← Баляга

Баляга · id 22664

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (435 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وإذْ قد عرفْتَ ما لَزِمَهم في الاستعارةِ والمجازِ، فالذي يَلزَمُهم في الإيجاز أَعجبُ، وذلكَ أنه يلزَمُهم إنْ كانَ اللفظُ فصيحاً لأَمرٍ يَرْجِعُ إليه نفسه دون معناه، أنْ يكونَ كذلك موجَزاً لأمرٍ يرجِع إلى نفْسِه، وذلك من المُحَال الذي يُضْحَك منه؛ لأنه لا معنى للإيجاز إلاَّ أنْ يَدُلَّ بالقليل من اللفظِ على الكَثير من المعنى؛ وإذا لم تَجعلْهُ وصْفاً لِلَّفظِ من أجْلِ معناه، أبطَلْتَ معناهُ. أعني أبطلْتَ معنى الإيجاز. ثم إنَّ هاهنا معنًى شريفاً قد كان يَنْبغي أن نكونَ قد ذكَرْناه في أثناء ما مَضَى من كلامِنا، وهو أَنَّ العاقلَ إذا نَظرَ على علْم ضرورةً أنه لا سبيلَ له إلى أنْ يُكثِرَ معانيَ الألفاظِ أو يُقلِّلَها، لأن المعاني المُودَعةً في الألفاظِ لا تتغيَّر على الجملة عما أرادَهُ واضعُ اللغةِ، وإذا ثبَتَ ذلك، ظَهَر منه أَنه لا معنى لقولِنا: كثرةُ المعنى مع قِلَّة اللفظِ: غيرَ أنَّ المتكلَّم يتَوصَّل بدلالةِ المعنى على المعنى، إلى فوائدَ لو أَنه أرادَ الدلالةَ عليها باللفظ، لا حتاجَ إلى لفظٍ كثيرٍ. سبب تقليد العلماء في خطإِهم والغرور بهم

стр. 387

واعلمْ أَن القولَ الفاسِدَ والرأيَ المدخولَ، إذا كان صُدورُه عن قوم لهم نَباهةٌ وصيتٌ وعلوٌّ منزلةٍ في أنواع من العلوم، غيرِ العِلْم الذي قالوا ذلك القولَ فيه، ثم وقع في الأَلْسُن فتداولتْه ونَشرَتْه، وفشَا وظَهَر وكَثُرَ الناقلون له والمُشِيدُون بِذكْره، صار تَرْكُ النَّظرِ فيه سنَّةً والتقليدُ ديناً، ورأيتَ الذين همْ أهلُ ذلك العِلْم وخاصَّتُه والممارِسون له والذينَ هُمْ خُلَقاءُ أنْ يَعرِفوا وجْهَ الغلطِ والخطأ فيه - لو أنهم نظَروا فيه - كالأجانب الذين ليسوا من أهله في قبوله، والعمل بهِ والركونِ إليه، ووجدتَهم قد أعطَوه مقادَتهم، وأَلاَنوا له جانِبَهم، وأَوْهَمَهمْ النظَرُ إلى مُنْتَماه ومنْتَسَبهِ، ثم اشتهارِه وانتشارِه وإطباقِ الجمع بعد الجمع عليه، أَنَّ الضنَّ به أصوبُ، والمحاماةَ عليه أَوْلى. ولربما بل كلما طنوا أنه لم يشِعْ ولم يتَّسِغُ، ولم يرَوْه خَلَفٌ عن سلَف، وآخرُ عن أَوّلٍ، وإلاَّ لأنَّ له أصْلاً صحيحاً، وأنه أُخذَ من معْدِن صدقٍ، واشتُقَّ من نَبْعةٍ كريمةٍ، وأَنه لو كان مَدْخولاً لظَهَر الدَّخَلُ الذي فيه على تَقادُم الزمانِ وكُرورِ الأيامِ، وكم خَطإٍ ظاهرٍ ورأْيٍ فاسدٍ، حظيَ بهذا السبَبِ عند الناس، حتى بَوَّأُوه في أَخَصِّ موضعٍ في قلوبهم، ومنَحوه المحبَّةَ الصادقةَ من نفوسهم، وعطَفُوه عليه عطْفَ الأُمِّ على واحدِها. وكم من داءٍ دَويٍّ قد استحْكَم بهذه العِلَّة حتى أعْيَا علاجُه، وحتى بَعِلَ به الطبيبُ. ولَوْلاَ سلطانُ هذا الذي وصفتُ على الناس وأَنَّ له أُخْذَةً تَمنَعُ القلوبَ عن التدبُّر، وتَقطعُ عنها دواعيَ التفكُّر، لمَا كان لهذا الذي ذَهَب إليه القومُ في أمرِ اللفظ هذا التمكُّنُ وهذه القوَّةُ، ولا كان يَرْسُخُ في النفوسِ هذا الرسوخَ، وتَتَشعَّب عروقُه هذا التشعُّبَ، مع الذي بان مِن تهافُتهِ وسقُوطهِ، وفُحْشِ الغَلَطِ فيه، وأنَّكَ لا تَرى في أَديمهِ، مِنْ أَين نظَرْتَ وكيفَ صرَّفْتَ وقلَّبْتَ، مَصَحّاً، ولا تَراه باطِلاً في شَوْبٌ من الحقِّ، وزَيْفاً فيه شيءٌ من الفِضَّة، ولكنْ تَرى الغِشَّ بَحْتاً، والغلَطَ صِرْفاً، ونسألُ اللهَ التوفيق.

стр. 388

وكيف لا يكونُ في إسار الأُخْذَةِ ومَحُولاً بينه وبين الفِكْرة، مَنْ يُسلِّمُ أنَّ الفصاحةَ لا تَكونُ في أفراد الكلماتِ وأنها إنما تَكُونُ فيها إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعْضٍ، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ تكونَ وصْفاً لها مِن أجْلِ معانيها، لا مِنْ أَجْل أَنفُسِها، ومِنْ حَيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ؟ ذاكَ لأنه ليس من عاقلٍ يَفْتَح عينَ قلبهِ إلاَّ وهو يَعْلَمُ ضرورةً أنَّ المعنى في ضَمِّ بعضِها إلى بعْضٍ، تعليقُ بعضِها ببعضٍ، وجَعْلُ بعْضِها بسَببٍ من بعض، لا أن يَنْطِقَ ببعضها في أَثر بعضٍ مِنْ غير أنْ يكونَ فيما بينهما تَعلُّقٌ، ويعْلمُ كذلك ضرورةً - إذا فكرَّ - أن التعلُّق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أَنفُسِها. ألا تَرى أَنَّا لوْ جَهِدْنا كلَّ الجَهْدِ أَنْ نَتصَّورَ تعلُّقاً فيما بين لفظينِ لا معنى تحْتَهما، لَمْ نَتصوَّرْ؟ ائتلاف الكلم بالنظم وتنافرها ومن أَجْلِ ذلك انقسَمتْ الكَلِمُ قسمين: مؤتلفٌ وهو الاسْمُ مع الاسْم والفعلُ مع الاسْمِ. وغيرُ مؤتلف وهو ما عدا ذَلك، كالفِعْل مع الفْعلِ، والحَرْفِ مع الحرفِ. ولو كان التعلُّقُ يكونُ بين الأَلفاظِ، لكانَ ينبغي أن يَختلِفَ حالُها في الائتلاف، وأنْ لا يكونَ في الدنيا كلمتان إلاَّ ويصِحُّ أنْ يأْتلِفا، لأنه لا تنافيَ بينَهما من حيثُ هي ألفاظٌ؛ وإذا كان كلُّ واحدٍ منهم قد أعطى يدَه بأنَّ الفصاحةَ لا تكون في الكَلِم أَفراداً، وأنها إنما تكونُ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، وكان يكون المرادُ بضَمِّ بعضِها إلى بعض تعليقَ معانيها بعضِها ببعضٍ، لا كَوْنَ بعضِها في النطق على أثر بعضٍ، وكان واجباً إذا عُلِم ذلكَ أن يُعْلَم أنَّ الفصاحة تَجِبُ لها من أجْل معانيها لا من أجْل أنْفُسها، لأنه محالٌ أن يكونَ سبَبُ ظهورِ الفصاحةِ فيها تعلُّقُ معانيها بعضِها ببعضٍ، ثم تكون الفصاحةُ وصْفاً يَجب لها لأنْفُسها لا لِمعَانيها. وإذا كان العلمُ بهذا ضرورةً، ثم رأيتَهم لا يَعْلمونَه فليس إلاَّ أنَّ اعتزامَهم على التقيد، قد حال بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبهُ الأخْذة. الاحتذاء في الشعر وأخذ الشعراء بعضهم من بعض

стр. 389

وأعلمْ أنك إذا نظرتَ وجدْتَ مَثلَهم مثَلَ مَنْ يرَى خيَالَ الشيءِ فَيحْسبُهُ الشيءَ، وذاك أَنهم قد اعتمدُوا في كلِّ أمرهم على النسق الذي يَرونه في الألفاظِ وجعَلوا لا يحَفِلون بغيره، ولا يُعَوِّلون في الفصاحة والبلاغةِ على شيءٍ سواه، حتى انتَهَوْا إلى أنْ زَعَموا أنَّ مَن عَمَد إلى شعرٍ فصيح فقرأه ونطقَ بألفاظهِ على النسَقِ الذي وضعَها الشاعرُ عليه، كان قد أتى بمثْلِ ما أتى به الشاعرُ في فصاحَته وبلاغَته. إلاَّ أَنهم زعَموا أنه يكونُ في إتْيانه بهِ مُحْتذياً لا مُبْتدئاً. ونحن إذا تأَملْنا وجَدْنا الذي يكونُ في الألفاظِ من تقديمِ شيءٍ منها على شيءٍ، إنما يقَعُ في النفس أَنَه نَسَقٌ إذا اعتبَرْنا ما تُوخِّي من معاني النحو في معانيها، فأمَّا مَع تَرْكِ اعتبارِ ذلك، فلا يَقَعُ ولا يُتصوَّرُ بحالٍ. أفلا تَرى أَنَّكَ لو فرَضْتَ في قوله: قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ أنْ لا يكونَ "نبْكِ" جواباً للأمر، ولا يكونَ مُعدَّى بـ (مِن) إلى"ذِكْرى"، ولا يكونَ "ذكرى" مضافةً إلى "حبيب"، ولا يكونَ "منزلِ" معطوفاً بـ "الواو" على "حبيب"، لخَرَجَ ما تَرى فيه مِنَ التقديم والتأخيرِ عن أن يكون نَسَقاً؟ ذاك لأنه إنما يكونُ تقديمُ الشيءِ على الشيءِ نَسَقاً وتَرتيباً، إذا كان ذلكَ التقديمُ قد كان لِمُوجِبٍ أوْجَبَ أنْ يقدَّم هذا ويؤخَّر ذاك. فأَمَّا أنْ يكونَ مع عدم الموجِبِ نسَقاً فمحال، لأنه لو كان يكونُ تقديمُ اللفظِ على اللفظِ، مِنْ غَيْر أنْ يكونَ له مُوْجِبٌ نَسقاً، لكان يَنبغي أن يكونَ توالي الألفاظِ في النطق على أَيِّ وجْهٍ كان، نَسَقاً، حتى إنك لو قلْتَ: (نبْك قِفا حبيب ذكرى من): لم تَكنْ قد أعدَمْتَه النسَقَ والنظْم، وإنما أعدَمْتَه الوزْنَ فقط، وقد تقدَم هذا فيما مضى. ولكنَّا أعَدْناه هاهنا لأنَّ الذي أَخَذْنا فيه من إسلام القوم أَنفُسِهم إلى القليدِ، اقْتَضى إعادَتَه.

