← Баляга

Баляга · id 22664

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (435 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

نعم، وكَيف رَويْتَ "لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحاً فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْراً" ولهجتَ به، وترِكتَ قولَه ﷺ : "إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً، وإنَّ مِن البيان لَسِحْرا"، وكيف نَسِيتَ أَمرَه ﷺ بقول الشعر، ووَعْدَه عليه الجنَّةَ؟ وقوله لحسَّان: "قُلْ وروحُ القُدُس معك" وسماعَه له، واستنشادَهُ إياه، وعِلْمهُ ﷺ به، واستحسانَه له، وارتياحَه عند سماعه؟ أما أَمرُهُ به فمن المعلوم ضرورةً، وكذلك سَماعُه إياه؛ فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويَسْمعُ منهم، ويُصغي إليهم، ويأمرهم بالردِّ على المشركين، فيقولون في ذلك ويَعْرِضون عليه؛ وكان ﵇ يَذكرُ لهم بعضَ ذلك، كالذي رُوي من أنه ﷺ قال لكعب: "ما نَسِيَ ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيّاً، شعراً قلْتَه". قال وما هو يا رسول الله؟ قال: "أَنْشِدْه يا أبا بكر"، فأنشدَ أبو بكر رضوانُ الله عليه [من الكامل]: زعَمتْ سَخينةُ أنْ سَتَغلِبُ رَبَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ (وأما) استنشاده إياه فكثير. من ذلك: الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسقى، قولَ أبي طالب [من الطويل]: وأبيضَ يُسْتَسْقى الغمامَ بوجههِ ... ثِمَالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ يُطِيفُ به الهُلاَّكُ مِن آل هاشمٍ ... فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ الأبيات. وعن الشعبي ﵁، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "لمَّا نظرَ رسولُ الله ﷺ ، إلى القَتْلى يومَ بَدْر مصرَّعين، قال ﷺ ، لأَبي بَكْر ﵁: "لو أَنَّ طالبٍ حَيٌّ لَعِلمَ أنَّ أَسْيافَنا قد أخذتْ بالأنامل". قال: وذلك لِقولِ أبي طالب [من الطويل]: كَذَبتُمْ، وبيتِ الله إِنْ جَدَّ ما أَرى ... لَتَلتبسَنْ أَسيافُنا بالأنامل ويَنهضُ قومٌ في الدروعِ إِليهمُ ... نُهوضَ الرَّوايا في طريق حُلاحِل

стр. 72

ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاريّ: جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ، الطريقُ. قال: فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ: قال، فقال محمد: كنَّا يوماً عند النبيّ ﷺ ، فقال لحسَّان بن ثابت: "أَنْشِدْني قصيدةً من شعر الجاهلية، فإِنَّ الله تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرها وروايته"! فأنْشدَه قصيدةً للأعشى، هجا بها علقمةَ بْنَ عُلاثَة [من السريع]: عَلْقَمَ، ما أنتَ إلى عامر ... الناقضِ الأوتارَ والواترِ فقال النبيُّ ﷺ : "يا حسان لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعد مجلسك هذا"! فقال: يا رسول الله تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيم عند قيصر؟ فقال النبيُّ ﷺ : "يا حسان أَشْكَرُ الناسِ للناسِ، أَشكَرُهم للهِ تعالى وإن قيصر سأل أبا سفيانَ بن حرب عنّي، فتناول مني. - وفي خبر آخر فشَعَثَ منّي - وأنه سأل هذا عني فأَحْسَنَ القولَ"؛ فشَكرَهُ رسولُ الله ﷺ ، على ذلك. ورُويَ مِنْ وجهٍ آخر: أَنَّ حسان قال: يا رسول الله! من نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه. ومِن المعروف في ذلك خَبرُ عائشة، رضوانُ الله عليها، أَنَّها قالت: كان رسولُ الله ﷺ ، كثيراً ما يقول: "أبياتَك" فأقول [من الكامل]: إِرفعْ ضعيفك لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ ... يوماً، فتُدرِكَه العواقبُ قد نَمى يَجْزيك أو يُثْني عليكَ، وإنَّ مَنْ ... أثّنى عليكَ بما فَعلْتَ، فقد جَزى قالت، فيقول ﵇: "يقول الله ﵎، لعَبْدٍ من عبيده: صنَعَ إليك عَبْدي معروفاً، فهل شَكرْتَه عليه؟ فيقول: يا ربِّ عَلمتُ أنه منكَ فشكرتُكَ عليه. قال: فيقول الله : لَمْ تَشْكرْني إذْ لم تَشكرْ من أَجْرَيْتُه على يَدهِ". وأمَّا عِلْمُه، ﵇، بالشعر، فكَما رُويَ أن سَوْدة أَنشدتْ: عديٌّ وتيمٌ تبتغي مَن تحالف

стр. 73

فظنَّتْ عائشةُ وحَفْصةُ ﵄، أنها عرَّضَتْ بهما. وجَرى بينهنَّ كلامٌ في هذا المعنى، فأُخبرَ النبيُّ ﷺ ، فدخلَ عليهنَّ وقال: "يا وَيْلَكنَّ! ليس في عَدِيِّكنَّ ولا َتَيْمِكنَّ قيلَ هذا. وإنَّما قيل هذا في عديِّ تميم وتَيْمِ وتَميم"! وتمامُ هذا الشعر [من الطويل]: فحالِفْ ولا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعةَ ... من الأرض إلاَّ أَنتَ للِذلِّ عارِفُ ألاَ منْ رأى العَبْدًَين أوْ ذُكِرا لهُ ... عدَيٌّ وتَيمٌ تَبْتَغي مَنْ تُحالِفُ وروَى الزبيرُ بن بكار قال: "مرَّ رسولُ الله ﷺ ، ومعه أبو بكر ﵁، برجلٍ يقول في بعضِ أزقَّة مكة [من الكامل]: يا أيها الرجلُ المُحوِّلُ رَحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبد الدارِ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكر هكذا قال الشاعر؟ قال: لا يا رسول الله، ولكنه قال: يا أيها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ * هلاَّ سألْتَ عن آلِ عَبْد منافِ؟ فقال رسول الله ﷺ : "هكذا كُنَّا نَسْمعها". وأمَّا ارتياحُه ﷺ ، للشعر واستحسانُه له، فقد جاء فيه الخبرُ من وجوهٍ، من ذلك: حديثُ النابغة الجَعْديِّ قال: أَنشدتُ رسولَ الله ﷺ ، قولي [من الطويل]: بلَغْنا السماءَ مَجْدُنَا وجدودُنا ... وإنَّا لنَرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا فقال النبيُّ ﷺ : "أَينَ المظهرُ يا أبا ليلى؟ "، فقلتُ: الجنةُ، يا رسولَ الله! قال: "أَجَلْ إن شاء الله". ثم قال: "أَنْشِدْني"! فأنْشَدْتُه من قولي: ولا خيرَ في حِلْم إذا لم تَكنْ له * بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا ولا خيرَ في جَهلٍ إذا لم يَكنْ له * حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا فقال ﷺ : "أَجَدْتَ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"! قال الراوي: فنظَرتُ إليه فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ، ما سقطت له سن ولا انفلَّتْ تَرِفُّ غَروبُه.

стр. 74

ومِنْ ذلك حديثُ كعب بن زهير: رُويَ أنَّ كعباً وأخاه بُجيراً خرجا إلى رسول الله ﷺ ، حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف، فقال كعب لبجير: إلْقَ هذا الرجلَ، وأنا مقيمٌ هاهنا، فانظرْ ما يقول! وقَدم بجير على رسول الله ﷺ ، فعرَضَ عليه الإسلامَ، فأَسْلمَ وبلغ ذلك كعباً، فقالَ في ذلك شعراً، فأهْدَر النبيُّ ﷺ دمه، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي ﷺ ويقول: إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمداً رسولُ الله، قَبِلَ منه رسول الله ﷺ ، وأسْقَطَ ما كان قَبْل ذلك. فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ ﷺ قصيدته المعروفة: بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مغلولُ وما سُعادُ غَداةَ البينِ إذْ رحَلَتْ ... إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطرف مَكْحولُ تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ ... كأنَّه مُنْهلٌ بالراح مغلولُ سحَّ السقاةُ عليها ماءَ مَحْنيةٍ ... من ماءِ أبطحَ أضحى وهو مَشْمولُ أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنها صدقَتْ ... موعودَها أوْ لَوَانَّ النضحَ مقبولُ حتى أتى على آخِرِها فلمَّا بلغَ مديحَ رسول الله ﷺ : إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستَضاءُ به ... مهنَّدٌ مِن سيوف اللهِ مَسْلولُ في فتيةٍ مِنْ قُريشِ قال قائلُهم ... بِبَطْنِ مكَّةَ لمَّا، أسْلموا: زُولوا زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كُشفٌ ... عند اللقاء ولا مِيلٌ مَعازيلُ لا يَقَعُ الطعنُ إلاَّ في نُحورِهمُ ... وما بِهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهليلُ شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... من نَسْجِ داودَ في الهَيجا سَرابِيلُ أشارَ رسولُ الله ﷺ ، إلى الخَلْق أَنِ اسْمعوا! قال: وكان رسولُ الله ﷺ ، يكون من أصحابه مكانَ المائدة من القوم، يتحلقون حلْقةً دون حلقةٍ، فيلتفِتُ إلى هؤلاء وإلى هؤلاء. والأخبارُ فيما يُشبه هذا كثيرةٌ، والأثَرُ به مُسْتَفيض.

стр. 75

وإنْ زَعمَ أنه ذَمَّ الشعرَ من حيث هو موزونٌ مقفَّى، حتى كان الوزنُ عيباً، وحتى كان الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ، اتَّضَعَ في نفسه وتَغيَّرتْ حالُه، فقد أبعد وقال قولاً لا يُعرفُ له مَعنى، وخالف العلماءَ في قولهم: "إنما الشعرُ كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيح"، وقد رُوي ذلك عن النبيِّ ﷺ مرفوعاً. فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ لأنه سبَبٌ لأَنْ يُغنَّى في الشعر ويُتَلهَّى به، فإنَّا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل، والقولِ الفَصْل، والمنطق الحسَن، والكلام البيِّن، وإلى حُسْنِ التمثيل والاستعارة، وإلى التلويح والإشارة، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المعنى الخسيس فتُشَرِّفُه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه، وإلى المشكل فتُحْليه، فلا مُتَعلَّقَ له علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، ولْيَضَعْه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مُرادُنا من هذا الذي راجَعْنا القولَ فيه. وهذا هو الجواب لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وأراد أن يَجْعله حُجةً في المنع مِن الشعر ومِنْ حِفْظه وروايته؛ وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه ﷺ ، لم يَمْنع الشعرَ من أجل أنْ كان قولاً فصلاً، وكلاماً جَزْلا، ومنطقاً حَسناً، وبَياناً بيِّناً؛ كيفَ وذلك يقتضي أن يكون اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشعراء في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللفظ؟ وهذا جهلٌ عظيم، وخِلافٌ لما عَرفهُ العلماءُ، وأَجمعوا عليه من أنه ﷺ ، كان أفصحَ العَرب؛ وإذا بطَلَ أن يكون المَنْعُ، من أجل هذه المعاني، وكنَّا قد أعلمناه أنَّا نَدْعو إلى الشعر من أجلها، ونَحْذُو بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية مُحالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالاً.

