← Баляга

Баляга · id 22664

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (435 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والإثباتُ والنفيُ يتناولان الخبرَ دون الصفةِ. يدلُّكَ على ذلك أنَّكَ تَجِدُ الصفة ثابتةً في حالِ النفي كثُبوتها في حالِ الإثبات. فإذا قلتَ: (ما جاءني زيدٌ الظريفُ): كانَ الظَّرْفُ ثابتاً لزيدٍ كثبوته إذا قلتَ: (جاءني زيدٌ الظريفُ): وذلك أنْ ليس ثُبوتُ الصفةِ لِلذي هي صفةٌ له بالمتكلِّم وبإثباته لها فتنتفي بنَفْيه، وإنما ثُبوتُها بنفسها. ويتقرَّرُ الوجودُ فيها عند المخاطَب مثلَه عند المتكلِّم، لأنه إذا وقعتِ الحاجةُ في العلم إلى الصفةِ، كان الاحتياجُ إليها من أجْل خِيفةِ اللَّبْس على المخاطَبِ. تفسير ذلك أنكَ إذا قلتَ (جاءني زيدٌ الظريفُ) فإنك إنما تحتاج إلى أنْ تصِفَه بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليكَ واحدٌ آخرُ يُسمَّى زيداً. فأنتَ تخشى إن قلْتَ: (جاءني زيدٌ) ولم تَقُل (الظريفُ) أن يَلْتَبِس على المخاطَبِ فلا يَدْرِي: أهذا عنيتَ أم ذاك؟ وإذا كان الغرضُ من ذكْرِ الصفة إزالةَ اللَّبس والتبيين، كان مُحالاً أن تكونَ غيرَ معلومةٍ عند المخاطَب، وغيرَ ثابتةٍ، لأنه يؤدي إلى أن تَرُومَ تبيينَاً لشيء للمخاطَب، بوصفٍ هو لا يَعلَمُه في ذلك الشيء. وذلكَ ما لا غايةَ وراءه في الفساد. وإذا كان الأمرُ كذلك، كان جعْلُ الابنِ صفةً في الآية مؤدياً إلى الأمْرِ العظيم، وهو إخراجه عن موضعِ النفي والإنكارِ، إلى موضع الثبوت والاستقرار، جلَّ الله وتعالى عن شَبَهِ المخلوقين، وعن جَميع ما يقولُ الظالمونَ، علوّاً كبيراً.

стр. 317

فإن قيل: إنَّ هذه قراءةٌ معروفةٌ، والقولُ بجواز الوصفيَّةِ في (الابن) كذلك معروفٌ ومدوَّنٌ في الكتب؛ وذلك يَقْتضي أن يكونوا قد عرَفوا في الآية تأويلاً يَدخُل به (الابْن) في الإنكار مع تقدير الوصفيَّة فيه، قيل: إنَّ القراءةَ كما ذكرتُ، معروفةٌ، والقولُ بجَواز أن يكون (الابْنُ) صفةً، مثْبَتٌ مسطورٌ في الكتب كما قلتُ: ولكنَّ الأصلَ الذي قدَّمناه منْ أنَّ الإنكار إذا لَحِقَ، لَحِقَ الخبرَ دون الصفة، ليس بالشيءِ الذي يَعْترضُ فيه شكٌّ أو تتسلَّطُ فيه شبْهَةٌ. فليس يَتَّجه أن يكون (الابنُ) صفةً، ثم يَلْحقُهُ الإنكارُ مع ذلك، إلاَّ على تأويلٍ غامضٍ، وهو أن يقال: إن الغرضَ: الدلالةُ على أنَّ اليهودَ قد كان بلغَ من جَهْلهم ورُسوخِهم في هذا الشِّرْكِ، أنهم كانوا يَذْكُرون عُزيراً هذا الذكْرَ، كما تقول في قوم، تريد أن تصفَهم بأنهم قد استُهلِكوا في أمرِ صاحبِهم، وغَلَوْا في تعظيمه: (إني أراهُمْ قد اعتقَدوا أمْراً عظيماً). فهم يقولون أبداً، زيدٌ الأميرُ. تريد أنه كذلك يكون ذكْرُهُم إذا ذكَروهُ، إلاَّ أنَّه إنما يستقيمُ هذا التأويلُ فيه إذ أنتَ لم تقدِّر له خبَراً معيناً ولكنْ تريدُ أنهم كانوا لا يُخْبرون عنه بِخبرٍ إلاَّ كانَ ذكْرُهُمْ له هكذا.

стр. 318

ومما هو من هذا الذي نحنُ فيه، قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وذلك أنهم قد ذَهبوا في رفْع "ثلاثة" إلى أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقالوا: إنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ". وليس ذلك بمستقيمٍ، وذلك أنَّا إذا قلْنا: (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثة): كان ذلك، والعياذُ بالله شبْهَ الإثباتِ أنَّ ههنا آلهةً من حيثُ إنَّكَ إذا نفيْتَ، فإنما تَنفي المعنى المستفادَ من الخَبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ. فإذا قلتَ: (ما زيدٌ منطلقاً)، كنتَ نفيْتَ الانطلاقَ الذي هو معنى الخبرِ عن زيد، ولم تَنْفِ معنى (زيد) ولم تُوجِبْ عدَمَه. وإذا كان ذلك، فإذا قُلْنَا (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ) كنَّا قد نفَيْنا أن تكونَ عِدَّةُ الآلهة ثلاثةً ولم نَنْفِ أن تكونَ آلهةً - جلَّ الله تعالى عن الشريكِ والنظيرِ - كما أنك إذا قلتَ: (ليس أُمراؤنا ثلاثةً): كنتَ قد نفَيْتَ أن تكون عِدَّةُ الأمراءِ ثلاثةً، ولم تَنْفِ أن يكون لكُمْ أمراءُ؛ هذا ما لا شبْهةَ فيه. وإذا أدَّى هذا التقديرُ إلى هذا الفسادِ، وَجَبَ أنْ يَعْدِل عنه إلى غيره. والوجهُ - واللهُ أعلمُ - أن تكون (ثلاثة) صفةَ مبتدإٍ ويكونَ التقديرُ: (ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو في الوجود آلهة ثلاثة) ثم حُذِفَ الخبرُ الذي هو لنا أو في الوجود، كما حُذِفَ من (لا إله إلاَّ الله) و (ما مِنْ إله إلاَّ اللهُ) فبقي: (ولا تقولوا: آلهةٌ ثلاثةٌ) ثم حُذِف الموصوفُ الذي هو "آلهة" فبقي (ولا تقولوا ثلاثةٌ). وليس في حذْف ما قدَّرْنا حذْفَه ما يتوقّفُ في صحَّته. أما حذفُ الخبر الذي قلْنا إنه (لنا) أو (في الوجود) فمطَّردٌ في كل ما معناه التوحيدُ، ونفيّ أن يكون معَ الله - تعالى عن ذلك - إلهٌ.

стр. 319

وأما حذْفُ الموصوفِ بالعدد، فكذلك شائعٌ، وذلك أَنه كما يَسوغُ أن تقول: (عندي ثلاثة)، وأنتَ تريد: ثلاثةَ أثوابٍ، ثم تَحذفُ لعِلْمكَ أنَّ السامعَ يَعْلمُ ما تُريد، كذلك يسَوغُ أنْ تَقولَ: (عندي ثلاثةٌ)؛ وأنت تُريد (أثوابٌ ثلاثة) لأنه لا فَصْلَ بين أن تَجْعَل المقصودَ بالعددِ مميَّزاً، وبين أنْ تَجعلَهُ موصوفاً بالعدد، في أَنه يَحْسُنُ حذْفُه إِذا عُلِمَ المرادُ. ويُبيِّنُ ذلك أنكَ تَرى المقصودَ بالعددِ قد تُرِكَ ذكرُهُ، ثم لا تستطيعُ أن تُقدِّرَه إِلا موصوفاً، وذلك في قولك: (عندي اثنان وعندي واحد). يكونُ المحذوفُ ههنا موصوفاً لا محالةَ، نحو: (عندي رجلانِ اثنانِ وعندي درهمٌ واحد). ولا يكونُ مميَّزاً البتةَ من حيث كانوا قدْ رَفضوا إضافةَ الواحدِ والاثنينِ إلى الجِنْس، فتركوا أن يقولوا: (واحدُ رجالٍ واثنانِ رجال) على حدِّ "ثلاثةُ رجالٍ" ولذلك كان قولُ الشاعر: ظَرْفُ عجوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ شاذّاً. هذا ولا يَمتنِعُ أنْ تَجْعلَ المحذوفَ من الآية في موضع التمييز، دون موضعِ الموصوفِ، فتجعلَ التقديرَ "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكونُ الحكْمُ في الخبر على ما مضى، ويكون المعنى، واللهُ أَعلمُ "ولا تقولوا لنا أو في الوجود ثلاثةُ آلهة".

стр. 320

فإنْ قلتَ: فلِمَ صار لا يَلْزمُ على هذا التقديرِ ما لَزِمَ عَلَى قولِ مَنْ قدَّر "ولا تَقولوا آلهتنا ثلاثةٌ"؟ فذاكَ لأنَّا إذا جعَلْنا التقديرَ: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهةٌ ثلاثةٌ أو ثلاثةُ آلهةٍ، كنَّا قد نَفَيْنا الوجودَ عن الآلهةِ كما نفَيْناه في "لا إله إلا الله، وما مِنْ اله إلاَّ الله". وإذا زعَموا أنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ" كانوا قد نَفَوْا أَنْ تكونَ عِدَّةُ الآلهةِ ثلاثةً، ولم يَنْفُوا وُجودَ الآلهة. فإنْ قيل: فإنَّه يَلزَمُ على تقديركَ الفسادُ من وجْهٍ آخرَ، وذاكَ أنه يَجوزُ إذا قلتَ "ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ" أنْ يكونَ المعنى: (ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ ولكنْ لنا أميرانِ اثنانِ) وإذا كان كذلكَ، كان تقديرُكَ وتقديرُهُمْ جميعاً، خطأً. قيل إنَّ ههنا أمراً قد أغْفَلْتَه، وهو أنَّ قولَهم: آلهتُنا: يُوجِبُ ثُبوتَ آلهةٍ، جلَّ اللهُ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلوًّا كبيراً. وقولُنا: (ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ)، لا يُوجبُ ثبوتَ اثنينِ البتةَ. فإنْ قلتَ: إن كان لا يُوجبُه، فإنَّه لا يَنْفِيه، قيل: يَنْفيهِ ما بَعْدَهُ مِنْ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الله إلاه وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١].

стр. 321

فإنْ قيلَ: فإنَّه كما يَنْفي الإلهَيْن، كذلك ينفي الآلهةَ؛ وإذا كان كذلك وجَبَ أنْ يكونَ تقديرُهم صحيحاً، كتقديركَ: قيل هو كما قلتَ: ينفي الآلهةَ. ولكنَّهم إذا زَعموا أنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ" وكان ذلك، والعياذُ باللهِ من الشِّرْك، يَقْتضي إثباتَ آلهةٍ كانوا قد دفَعوا هذا النفيَ وخالفُوه وأَخْرجُوه إلى المناقَضَة. فإذا كان كذلك، كان مُحالاً أن يكونَ للصحة سبيلٌ إلى ما قالوه، وليس كذلك الحالُ فيما قدَّرْناه، لأنَّا لم نُقَدِّرْ شيئاً يقتضي إثباتَ إلهيَنْ - تعالَى اللهُ - حتى يكونَ حالُنا حالَ مَنْ يَدفَعُ ما يُوجِبُه هذا الكلامُ من نَفْيهِما. يُبيِّنُ لك ذلِكَ أَنه يَصِحُّ لنا أَنْ نَتَّبعَ ما قدَّرناه نفْي الاثنينِ ولا يَصِحُّ لهم. تفسيرُ ذلك أنَّه يصِحُّ أن تقولَ: (ولا تَقولوا لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان)؛ لأنَّ ذلك يَجْري مَجرْى أَنْ تقولَ: (ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان). هذا صحيح. ولا يصِحُّ لهم أَنْ يقولوا: (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ ولا إلهانِ)، لأنَّ ذلك يجري مجرى أنّ يقولوا: (ولا تقولوا آلهتُنا إلهَانِ): وذلك فاسدٌ فاعرفْه وأَحْسِنْ تأمُّلَهُ! ثم إنَّ ههنا طريقاً آخَرَ وهو أَنْ تُقَدِّر: (ولا تقولوا اللهُ والمسيحُ وأُمُّه ثلاثةٌ) أي نَعْبدُهما كما نَعبدُ اللهَ. يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٤]. وقد استقرَّ في العُرْفِ أنَّهم إذا أرادوا إلحاقَ اثنينِ بواحدٍ في وصفٍ منَ الأوصافِ، وأنْ يَجْعلوهُما شَبيهَيْن له، قالوا: هُمْ ثلاثةٌ: كما يقولونَ، إذا أرادوا إلحاقَ واحدٍ بآخرَ وجَعْلَه في معناه: هما اثنانِ. وعلى هذا السبيل كأنَّهم يقولون: هُم يُعَدُّونَ معَداً واحداً ويُوجِبُ لهم التساويَ والتشارُكَ في الصفةِ والرتبةِ وما شاكَل ذلكَ.