стр. 390

فصل: الاحتذاء والأخذ والسرقة الشعرية عند الشعراء واعلمْ أنَّ الاحتذاءَ عند الشعراءِ وأهلِ العلمِ بالشِّعر، وتقديرَه وتمييزَه، أَنْ يبتدِىءَ الشاعرُ في معنًى له وغرضٍ أسلوباً - والأسلوبُ الضْربُ من النْظم والطريقةُ فيه - فيعمَدَ شاعرٌ آخَر إلى ذلك الأسلوب، فجيءَ بهِ في شِعره، فيُشبَّه بمن يقْطَع من أَديمه نعْلاً على مثال نعْلٍ قد قطَعها صاحِبُها، فيقال قد احتذى علم مِثاله، وذلك مثلُ أن الفرزدقَ قال [من الطويل]: أَتَرجُو رُبَيْعُ أنْ تَجيءَ صِغارُها ... بِخَيرٍ وقد أَعْيَا رُبَيْعاً كِبارُها؟ واحتذاه البَعِيث فقال [من الطويل]: أَترجُو كُلَيْبٌ أنْ يَجيء حديثُها ... بَخير وقد أَعْيَا كُلَيْباً قَدِيمُها؟ وقالوا إنَّ الفرزدق لمَّا سمِعَ هذا البيت قال [من الوافر]: إذا ما قلتُ قافيةً شَروداً ... تَنَحَّلهَا ابنُ حمراءِ العِجَانِ ومثلُ ذلك أَنَّ البعيثَ قال في هذه القصيدة [من الطويل]: كليبٌ لئامٌ الناسِ قد يَعْلَمُونَهُ ... وأنتَ إذا عُدَّت كُلَيبٌ لَئيِمُها وقال البحتري [من الطويل]: بَنُو هاشمٍ في كلِّّ شرقٍ ومَغْربٍ ... كرامُ بني الدنيا وأنتَ كَريمُها وحكى العسكريُّ في صنعة الشَّعر أنَّ ابنَ الروميِّ قال: قال لي البحتريُ: قولُ أبي نواس [من الطويل]: ولم أَدْرِ مَنْ هُمْ غيرَ ما شهِدَتْ لَهُمْ ... بِشَرقِيِّ ساباطَ الديارُ البَسَابِسُ مأخوذٌ من قول أبي خراش (الهذلي) [من الطويل]: ولم أَدْرِ مَنْ أَلْقى عليه رداءه ... سِوى أَنه قد سُلَّ من ماجدٍ مَحْضِ قال: فقلتُ قد اختلفَ المعنى. فقال: أَمَا تَرى حَذْوَ الكلامِ حَذْواً واحداً؟. وهذا الذي كتبتُ من حَلِيٌ الأخْذِ في الحَذْو. ومما هو في حَدِّ الخفيِّ قول البحتري [من الطويل]: ولن يَنْقُلَ الحسَّادُ مجْدَكَ بعْدَما ... تمكَّنَ رَضوى واطمأَنَّ مُتَالِعُ وقولُ أبي تمام [من الكامل]: ولقد جَهَدتُمْ أَنْ تُزِيلوا عِزَّهُ ... فإذا أَبانٌ قد رَسَا وَيَلْمَمُ قد احتذى كلُّ واحدٍ منهما على قولِ الفرزدق [من الكامل]: فادْفَعْ بِكفْكَ إنْ أردُتَ بِناءَنا ... ثهلانَ ذا الهضَباتِ هَل يتحْلَحَلُ

стр. 391

وجملةُ الأمر أَنهم لا يَجْعلون الشاعرَ مُحْتذِياً إلاَّ بما يَجْعلونه بهِ آخِذاً ومسْتَرِقاً، قال ذو الرُّمَّة [من الوافر]: وشعرٍ قد أَرِقْتُ له غريبٍ ... أُجَنّبُهُ المُسانَد والمُحَالا فبتُّ أُقِيمُهُ وأَقَدُ مِنْهُ ... قوافي لا أُريد لها مِثَالا قال: يقول: لا أَحْذوها على شيءٍ سمِعْتُه "فأَمَّا أنْ يُجْعَل إنشادُ الشعرِ وقراءتُه احتذاءً فَما لا يعْلَمونَه؛ كيف وإذا عَمَد عامِدٌ إلى بيتِ شعرٍ فوضَعَ مكانَ كلِّ لفظةٍ لفْظاً في معناه، كمِثْلِ أنْ يقولَ في قولِه: دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيتهِا ... واقْعُدْ فإِنَّك أنتَ الطاعِمُ الكاسي ذَرِ المآثِرَ لا تَذْهَبْ لِمَطْلَبِها ... واجْلِسْ فإنكَ أنتَ الآكل الَّلابِسْ لم يَجْعلوا ذلكَ احذاءً ولم يُؤهِّلوا صاحِبَه لأن يُسَمُّوه مُحْتذِياً، ولكنْ يُسمُّونَ هذا الصنيعَ سَلْخاً ويُرَاذِّلونَه ويسخّفونَ المتعاطيَ له. فمِنْ أينَ يجوزُ لنا أن نقولَ في صبيٍّ يقرأ قصيدة امرىءِ القيس إنه احتذاهُ في قوله [من الطويل]: فقلت له لمَّا تمطَّى بصُلْبِه ... وأَردفَ أعجازاً وناء بكَلْكلِ الاحتجاج بالاحتذاء والتحدي على أن الفصاحة بحسب المعنى والعَجَبُ مِن أنهم لم يَنْظروا فيَعْلَموا أَنه لو كان مُنْشِد الشعرِ مُحْتذياً، لكانَ يكونُ قائلَ شعرٍ، كما أنَّ الذي يحَذُوا النْعلَ بالنعل يكون قاطِعَ نِعْلِ، وهذا تقريرٌ يَصْلُح لأن يُحفَظَ للمُناظَرَة - ينبغي أن يقالَ لمن يَزْعمُ أنَّ المنْشِدَ، إذا أَنشدَ شعرَ أمرىءِ القيس كان قد أتى بِمثْلهِ على سبيلِ الاحْتِذاء: أخبرنا عنكَ: لماذا زعَمْتَ أنَّ المنشِدَ قد أَتى بمثْلِ ما قالَه امرؤُ القيس؟ أَلأَنَّه نطَقَ بأَنفُسِ الألفاظ الت ينطق بها؟ أَمْ لأَنه راعى النَسَق الذي راعاه في النطقِ بها؟ فإن قلت: إنَّ ذلكَ لأَنه نطَق بأَنفُسِ الألفاظِ التي نطَقَ بها: أَحَلْتَ، لأنه إنما يَصِحُّ أن يقالَ في الثاني إنه أتى بِمثْلِ ما أتى به الأوَّلُ إذا كان الأوَّلُ قد سَبقَ إلى شيءٍ فأحْدَثهَ ابتداء، وذلك في الأَلفاظِ مُحال؛ إذْ ليس يُمكِنُ أنْ يُقال إنه لم يَنْطِقْ بهذه الألفاظِ التي هي في قوله،

стр. 392

قفا نبكِ من ذِكرى حبيب ومنزل قبْل امرىءِ القيس أَحد. وإن قلتَ: إنَّ ذلك لأنه قد راعى في نُطْقه بهذه الألفاظِ النسَقَ الذي راعاه امرؤُ القيس: قيل إنْ كنتَ لهذا قضَيْتَ في المُنْشِد أنه قد أَتَى بِمْثل شِعْره، فأخْبِرْنا عنكَ إذا قلتَ إن التحدِّيَ وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهةِ الابتداءِ، ما تَعْني به؟ أَتَعْني أَنه يأتي في ألفاظٍ غير أَلفاظ القرآن بمثل الترتيب والنَّسَقِ الذي تَراه في ألفاظ القرآنِ؟ فإن قال: ذلك أَعْني. قيل له: أَعلِمْتَ أَنه لا يكونُ الإتيانُ بالأشياءِ بَعْضِها في أَثرِ بعضٍ على التوالي نَسَقاً وتَرتيباً، حتى تكونَ الأشياءُ مختلفةً في أَنْفُسها، ثم يكون للذي يَجيءُ بها مضموماً بعضُها إلى بعضٍ، غرضٌ فيها ومقصودٌ لا يَتمُّ ذلك الغرَضُ وذاك المقصود، إلاَّ بأَنْ يتَخيَّر لَها مواضِعَ فيَجعلَ هذا أولاً، وذاك ثانياً؟ فإن هذا ما لا يشبهة فيه على عاقل. نفي كون إعجاز القرآن بأوزان نظمه وسلامة ألفاظه

стр. 393

وإذا كان الأمرُ كذلك لزِمَك أن تُبَيِّنَ الغرضَ الذي اقتضى أنْ تكونَ ألفاظُ القرآنِ منْسوقةً النَّسَقَ الذي تَراه. ولا مَخْلَصَ له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكونَ المُقْضى والموجِبُ للذي تَراه من النَّسق، المعانيَ، وجَعلَه قد وَجَب لأمر يَرجعُ إلى اللفظ، لم تَجد شيئاً يُحِيلُ الإعجازَ في وجوبه عليه البتةَ، اللهُمَّ إلاَّ أَنَّ يَجْعل الإعجازَ في الوزن ويَزْعُمَ أنَّ النَسقَ الذي تراه في ألفاظ القرآنِ إنما كان معْجِزاً من أجْل أنْ كان قد حَدث عنه ضرْبٌ من الوزن يَعْجَزُ الخَلْقُ ن أن يأْتوا بمثله؛ وإذا قال ذلك لم يُمْكِنْه أنْ يقولَ إن التحدِّيَ وقَع إلى أن يأْتوا بمثلِهِ، في فصاحَتِه وبلاغَتِه، لأن الوزْنَ ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيءٍ. إذْ لو كان له مَدْخَلٌ فيهما لكانَ يَجبُ في كل قصيدتَيْن أتَّفقَتا في الوزْن أنْ تَتَّفِقا في الفصاحة والبلاغةِ. فإن دعا بعضُ الناس طولَ الإِلْفِ لِمَا سَمعَ من أَنَّ الإعجازَ في اللفظ، إلا أَنْ يَجْعلَه في مجرَّدِ الوزْنِ، كان قد دَخَل في أمرٍ شنيعٍٍ، وهو أنَه يكونُ قد جَعلَ القرآن مُعجِزاً لا مِن حيثُ هو كلامٌ ولا بما به كان لِكَلامٍ فضْلٌ على كلامٍ؛ فليس بالوزْنِ ما كان الكَلامُ كلاماً ولا به كان كلامٌ خَيراً مِنْ كلامٍ. وهكذا السبيلُ إنْ زعَم زاعِمٌ أنَّ الوصفَ المعجزَ هو الجَرَيانُ والسهولَةُ، ثم يعني بذلك سلامَتَهُ من أن تلتقي فيه حروفٌ تَثْقُل على اللسان لأنه ليس بذلك كان الكلامُ كلاماً ولا هو بالذي يتناهى أَمرُه إنْ عُدَّ في الفضيلة إلى أن يكونَ الأَصْلَ وإلى أن يكونَ المعَّولَ عليه في المفاضَلةِ بين كلامٍ وكلامٍ. فما به كان الشاعرُ مفْلِقاً، والخَطيبُ مِصْقَعاً والكاتبُ بليغاً ... إعجاز القرآن وموافقة آية كلِّ نبيٍّ لحال عصره

стр. 394

ورأينا العقلاء حيثُ ذكَروا عجْزَ العربِ عن مُعارَضَةِ القرآن، قالوا إن النبيَّ ﷺ تحدَّاهم وفيهم الشعراءُ والخطباءُ والذين يُدِلُّونَ بفصاحةِ اللسان، والبراعةِ والبَيان، وقوةِ القرائحِ والأَذْهان، والذين أُوتوا الحِكْمةَ وفصْلَ الخِطابِ، ولم نَرهم قالوا إنَّ النبيَّ ﵇ تَحدَّاهم وهم العارِفُون بما ينبغي أن يُصْنَع حتى يَسْلَم الكلامُ من أن تلتقيَ فيه حروفٌ تَثْقُل على اللسان. ولَمَّا ذكَروا معجزاتِ الأنبياءِ ﵈، وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى قد جَعَل معجزةَ كلِّ نَبيّ فيما كان أغْلَبَ على الذين بُعِثَ فيهم، وفيما كانوا يتباهَوْنَ به وكانت عوامَّهم تُعظِّمُ به خواصَّهم، قالوا: إنه لمَّا كان السِّحْرُ الغالِبَ على قوم فِرْعونَ ولم يكُنْ قد استَحكَم في زمانِ استحكامَه في زمانِه، جَعَل تعالى معجِزَةَ موسى ﵇ في إبطاله وتَوْهينهِ. ولمَّا كان الغالِبُ على زمانِ عيسى ﵇ الطِّبُ، جعلَ اللهُ تعالى معجزِتَه في إبْراءِ الأَكْمهِ والأَبْرصِ وإحياءِ الموتى. ولما انتَهَوْا إلى ذكْر نبيِّنا محمد ﷺ ، وذكْرِ ما كان الغالِبُ على زمانهِ لم يَذْكُروا إلا البلاغَة والبيانَ والتصرُّفَ في ضروب النظْم. وقد ذكرتُ في الذي تقدَّم عينَ ما ذكرتُه هاهنا مما يَدلُّ على سقوط هذا القولِ. وما دعاني إلى إعادة ذِكْره إلاَّ أنه ليس تهالُكُ الناسِ في حديث اللفظ والمحاماةُ على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وظنُّ أَنفُسِهم به إلى حدٍّ، فأحْبَبْتُ لذلك أن لا أَدعَ شيئاً مما يجوزُ أن يَتعلَّق به متعلِّقٌ ويلجأَ إليه لاجىءٌ ويقع منه في نفْس سامعٍ شَكًّ، إلا استقصيْتُ في الكشْف عن بُطْلانِه.

стр. 395

وهاهنا أمرٌ عجيبٌ وهو أنه معلومٌ لكلٍّ مَنْ نَظَر أنَّ الألفاظَ من حيثُ هي أَلفظاٌ وكَلِمٌ ونُطْقُ لسانِ لا تخْتصُّ بواحدٍ دون آخر، وأنها إنما تختصُّ، إذا تُوُخَّي فيها النظْمُ. وإذا كان كذلك، كان مَنْ رفَعَ النظْمَ مِن البين، وجعَلَ الإعجازَ بجملته في سهولة الحُروف وجَرَيانها جاعلاً له فيما لا يصِحُّ إضافتُه إلى الله تعالى. وكفى بهذا دليلاً على عدم التوفيق، وشدَّةِ الضلالِ عن الطريق.