стр. 76

فإنْ قال: إذا قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمَنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنَبغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩] فقد كَرِهَ للنبيِّ ﷺ الشعرَ، ونَزَّهَه عنه بلا شُبْهة، وهذه الكراهةُ وإنْ كانت لا تَتوجَّهُ إليه مِنْ حيثُ هو كلامٌ ومن حيثُ إنه بليغٌ بَيِّنٌ، وفصيحٌ حَسَنٌ، ونحو ذلك، فإنها تتوجَّه إلى أمر لا بدَّ لك من التَّلَبُّس به في طَلبِ ما ذكرْتَ أنه مرادُك من الشعر؛ وذاك أنه لا سبيلَ لك إلى أن تَميزَ كونَه كلاماً عن كونه شعراً، حتى إذا روَيْتَه التبَسْتَ به من حيث هو كلام ولم تَلْتبِسْ به من حيث هو شعر. هذا محال، وإذا كان لا بُدَّ لك من مُلاَبسة موضع الكراهةِ، فقد لَزِمَ العيبُ برواية الشعر وإعمال اللسان فيه. قيل له: هذا منك كلامٌ لا يتحصَّل. وذلك أنه لو كان الكلام، إذا وُزِنَ حطَّ ذلك من قدره وأَزْرى به، وجلَبَ على المُفْرِغ له في ذلك القالَب إثْماً، وكَسبه ذمَّا، لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو مَنْ يريده لمكانِ الوزن خصوصاً، دون مَنْ يريده لأمرٍ خارج عنه، ويطلبه لشيءٍ سواه. فأما قولك: إنك لا تستطيع أن تَطْلُبَ من الشعر ما لا يُكْرَه حتى تَلْتبِسَ بما يُكرَه، فإني إذن لَمْ أَقصدْه من أجل ذلك المكروه، ولم أُرِدْه له، وأردْتُه لأَعرف به مكان بلاغةٍ، وأجعلَه مِثالاً في براعةٍ، أو أَحْتَجَّ به في تفسير كتابٍ وسُنَّة، وأَنظرَ إلى نَظْمه ونَظْم القرآن، فأرى موضع الإعجاز، وأقفَ على الجهة التي منها كان، وأتبين الفصْلَ والفرقان. فحقُّ هذا التلبسِ أن لا يُعتدَّ عليَّ ذنباً، وأَنْ لا أُؤَاخَذَ به؛ إذْ لا تكون مؤاخذةٌ حتى يكون عَمْدٌ إلى أن تُواقِعَ المكروه، وقَصْدٌ إليه. وقد تَتَّبعَ العلماءُ الشعوذةَ والسِّحْر، وعُنُوا بالتوقف على حِيَل المُموِّهين، ليَعْرفوا فَرْقَ ما بين المعجزة والحِيلة. فكان ذلك منهم مِنْ أعظم البِرِّ، إذْ كان الغرض كريماً والقَصْد شريفاً.

стр. 77

"هذا" وإذا نحن رجَعْنا إلى ما قدمناه من الأخبار، وما صحَّ من الآثار، وجَدْنا الأمرَ على خلاف ما ظَنَّ هذا السائل، ورأَيْنا السبيلَ في منع النبي ﷺ ، الوزنَ، وأنْ يَنْطلق لسانُه بالكلام الموزون، غيرَ ما ذهبوا إليه، وذاك أنه لو كان مَنْعَ تنزيهٍ وكراهةٍ، لكان يَنبغي أن يُكْرَه له سماعُ الكلام موزوناً، وأن يُنَزَّه سمْعهُ عنه كما يُنزَّه لسانُه، ولكان ﷺ ، لا يأمر به ولا يَحثُّ عليه، وكان الشاعر لا يُعانُ على وزن الكلام وصياغته شعراً، ولا يُؤيَّد فيه بروح القُدُس. وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يَعْلم أَنْ ليس المَنْعُ في ذلك منْعَ تنزيهٍ وكراهة، بل سبيلُ الوزن في منعه ﵇ إياه، سبيلُ الخَطِّ، حين جُعل ﵇ لا يقرأُ ولا يَكُتب، في أَنْ لم يكن المَنْعُ منِ أجْل كراهةٍ كانت في الخَطِّ، بل لأَن تَكونَ الحُجةُ أَبهِرَ وأقهرَ، والدلالةُ أقوى وأظهر، ولتكون أَكْعَمَ للجاحد وأَقْمَعَ للمُعَانِد، وأَرَدَّ لِطالب الشُّبهة، وأَمْنَعَ في ارتفاع الرِّيبة.

стр. 78

وأما التعلُّق بأحوال الشعراء: بأنهم قد ذُمُّوا في كتاب الله تعالى، فما أرى عاقلاً يَرْضى به أنْ يَجْعله حُجةً في ذَمِّ الشعر وتَهْجينه، والمَنْع مِن حِفْظه وروايته، والعِلْم بما فيه مِن بلاغة، وما يُختصُّ به من أَدب وحِكْمه. ذاك لأَنه يَلْزمُ على قَوَد هذا القولِ، أَن يَعيب العلماءَ في استشهادهم بشِعْر امْرئ القيسِ، وأَشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غَريبهِ وغَريبِ الحديث؛ وكذلك يَلْزمه أنْ يَدْفع سائرَ ما تقدَّم ذكرُه من أَمْر النبي، ﷺ ، بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له. هذا ولو كان يَسُوغُ ذَمُّ القولِ من أَجْل قائله، وأنْ يُحْمَل ذَمُّ الشاعر على الشعر، لكان يَنبغي أن يُخَصَّ ولا يُعَمَّ وأن يُسْتثنى. فقد قال الله : ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. ولولا أَنَّ القولَ يَجُرَّ بَعْضُهُ بَعضاً، وأنَّ الشيءَ يُذكَرُ لدخوله في القِسْمة لكان حقُّ هذا ونحوِهِ، أَنْ لا يُتَشاغَلَ به، وأن لا يُعادَ ويُبْدأَ في ذكره.

стр. 79

الكلام في النحو وأَمَّا زُهْدُهم في النحو، واحتقارُهم له، وإصغارُهم أَمْرَه وتَهاوُنُهم به: فَصنيعُهُم في ذلك، أَشْنَعُ من صَنيعهم في الذي تَقدَّم، وأَشْبَهُ بأن يكون صَدّاً عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه. ذاكَ لأَنهم لا يَجدِون بُدًّا من أن يَعترفوا بالحاجة إليه فيه. إذْ كان قد عُلم أنَّ الألفاظَ مُغْلقةٌ على معانيها، حتى يكونَ الإعرابُ هو الذي يَفْتحُها، وأن الأَغراضَ كامنةٌ فيها، حتى يكونَ هو المستخرجَ لها، وأنه المِعيارُ الذي لا يَتَبيَّنُ نقصانُ كلامٍ ورجحانه، حتى يُعْرَضَ عليه، والمقياسُ الذي يُعْرف صحيحٌ من سقيمٍ حتى يَرْجِعَ إليه، ولا يُنكِرُ ذلك إلاَّ من يُنكِر حِسَّه، وإلاَّ مَنْ غالطَ في الحقائق نَفْسَه. وإذا كان الأَمرُ كذلك، فليتَ شِعري، ما عُذْرُ مَن تَهاونَ به وزَهِدَ فيه، ولم يَرَ أنْ يستَسْقيَهُ مِنْ مَصبِّه، ويأَخذَه من مَعْدِنه، ورضيَ لنفسه بالنقص، والكمالُ لها معرضٌ، وآثرَ الغَبينةَ وهو يَجد إلى الربح سَبيلاً؟ فإن قالوا: إنَّا لم نَأْبَ صحَّةَ هذا العلم، ولم نُنْكِر مكانَ الحاجة إليه، في معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أَنْكَرنا أَشياءَ كَثَّرْتُمُوه بها، وفُضولَ قولٍ تكلَّفْتموها، ومسائلَ عويصةٌ تجشَّمْتُم الفِكْرَ فيها، ثم لم تَحْصلوا على شيء أكثرَ مِنْ أن تُغْرِبوا على السامعين، وتُعَايُوْا بها الحاضرين، قيلَ لهم: خَبِّرونا عَمَّا زَعْمتم أنَّه فُضُولُ قولٍ وعَوِيصٌ لا يَعود بطائلٍ، ما هو؟ فإنْ بدأوا فذَكروا مسائلَ التصريف التي يَضَعُها النحويون للرياضة، ولِضَرْبٍ مِنْ تَمْكينِ المَقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تَبْنِي مِنْ كذا، كذا؟ وكقولهم: ما وَزْنُ كذا؟ وتَتَبُّعهم في ذلك الألفاظَ الوحشية، كقولهم: ما وَزْنُ عِزْوِيت، وما وَزْن أَرْوَنَان؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سمَّيْتَ رَجلاً بكذا، كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك. وقالوا: أَتَشُكُّون أنَّ ذلك لا يُجْدِي إلاَّ كَدَّ الفكرِ وإضاعةَ الوقتِ؟

стр. 80

قلنا لهمِ: أمَّا هذا الجنسُ، فلَسْنا نعيبُكم إن لم تَنْظروا فيه، ولم تُعْنوا به. وليس يهَمُّنا أمرُه؛ فقُولوا فيه ما شِئْتم، وضَعُوه حيث أَرَدْتُم. فإنْ تَرَكوا ذلك وتجاوزوه إلى الكلام على أَغراض واضعِ اللغة، وعلى وَجْه الحكمةِ في الأوضاع، وتقرير المقاييس التي اطَّردَتْ عليها، وذكْرِ العِلل التي اقْتَضَتْ أن تجري على ما أُجريت عليه، كالقول في المعتلِّ، وفيما يَلْحَقُ الحروفَ الثلاثة التي هي: (الواوُ والياءُ والألفُ) مِن التغيير بالإبدال والحَذْف والإسكان. أو ككَلامِنا مَثلاً على التَّثْنِية وجَمْع السلامة: لِمَ كان إعرابُهما على خلاف إعراب الواحد؟ ولم تَبعَ النصبُ فيهما الجَرَّ؟. وفي (النون): إنَّه عِوَضٌ عن الحركة والتنوين في حال، وعن الحركة وحدها في حال؟ والكلامِ على ما يَنْصرفُ وما لا يَنْصرف، ولم كان مَنْعُ الصَّرف؟ وبيانِ العلَّةِ فيه، والقولِ على الأسباب التسعة، وأَنها كلَّها ثَوانٍ لأُصول؟ وأَنه إذا حصَلَ منها اثنانِ في اسم، أو تكرَّرَ سَبَبٌ، صار بذلك ثانياً من جهتين، وإذا صار كذلك، أَشْبَهَ الفعل، لأنَّ الفعل ثانٍ للاسم، والاسمِ المقدَّم والأَوَّل، وكلِّ ما جرى هذا المجرى!

стр. 81

قلنا: إنا نَسْكت عنكم في هذا الضرب أيضاً، ونَعْذُركم فيه ونُسامِحكم، على عِلْم منَّا بأنْ قد أَسأتُم الاختيار، ومنَعْتم أنْفسَكم ما فيه الحظُّ لكم، ومنعتموها الاطِّلاعَ على مدارج الحِكْمة، وعلى العلوم الجمَّة. فدَعُوا ذلك، وانظروا في الذي اعترفْتُم بصحَّته وبالحاجة إليه: هل حَصَّلْتموه على وجهه؟ وهل أَحَطْتم بحقائقه؟ وهل وَفَيْتُم كلَّ بابٍ منه حقه، وأَحْكَمتوه إحكاماً يؤمِّنُكم الخطأَ فيه، إذا أنتم خُضْتم في التفسير، وتعاطَيْتم عِلْم التأويل، ووازَنْتم بين بَعْضِ الأقوال وبَعْض، وأردتم أن تَعرفوا الصحيحَ من السقيم؛ وعُدْتُم في ذلك وبدأتم، وزِدْتم ونَقَصْتم؟ وهل رأيتم إِذْ قد عرَفْتُم صورة المبتدأ والخبر، وأنَّ إعرابَهما الرفعُ، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تَنْظروا في أَقسام خبره، فتَعْلموا أنه يكون مُفْرداً وجُملةً، وأَنَّ المفرد يَنْقسم إلى ما يَحْتمِل ضميراً له، وإلى ما لا يَحْتمل الضميرَ؛ وأَنَّ الجملة على أربعة أَضْربٍ، وأنه لا بد لكلِّ جُملةٍ وَقَعتْ خبراً لمبتدأ، من أن يكون فيها ذِكْرٌ يَعودُ إلى المبتدأ، وأن هذا الذكْرَ، ربما حُذِفَ لفظاً وأريدَ معنىً، وأنَّ ذلك لا يكونُ حتى في الحال دليلٌ عليه؟ إلى سائرِ ما يتَّصل بباب الابتداءِ، من المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها؟ وإذا نظَرْتم في الصفة مثلاً، فعَرَفْتم أنها تَتْبع الموصوفَ، وأَنَّ مِثالها قولُك: (جاءنِي رجلٌ ظريفٌ، ومررتُ بزيدٍ الظريف). هل ظَننتُم أنَّ وراءَ ذلك أمراً، وأنَّ هاهنا صِفةً تُخصِّص وصفةً تُوضح وتُبين، وأن فائدةَ التخصيص غيرُ فائدةِ التوضيح؛ كما أن فائدة الشِّياع، غيرُ فائدة الإبهام، وأنَّ مِنَ الصفة صفةً لا يكون فيها تخيصيصٌ ولا توضيحٌ، ولكنْ يُؤْتى بها مؤكَّدةً، كقولهم (أَمسِ الدابرُ)، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وصفةً يُراد بها المدحُ والثناءُ، كالصفات الجارية على اسْم الله تعالى جَدَّه؟.