стр. 322

واعلمْ أنه لا معنى لأن يقالَ: إنَّ القولَ حكايةٌ وإنَّه إذا كان حكايةً، لم يلزَمْ منه إثبات الآلهةِ، لأنه يَجْري مَجْرى أنْ تقولَ: (إنَّ مِنْ دين الكفَّارِ أنْ يقولوا: الآلهةُ ثلاثةٌ): وذلك لأنَّ الخطابَ في الآية للنصارى أَنفسِهم. أَلا تَرى إلى قوله تعالى ﴿ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وإذا كان الخطابُ للنصارى، كان تقديرُ الحكايةِ مُحالاً. فـ (لا تَقولوا) إذنْ، في معنى: (لا تعْتَقِدوا). وإذا كان في معنى الاعتقادِ، لَزِمَ إذا قدَّرَ (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ) ما قُلْنا إنَّه يَلْزمُ مِن إثباتِ الآلهةِ، وذلك لأن الاعتقادَ يَتعلَّق بالخبر لا بالمُخْبَرِ عَنْه. فإذا قلتَ: لا تعتقدْ أنَّ الأمراءَ ثلاثةٌ: كنتَ نهَيْتَه عن أنْ يعتقدَ كونَ الأُمراءِ على هذه العِدَّة، لا عنْ أَنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ههنا أُمراءَ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ؛ وإنما يكونُ النهْيُ عن ذلك إذا قلتَ: لا تَعْتقِدْ أَنَّ ههنا أُمراءَ. لأنَّك حينئذٍ تَصيرُ كأنَّك قلَْتَ: لا تعتقِدْ وجودَ أمراءَ. هذا ولو كان الخطابُ مع المؤمنينَ، لكانَ تَقديرُ الحكايةِ لا يَصِحُّ أيضاً. ذاكَ لأنه لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المؤمنينَ نُهُوا عن أنْ يَحْكُوا عن النصارى مقالَتَهم ويُخْبروا عنْهم بأنهم يقولون: كَيْتَ وكيْتَ: كيفَ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]. ومِنْ أين يَصِحُّ النهْيُ عن حكايةِ قولِ المُبْطِل، وفي تَرْك حكايتهِ تركٌ له وكفره وامتناعٌ من النعْي عليه والإنكارِ لِقَوْلِه والاحتجاج عليه، وإقامةِ الدليل على بُطْلانه، لأنه لا سبيلَ إلى شيءٍ من ذلك إلاَّ مِنْ بَعْدِ حكايةِ القولِ والإفصاح به، فاعرفْهُ!

стр. 323

تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة الإعجاز بنظم الكلام لا بالكلم المفردة ثم إنَّ هذا الوصفَ ينبغي أنْ يكونَ وصْفاً قد تجدَّد بالقرآن، وأمراً لم يُوجَدْ في غيره ولم يُعْرف قبل نزولِه. وإذا كان كذلك، فقد وَجَب أنْ يُعْلَم أَنه لا يجوزُ أن يكونَ في الكَلم المفردةِ، لأَن تقديرَ كونِه فيها يؤدِّي إلى المُحال، وهو أن تكونَ الألفاظُ المفردةُ، التي هي أوضاعُ اللغة، وقد حدثَ في حذاقة حروفِها وأصدائها، أوصافٌ لم تكُنْ لتكونَ تلك الأوصافُ فيها قبلَ نزولِ القرآن، وتكونَ قد اختُصَّتْ في أَنفُسها بهيئاتٍ وصفاتٍ يَسمعُها السامعون عليها إذا كانت متلوَّة في القرآن، لا يَجدونَ لها تلكَ الهيئاتِ والصفاتِ خارِجَ القرآنِ؛ ولا يجوزُ أن تكونَ في معاني الكَلمِ المفردةِ التي هي لها بوَضْع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكونَ قد تَجدَّد في معنى الحَمْدِ، والرَّبِّ، ومعنى العالَمين، والمُلْك، واليومِ، والدِّين، وهكذا؛ وصْفُ لم يكُنْ قَبْل نزولِ القرآن. وهذا ما لَوْ كان ههنا شيءٌ أَبَعدُ من المُحال وأشنَعُ، لكان إيَّاهُ.

стр. 324

ونعود إلى النَّسَق، فنقول: فإذا بطَلَ أن يكون الوصفُ الذي أَعجزَهُم من القرآن شيء ممَّا عددناه، لم يَبْقَ إلاَّ أن يكونَ الاستعارة. ولا يمكنُ أنْ تُجْعَلَ الاستعارةُ، الأَصْلَ في الإعجاز وأن يُقْصَدَ إليها، لأنَّ ذلك يؤدي إلى أَن يكونَ الإعجاز في آي معدودةٍ، في مواضعَ مِن السورِ الطِّوالِ مخصوصةٍ. وإذا امتنعَ ذلكَ فيها، لم يبْقَ إلاَّ أَن يكونَ في النظْمِ والتأليفِ، لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكون فيه إلاَّ النظْمُ. وإذا ثبتَ أنَّه في النظَمِ والتأليفِ، وكنَّا قد عَلِمْنا أنْ ليسَ النظمُ شيئاً غير توخِّي معاني النحو وأحكامه فيمَا بين الكَلِم، وأَنَّا إنْ بَقِينا الدهرَ نَجْهدُ أفكارَنا حتى نَعْلَم للكلِمِ المفردةِ سِلْكاً يَنْظِمُها، وجامعاً يَجْمعُ شمْلَها، ويؤلِّفها ويَجْعل بعضَها بسبَبٍ مِنْ بعض، غيرَ توخِّي معاني النحو وأحكامهِ فيها - طَلَبنا ما كلُّ مُحالٍ دُونَه. فقد بان وظهَرَ أنَّ المتعاطيَ القَوْلَ في النظم، والزاعمَ أَن يحاول بيانَ المزيةِ فيه، وهو لا يَعْرِض فيما يُعيدُه ويُبديهِ للقوانين والأصول التي قدَّمْنا ذِكْرَها، ولا يَسْلك إليه المَسالِكَ التي نَهَجْناها، في عمياء من أمره، وفي غرورٍ من نفسه، وفي خِداعٍ من الأماني والأضاليلِ. ذاك لأنَّه إذا كان لا يكونُ النظمُ شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحو وأَحكامهِ فيما بَيْن الكَلِمِ، كان مِن أَعجْب العَجَبِ أَنْ يزَعُمَ زاعمٌ أَنه يَطْلبُ المزيَّةَ في النَّظْم ثم لا يَطْلبُها في معاني النحو وأحكامه التي النظْمُ عبارةٌ عن توخِّيها فيما بَيْن الكَلِم.

стр. 325

فإنْ قيل: قولُكَ (إلاَّ النظم)، يقتضي إخراجَ ما في القرآن مِن الاستعارةِ وضروبِ المجازِ من جملة ما هو به مُعْجِزٌ، وذلك ما لا مَساغَ له: قيلَ: ليس الأمرُ كما ظننْتَ، بل ذلك يقتضي دُخولَ الاستعارةِ ونَظائرِها فيما هو بهِ مُعْجزٌ؛ وذلك لأنَّ هذه المعانيَ التي هي الاستعارةُ، والكنايةُ، والتمثيلُ، وسائرُ ضُروبِ المجاز مِن بَعْدِها، من مُقْتَضياتِ النظْم، وعنها يَحْدُثُ وبها يكونُ، لأنه لا يُتصوَّر أن يَدخُلَ شيء منها في الكَلِم، وهي أفرادٌ لم يُتَوخَّ فيما بينَها حكْمٌ من أحكام النحو. فلا يُتَصَّورُ أن يكونَ ههنا فعلٌ أو اسمٌ قد دَخلَتْهُ الاستعارةُ مِن دون أنْ يكونَ قد أُلِّفَ مع غيره. أفلا تَرى أَنه إن قدَّر في (اشتعلَ) من قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤]، أن لا يكون (الرأسُ) فاعلاً له، ويكونَ (شيباً) منصوباً عنه عَلَى التمييز، لم يُتصوَّرْ أن يكونَ مستعاراً وهكذا السبيلُ في نظائرِ الاستعارةِ فاعرفْ ذلك!

стр. 326

واعلمْ أَن السببَ في أنْ لم يَقعِ النظَرُ منهم مَوْقِعَه، أَنهم حينَ قالوا (نطْلب المزية) ظَنّوا أَنَّ مواضعَها اللفظُ، بناءً على أنَّ النظْمَ نظْمُ الألفاظِ، وأنه يَلْحقُها دونَ المعاني. وحين ظَنُّوا أنَّ موضِعَها ذلك، واعتقدُوه، وقَفوا على اللفظِ وجعَلوا لا يَرْمون بأَوهامِهم إلى شيءٍ سِواهُ. إلاَّ أَنهمْ على ذاكَ. لم يَسْتطيعوا أن ينطِقوا في تصحيح هذا الذي ظَنّوه بحَرْف، بل لم يتكلَّموا بشيءٍ إلاَّ كان ذلك نَقْضاً وإبِطالاً لأنْ يكونَ اللفظُ مِنْ حيَثُ هو لفظٌ، مَوْضعاً للمزيَّةِ؛ وإلا رأيتَهم قد اعتَرفُوا من حيثُ لم يَدرُوا، بِأنْ ليس لِلْمزيةِ التي طلَبوها موضِعٌ ومكانٌ تكونُ فيه، إلاَّ معاني النحوِ وأحكامِه. وذلك أنهم قالوا: إن الفصاحةَ لا تَظْهرُ في أفرادِ الكلماتِ، وإنما تَظْهرُ بالضمِّ على طريقةٍ مخصوصةٍ. فقولُهم (بالضم) لا يَصِحُّ أن يُرادَ به النطقُ باللفظةِ بعْدَ اللفظةِ، مِنْ غيرِ اتصالٍ يكونُ بين معْنَيَيْهِما، لأنه لو جازَ أنْ يكونَ لِمجرَّدِ ضَم اللفظِ إلى اللفظِ تأثيرٌ في الفصاحة، لكان يَنبغي إذا قيل "ضَحِكَ خَرَجَ"، أنْ يَحْدُثَ مِن ضَمِّ (خرجَ) إلى (ضحكَ) فصاحةٌ؛ وإذا بطَل ذلك، لم يَبْقَ إلا أنْ يكونَ المعنى في ضمِّ الكلمةِ إلى الكلمةِ توَخِّيَ معنًى من معاني النحو فيما بينَهُما. وقولُهم: (على طريقة مخصوصة): يُوجِبُ ذلك أيضاً؛ وذلك أَنه لا يكونُ للطريقة - إذا أنتَ أردْتَ مجرَّدَ اللفظِ - معنى. وهذا سبيلُ كلِّ ما قالوه إذا أنتَ تأمَّلتَهُ، تَراهُمْ في الجميع، قد دفَعوا إلى جَعْل المزية في معاني النحو وأحكامه، مِنْ حيثُ لم يَشْعروا؛ ذلك لأنه أَمرٌ ضروريٌّ لا يُمكِنُ الخروجُ منه.

стр. 327

التحدي بالقرآن ليس بكلمة ولا قواطعه وفواصله ولا يجوزُ أَن يكون هَذا الوصفُ في تركيب الحَركاتِ والسَّكَناتِ. حتى كأَنهم تُحُدُّوا إلى أن يأتوا بكلاَمٍ تَكونُ كلماتُه على توَاليها في زِنَةِ كلماتِ القرآنِ، وحتى كأنَّ الذي بانَ به القرآنُ مِن الوَصْف، في سبيلِ بَيْنُونَة بِحُور الشِّعْر بعضِها مِنْ بَعضٍ، لأنه يَخْرجُ إلى ما تعاطاهُ مُسَيْلمة من الحمامة في: (إنا أعطيناكَ الجماهر، فَصَل لِربِّك وجاهِرْ، - والطاحنات طحناً ... ). وكذلك الحكْمُ إنْ زَعم زِاعمٌ أنَّ الوصْفَ الذي تُحُدُّوا إليه، هو أَن يَأْتوا بكلامٍ يَجعلونَ له مَقاطعَ وفواصلَ، كالذي تَراهُ في القرآن. لأنه أيضاً ليس بأكثرَ مِن التعويل على مراعاة وزْنٍ، وإنَّما الفواصلُ في الآي كالقوافي في الشِّعر. وقد عَلِمْنا اقتدارَهم على القوافي كيف هو. فلَوْ لم يكنِ التحدِّي إلا إلى فُصولٍ من الكلامِ يكونُ لها أواخرُ أشباهِ القوافي، لم يُعْوِزْهُم ذلك ولم يتعذَّرْ عليهم. وقد خُيِّل إلى بَعْضهم - إنْ كانت الحكايةُ صحيحةً - شيءٌ من هذا؛ حتى وَضعَ - على ما زَعموا - فصولَ الكلام: أواخرُها كأواخرِ الآي مثْلَ "يعلمون" و "يؤمنون" وأشباهِ ذلك. ولا يَجوزُ أَن يكونَ الإعجاز بأن لم يُلْتَقَ في حُروفه ما يَثْقُلُ على اللسانِ.