стр. 396

فصل بليغ: يصف به عمله في كشف شبهات مسألة اللفظ قد بَلغْنا في مداواة الناس مِنْ دائهم، وعلاج الفسادِ الذي عَرَضَ في آرائهم، كلَّ مبْلغ، وانتهَيْنا إلى كلِّ غايةٍ، وأَخذْنا بهم عن المجَاهِل التي كانوا يتعسَّفون فيها إلى السَّنَنِ اللاحِب، ونقلْنَاهُم عن الآجِنِ المطروق إلى النمير الذي يَشْفي غليلَ الشارِب، ولم ندَعْ لباطلِهِم عِرْقاً ينبُضُ إلاَّ كَوَيْناهُ، ولا للخِلاف لِساناً ينطِقُ إلاَّ أخْرَسْنَاه، ولم نَتركْ غِطاءً كان على بصَرِ ذي عَقْلٍ إلا حَسرْناهُ؛ في أيها السامعِ لِمَا قُلْناه، والناظِرُ فيما كَتبْناه، والمتصفحُ لما دوَّنَّاهُ، إنْ كنتَ سمعتَ سماعَ صادقِ الرغبةِ في أن تكونَ أمرك على بَصيرة، ونظرْتَ نَظَرَ تامِّ العنايةِ في أن يُورِدَ ويَصْدُرَ عن معرفةٍ، وتصفَّحتَ تصفُّحَ مَنْ إذ مارَسَ باباً من العِلْم لم يُقْنِعْه إلاَّ أن يكونَ على ذورةِ السَّنام، ويضْرِبَ بالمعلَّى من السِّهام؛ فقد هُديتَ لِضالَّتكَ، وفُتِح لك الطريقُ إلى بُغْيتِكَ، وهُيِّءَ لكَ الأداءةُ التي تبلُغُ بها، وأُوتيتَ الآلةَ التي معَها تَصِلُ، فَخذْ لنفسكَ بالتي هي أَمْلأُ ليديكَ، وأعْوَدُ بالحظِّ عليكَ، ووازِنْ بين حالِكَ الآنَ، وقد تنبَّهْتَ مِن رقدَتِكَ، وأَفَقْتَ من غفلتِكَ، وصِرْتَ تَعلمُ - إذا أنتَ خُضْتَ في أمرِ اللفْظ والنّظْم - معنى ما تَذْكُر، وتَعْلمُ كيفَ تُورِدُ وتَصْدُرُ، وبينها وأنتَ من أمرها في عَمياءَ، وخابِطٌ خَبْط عَشْواءَ؛ قصاراك أن تُكِّررَ أَلفاظاً لا تَعرِفُ لشيءٍ منها تَفْسيراً، وضروبَ كلام للبلغاءِ إنْ سُئِلْتَ عن أغراضِهم فيها، لم تستطعْ لها تَبْييناً؛ فإنك تراكَ تُطِيلُ التعجُّبَ مِن غَفّّلتك، وتُكْثِرُ الاعتذارَ إلى عَقْلِك، من الذي كنتَ عليه طولَ مُدَّتك؛ ونسأَلُ اللهَ تعالى أنْ يَجْعل كلَّ ما نأتيه، ونقصِدُهُ ونَنْتحيه، لوجهِهِ خالصاً، وإلى رِضاه مؤدِّياً، ولِثَوابهِ مقْتَضِياً، وللزُّلْفى عنده مُوْجِبا، بمَّنه وفضلهِ ورحمتِه.

стр. 397

الفصل الأخير في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إعلمْ أَنه لمَّا كان الغلَطُ الذي دخَل على الناس ِ في حديثِ اللفظِ، كالداءِ الذي يَسْري في العروقِ، ويُفْسِد مِزاجَ البدنِ، وجَبَ أن يُتوخَّى دائباً فيهم ما يتَواخَّاه الطبيبُ في الناقة من تعهُّدهِ بما يزَيد في مُنَّته، ويُبَقِّيه على صحَّتِه، ويؤمّنُهُ النُّكْسَ في علَّتهِ؛ وقد علِمْنا أنَّ أصْل الفسادِ وسبَبَ الآفةِ هو ذَهابهُم عن أنَّ مِن شأنِ المعاني أن تَختلِفَ عليها الصورُ، وتَحدُثَ فيها خواصُّ ومَزايا بَعْد أنْ لا تكونَ؛ فإنك ترَى الشاعرَ قد عَمدَ إلى معنىً مبتذَلٍ، فصنَعَ فيه ما يَصْنَعُ الصانِعُ الحاذِقُ إذا هو أَغْرَبَ في صَنْعة خاتمٍ وعَمَلِ شَنْفٍ وغيرهما من أصناف الحِلى. فإنَّ جهْلَهم بذلك من حالِها هو الذي أَغواهُم واسْتَهواهم، وورَّطهم فيما توَرَّطوا فيه من الجهَالات، وأَدَّاهُم إلى التعلق بالمُحالات. وذلك أَنهم لمَّا جَهِلوا شأنَ الصورةِ وضَعُوا لأَنفُسِهم أساساً وبنَوْا على قاعدة؛ فقالوا إنه ليسَ إلا المعنى واللفظُ ولا ثالثَ، وإنه إذا كان كذلكَ وجَبَ إذا كان لأحدِ الكلامَيْنِ فضيلةٌ لا تَكون للآخَر، ثم كان الغرَضُ مِنْ أحدِهما هو الغَرَضَ من صاحبهِ أنَ يكونَ مَرْجِعُ تلك - زَعموا - يُؤدِّي إلى التناقض، وأنْ يكونَ معناهُما مُتَغايِراً وغيرَ متغايرٍ معاً. ولمَّا أَقَرُّوا هذا في نُفوسِهِم، حَمَلوا كلامَ العلماءِ في كل ما نَسَبوا فيه الفضيلةَ إلى اللفظِ على ظاهرِه وأَبَوْا أن ينظُروا في الأوصاف التي أَتْبعوها نسبتَهم الفضيلةَ إلى اللفظِ مثلَ قولهم: "لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلِقٍ ولا نابٍ به موضِعُه).

стр. 398

إلى سائر ما ذكرْناه قبْلُ، فيَعْلمَوا أَنهم لم يُوجِبوا لِلَّفظ ما أوجَبُوه من الفضيلةِ وهُمْ يَعْنُونَ نُطْقَ اللسانِ وأجراسَ الحرُوف، ولكنْ جعَلوا كالمواضَعَة فيما بينهم، أَنْ يقولوا وهُم يُريدون الصورةَ التي تَحْدُثُ في المعنى والخاصَّة التي حَدثَتْ فيه؛ ويَعْنونَ الذي عناه الجاحظُ حيث قال: وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني، والمعاني مطروحةٌ وسطَ الطريقِ يَعْرِفُها العربيُّ والعجميُّ والحضريُّ والبدويُّ، وإنما الشعرُ صياغةٌ وضرْبٌ من التصوير: وما يعَنونه إذا قالوا إنه يأخُذُ الحديثَ فيُشنِّفُه ويقرِّطُه، ويأْخذُ المعنى خرْزَةً فيردُّه جوهرةً، وعباءةً فيجعلُه ديباجة، ويأخذُه عاطِلاً فيردُّهُ حالياً، وليس كونُ هذا مرادَهم بحيثُ كان ينبغي أن يَخْفى هذا الخَفاءَ ويَشْتبِهَ هذا الاشتباهَ؛ ولكنْ إذا تعاطى الشيءَ غيرُ أهله، وتولَّى الأمرَ غيرُ البصير به، أَعْضَلَ الداءُ، واشتدَّ البلاءُ. ولو لم يكن مِنَ الدليلِ على أنهم لم يَنْحَلُوا اللفظَ الفضيلةَ وهم يُريدونه نَفْسَه، وعلى الحقيقة، إلا واحدٌ وهو وصْفُهم له بأنه يُزَيِّنُ المعنى، وأنه حُلى له، لكان فيه الكفايةُ، وذاك أنَّ الألفاظَ أدلَّةٌ على المعاني، وليس للدليل إلاَّ أنْ يُعْلِمَكَ الشيءَ على ما يكونُ عليه. فأَما أن يصيرَ الشيء بالدليل على صفةٍ لم يكُنْ عليها، فما لا يقوم في عقل، ولا يُتصوَّرُ في وَهْم. الشبهة بأخذ المعنى وسرقته على فصاحة الألفاظ

стр. 399

وممَّا إذا تفكَّرَ فيه العاقلُ، أطالَ التعجُّبَ من أمر الناس، ومن شدَّةِ غَفْلتهم، قولُ العلماءِ حيثُ ذكَروا الأَخذَ والسَّرِقة: إنَّ مَنْ أخذَ معنًى عارياً فكَساه لفظاً مِنْ عندِه كانَ أحقَّ به. وهو كلامٌ مشهورٌ متداولٌ يقرأُه الصبيانُ في أول كتاب عبد الرحمن ثم لا ترى أحداً من هؤلاء الذين لهَجُوا بجعل الفضيلةِ في اللفظ يفكِّرُ في ذلك فيقول: من أَين يُتصوَّر أن يكونَ هاهنا معنىً عارٍ من لفظٍ يَدلُّ عليه؟ ثم من أين يُعْقَلُ أن يجيءَ الواحدُ منا لِمعنىً من المعانيِ، بلفظٍ من عنده إنْ كان المرادُ باللفظ نُطْقَ اللسان؟ ثم هبْ أنه يصِحُّ له أن يَفْعلَ ذلك، فمن أَينَ يَجِبُ إذا وَضَع لفظاً على معنىً، أن يصيرَ أَحقَّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يَصْنَع بالمعنى شيئاً، ولا يُحْدِثُ فيه صفةً، ولا يَكْسِبُه فضيلةً؟ وإذا كان كذلك، فهل يكونُ لكلامهِم هذا وجهٌ سِوى أنْ يكونَ اللفظُ في قولهم: (فكَساهُ لفظاً من عنده) عبارةً عن صورةٍ يُحْدِثها الشاعرُ أو غيرُ الشاعر للمعنى؟ فإن قالوا: (بلى يكونُ! وهو أن يستعيرَ لِلمعنى لفظاً)، قيل: الشأنُ في أنهم قالوا "إذا أَخذ معنىً عارياً فكَساه لفظاً من عِنده كان أحقَّ به" والاستعارةُ عندكم مقصورةٌ على مجرَّد اللفظِ ولا ترَوْنَ المستعيرَ يَصْنَع بالمعنى شيئاً، وتَرونَ أنه لا يحدثُ فيه مزيَّةٌ على وجهٍ من الوجوه؛ وإذا كان كذلك فمِنْ أَين - ليت شعري - يكون أحقَّ به؟ فاعرفه! ثُمَّ إنْ أردْتَ مثالاً في ذلك، فإنَّ مِن أَحسنِ شيءٍ فيه، ما صنَع أبو تمام في بيت أَبي نُخَيْلة، وذلك أن أَبا نخيلة قال في مسلمَةَ بنِ عبد الملك [من الطويل]: أَمَسْلَمَ إني يابْنَ كلِّ خَليفةٍ ... ويا جَبَل الدنيا ويا واحِدَ الأرضِ شكرتُكَ إنَّ الشكْرَ حبْلٌ من التُّقى ... وما كلُّ مَنْ أولَيْتَهُ صالحاً يَقْضي وأَنْبَهْتَ لي ذِكرى وما كان خاملاً ... ولكنَّ بعضَ الذكْرِ أَنبهُ من بَعْضِ فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال [من الطويل]: لقد زِدْتَ أوْضاحي امتداداً ولم أَكُنْ ... بهيماً ولا أَرْضي مِنَ الأرض مَجهلا

стр. 400

ولكنْ أيادٍ صادفَتْني جِسَامُها ... أغرَّ فأَوفَتْ بي أغرَّ مُحجَّلا وفي كتاب "الشعر والشعراء" للمرزُباني فصلٌ في هذا المعنى حسَنٌ قال: "ومن الأَمثال القديمة قولهم "حَرًّا أخافُ على جاني كَمأَةٍ لا قُرّاً" يُضرَب مثلاً للذي يَخافُ مِن شيءٍ فيَسْلمُ منه، ويُصِيبهُ غيرهُ مما لم يَخَفْهُ، فأخذَ هذا المعنى بعضُ الشعراء فقال [من الكامل]: وحَذِرْتُ مِنْ أَمْرٍ فمرَّ بِجانبي ... لم يُنْكِني ولَقِيتُ ما لَمْ أَحْذَرِ وقال لبيد [من المنسرح]: أَخْشى على أَرْبَدَ الحتُوفَ ولا ... أرْهَبُ نَوْءَ السّماكِ والأَسدِ قال: وأخذَه البحتريُّ فأحسن، وطغى اقتداراً على العبارة واتِّساعاً في المعنى فقال [من الكامل]: لو أنني أُوفي التجاربَ حَقَّها ... فيما أرَتْ لَرجَوْتُ ما أَخْشاهُ وشبيهُ بهذا الفصْلِ فصلٌ آخر من هذا الكتاب أيضاً. أنشد لإبراهيم ابن المهدي [من السريع]: يا مَنْ لِقَلْبِ صِيغَ من صَخْرةٍ ... في جَسَدٍ من لؤلؤٍ رطْبِ جرحتُ خدَّيْه بلحْظي فَمَا ... بَرِحْتُ حتى اقتصَّ مِنْ قلبي ثم قال: قال علي بن هارون أخذه أحمد بن أبي فَنَن معنىً ولفظاً فقال [من الكامل]: أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ ... فاقتصَّ ناظرُهُ من القَلْبِ قال: ولكنه بنقاء عبارته وحُسْنِ مأخذه قد صار أَوْلى به: ففي هذا دليل لِمن عقَلَ أَنهم لا يَعْنونَ بحُسْنِ العبارة مجَّردَ اللفظِ ولكنْ صورةً وصِفةً وخصوصيةً في المعنى، وشيئاً طريقُ معرفتِه على الجملة، العقلُ دون السمْع؛ فإنه على كلِّ حالٍ لم يَقُلْ في البحتري إنه أحْسَن فطغى اقتداراً على العبارةِ من أَجْلِ حروف: لو أنني أوفي التجاربَ حقها وكذلك لم يصِفْ ابنَ أبي فَنن بنقاء العبارة من أجْل حروف: أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ غلط قياس الكلام على الكلم في الفصاحة