стр. 82

وهل عَرَفتم الفَرْقَ بين الصفة والخبر، وبين كلِّ واحدٍ منها وبين الحال؟ وهل عرَفْتم أَنَّ هذه الثلاثة تَتَّفْقُ في أنَّ كافَّتَها لثُبوتِ المعنى لِلشيء، ثم تَخْتلفٌ في كيفية ذلك الثبوتِ؟ وهكذا ينبغي أن تُعْرَض عليهم الأبوابُ كلُّها: واحداً واحداً، ويُسْألوا عنها باباً باباً، ثم يُقال: ليس إلاَّ أَحدَ أمرين: إمَّا أن تَقْتحموا التي لا يَرْضاها العاقلُ، فتُنْكِروا أن يكون بكم حاجةٌ في كتاب الله، وفي خبرِ رسول الله ﷺ ، وفي معرفة الكلام جملةً إلى شيء من ذلك، وتَزْعموا أنكم إذا عَرفْتُم مَثلاً، أنَّ الفاعل رَفْعٌ، لم يَبْقَ عليكم في باب الفاعل، ما تحتاجون إلى مَعْرفته. وإذا نظرتم إلى قولنا: (زَيْدُ مُنْطلقٌ)، لم تُحْتاجوا مِنْ بَعده إلى شيء تَعْلمونه في الابتداء والخبر. وحتى تَزْعموا مثَلاً، أنكم لا تحتاجون في أَنْ تَعرفوا وَجْهَ الرفع في ﴿والصابئون﴾ [المائدة: ٦٩] من سورة المائدة، إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم بقول الشاعر: وإلاَّ فاعْلَموا أَنَّا وأنتمْ ... بُغَاةٌ ما بَقينا في شِقاقِ وحتى كان المُشْكِلُ على الجميع غيرَ مُشكلٍ عندكم، وحتى كأَنَّكم قد أُوتيتُمْ أَنْ تَسْتنبطوا مِن المسألة الواحدة مِن كل باب، مسائِلَهُ كلَّها، فتخرجوا إلى فَنِّ من التجاهل لا يَبْقى معه كلامٌ. وإمَّا أَنْ تَعْلموا أنكم قد أَخطأتم، حينَ أَصْغَرْتم أمرَ هذا العلمِ، وظَننتُم ما ظَننتُمْ فيه، فتَرْجِعوا إلى الحق وتُسَلِّموا الفضلَ لأهله، وتدعوا الذي يُزري بكم، ويَفْتَحُ بابَ العيبِ عليكم، ويَطيلُ لسانَ القادحِ فيكم. وبالله التوفيق.

стр. 83

هذا - ولو أنَّ هؤلاءِ القوم، إذْ تَرَكوا هذا الشأْنَ، تركوه جُملة؛ وإذْ زَعَموا أنَّ قَدْرَ المْفْتَقَر إلِيه القليلُ منه، اقْتَصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفُسَهم بالتقوِّي فيه، والتصرُّف فيما لم يتعلموا منه، ولم يَخُوضوا في التفسير ولم يتعاطَوْا التأويلَ - لكان البلاءُ واحداً، ولكانوا إذا لم يَبْنُوا، لم يَهْدِموا، وإذا لم يصْلِحوا لمْ يَكونوا سَبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا؛ فجَلبُوا مِن الداء ما أَعيى الطبيبَ، وحَيَّر اللبيبَ، وانتهى التخليطُ بما أَتَوْه فيه، إلى حدٍّ يُئسَ مِن تَلافيه، فلم يَبْق للعارف الذي يَكْره الشَّغَب إلا التعجبُ والسكوتُ. وما الآفةُ العُظمى إلا واحدةٌ، وهي أنْ يَجيءَ من الإنسان أنْ يَجْريَ في لفظه، ويَْمشي له، أن يُكْثِر في غير تحصيل؛ وأن يُحسِّن البناءَ على غير أساسٍ، وأن يقول الشيء لم يَقْتُلْه علماً. ونَسْأل اللهَ الهدايةَ، ونرغَبُ إليه في العِصْمة. ثم إنا وإِنْ كنا في زمانٍ، هو على ما هو عليه مِنْ إحالة الأُمور عن جِهَاتها، وتَحْويلِ الأشياءِ عن حالاتِها، ونَقْلِ النفوسِ عن طِبَاعها، وقَلْبِ الخَلائقِ المحمودةِ إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهلهِ لديه، إلا الشرُّ صِرْفاً والغَيْظُ بَحْتاً، وإلاَّ ما يُدهِشُ عقولَهم، ويسْلُبُهم مَعْقولَهم، حتى صار أَعجزُ الناس رأياً عند الجميع، مَنْ كانت له هِمَّةٌ في أن يَسْتَفِيدَ عِلْماً، أو يَزْدادَ فَهْماً، أو يَكْتَسب فَضْلاً، أو يَجْعلَ له ذلك بحالٍ شُغْلاً، فإنَّ الإلْفَ من طِباع الكريم؛ وإذا كان مِنْ حَقِّ الصديقِ عليكَ، ولا سيَّما إذا تقادمَتْ صُحْبتُه، وصحَّتْ صداقَتُه - أن لا تَجْفُوَه بأن تَنْكُبَكَ الأيامُ وتُضْجِرَكَ النوائبُ، وتُحْرِجَك مِحَنُ الزمان، فتتناساهُ جملةً، وتَطْويَه طَيَّا؛ فالعِلْمُ الذي هو صديقٌ لا يَحُول عن العَهد، ولا يَدْغِلُ في الوُدِّ، وصاحِبٌ لا يَصِحُّ عليه النكْثُ والغَدْر، ولا يُظَنُّ به الخيانةُ والمَكْر، أَولى منه بذلك وأَجْدَرُ، وحَقُّه عليك أَكْبَرُ. تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة

стр. 84

ثم إِنَّ التَّوقَ إلى أَن تقَرَّ الأُمورُ قَرارَها، وتُوضَعَ الأشياءُ مَواضِعَها، والنزاعَ إلى بَيانِ ما يُشْكل، وحلِّ ما يَنْعَقِد، والكَشْفِ عمَّا يَخْفَى، وتلخيصَ الصفةِ حتى يزدادَ السامعُ ثقةً بالحُجة، واستظهاراً على الشُّبْهة، واسْتِبانةً للدليل، وتَبْييناً للسبيل، شيءٌ في سُوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نَفْساً. ولم أزل منذ خَدمْتُ العلم، أنظرُ فيما قاله العلماءُ في معنى الفصاحة والبلاغةِ، والبيانِ والبَراعة، وفي بيان المَغْزى من هذه العبارات، وتفسير المرادِ بها، فأَجِدُ بعضَ ذلك كالرمز والإيماءِ، والإشارة في خفاءٍ، وبعضَه كالتنبيه على مكان الخَبيء لِيُطْلَبَ، ومَوْضعِ الدفينِ ليُبحَثَ عنه فيُخْرَج، وكما يُفتَحُ لكَ الطريقُ إِلى المطلوب لتَسْلُكَه، وتُوضَعَ لك القاعدةُ لتَبْنيَ عليها؛ ووجدتُ المعوَّلَ عَلى أنَّ هاهنا نَظْماً وترتيباً، وتأليفاً وتركيباً، وصياغةً وتصويراً، ونَسْجاً وتَحْبيراً، وأنَّ سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هو مَجازٌ فيه، سَبيلُها في الأشياء التي هي حقيقةٌ فيها. وأنه كما يَفْضُلُ هناك النظْمُ النظمَ، والتأليفُ التأليفَ، والنسجُ النسجَ، والصياغةُ الصياغةَ، ثم يَعْظُمُ الفضلُ، وتَكثُر المَزِيَّةُ، حتى يَفوقَ الشيءُ نظيرَه، والمجانِسَ له، درجاتٍ كثيرة، وحتى تَتفاوتَ القِيمُ التَّفاوُتَ الشديدَ، كذلك يَفْضُلُ بَعْضُ الكلام بَعضاً، ويتَقدَّمُ منه الشيءُ الشيءَ؛ ثم يَزدادُ مِن فضله ذلك، ويَترقَّى منزلةً فوق مَنزلةٍ، ويَعْلو مَرْقباً بعد مَرْقبٍ، ويَسْتأنِفُ له غايةً بعد غاية، حتى يَنتهيَ إلى حيث تَنْقطِعُ الأطماعُ، وتُحْسَرُ الظنونُ. وتَسقُطُ القِوى، وتستوي الأقدام في العجز.

стр. 85

وهذه جملةٌ، قد يُرى في أول الأمر وبادئ الظنِّ: أنها تَكْفي وتُغْني. حتى إذا نظَرْنا فيها، وعُدْنا وبدَأْنا، وجَدْنا الأمرَ على خِلاف ما حَسِبْناه، وصادَفْنَا الحالَ على غير ما توهَّمْناه، وعلِمْنا أنهم لِئنْ أَقْصَروا اللفظ، لقد أطالوا المعنى، وإنْ لم يُغرقوا في النزع. لقد أَبْعدوا على ذاك في المَرْمى. وذاك، لأنه يقال لنا: ما زِدْتم على أن قِسْتُم قِياساً، فقُلْتم: نَظْمٌ ونَظْمٌ، وترتيبٌ وترتيب، ونَسْجٌ ونَسْج. ثم بنَيْتم عليه، أنه ينبغي أن تظهر المزيةُ في هذه المعاني هاهنا، حسَب ظهورها هناك، وأنْ يَعظُمَ الأمرُ في ذلك كما عَظُمَ ثَمَّ؛ وهذا صحيحٌ كما قلْتم. ولكنْ بقيَ أنْ تُعْلِمونا مكانَ المزية في الكلام، وتَصفوها لنا، وتذكروها ذِكْراً كما يُنَصُّ الشيءُ ويُعَيَّنُ، ويُكْشَفُ عن وجهه ويُبَيَّنُ. ولا يكفي أن تقولوا: إنَّه خُصوصيةٌ في كيفية النَّظْم، وطريقةٌ مَخْصوصةٌ في نَسَق الكَلِم بَعْضِها على بعض، حتى تَصِفوا تلك الخصوصيةَ وتُبَيِّنوها، وتَذْكُروا لها أمثلةً وتقولوا: مثْلَ كيتٍ وكَيْتٍ، كما يذْكُر لكَ مَنْ تَسْتوصِفُه عَمَلَ الديباج المنقَّش، ما تَعْلَم به وجْهَ دِقَّةِ الصنعة، أَوْ يَعْمَلهُ بين يديكَ، حتى تَرى عِياناً كيف تَذْهبُ تلك الخيوطُ وتَجيءُ، وماذا يَذْهَبُ منها طُولاً، وماذا يَذهب منها عَرْضاً؛ وبِم يَبْدَأ وبم يُثَنِّي وبم يُثَلِّثُ. وتُبْصِرُ من الحِسَابِ الدقيق، ومِنْ عَجيب تَصَرُّفِ اليَدِ ما تَعلمُ منه مكانَ الحِذْقِ ومَوضِعَ الأُستاذيَّة. ولو كان قولُ القائل لك، في تَفْسير الفصاحة: إنها خصوصيةٌ في نَظْم الكَلِم وضَمِّ بَعْضِها إلى بعضٍ، على طريقٍ مخصوصة، أو على وُجوهٍ تَظْهَرُ بها الفائدةُ، أو ما أشبَهَ ذلكَ من القول المُجْمَل، كافياً في مَعْرفتها ومُغْنياً في العِلْم بها، لكفى مِثْلُه في معرِفة الصناعات كلِّها. فكان يَكْفي في معرفة نَسْج الديباج الكثيرِ التَّصاويرِ، أَنْ تَعْلم أنه تَرتيبٌ للغَزْل على وَجْهٍ مخصوص، وضَمٌّ لطاقاتِ الإبريسم بعضِها إلى بعضٍ، على طُرُقٍ شتى؛ وذلك ما لا يَقولُه عاقلٌ.