стр. 328

وجملةُ الأمرِ أَنه لَن يَعرِضَ هذا وشَبهُهُ من الظنونِ لِمَنْ يَعرِضُ لهُ، إلاَّ مِن سوءِ المعرفةِ بهذا الشأنِ، أوْ للخذلانِ أو لِشهوةِ الإِغرابِ في القولِ. ومَنْ هذا الذي يَرْضى مِنْ نَفْسه أنْ يَزعمَ أنَّ البرهانَ الذي بانَ لهم، والأمرَ الذي بهَرَهُم، والهيئةَ التي ملأتْ صدُورَهم، والروعةَ التي دخلتْ عليهم فأزعَجَتْهم، حتى قالوا "إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أسفَلَه لَمُغْدِقٌ، وإنَّ أعلاه لَمْثْمِرٌ"، إنما كان لِشيءٍ راعَهُم من مَواقعِ حركاتِه، ومِن تَرتيبٍ بيْنَها وبَيْنَ سكَنَاتِه، أو لِفَواصلَ في أواخر آياته؟ مِنْ أَيْنَ تَليقُ هذه الصفةُ وهذا التشبيهُ بذلك؟ أم ترَى أنَّ ابنَ مَسْعود حين قال في صفة القرآن: لا يَتْفَه ولا يَتَشَانُّ: وقال: إذا وقعتُ في آل حم وقعتُ في روضاتٍ دَمِثاتٍ أتأنَّق فيهنَّ: - أي أَتتبَّع محاسنَهنَّ - قال ذلك من أجْل أوزانِ الكلماتِ، ومن أجْل الفواصِلِ في أواخر الآيات؟ أم تَرى أنَّهم لذلك قالوا لا تَفْنى عجائِبُه، ولا يَخْلُقُ على كثرة الرد؟ أم تَرى الجاحظ، حينَ قال في كتاب النبوة: ولو أَنَّ رجلاً قرأَ على رجُل مِن خطبائهم وبُلغائهم سورةً واحدةً، لتبيَّن له في نظامها ومَخْرجها من لَفْظها وطابَعها، أَنه عاجزٌ عن مثلها. ولو تُحدِّيَ بها أبلغُ العَربِ لأَظْهَر عجْزَهُ عنها لغاً ولفظاً، نظرَ إلى مثْلِ ذلك؛ فليسَ كلامُه هذا مما ذهَبوا إليه في شيء. وَينبغي أن تكونَ موازَنَتُهم بيْنَ بعضِ الآي وبيْنَ ما قاله الناسُ في معناها، كموازنَتِهِمْ بيْن ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وبَيْن: (قَتْلُ البعضِ إحياءٌ للجميع): خطأً منهم، لأنَّا لا نَعْلم لحديثِ التحريكِ والتسْكينِ، وحديث الفاصِلةِ مذهباً في هذه الموازنة، ولن نَعْلمهُم أرادوا غيرَ ما يُريده الناسُ إذا وازَنُوا بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحة والبلاغة، ودقة النظمِ وزيادةِ الفائدة.

стр. 329

ولولا أَنَّ الشيطان قد استحوذَ على كثيرٍ من الناس في هذه الشأنَ، وأنهم بِتَرْك النظرِ وإهمالِ التدبُّر وَضعفِ النيَّةِ وقِصَر الهِمَّة، قد طرَّقوا له حتى جعَل يُلْقي في نفوسهم كلَّ محالٍ وكلَّ باطلٍ، وجَعَلوا هُمْ يعطون الذي يُلْقيه حَظَّا الذي يُلْقيه حَظَّا من قَبولهم، ويُبَوئونَه مكاناً مِن قلوبهم، لمَا بلغَ من قَدْر هذه الأقوالِ الفاسدةِ أنْ تدخُلَ في تصنيفٍ، ويعادَ ويُبْدأَ في تبيينٍ لوجهِ الفسادِ فيها، وتعريف. ثُم إنَّ هذه الشناعاتِ التي تقدَّمَ ذِكْرُها تَلزَمُ أصحابَ الصَّرْفة أيضاً. وذاكَ أَنه لو لم يكنْ عجْزُهم عن مُعَارضةِ القرآن، وعن أنْ يأتوا بمثلِه لأنه مُعْجِزٌ في نفسه، لكنْ لأن أُدخِلَ عليهمُ العَجزُ عنه، وصُرفَتْ هِمَمهُمُ وخَواطرُهم عن تأليف كلامٍ مثْلهِ، وكان حالُهم على الجملة حالَ مَن أُعْدِمَ العلمَ بشيءٍ قد كان يَعلَمُه، وحيل بينَه وبينَ أمرٍ قد كان يَتَّسِعُ له، لكانَ ينبغي أنْ لا يتعاظَمَهُمْ: ولا يكون منهم ما يَدلُّ على إكبارهم أمرَه وتعجُّبهم منه، وعلى أَنه قد بَهَرَهُم، وعظُمَ كلَّ العِظَم عندَهم؛ ولَكانَ التعجُّبُ، للذي دَخَلَ من العجزِ عليهم، ولِمَا رأَوْه مِن تَغيُّرِ حالِهم، ومِنْ أَن حِيلَ بينَهم وبينَ شيء قد كان عليهِمْ سَهْلاً، وأن سُدَّ دونَه بابٌ كان لهُم مفتوحا. أرأيتَ لو أنَّ نبياً قال لقومه: "إنَّ آيتي أنْ أَضعَ يدي على رأسي هذه الساعةَ وتُمْنَعون كلُّكُم من أَن تستطيعوا وَضْعَ أَيديكُمْ على رُؤوسِكُم"، وكان الأمرُ كما قال - مِمَّ يكونُ تعجُّبُ القومِ؟ أَمِنْ وضعِه يدَه على رأسهِ، أمْ مِنْ عَجْزِهم أن يضَعَوا أيديَهم على رؤُوسهم؟

стр. 330

الإعجاز بنظم الكلام لا بالكلم ومما تَجِدُهم يَعْتمِدونَه ويرجعِونَ إليه قولُهم: إنَّ المعاني لا تتزايدُ وإنما تَتزايدُ الألفاظُ: وهذا كلامٌ إذا تأملْتَه، لم تَجِدْ له معنًى يَصِحُّ عليه غيرَ أنْ تَجْعلَ تزايُدَ الألفاظِ عبارةً عن المزايا التي تَحْدُثُ مِن توخِّي معاني النحوِ وأَحكامهِ فيما بين الكلم، لأنَّ التزايُدَ في الألفاظ من حيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ، مُحالٌ. ثم إنَّا نَعْلمُ أَنَّ المزيةَ المطلوبةَ في هذا البابِ، مزيةٌ فيما طريقُهُ الفكْرُ والنظَرُ مِن غَيرِ شُبْهة؛ ومحالٌ أَنْ يكونَ اللفظُ له صفةٌ تُسْتَنْبَطُ بالفِكْرِ، ويُسْتعانُ عليها بالرويَّة، أللهمَّ إلاَّ أنْ تُريد تأليفَ النغَمِ؛ وليس ذلك ممَّا نحنُ فيه بسبيلٍ. ومِنْ ههنا لم يَجُزْ إذا عُدَّ الوجوهُ التي تَظهر بها المزيةُ أنْ يُعَدَّ فيها الإعرابُ، وذلك أنَّ العِلْم بالإِعرابِ مشترَكٌ بين العَربِ كلِّهم، وليس هو مما يُسْتنبَط بالفكْرِ ويُسْتعانُ عليه بالرويَّة، فليس أحدُهم، بأنَّ إعرابَ الفاعل الرفعُ، أو المفعولِ النصبُ، والمضاف إليه الجرُّ، بأعْلَم مِن غَيره، ولا ذاك المفعولُ به مما يَحتاجون فيه إلى حِدَّةِ ذهنٍ وقوةِ خاطر. إنما الذي تقَعُ الحاجةُ فيه، إلى ذلك العلم بما يُوجِبُ الفاعليةَ للشيء إذا كان إيجابُها من طريقِ المجازِ كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وكقوله الفرزْدق: سقْتها خروقٌ في المسامِعِ

стр. 331

وأشباهِ ذلِكَ مما يَجعلُ الشيءَ فيه فاعلاً على تأويلٍ يَدقُّ، ومن طريقٍ تَلْطُفُ؛ وليس يكون هذا علماً بالإعراب، ولكن بالوصْفِ الموجبِ للإعراب. ومن ثَمَّ لا يجوزُ لنا أنْ نَعْتدَّ في شأنِنا هذا، بأنْ يكون المتكلِّمُ قد اسْتَعملَ من اللغتين في الشيءِ ما يقال إنه أفصَحُهما، وبأنْ يكونَ قد تَحفَّظ مما تخطئ فيه العامَّة، ولا بأن يكونَ قد استعْمَلَ الغريبَ، لأنَّ العِلْم بجميعِ ذلكَ لا يَعْدوا أن يكونَ عِلْماً باللغةِ وبأَنْفُس الكَلِمِ المفردة، وبما طريقُهُ طريقُ الحِفْظِ، دون ما يُستَعانُ عليه بالنظَرِ، ويُوصَلُ إليه بإعمالِ الفِكْر. ولئن كانتِ العامَّةُ وأشباهُ العامَّةِ لا يكادونَ يعرِفونَ الفصاحةَ غيرَ ذلك، فإنَّ مِن ضَعْف النحيزة إِخطارَ مثْلِه في الفكْرِ، وإجراءَه في الذكْرِ، وأنتَ تزعمُ أَنكَ ناظرٌ في دلائل الإعجازِ؛ أترَى أنَّ العَرب تُحُدُّوا أن يَختاروا الفَتْحَ في (الميم) من "الشمَع" و (الهاء) من "النهْر" على الإسْكان، وأنْ يتحفَّظوا مِن تخليطِ العامَّة في مثْلِ "هذا يَسْوَى أَلفا"، أو إلى أنْ يأْتوا بالغريبِ الوحشيِّ في الكلام يعارِضون به القرآنَ؟ كيفَ وأنتَ تقرَأُ السورةَ من السُّوَرِ الطِّوالِ، فلا تَجِدُ فيها مِن الغريب شَيئاً؟ وتأَمَّلْ ما جَمَعهُ العلماءُ في غَريب القرآن، فترى الغريبَ منه، إلا في القليل، إنما كان غريباً من أَجْل استعارةٍ هي فيه، كمِثْل ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ [البقرة: ٩٣]، ومثْل ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠]، ومثْلِ ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، دون أن تكون اللفظةُ غريبةً في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلماتٍ معدودةٍ كَمِثلِ ﴿عَجِلّ لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، و ﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٤].

стр. 332

ثم إنَّه لو كان أَكْثَرُ ألفاظِ القرآنِ غريباً، لكانَ محالاً أن يَدْخُلَ ذلك في الإعجاز وأنْ يَصِحَّ التحدي به. ذاك لأنه لا يَخْلو إذا وقَعَ التحدي به، من أن يُتحدَّى مَنْ له علْمٌ بأمثالهِ من الغريبِ، أو مَنْ لا عِلْمَ له بذلك؛ فلو تُحدِّي بهِ من يَعْلَمُ أمثالَه، لم يتَعذَّر عليه أن يعارِضَه بمثله. ألا تَرى أنه لا يتعذَّرُ عليكَ إذا أنتَ عرفْتَ ما جاء من الغريبِ في معنى (الطويل) أن تعارِض مَنْ يقول (الشوقَبُ) بأن تقولَ (أنتَ الشوذَبُ) وإذا قال "الأمَقُّ" أن تقول "الأَشقُّ"، وعلى هذا السبيل. ولو تُحُدِّي به مَنْ لا عِلْمَ له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلةِ أن يُتَحدَّى العربُ، إلى أن يتكلموا بلسانِ التركِ هذا - وكيف بأنْ يدْخلَ الغريبُ في باب الفضيلة، وقد ثَبتَ عنهم أَنهم كانوا يَروْنَ الفضيلةَ في تَرْك استعمالِه وتجنُّبهِ؟ أفلاَ تَرى إلى قول عُمرَ ﵁ في زهير: إنه كان لا يُعاظِل بين القَوْل ولا يَتَتَبَّعُ حُوشيِّ الكلام: فقرنَ تَتَبُّعَ الحُوشيِّ، وهو الغريب مِنْ غيرِ شُبْهة، إلى المُعاظلةِ التي هي التعقيد. وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: ورأيتُ الناسَ يَتداولونَ رسالةَ يحيى بْنِ يَعْمُرَ عن لسانِ يزيدَ بنِ المهلَّب، إلى الحجَّاج: "إنَّا لَقِينا العدوَّ فقتَلْنا طائفةً بعراعر الأَودية وأهضام الغيطان، وبتْنا بعُرْعُرَةِ الجبلِ وبات العدوُّ بحضيضه". فقال الحجَّاج: ما يَزيدُ بأبي عذْرِ هذا الكلامِ: فحُمل إليه فقال: أين ولدت في كتبهم أنَّ امرأةً خاصمتْ زوجَها إلى يحيى بن يَعْمر، فانْتَهَرها مراراً، فقال له يحيى: إنْ سألتُكَ ثَمَنَ شَكْرها وشَبْرِك أنشأتَ تَطُلُّها وتَضْهَلُها: ثم قال: إن كانوا قد روَوْا هذا الكلامَ لكي يَدلَّ على فصاحةٍ وبلاغةٍ، فقد باعدَه اللهُ من صفةِ البلاغة.