стр. 401

واعلمْ أَنَّكَ إذا سبرْتَ أَحوالَ هولاءِ الذين زَعَموا أنه إذا كان المعبَّرُ عَنهُ واحداً والعبارةُ اثنتَيْن، ثم كانت إحدى العبارتَيْن أَفْصَحَ من الأخرى وأحْسَنَ، فإنه يَنبغي أن يكونَ السببُ في كونها أَفْصَحَ وأحسَنَ، اللفظَ نفسَه، وجدتَهم قد قالوا ذلك من حيثُ قاسوا الكلامَيْن على الكلمتَيْن، فلما رأَوْا أَنه إذا قيل في الكلمتين إن معناهما واحدٌ، لم يكنْ بينهما تفاوتٌ ولم يكنْ للمعنى في أحدِهما حالٌ لا يكون له في الأخرى، ظَنُّوا أنَّ سبيلَ الكلامين في هذا السبيلُ. ولقد غَلِطوا فأَفْحَشوا، لأنه لا يُتصوَّرُ أنْ تكونَ صورةُ المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثْلَ صورتِه في الآخَر البتَّةَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَعْمدَ عامِدٌ إلى بيتٍ فيضَعَ مكانَ كلِّ لفظةٍ من لفظةً في معناها، ولا يَعْرِضُ لنظْمهِ وتأليفه، كمِثلِ أن يقول في بيت الحُطَيْئَة [من البسيط]: دَعِ المكارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيتها ... واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكاسي ذَرِ المفَاخِرَ لاتذْهَبْ لِمَطْلبها ... واجلسْ فإنك أنتَ الآكِل اللابسُ وما كان هذا سبيلَه، كان بمعزلٍ من أنْ يكونَ به اعتدادٌ، وأنْ يَدخُلَ في قبيلِ ما يفاضَلُ فيه بين عبارتين؛ بل لا يصِحُّ أنْ يُجعلَ ذلك عبارةً ثانيةً، ولا أنْ يُجعلَ الذي يتعاطاه بِمَحَلِّ مَنْ يوصَف بأنه أخذَ معنىً. ذلك لأنه لا يكونُ بذلك صانعاً شيئاً يَستحقُّ أنْ يُدْعى من أجْلهِ واضعَ كلامٍ ومستأنِفَ عبارةٍ وقائلَ شعرٍ. ذاك لأنَّ بيتَ الحطيئةِ لم يكُن كلاماً وشعراً مِن أجْل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه مجرَّدةً معرَّاةً من معاني النظْمِ والتأليفِ، بل منها مُتَوخىًّ فيها ما ترَى من كَوْن (المكارِم) مفعولاً لـ (دعْ) وكونِ قوله: (لا ترحل لبغيتها)؛ جملةً أكَّدتْ الجملةَ قبلَها، وكون "اقْعد" معطوفاً بـ (الواو) على مجموع ما مضى، وكون جملة: أنتَ الطاعمُ الكاسى: معطوفةً بـ (الفاء) على "اقعد"، فالذي يجيء، فلا يُغيِّر شيئاً من هذا الذي به كان كلاماً وشعراً، لا يكونُ قد أتى بكلامٍ ثانٍ وعبارةٍ ثانية، بل لا يكون قد قال من عندِ نفْسِه شيئاً البتةَ.

стр. 402

وجملة الأمر أَنه، كما لا تكونُ الفِضَّةُ خاتَما أو الذهَبُ خاتماً أو سواراً أوغيرهما، من أصناف الحِلَى بأنفُسِهما، ولكنْ بما يحدُثُ فيهما من الصورة، كذلك لا تكونُ الكَلِمُ المفردةُ التي هي أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ، كلاماً وشعراً، من غير أن يحدُثَ فيها النظْمُ الذي حقيقَتُه توَخِّي معاني النحو وأَحكامِه. فإذنْ ليس لمن يتصدَّى لمَا ذكَرْنا مِن أَنْ يَعْمَد إلى بيتٍ فيضَعُ مكانَ كلِّ لفظةٍ منها لفظةً في معناها، إِلاَّ أن يُسْتَرَكَّ عقلُه ويُسْتَخفَّ، ويُعدَّ معدَّ الذي حُكي أنه قال: إني قلتُ بيتاً هو أَشعَرُ من بيتِ حسَّان، قال حسان [من الكامل]: يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسْأَلون عَنِ السوادِ المُقْبِلِ وقلتُ: يُغْشَون حتى ما تَهِرُّ كلابهُم ... أبداً ولا يَسْألون من ذا المُقبِلُ فقيلَ هو بيتُ حسان، ولكنَّك قد أفسَدْتَه. واعلمْ أنه إنما أُتِيَ القومُ مِنْ قلة نظَرِهم في الكُتُبِ التي وضعَها العلماءُ في اختلاف العبارتَين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أَخْذ الشاعر من الشاعرِ، وفي أنْ يقول الشاعرانِ على الجملة في معنى واحدٍ وفي الأشعار التي دونوها في هذا المعنى، ولو أنهم كانوا أخَذُوا أنفُسَهم بالنظرِ في تلك الكتبِ وتدبَّروا ما فيها حقَّ التدَبُّر، لكان يكونُ ذلك قد أيقظَهم مِن غفْلَتهم، وكشفَ الغِطاء عَنْ أعينهم.

стр. 403

فصل: الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد وقد أردتُ أن أكتبَ جملةً من الشعر الذي أنتَ ترى الشاعرَيْن فيه قد قالا في معنىً واحدٍ، وهو ينقسم قسمين: قَسمٌ أنت ترَى أحدَ الشاعرَين فيه قد أتى بالمعنى غُفْلاً ساذَجاً، وترى الآخَرَ قد أخرجَه في صورةٍ تَروقُ وتُعْجِبُ. وقسمٌ أنتَ ترى كلَّ واحدٍ من الشاعرَين قد صَنعَ في المعنى وَصَوَّرَ. القسم الأول وأبدأُ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحدِ البَيْتين غُفلاً وفي الآخَرِ مصوَّراً مَصْنوعاً، ويكونُ ذلك إمَّا لأنَّ متأَخِّراً قصَّر عن مُتقدِّم، وإمَّا لأن هُدى متأخرٍ لشيءٍ لم يَهْتدِ إليه المتقدِّمُ، ومثال ذلك قولُ المتنبي [من المنسرح]: بِئْسَ اللَّيالي سَهِرْتُ مِنْ طَرَبي ... شَوْقاً إِلى مَنْ يَبيتُ يَرْقُدُها مع قولِ البحتري [من الكامل]: لَيلٌ يُصَادِفُنِي ومَرْهَفَةَ الحَشَا ... ضِدَّيْنِ أَسْهَرُهُ لَهَا وَتَنامُه وقولُ البحتري [من البسيط]: وَلو ملَكتُ زَماعاً ظَلَّ يَجْذِبُني ... قَوْداً لَكَانَ نَدى كَفيَّكَ منْ عُقُلي مع قولِ المتنبي [من الطويل]: وَقَيَّدْتُ نفْسِي في ذُرَاكَ مَحَبَّةً ... وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسانَ قَيْداً تَقَيَّدَا وقولُ المتنبي [من الطويل]: إذَا اعْتَلَّ سَيْفُ الدَّوْلَةِ اعْتَلَّتِ الأَرضُ ... وَمَنْ فَوْقَهَا وَالْبَأسُ وَالْكَرَمُ الْمَحْضُ مع قول البحتري [من الطويل]: ظَلِلْنَا نَعُودُ الْجُودَ منْ وَعْكِكَ الّذِي ... وَجَدْتَ وَقلْنَا اعْتَلَّ عُضْوٌ منَ الْمَجْدِ وقولُ المتنبي [من الكامل]: يُعْطِيكَ مُبْتَدِئاً فَإِنْ أَعْجَلْتَهُ ... أَعْطَاكَ مُعْتَذِراً كَمَنْ قَدْ أَجْرَما مع قول أبي تمام [من الطويل]: أخو عَزماتٍ فِعْلُهُ فِعلُ مُحْسِنٍ ... إلَيْنَا وَلكنْ عُذْرُهُ عُذْرُ مُذْنبِ وقولُ المتنبي [من الطويل]: كَرِيمٌ مَتَى اسْتُوهِبْتَ ما أَنتَ رَاكِبٌ ... وَقَدْ لقِحَتْ حَرْبٌ فإِنَّكَ نَازِلُ مع قول البحتري [من البسيط]: مَاضٍ عَلَى عَزْمِهِ في الْجُودِ لَوْ وَهَبَ الشـ ... ـبَابَ يَوْمَ لِقَاءِ الْبِيضِ مَا نَدِمَا وقولُ المتنبي [من الخفيف]: وَالَّذِي يَشْهَدُ الوَغَى سَاكِنُ الْقَلْـ ... ـبِ كَأَنَّ القِتَالَ فيها ذِمامُ مع قولِ البحتريِّ [من الطويل]: لَقَدْ كَانَ ذَاكَ الجَأْشُ جَأْشَ مُسَالمٍ ... عَلَى أَنَّ ذَاكَ الزّيَّ زِيُّ مُحَارِبِ وقولُ أبي تمام [من الكامل]: الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلاَئِلِ ... مِنْ غَيْرِهِ ابتْغِيَتْ وَلا أَعْلاَمِ مع قول المتنبي [من الوافر]: وَلَيْسَ يَصحُّ في الأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ وقولُ أبي تمام [من الوافر]: وَفِي شَرَفِ الْحَدِيثِ دَلِيلُ صِدْق ... لِمُخْتَبِرٍ عَلَى شَرَفِ الْقَدِيمِ مع قول المتنبي [من البسيط]:

стр. 404

أَفْعَالُه نَسَبٌ لوْ لمْ يقُلْ مَعَهَا ... جَدِّي الْخصِيبُ عَرَفْنَا الْعِرْقَ بالْغُصُنِ وقولُ البحتري [من الكامل]: وَأَحَبُّ آفاقِ البِلاَدِ إِلى فتًى ... أَرْضٌ يَنَالُ بِهَا كَرِيمَ المطْلَبِ مع قول المتنبي [من الطويل]: وَكلُّ امْرِىءٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ ... وَكلُّ مكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ وقولُ المتنبي [من الطويل]: يُقِرُّ لَهُ بالْفَضْلِ مَنْ لاَ يَوَدُّهُ ... وَيقْضِي لَهُ بِالسَّعْدِ مَنْ لاَ يُنَجِّمُ مع قولِ البحتريِّ [من الكامل]: لاَ أَدَّعِي لأَبِي العَلاَءِ فَضِيلَةً ... حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلْيهِ عِدَاهُ وقولُ خالدٍ الكاتبِ [من المتقارب]: رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ للِسَّاهِرِ ... وَلَيلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخِرِ مع قولِ بشار [من الطويل]: لِخديكَ مِنْ كَفَّيكَ فِي كُلِّ لَيلةٍ ... إلى أنْ تَرَى ضَوْءَ الصبَّاحِ وِسادُ تبِيتُ تُرَاعي اللَّيلَ تَرْجُو نفَادَهُ ... وَليْسَ لِلَيلِ العَاشِقينَ نفَادُ وقولُ أبي تمام [من الوافر]: ثَوَى بالمشرقَيْنِ لهُمْ ضَجَاجٌ ... أطارَ قُلوبَ أَهْلِ المَغْرِبَيْنِ وقولُ البحتري [من الطويل]: تَناذَرَ أهلُ الشرقِ منه وقائعاً ... أطاعاَ لها العاصُونَ في بلدِ الغَرْبِ مع قولِ مسلم [من البسيط]: لمَّا نزلتُ على أَدْنى ديارِهم ... أَلْقَى إليكَ الأَقاصي بالمقَاليدِ وقولُ محمد بن بشير [من البسيط]: أُفْرُغْ لحاجتنا ما دمتَ مشغولاً ... فلو فَرَغْتَ لكنت الدهرَ مبذولا مع قول أبي علي البصير [من الطويل]: فقل لسعيد أسعدَ الله جَدَّه ... لقد رَثَّ حتى كاد ينصرمُ الحبْلُ فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشغْلُ وقولُ البحتري [من الكامل]: مِنْ غادةٍ مُنِعَتْ وتَمْنَعُ وَصْلَها ... فَلَوَ أنْها بُذِلَتْ لنا لم تَبْذُلِ مع قولِ ابنِ الرومي [من مجزوء الكامل]: ومن البلية أنني ... عُلّقتُ ممنوعاً منوعا وقولُ أبي تمام [من الطويل]: لئنْ كان ذنبي أنَّ أحْسَنَ مَطْلبي ... أساءَ ففي سُوءِ القضاءِ ليَ العُذْرُ مع قولِ البحتري [من البسيط]:

стр. 405

إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها ... كانت ذنوبي فقل لي: كيف أَعتذرُ؟ وقولُ أبي تمام [من البسيط]: قد يُقدِمُ الْعَيْرُ من ذُعر على الأسدِ مع قولِ البحتري [من الطويل]: فجاءَ مجيءَ العَيْرِ قادتْه حَيْرةٌ ... إلى أهْرَتِ الشِّدْقَينِ تَدْمَى أظافِرُهُ وقول معن بن أوس [من الطويل]: إذا انصرَفَتْ نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ ... إليه بوجهِ، آخِرَ الدهرِ، تُقْبِلُ مع قولِ العباسِ بْنِ الأَحنف [من البسيط]: نَقْلُ الجبالِ الرواسيِ مِنْ أَماكِنها ... أَخَفُّ من ردِّ قلبٍ حينَ يَنْصرِفُ وقولُ أمية بن أبي الصلت [من الطويل]: عطاؤُك زيْنٌ لامرىءٍ إنّ أصبتَهُ ... بخيرٍ وما كلُّ العطاءِ يزينُ مع قولِ أبي تمّام [من البسيط]: تُدْعى عطاياه وَفراً وهي إنْ شُهرتْ ... كانت فخاراً لمن يَعْفوه مؤْتَنِفا ما زلتُ منتظراً أعجوبة عَنَناً ... حتى رأيت سؤالاً يجتنى شرفا وقولُ جرير [من الطويل]: بعَثْنَ الهوى ثم ارتَمَيْنَ قلوبنَا ... بأَسْهُمِ أعداءِ وهنَّ صديقُ مع قولِ أبي نواس [من الطويل]: إذا امتَحَنَ الدنيا لبيبٌ تكَشَّفَتْ ... لهُ عنْ عَدُوٍّ في ثيابِ صَديقِ وقولُ كثيرٌ [من الطويل]: إذا ما أرَادتْ خُلَّةٌ أنْ تُزيلَنا ... أَبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أَوَّلُ مع قولِ أبي تمام [من الكامل]: نَقّلْ فؤادَك حيثُ شِئْتَ مِنَ الهوى ... ما الحبُّ إلاَّ لِلْحَبيبِ الأَوّلِ وقولُ المتنبي [من الطويل]: وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ ... شَبيبٌ وأَوْفى مَنْ تَرى أخَوانِ مع قولِ أبي تمام [من الطويل]: فلا تَحْسبَا هِنداً لها الغَدْرُ وحدَها ... سَجيَّةُ نفسٍ: كلُّ غانيةٍ هِندُ وقولُ البحتري [من الطويل]: ولم أَرَ في رَنْقِ الصَّرى ليَ مَوْرِداً ... فحاولتُ وِرْدَ النيلِ عندَ احتفالِهِ مع قولِ المتنبي [من الطويل]: قَواصِدُ كافورٍ تَوارِكُ غَيْرِهِ ... ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا وقولُ المتنبي [من المنسرح]: كأنمَّا يُولَدُ النَّدى مَعَهُمْ ... لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هَرَمُ مع قولِ البحتري [من الطويل]:

стр. 406

عَرِيقونَ في الإفضالِ يؤْتَنَفُ النَّدى ... لِناشِئهِمْ مِنْ حيثُ يُؤْتنَفُ العُمْرُ وقولُ البحتري [من الطويل]: فلا تُغْلِيَنْ بالسيفِ كلَّ غَلائِهِ ... لِيمضي فإنَّ الكَفَّ لا السيفَ تقَطْعُ مع قولِ المتنبي [من الطويل]: إذا الهِندُ سَوَّتْ بينَ سَيْفيْ كَريهةٍ ... فسَيفُكَ في كَفِّ تُزيلُ التساوِيا وقولُ البحتري [من الطويل]: سامَوْكَ من حَسَدٍ فأفضلَ منهمُ ... غيرُ الجَوادِ وجادَ غيرُ المُفْضِلِ فبَذلتَ فينا ما بذَلْتَ سَماحةً ... وتَكَرُّماً وبذَلْتَ ما لم تَبْدُلِ مع قولِ أبي تمام [من الطويل]: أَرى الناسَ مِنهاجَ الندى بعدَ ما عَفَتْ ... مَهايِعُهُ المُثْلى ومحَّتْ لوَاحِبُهْ ففي كلِّ نَجَدِ في البلاد وغائرٍ ... مواهبُ ليسَتْ منهُ وهْيَ مَوَاهِبُهْ وقولُ المتنبي [من البسيط]: بيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحْتَ حُلَّتِها ... وعزَّ ذلكَ مَطْلوباً إذا طُلِبا مع قولِ البحتري [من الكامل]: تبدو بعَطْفةِ مُطْمِعٍ حتى ... إذا شُغِلَ الخَلِيُّ ثنَتْ بصَدْفَةِ مُؤْيِسِ وقولُ المتنبي [من الكامل]: إذْكارُ مِثْلِكَ تَرْكُ إذكاري لهُ ... إذْ لا تُريدُ لِمَا أُريدُ مُتَرجِما مع قولِ أبي تمام [من الخفيف]: وإذا المَجْدُ كان عَوْني على المَرْ ... ءِ تَقَاضَيْتهُ بِتَرْكِ التقاضي وقولُ أبي تمام [من الكامل]: فنَعِمْتِ من شمسِ إذا حُجبت بَدتْ ... مِنْ خِدرِها فكأَنها لم تُحْجَبِ مع قولِ قيس بن الخطيم [من المنسرح]: قضى لها اللهُ حينَ صَوَّرها ... (م) الخَالِقُ ألاَّ تُكِنَّها سُدُفُ وقولُ المتنبي [من الخفيف]: رامياتٍ بأسْهُمِ ريشُها الهُدْ ... بُ تشُقُّ القُلوبَ قبلَ الجُلودِ مع قولِ كُثيرِّ [من الطويل]: رمتني بسهمٍ ريشُهُ الكُحْلُ لم يجُزْ ... ظواهرَ جلدي وهْوُ في القلبِ جارحُ وقولُ بعضِ شعراء الجاهلية ويعْزى إلى لبيد [من الكامل]: ودَعوتُ رَبي بالسلامةِ جاهِداً ... ليُصِحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ مع قولِ أبي العتاهية [من الرجز]: أسرَع في نقصِ أمرىءٍ تمامُهُ ... تُدْبرُ في إقبالها أيامهُ وقولُه [من مجزوء الكامل]: أقلِلْ زيارتَك الجبيـ ... ـبَ تكونُ كالثوبِ استجدَّهْ

стр. 407

إنَّ الصديقَ يُمِلُّهُ ... أنْ لا يزالَ يَراكَ عندَهْ مع قولِ أبي تمام [من الطويل]: وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌ ... لديباجَتيْهِ فاغتربْ تَتَجدَّدِ وقولُ الخريمي [من الطويل]: زادَ مَعْروفَك عندي عِظَما ... أَنَّه عندَك محقورُ صَغيرُ تَتناساهُ كأَنْ لم تَأتِهِ ... وهُوَ عند الناسِ مشهورٌ كَبيرُ مع قولِ المتنبي [من المنسرح]: تَظْنُّ مِن فقْدِكَ اعتدادَهَمُ ... أَنَّهُم أَنْعَموا وما عَلِموا وقولُ البحتري [من الوافر]: ألم تَرَ للنوائبِ كيفَ تَسْمُو ... إلى أهْلِ النوافلِ والفُضولِ مع قولِ المتنبي [من البسيط]: أَفاضلُ الناسِ أَغراضٌ لِذا الزَّمنِ ... يخْلُو مِن الهَمِّ أَخْلاهُمْ من الفِطَنِ وقولُ المتنبي [من الطويل]: تَذَلَّلْ لها واخضَعْ على القربِ والنوى ... فما عاشِقٌ مَنْ لا يَذِلُّ ويَخْضَعُ مع قولِِ بعض المحدثين [من مجزوء الرمل]: كُنْ إذا أَخببتَ عَبْداً ... للذي تَهوى مُطِيعا لن تَنالَ الوصْلَ حتى ... تُلْزِمَ النفسَ الخُضوعا وقولُ مضرِّس بن رِبْعِيّ [من الطويل]: لَعمرُكَ إني بالخليلِ الذي لَهُ ... عليَّ دلالٌ واجبٌ لمُفَجَّعُ وإنيَ بالمولى الذي ليسَ نافعي ... ولا ضائري فُقدانُهُ لمُمَتَّعُ مع قول المتنبي [من الطويل]: أَمَا تَغْلَطُ الأَيامُ فيَّ بأَنْ أَرى ... بَغيضاً تُنائي أوْ حَبيباً تُقرِّبُ؟ وقولُ المتنبي [من البسيط]: مظلومةُ القَدّ في تشبيهِهِ غُصُناً ... مظلومةُ الريقِ في تشبيهِهِ ضَرَبا مع قولهِ [من الطويل]: إذ نحنُ شبَّهنْاكَ بالبدْرِ طالعاً ... بَخَسْناك حَظّاً أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغى ... لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ ... القسم الثاني ذكر ما أنتَ ترى فيه في كل واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويراً واستاذيةً على الجملة. فمن ذلك وهو من النادر قول لبيد [من الرمل]: واكذِبِ النفسَ إذا حدَّثْتَها ... إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ مع قولِ نافع بنِ لَقيط [من الكامل]: وإذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها ... أَملاَ ويأمُلُ ما اشتهى المكذوبُ

стр. 408

وقولُ رجلٍ من الخوارج أُوتِيَ الحجاجَ في جماعة من أصحاب قَطَرِيٍّ فقلتهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده؛ وعاد إلى قَطَرِيٍّ فقال له قطريٌ: عاودْ قتال عدوِّ الله الحجاج: فأبى وقال [من الكامل]: أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه ... بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ ... في الصفِّ واحتجَّتْ له فَعَلاتُهُ وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعاً ... غُرِسَتْ لديّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ مع قول أبي تمام [من الطويل]: أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ ... إذَنْ لَهجَاني عنه معروفُهُ عندي وقولُ النابغة [من الطويل]: إذا ما غَدَا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ ... عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ جَوانحُ قد أَيْقَنَّ قَبِيلَهُ ... إذا ما التقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ مع قولِ أبي نواس [من المديد]: وإذامجَّ القَنا عَلَقَا ... وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ ... أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ يتأبْى الطيرُ غُدْوَته ... ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ المقصود البيتُ الأخير. وحكى المرزباني، قال حدثني عمرو الورَّاقُ: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها: أيها المنتابُ من عُفُرِهُ فحسدْتُه. فلما بلغ إلى قوله: يتأَبى الطيرُ غدوتَهُ ... ثقةً بالشِّبْع من جَزَرِهُ

стр. 409

قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئاً حيث يقولُ: "إذا ما غدَا بالجيش: البيتين - فقال: اسكُتْ! فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ". وهذا الكلامُ من أبي نواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورة إلى صورة؛ ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئاً، لكان قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع": مُحالاً، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها، في شعر النابغة، إلى صورة أُخرى، وذلك أنَّ هاهنا معنيَيْنِ أحدُهما أصْلٌ، وهو عِلْمُ الطير بأنَّ الممدوحَ إذا غزا عَدُوّاً كان الظفَرُ له وكان هو الغالبَ، والآخرُ فرْعٌ، وهو طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لْحومِ القتلى. وقد عَمَد النابغةُ إلى الأَصْل الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحاً وكشَفَ عنه وجهه، واعتمَدَ في الفرع الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه، على دلالةِ الفَحْوى. وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر الفرْعَ الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحاً، فقال كما ترى: ثقة بالشِّبْعِ من جزرهُ وعوَّلَ في الأَصْل الذي هو علْمُها بأن الظَّفرَ يكون للممدوح، على الفحوى؛ ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أن الظفر يكون للممدوح، هي في أَنْ قال "من جزره". وهي لا تثق بأنَّ شِبَعَها يكون من جَزَر الممدوح، حتى تعلم أَنَّ الظَّفر يكونُ له، أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟ الموازنة بين الشعرين، الإجادة فيهما من الجانبين أرجِعُ إلى النَّسق. ومن ذلك قول أبي العتاهية [من الخفيف]: شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغلَقاً على المُدَّاحِ مع قولِ أبي تمام [من الكامل]: نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ ... يَنْفُثْنَ في عُقد اللسانِ المفْحَمِ وقولُ أبي وجزة [من الوافر]: أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا ... وكنتَ له كمجتَمَعِ السُّيولِ مع قولِ منصور النمري [من البسيط]: إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ ... أَحلَّكَ اللهُ منها حيثُ تَجْتمِعُ وقولُ بشار [من البسيط]:

стр. 410

الشيب كُرْهٌ وكُرْهٌ أن يُفارِقَني ... أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاءِ مَوْدودِ مع قولِ البحتري [من الوافر]: تَعيبُ الغانياتُ عليَّ شَيْبي ... ومَنْ لي أَنْ أُمَتَّعَ المعِيبِ؟ وقولُ أبي تمام [من المنسرح]: يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ... ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمسُ مع قولِ ابن الرومي [من الطويل]: إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ ... تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ لا تنظرْ إلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ". فأعادَ لفظ أبي تمام، ولكن انْظُرْ إلى قوله: "يعمل نحوه تلفتَ ملهوفٍ". وقولُ أبي تمام [من الطويل]: لئنْ ذَمَّتِ الأعداءُ سوءَ صَباحِها ... فليس يؤدِّي شُكْرَها الذئبُ والنَّسرُ مع قول المتنبي [من المتقارب]: وأثْبَتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ وقولُ أبي تمام [من البسيط]: ورب نائي المغاني رُوحُهُ أبداً ... لَصِيقُ رُوحي وَدانٍ ليس بالداني مع قولِ المتنبي [من الوافر]: لنا ولأَهْلِهِ أبداً قُلوبٌ ... تلاَقى في جسومٍ ما تَلاقى وقولُ أبي هِفَّان [من الرمل]: أصبحَ الدهرُ مُسيئاً كلُّهُ ... مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسنَهْ مع قولِ المتنبي [من الطويل]: أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما ... بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لها عذْرُ وقولُ علي بن جبلة [من الكامل]: وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي ... رَدَّته في عِظتي وفي أفهامي مع قولِ ابن المعتز [من المتقارب]: وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال ... يَزِدْ في نُهاها وألبَابِها وقولُ بكر بن النطاح [من الطويل]: ولوْ لم يكنْ في كفّه غيرُ روحِهِ ... لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ مع قول المتنبي [من المنسرح]: إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إذا وَهَبوا ... ما دُونَ أَعمارِهِمْ فَقد بَخِلُوا وقولُ البحتري [من الطويل]: وَمَنْ ذَا يَلُومُ البْحرَ إنْ باتَ زاخِراً ... بفيضِ وصوبَ المزْنِ إن راحَ يَهْطِلُ مع قولِ المتنبي [من البسيط]: وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ... ومَنْ يَسدُّ طريقَ العارضِ الهَطِلِ وقولُ الكندي [من الكامل]:

стр. 411

عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا ... فهُمُ الذُّرى وجَماجِمُ الهاماتِ إنْ يَطلبُوا بِتِراتِهِمْ يُعطَوا بها ... أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ مع قول المتنبي [من الطويل]: تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه ... وهنَّ لِمَا يأْخُذْنَ منِكَ غَوارِمُ وقولُ أبي تمام [من الطويل]: إذا سَيْفُه أضْحَى على الهامِ حاكِماً ... غدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكِمُ مع قولِ المتنبي [من الطويل]: لهُ مِنْ كريم الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ... ومِن عادةِ الإحسانِ والصَّفْحِ غامِدُ فانظرْ الآنَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِياناً أنَّ لِلْمعنى في كلِّ واحدٍ من البيتين، من جميع ذلكَ، صورةً وصفةً غيرَ صورتِه وصِفَتِه في البيتِ الآخَر، وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك: أنَّ الذي تَعقَّل مِنْ هذا، لا يُخالِف الذي تعقَّل مِن ذاك؛ وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيت الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كان عليها في البيت الأول: وأنْ لا فرْقَ ولا فصْلَ ولا تبايُنَ بوجهٍ من الوجوه؛ وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلاً حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحد، كالليثِ والأَسد. ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقوله العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ كالخاتمَم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينها الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل. ومَنْ هذا الذي يَنظُر إلى بيتِ الخارجِي، وبيتِ أبي تمام، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك، غيرُ صورتِه في هذا، كيفَ والخارجيُّ يقول: (واحتجَّتْ له فَعْلاتُه). ويقولُ أبو تمام: إذن لهجاني عنه معروفه عندي ومتى كان "احتج" و "هجا" واحداً في المعنى؟ وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه: فليس يُتَصوَّرُ في نفس عاقلِ أن يكونَ قولُ البحتري [من الكامل]: وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إلى الفتى ... أرضٌ يَنالُ بها كريمَ المطلبِ وقولُ المتنبي [من الطويل] وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ سواءً.

стр. 412

واعلمْ أنَّ قولَنا (الصورةُ) إنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لِمَا نَعْلمه بعقلونا على الذي نرَاه بأبصارنا؛ فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحاد الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان بين إنسانٍ من أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكون في صورة ذلك. وكذلك كانَ الأمرُ في المصنوعات: فكان بين خاتَمٍ من خاتمٍ، وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك. ثم وجَدْنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقاً عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك: وليس العبارةُ عن ذلك بالصورةِ شيئاً نحن ابتدأناه، فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قولُ الجاحظ: وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير! واعلمْ أنه لو كان المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيت الآخَر، وكان التالي من الشاعرين يَجيئُك به مُعَاداً على وجهه، لم يُحدِثْ فيه شيئاً ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماء في شاعر: إنه أَخَذَ المعنى من صاحبه فأحْسَنَ وأجاد: وفي آخَرَ: إنه أسَاءَ وقصَّر: لغوْاً من القولِ من حيثُ كان مُحالاً أن يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئاً. وكذلك كان يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيراً للبيتِ ومناسِباً له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه وأن يكون نَظيراً لنفسه. وأمرٌ ثالث وهو أنهم يقولون في واحد: إنه أخَذ المعْنى فظَهَرَ أَخْذُه: وفي آخر: إنه أَخذَه فأخفى أخْذَه. ولو كان المعنى يكونُ مُعاداً على صورته وهيئته وكان الأَخْذ له من صاحِبه لا يَصْنع شيئاً غيرَ أن يُبدِّل لفظاً مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالاً لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كان عليها. مثالُ ذلك: إن القاضي أبا الحسن ذكَر فيما ذكرَ فيه تناسُبَ المعاني، بيتَ أب نواس [من المديد]، خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ ... تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ وبيتَ عبدالله بنِ مُصعب [من الوافر]: كأنك جئت محتكماً عليهم ... تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاءُ

стр. 413

وذكَر أنهما معاً مِن بيت بشار [من الطويل]: خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هوايَ ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناولَه فأخفاه وقال [من الوافر]: فلو صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها ... على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ ومن العجَب في ذلك ما تراه إذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية [من الكامل]: جُزِيَ البخيلُ عليَّ صالِحةً ... عنِّي لِخفَّتهِ على ظَهْري أعلى وأَكْرمَ عن يديه يدي ... فَعلَتْ ونزَّه قدْرُه قدْري وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً ... أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري وغَنِيتُ خِلْواً من تَفضُّلِهِ ... أحْنُو عليه بأحْسَنِ العُذْرِ ما فاتَني خيرُ امرىءٍ وَضَعتْ ... عني يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ ثم نظرتَ إلى قولِ الذي يقولُ [من المنسرح]: أعتقَني سوءُ ما صنعْتَ من الرِّ ... (م) قِّ فيابَرْدَها على كَبدي فصِرتُ عبْداً للسوء فيكِ وما ... أَحْسَنَ سُوءٌ قَبْلي إلى أَحَدِ ومما هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنَعه الجاحظُ بقول نصَيبٍ [من الطويل]: ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ حين نثرَه فقال وكتبَ به إلى ابن الزيات: نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إلى الحال، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثراً ينطِقُ إذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بيِّنةٍ متعرِّض للتكذيب. وصف الشعر والإدلال به وهذه جملة منْ وَصْفهم الشعرَ وعملِه وإدلالهِمْ بهِ. أبو حيَّة النّمَيْري [من الكامل]: إنَّ القصائدَ قد عَلِمْنَ بأنني ... صنَعُ اللسانِ بهن لا أَتَنحَّلُ وإذا ابتدأتُ عروضَ نسج ريِّضٍ ... جعلَتْ تَذِلُّ لِمَا أُريد وتَسْهُلُ حتى تُطاوِعَني ولو يَرْتاضُها ... غَيْري لحاوَلَ صَعْبةً لا تُقْبَلُ تميم بن مقبل [من الطويل]: إذا مُتُّ عن ذكْر القوافي فلن ترى ... لها قائلاً بَعْدي أَطبَّ وأشْعَرا وأكثرَ بيتاً سائراً ضُرِبَتْ له ... حُزونُ جبالِ الشعرِ حتى تَيَسَّرا أغرَّ غريباً يَمْسَحُ الناسُ وجْهَهُ ... كما تَمْسَحُ الأيدي الأَغَرَّ المُشَهَّرا عدي بن الرِّقاع [من الكامل]:

стр. 414

وقصيدةِ قد بِتُّ أجْمَعُ بَينها ... حتى أُقوِّمَ ميلَها وسِنادَها نظرَ المُثَقِّفُ في كعوبِ قنَاتِهِ ... حتى يُقيمَ ثِقَافهُ مُنْآدَها كعب بن زهير [من لطويل]: فَمَنْ للقوافي شَانَها مَن يَحُوكُها ... إذا ما تَوى كَعْبٌ وفوَّزَ جَرْوَلُ يُقَوِّمُها حتى تَلِينَ مُتُونُها ... فَيقْصُرُ عنها كلُّ ما يُتَمثَّلُ بشار [من الطويل]: عَمِيتُ جَنِيناً والذكاءُ مِنَ العَمَى ... فجئتُ عجيبَ الظَّنِّ لِلْعِلْم مَوئِلا وغاضَ ضياءُ العين لِِلْعِلْم رافداً ... لِقَلْبٍ إذا ما ضَيِّع الناسُ حَصِّلا وشعر كنَورِ الروْضِ لاءمْتُ بَيْنَهُ ... بقولٍ إذا ما أحزنَ الشعرُ أَسْهَلا وله [من المنسرح]: زَوْرُ ملوكٍ عليه أُبَّهةٌ ... يُغرَفُ مِن شِعْره ومن خُطَبِهُ للهِ ما راحَ في جوانحِهِ ... مِن لؤلؤٍ لا يُنَامُ عن طَلَبهْ يَخرجُ مِن فيهِ للنديِّ كما ... يَخْرجُ ضوءُ النهارِ من لَهَبِهْ أبو شريح العمير [من الوافر]: فإنْ أَهلِكْ فقد أَبقَيْتُ بَعْدي ... قوافيَ تُعْجِبُ المتمثِّلينا لَذِيذاتِ المَقَاطعِ محْكَماتٍ ... لوَ أنَّ الشِّعْرَ يُلبَسُ لارتُدِينا الفرزدق [من الوافر]: بَلغْنَ الشمسَ حين تكون شَرْقا ... ومسقَطَ قَرنِها من حيثُ غابا بِكلِّ ثنِيَّةٍ وبكلِّ ثَغرٍ ... غرائبهُنَّ تَنتَسِبُ انْتِسابا ابن ميادة [من الطويل]: فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ ... فأصْبَحَ فيه ذو الروايةِ يَسْبَحُ وما الشعرُ إلا شعرُ قيسٍ وخِنْدِفٍ ... وشِعْرُ سواهُمْ كُلْفَةٌ وتَملُّحُ وقال عقالُ بن هشام القَيْنيّ يرَدُّ عليه [من الطويل]: ألاَ بلّغِ الرَّمَّاحَ نقضَ مقالةٍ ... بها خَطِل الرَّمَّاحُ أوكان يَمْزَحُ لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم ... بُحورَ الكلام تُسْتقَى وهي طفَّحُ وهم عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا ... وهم أَعْرَبوا هذا الكَلامَ وأَوْضَحوا فلِلسَّابقينَ الفضْلُ لا تَجْحدونه ... وليس لِمَسْبوقٍ عليهمْ تَبَجُّحُ أبو تمام [من الطويل]: كَشَفْتُ قِناعَ الشّعرِ عن حُرِّ وجْهِهِ ... وطيَّرتُه عن وَكْرهِ وهو واقِعُ

стр. 415

بِغُرِّ يَراها مَن يَراها بَسمْعِه ... ويدنو إليها ذو الحِجى وهو شاسِعُ يَودُّ وداداً أنَّ أَعضاءَ جِسْمِهِ ... إذا أُنشِدَتْ شوقاً إليها مَسامِعُ وله [من الكامل]: حذّاءَ تَملأُ كلَّ أُذْنٍ حكْمةً ... وبَلاغةً وتُدِرُّ كلُّ وريدِ كالدرِّ والمرجانِ أُلّف نَظْمُهُ ... بالشَّذْر في عُنُقِ الفتاةِ الرُّود كَشقَيقةِ الُبْردِ الْمُنَمنمِ وَشْبُهُ ... في أرضِ مَهرةَ أو بلادِ تَزِيد يُعطَى بها البُشرى الكريمُ ويَرْتدي ... بردِائها في المحفِلِ المَشْهودِ بُشْرَى الغَنيِّ أَبي البَنَاتِ تتعابَعتْ ... بُشَرَاؤهُ بالفارسِ المولودِ وله [من الطويل]: جاءتْكَ من نَظْمِ اللسانِ قِلاَدَةٌ ... سِمْطانِ فيها اللؤلؤُ والمكنونُ أَخْذاكها صَنَعُ الضميرِ يَمُدُّهُ ... جَفْرٌ إذاك نَضَبَ الكلامُ مَعِين أخذ لفْظَ "الصَّنَع" من قولِ أَبي حية [من الكامل]: بأنني صنَعُ اللسانِ بهنَّ لا أتنحل ونقله إلى الضمير وقد جعل حسَّانُ أيضاً اللسانَ صنَعاً، وذلك في قوله [من البسيط]: أَهْدَى لهم مِدَحاً قَلبٌ مُؤازِرُهُ ... فيما أحبَّ لسَانٌ حائكٌ صنَعُ ولأبي تمام [من الطويل]: إليكَ أرَحْنا عازِبَ الشِّعرِ بَعْدَما ... تمهَّل في روضِ المعاني العجَائِبِ غرائبُ لاقتْ في فنائكَ أُنسَها ... مِن المَجْدِ فَهْيَ الآنَ غيرُ غَرائبِ ولو كان يفنَى الشعرُ أفناهُ ما قَرَتْ ... حياضُكَ منه في السنين الذواهب ولكنه صَوْبُ العقولِ إذا انْجَلَتْ ... سحائبُ منه أُعْقِبَتْ بِسَحَائِبِ البحتري [من الطويل]: ألستُ المُوالِي فيكَ نَظْمَ قصائدٍ ... هي الأنجُم اقْتَادَتْ مع الليلِ أَنْجُمَا ثناءٌ كأَنَّ الروضَ منهُ مُنوِّرا ... ضُحَى وكأَنَّ الوشْيَ منهُ منَمْنما وله [من البسيط]: أحْسِنْ "أَبا حَسَنٍ" بالشعرِ إذْ جَعلَتْ ... عليكَ أنجمُهُ بالمدحِ تنتشرُ فقد أتتكَ القوافي غِبَّ فائدةِ ... كما تَفَتَّحَ غِبَّ الوابلِ الزَّهرُ وله [من الطويل]: إليك القوافي نازعاتٌ قواصِدُ ... يُسَيَّرُ ضاحي وَشْيها ويُنَمْنَمُ ومُشْرِقَةٌ في النظْمِ غُرٍّ يَزِينُها ... بهاءً وحُسْنَا أنها لكَ تُنَظَمُ وله [من الطويل]:

стр. 416

بمنقوشةٍ نقْشَ الدنانيرِ يُنْتقى ... لها اللفظُ مختاراً كما يُنْتقى التِّبْرُ وله [من الطويل]: أيذهَبُ هذا الدهرُ لم يُرَ مَوْضِعي ... ولم يُدْرَ ما مِقدارُ حَلّي ولا عَقْدِي ويَكْسِدُ مثلي وهْوَ تاجرُ سؤددٍ ... يَبيعُ ثميناتِ المكارِمِ والمَجْدِ سوائرُ شِعرٍ جامعٍ بِدَدَ العُلى ... تعلَّقنَ من قَبلي وأتعبْنَ مَن بَعْدي يقدِّرُ فيها صانعٌ مُتعمِّلٌ ... لأحكامِها تقديرَ "داودَ" في السَّرْدِ وله [من الكامل]: للهِ يَسهرُ في مديحِكَ ليلَهُ ... مُتَمَلْمِلاً، وتَنامُ دونَ ثَوابِهِ يَقْظانَ يَنْتحِلُ الكلامَ كأنهُ ... جيشٌ لديهِ يُريدُ أَنْ يَلْقَى بِهِ فأتى بهِ كالسيفِ رَقَرَقَ صَيْقَلٌ ... ما بَيْنَ قائمٍ سِنْخِهِ وذُبابِهِ ومن نادر وصفه للبلاغة قوله [من الخفيف]: في نظامٍ من البلاغةِ ما شَكَّ ... (م) أمْرُؤٌ أنه نظامُ فَريدِ وبَديعٍ كأنه الزَّهَرُ الضاحكُ ... (م) في رَوْنَقِ الربيعِ الجَديدِ مُشْرِقٌ في جوانب السمع ما يُخْـ ... ـلِقُهُ عَوْدُهُ على المُسْتَعيدِ حُجَجٌ تُخْرِسُ الألدَّ بألفا ... ظِ فُرادى كالجوهرِ المعْدودِ ومَعانٍ لو فصَّلَتْها القوافي ... هجَّنَتْ شعر "جَروَلٍ" و"لَبيدِ" حُزْنَ مستعمَلَ الكلام اختياراً ... وتجَنَّيْنَ ظلمةَ التعقيدِ وركبن اللفظ القريبَ فأَدْرَكْـ ... ـنَ بهِ غايةَ المرادِ البَعيدِ كالعَذارَى غَدَوْنَ في الحُلَلِ الصُّفْـ ... ـرِ إِذا رُحْنَ في الخطوط السودِ

стр. 417

الغرضُ من كَتْبِ هذه الأبياتِ، الاستظهارُ حتى إنْ حَمَل حاملٌ نَفْسَه على الغَرَرِ والتقحُّم على غيرِ بصيرةٍ، فَزَعَمَ أنَّ الإعجازَ في مذاقةِ الحروف، وفي سلامَتِها مما يَثقُل على اللسان، علِمَ بالنظر فيها، فَسادَ ظنِّه وقبْحَ غَلَطِه، من حيثُ يَرى عياناً أنْ ليس كلامُهم كلامَ مَن خَطَرَ ذلك منهُ بِبالٍ، ولا صفاتُهم صفاتٍ تَصْلُحُ له على حالٍ، إذْ لا يَخْفَى على عاقلٍ أنْ لم يكُنْ ضربُ تميمٍ لحُزونِ جبالِ الشعر لأن تسْلَم ألفاظُه من حروفٍ تثقُل على اللسان، ولا كان تقويمُ عَدِيِّ لِشعرِه، ولا تشبيهُهُ نظرَه فيه بنَظَر المثقِّفِ في كُعوبِ قناتِهِ لذلك، وأنه مُحالٌ أنْ يكون له جعلَ بشار نورَ العينِ قد غاضَ فصار إلى قلبه، وأنْ يكون اللؤلؤُ الذي كان لا ينامُ عن طلبهِ، وأنْ ليس هو صَوْبَ العقولِ الذي إذا انجلَتْ سحائبُ منه أعقبتْ بسحائب، وأن ليس هو الدرَّ والمرجانَ مؤلَّفاً بالشذْرِ في العَقْد، ولا الذي له كان البحتريُّ مقدِّراً تقديرَ داودَ في السرد. كيف وهذه كلُّها عباراتٌ عما يدرَكُ بالعقل ويستنبطُ بالفكر، وليس الفكرُ الطريقَ إلى تمييزِ ما يَثْقُلُ على اللسان مما لا يَثْقُل، إنما الطريقُ إلى ذلك الحسُّ. ولولا أنَّ البلوى قد عظُمَتْ بهذا الرأي الفاسدِ وأنَّ الذين استهلكوا فيه قد صاروا من فرْطِ شغَفهم به يُصْغون إلى كلّ شيء يَسْمعونه، حتى لو أن إنساناً قال: (باقِلَّى حار): يُريهم أنه يُريد نُصرة مذهبهم، لأقْبلوا بأوجُههِم عليه، فأَلْقوا أسماعَهم إليه، لكان اطَّراحُه وترْكُ الاشتغالِ به أصْوبَ، لأنه قولٌ لا يتصلُ منه جانبٌ بالصواب البتة.

стр. 418

ذلك لأنه أولُ شيء يؤدِّي إلى أن يكون القرآنُ مُعْجِزاً، لا بما به كان قرآناً وكلامَ اللهِ ، لأنه على كل حال إنما كان قرآناً وكلامَ اللهِ : بالنظْمِ الذي هو عليه. ومعلومٌ أن ليس النظْمُ مِن مذاقة الحروفِ وسلامَتِها مما يَثْقلُ على اللسان في شيء. ثم إنه اتفاقٌ من العقلاء أنَّ الوصْفَ الذي به تناهى القرآن إلى حدٍّ عجزَ عنه المَخلُوقونَ هو الفصاحةُ والبلاغةُ. وما رأيْنا عاقلاً جعلَ القرآن فصيحاً أو بليغاً بأنْ لا يكونَ في حروفِه ما يَثْقُل على اللسان، لأنه لو كان يَصِحُّ ذلك، لكان يَجبُ أن يكونَ السوقيُّ الساقِطُ من الكلامِ والسَّفسَافُ الرديء من الشعر، فصيحاً إذا خفَّت حروفُه، وأعْجَبُ من هذا أَنه يَلْزمُ منه أنه لو عَمَد عامِدٌ إلى حرَكاتِ الإعراب فجعَل مكانَ كلِّ ضَمَّةٍ وكَسْرةٍ فتحةً فقال: الحمدَ للهَ (بفتح الدالِ واللام والهاءِ) وجرَى على هذا في القرآن كلِّه أنْ لا يَسْلُبَه ذلك الوصفَ الذي هو معْجِزٌ به بل كان يَنْبغي أن يزيد فيه لأنَّ الفتحة - كما لا يَخْفَى - أخفُّ من كل واحدةٍ من الضَّمةِ والكَسْرة، فإن قال إنَّ ذلك يُحيل المعنى، قيلَ له: إذا كان المعنى والعلةُ في كونهِ معجزاً، خفةَ اللفظِ وسهولَتَه، فينبغي أنْ يكونَ مع إحالةِ المعنى مُعْجِزاً، لأنه إذا كان معجزَ الوصف يخصُّ لفظَه دون معناهُ، كان مُحالاً أن يَخْرجَ عن كونه معجِزاً مع قيام ذلك الوصفِ فيه.

стр. 419

ودعْ هذا وهَبْ أنه لا يَلزَمُ شيءٌ منه؛ فإنه يكْفي في الدلالةِ على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به، أنه يَقْتضي إسقاطُ الكنايةِ والاستعارةِ والتمثيلِ والمجازِ والإيجازِ جملةٌ، واطِّراحُ جميعها رأساً، مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها، والأعضادُ التي تَسْتَنِدُ الفصاحةُ إليها، والطَّلِبةُ التي يتنازَعُها المُحْسِنونَ، والرِّهانُ الذي تُجرَّبُ فيه الجيادُ، والنضالُ الذي تُعْرَفُ به الأيدي الشِّدَادُ، وهي التي نَوَّهَ بذكْرِها البلغاءُ، ورفَعَ من أقدارِها العلماءُ وصنَّفوا فيها الكُتُبَ، ووكَّلوا بها الهِمَمَ، وصرَفوا إليها الخواطِرَ، حتى صارَ الكلامُ فيها نوعاً من العِلْم مفْرَداً، وصناعةً على حدة، ولم يَتَعاطَ أحَدٌ من الناس القولَ في الإعجازِ إلاَّ ذكَرَها وجعَلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يُوجِبُ الفضْلَ والمزيَّةَ، وخصوصاً الاستعارةَ والإيجاز، فإنك تَراهُمْ يجعلونَهُما عنوانَ ما يَذكُرونَ وأولَ ما يُورِدون. وتَراهُم يَذْكرون من الاستعارةِ قولَه : ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] وقولَه: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ [البقرة: ٩٣] وقوله ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقوله ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقولَه ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠] وقولَه تعالى: ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وقولَه ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، ومن الإيجازِ قولَه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقولَه تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] تراهم على لسان واحدٍ في أنَّ المجازَ والإيجاز، من الأركان في أمْر الإعجاز.

стр. 420

وإذا كان الأمرُ كذلك عند كافَّةِ العلماءِ الذينَ تكلَّموا في المزايا التي للقرآن، فينبغي أن يُنْظَر في أمْر الذي يُسَلَّمُ نفسَه إلى الغرور فَيزعُم أنَّ الوصفَ الذي كان له القرآنُ معجزاً، وهو سلامةُ حروفِه مما يَثْقُلُ على اللسان. أيصِحُّ له القولُ بذلك إلاَّ من بَعْد أنْ يدَّعي الغَلطَ على العقلاء قاطبةً فيما قالوه، والخطأ فيما أجْمعوا عليه؟ وإذا نظَرْنا وجْدَناه لا يَصِحُّ له ذلك إلاَّ بأن يَقْتَحِمَ هذه الجهالةَ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يَخْرُجَ إلى الضُّكْحةِ فيَزعُمَ مَثلاً أنَّ من شأن الاستعارةِ والإيجازِ، إذا دَخلا الكَلامَ، أنْ يَحْدُثَ بهما في حروفه خِفَّةٌ، ويتجَّدَ فيها سهولةٌ، ونسألُ الله تعالى العِصْمَةَ والتوفيق!. واعلمْ أنَّا لا نأبى أن تكونَ مذاقةُ الحروفِ وسلامتُها مما يَثْقُل على اللسان، داخِلاً فيما يُوجِبُ الفضيلةَ، وأنْ تكونَ مما يُؤكِّدُ أمرَ الإعجاز، وإنما الذي تُنكِرُه ونُفَيِّلُ رأي مَنْ يَذْهَبُ إليه، أن يَجْعَلَه معجِزاً به وَحْدَه ويَجعلَه الأصْلَ والعُمْدةَ فيَخرجَ إلى ما ذكَرْنا من الشَّناعات.