стр. 86

وجملةُ الأمر: أنك لن تَعْلَم في شيءٍ من الصناعات عِلْماً تُمِرُّ فيه وتُحلْي، حتى تَكونَ ممن يَعْرفُ الخطأَ فيها مِن الصواب، ويَفْصِلُ بين الإساءة والإِحسان؛ بل حتى تُفاضِلَ بين الإحسان والإحسان، وتَعْرِفَ طبقاتِ المُحْسنين. وإذا كان هذا هكذا، علمْتَ أنه لا يكفي في علمٍ الفصاحة أن تَنْصُبَ لها قياساً ما، وأن تَصِفها وصْفاً مُجْملاً، وتقولَ فيها قولاً مُرْسَلاً؛ بل لا تكونُ مِن مَعرفتها في شَيءٍ حتى تُفصِّل القولَ وتُحصِّلَ، وتضعَ اليدَ على الخصائص التي تَعْرِضُ في نَظْم الكَلِم، وتَعُدُّها واحدةً واحدة، وتُسمّيها شيئاً شيئاً. وتكونُ مَعْرفتُك معرفة الصَّنَع الحاذق الذي يَعْلم عِلمَ كلِّ خيطٍ من الإبرسيم الذي في الديباج، وكلَّ قطعةٍ من القِطَع المَنْجورة في الباب المُقَطَّع، وكلَّ آجرَّةِ من الآجرِّ الذي في البناء البديع. وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظرَ، وطلَبْتَها هذا الطلبَ، احتجْتَ إلى صبرٍ على التأمُّل، ومواظَبةٍ على التدبُّر، وإِلى هِمَّة تَأْبى لكَ أن تَقْنَع إلاَّ بالتمام، وأنْ تَرْبَعَ إلاَّ بَعْد بلوغ الغاية. ومتى جَشَّمْتَ ذلك، وأَبيْتَ إِلاَّ أن تكونَ هنالك، فقد أَمَمْتَ إلى غرض كَريم، وتعرَّضْتَ لأمرٍ جَسيم، وآثَرْتَ التي هي أتَمُّ لدِينِكَ وفَضْلِك، وأَنْبَلُ عند ذوي العقول الراجحة لك؛ وذلك أنْ تَعرِفَ حُجَّة الله تعالى من الوَجْه الذي هو أَضْوَأُ لها وأَنْوَهُ لها، وأَخْلَقُ بأن يَزْدادَ نُورُها سطوعاً، وكوكبُها طُلوعاً؛ وأن تَسْلُكَ إليها الطريقَ الذي هو آمَنُ لكَ من الشكِّ، وأَبعَدُ مِن الرَّيْبِ، وأَصَحُّ لليقينِ، وأَحْرى بأن يُبْلِغَكَ قاصِيَة التبيينِ. الكلام في إعجاز القرآن من التمهيد

стр. 87

واعْلَمْ أَنه لا سبيل إِلى أنْ تَعرِفَ صحَّةَ هذه الجملةِ، حتى يَبْلُغَ القولُ غايتَه، ويَنْتهيَ إلى آخر ما أَردْتَ جَمْعَه لك، وتَصويرَه في نفسك، وتَقْريرَه عندك. إِلا أنَّ هاهنا نُكْتةً إنْ أنتَ تأمَّلْتَها، تأَمُّلَ المُتَثَبِّتِ، ونظَرْتَ فيها نَظَر المتأنِّي، رجَوْتَ أنْ يَحْسُنَ ظَنُّك، وأنْ تَنْشَطَ للإِصغاء إلى ما أُورِدَه عليك، وهي: إنَّا إذا سُقْنا دليلَ الإعجاز فقُلْنا: لولا أَنهم حينَ سمعوا القرآنَ، وحينَ تُحدُّوا إِلى مُعَارضته، سَمِعوا كلاماً لم يَسْمعوا قطُّ مثْلَه، وأنهم قد رازوا أنْفُسَهم فأَحَسُّوا بالعَجْز على أنْ يأتوا بما يُوازيه أو يُدانيه، أو يقَعُ قريباً منه، لكان مُحالاً أن يَدَعُوا معارَضَتَه، وقد تُحُدُّوا إليه، وقُرِّعوا فيه، وطُولبوا به، وأن يتعرضوا لِشَبا الأَسِنَّة، وَيْقتحموا مواردَ الموتِ.

стр. 88

فقيل لنا: قد سَمِعْنا ما قلْتُم، فخَبِّرونا عنهم، عَمَّاذا عَجِزوا؟ أَعَنْ مَعانٍ في دقة مَعانيه وحُسْنهِا وصحتها في العقول؟ أمْ عن ألفاظٍ مِثْلِ ألفاظه؟ فإِنْ قلْتُم: عن الألفاظ. فماذا أَعْجَزَهم من اللفظ؟ أمْ ما بَهَرَهُم منه؟ فقلنا: أَعْجَزَتْهم مزايا ظَهَرَتْ لهم في نَظْمه، وخصائصُ صادَفُوها في سِياق لفظه، وبدائعُ راعَتْهم من مبادئ آيهِ ومَقَاطعها، ومَجاري ألفاظها ومَواقِعها، وفي مَضْرَبِ كلِّ مَثَلٍ، ومَساقِ كلِّ خبر، وصُورةِ كلِّ عِظَةٍ وتنبيهٍ وإعلام، وتَذكيرٍ وترغيبٍ وترهيبٍ، ومع كلِّ حُجَّةٍ وبرهانٍ، وصفةٍ وتِبْيان؛ وبَهَرهم أنهم تَأَمَّلوه سورةً سورةً، وعَشْراً عشْراً، وآيةً آية، فلم يَجدوا في الجميع كلمةً يَنْبُوا بها مكانُها، ولفظةً يُنْكَرُ شأنُها، أو يُرى أنَّ غيرَها أَصلحُ هناك أو أشْبَهُ، أو أَحْرى وأخْلَقُ؛ بل وَجدوا اتِّساعاً بَهَرَ العقولَ، وأَعْجَز الجُمهورَ، ونظاماً والتئاماً، وإتْقاناً وإحكاماً، لم يَدَعْ في نَفْسِ بليغٍ منهم - ولو حَكَّ بيافوخه السماء - مَوْضِعَ طمع، حتى خَرسَت الألسْنُ عن أنْ تدّعي وتقول، وخَلَدَتِ القُرومُ، فلم تَمْلِك أنْ تَصُولَ. نَعَمْ، فإذا كان هذا هو الذي يُذكَرُ في جواب السائل، فبنا أن نَنْظُر أيٌّ أَشْبَهُ بالفتى في عَقْله ودِينه، وأَزْيَدُ له في عِلْمه ويَقينه: أأنْ يُقَلِّدَ في ذلك، ويَحْفَظَ مَتْنَ الدليلِ وظاهرَ لفظِه، ولا يَبْحثَ عن تفسير المَزايا والخصائصِ، ما هي ومِنْ أيْنَ كَثُرَت الكثرةَ العظيمةَ، واتَّسَعتِ الاتِّساعَ المُجَاوِزَ لِوُسْعِ الخَلْق وطاقة البشر؟ وكيف يكونُ أنْ تَظْهَرَ في ألفاظٍ محصورة، وكَلِمٍ معدودةٍ معلومة، بأنْ يُؤتى ببعضها في إِثْْر بَعْضٍ، لطائفُ لا يَحْصُرها العدَدُ، ولا ينتهي بها الأمَدُ؟ أَمْ أن يَبْحَث عن ذلك كلِّه، ويَسْتقصيَ النظرَ في جَميعِهِ، ويَتَّبعه شيئاً فشيئاً، ويَسْتَقصِيَهُ باباً فباباً، حتى يَعْرِف كلاَ منه بشاهِدِهِ ودليله، ويَعْلَمَهُ بتفسيره وتأويله، ويُوثقَ بتصوره وتمثيله، ولا يكونَ كمن قيلَ فيه [من الطويل]:

стр. 89

يقولون أقوالاً، ولا يَعلْمونها ... ولو قيل: هاتُوا حقِّقوا لم يُحَقِّقوا قد قطعتُ عذْرَ المتهاونِ ودَلَلَتْ على ما أضاعَ من حَظّه، وهَدَيْتُه لرشده؛ وصحَّ أنْ لا غنى بالعاقل، عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها والإحاطة بها؛ وأنَّ الجهة التي منها يقف، والسببَّ الذي به يَعْرفُ استقراءَ كلامِ العرب، وتتبُّعَ أشعارهم والنظر فيها، وإذْ قد ثَبتَ ذلك، فينبغي لنا أنْ نبتدئ في بيان ما أرَدْنا بيانه ونأخذَ في شرحه والكشف عنه.

стр. 90

وجملة ما أردت أن أبينه لك الكلام في إعجاز القرآن أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظٍ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهةٌ معلومة، وعلَّةٌ معقوله، وأن يكون لنا إِلى العبارة عن ذاك سبيلٌ، وعلى صحة ما أدِّعيناه من ذلك دليل، وهو باب من العلم، إذا أنت فتحتَه اطَّلعْتَ منه على فوائد جليلة، ومعانٍ شريفة، ورأيتَ له أثراً في الدين عظيماً، وفائدة جسيمة، ووجدْتَهُ سبباً إلى حَسْم كثيرٍ من الفساد فِيما يَعودُ إِلى التنزيِل، وإصلاح أنواعٍ من الخَلل فيما يتعلق بالتأويل؛ وأَنه ليؤمنك مِن أَنْ تُغَالَطَ في دعواك، وتدافَع عن مَغْزاك، ويرْبأ بك عن أن تستبين هُدًى ثم لا تهتدي إليه، وتُدِلَّ بعرفانٍ ثم لا تستطيع أن تَدُلَّ عليه، وأن تكون عالِماً في ظاهر مُقَلِّدٍ، ومُستبيناً في صورةِ شاكٍّ، وأن يسألك السائلُ عن حُجة يَلْقى بها الخصمَ في آيةٍ مِنْ كتاب الله تعالى أو غير ذلك، فلا ينصرفُ عنك بِمقْنَع، وأن يكون غايةُ ما لصاحبك منك أن تُحيله على نفْسِه، وتقول: قد نظرتُ فرأيتُ فضلاً ومزية، وصادفتُ لذلك أَريحيَّة، فانظرْ لتعرِفَ كما عرفتُ، وراجعْ نفْسَك، واسْبُرْ وذُقْ، لتجدَ مثل الذي وجدْتُ، فإنْ عَرفَ فذاك، وإلاَّ فبينكما التَّناكُر، تَنْسب إلى سوء التأمُّل، ويُنْسِبكَ إلى فساد في التَّخيُّل، وإنَّه على الجملة بحيث يَنْتقي لك من علم الإعراب خالصَه ولُبَّه، وَيأخُذ لك منه أَناسي العيونِ، وحبَّاتِ القلوب، وما لا يدَفْع الفضلُ فيه دافعٌ، ولا يُنْكِر رجحانَه في موازين العقول مُنْكِرٌ، وليس يَتأتَّى لي أن أُعْلِمَك مِنْ أول الأمر في ذلك آخِرَه، وأَنْ أسمِّي لك الفُصُولَ التي في نيَّتي أن أُحرِّرها بمشيئة الله ، حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك، فاعملْ على أنَّ هاهنا فصولاً يَجيء بعضُها في إثر بعضٍ. وهذا أَوَّلها:

стр. 91

فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة، والبيان والبراعة، وكلِّ ما شاكلَ ذلك، مما يُعبَّر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نَطقوا وتكلموا، وأَخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يُعْلِمُوهم ما في نفوسهم، ويَكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يَجْري مجراها مما يُفرد فيه اللفظُ بالنعت والصفة، وينسبُ فيه الفضلُ والمزيةُ إليه دونَ المعنى: غيرُ وصْفِ الكلام بِحُسْنِ الدلالة، وتمامِها فيما له كانت دلالة، ثم تَبرُّجهِا في صورةٍ هي أبهى وأزْيَنُ، وآنَقُ وأَعْجَبُ، وأَحقُّ بأن تستوليَ على هوى النفس، وتنالَ الحظَّ الأوفرَ من مَيْل القلوب، وأولى بأن تُطْلِقَ لسانَ الحامد، وتُطِيلَ رغْمَ الحاسد. ولا جهة لاستعمال هذه الخصال: غيرُ أنْ يُؤتى المعنى من الجهة التي هي أَصحُّ لتأديته، ويُخْتارَ له اللفظُ الذي هو أَخصُّ به، وأَكْشَفُ عنه وأَتمُّ له، وأحرى بأن يَكسبه نُبلاً، ويُظهِرَ فيه مزية.

