Полный текст (435 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثانياً: جوانب الإغراب
ولا نقصد به الغموض الذي يتحول فيه الكلام إلى التورية والتعقيد، وما يشبه الأساليب الملتوية التي شاعت لدى فريق كبير من شعراء زمانه وكتّابه .. إنما هو استغراب لأشياء لم تجد لديَّ القبول التام والرضى الكلِّي، شأنه في ذلك شأن كل من ترك أثراً كبير الأهمية لا يسلم من النقد والتجريح أو التبخيس أحياناً ممن لم يصادف هوىً في نفوسهم وذوائقهم. ولا أرى سبيلاً لنقد أو تجريح، فدلائل الإعجاز صرْح شامخ في تاريخ الكتابة والعربية.
إن هي إلاَّ نظرات تقديرية تبحث عن مستقرٍّ لها فلا تجد، وهي التي امتلأتْ برغد الطمأنينة والاستقرار، في طول الكتاب وعرضه، من كثرة ما واجهها من بديع الصنع وجليل التصور .. وإليك ما دوَّنه القلم في هذا الجانب ..
* التطرق إلى كل عناصر الكلام لإثبات حكم أو رد حكم.
يسلك الجرجاني في كثير من الأحيان، نحو عرض كل العناصر والأجزاء لإقرار جمال النظم وإثباته فيتطرق إلى كل ما في الشاهد الشعري أو القرآني، من ألفاظ، وتقديم وتأخير، ووجوه إعرابية مختلفة لدرجة يصبح كلُّ ما في البيت أو الآية - بلا استثناء - مدار كلام وإعجاب .. وهذا نوع من لزوم ما يلزم. فهو بغنى عن ذلك كله، وباستطاعته التخير والانتقاء وترك التفاصيل الصغيرة المتعلقة بتقنية التركيب والأداء، وأكتفي بمثال واحد: وقوفُه عند بيت ابن المعتز، لتأكيده مزيَّة الحسن في النظم لا اللفظ. "مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العِدى ... لتَجْمحُ مني نظرةٌ ثمَّ أُطْرقُ
فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظَّرْفَ - إنما هو لأنْ جعل النظرَ يجمحُ، وليس هو لذلك، بل لأن قال في أول البيت "وإنِّي" حتى دخل (اللام) في قوله "لتجمحُ"، ثم قوله "مني"، ثم لأن قال: "نظرة" ولم يقل (النظر) مثلاً، ثم لمكان "ثم" في قوله: "ثم أُطرق" وللطيفةِ أخرى نصرتْ هذه اللطائف وهي اعتراضه بين اسم (إنَّ) وخبرها، بقوله: "على إشفاق عيني من العدي" .. ".
стр. 37
وهكذا في عرض شامل لجميع ما في البيتِ من ألفاظ وتقديم وتأخير واعتراض وانتقاء كلام مكان كلام .. ولا أراه ملْزماً بعرض كل ما عرض، وأن يجد سبباً لجمال النظم في هذا البيت في التفاتات أخرى، كلفتتِه الأولى عند (جموح النظر) وشَبيهه، لأننا سنجد هذا النسق من التحليل والمراجعة في أي بيت آخر له عناصره وجمله وصوره. ورويُّه وأشياء أخرى لا يمكن حصرها. وقد تكرر هذا النمط كثيراً ولا سيما في تقليبات الوجوه الإعرابية ولبعض الآيات القرآنية التي أغدق عليها من المراجعة والتصور المتعدد الوجوه، بما يشبه التبذُّل، وهو الخبير بمواضع الجمال وبلاغة القول.
* صعوبة تشكيل النص بسبب التطويل وتشعيب الجمل والمعاني
سبقت الإشارة إلى هذا الأمر، في معرض الكلام على أساليب المؤلف، وأعود إليها الآن لإبداء قلقٍ في ضبط النص الذي خلا من التشكيل وتنقيط الياء، وكثير من علامات الترقيم، وليس ذلك وقفاً على نصِّ الجرجاني .. كل النصوص القديمة كذلك، ولكن المشكلة هي في طول الجمل والعبارات التي تبدأ بفعل، وتطوي سطوراً عديدة لتعثر على مفعوله، أو مبتدأ، فصل عن خبره بجمل معترضة واستدراكات وتحوُّلات كلام، حتى صارت الإعادة والمراجعة واجبة لمعرفة الجواب أو الخبر، وغير ذلك، فيلتبس إعراب الكلام ويصعب الضبط الدقيق. وكثيراً ما كان يتدخل الشارح الشيخُ رضا ويعيِّن فاعلاً أو خبراً أو جواب شرط أو عطفاً. والأمثلة كثيرة يسهل الوقوف عليها، ولا سيما توضيحات الشارحين وإضاءاتهم.
* إطناب في القول يشبه الحشو
الإطناب في اللغة: المبالغة في مدح أوْ ذمِّ والإكثار فيه، وهذا ما نقصد إليه هاهنا، لا الإطناب البلاغي الذي يتداخل مع التطويل والإسهاب والتكرير والإيغال والتكميل وغيره مما شرحته في بحث خاص.
وأكثر مظاهر هذا الإطناب تتبدَّى في (إنَّ وإنَّما وعلى أن ... الخ) حروف يستخدمها المؤلف لا يكاد يتخلى عنها في معظم جمله وتراكيبه، كقوله متحدثاً عن الاستعارة:
"إنَّا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوة الشَّبه".
والأسلوب الذي أفضله في هذا المضمار قوله:
стр. 38
(إنَّا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها أبلغ، لأنها تدل على قوة الشبه، أو لدلالتها على قوة الشبه).
فتتخلَّص من "إنما كانت" و "من أجْل".
وقوله في كلام على شرف الاستعارة والمجاز:
"ثم إنَّ ههنا معنىً شريفاً قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا ... ".
لو كتبه طالب جامعي عندي، لأشرتُ بالأحمر: (حشْو، ومن نافل القول) لأنني أفضل لو قال: (إن هاهنا معنى شريفاً كان ينبغي ذكره في كلامنا السابق .. ) فأتخلص من حرف "قد" المتكرر مرتين ومن "أن نكون" و "أثناء ما مضى".
كل هذه الأمور من زيادات التأكيد والدقة التي لا يسوغها القارئ الحديث ولا ينسخ على منوالها. وقد اعتدنا أو تنكَّبْنا عن لغة التطويل إلى ما يدخل في المفيد، ما لم يكن الموضوع وصفيَّاً تأمّلياً. أو خطابياً منبرياً تكثر فيه المترادفات والأوصاف المتشابهة.
стр. 39
مقتطفات من محكم صنعته وأدائه البليغ
أردت من هذه الفقرة منح القارئ فسحه تأمل سريع في صنعة الجرجاني المحكمة ونسيجه الأدبي الجزل الذي لم تشُبْه البحث العلمي الرصين، ولا كُلفة البديعي المتهالك على محسِّن صوتي خاوٍ .. لئن قدَّمتُ شيئاً منها في طيَّات هذه المقدمة، فللاستشهاد وتبيان المعالم الدالَّة.
وقد حرصتُ أن يكون الاختيار خالصاً من تغضُّنات التقليب والتأويل، وكثرة السؤال التي تسود كثيراً من الفصول والصفحات، بدافع التعليم والنفي والإثبات لما يطرح من أفكار ومفاهيم.
١ - تفصيل لمزايا إعجاز القرآن
قال مجيباً عن تساؤل العارف الجاهل حول مزايا القرآن:
"أعجزَتْهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائصُ صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتْهُم من مبادي آية ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفةٍ وتبيان؛ وبهرهم أنهم تأمَّلوه سُورةً سورةً، وعَشْراً عَشراً، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبو بها مكانها، ولفظةً يُنكرُ شانُها، أو يُرى أنَّ غيرها أصلحُ هناك أو أشْبَه، أو أحرى وأخْلَق، بل وجدوا اتِّساقاً بهر العقول، وأعجز الجمهور. ونظاماً والتئاماً، وإتقاناً وإحكاماً، لم يَدعْ في نفس بليغ منهم - ولو حكَّ بيافوخه السماء - موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أنْ تَدَّعي وتقول، وخلدتِ القُروم، فلم تملَك أن تصول" ..
(دلائل الإعجاز/ ص ٣٢) و "خلدت" بمعنى: أخلدتْ. والقروم: الفُحول. وهي هنا مجاز ..
٢ - النظم: حقيقته وضرورته
ليس النظم شيئاً إلاَّ توخِّي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين الكلم، وأنك قد تبيَّنت أنه إذا رُفعَ معاني النحو وأحكامُه مما بين الكَلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجتِ الكلمُ المنطوقُ ببعضها في أثر ببعضٍ في البيت من الشعر والفصل من النثر، عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وُضعتْ فيها موجِبٌ ومقتضى، وعن أن يُتصوَّر أن يقال في كلمة منها إنها مرتبطة بصاحبةٍ لها، ومتعلِّقةٍ بها، وكائنة بسببٍ منها، وإنْ حَسُنَ تصوُّرك لذلك، ثبَّتَ فيه قدَمك، وملأ من نفسك، وباعَدَك من أن تَحنَّ إلى الذي كنتَ عليه، وأن يَجُرَّك الإلفُ والاعتياد إليه، وأنك جعلتَ ما قلناه: نَقْشاً في صدرك، وأثبتَّه في سويداء قلبك، وصادقتَ بينه وبين نفسك".
(دلائل الإعجاز/ ص ٤٠٣ - ٤٠٤).
ويتابع في السياق نفسه:
стр. 40
"ثبتَ من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبْهُ في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها مَعْدنِه ومَعانُه، وموضعه ومكانُه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجْهَ لطلبه فيما عداها، غارٌّ نفْسَه بالكاذِب من الطمع، ومسلِّمٌ إلى الخِدَع، وأنه إنْ أبى يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزاً بنظمه، ولزمه أن يُثبت شيئاً آخر يكون معجزاً به، وأن يلحق بأصحاب الصرفة، فيدفع الإعجاز من أصله .. "
(نفسه / ص ٤٠٤. والمعان: المباءةُ والمنزل).
٣ - نموذج تطبيقي لشرح حقيقة الاستعارة وتحليلها
- من خلال بيت الحماسة، لتأبط شرّاً -
إذا هزَّهُ في عظْم قرنٍ تهلَّلتْ ... نواجذُ أفواهِ المنايا الضَّواحكِ
"فأنت الآن لا تَستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظَ "النواجذ" ولفظ "الأفواه" لأن ذلك يُوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبَّهة بالنواجذ، وشيء قد شبَّهه بالأفواه، فليس إلاَّ أن تقول، إنه لمَّا ادَّعى أن المنايا تُسَرُّ وتَسْتبشر إذا هو هزَّ السيفَ، وجعلها لسرورها بذلك تضحك، أراد أن يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك، حتى تبدوَ نواجذُه من شدَّة السرور.
( ... ) فقد تبيَّن من غير وجهٍ، أنَّ الاستعارة إنما هي ادَّعاءُ معنى الاسم للشيء. لا نقلُ الاسم عن الشيء. وإذا ثبتَ أنها ادِّعاءُ معنى الاسم للشيء، علمتَ أن الذي قالوه من أنها تعليقٌ للعبارة على غير ما وُضعت له في اللغة، ونقلٌ لها عمَّا وضعتْ له، كلامٌ قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت الاستعارةُ ادعاءَ معنى الاسم، لم يكن الاسمُ مُزالاً عمَّا وُضع له، بل مُقَرّاً عليه".
(نفسه/ ص ٣٣٥). والقِرنُ: الكفؤ - وتهلَّلتْ: لاحت وظهرتْ من البِشْر والسرور.
٤ - حقيقة الخبر في بلاغة القول
"إنَّ الخبر وجميع الكلام، معانٍ ينشئها الإنسان في نفسه، ويُصرِّفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصدُ وأغراضٌ وأعظمها شأناً الخَبرُ. فهو الذي يُتصوَّر بالصور الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه يكون في الأمر الأعم، المزايا التي بها يقع التفاضلُ في الفصاحة".
(دلائل الإعجاز/ ص ٤٠٦).
