Полный текст (435 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
والثاني أن تُريد كلامَيْن. فإنْ أردْتَ الأَوَّلَ، خرجْتَ من المسأَلة، لأنَّ كلامَنا نحْنُ في فصاحة تَحْدُثُ مِن بَعْد التأليفِ دون الفصاحة التي تُوصَفُ بها اللفظةُ مفردةً ومن غير أن يُعْتَبر حالُها مع غيرها؛ وإنْ أردْتَ الثاني، ولا بدَّ لك مِنْ أَنْ تُريده، فإنَّ ههنا أصْلاً: مَنْ عَرَفَهُ عَرَف سقوطَ هذا الاعتراض، وهو أنْ يَعْلَم أنَّ سبيلَ المعاني سَبيلُ أَشكالِ الحُليِّ: كالخاتَم والشَّنْفِ والسِّوار؛ فكما أَنَّ مِنْ شأْنِ هذه الأشكالِ أن يكون الواحدُ منها غُفْلاً ساذَجاً لم يَعْملأ صانِعُه فيه شيئاً أكثرَ من أنْ يأتيَ بما يَقْعُ عليه اسْمُ الخاتَمِ إن كان خاتماً، والشَّنْفِ إن كان شَنْفاً، وأن يكونَ مصنوعاً بديعاً قد أَغْرَب صانعُه فيه، كذلك سبيلُ المعاني أن تَرى الواحدَ منها غُفْلاً ساذجاً عامياً موجوداً في كلام الناس كُلِّهمِ ثم تَراه نفْسَه وقد عَمَد إليه البَصيرُ بشأنِ البلاغةِ وإحداث الصُّوَرِ في المعاني، فيَصْنَعُ فيه ما يَصْنَع الصَّنَعُ الحاذقُ، حتى يُغْرِبَ في الصنعةِ ويُدِقَّ في العمل ويُبْدِعَ في الصياغَة؛ وشواهدُ ذلك حاضِرةٌ لك كيفَ شئْتَ؛ وأَمْثلتُه نُصْبُ عينيك من أينَ نظَرْتَ، تنظر إلى قول الناس: الطبْعُ لا يتَغيَّرُ ولسْتَ تَسْتطيعُ أَنّ تُخْرِجَ الإنسانَ عمَّا جُبِلَ عليه؛ فترَى معنى غُفَلاً عامياً معروفاً في كل جيل وأمه، ثم تنظر إليه في قول المتنبي [من المتقارب]:
يُرادُ مِنَ القلبِ نِسْيانُكُمْ ... وتأبى الطباعُ على الناقِلِ
فتَجدُه قد خَرجَ في أحْسَنِ صورة، وترَاه قد تَحوَّلَ جوهرةً بعد أنْ كانَ خَرْزةً، وصار أعجبَ شيء بعد أنْ لم يكُنْ شيئاً.
وإذْ قد عرَفْتَ ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصَدُوا حين قالوا: إنه يَصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحد بلفظَيْن، ثم يكونَ أحدُهُما فصيحاً والآخرُ غيرَ فَصيح: كأنهم قالوا إنه يصِحُّ أَنْ تكون هاهنا عبارتان أَصْلُ المعنى فيهما واحدٌ ثم يكونُ لإِحداهما في تحسين ذلكَ المعنى وتَزْيينهِ وإِحداثِ خصوصيةٍ فيه، تأثيرٌ لا يكونُ للأُِخْرى.
стр. 352
واعلمْ أَن المخالِفَ لا يَخْلو مِنْ أنْ يُنْكِر أنْ يكونَ لِلمعنى في إحدى العبارتَيْن حسْنٌ ومزيةٌ لا يكونان له في الأخرى. وأنْ تَحْدُثَ فيه على الجملةِ صورةٌ لم تكُن أو يُعْرف ذلك. فإنْ أَنكرَ، لم يُكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يَجْعَل لِلمعنى في قوله:
وتأبى الطباعُ على الناقل
مزيةٌ على الذي يُعقَل من قولهم: الطبعُ لا يتغيَّر ولا يَستطيعُ أنْ يُخرجَ الإنسانَ عما جُبِل عليه: وأنْ لا يُرى لِقولِ أبي نواس: [من السريع]:
ليسَ على الله بمستنكَرٍ ... أَنْ يَجْمعَ العالَم في واحدِ
مزيةٌ على أن يُقال: غيرُ بديع في قدرةِ اللهِ تَعالى أن يَجْمعَ فضائِلَ الخَلْقِ كلَّهم في رجُلٍ واحدٍ. ومَن أَدَّاهُ قولٌ يقولُه إلى مثْلِ هذا، وكان الكلامُ معه مُحالاً؛ وكنتَ إِذا كلَّفْتَه أَنْ يَعْرِفَ، كَمَنْ يُكَلَّفُ أن يُميِّز بحوَر الشعرِ بعضِها من بعضٍ، فيَعْرفَ المديدَ من الطويلِ والبسيطَ من السريع مَنْ ليس له ذوقٌ يُقيمُ به الشِّعْرَ مِن أَصْلِه؛ وإِنْ اعترفَ بأَنَّ ذلك يكون، قلنا له: أَخْبِرْنا عنكَ أَتقولُ في قوله:
وتأبى الطباعُ على الناقلِ
إنَّهُ غايةٌ في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم! قيلَ له: أفكانَ كذلك عندكَ من أجْلِ حروفِه، أمْ من أجْلِ حُسْنٍ ومزيةٍ حَصَلا في المعنى؟ فإن قال: مِنْ أَجْل حُروفه: دخلَ في الهذيان، وإن قال: من أجل حُسْنٍ ومزيّةٍ حصَلا في المعنى: قيل له: فذاكَ ما أَردْناكَ عليه، حين قلْنا إن اللفظ يكون فَصيحاً من أجْل مزيةٍ تقع في معناه، لا مِنْ أجْل جَرْسِه وصَداه.
دلالة مراتب التشبيه على أن الفصاحة والبلاغة للمعاني
стр. 353
واعلمْ أنه ليس شيءٌ أبْيَن وأوْضَحَ وأَحْرى أن يَكْشِفَ الشبهةَ عن متأمِّلهِ في صحَّةِ ما قلناه مِن التشبيهِ. فإنكَ تقولُ: (زيدٌ كالأسَدِ أو مثلَ الأسدِ أَوْ شبيهٌ بالأسدِ): فتجدُ ذلكَ كلَّه تشبيهاً غُفْلاً ساذَجاً. ثم تقولُ: (كأنَّ زيداً الأَسَدُ): فيكونُ تشبيهاً أيضاً، إلاَّ أَنك تَرى بَيْنَه وبينَ الأولِ بَوْناً بعيداً، لأنك تَرى له صورةً خاصةً، وتَجِدُكَ قد فخَّمْتَ المعنى وزدْتَ فيه، بإنْ أفدْتَ أَنه مِن الشجاعةِ وشدةِ البطْشِ وأَنَّ قلْبَه قلبٌ لا يُخامِرُه الذعْرُ ولا يَدخلُه الروْعُ بحيثُ يتوهَّم أَنه الأَسَدُ بعينه. ثم تقول: لَئنْ لقِيتَهُ لَيَلْقَينَّكَ منه الأَسَدُ؛ فتَجدُه قد أفادَ هذه المبالغةَ لكنْ في صورةٍ أحْسَنَ وصِفَةٍ أخَصَّ؛ وذلك أَنك تَجْعَلهُ في "كأن" يتوهَّم أَنه الأسَدُ، وتَجعلُه هاهنا، يُرى منه الأسدُ على القطع، فيَخرُجُ الأَمرُ عن حدِّ التوهُّم إِلى حدِ اليقينِ. ثم إن نظرْتَ إلى قوله [من الطويل]:
أَإِن أُرعِشَتْ كفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ ... يداكَ يدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ غالِبُهْ
وجدَتهُ قد بَدا لكَ في صورةٍ أنقَ وأحْسَنَ. ثم إن نظرْتَ إلى قولِ أرطاة بن سُهَيَّة [من البسيط]:
إنْ تَلْقَني لا تَرى غيري بِنَاظرةٍ ... تنسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جبهةَ الأَسدِ
وجدْتَه قد فضَلَ الجميعَ، ورأيتَه قد أُخْرِجَ في صورةٍ غيرِ تلكَ الصورِ كلِّها.
стр. 354
واعلمْ أَنَّ من الباطلِ والمُحالِ، ما يَعْلمُ الإنسانُ بُطلانَه واستحالتَه بالرجوعِ إلى النفْس حتى لا يَشُكّ؛ ثم إنه إذا أرادَ بيانَ ما يجِدُ في نفْسِه والدلالةِ عليه، رأَى المَسْلكَ إليه يَغْمُضُ ويَدِقُّ. وهذه الشبهةُ - أعني قولهم: إنه لو كان يجُوزُ أنْ يكونَ الأمرُ على خلاف ما قالوه مِن أَنَّ الفصاحةَ وصْفٌ لِلَّفظِ مِنْ حيثُ هو لفظٌ، لكان يَنبغي أَنْ لا يكونَ للبيت من الشعر فضْلٌ على تَفسير المفسِّر إلى آخره - من ذاك، وقد علقتْ لذلك بالنفوس وقَويتْ فيها حتى إنَّكَ لا تلقى إلى أَحدٍ من المتعلِّقين بأمرِ اللفظ كلمةً مما نحنُ فيه إلاَّ كان هذا أوَّلَ كلامهِ، وإِلاَّ عَجِبَ وقال: إن التفسيرَ بيانٌ للمفسَّر فلا يجوز أن يبَقى مِنْ معنى المفسَّر شيءٌ لا يؤديه التفسيرُ ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القولِ بالمُحالِ وهو أن لا يزال يَبْقى مِن معنى المفسَّرِ شيءٌ لا يَكونُ إلى العلم به سبيلٌ. وإذا كان الأمرُ كذلك، ثبَتَ أنَّ الصحيحَ ما قلْناه من أنه لا يجوزُ أن يكونَ لِلَّفظِ المفسَّر فضْلٌ من حيث المعنى على لفظِ التفسيرِ، وإذا لم يَجُزْ أنْ يكونَ الفضلُ من حيثُ المعنى، لم يَبْقَ إلاَّ أنْ يكون من حيثُ اللفَظُ نفسُه: فهذا جملةُ ما يمكِنهُم أنْ يقولوه في نُصْرة هذه الشبهةِ قد استقصيْتُه لكَ؛ وإذ قد عرفْتَه فاسمَعِ الجوابَ، وإلى اللهِ تعالى الرغبةُ في التوفيق للصواب!
رد شبهتهم لو كانت الفصاحة للمعاني لكان التفسير كالمفسَّر
إعلمْ أنَّ قولهم: إنَّ التفسيرَ يجبُ أنْ يكون كالمفسَّر: دعوى لا تَصِحُّ لَهم إلاَّ مِن بعْدِ أنْ يُنْكِروا الذي بيَّناه مِنْ أَنَّ مِن شأْن المعاني أنْ تختلفَ بها الصورُ، ويَدْفعوه أصلاً حتى يدَّعوا أنه لا فرْقَ بين الكنايةِ والتصريح، وأنَّ حالَ المعنى مع الاستعارةِ كحاله مع تَرْك الاستعارة، وحتى يُبْطلوا ما أَطْبَقَ عليه العقلاءُ مِن أنَّ المجازَ يكونُ أبداً أبلغَ من الحقيقة، فَيْزعموا أنَّ قولنا: (طويلُ النِّجادِ وطويلُ القامةِ): واحد، وأنَّ حال المعنى في بيت ابْنِ هَرْمَة [من المنسرح]:
ولا أبتاعُ إلا قريبةَ الأجَلِ
стр. 355
كحالهِ في قولك: (أنا مضياف). وأَنَّك إذا قلتَ: (رأيتُ أسداً): لم يكنِ الأمرُ أقوى من أَنْ تقولَ: (رأيتُ رجلاً هو من الشجاعة بحيثُ لا ينقصُ عن الأَسد). ولم تكنْ قدَّرتَ في المعنى بأنِ ادَّعيتَ له أنَّه أسَدٌ بالحقيقة ولا بالغْت فيه؛ وحتى يَزْعمُوا أنه لا فضلَ ولا مزيةَ لقولهم: (أَلقيتُ حَبْلَه على غارِبِه): على قولك في تفسيره: (خلَّيتُهُ وما يريدُ وتركْتُه يفَعلُ ما يشاءُ). وحتى لا يَجعلوا لِلمعنى في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ [البقرة: ٩٣] مزيةً على أن يقال: (اشتدَّتْ محبتُهم للعجْلِ وغلَبَتْ على قلوبهم)، وأن تكونَ صورةُ المعنى في قوله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] صورتَه في قول من يقول: (وشابَ رأسي كلُّه وأبيضَّ رأْسي كلُّه)، وحتى لا يَرَوْا فرْقاً بين قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وبين: (فما رَبِحوا في تجارَتِهم)، وحتى يَرْتكبوا جميعَ ما أرَيْناك الشَّناعةَ فيه، من أنْ لا يكونَ فرْقٌ بين قول المتنبي:
وتأبى الطباعُ على الناقلِ
وبين قولهم: (إنك لا تَقدِرُ أن تغيِّر طبَاعَ الإنسان)، ويَجْعلوا حالَ المعنى في قول أبي نواس [من السريع]:
ليسَ على اللهِ بمستنكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ
стр. 356
كحالهِ في قولِنا: (إنه ليس ببديع في قُدْرة اللهِ أن يَجْمع فضائلَ الخَلْقِ كلِّهم في واحد)، ويرتكبوا ذلك في الكلام كلِّه حتى يَزْعموا أنَّا إذا قلْنا، في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]: إنَّ المعنى فيها أنه لمَّا كان الإنسانُ إذا هَمَّ بقَتْلِ آخَر لِشيءٍ غاظَهُ منه، فذَكَر أَنَّه إنْ قَتَله قُتِلَ، ارتَدَعَ، صار المهمومُ بِقَتْله، كأنه قد استفادَ حياةً فيما يَسْتَقبِلُ بالقِصاص، كنا قد أَدَّينا في تفسيرنا هذا على صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نَعرفَ فضْلاً، وحتى يكونَ حالُ الآية والتفسيرِ حالَ اللفظتين: إحداهما غريبةٌ والأخرى مشهورة، فتُفَسَّر الغريبةُ المشهورة، مثْلَ أن تقولَ مثَلاً في "الشوقب" إنه: الطويلُ، وفي "القطَّ" إنه: الكِتاب، وفي "الدُسُّرِ" إنه المَسامير. ومَنْ صارَ الأمرُ به إلى هذا، كان الكلامُ معه مُحالاً.