стр. 92

وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكونُ الكَلِمُ: إخباراً وأمْراً ونَهياً واستخباراً وتعجباً، وتؤدِّيَ في الجملة معنًى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلاَّ بضَمِّ كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة - هل يُتَصوَّر أن يكون بين اللفظتين تَفاضُلٌ في الدلالة، حتى تكون هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعتْ له من صاحبتها، على ما هي موسومة به، حتى يقال إنَّ "رجلاً" أدلُّ على معناه من "فرس" على ما سُمِّي به؟ ...

стр. 93

وحتى يُتَصوَّر في الاسمين الموضوعين لشيء واحد، أن يكون هذا أحْسَنَ نبأ عنه، وأَبْيَن كَشْفاً عن صورته من الآخر؟ فيكونُ "الليثُ" مثلاً أدلَّ على السَّبُع المعلوم من "الأسد"، وحتى إنَّا لو أردنا الموازنةَ بين لغتين، كالعربية والفارسية، ساغ لنا أن نَجْعل لفظة "رجل" أَدلَّ على الآدميّ الذكَر من نظيره في الفارسية؟ وهل يقع في وَهْم - وإنْ جُهِد - أن تتفاضلَ الكلمتان المفردتان، من غير أن يُنظَر إلى مكانٍ تقعان فيه، من التأليف والنظم، بأكثرَ من أن تكون هذهِ مألوفةً مستعملةً، وتلك غريبةً وحشية؟ أو أن تكون حروفُ هذهِ أَخَفَّ، وامتزاجُها أَحسنَ؟ ومما يَكُدُّ اللسانَ أَبْعَدَ؟ وهل تَجد أحداً يقول: هذه اللفظةُ فصيحةٌ، إلاَّ وهو يَعتبرُ مكانَها من النظم، وحُسْنَ مُلاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضْلَ مؤانستهَا لأَخَواتها؟ وهل قالوا: لفظةٌ متمكنةٌ ومقبولة، وفي خلافه: قلقةٌ ونابيةٌ، ومُسْتكرَهة، إلاَّ وغَرضُهم أن يُعَبِّروا بالتمكن عن حُسْنِ الاتفاق بين هذه وتلك مِن جهة معناهما، وبالقَلَقِ والنُّبوِّ عن سوء التَلاؤم، وأن الأُولى لَم تَلِقْ بالثانية في معناها، وأن السابقةَ لم تَصْلُحْ أن تكون لِفْقاً للتالية في مؤدَّاها؟ وهل تشكُّ، إذا فكَّرْت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [هود: ٤٤]، فتَجلَّى لك منها الإعجازُ، وبَهَركَ الذي تَرى وتَسْمَعُ، أَنك لم تَجد ما وَجَدْتَ من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة، إلاَّ لأمرٍ يَرجعُ إلى ارتباط هذه الكَلِم بعضها ببعض، وأن لم يَعرِضْ لها الحُسْنُ والشرفُ، إلاَّ من حيث لاقَتْ الأُولى بالثانية والثالثة بالرابعة؟ وهكذا، إلى أن تستقريَها إلى آخِرها، وأن الفضل تَناتَجَ ما بينها، وحصَل من مجموعها.

стр. 94

إن شكَكْتَ فتأمل! هل ترى لفظة منها، بحيث لو أُخِذَتْ من بين أَخواتها وأُفردتْ، لأَدَّت من الفصاحة ما تُؤدِّيه وهي في مكانها من الآية؟ قل" إبلَعي" واعتبرْها وحْدَها، من غير أن تَنْظُرَ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبرْ سائرَ ما يليها! وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبْدَأ العظمةِ في أن نُوديت الأرضُ، ثم أُمرَتْ، ثم في أن كان النداءُ بـ "يا" أيّ نحو: يا أيتها الأرضُ، ثم إضافةِ الماء إلى (الكاف) دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن اتبع نداءُ الأرض وأمرُها بما هو شأنها، نداءَ السماء وأمرَها كذلك بما يَخصُّها، ثم أنْ قيل: "وغِيضَ الماءُ"، فجاء الفعلُ على صيغة "فُعِل" الدالَّةِ على أنَّه لم يَغِضْ إلاَّ بأَمر آمرٍ، وقُدرةِ قادرٍ، ثم تأكيدُ ذلك وتقريرُه بقوله تعالى: "وقُضيَ الأَمُر"، ثم ذكرُ ما هو فائدةُ هذه الأمور وهو: "استوتْ عَلَى الجُوديِّ". ثم إضمارُ "السفينة" قَبْل الذكْر، كما هو شرطُ الفخامةِ والدلالةِ على عِظَم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة. أفترى لِشيءٍ من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعةً، وتحضُرُكَ عند تصورها هيبةً، تُحيطُ بالنفس من أقطارها تعلُّقاً باللفظ من حيث هو صوتٌ مسموعٌ، وحروفٌ تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك، لما بين معاني الألفاظِ مِنَ الاتِّساقِ العجيب؟ فقد اتَّضحَ إذن، اتضاحاً لا يَدَعُ لِلشكِ مجالاً، أنَّ الألفاظ لا تتفاضَلُ من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدة، ولا من حيث هي كَلِمٌ مفردة، وأن الألفاظ تَثْبُتُ لها الفضيلة وخِلافُها، في ملاءمةِ معنى اللفظةِ لمعنى التي تليها، أو ما أشبهَ ذلك مما لا تَعلُّقَ له بصريحِ اللفظِ. ومما يَشهد لذلك أَنَّك ترى الكلمةَ تروقُك وتُؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تَثْقُلُ عليك، وتُوحِشُك في موضع آخر، كلفظ "الأَخدع" في بيت الحماسة [من الطويل]: تلفَّتُّ نَحْو الحيّ حتى وجدْتُني ... وجِعْتُ من الإصغاءِ ليتاً وأخدعا وبيت البحتريّ [من الطويل]: وإنِّي وإنْ بلَّغْتَني شرَفَ الغِنى ... وأَعتقْتَ مِنْ رِقِّ المَطامع أَخْدَعي

стр. 95

فإنَّ لها في هذين المكانين ما لا يَخْفى مِن الحُسْن. ثم أنك تتأَمُّلها في بيت أبي تمام [من البسيط]: يا دَهْرُ قوِّمْ مِن اخْدَعَيْكَ فقد ... أضْجَجْتَ هذا الأنامَ من خَرُقكْ فتَجدُ لها، مِنَ الثِّقَلِ على النفس ومن التنغيصِ والتكْدير، أضعافَ ما وجدتَ هناك من الروْح والخِفَّة، والإيناسِ والبهجة. ومِنْ أَعجبِ ذلك، لفظةُ "الشيء": فإنكَ تراها مقبولة حسنةً في موضع، وضعيفةً مستكْرَهة في موضع. وإن أردْتَ أن تَعْرف ذلك، فانظرْ إلى قول عمرَ بن أبي ربيعة المخزومي: ومِنْ مالىءِ عينيه مِنْ شيء غيرِهِ ... إذا راحَ نحو الجمرة البِيضُ كالدُّمى وإلى قول أَبي حَيَّة [من الطويل]: إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةً ... تقاضاه شيءٌ لا يَملُّ التقاضيا فإنك تَعرف حُسْنَها ومكانَها من القَبول. ثم انظر إليها في بيت المتنبي [من الطويل]: لَو الفَلَكُ الدوَّارُ أبغضْتَ سَعْيَهُ ... لعوَّقَهُ شيءٌ عن الدورانِ فإنَّك تراها تَقِلُّ وتَضْؤل، بحَسب نُبْلها وحُسْنها فيما تقَدَّم. وهذا باب واسع، فإنك تَجدُ متى شئْتَ الرجلَيْن قد استعملا كَلِماً بأَعيانها، ثم تَرى هذا قد فَرعَ السِّماكَ، وتَرى ذاكَ قد لَصِقَ بالحضيض؛ فلو كانت الكلمةُ إذا حَسُنتْ حَسُنتْ من حيث هي لفظٌ، وإذا اسْتَحقَّت المزيةَ والشرفَ، استحقَّتْ ذلك في ذاتها وعلى انفرادِها، دون أن يكونَ السببَ في ذلك، حالٌ لها مع أَخَواتها المجاورة لها في النَّظْم، لما اخْتَلَف بها الحالُ، ولكانت: إمَّا أنْ تَحْسُنَ أبداً، أَوْ لا تَحْسن أبداً. ولم تَر قولاً يضطرب عَلَى قائله حتى لا يَدْري كيف يُعبِّر، وكيف يُورد ويُصْدر، كهذا القول. بل إنْ أردتَ الحق، فإنَّه من جنس الشيء يُجْري به الرجلُ لسانَه، ويُطْلِقُه؛ فإذا فتَّش نفْسَه وجدها تَعْلَم بُطْلانَه، وتنطوي عَلَى خِلافه، ذاك لأنه مما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكونُ له صورةٌ في فؤاد.

стр. 96

فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة: نظم الكلام بحسب المعاني ومما يجب إحكامه، بِعَقب هذا الفصل، الفَرْقُ بين قولنا: حروفٌ منظومةٌ، وكَلِمٌ منظومة. وذلك أنَّ نظْمَ الحروفِ، هو تَواليها في النطق فقط، وليس نظمُها بمتقضى عن معنى، ولا الناظمُ لها بمُقْتَفٍ في ذلك رَسْماً من العقل، اقتضى أَنْ يَتَحرَّى في نظمه لها ما تَحرَّاه. فلو أَنَّ واضعَ اللغةِ، كان قد قال "ربَضَ" مكان "ضَرَب" لما كان في ذلك ما يؤدِّي إلى فساد. وأمَّا نَظْمُ الكَلِم، فليس الأَمرُ فيه كذلك، لأنك تَقْتفي في نظمها آثار المعاني، وتُرتِّبُها على حَسَب ترتيبِ المعاني في النفس؛ فهو إذن نَظْمٌ يُعْتَبر فيه حالُ المنظوم بعضِه مع بعضٍ، وليس هو النظم الذي مَعْناه ضَمُّ الشيء إلى الشيء، كيف جاء واتَّفَقَ. وكذلك كان عندهم: نظيراً للنَّسْج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير، وما أَشبَه ذلك، مما يُوجب اعتبارَ الأجزاءِ بَعْضِها مع بعض، حتى يكون لوضع كلِّ حيث وُضع، علةٌ تَقْتَضي كونَه هناك؛ وحتى لو وُضِع في مكان غيرهِ، لم يَصْلُحْ.

стр. 97

والفائدة في معرفة هذا الفرق، أَنكَ إذا عرَفْتَه عرفْتَ أنْ ليس الغَرضُ بنَظْم الكَلِم أَنْ توالَتْ ألفاظُها في النطق، بل أَنْ تناسَقَتْ دلالتُها، وتَلاقَتْ معانيها على الوجه الذين اقتضاه العقل. وكيف يُتَصَّور أنْ يُقصَد به إلى توالي الألفاظ في النطق، بعد أن ثَبَتَ أنه نظْمٌ يُعْتَبر فيه حالُ المنظوم بعضِه مع بعض، وأنه نَظيرُ الصياغة والتحبير والتفويف والنقش، وكلِّ ما يُقصَد به التصوير: وبعْدَ أن كنَّا لا نَشكُّ في أنْ لا حال لِلفظةٍ مع صاحبتها تُعْتَبر، إذا أنتَ عزلْتَ دلالَتَهما جانباً؟ وأَيُّ مساغٍ للشك في أنَّ الأَلفاظَ لا تستحق من حيث هي ألفاظٌ، أن تُنْظَم على وجهٍ دون وجهٍ؟ ولو فرَضْنا أنْ تَنْخلِعَ مِن هذه الألفاظ، التي هي لغاتٌ، دلالَتُها، لَمَا كان شيءٌ منها أَحَقَّ بالتقديم من شيءٍ، ولا يُتَصَوَّر أن يَجِبَ فيها تَرتيبٌ ونَظْمٌ. ولو حفَّظْتَ صبياً شطْرَ "كتابِ العين" أو "الجمهرة"، مِنْ غير أن تُفَسِّر له شيئاً منه، وأخذْتَه بأن يَضْبِطَ صُوَرَ الألفاظِ وهيأَتَها، ويؤدِّيها كما يؤدِّي أصنافَ أصواتِ الطيور، لرأيتَهُ ولا يَخْطرُ له ببالٍ، أَنَّ مِن شأنه أنْ يؤخِّر لفظاً ويقدِّم آخرَ. بل كان حالُه حالَ مَنْ يَرمي الحَصى ويعدُّ الجوزَ، اللهمَّ إلاَّ أن تَسُومَه أنتَ أَنْ يأتيَ بها على حروف المعجم، ليحفظ نَسَقَ الكتابِ. تحقيق القول في البلاغة أنها تتعلق بالمعنى لا اللفظ ودليل آخر، وهو أنه، لو كان القصْدُ بالنظم، إلى اللفظ نَفْسِه، دون أن يكون الغرضُ ترتيبَ المعاني في النفس، ثم النطقَ بالألفاظ على حَذْوها، لَكانَ يَنْبغي أن لا يَخْتلف حال اثنين في العِلْم، بحُسْن النظُم أو غيرِ الحُسْنِ فيه، لأنهما يُحِسَّان بِتَوالي الألفاظِ في النطق إحساساً واحداً ولا يَعْرِفُ أحدُهما في ذلك شيئاً يَجْهلُهُ الآخرُ.

стр. 98

وأوْضحُ من هذا كلِّه، وهو أنَّ هذا النظْمَ الذي يتواصَفُه البلغاءُ وتَتَفاضَلُ مراتِبُ البلاغةِ من أجله، صَنْعةٌ يُستعانُ عليها بالفكرة لا مَحالة؛ وإذا كانت مما يُستعانُ عليها بالفكرة، ويُسْتخرَجُ بالرَّويَّة، فينبغي أن يُنْظَر في الفِكَر: بماذا تُلبَّسُ: أبالمعاني. أم بالأَلفاظ؟ فأَيُّ شيء وجدْتَه الذي تلبِّس به فِكَركَ من بين المعاني والألفاظ، فهو الذي تَحَدثُ فيه صَنْعتُك، وتَقع فيه صياغتُك ونَظْمُك وتصويرُك. فمحالٌ أن تفكِّر في شيء، وأَنت لا تَصنَعُ فيه شيئاً وإنما تَصْنع في غيره. لو جاز ذلك لجاز أن يُفكِّر البنَّاءُ في الغَزْل ليَجْعل فكْرَه فيه وصلةً إلى أن يُصنع في الآجرّ، وهو من الإحالة المُفْرطة.

стр. 99

فإن قيل: النظْمُ موجودٌ في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يُعْقَل الترتيبُ الذي تزعمه في المعاني، ما لم تَنْظم الألفاظَ ولم ترتِّبْها على الوجه الخاص، قيل: إن هذا هو الذي يُعيد هذه الشبْهة جَذعة أبداً، والذي يَحلُّها أن تَنْظر: أتتصوَّرُ أن تكُون معْتَبِراً مفكِّراً في حالِ اللفظ مع اللفظ، حتى تضَعَه بجنبه أو قبله، وأن تقول: هذه اللفظةُ إنما صلحَتْ هاهنا لكونها على صفة كذا؟ أم لا يُعقل إلاَّ أن تقولَ: صلحَتْ هاهنا لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولأن معنى الكلام، والغَرض في يُوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يَقْتضي معناها؟ فإن تصورت الأول، فقل ما شئْتَ واعلمْ أنَّ كل ما ذكرناه باطلٌ، وإن لم تتصورْ إلا الثاني، فلا تخْدَعنَّ نفْسَك بالأضاليل، ودَعْ النظرَ إلى ظواهر الأمور، واعلمْ أنَّ ما ترى، أنه لا بدَّ منه من ترتيب الألفاظ وتواليها على النظْم الخاص، ليس هو الذي طلبْتَه بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورةً من حيث إِنَّ الألفاظ، إذا كانت أوعيةً للمعاني، فإنها لا محالة تَتَبْع المعاني في مواقعها، فإذا وجَبَ لِمعنًى أن يكون أولاً في النفس، وجَب للفظ الدالِّ عليه أن يكون مثْلَه أوَّلاً في النطق؛ فأمَّا أَن تتصورَ في الألفاظ، أن تكون المقصودةَ قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكْرُ في النظم الذي يتواصفُه البلغاءُ فكْراً في نظْم الألفاظ، أو أن تحتاج بَعْد ترتيبِ المعاني إلى فكْرٍ تستأنفه لأن تجيءَ بالألفاظ على نَسَقها، فباطلٌ من الظن ووهْمٌ يُتخيَّل إلى مَنْ لا يوفي النظرَ حقَّه. وكيف تكونُ مفكِّراً في نظم الألفاظ وأنت لا تعقل لها أوْصافاً وأحوالاً إذا عرفْتَها أنَّ حقها أَن تُنْظَم على وجه كذا؟

стр. 100

ومما يلبِّس على الناظر في هذا الموضع ويُغلِّطه، أنه يَستَبْعد أن يُقال: هذا كلام قد نُظِمتْ معانيهِ. فالعُرْفُ كأنه لم يَجْرِ بذلك. إلاَّ أَنهم وإنْ كانوا لم يسَتعملوا النظْمَ في المعاني، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونَظيرٌ له؛ وذلك قولُهم: إنَّه يُرتِّبُ المعانيَ في نفسه، ويُنْزِلها ويَبْني بعضَها على بعض. كما يقولون: يُرتِّب الفروعَ على الأصول، ويُتْبع المعنَى المعنى، ويُلْحِق النظِير، بالنظير، وإذا كنْتَ تعلم أنهم استعاروا النَّسْجَ والوشيَ والنقشَ والصياغَةَ، لنفس ما استعاروا له النظْم، وكان لا يُشَكُّ في أنَّ ذلك كله تشبيهٌ وتمثيلٌ يَرجع إلى أمورٍ وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حَقِّك أنْ تَعلم أنَّ سبيلَ النظمِ، ذلك السبيلُ. واعلمْ أنَّ مِنْ سبيلك، أن تَعتمِدَ هذا الفصْلَ حدّاً، وتَجْعل النُّكَتَ التي ذكرتُها فيه، على ذُكْرٍ منك أبداً؛ فإنها عَمَدٌ وأُصولٌ في هذا الباب، إذا أنت مكَّنْتَها في نَفْسك، وجدْتَ الشُّبَه تنزاحُ عنك، والشكوكَ تَنْتفي عن قلبك؛ ولا سيما ما ذكرتُ من أنه لا يُتَصوَّر أنْ تَعرِفَ للفظ موضعاً، من غير أن تَعْرف معناه، ولا أن تَتوخَّى في الألفاظ، من حيث هي ألفاظٌ، ترتيباً ونظماً، وأنَّك تَتوخَّى الترتيبَ في المعاني وتُعْمِل الفكْرَ هناك؛ فإذا تَمَّ لك ذلك أتْبَعْتَها الألفاظَ وقَفَوْتَ بها آثارها، وأَنَّك إِذا فرَغْتَ من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكْراً في ترتيب الألفاظ، بل تَجدُها تَترتَّب لك بحُكْم أنها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها ولاحِقةٌ بها، وأن العِلْم بمواقع المعاني في النفس، علمٌ بمواقع الألفاظ الدالَّة عليها في النطق.

стр. 101

فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة وأنها للمعنى لا للفظ واعلمْ أَنك إِذا رجعتَ إلى نفسك، علمتَ علْماً لا يعترضُه الشكُّ، أنْ لا نَظْمَ في الكَلِم ولا ترتيبَ، حتى يُعلَّقَ بعضُها ببعض وَيْبني بعضُها على بعض، وتُجعلَ هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يَجهلُه عاقلٌ، ولا يخْفَى على أحد من الناس. وإذا كان كذلك، فبِنا أَنْ نَنْظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعْلِ الواحدةِ منها، بسبب من صاحبتها، ما معناه وما مَحْصولُه، وإذا نَظَرْنا في ذلك، عَلمْنا أنْ لا محصولَ لها غيرُ أنْ تَعْمدَ إلى اسم، فتَجْعلَه فاعلاً لفعلٍ، أو مفعولاً، أو تَعْمَدَ إلى اسمَيْن، فتَجْعلَ أحدَهما خبراً عن الآخر، أو تُتْبعَ الاسمَ اسماً، على أن يكونَ الثاني صفةً للأول، أو تأكيداً له، أو بدلاً منه، أو تَجِيءَ باسم بَعْد تمامِ كلامكَ، على أن يكون الثاني صفةً، أو حالاً أو تمييزاً، أوْ تتوخَّى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصَير نفْياً أو استفهاماً أو تمنياً، فتُدخِلَ عليه الحروفَ الموضوعة لذلك، أَوْ تُريد في فعلين أن تَجعل أحدَهما شَرْطاً في الآخر فتجيءَ بهما، بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بَعْد اسمٍ من الأسماء التي ضَمِنَتْ معنى ذلكَ - الحرفِ وعلى هذا القياس. وإذا كان لا يكونُ في الكِلِم نَظْمٌ ولا ترتيبٌ، إلاَّ بأن يُصْنَع بها هذا الصنيعُ ونحوه، وكان ذلك كلُّه مما لا يَرْجِعُ منه إلى اللفظ شيءٌ، ومما لا يُتَصوَّر أن يكون فيه ومِنْ صفته - بَانَ بذلك أنَّ الأَمرَ على ما قلناه، مِنْ أنَّ اللفظ تِبْعٌ للمعنى في النظْم، وأنَّ الكلم تَترتَّب في النطق، بسببِ تَرتُّبِ معانيها في النفس، وأنها لَوْ خَلَتْ من مَعانيها حتى تَتجرَّد أصواتاً وأصداءَ حروفٍ، لما وقعَ في ضميرٍ ولا هَجَس في خاطر أن يَجب فيها ترتيبٌ ونَظْم، وأن يُجْعَل لها أمكنةٌ ومنازِلُ، وأن يجب النطقُ بهذه قَبْل النطقِ بتلك، واللهُ الموفقُ للصواب.

стр. 102

فصل تحقيق القول في البلاغة والفصاحة في المعنى واللفظ وهذه شُبْهة أُخرى ضعيفةٌ، عسى أن مُتعلِّقَ بها مُتعلِّقٌ ممن يُقْدم على القول من غير روية؛ وهي أنْ يَدَّعي أنْ لا معنى للفصاحة سوى التلاؤمِ اللفظي، وتعديلِ مِزَاجِ الحروف، حتى لا يتلاقى في النطق حروفٌ تَثْقلُ على اللسَان، كالذي أنَشْدَه الجاحظ من قول الشاعر [من الزجر]: وقَبْرَ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرِ ... وليس قُرْبَ قبرِ حَرْبٍ قَبْرُ وقولِ ابن يسير [من الخفيف]: لا أُذِيل الآمالَ بَعدك إنِّي ... بَعْدَها بالآمالِ جِدُّ بَخيلِ كم لها موقفٌ ببابِ صديقٍ ... رجَعتْ مِنْ نَداه بالتعطيلِ لم يَضِرْها والحمدُ لله شيءٌ ... وانثنتْ نحو عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُول قال الجاحظ: فَتَفَقّدِ النِّصْفَ الأخيرَ من هذا البيت، فإنك ستجدُ بعضَ ألفاظه تَتبرَّأ من بعض. ويُزعمُ أن الكلامَ في ذلك على طبقات: فمنه المتناهي في الثِّقَل المفرط فيه، كالذي مَضَى، ومنه ما هو أَخَفُّ منه كقول أبي تمام [من الطويل]: كريمٌ متى أمدحْه أمدَحْهُ والوَرى ... معي، وإذا ما لُمْتُهُ وَحْدي ومنه ما يكون فيه بعضُ الكُلْفة على اللسان، إلاَّ أَنه لا يَبلغُ أن يُعابَ به صاحبُه، ويُشْهرَ أمرُه في ذلك، ويُحْفَظَ عليه. ويزعمُ أن الكلامَ إذا سَلمَ من ذلك، وصفَا من شَوْبِه كان الفصيح المشادَ به والمُشارَ إليه. وأنَّ الصفاءَ أيضاً يكون على مراتبَ يعلو بعضُها بعْضاً، وأنَّ له غايةً إذا انتهى إليها، كان الإعجاز.

стр. 103

والذي يُبْطل هذه الشبهةَ - إن ذَهب إليها ذاهبٌ - أنَّا، إنْ قَصرْنا صِفةَ الفصاحةِ على كَوْن اللفظِ كذلك، وجَعلْناه المرادَ بها، لَزِمَنَا أنْ نُخرج الفصاحةَ من حيِّز البلاغة ومِنْ أنْ تكون نَظيرةً لها. وإذا فَعلْنا ذلك، لم نَخْلُ من أَحد أَمْرين: إمَا أن نَجْعَله العُمْدةَ في المفاضلة بين العبارتين، ولا نُعرِّجَ على غيره، وإما أن نَجعلَه أَحدَ ما نُفاضل به، ووَجْهاً من الوجوه التي تَقْتضي تقديمَ كلامٍ على كلام؛ فإنْ أَخَذْنا بالأول، لزِمَنا أنْ نُقْصِر الفَضيلةَ عليه، حتى لا يكون الإعجازُ إلاَّ به. وفي ذلك ما لا يَخْفى من الشَّناعةِ، لأنه يُؤدِّي إلى أنْ لا يكونَ للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة، مِنْ وُضوح الدلالة، وصوابِ الإشارةِ وتَصحيحِ الأقسام، وحُسْن الترتيبِ والنظامِ، والإبداع فِي طريقةَ التشبيهِ والتمثيل، والإِجْمال ثم التفصيلِ، ووَضْعِ الفَصْل، والوَصْل موضِعَهُما، وتَوْفيةِ الحَذْفِ والتأكيد، والتقديمِ والتأخير، شُروطَهما - مدخلٌ فيما له كان القرآنُ مُعْجزاً حتى نَدَّعي أنه لم يكن مُعْجزاً مِن حيثُ هو بليغ، ولا من حيثُ هو قولٌ فصْلٌ، وكلامٌ شريفُ النظم بديعُ التأليف، وذلك أنه لا تَعلُّقَ لشيءٍ من هذه المعاني بتلاؤم الحروف. وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤمُ الحروف وَجْهاً من وجوه الفضيلة، وداخِلاً في عِداد ما يُفاضَلُ به بين كلامٍ وكلامٍ على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضَررٌ علينا، لأنه ليس بأكثرَ من أن يعمدَ إلى الفصاحة فيًخرجَها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكونَ نظيرةً لهما، وفي عِدادِ ما هو شَبَهُهُما من البراعة والجزالة، وأشباه ذلك ما يُنبئ عنْ شرفِ النظْمِ، وعن المزايا التي شرحتُ لك أَمْرَها، وأعلَمْتُك جِنْسَها، أو يَجْعلها اسماً مشتركاً، يقَعُ تارة لِمَا تَقعُ له تلك، وأخرى لِما يَرْجع إلى سلامة، اللفظ، مما يُثْقِل على اللسان. وليس واحدٌ من الأمرين بقادحٍ فيما نحْنُ بصدده.

стр. 104

وإنْ تعَسَّفَ متعسفٌ في تلاؤم الحروف، فبَلغَ به أن يكون الأصلَ في الإعجاز، وأَخرجَ سائر مَا ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مَدْخلٌ أو تأثيرٌ فيما له كان القرآنُ معجزاً، كان الوجهُ أن يقال له: إنَّه يَلزمُكَ، على قياس قولِكَ، أن تُجوِّزَ أنْ يكون هاهنا نظمٌ للألفاظ وترتيبٌ، لا على نَسَقِ المعاني، ولا على وجْهٍ يُقْصَد به الفائدةُ، ثم يكونَ مع ذلك مُعْجزاً، وكَفى به فساداً. فإنْ قال قائلٌ: إني لا أجعلُ تلاؤمَ الحروفِ مُعْجزاً، حتى يكونَ اللفظُ مع ذلك دالاً؛ وذاك أَنه إنما يُصْعبُ مراعاةُ التعادلِ بين الحروفِ، إذا احتيجَ مع ذلك إلى مراعاة المعاني؛ كما أنه إنَّما يَصْعب مراعاةُ السجعِ والوزنِ؛ ويصعبُ كذلك التجنيسُ والترصيعُ، إذا رُوعي معه المَعْنى. قيلَ له: فأنتَ الآن إنْ عقَلْتَ ما تَقولُ، قد خرجْتَ من مَسْأَلتك، وتركْتَ أن يَسْتحِقَّ اللفظُ المزيةَ من حيثُ هو لفظٌ، وجئْتَ تَطْلبُ لِصعوبةِ النظْمِ فيما بين المعاني طريقاً، وتَضَعُ له علَّةً غيرَ ما يعرفُه الناسُ، وتدَّعي أنَّ ترتَيبَ المعاني سهْل، وأنَّ تفاضُلَ الناس في ذلك إلى حَدِّ، وأَنَّ الفضيلةَ تَزْداد وتَقْوى، إذا تُوَخِّي في حروف الألفاظِ التعادلُ والتلاؤمُ؛ وهذا منك وَهُمٌ؛ وذلكَ أنَّا لا نَعلمُ لِتَعادُلِ الحروف معنًى، سوى أنْ تَسْلَم من نَحْوِ ما تَجدُهُ في بيت أبي تمام [من الرمل]: كريمٌ متى أَمْدَحْه أمدَحْه والوَرى وبيتِ ابن يسير [من الرمل]: وانثنتْ نحو عَزْفِ نفسٍ ذهولِ

стр. 105

وليس اللفظ السليمُ من ذلك بِمُعْوِزٍ، ولا بعزيزِ الوجود، ولا بالشيء لا يَستطيعُه إلاَّ الشاعرُ المُفْلِق والخطيبُ البليغ، فيستقيمَ قياسُه على السجعِ والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامَه المتكلمُ، صَعُبَ عليه تصحيحُ المعاني وتأدية الأغراض. فقولُنا: أطالَ اللهُ بقاءك، وأدامَ عزَّك، وأَتمَّ نِعمتَهُ عليك، وزاد في إحسانه عندَكَ: لفْظٌ سليم مما يَكُدُّ اللسانَ، وليس في حروفه استكراهُ. وهكذا حالُ كلام الناس في كُتُبهم ومحاوراتهم، لا تكادُ تَجد فيه هذا الاستكراهَ، لأنه إنما هو شيء يَعْرِضُ للشاعر إذا تكلَّف وتَعمَّل. فأمَّا المُرْسِلُ نفْسَه على سجيتها فلا يَعْرض له ذلكَ. وهذا - والمتعلِّلُ بمثل ما ذكرتُ، من أَنه يكون تلاؤمُ الحروف مُعْجزاً، بعد أن يكون اللفظ دالاً، لأن مراعاةَ التعادل إنما تَصْعبُ إذا احتيجَ مع مراعاة المعاني - إذا تأملَت - يَذْهب إلى شيء ظريفٍ، وهو أن يُصْعُبَ مَرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وذلك محال؛ لأن الذي يَعْرفُه العقلاءُ عكْسُ ذلك، وهو أَن يصْعُبَ مرامُ المعنى بسبب اللفظ؛ فصعوبةُ ما صَعُبَ من السجع، هي صعوبةٌ عرضَتْ في المعاني من أجل الألفاظ؛ وذاك أنه صعُبَ عليك أن تُوفِّقَ بين معاني تلك الأَلفاظِ المسجَّعةِ، وبين معاني الفُصول التي جُعِلَتْ أردافاً لها، فلم تَسْتطعْ ذلك إلاَّ بعد أن عَدلْتَ عن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ، أوْ دخلْتَ في ضرْبٍ من المجاز، أو أخذْتَ في نوعٍ من الاتِّساع، وبعد أن تَلطَّفْتَ على الجملة ضَرباً من التلطف. وكيف يُتَصوَّرُ أن يَصعُبَ مرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وأنتَ إن أردْتَ الحقَّ، لا تَطْلبُ اللفظَ بحالٍ وإنما تَطْلبُ المعنى؛ وإذا ظفِرْتَ بالمعنى فاللفظُ معك وإزاءَ ناظرِك؟ وإنما كان يُتَصوَّرُ أن يصْعُبَ مَرامُ اللفظِ من أجل المعنى، أنْ لو كنتَ إذا طلبْتَ المعنى فحصَّلْتَه، احتجْتَ إلى أن تَطْلبَ اللفظَ على حِدَة، وذلك محال.

стр. 106

هذا - وإذا توهَّمَ متوهِّمٌ، أَنَّا نحتاجُ إلى أن نَطْلبَ اللفظَ، وأنَّ مِن شأْن الطلبِ، أن يكون هناك، فإنَّ الذي يتَوَّهم أنَّهُ يَحتاج إلى طَلَبه، هو ترتيبُ الألفاظ في النطق لا مَحالة؛ وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نَرْجِع إلى نفوسنا فنَنْظر: هل يُتَصوَّر أن نُرتِّب مَعاني أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ في النفس، ثم يَخْفى علينا مواقِعُها في النطق، حتى يُحْتاجَ في ذلك إلى فكْرٍ وروية؟ وذلك ما لا يَشكُّ فيه عاقلٌ إِذا هو رَجَعَ إِلى نفسه. وإِذا بطَلَ أن يكون ترتيب اللفظ مطلوباً بحالٍ، ولم يكن المطلوبُ أبداً إلا ترتيبُ المعاني، وكان معوَّلُ هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحلَّ كلامُه، وبانَ أنه ليس لِمنْ حام في حديثِ المزيةِ والإعجازِ حَوْل اللفظِ، ورامَ أنْ يجعلَه السببَ، في هذه الفضيلةِ، إِلا التسكُّعُ في الحيرة، والخروجُ عن فاسدٍ من القول إلى مثله، واللهُ الموفِّق للصواب. فإنْ قيل: إذا كان اللفظُ بمَعْزِلٍ عن المزية التي تنازَعْنا فيها، وكان مقصورةً على المعنى، فكيف كانت الفصاحةُ من صفاتِ اللفظِ البتَّةَ؟ وكيف امْتَنَع أن يَوصفَ بها المعنى، فيقالُ: معنًى فَصِيحٌ وكلامٌ فصيحُ المعنى؟ قيل: إنما اختُصَّت الفصاحةُ باللفظِ، وكانت مِنْ صِفته من حيث كانت عبارةً عن كونِ اللفظِ على وَصْفٍ، إذا كان عليه، دلَّ على المزية التي نحن في حديثها! وإِذا كانت لِكَوْن اللفظ دالآ، استحال أنْ يُوصفَ بها المعنى، كما يَسْتحيلُ أن يوصَف المعنى بأنه دالٌّ مَثلاً، فاعرِفْ.

стр. 107

فإنْ قيل: فماذا دَعا القدماءَ إلى أن قَسَموا الفضيلةَ بين المعنى واللفظِ فقالوا: معنى لطيفٌ ولفظ شريفٌ وفَخَّموا شأنَ اللفظ وعظَّموه، حتى تَبِعَهم في ذلك مَن بَعْدَهم، وحتى قال أهلُ النظر: إنَّ المعاني لا تَتزايد، وإِنما تتزايدُ الألفاظُ، فأَطلقوا كما ترى، كلاماً يُوهِمُ كلَّ مَنْ يَسمعهُ أنَّ المزيَّةَ في حاق اللفظ؟ قيلَ له: لمَّا كان المعاني إنما تَتبيَّنُ بالألفاظِ، وكان لا سبيلَ للمرتِّب لها، والجامعِ شَمْلَها، إلى أن يُعْلمكَ ما صنَعَ في ترتيبها بفِكْره، إلا بترتيب الألفاظِ في نُطْقه، تجوَّزوا فكنُّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالأَلفاظ بحذْفِ الترتيب، ثم أَتْبَعوا ذلك من الوصفِ والنعْت ما أبانَ الغرضَ، وكشفَ عن المراد، كقولهم: "لفظٌ متمكّن"، يُريدون أنه بموافقة معناهُ لمعنى ما يليهِ، كالشيء الحاصلِ في مكانٍ صالح يطمئنُّ فيه، "ولفظٌ قلِقٌ نابٍ"، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه - إلى سائر ما يَجيء صفةً في صفة اللفظ، مما يُعْلَم أنه مستعارٌ له مِنْ معناه، وأنهم نَحَلوه إياه بسبب مضمونهِ ومؤدَّاه، هذا - ومَنْ تَعلَّق بهذا وَشَبهِه، واعترضَهُ الشكُّ فيه بعد الذي مضَى من الحِجَج، فهو رجلٌ قد أَنِسَ بالتقليد، فهو يَدْعو الشبهةَ إلى نفسه مِنْ هاهنا وثَمَّ؛ ومَنْ كان هذا سبيلَه، فليس له دواءٌ سوى السكوتِ عنه، وتَرْكِهِ وما يَختارُه لنفسه من سوء النظر وقِلَّةِ التدبُّرْ. قد فرَغْنا الآن من الكلام على جنسِ المزية، وأنها من حيِّز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليستْ لك حيثُ تَسْمعُ بأُذَنك، بل حيث تَنْظرُ بقلبك، وتَستعينُ بفكرك، وتُعْمل رَوِيَّتَك وتَراجع عقْلَك، وتَسْتنجِدُ في الجملة فَهْمَك، وبلغَ القولُ في ذلك أقصاه، وانتهى إلى مَدَاه.

стр. 108

وينبغي أن نأخذَ الآنَ في تفصيل أمرِ المزية، وبيانِ الجهات التي منها تَعْرِض؛ وإنَّه لَمَرامٌ صعْبٌ ومطْلَبٌ عسير؛ ولولا أَنه على ذلك، لما وجَدْت الناسَ بين مُنْكِرٍ له من أَصْله، ومُتخيِّلٍ له على غيرِ وَجْههِ، ومعتقِدٍ أَنه بابٌ لا تَقْوى عليه دَونَه مغْلقٌ، وأنَّ معانيَك فيه، مَعانٍ تَأبى أن تَبْرُز مِن الضمير، وأنْ تَدِينَ للتبيينِ والتصوير، وأن تُرى سافرةً لا نِقابَ عليها، وناديةً لا حِجابَ دونها، وأن ليس للواصِفِ لها، إلاَّ أن يُلَوِّح ويُشيرَ، أَوْ يَضربَ مثَلاً يُنْبئُ عن حُسْنٍ قد عرَفَه على الجملة، وفضيلةٍ قد أَحسَّها من غير أن يُتْبعَ ذلك بياناً، ويُقيمَ عليه برهاناً، ويَذكُرَ له علةً، ويُورِدَ فيه حَجَّة، وأنا أُنْزِلُ لك القولَ في ذلك وأُدرِّجه شيئاً فشيئاً، واستعينُ بالله تعالى عليه، وأَسألُه التوفيقَ.

стр. 109

فصل: الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة اعْلَم أنَّ لهذا الضرْبِ اتِّساعاً وتفنناً، لا إلى غاية إلاَّ أنَّه على اتِّساعه يَدورُ في الأَمْر الأعمِّ عَلى شيئين: الكناية والمجاز. والمرادُ بالكناية هاهنا: أن يُريد المتكلمُ إثباتَ معنًى من المعاني، فلا يذكُرُه باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكنْ يَجيءُ إلى معنى هو تاليه ورِدْفُه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجَعلُه دلياً عليه؛ مثال ذلك قولهم: "هو طويل النجاد"، يريدونَ: طويلَ القامة. "وكثيرُ رمادِ القِدْر"، يَعْنون: كثيرَ القِرى، وفي المرأة: "نَؤومُ الضحى"، والمرادُ أنها مُتْرفةٌ مخَدْومة، لها مَنْ يكفيها أمْرَها، فقد أرادوا في هذا كله كما ترى، معنًى، ثمَّ لم يَذْكُروه بلفظه الخاصِّ به، ولكنهم تَوصَّلوا إِليه بِذِكْر معنًى آخر، مِنْ شأنِه أن يَرْدُفَه في الوجود، وأنْ يكونَ، إذا كان. أَفلا تَرى أنَّ القامةَ إذا طالتْ، طالَ النجادُ؟ وإذا كثُرَ القِرى، كثُرَ رَمادُ القِدْر؟ وإذا كانت المرأةُ مُتْرفةً، لها مَنْ يَكفيها أَمْرَها، رَدِف ذلك أَنْ تنام إلى الضحى؟ وأمَّا الَمجاز، فقد عوَّل الناسُ في حدِّه على حديث النَّقْل، وأنَّ كلَّ لفظٍ نُقِلَ عن موضوعه فهو مَجاز. والكلامُ في ذلك يَطولُ. وقد ذكرتُ ما هو الصحيحُ من ذلك في موضعٍ آخر. وأنَا أَقْتصرُ هاهنا، على ذِكْر ما هو أشهرُ منه وأظهَرُ، والاسمُ والشهرةُ فيه لشيئين: الاستعارةُ والتمثيلُ، وإنما يكونُ التمثيلُ مَجازاً إذا جاء على حَدِّ الاستعارة. فالاستعارة: أن تُريدَ تشبيهَ الشيءِ بالشيء، فَتَدعَ أنْ تُفْصحَ بالتشبيهِ وتُظْهرَه، وتجيءَ إلى اسم المشبَّه بهِ، فتعُيِرَه المِشبَّةَ، وتُجْرِيَه عليه. تريد أن تَقول: رأيتُ رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء، فتَدَعُ ذلك، وتقول: (رأيتُ أسداً) وضَرْبٌ آخرُ من الاستعارة، وهو ما كان نحو قوله [من الكامل]: إذْ أَصْبَحتْ بيد الشَّمال زِمامُها هذا الضربُ وإِن كان الناس يَضمُّونه إِلى الأَوَّل، حيث يذكرون الاستعارة، فليسا سَواءً؛ وذاك أنكَ في الأول، تجعلُ الشيءَ، الشيءَ ليس به، وفي الثاني تجعل للشيء، الشيءَ له. تفسيرُ هذا أنك إذا قلت: (رأيتُ أسداً)، فقد ادَّعيت في إنسانٍ أنه أسدٌ وجعْلته إياه، ولا يكون الإِنسان أَسَداً. وإذا قلتَ: إذ أصبحَتْ بيد الشمال زمامها فقد ادَّعيْتَ أن لِلشَّمال يداً؛ ومَعْلومٌ أنه لا يكون للريحِ يَدٌ. وهاهنا أَصْلٌ يجبُ ضَبْطُه، وهو أَنَّ جعلَ المشبَّهة، المشبَّهَ به على ضرِبين: أَحدُهما أنْ تُنْزِلَه مَنزلةَ الشيءِ تَذكُرُه بأَمرٍ قد ثبتَ له، فأنتَ لا تحتاج إلى أَنْ تَعْمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تُسْقِط ذكرَ المشبَّه من الشيئين، ولا تَذْكُرُه بوجهٍ من الوجوه. كقولك: رأيتُ أسداً.

стр. 110

والثاني أن تَجعلَ ذلكَ كالأمرِ الذي يَحتاجُ إلى أن تَعْمل في إثباته وتزجيته. وذلك حيث تُجْري اسْمَ المشبَّهِ به صراحةً على المشبَّه، فتقول: (زيدٌ أسَدٌ وزيدٌ هو الأسدُ)؛ أو تجيءُ به على وجهٍ يَرجعُ إلى هذا، كقولك: (إنْ لقيتَه لقيتَ به أسداً، وإنْ لقيتَه لَيَلْقيَنَّكَ منهُ الأسدُ)؛ فأنتَ في هذا كلِّه، تَعملُ في إثبات كونهِ أَسداً أو الأَسَدَ، وتَضعُ كلامَك له. وأمَّا في الأول، فتُخرِجُه مَخرجَ ما لا يَحْتاجُ فيه إلى إثبات وتقرير. والقياسُ يقتضي أنْ يُقال في هذا الضرب، أَعْني ما أنتَ تَعْملُ في إِثباتِه وتَزْجِيتهِ، أنَّه تَشبيهٌ على حد المبالغة؛ ويقتصرُ على هذا القدرِ ولا يُسمَّى استعارة. وأمَّا التمثيل الذي يكون مجازاً، لمجيئك به على حَدِّ الاستعارة، فمِثالُه قولُك للرجل، يَتردَّدُ في الشيء بين فِعْله وتَرْكهِ: أَراكَ تقدِّمُ رِجْلاً وتُؤخِّر أُخرى؛ فالأصْل في هذا: أَراكَ في تَردُّدِك، كَمَنْ يُقَدِّمُ رجْلاً ويؤخِّر أخرى؛ ثم اخْتُصِرَ الكلام، وجُعِل كأنه يُقدِّم الرِّجْلَ ويُؤخِّرها على الحقيقة، كما كان الأصْلُ في قولك: رأيتُ أَسَداً: "رأَيتُ رجلاً كالأسد"، ثم جُعِل كأنه الأَسَدُ على الحقيقة. وكذلك تقولُ للرجل: يَعْمَل غيرَ مَعْمَل: أَراك تَنفُخُ في غير فحمٍ، وتَخُطُّ على الماء، فَتجْعلُه في ظاهر الأمر، كأنه يَنفخُ ويَخطُّ؛ والمعنىعلى أنك في فِعْلِك كمن يَفْعل ذلك. وتقولُ للرجل يُعمِلُ الحيلةَ حتى يُميلَ صاحبَه إلى الشيء، وقد كان يأباه ويَمْتنعُ منه: (ما زال يَفْتِل في الذِّروة والغارب، حتى بَلغَ منه ما أَراد) فتَجْعلُه بظاهر اللفظ، كأنه كان منه فَتْلٌ في ذِرْوَةٍ وغاربٍ، والمعنى على أنه لم يَزَلْ يَرْفِقُ بصاحبهِ رِفْقاً يُشبهُ حالُه فيه حالَ الرجل يَجيء إلى البعير الصَّعْب فيَحكُّه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يَسْكنَ ويَسْتأنسَ. وهو في المعنى، نَظيرُ قولهم: (فلان يُقَرِّدُ فلاناً). يَعني به: أنه يتلطَّف له، فعلَ الرجل يَنْزَعُ القراد من البعير لِيَلَذَّ ذلك، فيَسْكُن ويَثْبتُ في مكانه، حتى يتمكن من أَخْذه. وهكذا كل كلام رأيتَهم قد نَحَوْا فيه التمثيلَ، لم يُفْصحوا بذلك، وأَخرجوا اللفظ مخرَجَه، إذا لم يريدوا تمثيلاً.
следующие страницы →