стр. 41
٥ - نموذج من أسلوبه الأدبي الآسر
* مقدمة فصل (الكناية والتعريض):
"هذا فنٌّ من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ. وهو أَنَّا نراهم كما يصنعون في نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات الصفة هذا المذهب، وإذا فعلوا ذلك، بدتْ هناك محاسنُ تملأ الطرْفَ، ودقائق تُعْجز الوصف، ورأيت هناك شعراً شاعراً، وسحْراً ساحراً، وبلاغةً لا يكمل لها إلا الشاعرُ المُفْلِق، والخطيبُ المِصْقَع، وكما أنَّ الصفة إذا لم تأتِكَ مُصرَّحاً بذِكْرها، مكشوفاً عن وجهها، ولكن مدلولاً عليها بغيرها، كان ذلك أفْخَمَ لشأنها، وألطف لمكانها - كذلك إثباتك الصفة للشيء تُثْبتها له إذا لم تُلْقِه إلى السامع صريحاً، وجئتَ إليه من جانب التعريض والكناية، والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزيَّة، ومن الحسْن والرونق، ما لا يقلُّ قليلُه، ولا يجهلُ موضعُ الفضيلة فيه".
(دلائل الإعجاز/ ص ٢٣٧).
стр. 42
فصل مقتضب خاص في كشف الفضل الذي قدَّمه للقارئ ونُضْحٌ له في الخوض الدائم في معترك النظم
" قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرضَ في آرائهم، كلَّ مبلغ، وانتهينا إلى كل غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسَّفون فيها إلى السَّنن اللاَّحِب، ونقلناهم عن الآجن المطروق، إلى النَّمير الذي يشفي غليلَ الشارب، ولم ندعْ لباطلهم عِرْقاً ينبضُ إلاَّ كويناهُ ولا للخلاف لساناً ينطقُ إلاَّ أخرَسْناه، ولم نتركْ غطاءً على بَصَر ذي عقلٍ إلاَّ حَسرْناهُ. في أيها السامعُ لِمَا قلناهُ، والناظرُ فيما كتبناهُ، والمتصفِّحُ لما دوَّنَّاهُ: إنْ كنتَ سمعتَ سماعَ صادقِ الرغبةِ، في أن تكون في أمرك على بصيرة، ونظرتَ نظَرَ تامِّ العنايةِ في أن يُورِدَ ويَصْدُرَ عن معرفة، وتصفَّحْتَ تصفُّحَ مَن إذا مارس باباً من العلم، لم يقنعْه إلا أن يكون على ذروة السَّنام، ويضْرب بالمُعَلَّى من السَّهام؛ فقد هُديتَ لضالَّتك، وفتح لك الطريقُ إلى بُغْيتك، وهُيِّئ لك الأداةُ التي تبلغ بها، وأُوتيت الآلة التي معها تصل؛ فخذْ لنفسكَ بالتي هي أمْلأُ ليدَيْك، وأعْوَدُ بالحظِّ عليكَ، ووازنْ بين حالِك الآن - وقد تنبَّهْتَ من رَقْدتك، وأفقْتَ من غفْلتك، وصرت تعلم، إذا أنتَ خضت في أمر اللفظ والنظم، معنى ما تذكر، وتعلم كيف تُورِدُ وتصْدر - وبينها وأنتَ من أمرها في عمياءَ، وخابطٌ خَبْطَ عشواءَ، قُصاراكَ أن تكرر ألفاظاً لا تعرف لشيء منها تفسيراً، وضروبَ كلامٍ للبلغاء إنْ سُئلْتَ عن أغراضهم فيها، لم تستطع لها تَبْيينا.
فإنكَ تراكَ تُطيل التعجب من غفلتك، وتكثر الاعتذار إلى عقلك، من الذي كنتَ عليه طول مدتها.
ونسألُ الله تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصدُه ونَنْتَحيه، لوجهه خالصاً، وإلى رضاه مؤدِّياً، ولثوابه مُقْتضياً، وللزلفى مُوجِباً، بمنِّه وفضله ورحمته".
(دلائل الإعجاز/ ص ٣٦٦ - ٣٧٦). والسَّنَن اللاحب: الطريق الواضح. والآجن: المتغير الطعم، المطروق: الذي خوَّضته الإبل وبوَّلت فيه: والنمير: الزاكي الرقراق.
стр. 43
ذاك هو نثر الجرجاني الذي يمتاح من ينابيع العربية التي رعرعتها البيداءُ وحنادسُها، وصحاصح فجرها الفردوسيِّ، ووهبها القرآن من وسيع مجازاته ورفيع توقيعاته ومستدق استداراته، وانسلال معانيه من فروج الكلمات انخطافاً وإيماءً وإيحاءً، ما جعله يمتهد صهوة الكلام فارساً لا يُشق له غبار، وساحراً مِفَنَاً يخلب السمع والأبصار .. لا أقول ذلك هوى طاغياً، فقد أشرت غير مرة إلى تعقيداته وملتبساته وجنوحه إلى التكرار والقصْر المربك .. بل هو أدبه الرفيع، ونثره الأصيل الذي لا مطعن فيه ولا مناص من النظر إليه بتقدير وإعجاب لهذه الدقة المتناهية، وتلك المقدرة المذهلة على التعبير عن دقائق الأفكار، بلغة محبوكة حبكاً يجمع بين السهولة والامتناع، والجزالة والسلاسة، وقوة الدلالة وبُعْد المرام، فيما يشبه المقامة الساخرة حيناً، والرسالة المنضَّدة باحرف من بصيرة نافذة، وعقل نيِّر يرصد مواقع الجمال والقبح، حيناً آخر، والدرس الصفِّي المنهجي المتناهي الوضوح والنتائج، حيناً وحيناً، ويُختم كلام الفصول وأنت شاخصٌ إلى المزيد .. فلا تجد مناصاً من معاودة القراءة واستئناف رحلة التمتع والاستفادة.
стр. 44
عبد القاهر الجرجاني في سيرته الذاتية والعلمية
هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، نسبة إلى جرجان، المدينة الفارسية العريقة التي تقع بين طبرستان وخراسان. ينتسب إليها عدد وافر من رجال العلم والأدب والفقه والحديث، عدَّ منهم عمر رضا كحالة خمسة وثلاثين، منهم الفقيه والقاضي والشاعر المحدِّث والمؤرخ .. وتمتاز هذه المدينة بشدة بردها وحرِّها، لكن أهلها موصوفون بالوقار والمروءة واليسار والتأني والأخلاق المحمودة. وصفها ياقوت فقال:
هي مدينة حسنة على واد عظيم في ثغور بلدان السهل والجبل والبر والبحر، بها الزيتون والنخل والجوز والرمان وقصب السكر و "الأترجُّ".
ومع ذلك فقد ذمَّها الصاحب ابن عبَّاد قائلاً:
نحنُ والله من هوائكِ ياجر ... جانُ في خطةٍ وكَرْبٍ شديد
حَرُّها يُنضِجُ الجلودَ فإن هبَّـ ... ـتْ شمالاً تكَّدرتْ برُكودِ
كحبيب منافقٍ كلَّما هـ ... ـمَّ بوصْلٍ أحالَهُ بالصدودِ
لم يذكر المؤرخون شيئاً عن طفولته وأسرته ونشأته، وكثير من أمور حياته، حتى نَسبُهُ توقَّف لديهم، عند جدِّه (محمد). ولم يتوغلوا قيد أنملة فوق ذلك ضاربين صفحاً عن كل ما يمت إلى علَم مثله، من إحاطةٍ ببيئته وأسرته، وتعلُّمه وتنقله، وأساتذته وتلاميذه، وشؤونٍ كثيرة تتعلق به من قريب أو بعيد. ويتلخص ما جاء في مصادر ترجمته أنه: أشعري، شافعي، نحوي، بيانيٌّ متكلِّمٌ فقيه، مفسِّر، شاعر وزاد بعضُهم: "كان .. ذا نُسُكٍ ودين، قال السِّلفي: (أحمد بن محمد السِّلفي، الحافظ المحدّث المتوفى سنة ٥٧٦ هـ/ ١١٨٠م) كان ورعاً قانعاً. دخل عليه لصٌّ وهو يُصلِّي، فأخذ ما وجد، وهو ينظرُ، وهو في الصلاة فما قطعها، وكان آيةً في النحو".
ويعدُ كتاب "دمية القصر وعصْرة أهل العصر" لأبي الحسن علي بن الحسن الباخزري المتوفي سنة ٤٦٧ هـ أقرب ما يكون لعصره وحياته وبيئته .. ومع ذلك لم يزد في ترجمته له على خمس صفحاتٍ، عدد السطور التي خصَّه فيها بتعريف وتكريم: تسعة سطور، والباقي منتخبات من شعره الذي لا يزال مخطوطاًً ..
ومما جاء فيه:
"اتَّفقتْ على إمامته الألسنةُ، وتجمَّلتْ بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة، وأثنى عليه طيبُ العناصر، وثُنيتْ به عقودُ الخناصر، فهو فرْدٌ في علمه الغزير، لا بل هو العلَمُ والفردُ في الأئمة المشاهير".
هذا جلٌّ ما جاء في مصادر ترجمته، ومعظمها يقتفي أثر الآخر، ولا تكاد تحظى بكلمة واحدة تضيء ظلمة حياته الغابرة.
وأما عن تاريخ مولده، فهو مستنتج استنتاجاً ولم يعيِّنْه أحد إلاَّ على سبيل الترجيح، لكنهم اتفقوا أن وفاته كانت سنة ٤٧١ هـ / ١٠٧٨م وقيل سنة ٤٧٤ هـ. ورُجِّح أن يكون مولده سنة ٤٠٠ هـ / ١٠١٠م.
стр. 45
وفي كتابه: "عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية" يعمد الدكتور أحمد بدوي، إلى شعره لاستخلاص بعض مزاياه وخصالة ونضاله، ولولا هذا الشعر، لكانت حياة الجرجاني، غائبة كلِّياً عن قارئ اليوم الذي تعوَّد أن يطَّلع على سير أعلامه بوفرة ويُسْر، ولكن الأيام لها تصاريفها، فتُعتِّم على بعض النوابغ الأفذاذ، وتفيض بما لا حصر له على كثير من رجال السلطان والنفوذ، وقليلٍ من العظماء الذي تحدُّوا التاريخ فحفروا سيرهم على صفحاته حَفْراً لم تستطع قوى الظلام طمسها أو تشويهها .. هذا الكتاب الذي يبلغ ٤٢٨ صفحة من الحجم الوسط لم نقرأ فيه شيئاً عن حياة الجرجاني، فيما خلا الإشارات الخاطفة التي لخصها كتَّاب التراجم، والومضات الشعرية التي عكست أصداءً غير مدوية لواقعه النفسي .. حتى أساتذته، لم يزيدوا على اثنين لقيهما أبو بكر وأخذ عنهما، الأول: أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي، ابن أخت العالم الشهير أبي علي الفارسي .. والثاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، المعروف بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢هـ/ ١٠٠٢م، الأمر الذي يدعو إلى الغرابة، في إمكان لقاء أبي بكر به والتمكن من الأخذ عنه؛ وهو الذي لم يعرف عنه الحياة الطويلة .. والأرجح أن يكون عبد القاهر قد اطَّلع عن كَثَب على كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وفيه يُغلِّب القاضي دَفَّةَ المتنبي على أبي تمام وغيره من الشعراء والمنتقدين، فلقي ذلك هوىً في نفسه لأنه من هذا الفريق. أما تلاميذه فالحديث عنهم لا يروي غليلاً، إذ ذكر له تلميذان فقط، هما علي بن زيد الفصيحي، وأبو نصر أحمد بن محمد الشجري، الذي أخذ عنه كتاب المقتصد" في النحْو.
ومن الثابت أن عبد القاهر لم يغادر جرجان إلى بلد آخر، من المهد إلى اللحد، وكان الطلاب والوافدون إليه، يقصدونه من بلاد بعيدة ويقيمون بقربه للاستمتاع إليه والأخذ عنه.
وأما خصاله وطبائعه النفسية، فلم يُشر أحد إليها إلاَّ عرضاً وبكلمات خاطفة، كقول تاج الدين السّبْكي: "صار الإمامَ المشهور المقصود من جميع الجهات مع الدين المتين والورَع والسُّكون".
стр. 46
وقد عرضَ الدكتور أحمد بدوي لبعض ما تراءى له من شعره الذي رسم شيئاً من أحواله وعلاقاته ومواقفه غير المعلنة، وألخصها بما يلي:
* سخطه على عصره وعلى الأيام التي تضع من قدر العلماء وترفع من شأن الجهلاء من خلال قولته الشعرية الصادمة:
كبِّرْ على العِلْم، لا تَرْمْهُ ... ومِلْ إلى الجَهْل مَيْلَ هائِمْ
وعشْ حماراً تعشْ سعيداً ... فالسعد في طالع البهائم
أو قوله، على سخطٍ وأَنفةٍ مؤلمة:
هذا زمانٌ ليس فيه ... سوى النَّذالةِ والجَهالَهْ
لم يَرْق فيه صاعِدٌ ... إلاَّ وسُلَّمه النذالة
بَرَمُه بالناس وبنفسه وشعور بما يشبه حبسة اللسان. ولم يتوافق ذلك مع ورعه وسكونيَّته وطولِ باعه في الكلام المرسل المحكم المتدفق ..