واعلمْ أَنه ليسَ عَجيبٌ أعجبَ مِن حالِ مَن يَرى كلامَيْن، أجزاءُ أحَدِهما مخالِفةٌ في معانيها لأجزاءِ الآخَر، ثم يَرى أنه يَسَعُ في العقْلِ أن يكونَ معنى أحَدِ الكلامَيْن مثْلَ معنى الآخر سواءٌ، حتى يَتصدَّى فيقولُ: إنه لو كان يكونُ الكلامُ فَصيحاً مِن أجْل مزيَّةٍ تكونُ في معناه، لكانَ يَنبغي أَن تُوجَد تلكَ المزيةُ في تفسيره. ومثْلُه في العَجَب أنه يَنظُرُ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] فيرَى إعرابَ الاسْم الذي هو "التجارة" قد تغيَّر، فصارَ مرفوعاً بعد أن كان مجروراً، ويرَى أنه قد حُذِفَ من اللفظ بعضُ ما كان فيهِ وهو "الواو" في "ربحوا" و"في" من قولنا: (في تجارتهم). ثم لا نَعلم أنَّ ذلك يَقْتضي أن يكونَ المعنى قد تَغيَّر كما تغيَّر اللفظُ.
واعلمْ أَنه ليسَ للحِجَجِ والدلائل في صحَّةِ ما نحن عليه، حَدٍّ ونهايةٌ. وكلَّما انتهى منه بابٌ انفتَحَ فيه بابٌ آخر. وقد أردتُ أن آخذ في نوعٍ آخر من الحِجَاج ومن البَسْط والشرح، فتأملْ ما أكْتبُه لك!.
بيان الفصاحة في اللفظ والفصاحة في النظم
стр. 357
إعلمْ أَنَّ الكلامَ الفصيحَ ينقسمُ قسمين: قسمٌ تُعزى المزيةُ والحسْنُ فيه إلى اللفظِ، وقسمٌ يُعْزَى ذلكَ فيه إلى النظْم.
فالقسم الأول: الكناية والاستعارة والتمثيل الكائن على حَدِّ الاستعارة، وكلُّ ما كان فيه على الجملةِ مَجازٌ واتساعٌ وعُدُولٌ باللفظ عن الظاهر. فما مِنْ ضَرْبٍ من هذه الضُّروب إلاَّ وهو إذا وقَعَ على الصواب وعلى ما يَنْبغي، أوْجَبَ الفضْلَ والمزيَّةَ. فإذا قلتَ: (هو كثيرُ رمادِ القدْر)، كان له موقِعٌ وحظٌّ من القَبول، لا يكون إذا قلتَ: (هو كثير القِرى والضِّيافة). وكذا إذا قلتَ: (هو طويل النِّجاد)، كان له تأثيرٌ في النفس لا يكون إذا قلتَ: (هو طويلُ القامة). وكذا إذا قلتَ: (رأيتُ أسداً)، كان له مزيةٌ لا تكونُ إذا قلتَ: (رأيتُ رجلاً يُشبهُ الأسدَ ويُساويه في الشجاعة). وكذلك إذا قلتَ: (أراك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخِّرُ أخرى). كان له موقعٌ لا يكون إذا قلتَ: أراكَ تتردَّدُ في الذي دعوتُكَ إليه، كمَنْ يقولُ: أخرُجُ ولا أخرج فيُقدِّم رجْلاً ويؤخِّر أُخرى). وكذلك إِذا قلتَ: (أَلقى حبْلَه على غاربه)، كان له مأخَذٌ من القَلْب لا يكونُ إذا قلتَ: (هو كالبعير الذي يُلْقَى حَبْلُه على غاربة، حتى يَرْعى كيْفَ يشاءُ ويذهَبَ حيثُ يُريد). لا يَجْهَلُ المزيةَ فيه إلاَّ عديمُ الحِسِّ، ميِّتُ النَّفْس، وإلاَّ مَنْ لا يكلَم، لأنه مِن مَبادىء المعرفةِ التي مَن عَدِمَها لم يَكنْ للكلام معه معنى.
فصاحة الكناية عقلية أو معنوية لا لفظية
стр. 358
وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملةَ، فينبغي أنْ تَنْظرَ إلى هذه المعاني واحداً، وتعْرِفَ مَحْصولَها وحقائقَها، وأن تَنظُرَ أولاً إِلى الكناية. وإذا نظرْتَ إليها وجدْتَ حقيقتهَا ومحْصولَ أمرِها أَنها إثباتٌ لِمعنىً أنتَ تَعْرِفُ ذلك المعنى مِنْ طريق المعقولِ دون طَريق اللفظ. ألاَ ترى أَنكَ لَمَّا نظرْتَ إلى قولهم: (هو كثيرُ رَمادِ القِدْر)، وعرفْتَ منه إنهم أرادوا أَنه كثيرُ القِرى والضيافة، لم تعرِفْ ذلك مِنَ اللفظِ، ولكنَّك عرفْتَه بأن رجَعْتَ إلى نَفْسك فقلتَ: إنه كلامٌ قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكَثرْة الرماد على أَنه تُنْصَبُ له القدورُ الكثيرةُ ويُطْبخ فيها للقِرى والضيافةِ، وذلك لأَنه إذا كَثُرَ الطبخُ في القدورِ كثُرَ إحراقُ الحطَبِ تحتها، وإِذا كثُرَ إحراق الحطَبِ كَثُرَ الرمادُ لا محالة. وهكذا السبيلُ في كل ما كانَ كنايةً. فليسَ مِنْ لَفْظِ الشعر. عرفْتَ أنَّ ابْنَ هَرْمة أرادَ بقوله:
ولا أبتاعُ إلا قريبةَ الأجَلِ
التمدُّحَ بأنه مضيافٌ، ولكنك عرفْتَه بالنَّظرِ اللطيفِ وبأنْ علِمْتَ أنه لا معنى للتمدُّح بِظاهرِ ما يَدُلُّ عليه اللفظُ من قُرْبِ أجَلِ ما يَشْتريهِ، فطلبْتَ له تأويلاً، فعلمْتَ أَنه أرادَ أنه يَشْتري ما يَشْتريهِ للأضياف، فإذا أشترى شاةً أو بعيراً كان قد اشترى ما قد دَنا أَجَلُه لأنه يُذْبَحُ ويُنْحَر عن قَريبٍ.
الفصاحة في الاستعارة عقلية أو معنوية لا لفظية
стр. 359
وإذْ قد عرفْتَ هذا في الكناية، فالاستعارةُ في هذه القضية. وذاكَ أنَّ موضوعَها، على أنك تُثْبِتُ بها معنى لا يَعْرِفُ السامعُ ذلكَ المعنى من اللفظِ، ولكنَّه يَعرفُه من معنى اللفظِ. بَيانُ هذا أَنَّا نَعْلم أَنَّك لا تقولُ: (رأيتُ أسداً)، إلا وغَرضُكَ أَن تُثْبِتَ للرجُل أَنه مساوٍ للأَسد في شجاعته، وجُرْأته، وشدَّة بطْشه، وإقدامه، وفي أنَّ الذعْرَ لا يُخامرُه، والخوفَ لا يَعرِضُ له. ثم تَعْلم أَنَّ السامعَ إذا عَقَل هذا المعنى، لم يَعقِلْه من لفظِ "أسَد" ولكنَّه يَعقِلُه من معناه، وهو أنه يَعْلم أَنه لا معنى لجعله "أسداً" مع العلم بأنه رجُل، إلاَّ أنك أردْتَ أنه بلغَ من شدة مُشابَهتِه للأَسد ومساواتِه مبْلغاً يُتَوهَّم معه أَنه أَسدٌ بالحقيقة، فاعرفْ هذه الجملةَ وأحْسِنْ تأمُّلَها!
واعلمْ أَنكَ تَرى الناسَ وكأنهم يرَوْن أَنك إذا قلتَ: (رأيت أسداً)، وأنتَ تُريد التشبيهَ كنتَ نقلْتَ لفْظَ "أسد" عما وُضع له في اللغة، واستعملْتَه في معنى غيرِ معناه، حتى كأنْ ليس الاستعارةُ إلاَّ أن تَعْمدَ إلى اسْم الشيءِ فتجعلَه اسماً لشبيهه، وحتى كأنّْ لا فصْلَ بين الاستعارةِ وبينَ تسميةِ المطرِ سماءً، والنبتِ غيثاً، والمزادةِ رواية، وأشباهِ ذلك ممَّا يوقَع فيه اسمُ الشيءِ على ما هو منه بسبَبٍ. ويَذْهبون عمَّا هو مركوزٌ في الطباع من أنَّ المعنى فيها المبالَغةُ، وأَنْ يُدَّعى في الرجُل أَنه ليسَ برجُل ولكنه أَسدٌ بالحقيقة، وأَنه إنما يُعار اللفظُ مِنْ بعد أنْ يعارَ المعنى، وأَنه لا يُشْرَكُ في اسم الأسدِ إلاَّ من بَعْد أن يُدْخَل في جنس الأَسدِ. لا تَرى أحداً يَعْقِل إِلاَّ وهُو يَعْرفِ ذَلك إذا رجَعَ إلى نفسه أدنى رُجوعٍ.
تحقيق معنى الاستعارة وكونها أبلغ من الحقيقة
стр. 360
ومِن أجْل أَنْ كانَ الأمرُ كذلك، رأيت العقلاء كلَّهم يُثْبِتون القولَ بأنَّ مِن شأْنِ الاستعارةِ أن تكونَ أبداً أَبلغَ من الحقيقة، وإلاَّ فإن كان ليس هاهنا إِلا نقْلُ اسْم من شيءٍ إلى شيءٍ، فمِنْ أينَ يَجبُ - ليت شعري - أَن تكونَ الاستعارةُ أبلغَ من الحقيقة؟ ويكونَ لِقَوْلنا: (رأيتُ أَسداً): مزيةٌ على قولنا: (رأيت شبيهاً بالأسد؟)، وقد علِمْنا أنه محالٌ أن يتَغيَّر الشيءُ في نفسِه بأن يُنْقَل إليه اسْمٌ قد وُضِع لِغيره من بَعْد أنْ لا يُرادَ مِن معنى ذلك الاسْم فيه شيءٌ بوجْهٍ من الوجوهِ، بل يُجعلَ كأنه لم يُوضَعْ لذلك المعنى الأصليِّ أصْلاً، وفي أي عَقْلٍ يُتَصوَّر أَنْ يتغيرَ معنى "شبيهاً بالأسد" بأن يُوضَع لفظُ "أسد" عليه ويُنْقَلَ إليه؟
واعلمْ أنَّ العقلاء بَنَوْا كلامَهم إذْ قاسُوا وشبَّهوا على أنَّ الأشياءَ تستحِقُّ الأَسامي لِخَواصِّ معانٍ هي فيها دونَ ما عَداها؛ فإذا أَثْبتوا خاصَّةَ شيءٍ لشيءٍ أَثْبتوا له اسْمَه؛ فإذا جعَلوا الرجُلَ بحيثُ لا تَنقصُ شجاعتُه عن شجاعِ الأَسد ولا يَعدمُ منها شيئاً قالوا: (هو أَسد). وإذا وصَفوه بالتناهي في الخير والخصالِ الشريفة، أو بالحُسْن الذي يَبْهَرُ قالوا: (هو مَلَكٌ). وإذا وصَفُوا الشيءَ بغاية الطِّيبِ قالوا: (هو مِسْك). وكذلك الحُكْم أبداً. ثم إنَّهم إذا استقْصَوْا في ذلك نفَوْا عن المشبَّه اسْمَ جنسِه فقالوا: ليس هو بإنسانٍ وإنما هو أَسدٌ، وليس هو آدميّاً وإنما هو مَلكٌ: كما قال اللهُ تعالى: ﴿مَا هاذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. ثم إنْ لم يُريدوا أَنْ يُخرجُوه عن جنسِه جملةً، قالوا: هو أسَدٌ في صورةِ إنسانٍ، وهُو ملَكٌ في صورةِ آدميٍّ). وقد خرَجَ هذا للمتنبي في أحْسَنِ عبارةٍ، وذلك في قوله [من الخفيف]:
نحن ركبٌ مِلْجِنّ في زِيّ ناسٍ ... فَوْقَ طيرٍ لها سخوصُ الجِمالِ
غلط العلماء في تفسير الاستعارة وجعلها من المنقول
стр. 361
ففي هذه الجملةِ بيانٌ لِمَنْ عقَل ليستِ الاستعارةُ نْقْلَ اسْم عن شيءٍ إلى شيء، ولكنَّها ادِّعاءُ معنى الاسْمِ لشيءٍ. إذ لو كانتْ نَقْلَ اسْمٍ وكان قولُنا (رأيتُ أسداً) بمعنى: رأيتُ شبيهاً بالأسد، ولم يكن ادِّعاءَ أَنه أسدّ بالحقيقة، لكانَ مُحالاً أن يُقال: ليس هو بإنسانٍ ولكنَّه أسدٌ أو هو أسدّ في صورةِ إنسان: كما أنه محالٌ أن يقال: ليس هو بإنسانٍ ولكنَّه شبيهٌ بأَسد: أو يقال: هو شَبيهٌ بأسَدٍ في صورة إنسان.