стр. 333

فساد الذوق والكلام ممن ظنوا أنّ الفصاحة والبلاغة للألفاظ واعلم أنك كلَّما نظرتَ وجدْتَ سببَ الفسادِ واحداً، وهو ظنُّهم الذي ظنُّوه في اللفظِ، وجعْلُهم الأوصافَ التي تجري عليه كلَّها، أوصافاً له في نفسه، ومن حيثُ هو لفظٌ، وترْكُهم أن يُميِّزوا بينَ ما كان وصْفاً لهُ في نفسِه، وبيْنَ ما كانوا قد أكْسَبوه إياه من أجْلِ أمرٍ عَرَضَ في معناه. ولمَّا كان هذا دأْبَهم، ثم رأَوْا الناسَ، وأظهرُ شيءٍ عندَهم في معنى الفصاحةِ تقويمُ الإعراب والتحفظُ من اللَّحْن، لم يَشُكُّوا أنه ينبغي أن يُعتَدَّ به في جملةِ المزايا التي يفاضَلُ بها بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ، وذهبَ عنهم أنْ ليس هُو من الفصاحة التي يَعْنينا أمرُها في شيء، وأنَّ كلاَمنا في فصاحةٍ تجبُ للَّفظِ لا من أجْلِ شيء يدْخُلُ في النطقِ؛ ولكنْ من أجْل لطائفَ تُدْرَكُ بالفَهم؛ وإنا نعْتبرُ في شأننا هذا فضيلةً تَجبُ لأَحَدِ الكلامَيْنِ على الآخَر مِن بَعْد أن يكونا قد برِئا من اللَّحْن، وسَلِمَا في ألفاظِهما من الخَطَأ. ومن العَجَب أنَّا إذا نظَرْنا في الإعرابِ، وجَدْنَا التفاضُل فيه مُحالاً، لأنه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ للرَّفْع والنصْبِ في كلامٍ مزيةٌ عليهما في كلام آخَر، وإنما الذي يُتَصَوَّرُ أنْ يكون ههنا كلامانِ قد وقع في إعرابهما خللٌ، ثم كان أحَدُهما أكْثَر صواباً من الآخر، وكلامانِ قد استمرَّ أحدُهما على الصَّوابِ ولم يَسْتمرَّ الآخَرُ؛ ولا يكون هذا تفاضُلاً في الإعراب ولكنْ ترْكاً في شيءٍ واستعمالاً له في آخَرَ، فاعرفْ ذلك! وجملةُ الأمرِ أنك لا تَرى ظنَّاً هو أَنْأَى بصاحبِه عن أن يصِحَّ له كلامٌ، أو يستمِرَّ له نظامٌ، أو تَثْبُتَ له قدَمٌ، أو يَنْطِقَ منه إلاَّ بالمُحال فمٌ، مِنْ ظَنِّهم هذا الذي حامَ بهم حَوْلَ اللفظِ وجعلهم لا يعُدُّونَه، ولا يرَوْنَ للمزيةِ مكاناً دُونه.

стр. 334

واعلمْ أنه قد يجري في العبارة منَّا شيءٌ هو يُعيدُ الشبهة جَذَعة عليهم وهو أنه يقَعُ في كلامِنا أن الفصاحةَ تكونُ في المعنى دون اللفظ، فإذا سَمِعوا ذلك قالوا: كيف يكونُ هذا ونَحْنُ نَراها لا تَصْلُح صفةً إلاَّ لِلَّفظِ، ونراها لا تَدخلُ في صفة المعنى البتَّةَ؛ لأنَّا نرى الناسَ قاطبةً يقولون "هذا لفظٌ فصيحٌ وهذه ألفاظٌ فصيحةٌ: ولا نَرى عاقِلاً يقولُ: هذا معنى فصيحٌ وهذهِ معانٍ فِصاحٌ. ولو كانت الفصاحة تكونُ في المعنى، لكانَ ينبغي أن يقال ذاك. كما أنه لمَّا كان الحُسْنُ يكون فيهِ قيل "هذا معنى حَسَنٌ وهذه معانٍ حَسَنَةٌ"، وهذا شيء يَأخُذُ من الغِرِّ مأخذاً. والجوابُ عنه أنْ يُقالَ إنَّ غَرَضَنا مِن قولنا إنَّ الفصاحةَ تكونُ في المعنى، أنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجْلِها استَحَقَّ اللفظُ الوصفَ بأنه فصيحٌ، عائدةٌ في الحقيقةِ إلى معناه. ولو قيل إنها تكونُ فيه، دونَ معناهُ لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة إنها فصيحةٌ أن تكونَ تلك الفصاحةُ واجبةً لها بكلِّ حالٍ. ومعلومٌ أن الأمْرَ بخلافِ ذلك؛ فإنَّا نَرى اللفظةَ تكونُ في غاية الفصاحةِ في موضعٍ ونَراها بِعَيْنِها، فيما لا يُحْصى من المواضِع، وليس فيه مِن الفصاحةِ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما كان كذلك، لأن المزيَّةَ التي مِنْ أجْلها نَصِفُ اللفظَ في شأننا هذا بأنه فصيحٌ، مزيةٌ تَحْدثُ مِن بعْدِ أنْ لا تكونَ، وتظهرُ في الكَلِم من بَعْدِ أنْ يَدخُلَها النظْمُ؛ وهذا شيءٌ إن أنتَ طلَبْتَه فيها وقد جئْتَ بها أفراداً، لم تَرُمْ فيها نَظْماً، ولم تُحْدِث لها تأليفاً، طلبْتَ مُحالاً!

стр. 335

وإذا كان كذلك، وَجَبَ أن تعْلَمَ قَطْعاً وضرورةً، أنَّ تلك المزيةَ، في المعنى دونَ اللفظِ. وعبارةٌ أُخرى في هذا بعينِه وهي أن يُقال: قد علِمْنا عِلْماً لا تَعْترِضُ معَه شُبْهةٌ: أنَّ الفصاحةَ فيما نحنُ فيه، عبارةٌ عن مزيَّةٍ هي بالمتكلِّم دون واضِع اللغةِ. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ ننظُرَ إلى المتكلم: هل يستطيعُ أن يَزيد مِنْ عنْدِ نفْسِه في اللفظ شيئاً، ليس هو له في اللغة، حتى يَجعَلَ ذلك من صَنيعِه مزيةً يُعبَّر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظَرْنا وجَدْناه لا يستطيعُ أن يصْنَعَ باللفظِ شيئاً أصْلاً، ولا أنْ يُحْدِثَ فيه وصْفاً. وكيفَ وهو إن فَعَلَ ذلك أفسَدَ على نفسِه وأبطلَ أن يكونَ متكلِّماً، لأنه لا يكون متكلِّماً حتى يَسْتَعمِل أوضاعَ لغةٍ على ما وُضِعتْ هي عليه. وإذا ثبتَ من حالِه أنه لا يستطيعُ أن يَصْنع بالألفاظِ شيئاً ليس هو لها في اللغة، وكنَّا قد اجتمعْنا على أنَّ الفصاحةَ فيما نحن فيه عبارةٌ عن مزيةٍ هي بالمتكلِّم البتَّةَ، وجَبَ أن نَعْلَم قطْعاً وضرورةً، أنهم وإن كانوا قد جَعَلوا الفصاحةَ في ظاهرِ الاستعمالِ مِنْ صفةِ اللفظِ، فإنهم لم يَجْعلوها وصْفاً له في نفسه، ومِن حيثُ هو صدى صوتٍ ونطقُ لسانٍ؛ ولكنهم جَعلُوها عبارةً عن مزيةٍ أفادَها المتكلِّمُ، ولمَّا لم تَزِدْ إفادتُه في اللفظِ شيئاً، لم يَبْقَ إلاّ أنْ تَكونَ عبارةً عن مزيةٍ في المعنى. وجملةُ الأمر أنَّا لا نُوجِبُ الفصاحَة لِلْفَظةٍ مقطوعةٍ مرفوعةٍ من الكلام الذي هي فيه، ولكنَّا نُوجِبُها لها موصولةً بغيرها، ومعلَّقاً معناها بمعنى ما يَليها، فإذا قلنا في لفظه "اشتعل" مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيَبْاً﴾ [مريم: ٤]: إنها في أعلى المرتبةِ من الفصاحة، لم نُوجِبْ تلك الفصاحةَ لها وحَدْها، ولكِنْ موصولاً بها "الرأس" معرَّفاً (بالألف واللام) ومَقْروناً إليهما (الشيبُ) منكَّراً منصوباً.

стр. 336

هذا وإنما يقعُ ذلك في الوهم لِمَنْ يَقَعُ له - أعني أن تُوجَبَ الفصاحةُ للَّفظةِ وحدها - فيما كان استعارةً. فأمَّا ما خَلاَ من الاستعارةِ من الكلامِ الفصيح البليغ، فلا يَعْرِض توهُّمُ ذلك فيه لعاقلٍ أصْلاً. أفلا تَرَى أنه لا يقَعُ في نفس من يَعْقِلُ أدنى شيء إذا هو نظَرَ إلى قوله ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]، وإلى إكبار الناس شأنَ هذه الآيةِ في الفصاحة أن يضَعَ يدَهُ على كلمةٍ كلمةٍ منها، فيقولَ إنها فصيحة؟ كيفَ وسبَبُ الفصاحةِ فيها أمورٌ لا يَشُكُّ عاقلٌ في أنها معنويَّةٌ: (أوَّلُها) أنْ كانت "على" فيها متعلقةً بمحذوفٍ في موضِع المفعول الثاني. (والثاني) أنْ كانت الجملةُ التي هي "هُم العدوُّ" بعْدَها عاريةً من حرفِ عطفٍ. (والثالث) التعريفُ في (العدوِّ) وأنْ لم يقل: هُمْ عدوٌّ. ولو أنك علَّقْتَ "على" بظاهرٍ، وأدخلْتَ على الجملة التي هي "هم العدوُّ" حرفَ عطْفٍ، وأسقطْتَ (الألف واللام) من "العدو"، فَقُلْتَ: (يحسَبُون كلَّ صيحةٍ واقعةً عليه، وهُمْ عدوٌّ): لرأيتَ الفصاحةَ قد ذهبَتْ عنها بأسْرها. ولو أنك أخْطَرْتَ ببالِكَ أنْ يكونَ "عليهم" متعلِّقاً بنَفْس الصيحة، ويكونَ حالُه معها كحالِه إذا قلت: (صحْتُ عليه): لأخرجْتَه عن أنْ يكون كلاماً، فضْلاً عن أن يكونَ فصيحاً. وهذا هو الفَيْصَلُ لِمَنْ عَقَلَ. ومِنَ العجيب في هذا ما رُويَ: عن أمير المؤمنين عليِّ رضوانُ اللهُ عليه أنه قال (ما سَمِعتُ كلمةً عربيةً مِن العَربِ إلاَّ وسمعْتُها من رَسولِ اللهِ ﷺ ، وسمِعْتُه يقول "مات حتْفَ أنفِهِ". وما سمعتها من عَربيٍّ قبله. لا شُبْهَةَ في أنَّ وصْفَ اللفظِ بالعربيّ في مثْلِ هذا، يكون في معنى الوصْف بأنه فصيحٌ. وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فانظُرْ: هل يَقَعُ في وهْم مُتوهِّم أنْ يكونَ ﵁ قد جعَلَها عربيةً مِنْ أجْل ألفاظِها؟ وإذا نظرْتَ لم تَشُكَّ في ذلك.

стр. 337

واعلمْ أنكَ تَجِدُ هؤلاء الذين يَشكُّون فيما قلْناهُ، تَجْري على ألسنتِهِمْ ألفاظٌ عباراتٌ لا يَصِحُّ لها معنى سِوى توخِّي معاني النحو وأحكامه فيما بَيْن معاني الكَلِم، ثم تَراهُمْ لا يَعْلَمون ذلك. فمِن ذلك ما يقولُه الناسُ قاطبةً من أنَّ العاقلَ يُرتِّبُ في نفسِه ما يُريد أن يَتكلَّم به. وإذا رجَعْنا إلى أنفُسِنا لم نَجِدْ لذلك معنىً سوى أنه يَقْصِدُ إلى قولِكَ (ضَرَبَ) فيجعله خبراً عن "زيدٍ" ويجعلُ الضرْبَ الذي أخْبَرَ بوقوعِه منه، واقعاً على (عمروٍ) ويجعلُ (يومَ الجمعةِ) زمانَه الذي وقَعَ فيه، ويجعَلُ (التأديب) غرَضَه الذي فعَل الضَرْبَ من أجْله، فيقولُ: (ضَرَبَ زيدٌ عَمراً يومَ الجمعةِ تأديباً له). وهذا كما تَرى هُو تَوخِّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكَلِم. ولو أنك فرضْتَ أنْ لا تتوخَّى في (ضرَب) أن تَجْعَلَه خبراً عن (زيد)، وفي (عمرو) أن تجعله مفعولاً به لـ ـ (ضَرَبَ)، وفي (يوم الجمعة) أن تَجْعله زماناً لهذا الضرْب، وفي التأديبِ أنْ تَجعله غَرَض (زيدٍ) من فعلٍ الضرب، ما تصوِّرَ في عقلٍ ولا وَقَع في وهم أن تكونَ مرتِّباً لهذه الكَلِم. وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فهو العِبْرةُ في الكلام كلِّه؛ فمَنْ ظَنَّ ظناً يؤدي إلى خِلافِه، ظَنَّ، ما يخرُج به عن المعقول. ومِنْ ذلك إثباتُهم التعلُّقَ والاتِّصالَ فيما بين الكَلِم وصواحبها تارةً، ونَفْيُهم لها أُخْرى. ومعلومٌ علْمَ الضرورةِ أنْ لن يُتصوَّرَ أن يكون لِلَّفظِةِ تعلُّقٌ بلفظةٍ أُخرى، من غَيْر أنْ تُعتَبَرَ حالُ معنى هذِهِ معنى تِلكَ، ويُراعى هناك أمرٌ يصل إحداهما بالأُخرى، كمراعاةِ كون "نَبْكِ" جواباً للأمر في قوله: (قِفَا نَبْكِ). وكيفَ بالشكِّ في ذلك؟ ولو كانت الألفاظُ يتَعلَّقُ بعضُها ببعضٍ من حيثُ هي ألفاظٌ ومع اطِّراح النظرِ في معانيها، لأدَّى ذلك أنْ يكون الناسُ حينَ ضَحِكوا مَّما يصنَعُه المُجَّانُ من قُرَّاءِ أنصافِ الكتب ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال] من الكامل]: عذلاً شَبيهاً بالجنونِ كأنما ... قرأتْ به الوَرْهاءُ شَطْرَ كتابِ لأنهم لم يَضْحكوا إلاَّ من عَدمِ التعلُّقِ، ولم يجعلْهُ أبو تمام جنوناً إلاَّ لذلك، فانظرْ إلى ما يلزَمُ هؤلاءِ القومَ مِن طرائفِ الأمورِ!

стр. 338

فصل: بيان أنّ الفصاحة تدرك بالعقل لا بالسمع وهذا فنٌّ من الاستدْلال لطيفٌ، على بُطْلانِ أنْ تكونَ الفصاحةُ صفةً لِلَّفظِ من حيثُ هو لفظٌ: لا تخلو الفصاحةُ من أنْ تَكون صفةً في اللفظ محسوسةً تُدركُ بالسمعِ، أو تكونَ صفةً فيه معقولةً تُعرَفُ بالقلبِ، فمحالٌ أن تكون صفةً في اللَّفظِ محسوسةً، لأنها لو كانت كذلكَ، لكان يَنبغي أن يستويَ السامعونَ لِلَّفظِ الفصيحِ في العلم بِكَوْنِه فَصيحاً؛ وإذا بَطل أنْ تكونَ محسوسةً، وجَبَ الحُكْمُ ضرورةً بأنها صفةٌ معقولةٌ، وإذا وجَبَ الحكْمُ بكَوْنها صفةً معقولةً. فإنَّا لا نَعرِفُ لِلَّفْظِ صفةً يكونُ طريقُ معرفَتِها العقلَ دون الحسِّ، إلاَّ دلالَتُه على معناه؛ وإذا كان كذلك، لَزِمَ منه العِلْمُ بأنَّ وصْفَنا اللَّفظ بالفصاحةِ وَصْفٌ له مِن جهة معناه لا من جهة نفسه. وهذا ما لا يَبْقى لِعاقلٍ معه عُذْرٌ في الشَّكِّ. واللهُ الموفِّقُ لِلصَّواب!

стр. 339

فصل: إثبات الفصاحة للفظ باعتبار معناه وبيانٌ آخرُ، وهو أنَّ القارئ إذا قرأ قولَه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيَبْاً﴾ [مريم: ٤] فإنَّه لا يَجِدُ الفصاحة التي يَجِدُها إلاَّ مِنْ بَعْد أن ينتهي الكلامُ إلى آخِرِه. فلو كانت الفصاحَةُ صِفَةً لِلَفْظِ "اشْتَعَلَ" لكانَ ينبغي أنْ يُحِسَّها القارئُ فيه، حالَ نُطْقِه به؛ فمُحالٌ أن تكون للشيءِ صفةٌ ثمَّ لا يَصِحُّ العِلْمُ بتلك الصفة إلاَّ مِنْ بَعْد عَدَمِهِ. ومَنْ ذا رأى صفةً يَعْرى موصوفُها عنها في حال وجودهِ، حتى إذا عُدِمَ صارتْ موجودة فيه؟ وهل سمِعَ السامعون في قديم الدهرِ وحديثهِ، بصفةٍ شرْطُ حصولِها لمَوْصوفِها، أن يُعْدَمَ الموصوف؟ فإنْ قالوا إنَّ الفصاحةَ التي ادَّعينا لِلَفْظِ "اشتعَل" تكونُ فيه في حالِ نُطْقنا به إلاَّ أنَّا لا نَعْلم في تلك الحال أنَّها فيه، فإذا بلَغْنا آخِرَ الكلام علِمْنا حينئذٍ أنها كانت فيه حين نُطْقِنا: قيل: هذا فنٌّ آخر من العَجَب وهو أن تكون ههنا صفةٌ "موجودة" في شيءٍ ثمَّ لا يكون في الإمكانِ ولا يَسَعُ في الجوازِ أنْ نَعْلَم وجودَ تلكَ الصفةِ في ذلك الشيءِ إلاَّ بعْدَ أن يُعْدَم ويكونَ العلمُ بها وبكوْنِها فيه محجوباً عنَّا حتى يُعْدَم، فإذا عُدِم عَلِمْنا حينئذٍ أنها كانتْ فيهِ حينَ كان.

стр. 340

ثم إنه لا شُبْهةَ في أنَّ هذه الفصاحةَ التي يَدَّعونها لِلَّفْظِ هي مُدَّعاةٌ لمجموعِ الكلمةِ دون آحادِ حروفِها، إذْ ليس يَبْلغُ بهم تهافُتُ الرأي إلى أَن يَدَّعوا لِكلِّ واحدٍ من حروفِ (اشتعلَ) فَصَاحةً، فَيَجْعَلُوا (الشِّين) على حِدَتهِ فَصيحاً، وكذلك (التاءُ والعينُ واللام)، وإذا كانت الفصاحةُ مدَّعاةً لِمَجموعِ الكلمةِ لم يُتصوَّرْ حصولُها لها إلاَّ من بعْدِ أن تُعْدَم كلُّها ويَنْقضي أمرُ النطْق بها. ذلك لأنه لا يُتصوَّر أن تدخُلَ الحروفُ بجملتها في النطقِ دفعةً واحدةً، حتى تُجعلَ الفصاحةُ موجودةً فيها في حال وجودها. وما بعْد هذا إلاَّ أن نسألَ الله تَعالى العصمةَ والتوفيق؛ فقد بلغَ الأمرُ في الشناعةِ إلى حدٍّ إذا انتَبَه العاقلُ لَفَّ رأسَهُ حياءً من العقلِ حين يراه قد قال قولاً هذا مؤدَّاه، وسلك مسْلكاً إلى هذا مُفْضاه. وما مَثَلُ مَنْ يَزعُمُ أنَّ الفصاحة صفةٌ لِلَّفْظِ من حيثُ هو لفظٌ، ونطْقُ لسانٍ يَزْعُم أنَّه يَدِّعيها لمجموعِ حُروفِه دونَ آحادِها، إلاَّ مثَلُ مَنْ يزعُمُ أنَّ ههنا غَزْلاً إذا نُسِجَ منه ثوبٌ كان أحْمَر وإذا فُرِّقَ ونُظر إليه خَيْطاً خيطاً لم تكنْ فيه حُمْرةٌ أصْلاً. ومن طريف أمْرهِم، أنَّك تَرى كافَّتَهم لا يُنكِرون أنَّ اللفظَ المستعارَ، إذا كان فصيحاً، كانتْ فصاحتُه تلك، من أجْل استعارتهِ ومن أجْل لطفٍ وغرابةٍ كانا فيها؛ وتَراهم مع ذلك لا يَشُكُّون في أن الاستعارةَ لا تُحْدِثُ في حروف اللفظِ صفةً ولا تُغيِّرُ أجْراسَها عمَّا تكونُ عليه، إذا لم يكن مستعاراً وكان متروكاً على حقيقته، وأنَّ التأثيرَ من الاستعارةِ إنَّما يكونُ في المعنى. كيفَ وهُمْ يعتَقِدونَ أنَّ اللفظَ إذا استُعيرَ لِشيءٍ، نُقِلَ عن معناه الذي وُضع له بالكُلِّية، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلولا إهمالُهُمْ أنفُسَهم وتركُهُم النظَرَ، لقد كان يكون في هذا ما يُوقِظُهم من غَفْلتِهم، ويَكْشِف الغِطاء عن أعينِهم.

стр. 341

فصل: عدم تعلق الفكر بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو ومما ينبغي أنْ يَعْلَمهُ الإنسان ويجعلَه على ذكرٍ، أنه لا يُتصوَّرُ أنْ يتعلَّقَ الفكْرُ بمعاني الكَلِم أفراداً ومجرَّدةً من معاني النحو؛ فلا يقومُ في وهْمٍ ولا يصِحُّ في عقْلٍ أنْ يتَفَكَّرَ مُتفكِّرٌ في معنى فعلٍ مِنْ غيرِ أن يُريدَ إعمالَه في اسْمٍ، ولا أن يتفكَّر في معنى اسْم من غَيْرِ أنْ يُريدَ إعمال فعلٍ فيه وجَعْلَه فاعلاً له أو مفَعولاً، أو يُريد منه حكْماً سوى ذلك من الأحكام، مثْلَ أن يُريدَ جَعْلَه مبتدأً أو خبراً أو صفةً أو حالاً أو ما شَاكَلَ ذلك. وإنْ أردْتَ أن تَرى ذلك عياناً، فاعْمَدْ إلى أيِّ كلامٍ شئْتَ وأزِلْ أجزاءَهُ عن مواضِعها، وضَعْها وضْعاً يَمْتَنِعُ معه دخولُ شيءٍ من معاني النحو فيها. فقل في: قِفَا نَبْك مِنْ ذِكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ (مِنْ نَبْك قِفَا حبيبٍ ذكرى منزِلِ) ثم انظر هل يتعلَّقُ منكَ فكْرٌ، بمعنى كلمةٍ منها؟ واعلمْ أني لستُ أقول إن الفكْرَ لا يتعلَّق بمعاني الكَلِمِ المفردَةِ أصْلاً، ولكني أقولُ إنه لا يتعلَّقُ بها مجرَّدَةً من معاني النحْو ومنْطوقاً بها على وجهٍ لا يتأتَّى معه تقديرُ معاني النحو وتوخِّيها فيها، كالذي أرَيْتُكَ؛ وإلاًَّ فإنَّكَ إذا فكَّرْتَ في الفعلَيْنِ أو الاسْمَيْن تُريد أنْ تُخْبِرَ بأحَدِهما عن الشيء، أيُّهما أوْلى أن تُخْبَر به عنه، وأشْبَهُ بغَرَضِك، مثلَ أن تَنْظُر أيُّهما أَمدَحُ وأذَمُّ؟ وفكَّرْتَ في الشيئينِ تُريد أن تُشَبِّه الشيءَ بأحَدِهما: أيُّهما أشْبَهُ به؟ كنتَ قد فكَّرْت في معاني أَنفُسِ الكَلِم، إلاَّ أنَّ فكْرَكَ ذلك لم يكنْ إلا مِن بَعْد أنْ توخَّيْتَ فيها معنىً من معاني النحوِ، وهو إن أردْتَ جَعْلَ الاسمِ الذي فكَّرْتَ فيه خبراً عن شيءٍ أردتَ فيه مَدْحاً أو ذمّاً أو تشبيهاً أو غيرَ ذلك منَ الأغراض، ولم تَجِئ إلى فعلٍ أو اسم ففَكَّرْتَ فيه فرْداً ومِنْ غَيْر أنْ كان لكَ قَصْدٌ أن تَجْعلَه خبراً أو غيرَ خَبَرٍ، فاعرِفِ ذلَك! وإنْ أردْتَ مثالاً فخُذْ بيتَ بشار [من الطويل]: كأنّ مُثارَ النَّقْع فوْقَ رُؤُوسِنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ

стр. 342

وانظُرْ هلْ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ بشَّار قد أخْطَرَ معاني هذهِ الكَلمِ ببالِه أفرادا عاريةً من معاني النحوِ التي تراها فيها، وأن يكونَ قد وقَع "كأنَّ" في نَفْسه مِنْ غَير أن يكونَ قصَد إيقاعَ التشبيهِ منه على شيءٍ، وأنْ يَكون فكَّرَ في "مُثار النقعِ" مِنْ غَيْر أنْ يكونَ أرادَ إضافةَ الأول إلى الثاني، وفكَّرَ في "فوق رؤوسِنا" مِن غَيْر أنْ يكونَ قد أراد أن يُضيفَ "فوقَ" إلى الرؤوس، وفي (الأسيافِ) من دونِ أنْ يكونَ أرادَ عطْفَها بـ (الواو) على "مُثار" وفي (الواو) من دون أن يكون أرادَ العطْفَ بها، وأن يكون كذلك فكَّرَ في "الليل" من دون أن يكون أرادَ أنْ يَجعلَهُ خبراً لكأن، وفي "تَهاوى كَواكِبُه" من دونِ أن يكون أرادَ أن يَجْعَلَ "تهاوى" فعلاً للكواكبِ، ثم يَجْعَلَ الجملةَ صفةً لِلَّيلِ لِيَتِمَّ الذي أراد من التشبيه؟ أمْ لمْ تَخْطُر هذه الأشياءُ ببالِه إلاَّ مُراداً فيها هذهِ الأحكامُ والمعاني التي تَراها فيها؟ وليت شِعْري، كيفَ يُتصوَّر وُقوعُ قصدٍ منكَ إلى معنى كلمةٍ مِنْ دون أن تريد تَعْليقها بمعنى كلمة أخرى. ومعْنى القَصدِ إلى معاني الكَلِم أنْ تُعْلِمَ السامِعَ بها شيئاً لا يَعْلَمُه؟ ومعلومٌ أنَّكَ أيها المتكلمُ لستَ تقصد أن تُعْلِمَ السامعَ معاني الكَلِم المفردة التي تكلُمُه بها، فلا تقولُ: (خرج زيد): لِتُعْلِمَه معنى [خرَج] في اللغةَ ومعنى [زيدٌ]، كيف ومُحالٌ أن تُكَلِّمَه بألفاظٍ لا يعرف هو معانيها كما تعرف؟ لهذا لم يكنْ الفِعْلُ وحدَهُ مِن دون الاسم ولا الاسمُ وحدَه من دون اسم آخَرَ أوفعلٍ كلاماً، وكنتَ لو قلت "خرَج" ولم تأتِ باسمٍ ولا قدَّرْتَ فيه ضميرَ الشيء، أو قلْتَ: (زيد) ولم تَأْتِ بفعلٍ ولا اسْمٍ آخَرَ، ولم تُضْمِرْهُ في نفسك - كان ذلك، وصوتاً تصُوته سواءٌ، فاعرْفه!

стр. 343

واعلمْ أنَّ مَثلَ واضِعِ الكلام مثَلُ مَنْ يأخذُ قِطَعا من الذهبِ أو الفضةِ، فيُذيبُ بعضَها في بعضٍ حتى تَصير قطعةً واحدةً. وذلك أنك إذا قلتَ: (ضربَ زيدٌ عمراً يومَ الجمعةِ ضَرْباً شديداً تأديباً له)، فإنكَ تَحصُل من مجموعِ هذهِ الكَلِم كلِّها على مفهوم هو معنًى واحدٌ لا عدَّةُ معانٍ كما يتوهَّمُه الناس، وذلَك لأنك لم تَأْتِ بهذه الكَلِمِ لِتُفيدَهُ أنْفُسَ معانيها وإنما جئتَ بها لتُفيدَه وجوهَ التعلُّق التي بين الفعلِ الذي هو (ضرَب) وبين ما عُمِلَ فيه والأحكام التي هي محصولُ التعلُق. وإذا كان الأمرُ كذلك فيَنبغي لنا أن ننظرَ في المفعولية من (عَمروٍ) وكونٍ (يوم الجمعة) زماناً للضرب وكونِ الضرْب (ضرْباً شديداً) وكونِ (التأديبِ) علَّة للضرْب. أيُتصوَّر فيها أن تُفرَدَ عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو إسنادُ (ضرَب) إلى (زيد) وإثباتُ الضرْب به له، حتى يُعْقَل كونُ عمروٍ مفعولاً به وكونُ يومِ الجمعةِ مفعولاً فيه، وكونُ "ضرْباً شديداً" مصدراً وكونُ (التأديب) مفعولاً له، من غير أن يَخْطُرَ ببالِكَ كونُ (زيدٍ) فاعلاً للضَّرْبِ؟ وإذا نَظَرْنا وجَدْنا ذلك لا يُتصوَّر، لأنَّ عَمْراً مفعولٌ لـ (ضَرَب) وقعَ مِن (زيد) عليه و (يومَ الجمعة) زمانٌ لضرْبٍ وقَع من (زيد) و "ضرباً شديداً" بيانٌ لذلك الضرْبِ. كيف هُو وما صِفتُه والتأديبُ علّةُ وبيانُ أنه كان الغرَضُ منه. وإذا كان ذلك كذلك، بانَ منه وثَبَتَ أنَّ المفهومَ من مجموع الكَلِم معنىً واحدٌ لا عِدَّةُ معانٍ، وهو إثباتُك زيداً فاعلاً ضَرْباً لعمروٍ في وقتِ كذا، وعلَى صِفَةِ كذا، ولغرضِ كذا؛ ولهذا المعنى تَقولُ إنه كلامٌ واحدٌ.

стр. 344

وإذْ قد عرَفْتَ هذا فهو العِبْرَةُ أبداً؛ فبيتُ بشار إذا تأَملْتَه، وجدْتَهُ كالحلقة المفْرَغَةِ التي لا تَقْبَلُ التقسيمَ، ورأيتَه قد صنع في الكَلِم التي فيه ما يَصْنَعُه الصانعُ حين يأخُذُ كِسَراً من الذَّهب فيُذِيبُها، ثمَّ يَصبُّها في قالبٍ ويُخرِجُها لكَ سِواراً أو خلْخالاً. وإنْ أنتَ حاوَلْتَ قَطْعَ بعضِ ألفاظِ البيتِ عن بعضٍ، كنْتَ كمَنْ يَكْسِرُ الحَلْقة ويَفْصِمُ السِّوارَ؛ وذلك أنه لم يُرِدْ أن يُشَبِّهَ النقْعَ بالليلِ على حِدَة، والأسيافَ بالكَواكِب عَلى حدَة، ولكنهُ أرادَ أن يُشَبِّه النقْعَ والأسيافُ تَجُولُ فيه، بالليل في حالِ ما تَنْكَدِرُ الكواكِبُ وتتهاوى فيه. فالمفهومُ من الجميع مفهومٌ واحد. والبيتُ مِن أوله إلى آخرِه، كلامٌ واحدٌ. فانظُرِ الآنَ ما تقولُ في اتحاد هذه الكَلِم التي هي أجزاءُ البيتِ: أتقولُ إنَّ ألفاظَها اتَّحدتْ فصارت لفظةً واحدةً، أمْ تقولُ إنَّ معانيَها اتَّحَدتْ فصارتْ الألفاظُ مِن أجْل ذلك، كأنَّها لفظةٌ واحدةٌ؟ فإن كنتَ لا تَشُكُّ أنَّ الاتحادَ الذي تَراه هو في المعاني، إذْ كان مِن فسادِ العقلِ ومِن الذَّهابِ في الخَبَل أنْ يتوهَّمَ مُتَوهِّمٌ أنَّ الألفاظَ يَندمِجُ بعضُها في بعضٍ حتى تصيرَ لفظةً واحدةً، فقد أراك ذلك إن لم تُكابِرْ عقْلَكَ - أَنَّ النظْمَ يكون في معاني الكَلِم دونَ ألفاظِها، وأنَّ نظْمَها هو تَوخِّي معاني النحوِ فيها. وذلك أنه إذا ثَبَتَ الاتحادُ وثَبَت أنَّهُ في المعاني، فَيَنْبغي أن تَنْظُرَ إلى الذي به اتَّحَدَتْ المعاني في بيت بشار؛ وإذا نظَرْنا لم نجدها اتَّحَدَتْ إلاَّ بأنْ جُعِلَ (مثارُ النقعِ) اسمَ كأَنَّ، وجُعلَ الظرفُ الذي هو "فوقَ رؤوسِنا" معمولاً لـ (مثار) ومعلَّقاً به، وأشرَكَ الأسيافَ في (كأنّ) بعطفه لها على "مثارِ"، ثم بأن قال: "ليلٌ تهاوى كواكِبُهْ": فأتى بالليلِ نكرةً وجعل جملة قوله: (تَهاوَى كواكِبُه): له صفةً. ثم جعل مجموع: (ليلٌ تهاوى كواكبُه) خبراً لكان.

стр. 345

فانظرْ هلْ ترى شيئاً كان الاتحادُ به غيرَ ما عدَّدْناه؟ وهل تَعرِفُ له مُوجِباً سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهُوَيْنا وتركُ النظرِ وغطاءٌ أُلقي على عيونِ أقوامٍ، لكانَ يَنبغي أنْ يكونَ في هذا وحدَهُ الكفايةَ وما فوق الكفايةِ، ونسألُ الله تعالى التوفيق!. واعلمْ أنَّ الذي هو آفة هؤلاءِ الذين لَهَجُوا بالأباطيل في أمرِ اللفظِ، أنهم قومٌ قد أسلموا أنفُسَهم إلى التخيُّل، وألقوا مقادَتَهم إلى الأوْهام، حتى عدلتْ بِهم عن الصوابِ كلَّ معدلٍ، ودخلَتْ بِهم مِنْ فُحْشِ الغلَطِ في كل مدْخَلٍ، وتعسَّفَتْ بهم في كل مَجْهلٍ، وجعلَتْهم يرتَكِبونَ في نُصْرةِ رأيهم الفاسد القول بكل محال، ويقتحمون في كل جهالة، حتى إنك لو قلتَ لهم: إنه لا يتأتَّى للناظم نَظْمُه إلا بالفكر والروية، فإذا جعلتم النظْمَ في الألفاظ لَزِمَكُمْ من ذلك أن تجعلوا فكْرَ الإنسان إذا هو فكر في نظم الكلام فكْرا في الألفاظ التي يُريد أنْ يَنطِقَ بها دُونَ المعاني: لم يُبالوا أن يَرتَكِبوا ذلك وأن يتعلقوا فيه بما في العادة ومجرى الجِبِلَّة، منْ أنَّ الإنسان يُخيل إليه إذا هُو فكَّر أنه يسمعُها سماعَه لها حين يُخرِجُها مِنْ فيه، وحين يَجري بها اللسانُ. وهذا تجاهلٌ لأنَّ سبيلَ ذلك سبيلُ إنسانٍ يتخيَّل دائماً في الشيء قد رآه وشاهدَهُ، أنَّه كان يرَاه وينظُرُ إليه، وأنَّ مِثالَهُ نُصْبُ عَيْنه، فكَما لا يوجِبُ هذا أنْ يكونَ رائياً له، وأنْ يكُون الشيءُ موجوداً في نفسه، كذلك لا يكونُ تخيُّلُه أنه كان يَنْطِقُ بالألفاظِ مُوجِباً أنْ يكونَ ناطقاً بها، وأنْ تكونَ موجودةً في نفسه حتى يَجْعلَ ذلك سبباً إلى جعل الفِكْرِ فيها.

стр. 346

ثم إنا نَعْمل على أنه يَنْطِق بالألفاظ في نفْسِه، وأنه يَجِدُها فيها على الحقيقة. فَمِنْ أين لنا أنه إذا فكَّر، كان الفكْرُ منه فيها؟ أمْ ماذا يَرومُ - ليتَ شِعْري - بذلك الفِكْرِ، ومعْلومٌ أنَّ الفِكْرَ من الإنسانِ، يكونُ في أنْ يُخْبِرَ عن شيءٍ بشيء، أو يَصِفَ شيئاً بشيءٍ، أو يُضيف شيئاً إلى شيءٍ، أو يُشْرِكَ شيئاً في حكْم شيءٍ، أو يُخْرِجَ شيئاً من حكْمٍ قد سبَق منه لشيء أو يَجْعلَ وجُودَ شيءٍ شرطاً في وجود شيء، وعَلَى هذا السبيل؟ وهذا كلُّه فِكْرٌ في أمورٍ معلومة معقولة زائدة على اللفظ. وإذْ كان هذا كذلكَ، لم يَخْلُ هذا الذي يُحْمَلُ في الألفاظَ فكْراً مِنْ أحَدِ أمرَيْن: إمَّا أن يُخرجَ هذهِ المعانيَ مِنْ أنْ يكونَ لواضعِ الكلامِ فيها فكْرٌ، ويجعلَ الفِكْرَ كلَّه في الألفاظِ. وإمَّا أن يَجعلَ له فكْرا في اللفظِ مفرداً عن الفكرْة في هذه المعاني، فإنْ ذَهب إلى الأوَّل لم يَكْلم، وإنْ ذهبَ إلى الثاني لزِمَه أن يُجوِّزَ وقوعَ فكْرٍ من الأعجميِّ الذي لا يعرِفُ معانيَ ألفاظِ العربية أصْلاً في الألفاظ؛ وذلك مما لا يَخْفى مكانُ الشنعةِ والفضيحةِ فيه. وشبيهٌ بهذا التوهُّم منهم، إنك قد تَرى أحدَهم يَعْتَبِر حالَ السامع: فإذا رأى المعانيَ لا تترتَّبُ في نفسه إلاَّ بترتُّب الألفاظِ في سمعه، ظنَّ عندَ ذلك أنَّ المعاني تِبْعٌ للألفاظ، وأنَّ الترتُّبَ فيها مكتَسبٌ مِن الألفاظِ ومن ترتُّبها في نُطْق المتكلِّم. وهذا ظنٌّ فاسدٌ ممَّنْ يظنُّه، فإنَّ الاعتبارَ يَنبغي أن يكونَ بحالِ الواضعِ للكلامِ والمؤلِّف له؛ والواجِبُ أن يُنظرَ إلى حالِ المعاني معه لا مَعَ السامِع؛ وإذا نظَرْنا، عَلمْنا ضرورةَ أنه محالٌ أنْ يكونَ الترتُّبُ فيها تِبعاً لترتُّب الألفاظِ ومكُتَسباً عنه، لأنَّ ذلك يقتضي أنْ تكونَ الألفاظُ سابقةً للمعاني، وأن تَقَع في نفْسِ الإنسان أولاً، ثمَّ تقعُ المعاني مِنْ بَعْدها، وتاليةً لها بالعكْسِ ممَّا يَعْلَمُه كلُّ عاقلٍ إذا هو لم يُؤخذ عن نَفْسه، ولم يُضْرَبْ حِجابٌ بينه وبين عَقْلِه.

стр. 347

وليتَ شعري، هل كانت الألفاظُ إلاَّ مِن أجْل المعاني؟ وهل هي إلاَّ خَدمٌ لها، ومُصرَّفَةٌ على حكمها؟ أوَ ليستْ هي سماتٍ لها، وأوضاعاً قد وُضِعَتْ لِتَدُلَّ عليها؟ فكيف يُتصوَّرُ أن تَسْبِقَ المعانيَ وأن تتقَدَّمَها في تَصَوُّرِ النفسِ؟ إنْ جازَ ذلك، جازَ أن تكون أسامي الأشياءِ قد وُضِعَتْ قبْل أن عُرِفَتِ الأشياءُ وقَبْل أنْ كانتْ، وما أدري ما أقولُ في شيء يجرُّ الذاهبينَ إليه إلى أشباه هذا مِن فنونِ المُحال، ورديءِ الأحوال! شبهة على كون النظم بحسب معاني النحو

стр. 348

وهذا سؤالٌ لهم من جنس آخر في النظْم - قالوا: لو كان النظْمُ يكونُ في معاني النحو، لكانَ البدويُّ الذي لم يسمع بالنحو قطُّ، ولم يَعرفِ المبتدأَ والخبرَ وشيئاً مما يذكُرونه، لا يتأتَّى له نظْمُ كلامٍ. وإنَّا لَنرَاه يأتي في كلامِهِ بِنَظْمٍ لا يُحْسنه المتقدِّمُ في علْم النحو: قيلَ: هذه شبهةٌ من جنس ما عرَضَ للذين عابوا المتكلِّمين فقالوا: إِنَّا نعْلم الصحابة ﵃، والعلماءَ في الصدْرِ الأول، لم يكونوا يَعرفون الجوهَر والعرَضَ وصفةَ النفْس وصفةَ المعنى، وسائرَ العباراتِ التي وضعْتُموها؛ فإنْ كان لا تَتِمُّ الدلالةُ على حدوثِ العالَم والعِلْمِ بوحدانيَّة اللهِ إلا بمعرفَةِ هذه الأشياء التي ابتدأتُموها، فينَبغي لكم أن تدَّعوا أَنكم قد علِمتُم في ذلك ما لم يعْلَموه، وأنَّ منزلَتَكم في العِلْم أعلى من منازِلِهم. وجوابُنا هو مثْلُ جوابِ المتكلِّمينَ. وهو أَنّ الاعتبارَ: بمعرفةِ مدْلولِ العباراتِ لا بمعرفة العباراتِ: فإذا عرَفَ البدويُّ الفرْقَ بين أنْ يقولَ: (جاءني زيدٌ راكباً)، وبين قوله: (جاءني زيدٌ الراكبُ)، لم يَضُرَّهُ أنْ لا يعرفَ أَنه إذا قال: "راكباً" كانتْ عبارةُ النحويينَ فيهِ أن يقولوا في "راكب" إنَّه حالٌ؛ وإذا قال "الراكبُ" إنه صفةٌ جاريةٌ على (زيد). وإذا عرَف في قوله: (زيدٌ منطلقٌ): أَنَّ "زيداً" مُخْبَرٌ عنه، و "منطلق" خَبرٌ، لم يضرَّهُ أنْ لا يعلَمَ أنَّا نُسَمِّي "زيداً" مبتدأ. وإذا عرَفَ في قولنا: (ضربْتُه تأديباً له): أنَّ المعنى في (التأديب) أَنه غرَضُه من الضرب، وأن (ضرْبَه) ليتأدَّبَ، لم يضرَّه أنْ لا يَعْلَم أنَّا نسُمِّي (التأديبَ) مفعولاً له. ولو كان عدَمُ العِلْم بهذه العباراتِ يَمِنعهُ العلمَ بما وضعْناها له وأردناه بها، لكانَ يَنبغي أن لا يكونَ له سبيلٌ إلى بيانِ أَغراضِه، وأنْ لا يَفْصِلَ فيما يَتكلَّم به بين نفي وإثباتٍ، وبين "ما" إذا كان استفهاماً، وبينَه إذا كان بمعنى الذي، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسْمَع عباراتِنا في الفرق بين هذه المعاني.

стр. 349

أَترى الأعرابيَّ حين سمِعَ المؤذِّن يقولُ: (أَشْهدُ أنَّ محمداً رسولَ اللهِ): (بالنصْب) فأنْكَر وقال: صنَعَ ماذا؟ أَنْكَر عن غَيْر علم أَنَّ (النصْب) يُخْرجه عن أن يكون خَبَراً ويجعلُه والأوَّلَ في حكْم اسم واحد، وأنه إذا صارَ والأوَّلَ في حكْم اسمٍ واحد احتيجَ إلى اسْمٍ آخر، أو فعْلٍ حتى يكون كلاماً، وحتى يكونَ قد ذكَر ماله فائدةٌ؟ إنْ كان لم يَعلَمْ ذلك، فلماذا قال: صنَعَ ماذا؟ فطلب ما يَجْعلُه خبَراً. ويكفيك أَنه يَلزمُ على ما قالوه أنْ يكونَ امرؤ القيس حين قال: قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ وَمنزلٍ قاله وهو لا يَعْلم ما نعنيه بقولنا: إنَّ "قفا" أمُرٌ و "نَبكِ" جوابُ الأمر و "ذكرى" مضافٌ إلى "حبيب" "ومنزلِ" معطوفٌ على الحبيب، وأنْ تكونَ هذه الألفاظُ قد رُتِّبتْ له من غيرِ قَصْدٍ منه إلى هذه المعاني، وذلكَ يُوجِبُ أن يكونَ قال: (نبك) بالجزم، من غيرِ أن يكونَ عرَفَ معنىً يوجِبُ الجزمَ، وأتى به مؤخراً عن (قفا) من غير أن عرَف لتأخيره موجباً سوى طلب الوزنِ. ومَنْ أفْضَتْ به الحالُ إلى أمثالِ هذه الشناعاتِ ثم لم يَرْتدِعْ ولم يتبيَّنْ أنه على خَطأٍ، فليس إلا ترْكُهُ والإعراضُ عنه. ولولا أنَّا نُحِبُّ أنْ لا يَنْبِسَ أَحدٌ في معنى السؤالِ والاعتراض بحَرْفٍ، إلاَّ أَريناه الذي استَهْواه، لكان تَرْكُ التشاغل بإيرادِ هذا وشبَههِ أَوْلى؛ ذاك لأنَّا قد علِمْنا علْمَ ضرورةٍ أنَّا لو بَقِينا الدهرَ الأَطْوَلَ نُصَعِّدُ ونصوِّبُ ونَبْحثُ ونُنقِّبُ، نبتغي كلمةً قد اتصلتْ بصاحبةٍ لها، ولفظةً قد انتظَمَتْ معَ أختها، من غير أَنْ نتوخَّى فيما بينهما معنىً من معاني النحو، طلَبْنَا ممتنِعاً، وثَنيْنا مَطايا الفكْرِ ظُلَّعاً. فإن كان ههنا مَنْ يَشُكُّ في ذلك ويزعُم أنه قد علِمَ لاتصال الكَلِم بعضها ببعض، وانتظامِ الألفاظِ بعضِها مع بعضٍ، معانيَ غيرَ معاني النحو، فإنَّا نقولُ: هاتِ فبَيِّنْ لنا تلكَ المعاني وأَرِنا مكانَها واهْدِنا لَها، فلعلَّكَ قد أُوتيتَ عِلْماً قد حُجِبَ عنَّا، وفُتِحَ لك بابٌ قد أُغلقَ دُوننا [من الوافر]: وذاكَ له إذا العنقاءُ صارتْ ... مُرَبَّبَةً وَشَبَّ ابْنُ الْخِصِيِّ

стр. 350

فصل: كشف شبهة أخرى للقائلين بأنّ الفصاحة للألفاظ قد أردتُ أن أُعيدَ القولَ في شيءٍ هو أصْل الفَسادِ، ومُعْظمُ الآفةِ، والذي صار حجازاً بين القوم وبَيْنَ التأمل، وأخذَ بهم عن طريق النَّظَرِ، حال بينهُم وبينَ أنْ يُصْغُوا إلى ما يقاَلُ لهم، وأنْ يفتحوا للذي تُبيَّنُ أعينُهم؛ وذلك قولهُم: إنَّ العقلاء قدِ اتَّفقوا على أنَّه يصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحدِ بلفظَينْ، ثم يكونُ أحدُهما فصيحاً والآخرُ غيرَ فصيحٍ: وذلك - قالوا - يقتضي أن يكونَ لِلَّفظِ نصيبٌ في المزيَّة، لأنها لو كانت مقصورةً على المعنى لَكان مُحالاً أَنْ يُجعَلَ لأحدِ اللفظَيْنِ فضْلٌ على الآخَر، مع أَنَّ المعبَّرَ عنه واحد. وهذا شيءٌ تَراهُم يُعْجَبون به ويُكثرون تَرْدادَه، مع أَنهم يؤكَّدونه فيقولون: لولا أَنَّ الأمرَ كذلك، لكانَ يَنْبغي أنْ لا يكون للبيتِ من الشِّعْر فَضْلٌ على تفسير المفسِّر له، لأنه إن كان اللفظُ إنما يَشْرُفُ مِن أجْل معناه، فإنَّ لفظ المفسِّر يأتي على المعنى ويُؤدِّيه لا محالةَ؛ إِذْ لو كان لا يُؤدِّيه لكان لا يكونُ تفسيراً له - ثم يقولون - وإذا لزِمَ ذلكَ في تفسيرِ البيتِ من الشِّعْر، لَزمَ مثْلُه في الآيةِ مِنَ القرآنِ: وهُم إذا انتَهَوْا في الحِجَاج إلى هذا الموضِع، ظَنُّوا أنهم قد أَتَوْا بما لا يجوزُ أن يُسْمَعَ عليهم معَه لِعِلَّةِ كلامٍ، وأَنه نَقْضٌ ليس بعْدَه إبرامٌ؛ وربما أَخْرجَهُمُ الإعجابُ به إلى الضَّحكِ والتعجُّبِ ممَّنْ يَرى أَنَّ إِلى الكلام عليه سبيلاً، وأنْ يَسْتطيعَ أنْ يُقيمَ على بُطْلانِ ما قالوه دليلاً. والجوابُ وبالله التوفيق، أنْ يُقالَ للمحتجِّ بذلك: قولُك: إنه يَصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحدِ بلفظَيْن، يَحْتمِلُ أمرَيْن: أحدهما أَن تُريدَ باللفظَيْن كَلِمتَيْنِ مَعْناهُما واحِدٌ في اللغة، مثْلُ (الليث والأَسد) ومثْلُ (شحَطَ وبَعُد) وأشباهٍ ذلك ممَّا وُضِع اللفظان فيه لِمعْنى.

стр. 351

والثاني أن تُريد كلامَيْن. فإنْ أردْتَ الأَوَّلَ، خرجْتَ من المسأَلة، لأنَّ كلامَنا نحْنُ في فصاحة تَحْدُثُ مِن بَعْد التأليفِ دون الفصاحة التي تُوصَفُ بها اللفظةُ مفردةً ومن غير أن يُعْتَبر حالُها مع غيرها؛ وإنْ أردْتَ الثاني، ولا بدَّ لك مِنْ أَنْ تُريده، فإنَّ ههنا أصْلاً: مَنْ عَرَفَهُ عَرَف سقوطَ هذا الاعتراض، وهو أنْ يَعْلَم أنَّ سبيلَ المعاني سَبيلُ أَشكالِ الحُليِّ: كالخاتَم والشَّنْفِ والسِّوار؛ فكما أَنَّ مِنْ شأْنِ هذه الأشكالِ أن يكون الواحدُ منها غُفْلاً ساذَجاً لم يَعْملأ صانِعُه فيه شيئاً أكثرَ من أنْ يأتيَ بما يَقْعُ عليه اسْمُ الخاتَمِ إن كان خاتماً، والشَّنْفِ إن كان شَنْفاً، وأن يكونَ مصنوعاً بديعاً قد أَغْرَب صانعُه فيه، كذلك سبيلُ المعاني أن تَرى الواحدَ منها غُفْلاً ساذجاً عامياً موجوداً في كلام الناس كُلِّهمِ ثم تَراه نفْسَه وقد عَمَد إليه البَصيرُ بشأنِ البلاغةِ وإحداث الصُّوَرِ في المعاني، فيَصْنَعُ فيه ما يَصْنَع الصَّنَعُ الحاذقُ، حتى يُغْرِبَ في الصنعةِ ويُدِقَّ في العمل ويُبْدِعَ في الصياغَة؛ وشواهدُ ذلك حاضِرةٌ لك كيفَ شئْتَ؛ وأَمْثلتُه نُصْبُ عينيك من أينَ نظَرْتَ، تنظر إلى قول الناس: الطبْعُ لا يتَغيَّرُ ولسْتَ تَسْتطيعُ أَنّ تُخْرِجَ الإنسانَ عمَّا جُبِلَ عليه؛ فترَى معنى غُفَلاً عامياً معروفاً في كل جيل وأمه، ثم تنظر إليه في قول المتنبي [من المتقارب]: يُرادُ مِنَ القلبِ نِسْيانُكُمْ ... وتأبى الطباعُ على الناقِلِ فتَجدُه قد خَرجَ في أحْسَنِ صورة، وترَاه قد تَحوَّلَ جوهرةً بعد أنْ كانَ خَرْزةً، وصار أعجبَ شيء بعد أنْ لم يكُنْ شيئاً. وإذْ قد عرَفْتَ ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصَدُوا حين قالوا: إنه يَصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحد بلفظَيْن، ثم يكونَ أحدُهُما فصيحاً والآخرُ غيرَ فَصيح: كأنهم قالوا إنه يصِحُّ أَنْ تكون هاهنا عبارتان أَصْلُ المعنى فيهما واحدٌ ثم يكونُ لإِحداهما في تحسين ذلكَ المعنى وتَزْيينهِ وإِحداثِ خصوصيةٍ فيه، تأثيرٌ لا يكونُ للأُِخْرى.

стр. 352

واعلمْ أَن المخالِفَ لا يَخْلو مِنْ أنْ يُنْكِر أنْ يكونَ لِلمعنى في إحدى العبارتَيْن حسْنٌ ومزيةٌ لا يكونان له في الأخرى. وأنْ تَحْدُثَ فيه على الجملةِ صورةٌ لم تكُن أو يُعْرف ذلك. فإنْ أَنكرَ، لم يُكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يَجْعَل لِلمعنى في قوله: وتأبى الطباعُ على الناقل مزيةٌ على الذي يُعقَل من قولهم: الطبعُ لا يتغيَّر ولا يَستطيعُ أنْ يُخرجَ الإنسانَ عما جُبِل عليه: وأنْ لا يُرى لِقولِ أبي نواس: [من السريع]: ليسَ على الله بمستنكَرٍ ... أَنْ يَجْمعَ العالَم في واحدِ مزيةٌ على أن يُقال: غيرُ بديع في قدرةِ اللهِ تَعالى أن يَجْمعَ فضائِلَ الخَلْقِ كلَّهم في رجُلٍ واحدٍ. ومَن أَدَّاهُ قولٌ يقولُه إلى مثْلِ هذا، وكان الكلامُ معه مُحالاً؛ وكنتَ إِذا كلَّفْتَه أَنْ يَعْرِفَ، كَمَنْ يُكَلَّفُ أن يُميِّز بحوَر الشعرِ بعضِها من بعضٍ، فيَعْرفَ المديدَ من الطويلِ والبسيطَ من السريع مَنْ ليس له ذوقٌ يُقيمُ به الشِّعْرَ مِن أَصْلِه؛ وإِنْ اعترفَ بأَنَّ ذلك يكون، قلنا له: أَخْبِرْنا عنكَ أَتقولُ في قوله: وتأبى الطباعُ على الناقلِ إنَّهُ غايةٌ في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم! قيلَ له: أفكانَ كذلك عندكَ من أجْلِ حروفِه، أمْ من أجْلِ حُسْنٍ ومزيةٍ حَصَلا في المعنى؟ فإن قال: مِنْ أَجْل حُروفه: دخلَ في الهذيان، وإن قال: من أجل حُسْنٍ ومزيّةٍ حصَلا في المعنى: قيل له: فذاكَ ما أَردْناكَ عليه، حين قلْنا إن اللفظ يكون فَصيحاً من أجْل مزيةٍ تقع في معناه، لا مِنْ أجْل جَرْسِه وصَداه. دلالة مراتب التشبيه على أن الفصاحة والبلاغة للمعاني

стр. 353

واعلمْ أنه ليس شيءٌ أبْيَن وأوْضَحَ وأَحْرى أن يَكْشِفَ الشبهةَ عن متأمِّلهِ في صحَّةِ ما قلناه مِن التشبيهِ. فإنكَ تقولُ: (زيدٌ كالأسَدِ أو مثلَ الأسدِ أَوْ شبيهٌ بالأسدِ): فتجدُ ذلكَ كلَّه تشبيهاً غُفْلاً ساذَجاً. ثم تقولُ: (كأنَّ زيداً الأَسَدُ): فيكونُ تشبيهاً أيضاً، إلاَّ أَنك تَرى بَيْنَه وبينَ الأولِ بَوْناً بعيداً، لأنك تَرى له صورةً خاصةً، وتَجِدُكَ قد فخَّمْتَ المعنى وزدْتَ فيه، بإنْ أفدْتَ أَنه مِن الشجاعةِ وشدةِ البطْشِ وأَنَّ قلْبَه قلبٌ لا يُخامِرُه الذعْرُ ولا يَدخلُه الروْعُ بحيثُ يتوهَّم أَنه الأَسَدُ بعينه. ثم تقول: لَئنْ لقِيتَهُ لَيَلْقَينَّكَ منه الأَسَدُ؛ فتَجدُه قد أفادَ هذه المبالغةَ لكنْ في صورةٍ أحْسَنَ وصِفَةٍ أخَصَّ؛ وذلك أَنك تَجْعَلهُ في "كأن" يتوهَّم أَنه الأسَدُ، وتَجعلُه هاهنا، يُرى منه الأسدُ على القطع، فيَخرُجُ الأَمرُ عن حدِّ التوهُّم إِلى حدِ اليقينِ. ثم إن نظرْتَ إلى قوله [من الطويل]: أَإِن أُرعِشَتْ كفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ ... يداكَ يدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ غالِبُهْ وجدَتهُ قد بَدا لكَ في صورةٍ أنقَ وأحْسَنَ. ثم إن نظرْتَ إلى قولِ أرطاة بن سُهَيَّة [من البسيط]: إنْ تَلْقَني لا تَرى غيري بِنَاظرةٍ ... تنسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جبهةَ الأَسدِ وجدْتَه قد فضَلَ الجميعَ، ورأيتَه قد أُخْرِجَ في صورةٍ غيرِ تلكَ الصورِ كلِّها.

стр. 354

واعلمْ أَنَّ من الباطلِ والمُحالِ، ما يَعْلمُ الإنسانُ بُطلانَه واستحالتَه بالرجوعِ إلى النفْس حتى لا يَشُكّ؛ ثم إنه إذا أرادَ بيانَ ما يجِدُ في نفْسِه والدلالةِ عليه، رأَى المَسْلكَ إليه يَغْمُضُ ويَدِقُّ. وهذه الشبهةُ - أعني قولهم: إنه لو كان يجُوزُ أنْ يكونَ الأمرُ على خلاف ما قالوه مِن أَنَّ الفصاحةَ وصْفٌ لِلَّفظِ مِنْ حيثُ هو لفظٌ، لكان يَنبغي أَنْ لا يكونَ للبيت من الشعر فضْلٌ على تَفسير المفسِّر إلى آخره - من ذاك، وقد علقتْ لذلك بالنفوس وقَويتْ فيها حتى إنَّكَ لا تلقى إلى أَحدٍ من المتعلِّقين بأمرِ اللفظ كلمةً مما نحنُ فيه إلاَّ كان هذا أوَّلَ كلامهِ، وإِلاَّ عَجِبَ وقال: إن التفسيرَ بيانٌ للمفسَّر فلا يجوز أن يبَقى مِنْ معنى المفسَّر شيءٌ لا يؤديه التفسيرُ ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القولِ بالمُحالِ وهو أن لا يزال يَبْقى مِن معنى المفسَّرِ شيءٌ لا يَكونُ إلى العلم به سبيلٌ. وإذا كان الأمرُ كذلك، ثبَتَ أنَّ الصحيحَ ما قلْناه من أنه لا يجوزُ أن يكونَ لِلَّفظِ المفسَّر فضْلٌ من حيث المعنى على لفظِ التفسيرِ، وإذا لم يَجُزْ أنْ يكونَ الفضلُ من حيثُ المعنى، لم يَبْقَ إلاَّ أنْ يكون من حيثُ اللفَظُ نفسُه: فهذا جملةُ ما يمكِنهُم أنْ يقولوه في نُصْرة هذه الشبهةِ قد استقصيْتُه لكَ؛ وإذ قد عرفْتَه فاسمَعِ الجوابَ، وإلى اللهِ تعالى الرغبةُ في التوفيق للصواب! رد شبهتهم لو كانت الفصاحة للمعاني لكان التفسير كالمفسَّر إعلمْ أنَّ قولهم: إنَّ التفسيرَ يجبُ أنْ يكون كالمفسَّر: دعوى لا تَصِحُّ لَهم إلاَّ مِن بعْدِ أنْ يُنْكِروا الذي بيَّناه مِنْ أَنَّ مِن شأْن المعاني أنْ تختلفَ بها الصورُ، ويَدْفعوه أصلاً حتى يدَّعوا أنه لا فرْقَ بين الكنايةِ والتصريح، وأنَّ حالَ المعنى مع الاستعارةِ كحاله مع تَرْك الاستعارة، وحتى يُبْطلوا ما أَطْبَقَ عليه العقلاءُ مِن أنَّ المجازَ يكونُ أبداً أبلغَ من الحقيقة، فَيْزعموا أنَّ قولنا: (طويلُ النِّجادِ وطويلُ القامةِ): واحد، وأنَّ حال المعنى في بيت ابْنِ هَرْمَة [من المنسرح]: ولا أبتاعُ إلا قريبةَ الأجَلِ

стр. 355

كحالهِ في قولك: (أنا مضياف). وأَنَّك إذا قلتَ: (رأيتُ أسداً): لم يكنِ الأمرُ أقوى من أَنْ تقولَ: (رأيتُ رجلاً هو من الشجاعة بحيثُ لا ينقصُ عن الأَسد). ولم تكنْ قدَّرتَ في المعنى بأنِ ادَّعيتَ له أنَّه أسَدٌ بالحقيقة ولا بالغْت فيه؛ وحتى يَزْعمُوا أنه لا فضلَ ولا مزيةَ لقولهم: (أَلقيتُ حَبْلَه على غارِبِه): على قولك في تفسيره: (خلَّيتُهُ وما يريدُ وتركْتُه يفَعلُ ما يشاءُ). وحتى لا يَجعلوا لِلمعنى في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ [البقرة: ٩٣] مزيةً على أن يقال: (اشتدَّتْ محبتُهم للعجْلِ وغلَبَتْ على قلوبهم)، وأن تكونَ صورةُ المعنى في قوله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] صورتَه في قول من يقول: (وشابَ رأسي كلُّه وأبيضَّ رأْسي كلُّه)، وحتى لا يَرَوْا فرْقاً بين قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وبين: (فما رَبِحوا في تجارَتِهم)، وحتى يَرْتكبوا جميعَ ما أرَيْناك الشَّناعةَ فيه، من أنْ لا يكونَ فرْقٌ بين قول المتنبي: وتأبى الطباعُ على الناقلِ وبين قولهم: (إنك لا تَقدِرُ أن تغيِّر طبَاعَ الإنسان)، ويَجْعلوا حالَ المعنى في قول أبي نواس [من السريع]: ليسَ على اللهِ بمستنكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ
следующие страницы →