* صمت المؤرخين على وضعه الأسروي، زوجةً وولداً، وأمًّا وأَباً وأشَّقاء ... والأرجح أن يكون والداً وزوجاً، لكنَّ تفرغه للعلم والدين، ولقاصديه من أهل العلم والمعرفة، شغلَ الناسَ عن أمور أسرته، وحصَرها بجهاده العلمي المنوع بين نحو وتفسير وأدب وشعر وثقافة فكرية متعددة الينابيع ما بين يونانية وفارسية وهندية، فضلاً عن ثقافته العربية القرآنية الواسعة؛ فتنوعت كتاباته ومصنفاته بين نحو وبلاغة وتفسير وفقهٍ وأدب، لذلك وجدنا تراجم له في تراجم الطبقات الشافعية، وطبقات المفسِّرين، وطبقات النحاة، وطبقات الأدباء والبلغاء.
آثاره
لم يترك الجرجاني آثاراً عديدة، ولكنه نوَّع فيما ترك، وذاع صيت بعض آثاره بما يغني عن التعداد والكثرة. وسأعرض لها تباعاً بحسب انتمائها العلمي.
أ - في النحو
١ - المغْني، كتاب كبير وضعَه في ثلاثين مجلَّدة، كناية عن شرح مبسط لكتاب: "الايضاح في النحو" لأبي علي الفارسي المتوفي سنة ٣٧٧هـ/ ٩٨٧م وهو كتاب مقسَّم بين النحو والصرف، أثار من إعجاب الجرجاني أن وضع لأَجله أربعة كتب، أولها "المغني" ...
٢ - "المقتصد" ثلاث مجلدات، أو أقسام، وهو ملخص "للمغني" وقد أَتمّه الجرجاني بخط يده في رمضان سنة٤٥٤ هـ.
стр. 47
٣ - "التكملة" أو - التتمَّة، قيل إن الجرجاني قد أضاف إلى كتاب "الإيضاح" بعض المسائل النحوية - وذكره بروكلمان. فقال: "كتاب التتمة، في الجملة" وأشار إلى رقم مخطوطه في كل من المتحف البريطاني والمكتب الهندي.
٤ - "الإيجاز" وهو مختصر لكتاب "الإيضاح". ويذكر حاجي خليفة عدداً كبيراً من الشروح التي عُنيت بكتاب "الإيضاح" تتجاوز العشرات.
٥ - "الجُمل" وسمِّي: الجرجانية"، مختصر لعلم النحو، وضعَه في خمسة فصول، فصَّلها حاجي خليفة كما يلي: ١ - في المقدمات. ٢ - في عوامل الأفعَال. ٣ - في عوامل الحروف. ٤ - في عوامل الأسماء. ٥ - في أشياء منفردة. وذكر له عدداً كبيراً من الشروح لكثير من علماء العصور اللاحقة، وصولاً حتى منتصفِ القرن الثامن الهجري.
وذكر بروكلمان، أنه منظومة نحوية، شُرحت كثيراً، وقد عدَّد شُرَّاحَها وأسماء شروحهم. ٦ - التلخيص" وهو شرح الكتاب "الجمل".
٧ - العوامل المائة في النحو" أو: كتاب العوامل المائة، أو مائة عامل. أقبل عليه القرَّاء والعلماء، فشرحوه وبسَّطوه، علَّقوا عليه وذكر منهم حاجي خليفة، ما بين شارح ومترجم وناظم ومُعْرِب ومعلِّق ومختصِر: اثني عشر عالماً، آخرهم صوفي الأدرنوي المتوفي سنة ١٠٢٤ هـ/.
أما بروكلمان فقد عيَّن ورقَّم له عشرات المخطوطات في عدد كبير من المكتبات العربية والأجنبية، وذكر له ستة وثلاثين شرحاً، وتسع منظومات مخطوطة ومطبوعة.
٨ - "العمدة" في التصريف (أشار إليه "كشف الظنون" دون تعريف).
٩ - كتاب في العروض (أشار إليه "فوات الوفيات" دون تعريف).
ب - في الشرح والتفسير القرآني
١٠ - "كتاب المفتاح وشرح الفاتحة" في مجلد واحد.
١١ - المعتضد، شرح كبير لكتاب "إعجاز القرآن" لأبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتوفي سنة ٣٠٦ هـ.
١٢ - شرح "الإعجاز" الصغير، ذكره حاجي خليفة كما ذكر شرحه الأول المعتضد.
وهناك شروح أخرى لإعجاز القرآن، قام بها علماء أجلاَّء بينهم فخر الدين الرازي والباقلاَّني.
стр. 48
١٣ - الرسالة الشافية كتاب خاص في (بيان عجز العرب عن معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه من آي الذكر الحكيم فائتٌ للقوى البشرية ومتجاوزٌ للذي يتَّسع له ذَرْعُ المخلوقين) هكذا قدَّم لها الجرجاني. وقد نشرت هذه الرسالة مع رسالتين أُخْرَيين، واحدة للرمَّاني، والثانية للخطَّابي، في كتاب واحد، حققه كل من محمد خلف الله ود. محمد زغلول سلام، وصدر عن دار المعارف بمصر سنة ١٩٦٨ (طبعة ثانية) وعدد صفحات "الرسالة الشافية" تسعون صفحة من الكتاب.
١٤ - درج الدرر، في تفسير القرآن ذكره بروكلمان، وأشار إلى مخطوطين له في كل من الأسكوريال والقاهرة. كما ذكره حاجي خليفة على وجه الظنّ.
ج - في علوم البلاغة
١٥ - دلائل الإعجاز، العلامة الفارقة في نتاج الرجل وعصره، والأثر الأنفس بين كتب ومصنفات البلاغة، من قبل ومن بعد. فهو لم يضع أسس علم ركْنٍ من علوم البلاغة العربية، بل وضع مصطلحاً علمياً فنياً أدبياً، قائماً على نظرية متكاملة لم يزد عليها العلماء من بعد إلاَّ التبسيط والتنوير ... عَنيتُ مصطلح "النظم" ونظريته ...
١٦ - أسرار البلاغة، العلامة الثانية، والمَعْلَم الثاني في نتاج الرجل والعصر، وهو خاص بعلمي: البيان بخاصة، والبديع بعامة.
وقد صدر الكتاب في غير طبعة، أهمها طبعة المنار، التي أشرف عليها الشيخ رشيد رضا، ونشرتها دار المعرفة مصورة عنها، في بيروت سنة ١٩٧٨. وكان قد صدر محققاً من المستشرق هـ. ريتر، ثم أُعيد نشره مصوَّراً، في دار المسيرة طبعة ثالثة بيروت سنة ١٩٨٣. ونَسَقهُ في الموضوعات والمعالجة والتبويب، شبهٌ بنسقية "دلائل الإعجاز" أي تداخل الموضوعات بعضها ببعض، وتكرار المعالجة للمسألة الواحدة، من زوايا أخرى، والتعويل باستمرار على الشواهد الشعرية التي بلغت في "أسرار البلاغة" نسبةً عالية، كذلك الشواهد القرآنية التي لم تكن بنفس النسبة التي كانت في "دلائل الإعجاز".
стр. 49
١٧ - التذكرة، وهو كتاب منوع الموضوعات، لكنها تتصل بمعظمها بما طرح في كتاب "دلائل الإعجاز" مما لم يستوف القول فيها هناك. ومما يوحي لنا بذلك، أن عبد القاهر الجرجاني لم يَخْتم كتابه "الدلائل" بما بدأ به من حمد الله وامتنانه، وهكذا معظم كتبه.
د - في الشعر
ترك عبد القاهر في هذا الجانب مصنفاً واحداً هو:
١٨ - المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام: اعتنى بنسخه وتصحيحه ومعارضته بالأصول وشرَحَه: عبد العزيز الميمني، عليكرة - الهند، وصدر ضمن كتاب بعنوان: "الطرائف الأدبية" الذي وضعه الميمني على قسمين، الأول: لدواوين كل من الأَفوه الأودي والشنفرى، وتسع قصائد نادرة، والثاني: للمختارات.
صدر الكتاب عن دار الكتب العلمية في بيروت مصوَّراً عن طبعة صدرت في القاهرة سنة ١٩٣٧؛ وقد وقع الميمني على نسخة من المخطوطة في إحدى قرى الهند في مملكة حيدر آباد .. أخذ الميمني على الجرجاني إغفال قصيدةٍ حكمية للمتنبي - لم يثبتها في المختارات مع أنَّ هذه الأخيرة، قد عدَّها الجرجاني من بين عيون الشعر الحكمي للشعراء الثلاثة - وهذه القصيدة نونيَّة، مطلعها:
صَحِبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا ... وعَناهُم من شأنه ما عنانا
ومما جاء في مقدمة "المختارات".
"هذا اختيارٌ من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام عمدنا فيه لأشرف أجناس الشعر، وأحقها بأن يُحفظ ويُروى ويوكّل به الهِمَمُ، ويُفَرَّغ له البالُ، وتُصرف إليه العناية، ويقدَّم في الدراية، وتُعْمَر به الصدور، ويستودعَ القلوب، ويعدَّ للمذاكرة، ويُحصَّل للمحاضرة.
وذلك ما كان مثلاً سائراً، ومعنًى نادراً، وحكمةً وأدباً، وقولاً فضْلاً، ومنطقاً جزلاً .. "
ويقع كتاب "المختارات" من كتاب "الطرائف" في مائة وخمس صفحات، نصيبُ المختار من شعر البحتري، وحده: في حدود النصف، يليه المتنبي فأبو تمام، مع العلم بأن الجرجاني من المعجبين جداً بشعر المتنبي على سائر الشعراء. وتقديري هو أنَّ نسبة الشعر الكبرى - للبحتري - هاهنا، لا تعود إلى عامل آخر، غير كبر حجم ديوان البحتري الذي يقارب الضعفين لديوان المتنبي.
стр. 50
- بقي أثر آخر من آثار الجرجاني - هو شعره، الذي ذكَره بعضُ كتب التراجم،. ولم يُشر أحد إلى عنوانٍ واحد له. والمراجح أنه لم يترك ديواناً مجموعاً على غرار سائر كتبه ومصنفاته، ربما لأنه لم يكن لديه ما يوجب جمعه وحفظه في كتاب مستقل.
وما وصل إلينا من هذا الشعر، يقع بعامة في خانة الشعر الحكمي التعليمي الذي يصلح لنظم القواعد والمعارف المبوَّبة المفرَّعة.
هكذا رأيناه في "هائيته" التي ختم بها "مدخله" إلى كتابه "دلائل الإعجاز" وهي في ثلاثة وعشرين بيتاً، ضمَّها حقيقة "النظم" التي عرضها بإسهاب في كتابه، وربطها كليّاً بمعاني النحو وأحكامه ووجوهه، كقوله:
وقد علمْنا بأنَّ النظْمَ ليس سوى ... حُكْم من النحو نَمْضي في توخِّيهِ
لو نقَّب الأَرْض باغٍ غير ذاكَ لهُ ... معنًى وصعَّدَ يَعْلو في تَرقِّيه
ما عاد إلاَّ بخُسْرٍ في تطلُّبه ... ولا رأى غير غَيِّ في تَبَغِّيهِ
ولو تأملنا المقاطع الشعرية التي أثبتها له كتَّابُ التراجم، ولا سيما "دمية القصر" للباخرزي خرجنا بانطباع خاص، أن هذا الشعر، لا يشكل نتاجاً أدبياً قائماً بذاته. إن هو إلاَّ نفثات قصيرة النفس لما يحتدم في داخله، عوضاً من أن يصوغها نثراً في رسائل ومقامات، نظمها شعراً، أحكم فيه العقل وموازنة الأشياء، وغلب عليه التمثُّل بعِبَر الحياة بالقَدْر الذي أتيح له استشفافها واعتصارها، كقوله:
أيُّ وقتٍ هذا الذي نحنُ فيهِ ... قد دَجا بالقياس والتشبيهِ
كلَّما سارتِ العقولُ لكي تَقْـ ... ـطَعَ تيهاً، تغوَّلتْ في تيهِ
وقوله، وقد فاته الابتكار الفكري - على حد وصف الباخرزي لبعض أشعاره - مستعيضاً عنه بالصَّنعة البديعية التي تمثل الاتجاه الشعري العام لكثير من شعراء عصره، والعصور اللاحقة. والقول هنا، من قصيدة في اليأس من الناس:
ليس بالإقبال ما نِيـ ... ـلَ بتقبيل الكلابِ
إنَّ باغي الربحِ والخُسْـ ... ـرانِ في بابٍ وبابِ
تلكم هي الآثار التي أمكن الوقوفُ عندها، ورصْدُ ما فيها من جوانب علمية وفنية، إنْ فاتني فيها العمق والشمول، فلم تفُتْني الإحاطة ولو بأطرها العريضة.