وعلمْ أَنه قد كثُرَ في كلام الناسِ استعمالُ لفظِ النقل في الاستعارة. فمِنْ ذلك قولُهم: إنَّ الاستعارةَ تعْليقُ العبارةِ على غير ما وُضِعَت له في أصْل اللغةِ على سبيل النَّقْل: وقال القاضي أبو الحسن: الاستعارةُ ما اكتُفيَ فيه بالاسْمِ المُستعار عن الأصليِّ ونُقِلت العابرةُ فجعُلِتْ في مكانِ غيرِها، ومن شأْنِ ماَ غَمُضَ من المعاني ولَطُف، أن يصْعُبَ تصويرُه على الوجْه الذي هو عليه لعامة الناس، فيقَعَ لِذلكَ، في العبارات التي يُعبَّر بها عنه، ما يُوهمُ الخطَأ، وإطلاقُهم، في الاستعارة أنها نقلٌ للعبارَةِ عمَّا وُضِعت له، من ذلك. فلا يَصِحُّ الأَخذُ به. وذلك أَنك إذا كنتَ لا تُطْلِقُ اسْمَ الأَسد على الرجُلِ، إلاَّ مِنْ بَعْد أن تُدْخِلَه في جنس الأُسود، من الجهة التي بيَّنَّا، لم تَكنْ نقلْتَ الاسمَ عما وُضِعَ له بالحقيقةِ، لأنك إنما تكونُ ناقِلاً إذا أنْتَ أَخرجْتَ معناهُ الأَصْليَّ من أنْ يكونَ مقصودَكَ ونفَضْتَ به يدَك؛ فأَمَّا أنْ تكونَ ناقِلاً له عن معناه مع إرادةِ معناهُ فمحالٌ متناقِضٌ.
الاستعارة المكنية لا يظهر فيها النقل
واعلمْ أنَّ في الاستعارةِ ما لا يُتصوْر تقديرُ النقلِ فيه البتَّةَ. وذلك مثلُ قول لبيد [من الكامل]:
وغداةٍ ريحٍ قد كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ... إذْ أصبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
стр. 362
لا خلافَ في أَنَّ (اليد) استعارة؛ ثم إنَّك لا تستطيعُ أن تزعُمَ أنَّ لفظَ (اليد) قد نُقِلِ عن شيء إلى شيءٍ، وذلك أَنه ليس المعنى على أَنَّه شبَّه شيئاً باليد، فيمُكِنُكَ أن تزعُمَ أنه نقَل اليدِ إليه، وإنَّما المعنى على أَنه أَراد أنْ يُثْبتَ (للشَّمال) في تصريفِها (الغداةَ) على طبيعتِها، شَبَهَ الإنسان قد أَخذَ الشيءَ بيدِهِ يُقَلِّبهُ ويُصرِّفُه كيف يُريد؛ فلما أَثبتَ لها مثْلَ فعلِ الإنسانِ باليدِ، استعارَ لها اليدَ. وكما لا يُمكِنُكَ تقديرُ النقلِ في لفظِ اليَدِ، كذلك لا يمكنْكَ أنْ تَجْعل الاستعارة فيه من صفةِ اللفظِ. ألا تَرى أَنه محالٌ أن تقول: إنه استعارَ لفظَ "اليد" للشَّمال؟ وكذلك سبيلُ نَظائرِه مما تَجدُهم قد أَثبتُوا فيه للشيءِ عُضْواً مِن أعضاءِ الإنسان من أجْل إثباتهم له المعنى الذي يكونُ في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة [من الطويل]:
إذا هزَّهُ في عَظْمِ، قِرنٍ تَهلَّلَتْ ... نواجِذُ أفواهِ المنَايا الضواحِكِ
فإنَّه لمَّا جعَل المنايا تضحَكُ، جعَل لها الأَفواهَ والنواجِذَ التي يكونُ الضّحِكُ فيها. وكبيتِ المتنبي [من الطويل]:
خَميسٌ بِشَرْقِ الأرضِ والغَرْبِ زَحْفُهُ ... وفي أُذُنِ الجَوْزاءِ منه زَمَازِمُ
لمَّا جعَل الجوزاءَ تَسْمعُ على عادتهم، في جعْل النجوم تَعْقِلُ، ووصْفِهم لها بما يُوصَف بها الأناسيُّ أثْبَتَ لها الأُذُنَ التي بها يكونُ السَّمْعُ مِن الأناسيِّ؛ فأنتَ الآن لا تسطيعُ أنْ تزعُمَ في بيتِ الحماسةِ، أنه استعارَ لفظَ "النواجذِ" ولفظَ "الأفواه" لأنَّ ذلك يُوجِب المُحالَ، وهو أنْ يكونَ في المنايا شيءٌ قد شبَّهَه بالنواجذِ وشيءٌ قد شبَّهه بالأفواه؛ فليس إلاَّ أَنْ تقول إنه لمَّا ادَّعى أنَّ المنايا تُسَرُّ وتَسْتَبْشِرُ إذا هو هَزَّ السيفَ، وجعَلَها لِسرورها بذلك، تَضْحَكُ، أراد أنْ يُبالِغَ في الأمر، فجعَلَها في صورة مَنْ يَضْحَكُ حتى تَبدوَ نواجذُهُ من شدَّة السرورِ. وكذلك لا تستيطعُ أنْ تَزعُمَ أَنَّ المتنبي قد استعار لفظَ (الأُذُن) لأنه يُوجبُ أن يكون في الجوزاء شيءٌ قد أرادَ تشبيهَهُ بالأذن، وذلك من شَنعِ المُحال.
стр. 363
تعريف الاستعارة مطلقاً
فقد تبيَّن مِن غيرِ وجْهٍ أنَّ الاستعارةَ إنما هي ادِّعاءُ معنى الاسَمِ للشيء، لا نَقْلُ الاسم عن الشيء؛ وإذا ثبتَ أنها ادِّعاءُ معنى الاسْمِ للشيء، علمْتَ أنَّ الذي قالوه من أنها تعليقٌ للعبارةِ على غَيْرِ ما وُضِعَتْ له في اللغة ونَقْلٌ لها عمَّا وُضِعتْ له، كلامٌ قد تَسامَحوا فيه، لأنه إذا كانت الاستعارةُ ادِّعاءَ معْنى الاسْمِ لم يكُنِ الاسْمُ مُزالاً عمَّا وُضِع له، مُقَّرًّا عليه.
الفرق بين معنيَيْ الجَعْل والتسمية
واعلمْ أنك تراهُمْ لا يمتنعونَ، إذا تكلَّموا في الاستعارةِ من أنْ يَقولوا: إنه أراد المبالغةَ فجعلَه أسداً، بل هُمْ يلجأون إلى القول به. وذلك صريحٌ في أنَّ الأصْل فيها المعنى، وأنه المستعارُ في الحقيقة، وأن قولنا: استعير له اسمُ الأسَدَ، إشارةٌ لى أنه استُعير له معْناه، وأنه جُعِل إياهُ؛ وذلك لو لم نَقْلْ ذلك لم يَكُنْ (لجُعِلَ) ههانا معنى، لأنَّ (جعل) لا يَصْلُحُ إلاَّ حيثُ يُراد إثباتُ صفةٍ للشيء، كقولنا: (جَعَلْتُه أميراً وجعلْتُه لِصّاً) تريد أنَّك أثبَتَّ له الإِمارة ونسبْتَه إلى اللصوصيَّة وادَّعَيْتَها عليه ورمَيْتَه بها، وحكْمُ "جعَل" إذا تعدَّى إلى مفعولين، حكْمُ (صيَّرَ). فكَما لا تقول: (صيَّرْتُه أميراً) إلاَّ على معنى أنَّك أثبتَّ له صِفة الإمارة، كذلك لا يصِحُّ أنْ تقول: (جعلْتُه أسداً) إلاَّ على معنى أنك أثبتَ له معانيَ الأسد. وأمَّا ما تَجدُه في بعضِ كلامِهم مِن أنَّ "جعَل" يكون بمعنى "سمَّى" فما تسامحوا فيه أيضاً، لأنَّ المعنى معلومٌ، وهو مثْلُ أن تَجِدَ الرجُلَ يقول: (أنا لا أُسمِّيه إنساناً). وعرَضُه أن يقولَ إني لا أُثْبِتُ له المعانيَ التي بها كان الإِنسانُ إنساناً. ألاَ تَرى أنك لا تَجِدُ عاقِلاً يقول: (جعلْتُه زيداً). بمعنى: سمَّيتُه زيدا، ولا يقال للرجل: (اجْعَلْ ابنَكَ زيداً) بمعنى: سمِّهِ زَيدا، و (وُلِدَ لفلانٍ ابنٌ فجعَلَه عبدَ الله) أي: سمَّاه عبدَ الله.
стр. 364
هذا مَا لا يَشُكُّ فيه ذو عقلٍ إذا نَظَر. وأكثَرُ ما يكون منهم هذا التسامحُ، أعني قولهم إنَّ "جعَل" يكون بمعنى "سمَّى" في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمان إِنَاثاً﴾ [الزخرف: ١٩]. فقد تَرى في التفسيرِ أنَّ (جعلَ) يكون بمعنى (سمى) وعلى ذلك فلا شبْهةَ في أن ليس المعنى على مجرَّدِ التسمية، ولكنْ على الحقيقة التي وصفْتُها لكَ؛ وذاكَ أنَّهم اثْبَتوا للملائكةِ صفةَ الإناثِ، واعتقدوا وُجودَها فيهم؛ وعن هذا الاعتقادِ صَدَرَ عنهم ما صَدَر من الاسْمِ، أعني إطلاقَ اسْمِ البَنَات، وليس المعنى أنهم وضَعوا لها لفظَ الإناثِ ولفظَ البناتِ من غير اعتقاد معنىً وإثباتِ صفةٍ. هذا محالٌ. أوَ لا تَرى إلى قوله تعالى: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]؟ فلو كانوا لم يَزيدوا على إجراء الاسْمِ على الملائكة، ولم يَعتِقدوا إثباتَ صفةٍ لما قال الله تعالى: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾. وهذا ولو كانوا لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ ولم يكُنْ غيرَ وَضَعوا اسْماً لا يُريدونَ به معنىً، لَمَا استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ مِن الذَّمِّ، ولَمَا كان هذا القولُ منهم كُفْراً. والتفسيرُ الصحيحُ والعبارةُ المستقيمةُ: ما قاله أبو إسحاقٍ الزجَّاج ﵀ فإنه قال: إن الجَعْل هاهنا في معنى القَوْلِ والحُكْمِ على الشيء. تقول: "قد جَعَلْتُ زيداً أعلم الناس" أي وصفْتَه بذلك وحكمْتَ به.
فصاحة التمثيل عقلية أو معنوية لا لفظية
ونَرجع إلى الغرَض فنقول: فإذا ثَبَتَ أنْ ليستِ الاستعارةُ نَقْلَ الاسْمِ ولكنْ ادعاءَ معنى الاسْم، وكنَّا إذا عقَلْنا من قول الرجُلِ "رأيتُ أسداً" أنه أرادَ به المبالَغَةَ في وصْفِه بالشجاعة، وأنْ يقولَ إنَّه مِنْ قُوَّةِ القلب، ومن فَرْط البَسالةِ وشدَّة البطْشِ، وفي أنَّ الخوْفَ لا يُخامِرُه، والذعْرَ لا يَعرضُ له بحيثُ لا يَنْقصُ عن الأسَد، لم نعقل ذلك من لَفْظِ (أسد) ولكنْ مِنَ ادّعائه معنَى الأسد الذي رآه - ثبت بذلك أنَّ الاستعارة كالكِنَاية في أنَّك تَعْرِفُ المعنى فيها مِن طريقِ المعقول، دونَ طريقِ اللفظِ.
