ساقه ابن سعد، قال: وقيل له كندة لأنه كند أباه النعمة أي: كفره.
وكان اسم الأشعث: معديكرب وكان أبدًا أشعث الرأس فغلب عليه.
له صحبة ورواية.
حدث عنه الشعبي وقيس بن أبي حازم وأبو وائل. وأرسل عنه إبراهيم النخعي.
وأصيبت عينه يوم اليرموك وكان أكبر أمراء علي يوم صفين.
منصور والأعمش، عن أبي وائل قال لنا الأشعث: في نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. خاصمت رجلًا إلى رسول الله ﷺ فقال: "ألك بينة"؟ قلت: لا. قال: "فيحلف"؟ قلت: إذًا يحلف، فقال: "من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالًا لقي الله وهو عليه غضبان" (١).
قال ابن الكلبي: وفد الأشعث في سبعين من كندة على النبي ﷺ .
مجالد، عن الشعبي، عن الأشعث قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد قلت صغير ولد مخرجي إليك، .... الحديث (٢).
وعن إبراهيم النخعي قال: ارتد الأشعث في ناس من كندة فحوصر وأخذ بالأمان فأخذ الأمان لسبعين. ولم يأخذ لنفسه فأتى به الصديق فقال: إنا قاتلوك لا أمان لك فقال: تمن علي وأسلم? قال ففعل. وزوجه أخته.
زاد غيره: فقال لأبي بكر: زوجني أختك فزوجه فروة بنت أبي قحافة.
رواه أبو عبيد في الأموال فلعل أباها فوض النكاح إلى أبي بكر.
ابن أبي خالد، عن قيس قال: لما قدم بالأشعث بن قيس أسيرًا على أبي بكر: أطلق وثاقه وزوجه أخته. فاخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى ناقة ولا جملا إلَّا عرقبه. وصاح الناس كفر الأشعث ثم طرح سيفه وقال: والله ما كفرت ولكن هذا
стр. 1437
الرجل زوجني أخته ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه. يا أهل المدينة انحروا وكلوا! ويا أهل الإبل تعالوا خذوا شرواها.
رواه عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام بن حرب عنه.
إسماعيل، عن قيس قال: شهدت جنازة فيها الأشعث وجرير فقدم الأشعث جريرًا وقال: إن هذا لم يرتد وإني ارتددت. قال أبو عبيدة: كان على ميمنة علي يوم صفين الأشعث.
مسلمة بن محارب، عن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية قال: حصل معاوية في تسعين ألفًا فسبق فنزل الفرات وجاء علي فمنعهم معاوية الماء فبعث علي الأشعث في ألفين وعلى الماء لمعاوية أبو الأعور في خمسة آلاف فاقتتلوا قتالًا شديدًا وغلب الأشعث على الماء.
الأعمش، عن حيان أبي سعيد التيمي قال: حذر الأشعث من الفتن فقيل له خرجت مع علي! فقال: ومن لك إمام مثل علي.
وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل الأشعث على علي في شيء فتهدده بالموت فقال علي: بالموت تهددني ما أباليه هاتوا لي جامعة وقيدًا ثم أومأ إلى أصحابه قال: فطلبوا إليه فيه فتركه.
أبو المغيرة الخولاني: حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني أبو الصلت الحضرمي قال: حلنا بين أهل العراق وبين الماء فأتانا فارس ثم حسر فإذا هو الأشعث بن قيس فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ ! هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري? أم هبوا أنا قتلناكم فمن للبعوث والذراري? إن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. قال معاوية: فما تريد? قال: خلوا بيننا وبين الماء. فقال لأبي الأعور: خل بين إخواننا وبين الماء.
روى الشيباني، عن قيس بن محمد بن الأشعث: أن الأشعث كان عاملًا لعثمان على أذربيجان فحلف مرة على شيء فكفر، عن يمينه بخمسة عشر ألفًا.
إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: كان الأشعث حلف على يمين ثم قال: قبحك الله من مال أما والله ما حلفت إلَّا على حق ولكنه رد على صاحبه وكان ثلاثين ألفًا.
стр. 1438
شريك: حدثنا أبو إسحاق قال: صليت الفجر بمسجد الأشعث فلما سلم الإمام إذا بين يدي كيس ونعل فنظرت فإذا بين يدي كل رجل كيس ونعل. فقلت: ما هذا? قالوا: قدم الأشعث الليلة فقال: انظروا فكل من صلى الغداة في مسجدنا فاجعلوا بين يديه كيسًا وحذاء.
رواه أبو إسرائيل، عن أبي إسحاق إلَّا أنه قال: حلة ونعلين.
أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن ثابت، حدثنا أبو المهاجر، عن ميمون بن مهران قال: أول من مشت معه الرجال وهو راكب: الأشعث بن قيس. روى نحوه أبو المليح، عن ميمون.
قال إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: لما توفي الأشعث بن قيس أتاهم الحسن بن علي فأمرهم أن يوضئوه بالكافور وضوءًا. وكانت بنته تحت الحسن.
قالوا: توفي سنة أربعين وزاد بعضهم بعد علي ﵁ بأربعين ليلة ودفن في داره. وقيل: عاش ثلاثًا وستين سنة.
وقال محمد بن سعد: مات بالكوفة والحسن بها حين صالح معاوية. وهو الذي صلى عليه.
قلت: وكان ابنه محمد بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم وهو والد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج معه الناس وعمل مع الحجاج تلك الحروب المشهورة التي لم يسمع بمثلها. بحيث يقال: إنه عمل معه أحدًا وثمانين مصافًا معظمها على الحجاج. ثم في الآخر خذل ابن الأشعث وانهزم ثم ظفروا به وهلك.
стр. 1439
١٠٥ - حاطب بن أبي بلتعة (١):
عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي المكي حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي.
من مشاهير المهاجرين شهد بدرًا والمشاهد.
وكان رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب مصر.
وكان تاجرًا في الطعام له عبيد وكان من الرماة الموصوفين.
стр. 1440
ذكره الحاكم في "مستدركه" فقال: كان حسن الجسم خفيف اللحية أجنى (١) إلى القصر ما هو شئن الأصابع (٢) قاله الواقدي.
روى هارون بن يحيى الحاطبي قال، حدثني أبو ربيعة، عن عبد الحميد بن أبي أنس، عن صفوان بن سليم، عن أنس سمع حاطبًا يقول: إنه اطلع على النبي ﷺ بأحد قال: وفي يد علي الترس والنبي ﷺ يغسل وجهه من الماء فقال حاطب: من فعل هذا? قال: عتبة بن أبي وقاص هشم وجهي ودق رباعيتي بحجر فقلت: إني سمعت صائحًا على الجبل قتل محمد فأتيت إليك وكأن قد ذهبت روحي فأين توجه عتبة فأشار إلى حيث توجه. فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه فنزلت فأخذت رأسه وسلبه وفرسه وجئت به إلى النبي ﷺ فسلم ذلك إلي ودعا لي. فقال: رضي الله عنك مرتين. إسناد مظلم (٣).
الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: أن عبدًا لحاطب شكا حاطبًا فقال: يا نبي الله ليدخلن النار! قال: كذبت لا يدخلها أبدًا وقد شهد بدرًا والحديبية صحيح (٤).
إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن حاطب: أن أباه كتب إلى كفار قريش كتابًا فدعا رسول الله ﷺ عليًّا والزبير فقال: "انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به". فلقياها وطلبا الكتاب وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها. قالت: ألستما مسلمين قالا: بلى ولكن رسول الله، حدثنا أن معك كتابًا. فحلته من رأسها قال: فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا حتى قرئ عليه الكتاب فاعترف. فقال: "ما حملك"؟ قال: كان بمكة قرابتي وولدي وكنت غريبًا فيكم معشر قريش.
فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله في قتله. قال: "لا، إنه قد شهد بدرًا وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع عل أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم".
стр. 1441
إسناده صالح وأصله في "الصحيحين" (١).
وقد أتى بعض مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم فلامه في ذلك.
وعبد الرحمن ولده ممن ولد في حياة النبي ﷺ وله رؤية.
يروي عنه ولده الفقيه يحيى وعروة بن الزبير وغيرهما توفي سنة ثمان وستين.
ومات حاطب سنة ثلاثين.
стр. 1442
١٠٦ - أبو ذر (١) " ع":
جندب بن جنادة الغفاري، وقيل: جندب بن سكن، وقيل: برير بن جنادة، وقيل: برير بن عبد الله.
ونبأني الدمياطي: أنه جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار أخي ثعلبة ابني مليل بن ضمرة أخي ليث والديل أولاد بكر أخي مرة والد مدلج بن مرة ابني عبد مناة بن كنانة.
قلت: أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد ﷺ .
قيل: كان خامس خمسة في الإسلام. ثم إنه رد إلى بلاد قومه فأقام بها بأمر النبي ﷺ له بذلك فلما أن هاجر النبي ﷺ هاجر إليه أبو ذر ﵁ ولازمه وجاهد معه. وكان يفتي في خلافة أبي بكر عمر وعثمان.
روى عنه: حذيفة بن أسيد الغفاري وابن عباس وأنس بن مالك وابن عمر وجبير بن نفير وأبو مسلم الخولاني وزيد بن وهب وأبو الأسود الدئلي وربعي بن حراش،
стр. 1443
والمعرور بن سويد وزر بن حبيش وأبو سالم الجيشاني سفيان بن هانيء وعبد الرحمن بن غنم والأحنف بن قيس وقيس بن عباد وعبد الله بن الصامت وأبو عثمان النهدي وسويد بن غفلة وأبو مراوح وأبو إدريس الخولاني وسعيد بن المسيب وخرشة بن الحر وزيد ين ظبيان وصعصعة بن معاوية وأبو السليل ضريب بن نفير وعبد الله بن شقيق وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبيد بن عمير وغضيف بن الحارث وعاصم بن سفيان وعبيد بن الخشخاش وأبو مسلم الجذمي وعطاء بن يسار وموسى بن طلحة وأبو الشعثاء المحاربي ومورق العجلي ويزيد بن شريك التيمي و أبو الأحوص المدني شيخ للزهري وأبو أسماء الرحبي وأبو بصرة الغفاري وأبو العالية الرياحي وابن الحوتكية وجسرة بنت دجاجة.
فاتته بدر، قاله: أبو داود.
وقيل: كان آدم ضخمًا جسيمًا كث اللحية.
وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل قوالًا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم على حدة فيه.
وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر.
أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي (١) وأحمد بن هبة الله قالا: أخبرنا زين الأمناء حسن بن محمد، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، حدثنا علي بن إبراهيم الحسيني، أخبرنا محمد بن علي بن سلوان، أخبرنا الفضل بن جعفر التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي، حدثنا أبو مسهر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي بن إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، عن رسول الله ﷺ عن جبريل، عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا يا عبادي إنكم الذين تخطؤون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي كلكم جائع إلَّا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عارٍ إلَّا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي
стр. 1444
شيئًا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئًا إلَّا كما ينقص البحر أن يغمس المحيط غمسة واحدة. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلَّا نفسه".
قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. أخرجه مسلم (١).
نقل الواقدي، عن خالد بن حيان قال: كان أبو ذر وأبو الدرداء في مظلتين من شعر بدمشق.
وقال أحمد بن البرقي: أبو ذر اسمه: يزيد بن جنادة. وقال سعيد بن عبد العزيز: اسمه برير.
قال أبو قلابة، عن رجل عامري قال: كنت أعزب، عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فوقع ذلك في نفسي فنعت لي أبو ذر فحججت فدخلت مسجد منى فعرفته فإذا شيخ معروق آدم عليه حلة قطري.
стр. 1445
وقال حميد بن هلال:، حدثني الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة فدخلت مسجدها فبينما أنا أصلي إذ دخل رجل طوال آدم أبيض الرأس واللحية محلوق يشبه بعضه بعضًا. فاتبعته فقلت: من هذا قالوا: أبو ذر.
سليمان بن المغيرة وابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا وأحسن. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت، عن أهلك يخالفك إليهم أنيس فجاء خالنا فذكر لنا ما قيل له. فقلت أما ما مضى من معروفك فقد كدرته و لا جماع لك فيما بعد فقدمنا صرمتنا (١) فاحتملنا عليها وجعل خالنا يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر (٢) أنيس، عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسًا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.
قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن قال: لله. قلت: أين توجه? قال: حيث وجهني الله أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس.
فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي (٣) ثم جاء. فقلت: ما صنعت قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أنه مرسل. قلت: فما يقول الناس? قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر. قال: وكان أنيس أحد الشعراء فقال: لقد سمعت قول الكهنة وما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فما يلتئم على لسان أحد أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون! قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر.
فأتيت مكة فتضعفت رجلًا منهم فقلت: من هذا الذي تدعونه الصابئ? فأشار إلي فقال: الصابئ. قال: فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيًا علي فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب (٤) أحمر فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها.
стр. 1446
وقد لبثت يابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما لي طعام إلَّا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عكني وما وجدت على كبدي سخفة (١) جوع.
فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (٢) جاءت امرأتان تطوفان وتدعوان إسافًا ونائلة (٣) فأتتا علي في طوافهما. فقلت: أنكحا أحدهما الأخر فما تناهتا، عن قولهما فأتتا علي. فقلت: هن (٤) مثل الخشبة غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان تقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا فاستقبلهما رسول الله وأبو بكر وهما هابطتان فقال: "ما لكما"؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: "فما قال لكما"؟ قالتا: إنه قال كلمة تملأ الفم.
قال: وجاء رسول الله حتى استلم الحجر ثم طاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى. وكنت أول من حياه بتحية الإسلام. قال: "عليك ورحمة الله من أين أنت"؟ قلت: من غفار فأهوى بيده ووضع أصابعه على جبهته.
فقلت في نفسي: كره أني انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده فدفعني صاحبه وكان أعلم به مني.
قال: ثم رفع رأسه فقال: "متى كنت ههنا"؟ قلت: منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم قال: "فمن كان يطعمك"؟ قلت: ما كان لي طعام إلَّا ماء زمزم فسمنت وما أجد على بطني سخفة جوع. قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم" (٥).
فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة فانطلقنا ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فكان أول طعام أكلته بها.
وأتيت رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلَّا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم"؟.
стр. 1447
قال: فانطلقت فلقيت أنيسًا فقال: ما صنعت قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة، عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأسلمت أمنا فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفار فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رخصه وكان سيدهم. وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم نصفهم الباقي.
وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا.
فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله".
أخرجه مسلم (١).
قال أبو جمرة: قال لنا ابن عباس: إلَّا أخبركم بإسلام أبي ذر قلنا: بلى قال: قال أبو ذر: بلغني أن رجلًا بمكة قد خرج يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فقلت: انطلق إلى هذا الرجل فكلمه. فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت: ما عندك قال: والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير وينهى، عن الشر. قلت: لم تشفني. فأخذت جرابًا وعصًا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد فمر علي بن أبي طالب فقال: هذا رجل غريب قلت: نعم. قال: انطلق إلى المنزل. فانطلقت معه لا أسأله، عن شيء ولا يخبرني!
فلما أصبح الغد جئت إلى المسجد لا أسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعود قلت: لا. قال: ما أمرك وما أقدمك قلت: إن كتمت علي أخبرتك قال: أفعل. قلت: قد بلغنا أنه قد خرج نبي. قال: أما قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني وادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت.
فمضى ومضيت معه فدخلنا على النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله اعرض علي الإسلام. فعرض علي فأسلمت مكاني فقال لي: "يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل". فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم.
стр. 1448
فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمد عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس فأكب علي وقال: ويلكم تقتلون رجلًا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأطلقوا عني. فلما أصبحت رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي كذلك وأدركني العباس فأكب علي.
فهذا أول إسلام أبي ذر.
أخرجه: البخاري ومسلم من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي جمرة (١).
ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن خفاف بن إيماء قال: كان أبو ذر رجلًا يصيب وكان شجاعًا ينفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو قدميه كأنه السبع فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع مقالة النبي ﷺ وهو يومئذ يدعو مختفيًا فأقبل يسأل عنه (٢).
وعن أبي معشر السندي: كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويوحد ولا يعبد الأصنام (٣).
النضر بن محمد، أخبرنا عكرمة بن عمار: أخبرنا أبو زميل، عن مالك ابن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت رابع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة فأتيت نبي الله فقلت: سلام عليك يا نبي الله. وأسلمت فرأيت الاستبشار في وجهه فقال: "من أنت"؟ قلت: جندب رجل من غفار.
قال: فرأيتها في وجه رسول الله ﷺ . وكان فيهم من يسرق الحاج.
وعن محفوظ بن علقمة، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير قال: كان أبو ذر وعمرو بن عبسة كل منهما يقول: أنا ربع الإسلام (٤).
стр. 1449
قال الواقدي: كان حامل راية غفار يوم حنين أبو ذر.
وكان يقول: أبطأت في غزوة تبوك من عجف (١) بعيري.
ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن مسعود قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول: "دعوه إن يكن فيه خير فسيلحقكم وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره.
قال: وتلوم (٢) بعير أبي ذر فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره وخرج يتبع رسول الله ﷺ . ونظر ناظر فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق فقال رسول الله: "كن أبا ذر". فلما تأمله القوم قالوا: هو والله أبو ذر فقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده".
فضرب الدهر من ضربه وسير أبو ذر إلى الربذة. فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلا به ذلك. فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير. فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا قيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي وقال: صدق رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده".
فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه (٣).
شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن كليب بن شهاب: سمعت أبا ذر يقول: ما تؤيسني رقة عظمي ولا بياض شعري أن ألقي عيسى ابن مريم.
وعن ابن سيرين: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر? قال: ترك أتانين وحمارًا وأعنزًا وركائب.
стр. 1450
يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرنا الحارث بن يزيد الحضرمي: أن أبا ذر سأل رسول الله الإمرة فقال: "إنك ضعيف وإنها خزي وندامة إلَّا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (١).
أبو بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف بن الحارث، عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله ﷺ يبتدئ أبا ذر إذا حضر ويتفقده إذا غاب (٢).
فضيل بن مرزوق حدثنني جبلة بنت مصفح، عن حاطب: قال أبو ذر: ما ترك رسول الله شيئًا مما صبه جبريل وميكائيل في صدره إلَّا قد صبه في صدري ولا تركت شيئًا مما صبه في صدري إلَّا قد صببته في صدر مالك ابن ضمرة (٣). هذا منكر.
عبد الرحمن بن أبي الرجال:، أخبرنا عمر مولى غفرة، عن ابن كعب، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "أوصاني بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم وأنظر إلى من تحتي ولا أنظر إلى من فوقي وأن أصل الرحم وإن أدبرت وأن أقول الحق وإن كان مرًا وأن أقول لا حول ولا قوة إلَّا بالله" (٤).
стр. 1451
الأعمش، عن عثمان بن عمير، عن أبي حرب بن أبي الأسود: سمعت عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر" (١).
стр. 1452
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن النبي ﷺ . مثله: وجاء نحوه لجابر وأبي هريرة (١).
أبو أمية بن يعلى وهو واه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر" (٢).
سلام بن مسكين:، أخبرنا مالك بن دينار أن النبي ﷺ قال: "أيكم يلقاني على الحال الذي أفارقه عليه". فقال أبو ذر: أنا. فقال له النبي ﷺ : "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر من سره أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر" (٣).
