. 246
وجملةُ الأمر أنه ما مِنْ كلام كان فيه أمرٌ زائد على مجرَّدِ إثباتِ المعنى للشيء، إلاَّ كان الغرضَ الخاصَّ من الكلام، والذي يُقْصَد إليه ويزْجى القول فيه فإذا قلتَ: (جاءني زيدٌ راكباً وما جاءني زيدٌ راكباً)، كنتَ قد وضعْتَ كلامَكَ لأن تُثبتَ مجيئَه راكباً أو تنفي ذلك، لا لأن تُثْبِتَ المجيءَ وتنْفِيَه مطلقاً. هذا ما لا سبيلَ إلى الشَّكَّ فيه.
واعلمْ أنَّه يَلزَمُ من شكَّ في هذا، فتوهَّمَ أنَّه يجوزُ أن تقولَ: (لم أر القومَ كلَّهم)، على معنى أنك لم تَرَ واحداً منهم، أن يُجْريَ النهيَ هذا المجرى فتقولَ: (لا تَضْرب القومَ كلَّهم): على معنى: لا تضْربَ واحداً منهم، وأن تقولَ: (لا تَضْربِ الرجلَيْن كليهما). على معنى: لا تَضْرِبْ واحداً منهما. فإذا قال ذلك، لَزِمَه أن يختل قولَ الناس: لا تَضْرِبْهما معاً ولكنِ اضْرِبْ أحدَهما، ولا تأخُذْهما جميعاً ولكنْ واحداً منهما. وكفى بذلك فساداً.
وإذْ قد بانَ لك من حالِ النَّصْب أنه يقتضي أن يكونَ المعنى، على أنه قد صنَعَ من الذنب بعْضاً، وترك بعضاً؛ فاعلمْ أنَّ الرفعَ على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفْيَ أن يكونَ قد صَنَع منه شيئاً وأتى منه قليلاً أو كثيراً، وأنك إذا قلت: (كلُهم لا يأتيك)، و (كلُّ ذلك لا يكونُ) و (كلُّ هذا لا يَحْسُن)، كنتَ نَفَيْتَ أن يأتِيَه واحدٌ منهم، وأبيْتَ أن يكون، أو يَحْسُنَ شيءٌ مما أشرتَ إليه.
ومما يشهدُ لك بذلك من الشّعرِ، قولُه [من الطويل]:
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمَامَه ... ولا لامرئٍ عمَّا قَضى اللهُ مَزْحَلُ
المعنى عَلَى نفْي أن يَعْدُوَ أحدٌ من الناس حِمَامَه بلا شُبْهة. ولو قلتَ: (فكيفَ وليس يعدو كلُّ حِمامَه). فأَخَّرْتَ (كلاّ) لأفسدتَ المعنى وصرْتَ كأنكَ تقولُ: (إنَّ من الناس من يَسْلَمُ من الحِمام ويبقى خالداً لا يموت).
ومثله قول دِعبل [من الطويل]:
فواللهِ ما أَدري بأيّ سِهامِهَا ... رَمَتني، وكلٌّ عندَنا ليسَ بالمُكْدِي
أَبِالجِيدِ أمْ مَجْرى الوِشاحِ وإنني ... لأُنْهِمُ عَينَيها مع الفاحِِمِ الجَعْدِ
стр. 247
المَعْنى على نَفْي أن يكونَ في سِهامها مُكْدٍ على وجهٍ من الوجوه. ومن البَيِّنِ في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين قال للنبيّ ﷺ : "أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ فقال ﷺ : "كلُّ ذلك لم يَكُنْ" فقال ذو اليدين: "بَعْضُ ذلك قد كان". المعنى لا محالةَ على نَفْي الأمرين جميعاً، وعلى أنه ﵇ أرادَ أنه لم يكنْ واحدٌ منهما: لا القِصَرُ ولا النِّسْيانُ. ولو قيل: (لم يكنْ كلُّ ذلك) لكان المعنى أنه قد كان بعضُه.
واعلمْ أنه، لمَّا كان المعنى مع إعمال الفعلِ المِنفيِّ في "كل" نحو: (لمْ يأتني القومُ كلُّهم، ولم أرَ القومَ كلَّهم)، على أنَّ الفعلَ قد كان مِن البعض ووَقَع على البعض، قلتَ: (لم يأتني القوم كلُّهم ولكنْ أتاني بعضُهم، ولم أرَ القومَ كلَّهم ولكنْ رأيتُ بعضَهم)، فأثبتَّ بعد ما نَفَيْتَ، ولا يكونُ ذلك مع رَفْع "كلّ" بالابتداء. فلو قلتَ: (كلُّهم لم يأتني ولكنْ أتاني بعضهم، وكلُّ ذلك لم يكُنْ ولكنْ كان بعضُ ذلك)، لم يَجُزْ لأنه يؤدِّي إلى التناقض، وهو أن تقول: (لم يأتني واحدٌ منهم ولكنْ أتاني بعضُهم).
واعْلمْ أنَّه ليس التأثيرُ لما ذكَرْنا من إعمال الفعل، وتَرْك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثيرُ لأمر آخَر وهو دخول "كل" في حيِّز النفي وأن لا يَدْخُل فيه، وإنما علَّقْنا الحكْم في البيت وسائر ما مَضى، بإعمال الفعل وترك إعماله من حيثُ كان إعمالُه فيه يقتضي دخولَه في حيِّز النفي، وتَرْكُ إعمالهِ يُوجبُ خروجَه منه من حيث كان الحرفُ النافي في البيت حرْفاً لا ينفصل على الفعل وهو "لم"، لا أنَّ كَوْنَهُ مَعْمولاً للفعل وغيرَ معمول يقتضي ما رأيتَ من الفَرْق. أفَلاَ تَرى أنك لو جئتَ بحرْفِ نَفي يُتَصوَّر انفصالُه عن الفعل، لرأيتَ المعنى في "كل" مع تَرْكِ إعمال الفعل مِثْلَه مع إعمالِه؟ ومثال ذلك قولُه [من البسيط]:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدرِكُه
وقولُ الآخر [من البسيط]:
ما كلُّ رَأْي الفتى يَدْعو إلى رَشَد
стр. 248
"كلّ" كما ترى، غيرُ مُعْمَلٍ فيه الفعلُ ومرفوعٌ إمّا بالابتداء وإما بأنه اسم "ما". ثم إن المعنى ذلك على ما يكون عليه، إذا أعملْتَ فيه الفعلَ فقلتَ: (ما يُدرِكُ المرءُ كلَّ ما يتمنَّاه، وما يدعو كلُّ رأي الفتى إلى رَشَد)، وذلك أن التأثير، لوقوعه في حيِّز النفي؛ وذلك حاصلٌ في الحالين. ولو قدَّمْتَ "كلاّ" في هذا فقلت: (كلُّ ما يتمنى المرءُ لا يُدركُه، وكلُّ رأي الفتى لا يدعو إلى رَشَد)، لتغيَّرَ المعنى، ولصارَ بمنزلةِ أنْ يقال: إنَّ المرءَ لا يدرِكُ شيئاً مما يتمناه، ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رَشَدٍ بوجْهٍ من الوجوه.
واعلمْ أنك إذا أدخلْتَ "كلاّ" في حيِّز النفي، وذلك بأن تُقدِّم النفيَ عليه لفظاً أو تقديراً، فالمعنى على نفي الشُّمول دون نفي الفِعْل والوصفِ نَفْسِه. وإذا أخرجتَ "كلاّ" من حيِّز النفي ولمْ تُدْخِلْه فيه، لا لفظاً ولا تقديراً، كان المعنى على أنك تتبَّعْتَ الجملة فنَفَيْتَ الفعلَ والوصفَ عنها واحداً واحداً. والعلة في أنْ كان ذلك كذلك، أنكَ إذا بدأتَ "بكلّ" كنتَ قد بنَيْتَ النفيَ عليه، وسلَّطْتَ (الكلِّية) على النفْي وأعملْتَها فيه؛ وإعمالُ معنى الكُلِّيةِ في النفي، يَقْتضي أن لا يَشُذَّ شيءٌ عن النفي، فاعرفْه!
واعلمْ أنَّ مِن شأن الوجوهِ والفُروقِ، أن لا يزال يَحْدثُ بسببها وعلى حَسبِ الأغراض والمعاني التي تقع فيها، دقائقُ وخفايا إلى حدٍّ ونهايةٍ، وأنها خفايا تكْتُم أنفُسَها جَهدَها حتى لا يُنْتَبَه لأكثرها، ولا يُعلَمُ أنها هي، وحتى لا تَزالُ تَرى العالِمَ يَعرِضُ له السهوُ فيه، وحتى إنه ليقصِدُ إلى الصواب فيقعُ في أثناء كلامه ما يُوهِم الخطأ؛ وكلًّ ذلك لِشدَّة الخفاءِ وفَرْض الغُموضِ.
стр. 249
فصل
واعلمْ أنه إذا كان بيِّناً في الشيء، أنه لا يَحتمِلُ إلا الوجْهَ الذي هو عليه، حتى لا يُشْكِلَ وحتى لا يُحْتاج في العلم بأن ذلك حقُّه، وأنه الصوابُ إلى فكْرِ ورويةٍ، فلا مَزِيَّةَ؛ وإنما تكون المزيةُ ويجِبُ الفضلُ إذا احتمَلَ في ظاهر الحال غيرَ الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر، ثم رأيتَ النفسَ تَنْبو عن ذلك الوجهِ الآخر، ورأيتَ للذي جاء عليه، حُسْناً وقبولاً يعدَمُهما إذا أنتَ تركْتَه إلى الثاني. ومثالُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأَنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم "الشركاء" حُسْناً وروعةً ومأخذاً من القلوب، أنتَ لا تجد شيئاً منه إن أنتَ أخَّرْتَ، فقلتَ: (وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله). وأنك ترى حالَك حالَ مَنْ نُقِلَ عن الصورة المُبْهجة، والمَنْظر الرائقِ، والحُسْنِ الباهر، إلى الشيء الغُفْل الذي لا تحلى منهُ بكثيرِ طائلٍ، ولا تصيرُ النفسُ به إلى حاصلٍ، والسببُ في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيلَ إليه مع التأخير. بيانه أنَّا، وإنْ كنَّا نرى جملةَ المعنى ومحصوله، أنهم جعلوا الجنَّ شركاءَ وعبدوهُمْ مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يَحصُلَ مع التأخيرِ، حصولَه مع التقديمِ، فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان يَنبغي أن يكون لله شريكٌ لا مِن الجنِّ ولا غيرِ الجِنِّ. وإذا أخَّر فقيل: (جَعلوا الجنَّ شركاء لله). لم يُفِدْ ذلك، ولم يكن فيه شيءٌ أكثرُ من الإخبار عنهم، بأنهم عبَدوا الجنَّ مع اللهِ تعالى؛ فأما إنكارُ أنْ يُعْبَد مع الله غيرُه، وأنْ يكونَ له شريكٌ من الجنِّ وغير الجن، فلا يكونُ في اللفظ، مع تأخير "الشركاء"، دليلٌ عليه. وذلك أنَّ التقدير يكونُ مع التقديم أن "شركاء" مفعولٌ أول لَجَعل، و "لِلَّهِ" في موضعِ المفعول الثاني، ويكونُ "الجنّ" على كلام ثانٍ وعلى تقديرِ أنه كأنه قيل: (فمن جَعلوا شركاءَ لله تعالى؟) فقيل: الجنَّ.
стр. 250
وإذن كان التقدير في "شركَاء" أنه مفعول أول، و"الله" في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء الله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيءٍ دون شيءٍ، وحصَلَ مِن ذلك أنَّ اتخاذَ الشريكِ من غير الجنِّ، قد دخَلَ في الإنكار دخولَ اتخاذه من الجنِّ، لأن الصفةَ إذا ذُكرت مُجَرَّدة غيرَ مُجْراة على شيء، كان الذي يَعْلَق بها من النفي عامَّا في كل ما يجوز أن تكون له الصفةُ. فإذا قلتَ: (ما في الدار كريمٌ)، كنتَ نفَيْتَ الكينونة في الدار عن كلِّ مَنْ يكون الكرَمُ صفةً له. وحكْمُ الإنكار أبداً حكْمُ النفي. وإذا أُخِّر فقيل: (وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله)، كان "الجنَّ" مفعولاً أول والشركاء مفعولاً ثانياً. وإذا كان كذلك كان الشركَاء مخصوصاً غير مُطْلَق من حيثُ كان مُحالاً أن يَجْريَ خبراً على الجنِّ، ثم يكون عامّاً فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احْتَمَلَ أن يكون القصدُ بالإنكار إلى الجنِّ خصوصاً، أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جل اللهُ وتعالى عن أن يكون له شريك وشبيهٌ، بحال.
فانظرْ الآن إلى شرَفِ ما حصَل من المعنى بأن قُدِّم "الشركاء"، واعتبرْهُ؛ فإنهُ يَنبِّهك لكثيرٍ من الأمور ويدُلُّك على عِظَمِ شأن النظم، وتعلمُ به كيف يكونُ الإيجازُ به، وما صُورَتُه، وكيفَ يزاد في المعنى من غير أن يُزاد في اللفظ، إذ قد ترَى أنْ ليس إلا تقديمٌ وتأخيرٌ وأنه قد حصَل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولْتَه مع تَرْكِهِ لم يحصل لك، واحتجْت إلى أن تَسْتَأْنِفَ له كلاماً نحو أن تقول: (وجعلوا الجِنَّ شُركَاء للهِ وما يَنْبغي أن يكون للهِ شريكٌ لا مِنَ الجن ولا مِنْ غَيْرهم): ثم لا يكونُ له إذا عَقَلَ من كلامَيْن من الشَّرَف والفخامةِ ومِن كَرَمِ الموقعِ في النفس، ما تَجِدُه له الآن وقد عَقلَ من هذا الكلام الواحدِ.
следующие страницы →