стр. 365
وإِذْ قد عرَفْتَ أنَّ طريقَ العِلْم بالمعنى، في الاستعارة والكناية معاً: المعقولُ، فاعلمْ أنَّ حكْمَ التمثيل في ذلك حكمُها، بل الأمرُ في التمثيل أظْهَرُ. وذلك أنه ليس مِن عاقلٍ يَشُكُّ إذا نظَر في كتاب يزيدَ بنِ الوليد إلى مروان بن محمد حيث بلغه أنه يتلكَّأ في بَيْعَته: أما بَعْدُ، فإني أرادَ تقدِّم رجْلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاكَ كتابِي هذا فاعْتمِدْ على أَيَّتِهما شئْتَ والسلامُ، يعلم أنَّ المعنى أنه يقول له: بلَغني أنك في أمْرِ البيعة بين رأْيَيْن مختلفين: تَرى تارةً أن تُبايعَ وأخرى أنْ تَمْتنع من البيعة؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاعْمَلْ في أيِّ الرأيين شئْتَ: وإنه لم يَعْرف ذلك من لفْظِ (التقديم والتأخير) أو من لفظ (الرِّجل)، ولكنْ بأنْ علمَ أنه لا معنى لتقديم الرِّجل وتأخيرها، في رَجُلٍ يُدْعى إلى البيعة، وإنَّ المعنى على أنه أرادَ أن يقولَ إنَّ مثَلَكَ في تردُّدكَ بين أنْ تُبَايع وبين أن تَمْتنعَ، مثَلُ رَجُلٍ قائمٍ ليذهَبَ في أمرٍ، فجَعَلَتْ نَفسُه تُريهِ تارةً أنَّ الصوابَ في أنْ يذْهَبَ وأُخرى أنه في أنْ لا يَذْهَبَ؛ فجعلَ يُقدّم رِجْلاً تارةً ويُؤخِّر أُخْرى.
стр. 366
وهكذا كلُّ كلامٍ كان ضرْبَ مثَلٍ، لا يَخْفى على مَنْ له أدنى تمييزٍ أنَّ الأغراضَ التي تكونُ للناس في ذلك، لا تُعْرَف من الألفاظِ ولكنْ تكونُ المعاني الحاصلةٌ من مجموع الكلام أدلَّةً على الأغراضِ والمقاصدِ؛ ولو كان الذي يكونُ غَرَضَ المتكلم يُعْلَم من اللفظِ، ما كان لِقولهم: (ضَرَبَ كذا مثلاً لكذا)، معنى، فما اللفظُ يُضْرَبُ مَثَلاً ولكنْ المعنى. فإذا قلْنا في قول النبيّ ﵇ "إيَّاكم وخضراءَ الدِّمن" إنَّه ضَرَبَ، ﵇، (خضراء الدِّمن) مثلاً للمرأة الحَسّناء في مَنْبت السوء، لم يكن المعنى أنه ﷺ ، ضرَب لَفْظَ (خضراءِ الدِّمن) مثلاً لها. هذا ما لا يَظُنُّه مَنْ بهِ مَسٌّ، فضلاً عن العاقل. فقد زالَ الشكُّ وارتفعَ في أنَّ طريقَ العلْمِ بما يُراد إثباتُه والخُبر به في هذه الأجناس الثلاثةِ التي هي الكنايةُ والاستعارةُ والتمثيلُ: المعقولُ دونَ اللفظِ من حيثُ يكونُ القصْدُ بالإثباتِ فيها إلى معنىً ليس هو معنى اللفظِ، ولكنَّه معنىَ يُستَدلُّ بمعنى اللفظِ عليه، ويُسْتنبَطُ منه؛ كنحْوِ ما تَرى من أنَّ القصْد في قولهم: (هو كثيرُ رمادِ القِدْر) إلى كَثْرة القِرى، وأنتَ لا تعرف ذلكَ من هذا اللفظِ الذي تَسْمَعُهُ، ولكنَّك تعرِفُه بأنْ تَسْتَدِلَّ عليه بمعناه على ما مَضَى الشرحُ فيه.
وجه الاستدلال بالاستعارة والكناية والتمثيل في الباب
стр. 367
وإذْ قد عرفتَ ذلك، فنيبغي أن يقالَ لهؤلاء الذين اعترضوا علينا، في قولنا إنَّ الفصاحة وصْفٌ تَجِبُ للكلام من أجل مزيةٍ تكونُ في معناه، وأنها لا تكون وصْفاً له من حيثُ اللفظُ مجرداً عن المعنى؛ واحتجُّوا بأن قالوا: إنه لو كان الكلامُ إذا وُصِف بأنه فصيحُ كان ذلك من أجل مزيةٍ تَكونُ في معناه، لوجَب أن يكونَ تفسيرُه فصيحاً مثْلَه: - أخْبِرونا عنكم: أتَرَرَوْنَ أنَّ مِن شأنِ هذه الأجناسِ، إذا كانت في الكلام، أن تكونَ له بها مزيةُ تُوجبُ له الفصاحةَ أم لا ترون ذلك؟ فإن قالوا: لا نَرى ذلك، لم يكلموا. وإن قالوا: نَرى للكلام إذا كانتْ فيه مزيةٌ تُوجِبُ له الفصاحةَ، قيل لهم: فأخبرونا عن تلك الزمية! أتكونُ في اللفظ أم في المعنى؟ فإن قالوا: في اللفظِ، دخَلُوا في الجهالة من حيث يَلْزَمُ من ذلك أن تكونَ الكنايةُ والاستعارةُ والتمثيلُ، أوصافاً لِلَّفظ لأنه لا يُتصوَّر أن تكون مزيتُها في اللفظِ حتى تكونَ أوصافاً له، وذلك مُحالٌ من حيثُ يَعْلَمُ كلُّ عاقل أنه لا يُكَنَّى باللفظِ عن اللفظ، وأنه إنما يُكَنَّى بالمعنى عن المعنى.
وكذلَك يَعْلم أنه لا يُستعارُ اللفظُ مجرداً عن المعنى، ولكن يستعارُ المعنى ثم اللفظُ يكونُ تِبْعَ المعنى على ما قدَّمْنا الشرحَ فيه. ويَعلمُ كذلك أنه محالٌ أنْ يُضرَبَ المثَلُ باللفظ، وأنْ يكونَ قد ضُرِبَ لفظُ "أراك تُقدِّم رِجْلاً وتؤخْر أخرى" مَثَلاً لتردُّده في أمر البَيْعة. وإن قالوا: هي في المعنى، قيل لهم: فهو ما أردْناكُم عليه؛ فدَعُوا الشكَّ عنك، وانتبهوا من رقْدَتِكُمْ، فإنه علْمٌ ضروريٍّ قد أدَّى التقسيمُ إليه، وكلُّ علْم كان كذلك، فإنه يَجِبُ القَطْعُ على كل سؤالٍ يُسْألُ فيه، بأنه خطأ، وأن السائلُ ملّبوسٌ عليه.
стр. 368
ثم إنَّ الذي يَعرف به وجْهَ دخولِ الغلطِ عليهم في قولهم: إنه لو كان الكلامُ يكونُ فصيحاً من أجْل مزيةٍ تكونُ في معناه، لوَجَب أن يكون تفسيرُه فصيحاً مثْلَه: هو أنك إذا نظرتَ إلى كلامهم هذا، وجدْتَهم كأنهم قالوا: إنه لو كانَ الكلامُ إذا كان فيه كنايةٌ أو استعارةٌ أو تمثيلٌ، كان ذلك فصيحاً، لوَجَب أن يكون إذا لم توجَدْ فيه هذه المعاني، فصيحاً أيضاً، ذلك لأنَّ تفسيرَ الكنايةِ أن نَتْرُكَها ونصرِّحَ بالمُكنَّى عنه، فنقولَ إنَّ المعنى في قولهم: (هو كثيرُ رمادِ القِدْر)، أنه كثيرُ القِرى. وكذلك الحكْمُ في الاستعارة. فإن تفسيرها أن نَتْركَها ونصرِّحَ بالتشبيه، فنقولَ في "رأيتُ أسداً": إنَّ المعنى: رأيتُ رجلاً يُساوي الأسدَ في الشجاعة. وكذلك الأمرُ في التمثيل، لأنَّ تفسيرَه أنْ نَذْكر المتمثَّل له، فنقول في قوله: "أراكَ تقدِّم رجْلاً وتؤخِّر أُخرى" إن المعنى أنه قال: "أراكَ تتردَّد في أمر البَيْعة، فتقولُ: تارةً أفعلُ وتارةً لا أفعلُ، كمن يُريدُ الذهابَ في وجْهٍ فَتُرِيهِ نفسُه تارةً أنَّ الصوابَ في أن يَذْهَب وأُخرى أنه في أن لا يذهب، فيقدِّم رِجْلاً ويوخِّر أُخرى. وهذا خروجٌ عن المعقول، لأنه بمنزلةِ أنْ تقولَ لرجلٍ قد نصَب لوصْفِه علَّةً: إنْ كان هذا الوصفُ يَجب لهذه العلةِ، فنبغي أن يجَب مع عَدِمها.
الفرق بين معنى المفسَّر ومعنى التفسير
стр. 369
ثم إنَّ استهواهم هو أنهم نظَروا إلى تفسيرِ ألفاظِ اللغةِ بعضها ببعضٍ، فلمَّا رأوا اللفظَ، فُسِّرَ بلفظٍ مثْلِ أن يقال في "الشرجب" إنه الطويلُ، لم يَجُزْ أن يكون في المفسَّر من حيثُ المعنى مزيةٌ لا تكونُ في التفسير، ظَنَّوا أنَّ سبيلَ ما نحن فيه ذلكَ السبيلُ؛ وذلك غَلَطٌ منهم، لأنه إنما كان المفسَّر فيما نحن فيه الفضلُ والمزيَّةُ على التفسير من حيث كانت الدلالةُ في المفسَّر دلالةَ معنى على معنى، وفي التفسير دلالةَ لفظٍ على معنى، وكان من المركوز في الطباع والراسخ في غرائز العقول، أنه متى أُريد الدلالةُ على معنىً فتُرِكَ أن يُصَرَّحَ به ويُذْكَرَ باللفظِ الذي هو له في اللغة، وعُمِدَ إلى معنىً آخَر فأشيرَ به إليه، وجُعِل دليلاً عليه، كان لِلكلامِ بذلك حسْنٌ ومزيةٌ لا يكُونانِ إذا لم يُصْنَعْ ذلك وذُكِرَ بلفظه صريحاً، ولا يكونَ هذا الذي ذكرتُ أنه سببُ فضل المفسَّر على التفسير من كونِ الدلالةِ في المفسَّر دلالةَ معنى على معنى وفي التفسير دلالةَ لفظٍ على معنى حتى يكون لِلَّفظِ المفسَّر معنىً معلومٌ يَعرِفُه السامعُ، وهو غيرُ معنى لفظِ التفسير في نفسِه وحقيقتِه، كما تَرى من أنَّ الذي هو معنى اللفظ في قولهم (هو كثيرُ رمادِ القدر) غيرُ الذي هو معنى اللفظ في قولهم: (هو كثير القرى) ولو لم يكن كذلك، لم يُتَصوَّر أن يكون هاهنا دلالةُ معنى على معنى.
стр. 370
وإذ قد عرَفْتَ هذه الجملة فقد حصَل لنا منها أنَّ المفسَّر يكون له دلالتانِ دلالةُ اللفظِ على المعنى، ودلالةُ المعنى الذي دلَّ اللفظُ عليه على معنى لَفْظٍ آخَرَ، ولا يكونُ للتفسيرِ إلاَّ دلالةٌ واحدةٌ وهي دلالةُ اللفظِ؛ وهذا الفرقُ هو سببُ أنْ كان للمفسَّر الفضلُ والمزيةُ على التفسير، ومحالٌ أن يكونَ هذا قضيةَ المفسَّر والتفسير في ألفاظ اللغة. ذاك لأنَّ معنى المفسَّر يكونُ مجهولاً عند السامع، ومحالٌ أن يكونَ للمجهول دلالةٌ. ثم إن معنى المفسَّر يكون هو معنى التفسيرِ بعينه، ومحالٌ إذا كان المعنى واحداً أن يكون للمفسَّر فضلٌ على التفسيرِ لأن الفضْلَ كان في مسألتنا بأنْ دلَّ لفظُ المفسَّر على معنىً، ثم دلَّ معناهُ على معنى آخر. وذلك لا يكون مع كون المعنى واحداً ولا يُتصوَّر.
التقليد سبب غلط القائلين بأن الفصاحة للفظ
بيانُ هذا أنه محالٌ أنْ يقال إنَّ معنى "الشرجب" الذي هو المفسَّر، يكون دليلاً على معنى تفسيره الذي هو الطويل، على وِزَان قولِنا إنَّ معنى "كثيرُ رمادِ القِدْرِ" يدلُّ على معنى تفسيره الذي هو "كثيرُ القرى"، لأمرَيْن: أحدُهما أنك لا تفسِّر (الشرجَب) حتى يكونَ معناه مجهولاً عند السامع. ومجالٌ أن يكونَ للمجهول دلالةٌ. والثاني أن المعنى في تفسيرنا (الشرجب) بالطويلِ، أنْ نُعْلم السامعَ أن معناه هو معنى الطويلِ بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالاً أن يُقال أنَّ معناه يدلُّ على معنى الطويل، والذي يُعقَل أنْ يقال إنَّ معناه هو معنى الطويلِ. فاعرفْ ذلك، وانظُرْ إلى لَعِب الغَفْلة بالقوم، وإلى ما رأوا في مَنامهم من الأحلامِ الكاذبة؛ ولو أنهم ترَكُوا الاستنامةَ إلى التقليد، والأخذ بالهوينا وترْكِ النظر، وأشعروا قلوبهم أنَّ ههنا كلاماً ينبغي أن يُصْغى إليه، لَعلِموا ولَعادَ إعجابُهم بأنفسِهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عَجباً منها ومن تَطْويح الظنونِ بها.
سبب كون الكناية أبلغ من التصريح
стр. 371
وإذْ قد بَانَ سقوطُ ما اعتَرَضَ به القوم، وفُحْشُ غلَطِهم، فينبغي أن تَعلَم أنْ ليستِ المزايا لتي تَجدها لهذهِ الأجناسِ على الكلامِ المتروكِ على ظاهرِهِ، والمبالغةُ التي تُحِسُّها: في أنفُس المعاني التي يَقصِدُ المتكلِّم بخَبره إليها، ولكنها في طريق إثباتِه لها، وتقريرِه إياها، وأنَّك إذا سمعتَهم يقولونَ: إنَّ مِن شأنِ هذهِ الأجناسِ أن تُكْسِبَ المعانيَ مزيةً وفضلاً، وتوجِبَ لها شرفاً ونُبلاً، وأنْ تُفَخِّمها في نفوس السامعين، فإنهم لا يَعْنون أنفُسَ المعاني التي يَقصِد المتكلِّمُ بخَبره إليها، كالقِرى والشجاعةِ والتردُّدِ في الرأي، وإنما يَعْنون إثْباتَها لما تُثْبَتُ له ويُخْبَر بها عنه؛ فإذا جعلوا للكنايةِ مزيةً على التصريح، لم يَجْعلوا تلكَ المزيةَ في المعنى المكنَّى عنه، ولكن في إثباته للذي ثبَتَ له. وذلك أنَّا نَعْلَم أنَّ المعاني التي يُقْصَدُ الخَبرُ بها لا تتَغيَّر في أنفسِها بأن يُكنَّى عنها بمعانٍ سواها، ويُتْرَك أن تُذْكَرَ الألفاظُ التي هي لها في اللغة.
стр. 372
ومَنْ هذا الذي يَشُكُّ أنَّ معنى طولِ القامة، وكثرةِ القِرى، لا يتغيران بأن يُكنَّى عنهما (بطولِ النجاد وكثرةِ رمادِ القدْر)، وتقديرُ التغييرِ فيها يُؤدي إلى أن لا تكون الكنايةُ عنهما ولكنْ عن غيرهما. وقد ذكرتُ هذا في صدْرِ الكتاب، وذكرتُ أنَّ السببَ في أنْ كان يكونُ للإثبات، إذا كان من طريقِ الكنايةِ مزيةٌ لا تكونُ إذا كان من طريق التصريح، أنك إذا كنَّيْتَ عن كثرة القِرى بكثرة رماد القدر، كنتَ قد أثبتَّ كثرةَ القِرى بإثبات شاهدِها ودليلها، وما هو علَمٌ على وُجودِها، وذلك لا مَحالةَ يكون أبلغَ من إثباتها بنفسِها، وذلك لأن يكونُ سبيلُها حنيئذٍ سبيلَ الدعوى تكونْ مع شاهدٍ؛ وذكرتُ أنَّ السببَ في أَنْ كانت الاستعارةُ أبلغَ من الحقيقةِ، أنك إذا ادَّعيْتَ للرجُل أنه أسدٌ بالحقيقة، كان ذلك أبلغَ وأشدَّ في تسويته بالأسد في الشجاعة. ذاك لأنه مُحالٌ أن يكونَ في الأُسود، ثم لا تكون له شجاعةُ الأُسودِ. وكذلك الحكْمُ في التمثيل: فإذا قلتَ: (أراكَ تُقدَّم رجْلاً وتؤخِّر أخرى) كان أبلغَ في إثباتِ الترددِ له من أن تقول: (أنتَ كمَنْ يقدِّم رجْلاً ويؤخِّر أُخرى).
رأي في سبب بلاغة الاستعارة وردّه
стр. 373
واعلمْ أنه قد يَهْجُسُ في نفسِ الإنسان شيءٌ يظنُّ مِن أجْله، أنه يَنبغي أنْ يكونَ الحُكْمُ في المزية التي تحدُثُ بالاستعارةِ، أنها تَحْدُثُ في المُثْبَت دون الإثباتِ، وذلك أن تقول: "إنَّا إذا نظَرْنا إلى الاستعارةِ وجدناها إنما كانت أبلغَ مِن أجْلِ أنها تدلُّ على قوة الشَّبه وأنه قد تناهى إلى أنْ صار المشبَّه لا يتميز عن المشبَّهِ بهِ في المعنى الذي من أجله شُبِّهَ به؛ وإذا كان كذلكَ، كانت المزيةُ الحادِثةُ بها حادثةً في الشَّبه، وإذا كانت حادثةً في الشبه كانت في المُثْبَت دون الإثباتِ: والجوابُ عن ذلك أنْ يقال إن الاستعارةَ، لعَمْري، تقْتضي قوَّةَ الشَبهِ وكونَه بحيثُ لا يَتميزُ المشبَّهُ عن المشبَّه به؛ ولكن ليس ذاك سببَ المزيةِ، وذلك لأنه لو كان ذاك سببَ المزيةِ، لكان ينبغي، إذا جئتَ به صريحاً فقلتَ: رأيت رجُلاً مساوياً للأسد في الشجاعة، وبحيثُ لولا صورتُه لظنْنتَ أنكَ رأيتَ أسداً، وما شاكلَ ذلك من ضروبِ المبالغة، أنْ تَجِد لكلامِكَ المزيةَ التي تَجدُها لقولك: (رأيتُ أسداً). وليس يَخْفى على عاقلٍ أنَّ ذلكَ لا يكونُ.
فإنْ قال قائلٌ: إن المزيَّة من أجْلِ أَنَّ المساواةَ تُعْلَم في "رأيتُ أسداً" من طريق المعنى وفي "رأيت رجلاً مساوياً للأسد" من طريقِ اللفظِ: قيلَ قد قلنا فيما تَقدَّم: إنه محالٌ أن يتغيَّر حالُ المعنى في نفسه بأنْ يكَنَّى عنه بمعنىً آخر، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يتغيَّر معنى طولِ القامةِ بأن يُكنَّى عنه بـ (طولِ النجاد)، ومعنى كثرةِ القِرى بأن يكنَّى عنه بـ (كثرة الرماد). وكما أنَّ ذلك لا يُتصوَّر، فكذلكَ لا يُتصوَّر أن يتغيَّر معنى مساواةٍ الرجلِ الأسدَ في الشجاعةِ، بأن يُكنَّى عن ذلك ويُدَلَّ عليه بأن تَجْعَله أسداً، فأنتَ الآن إذا نظرتَ إلى قوله [من البسيط]:
فأَسْبَلتْ لؤلؤاً من نرجس وسَقَتْ ... وَرْداً وعضَّتْ على العُنَّابِ بالبَرَدِ
стр. 374
فرأيته قد أفادَكَ أنَّ الدمعَ كان لا يُحْرَم من شَبهِ اللؤلؤ، والعينَ من شبَه النرجس شيئاً - فلا تَحْسَبنَّ أنَّ سببَ الحسْنِ الذي تَراه والأريحيةَ التي تجدُها عنده أنه أفادكَ ذلك فحسْبُ، وذاك أنك تستطيعُ أنْ تجيءَ به صريحاً فتقول: (فأسبَلَت دمعاً كأنه اللؤلُؤ بعينه من عينِ كأنها النرجسُ حقيقة) ثم لا تَرى من ذلك الحسْن شيئاً. ولكن اعلمْ أنَّ سبَب أن راقَك وأَدْخَلَ الأريحيةَ عليك، أنه أفادكَ في إثبات شدَّة الشبةِ مزيةً وأوْجَدَك فيه خاصةً قد غُرِزَ في طبْع الإنسانِ أن يَرتاحَ لها، ويَجِدَ في نفسه هِزَّةً عندها، وهكذا حكْم نظائره، كقولِ أبي نواس [من السريع]:
تَبْكي فتُذري الدرَّ عن نرجسٍ ... وتَلْطِمْ الوردَ بعُنَّابِ
وقول المتنبي [من الوافر]:
بدَتْ قمراً ومالَتْ خُوطَ بانٍ ... وفاحتْ عَنْبراً ورَنَتْ غَزالا
واعلمْ أنَّ مِن شأن الاستعارةِ، أنك كلما زدْتَ إرادتَكَ التشبيهَ إخفاءَ، ازدادتِ الاستعارةُ حُسْناً، حتى إنَّك تَراها أغْرَبَ ما تكونُ، إذا كان الكلامُ قد أُلِّف تأليفاً إن أردتَ أن تُفْصح فيه بالتشبيه خرجْتَ إلى شيءٍ تعافُهُ النفسُ، ويلفِظُهُ السمْعُ. ومثالُ ذلك قولُ ابن المعتز [من العديد]:
أثمرتْ أغصانُ راحَتِهِ ... بجِنانِ الحُسْنِ عُنَّبا
حسن الاستعارة على قدر إخفاء التشبيه
ألا تَرى أنك لو حملتَ نفسَك على أن تُظهرَ التشبيهَ وتُفصِحَ به، احتجَتْ إلى أن تقول: (أثمرتْ أصابعُ يدِه التي هي كالأغصانِ لطالبي الحُسْن شبيهَ العُنَّاب من أطرافها المخضوبة)، وهذا ما لا تَخْفى غثاثَتُه. مِنْ أجْل ذلك، كان موقِعُ (العنَّاب) في هذا البيتِ أحسَنَ منه في قوله:
وعضَّتْ على العُنابِ بالبَرَد
وذاك لأنَّ إظهارَ التشبيهِ فيه، لا يَقْبُحُ هذا القَبْحَ، المفرِطَ لأنك لو قلْتَ: (وعضَّتْ على أطرافِ أصابعَ كالعنابِ بثغرٍ كالبَرَد)، كان شيئاً يُتكلَّم بمثلِه وإنْ كانَ مَرْذولاً. وهذا موضعٌ لا يَتبيَّنُ سِرَّه إلاَّ مَن كان ملتهِبَ الطبعِ حاداَّ القريحةِ. وفي الاستعارةِ علْمٌ كثيرٌ ولطائِفُ معانٍ ودقائقُ فروقٍ، وسنقولُ فيها إن شاء الله في وضعٍ آخَر.
стр. 375
واعلمْ أنَّا حينَ أخذْنا في الجواب عن قولهم: نه لو كان الكلامُ يكونُ فصيحاً من أجْل مزيةِ تكون في معناهُ، لكان ينبغي أن يكونَ تفسيرُه فصيحاً مثلَه؛ قلْنا: إنَّ الكلامَ الفصيحَ ينقسم قِسْمين - قسم تُعْزى المزيةُ فيه إلى اللفظِ، وقسمٌ تُعْزى فيه إلى النظْم. قد ذكَرْنا في القسم الأول من الحِجَج ما لا يَبْقى معه لعاقلٍ إذا هو تأمَّلَها شَكٌّ في بُطْلانِ ما تعَلَّقوا به مِنْ أنه يَلْزَمُنا في قولنا "إن الكلام يكون فصيحاً من أجل مزيةٍ تكون في معناه أن يكون تفسيرُ الكلامِ الفصيحِ فصيحاً مثلَه، وأنَّه تَهُّوسٌ منهم وتَقحُّمٌ في المجالات.
وأما القسم الذي تُعزى فيه المزيةُ إلى النظْم، فإنهم إنْ ظنُّوا أنَّ سؤالَهم الذي اغترُّوا به يتجهُ لهم فيه، كان أمرُهم أعجَبَ، وكان جهلُهم في ذلك أغْرَبَ، وذلك أنَّ النظْمَ كما بيَّنا هو توخّي معاني النحو وأحكامِه وفروقِه ووُجوهه، والعملُ بقوانينه وأُصولِه، وليستْ معاني النحو معانيَ الألفاظِ فيتُصوَّر أنْ يكون لها تفسيرٌ.
مثال كون الفصاحة في النظم معنوية "بالفاتحة"
стр. 376
وجملة الأمر أن النظْمَ إنما هو أنَّ (الحمْدَ) مِنْ قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ * الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] مبتدأٌ و (للهِ) خبرٌ و (ربِّ) صفةٌ لاسم الله تعالى، ومضافٌ إلى (العالمين) و (العالمينِ) مضافٌ إليه؛ و (الرحْمنِ الرحَيم) صفتانِ كالرَّبِ؛ و (مالكِ) من قوله ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] صفةٌ أيضاً، ومضافً إلى (يوم) و (يوم) مضافٌ إلى (الدين)، و (إياك) ضميرُ اسم اللهِ تعالى مما هو ضميرٌ يقَعُ موقِعَ الاسم إذا كان الاسمُ منصوباً. معنى ذلك أنكَ لو ذكَرْت اسْمَ اللهِ مكانَه لقلتَ: (اللهَ نَعْبدُ). ثم إنَّ (نعْبدُ) هو المقتضي معنى النصْبِ فيه؛ وكذلك حكْمُ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ثم إنَّ جملةَ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] معطوفٌ بـ (الواو) على جملة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] و (الصراط) مفعولٌ، و (المستقيمَ) صفةٌ (للصِراط)، و ﴿صِرَاطَ الذين﴾ [الفاتحة: ٧] بدلٌ من (الصِّراط المستقيم)، ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] صلةٌ (الذين)، و ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] صفةٌ (الذين)، و ﴿وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] معطوف على ﴿المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧].
فانظر الآنَ هَلْ يتصوَّر في شيءٍ مِن هذه المعاني، أن يكونَ معنى اللفظِ؟ وهل يكونُ كونُ "الحمدُ" مبتدأ معنى لفظِ (الحمد)؟ أم يكون (ربِّ) صفة وكونُه مضافاً إلى (العالمين) معنى لفظ الرب؟
стр. 377
فإن قيل: إنه إنْ لم تكنْ هذه المعاني، معانيَ أنفُسِ الألفاظِ، فإنها تُعْلَمُ على كل حال، من ترتيبِ الألفاظِ ومِنَ الإعراب؛ فبالرَّفع في (الدال) من "الحمد" يُعْلَم أنه مبتدأٌ، و (بالجر) في (الباء) من "ربِ" يُعْلَم أنه صفة، و (بالياء) في "العالمين" يُعْلم أنه مضافٌ إليه. وعلى هذا قياسُ الكُلِّ؛ قيل: ترتيبُ اللفظ لا يكونُ لفظاً، والإعرابُ وإنْ كان يَكونُ لفْظاً فإنه لا يُتصوَّر أن يكونَ ههنا لفظانِ كلاهما علامةُ إعرابٍ، ثم يكون أحدُهُما تفسيراً للآخر. وزيادةُ القول في هذا، من خطَل الرأي. فإنَّه مما يَعْلَمُه العاقِلُ ببَديهةِ النظرِ، ومَنْ لم يتنبَّهْ له في أوَّل ما يَسْمَع، لم يَكُنْ أهلاً لأن يكلَّم. ونعودُ إلى رأس الحديث فنقول:
وضوح كون النظم هو توخي معاني النحو
قد بطَلَ الآنَ من كل وجهٍ وكلِّ طريقٍ، أنْ تكونَ الفصاحةُ وصْفاً لِلَّفظ من حيثُ هو لفظٌ ونطقُ لسانٍ. وإذا كان هذا صورةَ الحالِ وجملةَ الأمرِ، ثم لم تَرَ القومَ تفكَّروا في شيء ممَّا شرحْناه بحالٍ، ولا أخطَرُوه لهم ببالٍ، بانَ وظهَر أنهم لَمْ يأتوا لأمْرَ مِن بابِه، ولم يَطْلبُوه من مَعْدِنه، ولم يسلُكُوا إليه طريقَه، وأنهمْ لم يزيدوا على أنْ أوْهَموا أنفُسَهم وهماً كاذباً، أنَّهم قد أبانوا الوجْه الذي به كان القرآن معجِزاً؛ والوصفَ الذي به بانَ مِن كلام المخلوقينَ، مِنْ غير أنْ يكونوا قد قالوا فيه قولاً يَشْفي من شَاكٍّ غليلاً، ويكونُ علَى عِلْمٍ دليلاً، وإلى معرفة ما قَصدوا إليه سبيلاً.
واعلمْ أنه إذا نظرَ العاقِلُ إلى هذه الأدلَّةِ فرأَى ظهورَها، استبعدَ أنْ يكون قد ظنَّ ظانٌّ في الفصاحة أنها مِن صفة اللفظِ صريحاً. ولعمري إنَّه كذلك ينبغي؛ إلاَّ أنَّا إنَّما ننظرُ إلى جِدِّهم وتَشدُّدِهم وبتِّهمُ الحُكْمَ بأنَّ المعانيَ لا تتزايدُ وإنما تتزايدُ الألفاظُ، فلئِنْ كانوا قد قالوا: الألفاظُ، وهم لا يُريدونها أنفُسَها وإنما يريدون لطائفَ معانٍ تُفْهم منها، لقد كان ينبغي أنْ يتَّبعوا ذلك مِن قولهم ما يُنبىءُ عن غَرَضِهم، وأنْ يذْكُروا أنهم عَنَوا بالألفاظ ضرْباً من المعنى، وأن غرَضَهم مفهومٌ خاصٌّ.
стр. 378
هذا وأمرُ النظم في أنه ليس شيئاً غيرَ توخي معاني النحو فيما بين الكَلِم وأنَّك تُرتِّبُ المعاني أولاً في نفْسِك، ثم تَحْذُوا على ترتيبها الألفاظَ في نُطْقك، وأنَّا لو فرضْنا أنْ تَخْلوَ الألفاُظُ منَ المعاني، لم يُتصوَّر أنْ يَجبَ فيها نَظْمٌ وترتيب، في غاية القوة والظهور. وثم ترَى الذين لَهَجُوا بأمرِ اللفظِ قد أبَوْا إلاَّ أنْ يجعلوا النظْم في الألفاظ، فترى الرجُلَ منهم يَرى ويَعْلم أنَّ الإنسانَ لا يسَتطيعُ أن يجيءَ بالألفاظ مرتَّبةً إلاَّ من بعد أن يفكِّرَ في المعاني، ويرتِّبها في نفسه على ما أعلَمْناكَ، ثم تُفتِّشه فتَراهُ لا يَعرِفُ الأمرَ بحقيقتِه، وتَراه يَنظُر إلى حال السامعِ، فإذا رأى المعانيَ لا تقَعُ مرتَّبةً في نفسِه، إلاَّ من بعْدِ أن تقَعَ الألفاظُ مرتَّبة في سَمعِه، نسيَ حالَ نفسِه واعتَبَر حالَ مَنْ يَسمَعُ منه. وسبَبُ ذلك قِصَرُ الهمةِ، وضَعْفُ العنايةِ، وتَرْكُ النظر والأُنس بالتلقيد. وما يغنى وضوحُ الدلالة مَعَ مَنْ لا يَنظُر فيها، وإنَّ الصُّبْحَ ليملأُ الأُفقَ لا يَراه النائمُ ومَنْ قد أطْبَقَ جفْنَه؟
إفساد التقليل للذوق والفهم في الفصاحة
واعلمْ أنك لا تَرى في الدنيا عِلْماً قد جرى الأمرُ فيه بَديئاً وأخيراً، على ما جرى عليه في علمٍ الفصاحةِ والبيانِ.
أمَّا البديءُ فهو أنك لا تَرى نوعاً من أنواع العلوم إلاَّ وإذا تأملْتَ كلامَ الأوَّلينَ الذين عَلَّموا الناسَ وجدْتَ العبارةَ فيه أكثرَ من الإشارَة، والتصريحَ أغلبَ من التلويح؛ والأمرُ في علم الفصاحةِ بالضِّدِّ مِن هذا. فإنك إذا قرأت ما قالَه العلماءُ فيه وجدْتَ جُلَّه أو كُلَّهَ رمزاً ووَحْياً وكنايةً وتعريضاً، وإيماءً إلى الغرض من وجْهٍ لا يَفْطِنُ له إلاَّ مَنْ غلغَلَ الفكْرَ وأدَّقَ النظَرَ، ومَنْ يَرجعُ من طَبْعه إلى ألْمَعيَّةِ يَقْوى معها على الغامِض، ويصلُ بها إلى الخفيِّ حتى كان بَسْلاً حَراماً أن تتجلَّى معانيهم سافرةَ الأوجُهِ لا نِقابَ لها، وبادية الصفحةِ لا حِجابَ ذُونها، وحتى كأنَّ الإفصاحَ بها حَرامٌ، وذكرَها إلاَّ على سبيل الكناية والتعريض، غيرُ سائغٍ.
стр. 379
الخطأ في علم الفصاحة وكلام الأولين في اللفظ
وأمَّا الأَخيرُ فهو أَنَّا لم نَرَ العقلاء قد رضُوْا، مِن أَنفُسِهم في شيءٍ من العلوم، أنْ يحفَظوا كلاماً للأَوَّلينَ ويتدارَسُوه ويُكلِّمَ به بعضُهم بعضاً، مِنْ غَير أن يعرفوا له معنى، ويقفوا منه على غرَضٍ صحيح، ويكونَ عندهم، إن يسألون عنه، بيانٌ له وتفسيرٌ، إلاَّ علمَ الفصاحةِ. فإِنك تَرى طبقاتٍ منَ الناس يتداولونَ فيما بينهم أَلفاظاً للقدماء وعباراتِ مِنْ غَير أنْ يعرِفوا لها معنًى أَصْلا، أَوْ يستطيعوا إن يُسأَلوا عنها، أنْ يَذْكُروا لها تفسيراً يَصِحُّ.
стр. 380
فمِنْ أقْرَبِ ذلك أَنك تَراهم يقولون، إذا هُمْ تكلَّموا في مزيَّةِ كلامٍ على كلامٍ: إنَّ ذلك يكونُ بجزالةِ اللفظِ. وإذا تكلَّموا في زيادةِ نظمٍ على نظمٍ، إنَّ ذلك يكونُ لوقُوعِهِ على طريقةٍ مخصوصةٍ وعلى وجهٍ دون وجهٍ، ثمّ لا تَجدُهَم يُفسِّرون الجزالَةَ بشيءٍ ويقولون في المُراد بالطريقةِ والوجْهِ ما يَحْلَى منه السامِعُ بطائلٍ؛ ويقرأون في كُتب البلغاءِ ضُروبَ كلامٍ قد وَصفُوا اللفظَ فيها بأوصافٍ تَعلَمُ ضرورةً أَنها لا تَرْجعُ إليه من حيثُ هو لفظٌ ونُطْقٌ لسانٍ وصدى حرفٍ كقولهم: لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلقٍ ولا نابٍ به مَوْضِعُه، وأَنَّه جيِّدُ السبْكِ صحيحُ الطابع، وأنَّه ليس فيه فضْلٌ عن معناهُ وكقولهم: إنَّ مِنْ حقِّ اللفظِ أنْ يكونَ طِبْقاً للمعنى لا يَزيد عليه ولا يَنقُصُ عنه. وكقول بعْضِ مَنْ وصَفَ رجُلاً مِن البُلغاء: (كانت أَلفاظُه قوالبَ لِمعانيه)، هذا إذا مدَحوه - وقَولِهم إذا ذَمُّوه: (هو لفظٌ معقَّدٌ، وإنَّه بتعقيده، قد استَهْلكَ المعنى؛ وأشباهٌ لهذا). ثم لا يَخْطرُ ببالِهمْ أَنه يَجبُ أنْ يُطْلَب لِمَا قالوه معنًى وتُعْلَمَ له فائدةٌ ويَجْشَمَ فيه فكْرٌ، وأن يُعتقدَ على الجملة، أقلُّ ما في الباب أَنه كلامٌ لا يصِحُّ حَمْلُه على ظاهِره، وأن يكونَ المرادُ باللفظِ فيه نطْقَ اللسانِ. فالوصف بالتمكُّن والقَلَق من اللفظ محالٌ، فإنما يتمكَّنُ الشيءُ ويقْلَقُ إذا كان شيئاً يَثْبُتُ في مكان؛ والأَلفاظ حروفٌ لا يوجَدُ منها حرفٌ حتى يعدَمَ الذي كان قبلَه. وقولُهم (متمكِّنٌ أو قَلِقٌ) وصْفٌ للكلمةِ بأَسرها، لا حرْفٍ منها. ثم إنه لو كان يَصِحُّ في حروف الكلمةِ أن تكون باقيةً بمجموعها، لكانَ ذلك فيها مُحالاً أيضاً من حيثُ إنَّ الشيءَ إنما يتمكَّنُ وَيقْلقُ في مكانه الذي يُوجَد فيه، ومكانُ الحروفِ إنما هو الحَلْقُ والفمُ واللسانُ والشفتانِ؛ فلو كان يَصِحُّ عليها أنْ تُوصَف بأنها تتمكَّن وتقْلَقُ، لكانَ يكونُ ذلك التمكُّنُ وذلك القَلَقُ منها في أَماكنها مِنْ الحَلْق والفَم واللسانِ والشفتين.
стр. 381
وكذلك قولُهم: لفظٌ ليس فيه فضْلٌ عن معناه: حالٌ أنْ يكونَ المرادُ به اللفظَ، لأنه ليس هاهنا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ يَزيد على معناه أو ينقُصُ عنه. كيف وليس بالذَّرْع وُضِعَت الألفاظُ على المعاني. وإن اعتبْرنا المعانيَ المستفادةَ من الجمل، فكذلك؛ وذلك أَنه ليس هاهنا جملةً، مِنْ مبتدإ وخَبرٍ أو فِعْل وفاعلٍ يَحْصُل به الإثباتُ أو النفيُ، أَتمُّ أو أَنْقَصُ مما يحصُل بأُخْرى، وإنما فضْلُ اللفظِ عن المعنى أَن تُريدَ الدلالة بمعنى على معنى فتُدْخِلَ في أثناءِ ذلك شيئاً لا حاجةَ بالمعنى المدلولِ عليه، إِليه. وكذلك السبيلُ في السَّبْكِ والطابع وأَشباهِهما لا يحُتَملُ شيءٌ من ذلك أن يكونَ المُرادُ به اللفظَ من حيثُ هو لفظٌ.
جهل القائلين بفصاحة اللفظ وكشف شبهتهم
فإن أردتَ الصدقَ، فإنك لا تَرى في الدنيا شأناً أَعْجبَ من شأنِ الناسِ مع اللفظ، ولا فسادَ رأيٍ مازَجَ النفوسَ وخامرَها، واستحكَمَ فيها وصارَ كإحدى طبائعِها، أَغْرَبَ من فسادِ رأيهم في اللفظ؛ فقد بلَغَ من مَلَكتهِ لهم وقُوَّتهِ عليهم، أنْ تَرَكهم وكأنَّهم إذا نُوظِروا فيه أخذَوا عن أنفُسِهم، وغيَّبوا عن عقولهم، وحِيلَ بينَهم وبينَ أنْ يكونَ لهم فيما يَسْمعونَه نَظَرٌ، ويُرى لهم إيرادُ في الإصغاء وصَدَرُ، فلستَ تَرَى إلاَّ نفوساً قد جَعلَتْ تَرْكَ النظرِ دأْبَها، ووَصَلَتْ بالهوينا أَسبابَها؛ فهي تَغْتَرُّ بالأضاليلِ، وتَتباعَدُ عن التحصيلِ، وتُلْقي بأيديها إلى الشَّبَه، وتُسْرعُ إلى القولِ المُمَوَّهِ.
معنى فصاحة الكَلم في "فصيح ثعلب وأمثاله
стр. 382
ولقد بلغَ مِن قلة نظَرِهم أنَّ قوماً منهم لمَّا رَأَوْا الكُتُبَ المصنَّفةَ في اللغة قد شاعَ فيها أنْ تُوصفَ الألفاظُ المفردةُ بالفصاحةِ، ورأوا أبا العباس ثعلباً قد سمَّى كتابه (الفَصيح) مع أنه لم يَذكُرْ فيه إلا اللُّغةَ والألفاظَ المفردةَ، وكان مُحالاً إذا قيلَ: إنَّ "الشمَع" (بفتح الميم) أفصحُ من "الشمْع" بـ (إسكانه)، أن يكونَ ذلك من أجْل المعنى. إِذْ ليس تُفيد (الفتحةُ) في (الميم) شيئاً في الذي سُمِّي به - سبَقَ إلى قلوبهم أنَّ حُكْمَ الوصفِ بالفَصَاحة أَينما كان، وفي أي شيءٍ كان، أن لا يكونَ له مرجِعٌ إلى المعنى البتةَ، وأَن يكونَ وصْفاً لِلفَّظِ في نفسه ومِن حيثُ هو لفظٌ ونطقُ لسانٍ، ولم يعلموا أنَّ المعنى في وصْف الألفاظِ المفردةِ بالفصاحة، أنها في اللغة أثْبَتُ، وفي استعمال الفصحاء أَكْثَر، أوْ أنها أَجْرى على مقاييس اللغةِ والقوانينِ التي وَضعوها، وانَّ الذي هو معنى الفصاحةِ في أصْل اللغةِ هو الإبانةُ عن المعنى بدلالة قولهم: فصيحٌ وأَعْجَمُ، وقولِهم: أفصحَ الأعجميُّ، وفَصُحَ اللحَّانُ، وأَفْصَحَ الرجُلُ بكذا: إذا صرَّحَ به، وأَنه لو كانَ وصْفُهم الكلماتِ المفدرةَ بالفصاحةِ، من أجْل وصْفٍ هُوَ لَها من حيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقٌ لسانٍ، لوَجبَ، إذْ وُجِدتْ كلمةٌ يقال إنها كلمةٌ فصيحةٌ على صفةٍ في اللفظِ، أن لا تُوجَد كلمةٌ على تلك الصفةِ إلا وَجَبَ لها أن تكونَ فصيحةً، وحتى يَجِبَ إذا كان (نقِهتُ الحديثَ) (بالكسر) أفصحَ منه (بالفتح)، أن يكون سبيلُ كلَّ فعلٍ مثْلِه في الزِّنَةِ أن يكون (الكَسرُ) فيه أفْصَحَ من (الفتح). ثم إنَّ فيما أودَعهُ ثعلبُ كتابَه ما هو أفصَحُ مِن أجْل أنْ لم يكُنْ فيه حرفٌ كان فيما جعلَهُ أفصَحَ منه. مثْلُ إنَّ "وقفْتُ" أفصحُ من "أَوْقَفْتُ". أفتَرى أَنه حدَث في (الواو) و (القاف) و (الفاء) بأنْ لم يكن معها الهمزةُ، فضيلةٌ وجَبَ لها أن تكون أفصَحَ؟ وكفى برأيٍ هذا مؤدَّاهُ تَهافتاً وخَطلاً.
دلالة الاستعارة ولا سيما المكنية على الفصاحة للمعاني
стр. 383
وجملةُ الأمر أَنه لا بدَّ لقولِنا "الفصاحةُ" مِنْ معنًى يُعْرَفُ. فإنْ كان ذلك المعنى وصْفاً في ألفاظٍِ الكلمات المفردةِ، فينبغي أنْ يُشارَ لنا إليه، وتُوضَعَ اليدُ عليه، من أَبْيَن ما يَدلُّ على قلةِ نَظَرِهم أَنه لا شبْهةَ على مَن نَظَر في كتابٍ تُذْكَر فيه الفصاحةُ، أنَّ الاستعارة عنوانُ ما يُجعلُ به اللفظُ فَصيحاً، وأنَّ المجارَ جُمْلتُه، والإِيجازُ مِن مُعْظم ما يُوجِبُ لِلََّفظِ الفصاحةَ. وأنتَ تَراهم يَذْكُرون ذلك ويَعتمِدونَه، ثم يَذْهَبُ عنهم أنَّ إيجابهم الفصاحةَ لِلَّفْظِ بهذه المعاني، اعترافٌ بصحةِ ما نحن نَدْعوهم إلى القول به، من أَنه يكونَ فصيحاً لمعناه.
أمَّا الاستعارةُ فإنهم، إن أَغْفَلوا فيها الذي قُلْناه، من أَنَّ المستعارَ بالحقيقةِ يكونُ معنى اللفظِ واللفظُ تِبْعٌ من حيثُ إنَّا لا نَقول: (رأيتُ أَسداً) ونحنُ نَعْني رَجُلاً، إلاَّ على أنَّا ندَّعي أَنَّا رأينا أَسداً بالحقيقة، من حيثُ نَجْعلُه لا يتميزُ عن الأَسد في بأسهِ وبطْشِه وجَراءةِ قلْبه، فإنهم على كل حال، لا يستطيعون أنْ يَجعلوا الاستعارةَ وصْفاً لِلَّفظِ مِن حيثُ هو لفظٌ، مع أَّنَّ اعتقادَهم أَنك إذا قلتَ: (رأيتُ أسداً): كنتَ نقلْتَ اسْمَ الأسدِ إلى الرجُلِ، أوْ جعلْتَه هكذا غُفْلاً ساذَجاً في معنى شجاعٍ؛ افتَرى أنَّ لفظَ "الأسد" لمَّا نُقِل عن السَّبُع إلى الرجُلِ المشبَّه به، أحدثَ هذا النقلُ في أجراس حروفهِ ومذاقَتِها وصْفاً صار بذلك الوصْفِ فصيحاً؟
ثم إنَّ من الاستعارَة قبيلاً لا يَصِحُّ أن يكونَ المستعارُ فيه اللفظَ البتَّةَ، ولا يصِحُّ أن تَقعَ الاستعارةُ فيه إلاَّ على المعنى، وذلك ما كان مثْلَ "اليد" في قول لبيد [من الكامل]:
وغداةِ ريحٍ قد كشفتُ وقرَّةٍ ... إذْ أصبَحَتْ بيَدِ الشَّمالِ زمامُها
стр. 384
ذاك أنه ليس هاهنا شيءٌ يَزْعمُ أنه شبَّهَهُ باليد، حتى يكونَ لفظُ "اليد" مستعاراً له، وكذلك ليس فيه شيءٌ يُتَوهَّمُ أن يكون قد شبَّهه بالزمام، وإنما المعنى على أنه شبَّه الشَّمالَ في تصريفها الغداة، على طبيعتها، بالإنسانِ يكون زمامُ البعيرِ في يده. فهو يُصَرِّفُه على إرادته. ولمَّا أرادَ ذلك، جَعَل للشَّمالِ يداً وعلى الغداة زماماً وقد شرحْتُ هذا قبْلُ شرْحاً شافياً.
تفضيل الاستعار بالكناية على غيرها في الفصاحة
وليس هذا الضربُ من الاستعارة بدُون الضربِ الأولِ في إيجابِ وصْفِ الفصاحةِ للكلام، لا بل هو أَقوى منه فيِ اقتضائها؛ والمَحاسِنُ التي تَظهرُ به، والصورُ التي تَحْدثُ للمعاني بسببه، آنقُ وأعجبُ. وإنْ أردتَ أن تزداد عِلماً بالذي ذكرتُ لكَ من أمرِهِ، فانظرْ إلى قوله [من الرجز]:
سقَتْه كفُّ الليل أَكْؤسَ الكَرى
وذلك أنَه ليس يَخْفى على عاقلٍ أنه لم يُرد أن يُشبِّه شيئاً بالكف، ولا أراد ذلك في الأكوس، ولكنْ لمَّا كان يقال: سُكْر الكرى وسكْرُ النومِ: استعار لِلكَرى الأَكْؤسَ، كما استعار الآخَرُ الكأْسَ في قوله:
وقد سَقَى القومَ كأسَ النعسةِ السَّهَرُ
ثم إنه لمَّا كان الكَرى يكونُ في الليل، جعلَ الليلَ ساقياً. ولمَّا جَعلَه ساقياً، جعلَ له كَفّاً، إذْ كان الساقي يُناولُ الكأسَ بالكَفِّ.
ومن اللطيفِ النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات وهي للحَكَم بْنِ قَنْبر [من الطويل]:
ولَوْلا اعتصامي بالمنى كلَّما بَدا ... ليَ اليأسُ منها لم يَقُمْ بالهوى صَبْري
ولولا انتظاري كلَّ يومٍ جَدَى غدٍ ... لراحَ ينعشي الدافنونَ إلى قبري
وقد رابَني وَهْنُ المُنى وانِقباضُها ... وبَسْطُ جديدِ اليأسِ كَفَّيْهِ في صدْري
стр. 385
ليس المعنى على أَنه استعارَ لفظَ الكفينِ لشيءٍ، ولكنْ على أنه أرادَ أنْ يَصِفَ اليأسَ بأنه قد غلَب على نفسِه، وتمكَّن في صدْرِه؛ ولمَّا أرادَ ذلك، وصفَه بما يصفون به الرجُلَ بِفَضْل القدرةِ على الشيء وبأنه متمكِّنٌ منه، وأَنه يَفْعلُ فيه كلَّ ما يريدُ، كقولهم: قد بَسطَ يديهِ في المال يُنفِقُه ويصنَعُ فيه ما يشاء، وقد بَسطَ العامِلُ يدَه في الناحية وفي ظُلْم الناس. فليس لك إلاّ أنْ تقولَ إنَّه لمَّا أرادَ ذلك، جعلَ لليأسِ كفَّيْنِ واستعارَهما له. فأَمَّا أَنْ تُوقِعَ الاستعارةَ فيه على اللفظ، فما لا تخفى استحالتهُ على عاقلٍ.
والقولُ في المجاز هو القول في الاستعارة، لأنه ليس هو بشيءٍ غيرها، وإنما الفَرْقُ أَنَّ المجازَ أعمُّ من حيثُ إنَّ كلَّ استعارةِ مجازٌ، وليس كلُّ مجازٍ استعارةً. وإذا نظرْنا مِن المجاز فيما لا يُطْلَق عليه أنه استعارة، إزدادَ خطأُ القومِ قُبحاً وشناعةً؛ وذلك أنه يَلزَمُ على قياس قولهم، أنْ يكونَ إنما كان قولُه تعالى: و ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] أَفصَحَ مِن أَصْله الذي هو قَوْلُنا: (والنهار لِتُبْصِروا أنتُمْ فيه أو مبصراً أنتم فيه) من أجْلِ أنه حدَثَ في حروفِ (مبصر) - بأن جعل الفِعْل للنهار على سعة الكلامِ - وصفٌ لم يكن. وكذلك يَلزمُ أن يكونَ السببُ في أنْ كان قول الشاعر [من الرجزَ]:
فنام ليلي وتجلَّى همِّي
أفصحَ من قولنا: (فنمتُ في ليلي)، أنْ كسبَ هذا المجازُ لفظَ "نام" ولفظ "الليل" مذاقةً لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أنْ يستَحيَ منه، وأن يأنفَ مِن أن يُهْمِلَ النظرَ إهمالاً يؤدِّه إلى مثله، ونسأل اللهَ تعالى العِصْمةَ والتوفيق.
دلالة المجاز والإيجاز على أن الفصاحة للمعاني
стр. 386
وإذْ قد عرفْتَ ما لَزِمَهم في الاستعارةِ والمجازِ، فالذي يَلزَمُهم في الإيجاز أَعجبُ، وذلكَ أنه يلزَمُهم إنْ كانَ اللفظُ فصيحاً لأَمرٍ يَرْجِعُ إليه نفسه دون معناه، أنْ يكونَ كذلك موجَزاً لأمرٍ يرجِع إلى نفْسِه، وذلك من المُحَال الذي يُضْحَك منه؛ لأنه لا معنى للإيجاز إلاَّ أنْ يَدُلَّ بالقليل من اللفظِ على الكَثير من المعنى؛ وإذا لم تَجعلْهُ وصْفاً لِلَّفظِ من أجْلِ معناه، أبطَلْتَ معناهُ. أعني أبطلْتَ معنى الإيجاز.
ثم إنَّ هاهنا معنًى شريفاً قد كان يَنْبغي أن نكونَ قد ذكَرْناه في أثناء ما مَضَى من كلامِنا، وهو أَنَّ العاقلَ إذا نَظرَ على علْم ضرورةً أنه لا سبيلَ له إلى أنْ يُكثِرَ معانيَ الألفاظِ أو يُقلِّلَها، لأن المعاني المُودَعةً في الألفاظِ لا تتغيَّر على الجملة عما أرادَهُ واضعُ اللغةِ، وإذا ثبَتَ ذلك، ظَهَر منه أَنه لا معنى لقولِنا: كثرةُ المعنى مع قِلَّة اللفظِ: غيرَ أنَّ المتكلَّم يتَوصَّل بدلالةِ المعنى على المعنى، إلى فوائدَ لو أَنه أرادَ الدلالةَ عليها باللفظ، لا حتاجَ إلى لفظٍ كثيرٍ.
سبب تقليد العلماء في خطإِهم والغرور بهم
стр. 387
واعلمْ أَن القولَ الفاسِدَ والرأيَ المدخولَ، إذا كان صُدورُه عن قوم لهم نَباهةٌ وصيتٌ وعلوٌّ منزلةٍ في أنواع من العلوم، غيرِ العِلْم الذي قالوا ذلك القولَ فيه، ثم وقع في الأَلْسُن فتداولتْه ونَشرَتْه، وفشَا وظَهَر وكَثُرَ الناقلون له والمُشِيدُون بِذكْره، صار تَرْكُ النَّظرِ فيه سنَّةً والتقليدُ ديناً، ورأيتَ الذين همْ أهلُ ذلك العِلْم وخاصَّتُه والممارِسون له والذينَ هُمْ خُلَقاءُ أنْ يَعرِفوا وجْهَ الغلطِ والخطأ فيه - لو أنهم نظَروا فيه - كالأجانب الذين ليسوا من أهله في قبوله، والعمل بهِ والركونِ إليه، ووجدتَهم قد أعطَوه مقادَتهم، وأَلاَنوا له جانِبَهم، وأَوْهَمَهمْ النظَرُ إلى مُنْتَماه ومنْتَسَبهِ، ثم اشتهارِه وانتشارِه وإطباقِ الجمع بعد الجمع عليه، أَنَّ الضنَّ به أصوبُ، والمحاماةَ عليه أَوْلى. ولربما بل كلما طنوا أنه لم يشِعْ ولم يتَّسِغُ، ولم يرَوْه خَلَفٌ عن سلَف، وآخرُ عن أَوّلٍ، وإلاَّ لأنَّ له أصْلاً صحيحاً، وأنه أُخذَ من معْدِن صدقٍ، واشتُقَّ من نَبْعةٍ كريمةٍ، وأَنه لو كان مَدْخولاً لظَهَر الدَّخَلُ الذي فيه على تَقادُم الزمانِ وكُرورِ الأيامِ، وكم خَطإٍ ظاهرٍ ورأْيٍ فاسدٍ، حظيَ بهذا السبَبِ عند الناس، حتى بَوَّأُوه في أَخَصِّ موضعٍ في قلوبهم، ومنَحوه المحبَّةَ الصادقةَ من نفوسهم، وعطَفُوه عليه عطْفَ الأُمِّ على واحدِها. وكم من داءٍ دَويٍّ قد استحْكَم بهذه العِلَّة حتى أعْيَا علاجُه، وحتى بَعِلَ به الطبيبُ. ولَوْلاَ سلطانُ هذا الذي وصفتُ على الناس وأَنَّ له أُخْذَةً تَمنَعُ القلوبَ عن التدبُّر، وتَقطعُ عنها دواعيَ التفكُّر، لمَا كان لهذا الذي ذَهَب إليه القومُ في أمرِ اللفظ هذا التمكُّنُ وهذه القوَّةُ، ولا كان يَرْسُخُ في النفوسِ هذا الرسوخَ، وتَتَشعَّب عروقُه هذا التشعُّبَ، مع الذي بان مِن تهافُتهِ وسقُوطهِ، وفُحْشِ الغَلَطِ فيه، وأنَّكَ لا تَرى في أَديمهِ، مِنْ أَين نظَرْتَ وكيفَ صرَّفْتَ وقلَّبْتَ، مَصَحّاً، ولا تَراه باطِلاً في شَوْبٌ من الحقِّ، وزَيْفاً فيه شيءٌ من الفِضَّة، ولكنْ تَرى الغِشَّ بَحْتاً، والغلَطَ صِرْفاً، ونسألُ اللهَ التوفيق.
стр. 388
وكيف لا يكونُ في إسار الأُخْذَةِ ومَحُولاً بينه وبين الفِكْرة، مَنْ يُسلِّمُ أنَّ الفصاحةَ لا تَكونُ في أفراد الكلماتِ وأنها إنما تَكُونُ فيها إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعْضٍ، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ تكونَ وصْفاً لها مِن أجْلِ معانيها، لا مِنْ أَجْل أَنفُسِها، ومِنْ حَيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ؟ ذاكَ لأنه ليس من عاقلٍ يَفْتَح عينَ قلبهِ إلاَّ وهو يَعْلَمُ ضرورةً أنَّ المعنى في ضَمِّ بعضِها إلى بعْضٍ، تعليقُ بعضِها ببعضٍ، وجَعْلُ بعْضِها بسَببٍ من بعض، لا أن يَنْطِقَ ببعضها في أَثر بعضٍ مِنْ غير أنْ يكونَ فيما بينهما تَعلُّقٌ، ويعْلمُ كذلك ضرورةً - إذا فكرَّ - أن التعلُّق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أَنفُسِها. ألا تَرى أَنَّا لوْ جَهِدْنا كلَّ الجَهْدِ أَنْ نَتصَّورَ تعلُّقاً فيما بين لفظينِ لا معنى تحْتَهما، لَمْ نَتصوَّرْ؟
ائتلاف الكلم بالنظم وتنافرها
ومن أَجْلِ ذلك انقسَمتْ الكَلِمُ قسمين:
مؤتلفٌ وهو الاسْمُ مع الاسْم والفعلُ مع الاسْمِ.
وغيرُ مؤتلف وهو ما عدا ذَلك، كالفِعْل مع الفْعلِ، والحَرْفِ مع الحرفِ. ولو كان التعلُّقُ يكونُ بين الأَلفاظِ، لكانَ ينبغي أن يَختلِفَ حالُها في الائتلاف، وأنْ لا يكونَ في الدنيا كلمتان إلاَّ ويصِحُّ أنْ يأْتلِفا، لأنه لا تنافيَ بينَهما من حيثُ هي ألفاظٌ؛ وإذا كان كلُّ واحدٍ منهم قد أعطى يدَه بأنَّ الفصاحةَ لا تكون في الكَلِم أَفراداً، وأنها إنما تكونُ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، وكان يكون المرادُ بضَمِّ بعضِها إلى بعض تعليقَ معانيها بعضِها ببعضٍ، لا كَوْنَ بعضِها في النطق على أثر بعضٍ، وكان واجباً إذا عُلِم ذلكَ أن يُعْلَم أنَّ الفصاحة تَجِبُ لها من أجْل معانيها لا من أجْل أنْفُسها، لأنه محالٌ أن يكونَ سبَبُ ظهورِ الفصاحةِ فيها تعلُّقُ معانيها بعضِها ببعضٍ، ثم تكون الفصاحةُ وصْفاً يَجب لها لأنْفُسها لا لِمعَانيها. وإذا كان العلمُ بهذا ضرورةً، ثم رأيتَهم لا يَعْلمونَه فليس إلاَّ أنَّ اعتزامَهم على التقيد، قد حال بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبهُ الأخْذة.
الاحتذاء في الشعر وأخذ الشعراء بعضهم من بعض
стр. 389
وأعلمْ أنك إذا نظرتَ وجدْتَ مَثلَهم مثَلَ مَنْ يرَى خيَالَ الشيءِ فَيحْسبُهُ الشيءَ، وذاك أَنهم قد اعتمدُوا في كلِّ أمرهم على النسق الذي يَرونه في الألفاظِ وجعَلوا لا يحَفِلون بغيره، ولا يُعَوِّلون في الفصاحة والبلاغةِ على شيءٍ سواه، حتى انتَهَوْا إلى أنْ زَعَموا أنَّ مَن عَمَد إلى شعرٍ فصيح فقرأه ونطقَ بألفاظهِ على النسَقِ الذي وضعَها الشاعرُ عليه، كان قد أتى بمثْلِ ما أتى به الشاعرُ في فصاحَته وبلاغَته. إلاَّ أَنهم زعَموا أنه يكونُ في إتْيانه بهِ مُحْتذياً لا مُبْتدئاً. ونحن إذا تأَملْنا وجَدْنا الذي يكونُ في الألفاظِ من تقديمِ شيءٍ منها على شيءٍ، إنما يقَعُ في النفس أَنَه نَسَقٌ إذا اعتبَرْنا ما تُوخِّي من معاني النحو في معانيها، فأمَّا مَع تَرْكِ اعتبارِ ذلك، فلا يَقَعُ ولا يُتصوَّرُ بحالٍ. أفلا تَرى أَنَّكَ لو فرَضْتَ في قوله:
قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
أنْ لا يكونَ "نبْكِ" جواباً للأمر، ولا يكونَ مُعدَّى بـ (مِن) إلى"ذِكْرى"، ولا يكونَ "ذكرى" مضافةً إلى "حبيب"، ولا يكونَ "منزلِ" معطوفاً بـ "الواو" على "حبيب"، لخَرَجَ ما تَرى فيه مِنَ التقديم والتأخيرِ عن أن يكون نَسَقاً؟ ذاك لأنه إنما يكونُ تقديمُ الشيءِ على الشيءِ نَسَقاً وتَرتيباً، إذا كان ذلكَ التقديمُ قد كان لِمُوجِبٍ أوْجَبَ أنْ يقدَّم هذا ويؤخَّر ذاك. فأَمَّا أنْ يكونَ مع عدم الموجِبِ نسَقاً فمحال، لأنه لو كان يكونُ تقديمُ اللفظِ على اللفظِ، مِنْ غَيْر أنْ يكونَ له مُوْجِبٌ نَسقاً، لكان يَنبغي أن يكونَ توالي الألفاظِ في النطق على أَيِّ وجْهٍ كان، نَسَقاً، حتى إنك لو قلْتَ: (نبْك قِفا حبيب ذكرى من): لم تَكنْ قد أعدَمْتَه النسَقَ والنظْم، وإنما أعدَمْتَه الوزْنَ فقط، وقد تقدَم هذا فيما مضى. ولكنَّا أعَدْناه هاهنا لأنَّ الذي أَخَذْنا فيه من إسلام القوم أَنفُسِهم إلى القليدِ، اقْتَضى إعادَتَه.
стр. 390
فصل: الاحتذاء والأخذ والسرقة الشعرية عند الشعراء
واعلمْ أنَّ الاحتذاءَ عند الشعراءِ وأهلِ العلمِ بالشِّعر، وتقديرَه وتمييزَه، أَنْ يبتدِىءَ الشاعرُ في معنًى له وغرضٍ أسلوباً - والأسلوبُ الضْربُ من النْظم والطريقةُ فيه - فيعمَدَ شاعرٌ آخَر إلى ذلك الأسلوب، فجيءَ بهِ في شِعره، فيُشبَّه بمن يقْطَع من أَديمه نعْلاً على مثال نعْلٍ قد قطَعها صاحِبُها، فيقال قد احتذى علم مِثاله، وذلك مثلُ أن الفرزدقَ قال [من الطويل]:
أَتَرجُو رُبَيْعُ أنْ تَجيءَ صِغارُها ... بِخَيرٍ وقد أَعْيَا رُبَيْعاً كِبارُها؟
واحتذاه البَعِيث فقال [من الطويل]:
أَترجُو كُلَيْبٌ أنْ يَجيء حديثُها ... بَخير وقد أَعْيَا كُلَيْباً قَدِيمُها؟
وقالوا إنَّ الفرزدق لمَّا سمِعَ هذا البيت قال [من الوافر]:
إذا ما قلتُ قافيةً شَروداً ... تَنَحَّلهَا ابنُ حمراءِ العِجَانِ
ومثلُ ذلك أَنَّ البعيثَ قال في هذه القصيدة [من الطويل]:
كليبٌ لئامٌ الناسِ قد يَعْلَمُونَهُ ... وأنتَ إذا عُدَّت كُلَيبٌ لَئيِمُها
وقال البحتري [من الطويل]:
بَنُو هاشمٍ في كلِّّ شرقٍ ومَغْربٍ ... كرامُ بني الدنيا وأنتَ كَريمُها
وحكى العسكريُّ في صنعة الشَّعر أنَّ ابنَ الروميِّ قال: قال لي البحتريُ: قولُ أبي نواس [من الطويل]:
ولم أَدْرِ مَنْ هُمْ غيرَ ما شهِدَتْ لَهُمْ ... بِشَرقِيِّ ساباطَ الديارُ البَسَابِسُ
مأخوذٌ من قول أبي خراش (الهذلي) [من الطويل]:
ولم أَدْرِ مَنْ أَلْقى عليه رداءه ... سِوى أَنه قد سُلَّ من ماجدٍ مَحْضِ
قال: فقلتُ قد اختلفَ المعنى. فقال: أَمَا تَرى حَذْوَ الكلامِ حَذْواً واحداً؟. وهذا الذي كتبتُ من حَلِيٌ الأخْذِ في الحَذْو. ومما هو في حَدِّ الخفيِّ قول البحتري [من الطويل]:
ولن يَنْقُلَ الحسَّادُ مجْدَكَ بعْدَما ... تمكَّنَ رَضوى واطمأَنَّ مُتَالِعُ
وقولُ أبي تمام [من الكامل]:
ولقد جَهَدتُمْ أَنْ تُزِيلوا عِزَّهُ ... فإذا أَبانٌ قد رَسَا وَيَلْمَمُ
قد احتذى كلُّ واحدٍ منهما على قولِ الفرزدق [من الكامل]:
فادْفَعْ بِكفْكَ إنْ أردُتَ بِناءَنا ... ثهلانَ ذا الهضَباتِ هَل يتحْلَحَلُ
следующие страницы →