حجاج بن محمد، عن ابن جريج أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود، عن أبيه. ثم قال ابن جريج ورجل، عن زاذان قالا: سئل علي، عن أبي ذر فقال: وعى علمًا عجز عنه وكان شحيحًا على دينه حريصًا على العلم يكثر السؤال وعجز، عن كشف ما عنده من العلم.
سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، أخبرنا عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه قال: وتخوفنا عثمان عليه فانتهى إليه فسلم ثم ما بدأه بشيء إلَّا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين والله ما أنا منهم ولا أدركهم. ثم استأذنه إلى الربذة.
стр. 1453
يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي إدريس، عن المسيب بن نجبة، عن علي أنه قيل له: حدثنا عن أصحاب محمد ﷺ حدثنا عن أبي ذر قال: علم العلم ثم أوكى فربط عليه رباطًا شديدًا? (١) أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، سمع عليًّا يقول: أبو ذر وعاء ملئ علما أوكى عليه فلم يخرج منه شيء حتى قبض.
عن أبي سلمة مرسلًا: أن النبي ﷺ قال: "اللهم اغفر لأبي ذر وتب عليه".
ويروى، عن النبي ﷺ : "إنه لم يكن نبي إلَّا وقد أعطي سبعة رفقاء ووزراء وإني أعطيت أربعة عشر". فسمى فيهم أبا ذر (٢).
شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بحب أربعة وأخبرني الله تعالى أنه يحبهم". قلت: من هم يا رسول الله قال: "علي وأبو ذر وسلمان والمقداد بن الأسود" (٣).
قال شهر بن حوشب: حدثتني أسماء: أن أبا ذر كان يخدم النبي ﷺ فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد وكان هو بيته. فدخل النبي ﷺ فوجده منجدلًا في المسجد. فنكته رسول الله ﷺ برجله حتى استوى جالسًا فقال: "ألا أراك نائمًا? " قال: فأين أنام هل لي من بيت غيره? فجلس إليه ثم قال: "كيف أنت إذا أخرجوك منه? " قال: ألحق بالشام فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء فأكون رجلًا من أهلها. قال له: "كيف أنت إذا أخرجوك من الشام? " قال: أرجع إليه فيكون بيتي ومنزلي. قال: "فكيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية? " قال: آخذ إذًا سيفي فأقاتل حتى أموت.
стр. 1454
قال: فكشر إليه رسول الله ﷺ وقال: "أدلك على خير من ذلك? " قال: بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال: "تنقاد لهم حيث قادوك حتى تلقاني وأنت على ذلك".
أخرجه أحمد في "مسنده" (١).
وفي المسند، أخبرنا أبو المغيرة، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان وأبي المثنى أن أبا ذر قال: بايعني رسول الله ﷺ خمسًا وواثقني سبعًا وأشهد الله علي سبعًا إلَّا أخاف في الله لومة لائم.
أبو اليمان هو الهوزني.
الدغولي:، أخبرنا أبو جعفر الصائغ بمكة، أخبرنا المقري:، أخبرنا المسعودي، أخبرنا أبو عمر الشامي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في المسجد فجلست إليه فقال: "أصليت? " قلت: لا قال: "قم فصل" فقمت فصليت ثم أتيته فقال: "يا أبا ذر استعذ بالله من شياطين الإنس والجن" قلت: وهل للإنس من شياطين قال: "نعم" ثم قال: "يا أبا ذر إلَّا أدلك على كنز من كنوز الجنة? قل: لا حول ولا قوة إلَّا بالله". قلت: فما الصلاة? قال: "خير موضوع فمن شاء أكثر ومن شاء أقل". قلت: فما الصيام قال: "فرض مجزئ" قلت: فما الصدقة قال: "أضعاف مضاعفة وعند الله مزيد". قلت: فأيها أفضل قال: "جهد من مقل أو سر إلى فقير" قلت: فأي ما أنزل الله عليك أعظم قال: "الله لا إله إلَّا هو الحي القيوم" قلت: فأي الأنبياء كان أول قال: "آدم: قلت نبيًا كان? قال: "نعم مكلم" قلت: فكم المرسلون يا رسول الله قال: ثلاث مائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا" (٢).
هشام، عن ابن سيرين أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: "إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها -ونحا بيده نحو الشام- ولا أرى أمراءك يدعونك". قال: أولا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك قال: "لا" قال: فما تأمرني قال: "اسمع وأطع ولو لعبد حبشي".
стр. 1455
فلما كان ذلك خرج إلى الشام فكتب معاوية إنه قد أفسد الشام. فطلبه عثمان ثم بعثوا أهله من بعده فوجدوا عندهم كيسًا أو شيئًا فظنوه دراهم فقالوا: ما شاء الله فإذا هي فلوس.
فقال عثمان: كن عندي قال: لا حاجة لي في دنياكم ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة فأذن له فخرج إليها وعليها عبد حبشي لعثمان فتأخر وقت الصلاة لما رأى أبا ذر فقال أبو ذر: تقدم فصل (١).
سفيان بن حسين، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار وعليه برذعة أو قطيفة (٢).
عفان: أخبرنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم وأمرني أن انظر إلى من هو دوني وأن لا أسأل أحدًا شيئًا وأن أصل الرحم وإن أدبرت وأن أقول الحق وإن كان مرًا وألا أخاف في الله لومة لائم وأن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلَّا بالله فإنهن من كنز تحت العرش (٣).
الأوزاعي: حدثني أبو كثير، عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين، عن الفتيا فرفع رأسه ثم قال: أرقيب أنت علي لو وضعتم الصمصامة على هذه
стр. 1456
وأشار بيده إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
اسم أبي كثير: مرثد.
وعن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي. ثم ضرب بيده على صدره.
الجريري، عن يزيد بن الشخير، عن الأحنف قال: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل.
قال: فوضع القوم رءوسهم فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا.
فأدبر فتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلَّا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فقال: يا أبا ذر فأجبته فقال: "ترى أحدًا"؟ فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظنه يبعثني في حاجة فقلت: أراه فقال: "ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أنفقه كله إلَّا ثلاثة دنانير". ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا.
فقلت: مالك ولإخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم? قال: لا وربك ما أسألهم دنيا ولا أستفتيهم، عن دين حتى ألحق بالله ورسوله (١).
الأسود بن شيبان، عن يزيد بن الشخير، عن أخيه مطرف، عن أبي ذر فذكر بعضه (٢).
موسى بن عبيدة: حدثنا عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قدم أبو ذر من الشام فدخل المسجد وأنا جالس فسلم علينا وأتى سارية فصلى ركعتين تجوز فيهما ثم قرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. واجتمع الناس عليه فقالوا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ .
فقال: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها
стр. 1457
وفي البر صدقته، من جمع دينارًا أو تبرًا أو فضة لا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله كوى به".
قلت: يا أبا ذر انظر ما تخبر، عن رسول الله ﷺ فإن هذه الأموال قد فشت. قال: من أنت ابن أخي فانتسبت له.
فقال: قد عرفت نسبك الأكبر ما تقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٥].
موسى ضعف رواه عنه الثقات.
ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل: سمعت مالك بن عبد الله الزيادي يحدث، عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصا. فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالًا فما ترى قال: إن كان فضل فيه حق الله فلا بأس عليه. فرفع أبو ذر عصاه وضرب كعبًا وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب أن لي هذا الجبل ذهبًا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ستة أواق". أنشدك الله يا عثمان: أسمعته قال مرارًا قال: نعم (١).
قلت: هذا دال على فضل إنفاقة وكراهية جمعه لا يدل على تحريم.
حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان فلما دخل حسر، عن رأسه وقال: والله ما أنا منهم يا أمير المؤمنين يريد الخوارج. قال ابن شوذب: سيماهم الحلق قال له عثمان: صدقت يا أبا ذر إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة. قال: لا حاجة لي في ذلك ائذن لي إلى الربذة. قال: نعم ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح قال لا حاجة لي في ذلك يكفي أبا ذر صريمته (٢).
فلما خرج قال: دونكم معاشر قريش دنياكم فاعذموها (٣) ودعونا وربنا.
قال: ودخل عليه وهو يقسم وعبد الرحمن بن عوف بين يديه وعنده كعب فأقبل
стр. 1458
عثمان على كعب فقال: يا أبا إسحاق ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويصل الرحم قال كعب: إني لأرجو له. فغضب ورفع عليه العصا وقال وما تدري يا ابن اليهودية ليودن صاحب هذا المال لو كان عقارب في الدنيا تلسع السويداء من قلبه (١).
السري بن يحيى: حدثنا غزوان أبو حاتم قال: بينا أبو ذر عند باب عثمان ليؤذن له إذ مر به رجل من قريش فقال: يا أبا ذر ما يجلسك ههنا قال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا فدخل الرجل فقال: يا أمير المؤمنين ما بال أبي ذر على الباب.
فأذن له فجاء حتى جلس ناحية وميراث عبد الرحمن يقسم فقال عثمان لكعب: أرأيت المال إذا أدى زكاته هل يخشى على صاحبه فيه تبعة قال: لا. فقام أبو ذر فضربه بعصا بين أذنيه ثم قال: يا ابن اليهودية تزعم أن ليس عليه حق في ماله إذا آتى زكاته والله يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم﴾ [الحشر: ٩] الآية، ويقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه﴾ [الإنسان: ٨].
فجعل يذكر نحو هذا من القرآن. فقال عثمان للقرشي: إنما نكره أن نأذن لأبي ذر من أجل ما ترى.
وروي، عن ابن عباس قال: كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية فكان يحب الوحدة فدخل على عثمان وعنده كعب .... الحديث.
وفيه: فشج كعبًا فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال: يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك.
موسى بن عبيدة: أخبرنا ابن نفيع، عن ابن عباس قال: استأذن أبو ذر على عثمان فتغافلوا عنه ساعة. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا أبو ذر بالباب قال: ائذن له إن شئت أن تؤذينا وتبرح بنا. فأذنت له فجلس على سرير مرمول (٢) فرجف به السرير وكان عظيمًا طويلًا فقال عثمان: أما إنك الزاعم أنك خير من أبي بكر وعمر قال: ما قلت. قال: إني أنزع عليك بالبينة قال: والله ما أدري ما بينتك وما تأتي به?! وقد علمت ما قلت. قال: فكيف إذا قلت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي
стр. 1459
يلحق بي على العهد الذي عاهدته عليه". وكلكم قد أصاب من الدنيا وأنا على ما عاهدته عليه وعلى الله تمام النعمة.
وسأله عن أشياء، فأخبره بالذي يعلمه فأمره أن يرتحل إلى الشام فيلحق بمعاوية. فكان يحدث بالشام فاستهوى قلوب الرجال. فكان معاوية ينكر بعض شأن رعيته وكان يقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم ولا تبر ولا فضة إلَّا شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم.
وإن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها.
فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل: أنقذ جسدي من عذاب معاوية فإني أخطأت قال: يا بني قل له: يقول لك أبو ذر والله ما أصبح عندنا منه دينار ولكن أنظرنا ثلاثًا حتى نجمع لك دنانيرك.
فلما رأى معاوية أن قوله صدق فعله كتب إلى عثمان أما بعد فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله فابعث إلى أبي ذر فإنه قد وغل صدور الناس.
فكتب إليه عثمان: اقدم علي فقدم (١).
ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن يعلى بن شداد قال: قال شداد بن أوس: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه فيسلم عليهم ثم إن رسول الله يرخص فيه بعد فلم يسمعه أبو ذر فتعلق أبو ذر بالأمر الشديد (٢).
عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت عند عثمان إذ جاء أبو ذر فلما رآه عثمان قال: مرحبًا وأهلًا بأخي فقال أبو ذر: مرحبًا وأهلًا بأخي لقد أغلظت علينا في العزيمة والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت. إني خرجت مع النبي ﷺ نحو حائط بني فلان فقال لي: "ويحك بعدي" فبكيت فقلت: يا رسول الله وإني لباق بعدك قال: "نعم فإذا رأيت البناء على سلع فالحق بالمغرب أرض قضاعة".
قال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس.
وعن أبي ذر: قال لي رسول الله ﷺ : "اسمع وأطع لمن كان عليك".
стр. 1460
جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما ثم انصرف أبو ذر متبسمًا فقالوا: مالك ولأمير المؤمنين? قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت وأمره أن يخرج إلى الربذة.
ميمون بن مهران، عن عبد الله بن سيدان، عن أبي ذر قال: لو أمرني عثمان أن أمشي على رأسي لمشيت.
وقال أبو عمران الجوني: عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر لعثمان: يا أمير المؤمنين افتح الباب لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
يزيد، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني رجل، عن شيخين من بني ثعلبة قالا: نزلنا الربذة فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله ﷺ . فاستأذناه بأن نغسل رأسه. فأذن لنا واستأنس بنا. فبينما نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق حسبته قال: من أهل الكوفة فقالوا: يا أبا ذر فعل بك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصب لك راية فنكملك برجال ما شئت? فقال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له والله لو صلبني على أطول خشبة أو حبل لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي (١).
حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قالت أم ذر: والله ما سير عثمان أبا ذر تعني إلى الربذة ولكن رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها".
قال غالب القطان للحسن: يا أبا سعيد أكان عثمان أخرج أبا ذر? قال: معاذ الله.
محمد بن عمرو، عن عراك بن مالك قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسًا من رسول الله يوم القيامة إني سمعته يقول: "إن أقربكم مني مجلسًا من خرج من الدنيا كهيئته بما تركته عليه". وإنه -والله- ما منكم إلَّا من تشبث منها بشيء (٢).
стр. 1461
قال المعرور بن سويد: نزلنا الربذة، فإذا برجل عليه برد، وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو عملتهما حلة لك، واشتريت لغلامك غيره! فقال: سأحدثكم: كان بيني وبين صاحب لي كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فقال لي رسول الله ﷺ : "ساببت فلانا"؟ قلت: نعم. قال: "ذكرت أمه" قلت: من ساب الرجال ذكره أبوه وأمه. فقال: "إنك امرؤ فيه جاهلية" … ، وذكر الحديث. إلى أن قال: "إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه" (١).
قتادة: عن أبي قلابة، عن أبي أسماء: أنه دخل على أبي ذر بالربذة، وعنده امرأة له سوداء مشعثة، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق. فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به؟ تأمرني أن آتى العراق، فإذا أتيتها مالوا على بدنياهم، وإن خليلي عهد إليَّ: "إن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة"، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا أقتدار أحرى أن ننجو، من أن نأتي عليه نحن مواقير (٢).
أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه للسنة فاشتراه ثم اشترى فلوسًا بما بقي. وقال: إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكى عليه إلَّا وهو يتلظى على صاحبه.
قال يحيى بن أبي كثير: كان لأبي ذر ثلاثون فرسًا يحمل عليها فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها ويصلح آلة بقيتها فإذا رجعت أخذها فأصلح آلتها وحمل على الأخرى.
قال ثابت البناني: بنى أبو الدرداء مسكنًا فمر عليه أبو ذر فقال: ما هذا تعمر دارا أذن الله بخرابها لأن تكون رأيتك تتمرغ في عذره أحب إلي من أن أكون رأيتك فيما رأيتك فيه.
حسين المعلم، عن ابن بريدة قال: لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يكرمه وكان أبو موسى قصيرًا خفيف اللحم وكان أبو ذر رجلًا أسود كث الشعر فيقول
стр. 1462
أبو ذر: إليك عني ويقول أبو موسى: مرحبًا بأخي فيقول: لست بأخيك إنما كنت أخاك قبل أن تلي.
وعن أم طلق قالت: دخلت على أبي ذر فرأيته شعثًا شاحبًا بيده صوف قد جعل عودين وهو يغزل بهما فلم أر في بيته شيئًا فناولته شيئًا من دقيق وسويق فقال لي: أما ثوابك فعلى الله.
وقيل: إن أبا ذر خلف بنتًا له فضمها عثمان إلى عياله.
قال الفلاس والهيثم بن عدي وغيرهما: مات سنة اثنتين وثلاثين. ويقال مات في ذي الحجة.
ويقال: إن ابن مسعود الذي دفنه عاش بعده نحوًا من عشرة أيام ﵄.
وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر مع قوة أبي ذر في بدنه وشجاعته: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" (١).
فهذا محمول على ضعف الرأي فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير ولترك اليتيم فقيرًا. فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس يريد أن يكون فيه حلم ومداراة وأبو ذر ﵁ كانت فيه حدة كما ذكرناه فنصحه النبي ﷺ .
وله مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر حديثًا وانفرد البخاري بحديثين. ومسلم بتسعة عشر.
ابن سعد: أخبرنا عفان، أخبرنا وهيب، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت بالربذة فبكت امرأته فقال: وما يبكيك قالت: أبكي أنه لا بد من تغييبك. وليس عندي ثوب يسعك كفنًا.
قال: لا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: "ليموتن رجل منكم بفلاة تشهده عصابة من المؤمنين". فكلهم مات في جماعة وقرية فلم يبق
стр. 1463
غيري وقد أصبحت بالفلاة أموت فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول ما كذبت ولا كذبت. قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟!
قال: راقبي الطريق فبينا هي كذلك إذ هي بالقوم تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم (١) فأقبلوا حتى وقفوا عليها قالوا: مالك قالت: رجل من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه قالوا: ومن هو قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه.
فقال: أبشروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله ﷺ ما قال. سمعته يقول: "ما من امرئين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرا فيريان النار أبدًا".
ثم قال: وقد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبًا من ثيابي يسعني لم أكفن إلَّا فيه. أنشدكم الله: أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا.
فكل القوم كان نال من ذلك شيئًا إلَّا فتى من الأنصار قال أنا صاحبك ثوبان في عيبتي (٢) من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين علي.
قال: أنت صاحبي فكفني (٣).
ثم قال ابن سعد: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه أنه لما حضر أبا ذر الموت بكت امرأته فذكره وزاد فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه منهم: حجر بن الأدبر ومالك بن الأشتر.
ابن إسحاق: حدثنا بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه إلَّا امرأته وغلامه فأوصاهما: أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم قولوا: هذا أبو ذر فأعينونا عليه.
فوضعاه وأقبل ابن مسعود في رهط من العراق عمارًا فلم
стр. 1464
يرعهم إلَّا به قد كادت الإبل أن تطأه فقام الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ .
فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ : "تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك".
ثم نزلوا فواروه ثم حدثهم عبد الله حديثه وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره وحده إلى تبوك (١).
وعن عيسى بن عميلة: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه.
عاصم الأحول: عن أبي عصمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته وهو مستقبل مطلع الشمس فظننته نائمًا فدنوت وقلت: أنائم أنت يا أبا ذر? قال: لا بل كنت أصلي.
стр. 1465
١٠٧ - العباس عم رسول الله ﷺ (١) " ع":
قيل: إنه أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه وخرج مع قومه إلى بدر فأسر يومئذ فادعى أنه مسلم. فالله أعلم.
وليس هو في عداد الطلقاء فإنه كان قد قدم إلى النبي ﷺ قبل الفتح إلَّا تراه أجار أبا سفيان بن حرب.
وله عدة أحاديث منها خمسة وثلاثون في مسند بقي وفي "البخاري ومسلم" حديث وفي "البخاري" حديث وفي "مسلم" ثلاثة أحاديث.
روى عنه ابناه: عبد الله وكثير والأحنف بن قيس وعبد الله بن الحارث بن نوفل وجابر بن عبد الله وأم كلثوم بنت العباس وعبد الله بن عميرة وعامر بن سعد وإسحاق بن عبد الله بن نوفل ومالك بن أوس بن الحدثان ونافع بن جبير بن مطعم وابنه عبيد الله بن العباس وآخرون.