стр. 51
وبهذه الفقرة من التعريف بآثار الجرجاني، أختم الكلام في هذه المقدمة التي أعتبرها مدخلاً عاماً لدراسة الجهد البلاغي المتخصص الذي قدمه عبد القاهر الجرجاني، أكثر منه لكتابه "دلائل الإعجاز"؛ جهدتُ فيه أن أضع الأمور في نصابها، وأسلِّط الأضواء على أعمال أربعة، الأول منها هو الأصل والمرتكز، عنيتُ كتاب "دلائل الإعجاز" والعملانِ الثاني والثالث، لكل من الشارحين العلاَّمتين: الإمام محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا .. أما العمل الرابع فهو لصاحب هذه المقدمة الذي يبتهل إلى الله العليِّ القدير، أن يُبوِّئه شرف المنزلة التي يستحقها إلى جانب المقامات العلمية الثلاثة ...
إنه لا يُضيعُ أجْرَ العاملين المحسنين!!
طرابلس - لبنان -
جمادى الأولى سنة ١٤٢٠ هـ
لموافق الثامن من أيلول
ياسين الأيوبي
стр. 52
التعريف بكتاب دلائل الإعجاز بقلم الشارح: محمد رشيد رضا
حمداً لمن علَّم بالقلم، فلولا القلمُ لما وصلَ علمُ الأولين إلى الآخِرين، ثم حمداً لمن علَّم الإنسانَ من صناعة الطبع ما لم يكن يَعْلم؛ ولولا الطباعةُ لما سهلَ انتشارُ العلوم في العالَمينَ، وصلاةً وسلاماًَ على مَنْ أرشدَ جميعَ الأُمم إلى الاختراع والابتداع في أمور الدنيا، والاتِّباع في أمر الدين، بقوله: "مَنْ سَنَّ سُنةً حسنةً فله أَجْرُها وأَجر مَنْ عمِلَ بها إلى يوم الدين" وقوله: "عليكُم بِسُنَّتي وسنةِ الخلفاء الراشدين".
وبعد، فيقول ناشرُ هذا الكتاب ومصححُه (محمد رشيد رضا بن السيد علي رضا الحسيني الحسني) منشئ مجلة "المنار" الإسلامي بمصر القاهرة:
إنَّ كتاب "دلائل الإعجاز" الذي ننشره اليوم، هو صنْو كتاب "أسرار البلاغة" الذي نشرناه في أول العام الماضي (عام ١٣٢٠ هـ). وقد صدَّرتُ ذلك الكتابَ، بمقدمة بيَّنْتُ فيها حقيقةَ معنى اللغة ومعنى "البيان" فيها، ومكانةَ ذلِك الكتابِ من البيان وعِلْمه، ومِنْ سائر كتبه، مع الإلمام بشيء من تاريخ البلاغة أثبتُّ فيه أن الإمام الشيخ عبد القاهر الجرجاني هو مؤسسُ علمَيْ البلاغة، ومقيم ركْنَيْها "المعاني والبيان" بكتابيه أسرار البلاغة، ودلائلِ الإعجاز. وأنَّ السكاكيَّ ومَنْ دونه مِن علماء هذا الشأن عِيالٌ عليه؛ وذكرتُ ثمةً أنني لمَّا هاجرتُ إلى مصر لإنشاء مجلة "المنار" الإِسلامي في سنة ١٣١٥هـ، وجدت الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، رئيسَ جمعية إِحياء العلوم العربية، ومفتي الديار المصرية، مشتغلاً بتصحيح كتاب "دلائل الإعجاز" وقد استحضرَ نُسخةً من المدينة المنوَّرة، ومن بغدادَ، ليقابلها على النسخة التي عنده.
وأَزيدُ الآن: أنه قد عُنِيَ بتصحيحه أتَمَّ عنايةٍ وأَشركَ معه فيها إمامَ اللغة وآدابها في هذا العصر (الشيخَ محمد محمود التركزي الشنقيطي)؛ وناهيك بكتاب اجتمع على تصحيح أصله علاَّمتا المعقول والمنقول. وبعد أن أتمَّ الأستاذُ الإمامُ تدريسَ كتاب "أسرار البلاغة" في الجامع الأزهر، عهِدَ إليَّ بأن أطبع كتاب "دلائل الإعجاز" ليقرأه بعده. فشرعتُ في الطبع وشرع هو في التدريس. وقد بذلت الجهد في تصحيحه، وفسرت بعض الكلمات الغريبة فيه وفي شواهده بالاختصار، وأشرت إلى اختلاف النسخ، أَخْذاً مما كتبه الأستاذ على هامش النسخة التي طبعنا عنها وقد بدأنا طبع الكتاب في مطبعة الموسوعات، ثم أنشأنا لمجلة "المنار" مطبعة خاصة فأتممنا طبعه فيها.
стр. 53
تم طبع الكتاب، ولمَّا يُتِمَّ الأستاذُ الإمامُ تدريسه، وقد علمنا منه أنه يَظهر له فيه أحياناً، قليلٌ من الغلط. فعزَمْنا على طبع جدول لتصحيح الخطأ الذي يُحصيه الإمامُ في نسخة التدريس، بعد إتمام الكتاب وإعطائه لمن يطلبه من الذين يبتاعونه، بغير ثمن ليصححوا نُسَخهم عليه. وبذلك يصحِ لنا أن نحكم أن هذا الكتاب، من أصح الكتب العربية المطبوعة، إن لم نقل أصحها؛ إذ لا طريق إلى كمال التصحيح مثلُ قراءة الكتاب درساً، لا سيما إذا كان المدرِّسُ مثْلَ الأستاذ الإمام في سَعة العِلم، وصحة الحُكْم، وحُسن التقرير، والحرص على الإفهام، والمعرفة بصناعة الطبع. ولا شك أن من يقرأ الشيء وحده، ويحاول تصحيحه، يكون عرضة للسهو والذهول عن بعض الكلم، ولا سيما إذا كان معنى الكلام الذي يقرأه واضحاً جلياً كجلاء كلام الشيخ عبد القاهر رحمه الله تعالى.
стр. 54
مكانة الكتاب بقلم الشارح: محمد رشيد رضا
أما الكتاب، فيعرف مكانَتَه مَنْ يَعرف معنى البلاغة، وسرَّ تسمية هذا الفن "بالمعاني". وأما من يجهل هذا السر، ويحسب أنَّ البلاغة صناعة لفظية محضة، قِوامها انتقاءُ الألفاظ الرقيقة أو الكلمات الضخمة الغريبة، فمثل هذا يعالَج بهذا الكتاب. فإن اهتدى به إلى كون البلاغة ملكة روحية وأريحية نفسية رُجيَ أن يبرأ من علَّته، ويقف على مكانة الكتاب ورتبته؛ وإن بقيَ على ضلاله القديمه وجَهْلِه المقيم، فاحْكُمْ بإعضال دائه، وتعذُّر شفائه. إنما وُضعَ الكلامُ لإفادة المعاني. والبلاغةُ فيه هي أن تَبلغ به ما تُريد من نَفْس المخاطَب، من إقناع وترغيب وترهيب، وتشويق، وتعجيب، أو إدخال سرور أو حزن أو غير ذلك وكلُّ هذه المقاصد أمور روحانية، يُتَوصل إليها بالكلام. فمعرفة قوانين النحو والمعاني والبيان شَرْطٌ فيها، ولكنها غير كافية للوصول إليها، بل لا بدّ من الهداية إلى أسباب كون الكلام مؤثِّراً، وإيراد الشواهد والأمثلة الكثيرة في المعنى الواحد، والموازنة بين الكلامين يتفقان في المعنى، ويختلفان في التأثير، كقول المُعبِّر الأول لذلك الملكِ الذي رأى في نومه أنه فقدَ جميع أسنانه، أَنَّ جميعِ أهلِكَ وذوي قرباك يَهلِكون؛ وقولِ المعبِّر الثاني له: الملك يكون أَطولَ أهلهِ عُمراً. وهذا المذهب هو الذي ذهبَ إليه الإمام عبد القاهر في كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة). وقد خلَفَ من بعده خلَفٌ جعلوا البلاغة صناعةً لفظية محْضة، فقالوا: الُمسْنَد يُعرَّف لكذا وكذا، ويُنكَّر لكذا وكذا الخ. ولم يُبَيِّنوا السرَّ في ذلك، ولم يوازنوا بين مسند منكرٍ عرفتْهُ البلاغة، وآخرُ أنكرتُه وهو مثله، ويبينوا السبب في ذلك؛ ولم يُعْنوا بإيراد الشواهد والأمثلة والبحث في الفروق. وقد اختار أهل هذه الأزمنة الأخيرة، هذه الكتب المجْدِبة القاحلة، على مِثْل كتب عبد القاهر الخصبة الحافلة، لكثرة الحدود والرسوم والقواعد والمشاغبات في كتب المتأخرين؛ فكان أثرها فيهم أن حُرِموا من البلاغة والفصاحة، حتى إنَّ أعلَمَهم بهذه الكتب، وأكثرَهُم اشتغالاً بها، هم أعياهم وأعجزُهم عن الإتيان بالكلام البليغ (بل والصحيح) قولاً وكتابة.
ولا غرو، فقد قال أحد كبار مؤلفي هذه الكتب المشهورة: إن بعض فحول هذا الفن (البلاغة) ليسوا بلغاء!! ففَصلَ بين البلاغة وعِلْمها، وجعله غير مؤدِّ إليها؛ فلم يبق إلا أنه ابتُدعِ لِيُتَعبَّدَ به. ولولا أَنْ قيَّض اللهُ للعربية، في هذا العصر، أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فطفقَ يُحْيى كتبَ السلف النافعة، وعلومهم، لَكُنَّا في يأس من حياة هذه اللغة الشريفة، بعدما قضى عليها حَفَظَتُها وأُساتها.
نسأل الله تعالى أنْ يمدَّ في أيامه، ويُكثر من أنصاره وأعْوانه. آمين.
стр. 55
القسم الثاني
مدخل لكتاب دلائل الإعجاز
توكلت على الله وحده
قال الشيخ الإمام مَجْدُ الإسلام، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، رحمه الله تعالى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين حمدَ الشاكرين، وصلَواتُه على محمدٍ سيد المرسلين، وعلى آله أجمعين؛ هذا كلامٌ وجيزٌ يطِّلِعُ به الناظرُ على أصول النحو جملة، وكلِّ ما به يكون النظمُ دفعةً، ويَنْظر منه في مرآةٍ تُريه الأشياءَ المتباعدةَ الأمكنةِ قد التقتْ له، حتى رآها في مكان واحد، ويرى بها مُشئماً قد ضُمَّ إلى مُعْرقِ، ومُغرِّباً قد أخذَ بيد مُشَرِّق، وقد دخلَتْ بأخِرَةٍ في كلامٍ، مَنْ أصغى إليه وتَدبَّره تدبُّرَ ذي دين وفتوة، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه، وبعَثَه على طلبِ ما دوَّنَّاه. واللهُ تعالى الموفِّق للصواب، والمُلْهِم لِمَا يؤدي إلى الرشاد، بمنِّه وفضْله.
قال رضي الله تعالى عنه:
معلوم أَنْ ليس النَّظْمُ سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجَعْلِ بعضها بسبب من بعض. والكَلِمُ ثلاثٌ: اسم، وفعل، وحرف. وللتعلق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام - تعلُّقُ اسم باسمٍ، وتعلق اسمٍ بفعل، وتعلق حرف بهما.