стр. 421

ثم إنَّ العجَبَ كلَّ العجَبِ، ممَّنْ يَجعَلُ كلَّ الفضيلةِ في شيءٍ هو إذا انْفَرَد لم يَجِبْ به فضْلٌ البتَّةَ، ولم يَدْخُل في اعتدادٍ بحالٍ، وذلك أنه لا يَخْفى على عاقلٍ أنه لا يكونُ بسهولةِ الألفاظِ وسلامَتِها مما يثْقُل على اللسانِ، اعتدادٌ، حتى يكونَ قد أُلِّفَ منها كلامٌ، ثم كان ذلك الكلامُ صحيحاً في نَظْمه والغرضِ الذي أُريدَ به، وأنه لو عَمد عامدٌ إلى ألفاظٍ فجَمعها مِن غير أن يُراعيَ فيها معنىً ويُؤلِّف منها كلاماً، لم ترَ عاقلاً يعتدُّ السهولةَ فيما فضيلةً، لأنَّ الألفاظَ لا تُرادُ لأنفسها وإنما تُرادُ لتُجعَلَ أدلَّةَ على المعاني؛ فإذا عَدِمَتِ الذي لهُ تُرادُ أو اختَلَّ أمرُها فيه، لم يُعْتَدَّ بالأوصافِ التي تكون في أنفُسها عليها، وكانت السهولةُ وغيرُ السهولةِ فيها واحداً، ومن هاهنا رأيتَ العلماء يَذمُّون مضنْ يَحْمِلُه تَطَلُّبُ السجعِ والتجنيسِ على أن يَضُمَّ لهما المعنى ويُدخِلَ الخلَلَ عليه مِن أجْلِهما، وعلى أَنْ يتعسَّف في الاستعارة بسَبَبهما، ويَرْكَبَ الوعورةَ، ويسلُكُ المسالِكَ المجهولةَ، كالذي صنَع أبو تمام في قوله [من البسيط]: سيفُ الإمام الذي سمَّتْهُ هَيْبَتُهُ ... لمَّا تَخَرَّم أهلَ الأرضِ مخْترِما قَرَّت بِقُرَّانَ عينُ الدينِ وانشترَتْ ... بالأشْتَرَيْنِ عيونُ الشِّرْكِ فاصطُلما وقوله [من الكامل]: ذهبَتْ بمَذْهَبهِ السماحةُ والْتَوَتْ ... فيه الظنونُ أمَذهَبُ أم مُذْهَبُ ويَصْنعه المتكلفونَ في الأسجاعِ، وذلك أنه لا يُتصوَّر أن يَجِبَ بهما ومن حيثُ هما فضلٌ، ويقعَ بهما، مع الخُلوِّ من المعنى، اعتدادٌ. وإذا نظرتَ إلى تجنيس أبي تمام: (أمَذْهب أم مُذْهبَ) فاستضعتَه، وإلى تجنيس القائل [من الرجز]: حتى نجا من خوفه وما نجا وقول المحدث [من الخفيف]: ناظِراهُ فيما جَنى ناظِراهُ ... أَوْدَعاني أمُتْ بما أودعاني

стр. 422

فاستحسنْتَه، لم تَشُكَّ بحالِ أنَّ ذلك لم يَكُنْ لأمرٍ يرجعُ إلى اللفظِ، ولكنْ لأنَّكَ رأيتَ الفائدة ضعفَتْ في الأول وقويَتْ في الثاني، وذلك أنك رأيتَ أبا تمام ليم يَزِدْكَ (بمذهب ومذهب) على أنْ أسْمَعَكَ حُروفاً مكررةً لا تجد لها فائدةً - إن وُجدتْ - إلا متكلَّفة ممتحَّلة، ورأيتَ الآخَر قد أعادَ عليك اللفظةَ كأنه يَخدَعُكَ عن الفائدة وقد أعطاها، ويُوهِمُكَ أنه لم يَزِدْك وقد أحْسَن الزيادةَ ووفَّاها. ولهذه النكتة كان التجنيسُ، وخصوصاً المستوفى منه مثلَ "نَجا ونَجا" من حِلى الشعر. والقولُ فيما يَحْسنُ وفيما لا يَحْسُن من التجنس والسجع يَطولُ، ولم يكنْ غَرضُنا من ذكْرِهما شَرْحَ أمرهما، ولكن توكيدَ ما انتهى بنا القولُ إليه من استحالةِ أن يكونَ الإعجازُ في مجرَّد السهولةِ وسلامةِ الألفاظِ مما يَثقُلُ على اللسان. وجملةُ الأمرِ أنَّا ما رأينا في الدنيا عاقلاً اطَّرَحَ النظْمَ والمحاسِنَ التي هو السببُ فيها من الاستعارة والكنايةِ والتمثيلِ وضروبِ المَجاز والإيجازِ، وصدَّ بوجهه عنْ جَميعِها وجعلَ الفَضْلَ كلَّه والمزيةَ أجمَعها في سلامة الحروفِ مما يَثْقُلُ. كيف وهو يؤدي إلى السُّخْفِ والخُروجِ من العقْلِ كما بيَّنَّا؟ واعلمْ أنه قد آنَ لنا أن نعودَ إلى ما هو الأمْرُ الأعظَمُ والغَرضُ الأهَمُ والذي كأنه هو الطَّلِبة، وكلُّ ما عَداهُ ذرائعُ إليه، وهو المَرامُ وما سواهُ أسبابٌ للتسلُّق عليه، وهو بيانُ العِلل التي لها وَجَبَ أن يكونَ لِنظْمٍ مزيةٌ على نَظْم، وأنْ يعمَّ أمرُ التفاضُلِ فيه، وتناهى إلى الغايات البعيدة، ونحنُ نسألُ الله تعالى العونَ على ذلك والتوفيقَ له والهداية إليه.

стр. 423

باب على التفاضل بين النظم فصل: معنى الخبر غير معنى جزئيّة المخبر به والمخبَر عنه وإذا ثبَتَ أنَّ الجملةَ إذا بُنيَ عليها، حصَلَ منها ومِن الذي بُنِيَ عليها في الكثير، معنىً يَجب فيه أن يُنْسَب إلى واحدٍ مخصوصٍ، فإنَّ ذلك يقتضي لا محالَة، أن يكونَ الخبرُ في نفسه معنىً هو غيرُ المخبَر به والمخبَر عنه. ذاك لِعِلْمنا وباستحالة أنْ يكونَ لِلمعنى المخبَر به نسبةٌ إلى المخبِر، وأن يكون المستنبَط والمستخرَجَ والمستعانَ على تصويره بالفِكْر. فليس يَشُكُّ عاقلٌ أنه مُحالٌ أن يكونُ لِلْحَمْل في قوله. وما حمَلتْ أمُّ امرىءٍ في ضلوعها نسبةٌ إلى الفرزدق، وأن يكونَ الفكْرُ منه كان فيه نفْسَه، وأن يكونَ معناهُ الذي قيل إنَّه استَنْبَطه واستخْرَجه وغاصَ عليه. وهكذا السبيلُ أبداً، لا يُتصوَّر أن يكونَ للمعنى المخبَر بهِ نسبةٌ إلى الشاعر، أن يَبلُغَ من أمره أن يَصير خاصاً به، فاعرفْه! ومن الدليل القاطع فيه ما بيَّنَّاهُ في الكناية والاستعارة والتمثيل، وشرحناه من أَنْ من شأن هذه الأجناسِ أنْ تُجِب الحسْنَ والمزيَّةَ، وأنَّ المعاني تُتصوَّرُ مِنْ أجْلها بالصوَرِ المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك، ثابتٌ في العقولِ، ومركوزٌ في غَرائز النفوس؛ وبيَّنَّا كذلك أنه محالٌ أن تكونَ المزايا التي تَحدُثُ بها حادثة، في المعنى المْخبَرِ به المثْبَت أو المَنْفيِّ، لِعلْمنا باستحالة أَنْ تكونَ المزيةُ التي تَجدُها لقولنا: (هو طيل النجاد)، على قولنا: (طويل القامة): في الطول، والتي تَجدها لقولنا: (هو كثيرُ رماد القدر) على قولنا: (هو كثير القِرى والضيافة): في كَثْرةِ القِرى. وإذا كان ذلك مُحالاً، ثبَتَ أنَّ المزيةَ والحسْنَ يكونان في إثبات ما يُراد أن يُوصفَ به المذكورُ، والإخبارِ به عنه. وإذا ثبَت ذلك، ثبَتَ أنَّ الإثبات معنىً لأنَّ حصولَ المزيةِ والحُسْن فيما ليس بمعنى، محالٌ.

стр. 424

فصل: أهمية الكلام وعلّة وجوده بنظمه لا بألفاظه المفردة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي وعليه اعتمادي إعلمْ أنَّ هاهنا أصْلاً أنتَ ترى الناسَ فيه صورةِ مَنْ يَعرِفُ مِن جانبٍ ويُنْكِر مِن آخَر؛ وهو أَنَّ الألفاظَ المفردةَ التي هي أوضاعُ اللغةِ، لم تُوضَعْ لِتُعْرفَ معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضَمَّ بعضُها إلى بعض، فيُعرفَ فيما بينها فوائدُ. وهذا علِمٌ شريفٌ، وأَصْلٌ عظيم. والدليلُ على ذلك أنَّا إنْ زعمنا أنَّ الألفاظَ التي هي أوضاعُ اللغةِ إنما وُضِعتْ ليُعرَفَ بها معانيها في أَنفُسها، لأَدَّى ذلك إلى ما لا يَشُكَّ عاقِلٌ في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضَعُوا لِلأجناسِ الأسماءَ التي وضَعُوها لها لتَعرِفَها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: (رجلٌ وفرسٌ ودارٌ): لمَا كان يكونُ لنا عِلمٌ بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا: فعَل ويَفْعل: لمَا كنَّا نَعْرِفُ الخبرَ في نفسه ومن أصلِه، ولو لم يكونوا قد قالوا: (إفْعَل): لمَا كنَّا نَعرِفُ الأمرَ مِنْ أَصْله ولا نَجده في نفوسِنا، وحتى لو لم يكونوا قد وَضَعوا الحروفَ لكنَّا نَجْهلُ معانيهَا فلا نعقلُ نَفْياً ولا نَهْياً ولا استفهاماً ولا استثناءً. وكيف والمواضَعةُ لا تكونُ ولا تُتصوَّرُ إلاَّ على مَعْلوم؟ فمحالٌ أن يُوضَع اسْمٌ أو غيرُ اسم لغيرِ مَعْلومٍ، ولأنَّ المواضَعةَ كالإِشارة. فكما أنكَ إذا قلتَ: (خذْ ذاك)، لم تكُنْ هذه الإشارةُ لتَعرِّفِ السامعَ المشارَ إليه في نفسه، ولكن ليعلمَ أنه المقصودُ من بين سائرِ الأشياء التي تراها وتُبْصرها؛ كذلك حكْمُ اللفظِ مع ما وُضِعَ له. ومَن هذا الذي يَشُكُّ أَنَّا لم نَعْرِف الرجلَ والفرسَ والضرْبَ والقتْلَ إلاَّ مِن أَساميها؟ لو كان لذلكَ مَساغٌ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: (زيد): أن تَعْرِفَ المسمَّى بهذا الاسمِ من غَير أن تكونَ قد شاهدْتَه أو ذُكِرَ لك بصفةٍ.

стр. 425

وإذا قلْنا في العلمِ واللغات مِنْ مبتدأ الأَمرِ، إِنه كان إلهاماً، فإن الإِلهامَ في ذلك، إنما يكونُ بين شيئين يكونُ أَحدُهما مثْبَتاً والآخَرُ مثبَتاً له، أو يكونُ أحدُهما منْفِيّاً والآخَرُ منفيّاً عنه، وأنه لا يُتصوَّر مثُبَتٌ من غَيْر مُثبَتٍ له ومنفيٍّ من غير مَنْفيٍّ عنه. فلما كان الأمرُ كذلك أَوجَبَ ذلك أنْ لا يُعْقَلَ إلاَّ من مجموع جملةِ فعْلٍ واسم، كقولنا: (خرج زيد)، أو اسمٍ واسْمٍ، كقولنا: (زيد خارج). فما عقلْنا منه، وهو نسبةٌ الخُروج إلى زيد، لا يَرجِعُ إلى معاني اللغات، ولكنْ إلى كونِ ألفاظِ اللغات سماتٍ لذلكَ المعنى، وكونِها مُرادةً بها. أفلاَ ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هاؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]. أَفتَرى أَنَّه قيلَ لهم: (أنبئوني بأسماء هؤلاءِ) [البقرة: ٣١] وهم لا يَعْرِفونَ المشارَ إليهم بهؤلاء؟ ثم إِنَّا إذا نظَرْنا في المعاني التي يَصفُها العقلاءُ بأنها معانٍ مستنْبَطة، ولطائفْ مستخْرَجةٌ، ويجعلون لها اخْتِصاصاً بقائلٍ دون قائلٍ. كمِثْلِ قولهم في معانٍ من الشعر: إنه معنىً لم يُسْبَق إليه فلانٌ، وإنه الذي فطِنَ له واستخْرَجَه، وإنه الذي غاصَ عليه بفِكْرِهِ، وإنه أبو عُذْرِه: لم تَجدْ تلك المعانيَ في الأمر الأَعمِّ شيئاً غيرَ الخَبر الذي هو إثْباتُ المعنى للشيءِ ونفْيُه عنه. يَدلُّك على ذلك أَنَّا لا نَنْظر إلى شيءٍ من المعاني الغريبةِ التي تخْتَصُّ بقائلٍ دون قائل إلاَّ وجدت الأَصْل فيه والأَساسَ: الإثباتَ والنَّفْيَ، وإن أردْتَ في ذلك مثالاً فانظرْ إلى بيتِ الفرزدق: وما حملَتْ أُمُّ امرىءٍ في ضُلوعها ... أعقَّ من الجاني عليها هِجائيا
следующие страницы →