стр. 1466
وقدم الشام مع عمر.
فعن أسلم مولى عمر: أن عمر لما دنا من الشام تنحى ومعه غلامه فعمد إلى مركب غلامه فركبه وعليه فرو مقلوب وحول غلامه على رحل نفسه.
وإن العباس لبين يديه على فرس عتيق وكان رجلًا جميلًا فجعلت البطارقة يسلمون عليه فيشير لست به وإنه ذاك.
قال الكلبي: كان العباس شريفًا مهيبًا عاقلًا جميلًا أبيض بضًا له ضفيرتان معتدل القامة.
ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين.
قلت: بل كان من أطول الرجال وأحسنهم صورة وأبهاهم وأجهرهم صوتًا مع الحلم الوافر والسؤدد.
روى مغيرة، عن أبي رزين قال: قيل للعباس: أنت أكبر أو النبي ﷺ قال: هو أكبر وأنا ولدت قبله.
قال الزبير بن بكار: كان للعباس ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم ومنظرة (١) لجاهلهم. وكان يمنع الجار ويبذل المال ويعطي في النوائب.
ونديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب.
ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان العباس قد أسلم قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة.
إسناده واه. عن عمارة بن عمار بن أبي اليسر السلمي، عن أبيه، عن جده قال: نظرت إلى العباس يوم بدر وهو واقف كأنه صنم وعيناه تذرفان.
فقلت: جزاك الله من ذي رحم شرًا أتقاتل ابن أخيك مع عدوه?
стр. 1467
قال: ما فعل، أقتل؟ قلت: الله أعز له وأنصر من ذلك. قال: ما تريد إلي? قلت: الأسر فإن رسول الله ﷺ نهى، عن قتلك قال: ليست بأول صلته فأسرته ثم جئت به إلى رسول الله ﷺ .
الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء أو غيره قال: جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره فقال: ليس هذا أسرني فقال النبي ﷺ : "لقد آزرك الله بملك كريم".
ابن إسحاق عمن سمع عكرمة، عن ابن عباس قال: أسر العباس أبو اليسر فقال النبي ﷺ : "كيف أسرته"؟ قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد هيئته كذا. قال: "لقد أعانك عليه ملك كريم".
ثم قال للعباس: افد نفسك وابن أخيك عقيلًا ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحدم. فأبى وقال: إني كنت مسلمًا قبل ذلك وإنما استكرهوني. قال: "الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقًا فالله يجزيك بذلك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك".
وكان رسول الله ﷺ قد عرف أن العباس أخذ معه عشرين أوقية ذهبًا فقلت: يا رسول الله احسبها لي من فدائي. قال: "لا، ذاك شيء أعطانا الله منك" قال: فإنه ليس لي مال قال: "فأين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل وليس معكما أحد غيركما فقلت: إن أصبت في سفري فللفضل كذا لقثم كذا ولعبد الله كذا".
قال: فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيرها وإني لأعلم أنك رسول الله.
يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن العباس، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم. ففدى كل قوم أسيرهم بما تراضوا. وقال العباس: يا رسول الله إني كنت مسلمًا.
إلى أن قال: وأنزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم﴾ (١) [الأنفال: ٧٠].
стр. 1468
قال: فأعطاني الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى.
قال ابن إسحاق: وكان أكثر الأسارى فداء يوم بدر العباس افتدى نفسه بمئة أوقية من ذهب.
وعن ابن عباس قال: أمسى رسول الله ﷺ والأسارى في الوثاق فبات ساهرًا أول الليل فقيل: يا رسول الله مالك لا تنام قال: "سمعت أنين عمي في وثاقه". فأطلقوه فسكت فنام رسول الله ﷺ .
إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: أسر العباس رجل ووعدوه أن يقتلوه فقال رسول الله: "إني لم أنم الليلة من أجل العباس زعمت الأنصار أنهم قاتلوه". فقال عمر: أآتيهم يا رسول الله? فأتى الأنصار فقال: أرسلوا العباس قالوا: إن كان لرسول الله رضا فخذه.
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قيل: يا رسول الله بعد ما فرغ من بدر عليك بالعير ليس دونها شيء. فقال العباس وهو في وثاقه: لا يصلح. فقال رسول الله ﷺ : "لِمَ"؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين فقد أعطاك ما وعدك.
هكذا رواه إسرائيل. ورواه عمرو بن ثابت، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.
إسماعيل بن قيس، عن أبي حازم، عن سهل قال: لما قدم النبي ﷺ من بدر استأذنه العباس أن يأذن له أن يرجع إلى مكة حتى يهاجر منها. فقال: "اطمئن يا عم فإنك خاتم المهاجرين كما أنا خاتم النبيين" (١).
стр. 1469
إسناده واه رواه أبو يعلى والشاشي (١) في "مسنديهما". ويروى نحوه من مراسيل الزهري.
قال ابن سعد: الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدرًا: فبدأ بالعباس قال: وأمه نتيلة بنت جناب بن كليب. وسرد نسبها إلى ربيعة بن نزار بن معد.
وعن ابن عباس: ولد أبي قبل أصحاب الفيل بثلاث سنين.
وبنوه: الفضل وهو أكبرهم وعبد الله البحر وعبيد الله وقثم ولم يعقب وعبد الرحمن توفي بالشام ولم يعقب ومعبد استشهد بإفريقية وأم حبيب وأمهم أم الفضل لبابة الهلالية وفيها يقول ابن يزيد الهلالي:
ما ولدت نجيبة من فحل … بجبل نعلمه أو سهل
كستة من بطن أم الفضل … أكرم بها من كهلة وكهل
قال الكلبي: ما رأينا ولد أم قط أبعد قبورًا من بني العباس.
ومن أولاد العباس: كثير وكان فقيهًا وتمام وكان من أشد قريش وأميمة وأمهم أم ولد والحارث بن العباس وأمه حجيلة بنت جندب التميمية.
فعدتهم عشرة.
الواقدي: أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي، عن أبي البداح بن عاصم، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، عن أبيه قال: أتينا النبي ﷺ فقيل هو في منزل العباس فدخلنا عليه فسلمنا وقلنا: متى نلتقي فقال العباس: إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم فأخفوا أمركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمر فتدخلون على أمر بين. فوعدهم النبي ﷺ ليلة النفر الآخر بأسفل العقبة وأمرهم إلَّا ينبهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا.
стр. 1470
وعن معاذ بن رفاعة، قال: فخرجوا بعد هدأة يتسللون وقد سبقهم إلى ذلك المكان معه عمه العباس وحده.