стр. 56
فالاسم يتعلق بالاسم: بأن يكون خبراً عنه أو حالاً منه، أو تابعاً له صفةً أو تأكيداً، أو عطفَ بيانٍ أو بدَلا، أو عطفاً بحرف. أو بأن يكون الأولُ مضافاً إلى الثاني، أو بأن يكون الأولُ يعَملُ في الثاني عملَ الفعل، ويكونَ الثاني في حكم الفاعل له أو المفعول، وذلك في اسم الفاعل، كقولنا: (زيدٌ ضارِبٌ أبوه عَمراً)، وكقوله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هاذه القرية الظالم أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١ - ٢]، واسم المفعول كقولنا: (زيدٌ مضروبٌ غِلْمانُه) وكقوله تعالى: ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾ [هود: ١٠٣] والصفة المشبهةِ كقولنا: (زيد حَسَنٌ وجْههُ، وكريمٌ أصلُه، وشديدٌ ساعدُه)، والمصدر كقولنا: (عجبتُ من ضَرْب زيدٍ عمراً) وكقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]، أو بأن يكونَ تمييزاً قد جَلاَه منتصِباً عن تمام الاسم. ومعنى تمامِ الاسمِ أن يكونَ فيه ما يَمنعُ من الإضافة، وذلك بأن يكون فيه "نون" تثنية كقولنا: (قفيزان بُرًّا). أو "نون" جمع كقولنا: (عشرون درهماً)، أو تنوينٌ، كقولنا: (راقودٌ خَلاَّ، وما في السماء قَدْرُ راحةٍ سحابا)، أو تقديرُ تنوين كقولنا: (خمسةَ عشرَ رجلا). أو يكونَ قد أُضيف إلى شيء فلا يمكن إضافتُه مرة أخرى، كقولنا: (لي ملؤُه عَسلاً). وكقوله تعالى: ﴿مِّلْءُ الأرض ذَهَباً﴾ [آل عمران: ٩١].
стр. 57
وأما تعلُّق الاسم بالفعل: فبأنْ يكونَ فاعلاً له أو مفعُولاً، فيكونَ مَصْدراً قد انتَصَب به، كقولك: (ضربتُ ضرْباً). ويقال له المفعول المطلق. أو مفعولاً به كقولك: (ضربتُ زيداً). أو ظرفاً مفعولاً فيه: زماناً أو مكاناً، كقولك: (خرجتُ يومَ الجمعة ووقفتُ أمامك)، أو مفعولاً معه كقولنا: (جاء البردُ والطيالسةَ، ولو تركتُ الناقةَ وفصيلَها لرَضعها). أو مفعولاً له كقولنا: (جئتُكَ إكراماً لك، وفعلتُ ذلك إرادةَ الخيرِ بك). وكقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ [النساء: ١١٤] أو بأن يكون مُنْزلاً من الفعل منزلةَ المفعول، وذلك في خبرِ كان وأخواتها، والحال، والتمييز المنتصِب عن تمام الكلام مثلُ: (طاب زيدٌ نَفْساً وحَسُنَ وجهاً وكَرُمَ أصلاً).
ومثلُه الاسمُ المنتصِبُ على الاستثناء كقولك: (جاءني القومُ إلا زيداً)، لأنه من قَبيل ما يَنتصِبُ عن تمام الكلام.
وأمَّا تعلُّقِ الحرفِ بهما فعلى ثلاثة أضرب.
أحدُها: أَن يتوسَّط بين الفعل والاسم، فيكونَ ذلك في حروف الجر التي من شأنها أن تُعَدِّيَ الأفعالَ إلى ما لا تتعدى إليه بأَنفُسها من الأسماء، مثلُ أَنك تقول (مررتُ): فلا يصل إلى نحو زيدٍ وعمرو. فإذا قلتَ: (مررتُ بزيدٍ أو على زيد)، وجدتَه قد وصل بـ (الباء) أو (على). وكذلك سبيلُ (الواو) الكائنةِ بمعنى "مع" في قولنا: (لو تُركَتِ الناقةُ وفصيلَها لرضعها)؛ بمنزلة حرف الجر في التوسط بين الفعلِ والاسم وإيصاله إليه، إلاَّ أن الفرق: أَنها لا تعمل بنفسها شيئاً، لكنها تُعين الفعلَ على عمله النَّصْب. وكذلك حُكْم "إلاَّ" في الاستثناء، فإنها عندَهم بمنزلة هذه "الواو" الكائنة بمعنى "مع" في التوسط، وعملُ النصب المستثنى للفعل ولكن بوساطتها وعونٍ منها.
والضرب الثاني من تعلق الحرف بما يتعلق به: العطفُ. وهو أن يَدخل الثاني في عمل العامل في الأول، كقولنا: (جاءني زيدٌ وعمرو، ورأيتُ زيداً وعمراً، ومررت بزيدٍ وعمرو).
стр. 58
والضرب الثالث: تعلُّقٌ بمجموع الجملة، كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط والجزاء، بما يدخل عليه. وذلك أنَّ مِن شأن هذه المعاني: أن تتناول ما تتناولُه بالتقييد، وبعد أن يُسنَد إلى شيء. معنى ذلك: أنك إذا قلت: (ما خرَج زيدٌ وما زيدٌ خارجٌ)، ولم يكن النفيُ الواقعُ بها متناوِلاً الخروج على الاطلاق، بل الخروجَ واقعاً من زيد ومُسنَداً إليه. ولا يغرَّنَّكَ قولُنا في نحو (لا رجل في الدار) أنها لنفي الجنس، فإن المعنى في ذلك أنها لنفي الكينونة في الدار عن الجنس. ولو كان يُتصَّور تعلُّقُ النفي بالاسم المفرد، لكان الذي قالوه في كلمة التوحيد مِنْ أنَّ التقدير فيها "لا إله لَنا، أو: في الوجود إلا الله" فضلاً من القول وتقديراً لما لا يُحتاج إليه، وكذلك الحُكْم أبداً. وإذا قلتَ: (هل خرجَ زيد؟) لم تكن قد استفهمتَ عن الخروج مطلقاً، ولكن عنه واقعاً مِن زيد. وإذا قلتَ: (إنْ يأتني زيد أُكْرمْه)، لم تكن جعلتَ الإتيانَ شرطاً بل الإتيانَ مِن زيد، وكذا لم تَجعل الإكرامَ على الإطلاق جزاءً للإتيان، بل الإكرام وَاقعاً منك. كيف، وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من المحال؟ وهو أن يكون هاهنا إتيانٌ من غير آتٍ وإكرامٌ من غير مُكْرَم. ثم يكون هذا شرطاً وذلك جزاء.
ومختصر كل الأمر: أنه لا يكون كلامٌ من جزء واحد، وأنه لا بدّ من مسند ومسند إليه، وكذلك السبيل في كل حرف رأيتَه يَدخلُ على جملة، كإنَّ وأخواتها، ألا ترى أنك إذا قلت "كأنَّ" يَقتضي مشبَّهاً به، كقولك: (كأنَّ زيداً الأسدُ). وكذلك إذا قلت "لو" و "لولا" وَجدْتَهما يقتضيان جملتين، تكون الثانية جواباً للأولى.
وجملة الأمر: أنه لا يكون كلامٌ من حرف وفعل أصلاً، ولا من حرف واسم إلا في النداء نحو: (يا عبدَ الله). وذلك أيضاً إذا حقَّقَ الأمرَ كان كلاماً بتقدير الفعل المضمر الذي هو: أعني، وأريد، وأدعو؛ و "يا" دليل عليه وعلى قيام معناه في النفس.
فهذه هي الطرُقُ والوجوه في تعلق الكَلِم بعضِها ببعض. وهي كما تراها معاني النحو وأحكامُه.
стр. 59
وكذلك السبيلُ في كل شيء كان له مدخلٌ في صحة تعلقِ الكلم بعضِها ببعض، لا ترى شيئاً من ذلك يعدو أن يكون حُكْماً من أحكام النحو ومعنًى من معانيه. ثم إنَّا نَرى هذه كلَّها موجودةً في كلام العرب، ونرى العلْمَ بها مشتركاً بينهم.
وإذا كان ذلك كذلك، فما جوابُنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأمورُ وهذه الوجوهُ من التعلُّق، التي هي محصولُ النظم، موجودةً على حقائقها، وعلى الصحة، وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها وكَملُو بمعرفتها، وكانت حقائقَ لا تتبدَّلُ ولا يختلف بها الحال، إذْ لا يكون للاسم بكونه خبراً لمبتدأ أو صفةً لموصوف، أو حالاً لذي حال، أو فاعلاً أو مفعولاً لفعل في كلام، حقيقةٌ هي خلاف حقيقته في كلام آخر، فما هذا الذي تجدَّد بالقرآن من عظيم المزيَّة، وباهر الفَضْل، والعجيب من الوصف، حتى أَعجزَ الخلقَ قاطبة، وحتى قهرَ من البلغاء والفصحاء القُوَى والقُدر، وقيَّد الخواطرَ والفِكَر، حتى خَرستِ الشقاشقُ، وعُدِمَ نطقُ الناطق، وحتى لم يَجر لسانٌ، ولم يُبنْ بيانٌ، ولم يساعِد إمكانٌ، ولم ينقدح لأحد منهم زَندٌ، ولم يمض له حدٌّ، وحتى أسالَ الوادي عليهم عجزاً، وأخذ منافذ القول عليهم أَخْذاً؛ أيلزمنا أن نُجيبَ هذا الخصمَ عن سؤاله، ونردَّه عن ضلاله، وأن نَطِبَّ لدائه، ونُزيل الفسادَ عن رائه؟ فإن كان ذلك يَلْزمُنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل، أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي التأملَ لِمَا أودعناه؛ فإنْ عَلِمَ أنه الطريق إلى البيان، والكشفُ عن الحُجَّة والبرهان، تبعَ الحق وأخذَ به، وإنْ رأى أنَّ له طريقاً غيرَه أوْمأَ لنا إليه، ودلَّنا عليه، وهيهاتَ ذلك، وهذه أبياتٌ في مثل ذلك [من البسيط]:
إنِّي أقولُ مقالاً، لستُ أُخفيهِ ... ولستُ أرهبُ خَصْماً إنْ بدا فيهِ
ما مِنْ سبيلٍ إلى إثباتِ مُعجزةٍ ... في النظم إلا بما أصبحتُ أُبديهِ
فما لِنظمِ كلامٍ أنت ناظمُهُ ... معنىً سوى حُكْمِ إعراب تُزجِّيهِ
إسمٌ يُرى، وهو أصَلّ للكلام فما ... يَتمُّ من دونه قَصْدٌ لِمٌنشيهِ
وآخرٌ هوَ يعطيكَ الزيادةَ في ... ما أنتَ تُثْبتُهُ، أو أنتَ تَنْفيهِ
стр. 60
تفسيرُ ذلك: أنَّ الأصلَ مبتدأٌ ... تَلْقى له خبراً مِنْ بَعدُ تُثنيهِ
هذان أصلانِ، لا تأتيك فائدة ... من منطقٍ لم يكونا من مَبانيهِ
وما يَزيدكُ من بَعْدِ التمام. فما ... سلَّطْتَ فِعلاً عليه في تعدِّيهِ
هذي قوانينُ، يُلْفي مَنْ تَتبَّعها ... ما يُشْبِهُ البحرَ فيضاً مِن نَواحيهِ
فلستَ تأتي إلى باب لِتَعْلمَهُ ... إلاَّ انصرفْتَ بعَجْزٍ عن تَقَصِّيهِ
هذا كذاك وإن كان الذينَ تَرى ... يَروْنَ أنَّ المدى دانٍ لباغيهِ
ثُمَّ الذي هو قصدي: أن يُقال لهمْ ... بما يُجيبُ الفتى خَصْماً يُمَاريهِ
يقولُ: من أينَ أنْ لا نَظْمَ يُشبهه؟ ... وليس من منطقٍ في ذاك يَحْكيه
وقد عَلِمْنَا بأنَّ النظم ليس سِوى ... حُكْم من النحو نَمضي في توخِّيهِ
لو نقَّبَ الأرضَ باغٍ غيرَ ذاك لهُ ... معنىً وصَعَّدَ يَعْلو في تَرقِّيهِ
ما عادَ إلا بخُسْرٍ في تَطلُّبِهِ ... ولا رأى غيرَ غيِّ في تَبغِّيهِ
ونحن ما إن بَثَثَنا الفكْرَ نَنظرُ في ... أَحكامه ونُروّي في معانيهِ
كانت حقائقَ يُلفى العلمُ مشترَكاً ... بها، وكلاَّ تَراهُ نافذاً فيهِ
فليس معرفةٌ مِنْ دون معرفةٍ ... في كل ما أنتَ من باب تُسمّيهِ
تَرى تَصرّفَهم في الكل مطَّرِداً ... يُجْرونه باقتدارِ في مَجاريهِ
فما الذي زاد في هذا الذي عَرَفوا ... حتى غدا العجزُ يَهْمي سيلُ واديهِ
قُولُوا وإلاَّ فأَصْغُوا لِلبَيان تَرَوْا ... كالصبح مُنْبلجاً في عينِ رائيهِ
стр. 61
فاتحة المصنف في مكانة العلم
الحمد لله رب العالمين، حمْدَ الشاكرين، نَحمدُه على عظيم نَعْمائه، وجميل بَلائه، ونستكفيه نوائبَ الزمان، ونوازلَ الحدَثان، ونَرغبُ إليه في التوفيق والعِصْمة، ونَبْرأ إليه من الحَوْل والقوَّة، ونسألهُ يقيناً يملأُ الصدرَ، ويَعْمر القلبَ، ويَستولي على النفس، حتى يكُفَّها إذا نزَعتْ وَيرُدَّها إذا تطلَّعتْ، وثقةً بأنه الوَزَرُ، والكالئ والرَّاعي والحافظ، وأنَّ الخير والشرَّ بيده، وأنَّ النِّعَم كلَّها من عنده، وأنْ لا سلطانَ لأحدٍ مع سلطانه؛ نُوجِّه رغباتِنا إليه، ونُخْلص نيَّاتِنا في التوكل عليه؛ وأن يجعلنا ممن هَمُّه الصدقُ، وبُغْيَتُه الحقُّ، وغرَضُه الصَّواب، وما تُصححه العقولُ وتَقْبله الألبابُ؛ ونعوذُ به من أنْ ندَّعيَ العلمَ بشيء لا نَعلمه، وأَنْ نُسَدِّيَ قولاً لا نُلْحمه، وأنْ نكون ممن يَغُرُّه الكاذبُ من الثناء، ويَنْخدعَ للمتجوِّز في الإطراء، وأن يكون سبيلُنا سبيلَ مَنْ يُعْجبه أن يُجادل بالباطل، ويُموِّه على السامع، ولا يبالي إذا راج عنه القولُ أن يكون قد خلَط فيه، ولم يسدَّه مع معانيه، ونَستأنفُ الرغبةَ إليه في الصلاة على خَيْر خَلْقه، والمصطفى مِن بَريَّته، محمد سيد المرسلين، وعلى أصحابه الخلفاء الراشدين، وعلى آلهِ الأخيار من بعدهم أجمعين.
стр. 62
وبعد. فإنَّا إذا تصفَّحْنا الفضائلَ لنَعرفَ منازلَها في الشَّرف، ونتبيَّنَ مواقعها مِن العِظَم، ونَعلم: أيٌّ أحقٌّ منها بالتقديم، وأسبقُ في استيجاب التعظيم، وجَدْنا العلمَ أولاها بذلك، أَولاها بذلك، وأوَّلُها هنالك؛ إذ لا شَرفَ إلاَّ وهو السبيل إليه، ولا خيرَ إلاَّ وهو الدليل عليه، ولا مَنْقَبةَ إلاَّ وهو ذُروتها وسَنامها، ولا مفخرةً إلاَّ وبه صحَّتُها وتمَامُها، ولا حسنةَ إلاَّ وهو مفتاحها، ولا مَحْمَدةَ إلاَّ ومنه يَتقدُ مصباحُها. هو الوفيُّ إذا خان كلُّ صاحب؛ والثقةُ إذا لم يُوثَق بناصح؛ لولاه لَما بان الإنسانُ من سائر الحيوان إلاَّ بتخطيط صورته، وهيأة جسمه وبُنيته؛ لا ولا وجَدَ إلى اكتساب الفضل طريقاً، ولا وجَد بشيء من المحاسن خليقاً؛ ذاك لأنَّا وإنْ كنَّا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إِلا بالفعل، وكان لا يكونُ فعْلٌ إلاَّ بالقدرة، فإنَّا لم نر فعلاً، زانَ فاعِلَه، وأوجبَ الفضلَ له، حتى يكونَ عن العلم صَدرُهُ، وحتى يتبيَّن مِيسمه عليه وأَثَره؛ ولم نر قدرةً قطُّ كَسبتْ صاحبها مَجْداً، وأفادتْه حَمْداً، دون أن يكون العلمُ رائدَها فيما تَطْلُب، وقائدَها حيث تَؤمُّ وتَذْهب، ويكُونَ المُصرِّفَ لعِنَانها، والمقلِّبَ لها في ميدانها، فهي إذن مفتقِرة في أن تكون فضيلةً إليه، وعيالٌ في استحقاق هذا الاسم عليه. وإذا هي خلت من العلم أو أبَتْ أن تمتثل أمْرَه، وتقتفي رسْمَه، آلتْ ولا شيءَ أحْشدُ للذم على صاحبها منها ولا شيءَ أَشْينُ من إعماله لها.
стр. 63
فهذا في فضل العلم، لا تَجد عاقلاً يُخالفك فيه، ولا ترى أحداً يدَفعُه أو ينفيه؛ فأمَّا المفاضلةُ بين بعضه وبعضٍ، وتقديمُ فنٍّ منه على فنّ، فإنَّك تَرى الناسَ فيه على آراءٍ مختلفة، وأهواء مُتعادية؛ تَرى كلاً منهم لِحُبِّه نفسَه وإيثاره أن يَدْفعَ النقصَ عنها، يُقدِّم ما يُحْسِن من أنواع العلم على ما لا يُحْسِن، ويحاول الزِّرايةَ على الذي لم يَحْظَ به، والطعنَ على أهله، والغَضَّ منهم. ثم تتفاوتُ أحوالهُم في ذلك؛ فمِن مغمورٍ قد استهلكه هواه، وبَعُدَ في الجَوْر مَداه، ومِنْ مُترجِّح فيه بين الإنصاف والظلم، يجور تارة ويَعْدل أخرى في الحُكْم؛ فأمَّا من يَخلُص في هذا المعنى من الحَيْف حتى لا يقضيَ إلاّ بالعدل، وحتى يَصْدُر في كل أمره عن العقل، فكالشيء الممتنع وجودُه؛ ولم يكن ذلك كذلك، إلاَّ لِشَرفِ العلم وجليل محلِّه، وأنَّ محبته مركوزةٌ في الطِّباع، ومُرَكَّبة في النفوس، وأن الغَيْرة عليه لازمةٌ للجِبِلَّة، وموضوعه في الفِطرة، وأنه لا عيب أعيْبُ عند الجميع من عَدَمه، ولا ضَعةَ أوْضعُ من الخلُوِّ عنه؛ فلم يُعادَ إذن إلا من فرط المحبة، ولم يُسمح به إلاَّ لشدة الضنِّ.
стр. 64
ثم إنك لا تَرى عِلْماً هو أرسَخُ أصلاً، وأَبْسَق فرعاً، وأحلى جَنىً، وأَعذبُ ورْداً، وأكرمُ نِتاجاً، وأنْورُ سراجاً، من عِلْم البَيان الذي لولاه لم تر لساناً يَحُوك الوشيَ، ويصَوغ الحَلْيَ، وَيلفِظ الدرَّ، وينفثُ السِّحرَ ويَقْري الشَّهْدَ ويُريكَ بدائعَ من الزهْر، ويُجْنيك الحلوَ اليانعَ من الثمر، والذي لولا تَحفِّيه بالعلوم، وعنايتهِ بها، وتصويره إياها، لبقيتْ كامنةً مستورة، ولمَا استبنْتَ لها يدَ الدهرِ صورةً ولاستمرَّ السِّرارُ بأهلَّتها، واستولى الخَفَاءُ على جملتها، إلى فوائد لا يُدركها الإحصاءُ، ومحاسنَ لا يَحْصرُها الاستقصاءُ؛ إلاَّ أنك لن ترى على ذلك نوعاً من العلم قد لقِيَ من الضَّيْم مالقيَه، ومُنيَ مِنَ الحَيْف بما مُنِيَ به، ودَخلَ على الناس من الغلَط في معناه ما دخَلَ عليهم فيه؛ فقد سبقتْ إلى نفوسهم اعتقاداتٌ فاسدة، وظنونٌ ردية، ورَكبهُم فيه جهلٌ عظيم، وخطأٌ فاحش: تَرى كثيراً منهم لا يَرى له معنىً أكثرَ مما يرَى للإشارة بالرأس والعين، وما يَجدُه لِلخط والعَقْد يقول: إنما هو خبر واستخبار، وأمْر ونهيٌ، ولكلِّ من ذلك لفظٌ قد وُضع له، وجُعل دليلاً عليه؛ فكلُّ من عَرفَ أوضاعَ لغةٍ من اللغات، عربيةً كانت أو فارسية، وعرَفَ المغزى من كل لفظة، ثم ساعدَه اللسانُ على النطق بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بَيِّنٌ في تلك اللغة، كاملُ الأداة، بالغٌ من البيان المبلغَ الذي لا مزيد عليه، مُنْتهٍ إلى الغاية التي لا مذهبَ بعدها، يَسمع الفصاحة والبلاغة والبراعة فلا يَعرف لها معنىً سوى الإطناب في القول، وأنْ يكون المتكلمُ في ذلك جهيرَ الصوت، جاريَ اللسان، لا تَعترضه لُكْنه، ولا تقف به حُبْسة وأن يَستعمل اللفظَ الغريب والكلمة الوحشية؛ فإن استظهر للأَمر، وبالغ في النظر، فأَنْ لا يُلْحِنَ فيرفع في موضع النصب، أو يُخطئَ فيَجيء باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي، وعلى خلاف ما ثَبتتْ به الروايةُ عن العرب.
стр. 65
وجملة الأمر: أنه لا يَرى النقصَ يَدْخلُ على صاحبه في ذلك، إلا من جهة نقصه في علم اللغة، لا يعلم أنَّ هاهنا دقائقَ وأسراراً، طريقُ العلم بها الرويَّةُ والفِكْر، ولطائفَ مستقاها العقل، وخصائصَ مَعانٍ ينفرد بها قومٌ قد هُدُوا إليها، ودُلُّوا عليها، وكُشِفَ لهم عنها ورُفعت الحُجُب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عُرضت المزيةُ في الكلام، ووَجبَ أن يَفْضُلَ بعضُه بعضاً، وأن يَبعُدَ الشأوُ في ذلك، وتمتدَّ الغاية، ويعلُوَ المرتَقى ويَعزَّ المطلبُ، حتى ينتهيَ الأمر إلى الإعجاز وإلى أن يَخْرجَ من طوق البشر.
ولمَّا لم تعرفْ هذه الطائفةُ هذه الدقائقَ وهذه الخواصَّ واللطائفَ، لم تَتعرضْ لها ولم تَطلبها. ثم عَنَّ لها بسوء الاتفاقِ رأيٌ صار حجازاً بينها وبين العلم بها، وسَدّاً دون أن تصل إليها؛ وهو أَنْ ساء اعتقادُها في الشعر الذي هو مَعْدنها، وعليه المعوَّلُ فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي يَنْميها إلى أصولها، ويُبَيِّنُ فاضلَها من مفضولها، فجعَلتْ تُظهر الزهدَ في كل واحد من النوعين، وتَطْرحُ من الصنفين، وترى التشاغلَ عنهما، أولى من الاشتغال بهما، والإعراضَ عن تدبرهما، أصوبَ من الإقبال على تعلمهما.
أما الشعرُ فخيل إليها أنه ليس فيه كثيرُ طائل! وأنْ ليس إلا مُلْحةً أو فكاهة أو بكاءَ منزلٍ، أو وصْفَ طلَلٍ، أو نعْتَ ناقةٍ أو جَمل، أو إسرافَ قول في مدح أو هجاء، وأنه ليس بشيء تَمسُّ الحاجةُ إليه في صلاح دين أو دنيا.
وأما النحو فَظَّنتْه ضرْباً من التكلف، وباباً من التعسف، وشيئاً لا يَستند إلى أصل، ولا يُعتَمَد فيه على عقل، وأنَّ ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب، وما يتصل بذلك مما تجده في المبادئ، فهو فضل لا يُجْدي نفعاً، ولا تَحصل منه على فائدة، وضربوا له المثَل بالملح كما عرفت - إلى أشباهٍ لهذه الظنون في القَبِيلَيْن، وآراءٍ لو علموا مَغبَّتَها وما تقود إليه، لتعوَّذوا بالله منها، ولأَنَفِوا لأنفسهم من الرِّضا بها؛ ذاك لأنهم بإيثارهم الجهلَ بذلك على العلم: في معنى الصادِّ عن سبيل الله، والمُبتغي إطفاءَ نور الله تعالى.
стр. 66
وذاك: أنَّا إذا كنَّا نَعلم أن الجهة التي منها قامت الحجةُ بالقرآن وظهرتْ، وبانت وبَهرت، هي أنْ كان على حَدٍّ من الفصاحة تقصرُ عنه قوى البشر، ومُنْتهياً إلى غاية الا يُطمَح إليها بالفكر، وكان محالاً أن يَعرف كونَه كذلك إلا مَنْ عَرفَ الشعرَ الذي هو ديوانُ العرب، وعنوانُ الأدب، والذي لا يُشك أنه كان ميدان القوم إذا تجارَوْا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قَصَبَ الرهان، ثم بَحث عن العلل التي بها كان التباينُ في الفَضْل، وزادَ بعضُ الشعر على بعض؛ كان الصادُّ عن ذلك صادَّاً عن أَن تُعرَف حجةُ الله تعالى. وكان مَثلُه مَثلَ من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به، ويتلوه ويقرأوه، ويصنع في الجملة صنيعاً يؤدِّي إلى أَنْ يَقلَّ حفَّاظُه، والقائمون به والمقرئون له؛ ذاك لأنَّا لم نتعبَّدْ بتلاوته وحِفْظه، والقيام بأَداء لفظه، على النحو الذي أُنزل عليه، وحراسته من أن يُغَيَّر ويُبدَّل، إلاَّ لتكونَ الحِجةُ به قائمةً على وجه الدهر، تُعرَف في كل زمان، ويتوصَّلُ إليها في كل أَوان، ويكونُ سبيلُها سبيل سائر العلوم التي يَرويها الخلَفُ عن السلف، ويأَثُرُها الثاني عن الأول؛ فمَنْ حال بيننا وبين ما له كان حفْظُنا إياه، واجتهادُنا في أن نؤدِّيَه ونَرعاه؛ كان كمن رام أن يُنْسيناه جملةً، ويُذْهبه من قلوبنا دَفعةً. فسواءٌ مَنْ منَعكَ الشيءَ الذي يُنْتَزعُ منه الشاهدُ والدليل، ومَنْ منعَكَ السبيلَ إلى انتزاع تلك الدلالة، والاطلاع على تلك الشهادة؛ ولا فرق بين من أعدمك الدواءَ الذي تَسْشفي به من دائَك، وتَسْتبقي به حشاشةَ نَفْسك، وبين من أعدمك العلْمَ بأنَّ فيه شفاءً؛ وأنَّ لك فيه استبقاءً.
стр. 67
فإن قال منهم قائلٌ: إنك قد أغْفلتَ فيما رتَّبْت، فإنَّ لنا طريقاً إلى إعجاز القرآن غيرَ ما قلتَ، وهو عِلْمُنا بعَجْز العرب عن أن يأتوا بمثله، وتَرْكِهم أن يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم، وطولِ التقريع لهم بالعجز عنه؛ ولأن الأمر كذلك، ما قامت به الحجةُ على العجم قيامَها على العرب واستوى الناسُ قاطبة، فلم يَخْرج الجاهلُ بلسان العرب من أن يكون محجوجا بالقرآن؛ قيل له: خبِّرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا ﵇، بأنْ كانت معجزتُه باقيةً على وجه الدهر، أتعرفُ له معنى: غير أنْ لا يزال البرهانُ منه لائحاً، مُعرَّضاً لكل من أراد العلم به، وطلبَ الوصولَ إليه، والحجةُ فيه وبه ظاهرةً لمن أرادها، والعلمُ بها ممكناً لمن التمسه؟
فإذا كنتَ لا تشك في أَنْ لا معنى لبقاء المُعجزة بالقرآن إلاَّ أنَّ الوصف الذي له كان معجزاً قائمٌ فيه أبداً، وأنَّ الطريقَ إلى العلم به موجودٌ، والوصولَ إليه ممكن، فانظر أيَّ رجلٍ تكون إذا أنت زهدْتَ في أن تعرفَ حجة الله تعالى وآثرتَ فيه الجهل على العلم، وعدم الاستبانة على وجودها. وكان التقليد فيها أحبَّ إليك، والتعويل على علم غيرك آثرَ لديك؛ ونحِّ الهوى عنك، وراجعْ عقلك، واصدُقْ نفسك، يَبِنْ لك فُحشُ الغلط فيما رأيتَ، وقبْحُ الخطأ في الذي توهَّمتَ، وهل رأيتَ رأياً أعجز، واختياراً أقبح: من كَرِهَ أَن تُعرفَ حجةُ الله تعالى من الجهة التي إذا عُرفتْ كانت أنْورَ وأبهر، وأقوى وأقهر، وآثرَ أَنْ لا يقوى سلطانُها على الشرك كلَّ القوّة، ولا تَعْلو على الكفر كلَّ العلو؟ والله المستعان.
стр. 68
فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه
في الكلام على من زَهِد في رواية الشعر وحفظه، وذمَّ الاشتغال بعلمه وتتبعه
لا يخلو مَن كان هذا رأيَهُ من أمور:
أحدها أنْ يكون رفضُه له وذَمُّه إياه، من أجل ما يَجده فيه من هَزْلٍ أو سُخْف، وهجاءٍ وسَبٍّ وكَذِبٍ وباطلٍ على الجملة.
والثاني: أنَ يذمَّه لأنه موزون مُقفَّى. ويرى هذا بمجرده، عيباً يقتضي الزهدَ فيه والتنزه عنه.
والثالث أن يتعلق بأحوال الشعراء، وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول: قد ذُمُّوا في التنزيل.
وأيٌّ كان من هذا رأياً له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر، وغَلَط فاحش، وعلى خلاف ما يُوجِبه القياسُ والنظر، وبالضدِّ مما جاء به الأَثرُ، وصَحَّ به الخبر.
أما من زعم أنَّ ذمَّه له من أجْل ما يَجدُ فيه من هزل وسُخف وكذب وباطل، فينبغي أن يذمَّ الكلامَ كلَّه، وأن يُفَضِّل الخرَسَ على النطق، والعيَّ على البيان فمنثور كلام الناس على كل حال، أكثر من منظومه. والذي زعمَ أنه ذمَّ الشعرَ بسببه، وعاداه بنسبته إليه، أكثرَ، لأن الشعراء في كل عصر وزمانٍ، معدودون، والعامَّة ومَنْ لا يقول الشعرَ من الخاصة عديدُ الرمل؛ ونحن نَعْلم أنْ لو كان منثورُ الكلام يُجْمَع المنظومُ، ثم عمدَ عامدٌ فجمعَ ما قيل من جنْس الهَزْل والسخف نثراً في عصرٍ واحد، لأَرْبى على جميع ما قاله الشعراءُ نَظْماً في الأزمان الكثيرة، ولغَمره حتى لا يظهر فيه. ثم إنك لو لم تَرْو من هذا الضرب شيئاً قطُّ، ولم تَحْفَظْ إلاَّ الجِدَّ المحضَ، وإلاَّ ما لا مَعابَ عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نَسْخه وتدوينه، لَكانَ في ذلك غِنًى ومندوحةٌ؛ ولوَجدْتَ طِلْبتَك ونِلْتَ مُرادك، وحصَل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة، فاخترْ لنفسكَ ودَعْ ما تَكْره إلى ما تُحب.
هذا وراوي الشعر حاكٍ، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تَبعةٌ، إذا هو لم يقصد بحكايته أن يَنْصر باطلاً، أو يَسُوء مسْلِماً. وقد حكى اللهُ تعالى كلامَ الكفار؛ فانظر إلى الغرض الذي له رُويَ الشعرُ، ومِن أَجْلهِ أُريد، وله دُوِّن، تَعلمْ أنك قد زُغْت عن المنهج، وأنك مُسيءٌ في هذه العَداوة. وهي العصبية منك على الشعر. وقد استشهد العلماءُ لغريب القرآن وإعرابه، بالأبيات فيها الفحشُ وفيها ذكْرُ الفعل القبيح، ثم لم يَعِبْهم ذلك إذ كانوا لم يَقصدوا إلى ذلك الفحش، ولم يُريدوه ولم يَرْوُوا الشعرَ من أجله.
قالوا: وكان الحسن البصري ﵀، يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان من أوجعها عنده [من الكامل]:
اليومَ عندك دَلُّها وحديثُها ... وغداً لِغيرك كَفُّها والمِعْصمُ
стр. 69
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ ذكره المرزباني في كتابه، بإسناد عن عبد الملك بن عمير - أنه قال: "أُتي عمرُ، رضوانُ الله عليه، بحُلَلٍ من اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمَّدون بالباب يطلبون الكُسْوة. فقال: ائْذِنْ لهم يا غلام! فدَعا بحُللٍ، فأخذ زيدٌ أجودَها، هذه لمحمد بن حاطب، وكانت أمه عنده، وهو من بني لؤي؛ فقال عمر ﵁: أيهات أيهات وتمثل بشعر عمارة بن الوليد [من الطويل]:
أَسرَّكِ لما صُرِّع القومُ نشوةً ... خروجيَ منها سالماً غير غارم
بريئاً كأني قبلُ لم أكُ منهمُ ... وليس الخداعُ مرتضىً في التنادم
رُدَّها. ثم قال: ائْتني بثوبٍ، فألقِهِ على هذه الحُلل. وقال: أدخلْ يدَكَ فخُذْ حُلَّة، وأنتَ لا تراها فأَعْطِهمْ. قال عبد الملك: "فلم أر قسمةً أعدلَ منها".
وعُمارة هذا: هو عمارةُ بن الوليد بن المغيرة، خطبَ امرأةً من قومه، فقالت: لا أتزوجُك أو تترك الشرابَ، فأبى، ثم اشتد وَجْدُه بها، فحلَفَ لها أنْ لا يشَرْبَ؛ ثم مرَّ بخمَّارٍ عنده شَرْبٌ يشربون، فدعَوْه فدخَلَ عليهم، وقد أنْفَدوا ما عندهم، فنَحَر لهم ناقتَه، وسَقاهم بِبُرْدَيْه، ومكَثوا أَياماً، ثم خرجَ، فأتى أَهْلَه، فلمَّا رأتْه امرأتُه قالت: أَلم تَحْلِفْ أَنْ لا تَشْرب؟ فقال:
ولسنا بشَرْب أمَّ عمرو إذا انْتَشَوْا ... ثيابُ الندامى عِنْدَهُمْ كالغنائم
ولكننا يا أمَّ عمروٍ نَديمُنا ... بمنزلةٍ الريَّانِ ليس بعائم
أَسَّرك - البيتين.
فإذنْ: رُبَّ هَزْلٍ صار أَداةً في جِدّ، وكلام جَرى في باطل، ثم استُعينَ به على حَقّ؛ كما أنه رُبَّ شيءٍ خَسيس، تُوصِّلَ به إلى شريف، بأنْ ضُرِبَ مَثلاً فيه، وجُعل مثالاً له: كما قال أبو تمام [من الكامل]:
واللهُ قد ضَربَ الأَقلَّ لنورِه ... مَثَلاً من المِشْكاة والنبراسِ
стр. 70
وعلى العكس: فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي رضوانُ الله عليه. ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائله، حين تَسبَّبَ به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظُ قال: رجعَ طاووس يوماً عن مجلس محمد بن يوسف - وهو يومئذ والي اليمن - فقال: ما ظَننتُ أنَّ قولَ "سبحانَ الله" يكونُ معصيةً لله حتى كان اليومُ؛ سمعتُ رجلاً أَبلغَ ابنَ يوسف عن رجلٍ كلاماً، فقال رجلٌ من أهل المجلس: سبحانَ الله! كالمستعظمِ لذلك الكلام، ليُغضِبَ ابنَ يوسف.
فبهذا ونحوه فاعتبرْ، واجْعلْهُ حُكْماً بينك وبين الشعر.
(وبعد) فكيف وَضعَ من الشعر عندك، وكسبَهُ المقتَ منك: أنَّك وجدتَ فيه الباطلَ والكذب، وبعضَ ما لا يَحْسنُ، ولم يرفعه في نفسك ولم يُوجِب له المحبة من قلبك: أنْ كان فيه الحقُّ والصدقُ والحكمةُ وفصْلُ الخطاب؟ وأنْ كان مَجْنى ثمرِ العقول والألباب، ومجتمَعَ فِرَقِ الآداب، والذي قيَّد على الناس المعاني الشريفةَ، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسَّل بين الماضي والغابر، يَنقل مكارمَ الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدِّي ودائعَ الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى تَرى به آثارَ الماضين، مخلَّدةً في الباقين، وعقول الأَوَّلين، مردودةً في الآخرين، وتَرى لكل مَن رام الأدبَ وابتغى الشرفَ، وطلبَ محاسنَ القولِ والفعل، مناراً مرفوعاً، وعِلْماً منصوباً، وهادياً مُرْشداً، ومُعلماً مسدِّداً، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في اكتساب المَحامد، داعياً ومُحرِّضاً، وباعثاً ومُخصِّصاً، ومذكِّراً ومعرِّفاً، وواعظاً ومثقَّفاً؟ فلو كنتَ ممن يُنْصِف كان في بعض ذلك ما يُغيِّرُ هذا الرأيَ منك، وما يَحْدوكَ على رواية الشعر وطَلََبه، ويَمنعُكَ أن تَعيبَه أو تَعيبَ به. ولكنك أَبَيْتَ إلاَّ ظناً سبَقَ إليك، وإلا بادىءَ رأي عُنَّ لك، فأقفلْتَ عليه قلْبَكَ، وسدَدْتَ عما سواه سَمْعَك، فَعيَّ الناصحُ بك، وعَسُرَ على الصديق الخليطِ تَنْبيهُك.
стр. 71
نعم، وكَيف رَويْتَ "لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحاً فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْراً" ولهجتَ به، وترِكتَ قولَه ﷺ : "إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً، وإنَّ مِن البيان لَسِحْرا"، وكيف نَسِيتَ أَمرَه ﷺ بقول الشعر، ووَعْدَه عليه الجنَّةَ؟ وقوله لحسَّان: "قُلْ وروحُ القُدُس معك" وسماعَه له، واستنشادَهُ إياه، وعِلْمهُ ﷺ به، واستحسانَه له، وارتياحَه عند سماعه؟
أما أَمرُهُ به فمن المعلوم ضرورةً، وكذلك سَماعُه إياه؛ فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويَسْمعُ منهم، ويُصغي إليهم، ويأمرهم بالردِّ على المشركين، فيقولون في ذلك ويَعْرِضون عليه؛ وكان ﵇ يَذكرُ لهم بعضَ ذلك، كالذي رُوي من أنه ﷺ قال لكعب: "ما نَسِيَ ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيّاً، شعراً قلْتَه". قال وما هو يا رسول الله؟ قال: "أَنْشِدْه يا أبا بكر"، فأنشدَ أبو بكر رضوانُ الله عليه [من الكامل]:
زعَمتْ سَخينةُ أنْ سَتَغلِبُ رَبَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ
(وأما) استنشاده إياه فكثير. من ذلك: الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسقى، قولَ أبي طالب [من الطويل]:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغمامَ بوجههِ ... ثِمَالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
يُطِيفُ به الهُلاَّكُ مِن آل هاشمٍ ... فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ
الأبيات. وعن الشعبي ﵁، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "لمَّا نظرَ رسولُ الله ﷺ ، إلى القَتْلى يومَ بَدْر مصرَّعين، قال ﷺ ، لأَبي بَكْر ﵁: "لو أَنَّ طالبٍ حَيٌّ لَعِلمَ أنَّ أَسْيافَنا قد أخذتْ بالأنامل". قال: وذلك لِقولِ أبي طالب [من الطويل]:
كَذَبتُمْ، وبيتِ الله إِنْ جَدَّ ما أَرى ... لَتَلتبسَنْ أَسيافُنا بالأنامل
ويَنهضُ قومٌ في الدروعِ إِليهمُ ... نُهوضَ الرَّوايا في طريق حُلاحِل
стр. 72
ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاريّ: جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ، الطريقُ. قال: فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ: قال، فقال محمد: كنَّا يوماً عند النبيّ ﷺ ، فقال لحسَّان بن ثابت: "أَنْشِدْني قصيدةً من شعر الجاهلية، فإِنَّ الله تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرها وروايته"! فأنْشدَه قصيدةً للأعشى، هجا بها علقمةَ بْنَ عُلاثَة [من السريع]:
عَلْقَمَ، ما أنتَ إلى عامر ... الناقضِ الأوتارَ والواترِ
فقال النبيُّ ﷺ : "يا حسان لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعد مجلسك هذا"! فقال: يا رسول الله تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيم عند قيصر؟ فقال النبيُّ ﷺ : "يا حسان أَشْكَرُ الناسِ للناسِ، أَشكَرُهم للهِ تعالى وإن قيصر سأل أبا سفيانَ بن حرب عنّي، فتناول مني. - وفي خبر آخر فشَعَثَ منّي - وأنه سأل هذا عني فأَحْسَنَ القولَ"؛ فشَكرَهُ رسولُ الله ﷺ ، على ذلك. ورُويَ مِنْ وجهٍ آخر: أَنَّ حسان قال: يا رسول الله! من نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه. ومِن المعروف في ذلك خَبرُ عائشة، رضوانُ الله عليها، أَنَّها قالت: كان رسولُ الله ﷺ ، كثيراً ما يقول: "أبياتَك" فأقول [من الكامل]:
إِرفعْ ضعيفك لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ ... يوماً، فتُدرِكَه العواقبُ قد نَمى
يَجْزيك أو يُثْني عليكَ، وإنَّ مَنْ ... أثّنى عليكَ بما فَعلْتَ، فقد جَزى
قالت، فيقول ﵇: "يقول الله ﵎، لعَبْدٍ من عبيده: صنَعَ إليك عَبْدي معروفاً، فهل شَكرْتَه عليه؟ فيقول: يا ربِّ عَلمتُ أنه منكَ فشكرتُكَ عليه. قال: فيقول الله : لَمْ تَشْكرْني إذْ لم تَشكرْ من أَجْرَيْتُه على يَدهِ".
وأمَّا عِلْمُه، ﵇، بالشعر، فكَما رُويَ أن سَوْدة أَنشدتْ:
عديٌّ وتيمٌ تبتغي مَن تحالف
стр. 73
فظنَّتْ عائشةُ وحَفْصةُ ﵄، أنها عرَّضَتْ بهما. وجَرى بينهنَّ كلامٌ في هذا المعنى، فأُخبرَ النبيُّ ﷺ ، فدخلَ عليهنَّ وقال: "يا وَيْلَكنَّ! ليس في عَدِيِّكنَّ ولا َتَيْمِكنَّ قيلَ هذا. وإنَّما قيل هذا في عديِّ تميم وتَيْمِ وتَميم"! وتمامُ هذا الشعر [من الطويل]:
فحالِفْ ولا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعةَ ... من الأرض إلاَّ أَنتَ للِذلِّ عارِفُ
ألاَ منْ رأى العَبْدًَين أوْ ذُكِرا لهُ ... عدَيٌّ وتَيمٌ تَبْتَغي مَنْ تُحالِفُ
وروَى الزبيرُ بن بكار قال: "مرَّ رسولُ الله ﷺ ، ومعه أبو بكر ﵁، برجلٍ يقول في بعضِ أزقَّة مكة [من الكامل]:
يا أيها الرجلُ المُحوِّلُ رَحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبد الدارِ؟
فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكر هكذا قال الشاعر؟ قال: لا يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ * هلاَّ سألْتَ عن آلِ عَبْد منافِ؟
فقال رسول الله ﷺ : "هكذا كُنَّا نَسْمعها".
وأمَّا ارتياحُه ﷺ ، للشعر واستحسانُه له، فقد جاء فيه الخبرُ من وجوهٍ، من ذلك: حديثُ النابغة الجَعْديِّ قال: أَنشدتُ رسولَ الله ﷺ ، قولي [من الطويل]:
بلَغْنا السماءَ مَجْدُنَا وجدودُنا ... وإنَّا لنَرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فقال النبيُّ ﷺ : "أَينَ المظهرُ يا أبا ليلى؟ "، فقلتُ: الجنةُ، يا رسولَ الله! قال: "أَجَلْ إن شاء الله". ثم قال: "أَنْشِدْني"! فأنْشَدْتُه من قولي:
ولا خيرَ في حِلْم إذا لم تَكنْ له * بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهلٍ إذا لم يَكنْ له * حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا
فقال ﷺ : "أَجَدْتَ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"! قال الراوي: فنظَرتُ إليه فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ، ما سقطت له سن ولا انفلَّتْ تَرِفُّ غَروبُه.
стр. 74
ومِنْ ذلك حديثُ كعب بن زهير: رُويَ أنَّ كعباً وأخاه بُجيراً خرجا إلى رسول الله ﷺ ، حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف، فقال كعب لبجير: إلْقَ هذا الرجلَ، وأنا مقيمٌ هاهنا، فانظرْ ما يقول! وقَدم بجير على رسول الله ﷺ ، فعرَضَ عليه الإسلامَ، فأَسْلمَ وبلغ ذلك كعباً، فقالَ في ذلك شعراً، فأهْدَر النبيُّ ﷺ دمه، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي ﷺ ويقول: إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمداً رسولُ الله، قَبِلَ منه رسول الله ﷺ ، وأسْقَطَ ما كان قَبْل ذلك. فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ ﷺ قصيدته المعروفة:
بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مغلولُ
وما سُعادُ غَداةَ البينِ إذْ رحَلَتْ ... إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطرف مَكْحولُ
تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ ... كأنَّه مُنْهلٌ بالراح مغلولُ
سحَّ السقاةُ عليها ماءَ مَحْنيةٍ ... من ماءِ أبطحَ أضحى وهو مَشْمولُ
أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنها صدقَتْ ... موعودَها أوْ لَوَانَّ النضحَ مقبولُ
حتى أتى على آخِرِها فلمَّا بلغَ مديحَ رسول الله ﷺ :
إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستَضاءُ به ... مهنَّدٌ مِن سيوف اللهِ مَسْلولُ
في فتيةٍ مِنْ قُريشِ قال قائلُهم ... بِبَطْنِ مكَّةَ لمَّا، أسْلموا: زُولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كُشفٌ ... عند اللقاء ولا مِيلٌ مَعازيلُ
لا يَقَعُ الطعنُ إلاَّ في نُحورِهمُ ... وما بِهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهليلُ
شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... من نَسْجِ داودَ في الهَيجا سَرابِيلُ
أشارَ رسولُ الله ﷺ ، إلى الخَلْق أَنِ اسْمعوا! قال: وكان رسولُ الله ﷺ ، يكون من أصحابه مكانَ المائدة من القوم، يتحلقون حلْقةً دون حلقةٍ، فيلتفِتُ إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.
والأخبارُ فيما يُشبه هذا كثيرةٌ، والأثَرُ به مُسْتَفيض.
стр. 75
وإنْ زَعمَ أنه ذَمَّ الشعرَ من حيث هو موزونٌ مقفَّى، حتى كان الوزنُ عيباً، وحتى كان الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ، اتَّضَعَ في نفسه وتَغيَّرتْ حالُه، فقد أبعد وقال قولاً لا يُعرفُ له مَعنى، وخالف العلماءَ في قولهم: "إنما الشعرُ كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيح"، وقد رُوي ذلك عن النبيِّ ﷺ مرفوعاً.
فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ لأنه سبَبٌ لأَنْ يُغنَّى في الشعر ويُتَلهَّى به، فإنَّا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل، والقولِ الفَصْل، والمنطق الحسَن، والكلام البيِّن، وإلى حُسْنِ التمثيل والاستعارة، وإلى التلويح والإشارة، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المعنى الخسيس فتُشَرِّفُه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه، وإلى المشكل فتُحْليه، فلا مُتَعلَّقَ له علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، ولْيَضَعْه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مُرادُنا من هذا الذي راجَعْنا القولَ فيه.
وهذا هو الجواب لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وأراد أن يَجْعله حُجةً في المنع مِن الشعر ومِنْ حِفْظه وروايته؛ وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه ﷺ ، لم يَمْنع الشعرَ من أجل أنْ كان قولاً فصلاً، وكلاماً جَزْلا، ومنطقاً حَسناً، وبَياناً بيِّناً؛ كيفَ وذلك يقتضي أن يكون اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشعراء في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللفظ؟ وهذا جهلٌ عظيم، وخِلافٌ لما عَرفهُ العلماءُ، وأَجمعوا عليه من أنه ﷺ ، كان أفصحَ العَرب؛ وإذا بطَلَ أن يكون المَنْعُ، من أجل هذه المعاني، وكنَّا قد أعلمناه أنَّا نَدْعو إلى الشعر من أجلها، ونَحْذُو بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية مُحالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالاً.
следующие страницы →