قال: فأول من تكلم هو، فقال: يا معشر الخزرج قد دعوتم محمدًا إلى ما دعوتموه وهو من أعز الناس في عشيرته يمنعه والله من كان منا على قوله ومن لم يكن وقد أبى محمدًا الناس كلهم غيركم فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم، عن قوس واحدة فارتئوا رأيكم وائتمروا أمركم فإن أحسن الحديث أصدقه فأسكتوا. وتكلم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: نحن أهل الحرب ورثناها كابرًا، عن كابر. نرمي بالنبل حتى تفنى ثم نطاعن بالرماح حتى تكسر ثم نمشي بالسيوف حتى يموت الأعجل منا.
قال: أنتم أصحاب حرب هل فيكم دروع قالوا: نعم شاملة.
وقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما نقول لقلنا ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل المهج دون رسول الله ﷺ .
فبايعهم النبي ﷺ والعباس آخذ بيده يؤكد له البيعة.
زكريا، عن الشعبي قال: انطلق النبي ﷺ بالعباس وكان العباس ذا رأي فقال العباس للسبعين: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم عينًا.
فقال أسعد بن زرارة: سل لربك ما شئت وسل لنفسك ولأصحابك ثم، أخبرنا بما لنا على الله وعليكم.
قال: "أسألكم لربي أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم".
قالوا: فمالنا إذا فعلنا ذلك قال: "الجنة". قال: فلك ذلك.
ابن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة قال: قال أبو رافع: كنت غلامًا للعباس وكان الإسلام قد دخلنا فأسلم العباس وكان يهاب قومه فكان يكتم إسلامه فخرج إلى بدر وهو كذلك.
إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا أبي، عن ابن عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس أن جده عباسًا قدم هو وأبو هريرة فقسم لهما النبي ﷺ في خيبر.
стр. 1471
قال ابن سعد: فقال لي محمد بن عمر: هذا وهم بل كان العباس بمكة إذ قدم الحجاج بن علاط فأخبر قريشًا، عن نبي الله بما أحبوا وساء العباس حتى أتاه الحجاج فأخبره بفتح خيبر ففرح. ثم خرج العباس بعد ذلك فلحق بالنبي ﷺ فأطعمه بخيبر مئتي وسق كل سنة ثم خرج معه إلى فتح مكة.
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بال رجال يؤذونني في العباس وإن عم الرجل صنو أبيه من آذى العباس فقد آذاني" (١).
ورواه خالد الطحان، عن يزيد فأسقط المطلب.
стр. 1472
وثبت أن العباس كان يوم حنين وقت الهزيمة آخذًا بلجام بغلة النبي ﷺ وثبت معه حتى نزل النصر (١).
الأعمش، عن أبي سبرة النخعي، عن محمد بن كعب القرظي، عن العباس قال: كنا نلقى النفر من قريش وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي" (٢).
إسناده منقطع.
إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رجلًا من الأنصار وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه العباس فجاء قومه فقالوا: والله لنلطمنه كما لطمه فلبسوا السلاح.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فصعد المنبر فقال: "أيها الناس أي أهل الأرض أكرم على الله? قالوا: أنت. قال: "فإن العباس مني وأنا منه لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا".
فجاء القوم فقالوا: نعوذ بالله من غضبك يا رسول الله.
رواه أحمد في "مسنده" (٣).
ثور، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل على العباس وولده
стр. 1473
كساء ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا اللهم اخلفه في ولده" (١).
إسناده جيد. رواه أبو يعلى في مسنده.
إسماعيل بن قيس بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في القيظ فقام لبعض حاجته فقام العباس يستره بكساء من صوف فقال: "اللهم استر العباس وولده من النار". له طرق وإسماعيل ضعف (٢).
سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ بمال ثمانين ألفًا من البحرين فنثرت على حصير فجاء النبي ﷺ فوقف وجاء الناس فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلَّا قبضًا.
فجاء العباس بخميصة عليه فأخذ فذهب يقوم فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: ارفع علي فتبسم رسول الله حتى خرج ضاحكه أو نابه فقال: "أعد في المال طائفة وقم بما تطيق". ففعل.
قال: فجعل العباس يقول وهو منطلق أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها يعني قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم﴾ [الأنفال: ٧٠]. فهذا خير مما أخذ مني. ولا أدري ما يصنع في الآخرة.
стр. 1474
أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة ساعيًا فمنع ابن جميل وخالد والعباس. فقال رسول الله: "ما ينقم ابن جميل إلَّا أن كان فقيرًا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا إنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها".
ثم قال: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه".
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي قال: قلت لعمر: أما تذكر إذ شكوت العباس إلى رسول الله ﷺ فقال: "أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه" (١).
حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي أن رسول الله قال: "استوصوا بالعباس خيرًا فإنه عمي وصنو أبي". إسناده واه (٢).
محمد بن طلحة التيمي: عن أبي سهيل بن مالك، عن سعيد بن المسيب، عن سعد: كنا مع النبي ﷺ في نقيع الخيل (٣) فأقبل العباس فقال النبي ﷺ : "هذا العباس عم نبيكم أجود قريش كفًّا وأوصلها". رواه عدة عنه.
وثبت من حديث أنس: أن عمر استسقى فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك توسلنا به وإنا نستسقي إليك بعم نبيك العباس (٤).
стр. 1475
الزبير بن بكار: حدثنا ساعدة بن عبيد الله، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس فقال: اللهم هذا عم نبيك نتوجه إليك به فاسقنا. فما برحوا حتى سقاهم الله. فخطب عمر الناس فقال:
إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده فيعظمه ويفخمه ويبر قسمه فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم.
وقع لنا عاليًا في "جزء البانياسي". وداود ضعيف.
ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يجل أحد ما يجل العباس أو يكرم العباس. إسناده صالح.
ويروى عن عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا فمنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في الجنة تجاهين والعباس بيننا مؤمن بين خليلين".
أخرجه ابن ماجه وهو موضوع وفي إسناده: عبد الوهاب العرضي الكذاب.
ابن أبي فديك: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال للعباس: "فيكم النبوة والمملكة".
هذا في جزء ابن ديزيل وهو منكر.
ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة قال: كان العباس إذا مر بعمر أو بعثمان وهما راكبان نزلا حتى يجاوزهما إجلالًا لعم رسول الله.
وروى ثمامة، عن أنس: قال عمر اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك محمد ﷺ فاسقنا. صحيح (١).
وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله … عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغبًا … إليه فما إن رام حتى أتى المطر
ومنا رسول الله فينا تراثه … فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر