٣٥٢ - يزيد بن مفرغ الحميري (١):
من فحول الشعراء، وكان أبوه زياد بن ربيعة حدادًا. وقيل: شعابًا بتبالة. وتبالة بالفتح: قرية بالحجاز، مما يلي اليمن. ولقب مفرغًا؛ لأنه راهن على سقاء من لبن، فشريه حتى فرغه.
ولابن مفرغ هجو مقذع، ومديح، ونظمه سائر.
وهجا عبيد الله بن زياد؛ فأتى وطلب من معاوية قتله، فلم يأذن، وقال: أدِّبه. واستجار يزيد بالمنذر بن الجارود، فأتى عبيد الله البصرة، فسقاه مسهلًا، وأركبه حمارًا ربطه فوقه، وطوَّف به وهو يسلح في الأسواق، فقال:
يغسل الماء ما صنعت وشعري … راسخ منك في العظام البوالي
وهو القاتل هذا البيت:
العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامه (٢)
ونقل صاحب "المرآة": أنَّ ابن مفرغ مات سنة تسع وستين.
стр. 2172
٣٥٣ - عمرو بن سلمة (١): " خ، د، س"
أبو بريد الجرمي. وقيل: أبو يزيد، وهذا الذي كان يؤمّ قومه في حياة النبي ﷺ وهو صبيّ (٢)، ولأبيه صحبة ووفادة. وقد قيل: إنه وفد مع أبيه، وله رؤية. فالله أعلم.
حدَّث عنه: أبو قلابة الجرمي، وأبو الزبير المكيّ، وعاصم الأحْول، وأيوب السختياني، وغيرهم.
له رواية في "صحيح البخاري"، وفي "سنن النسائي". وكان قد نزل البصرة.
أرَّخ الإمام أحمد موته: في سنة خمس وثمانين.
стр. 2173
٣٥٤ - عمرو بن سلمة (١): " بخ"
الهمداني الكوفي، فتابعي كبير، من أصحاب علي.
سمع عليًّا وابن مسعود.
حدَّث عنه: الشعبي، ويزيد بن أبي زياد.
مات سنة خمس وثمانين أيضًا، ودفن هو وعمرو بن حريث في يوم واحد.
٣٥٥ - كعب بن سور الأزدي (٢):
قاضي البصرة، وليُّها لعمر وعثمان، وكان من نبلاء الرجال وعلمائهم، قتل يوم الجمل، قام يعظ الناس ويذكِّرهم، فجاءه سهم غرب، فقتله -رحمه الله تعالى.
٣٥٦ - زيد بن صوحان (٣):
ابن حجر بن الحارث بن هجرس بن صبرة بن حدِرْجَان بن عِساس العبدي، الكوفي. أخو صعصعة بن صوحان، ولهما أخ اسمه سيحان، لا يكاد يعرف.
كنية زيد: أبو سليمان.
وقيل: أبو عائشة.
كان من العلماء العبَّاد، ذكروه في كتب معرفة الصحابة، ولا صحبة له. لكنه أسلم في حياة النبي ﷺ وسمع من: عمر، وعلي، وسلمان.
стр. 2174
حدَّث عنه: أبو وائل، والعيزار بن حريث، ولا رواية له في الأمهات؛ لأنه قديم الوفاة.
وذكر بعضهم أنَّه وفد على رسول الله ﷺ .
يعلى بن عبيد: حدثنا الأجلح، عن عبيد بن لاحق، قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فنزل رجل، فساق بالقوم ورجز، ثم نزل آخر، ثم بدا لرسول الله ﷺ أن يواسي أصحابه، فنزل. فجعل يقول:
جندب وما جندب … والأقطع الخير زائد
قيل: يا رسول الله! سمعناك الليلة تقول كذا وكذا. فقال: "رجلان في الأمة، يضرب أحدهما ضربة تفرق بين الحق والباطل، والآخر تقطع يده في سبيل الله، ثم يتبع آخر جسده أوله".
قال الأجلح: أما جندب فقتل الساحر، وأما زيد فقطعت يده يوم جلولاء، وقُتِل يوم الجمل (١).
قال الأعمش: عن إبراهيم، قال: كان زيد بن صوحان يحدِّث، فقال أعرابي: إن حديثك يعجبني، وإن يدك لتربيني. قال: أَوَمَا تراها الشمال؟ قال: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد: صدق الله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٧].
فذكر الأعمش: إن يده قطعت يوم نهاوند.
حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن عبد الله بن أبي الهذيل: إنَّ وفد الكوفة قدموا على عمر، فيهم زيد بن صوحان، فجاءه رجل من أهل الشام يستمدّ، فقال: يا أهل الكوفة! إنكم كنز أهل الإسلام، إن استمدكم أهل البصرة أمددتموهم، وإن استمدكم أهل الشام أمددتموهم، وجعل عمر يرحل لزيد، وقال: يا أهل الكوفة! هكذا فاصنعوا بزيد، وإلا عذبتكم.
وروى الأجلح، عن ابن أبي الهذيل، قال: دعا عمر زيد بن صوحان، فضفَّنه على الرحل كما تُضفِّنون أمراءكم، ثم التفت إلى الناس، فقال: اصنعوا هذا بزيد وأصحاب زيد.
стр. 2175
سماك، عن النعمان أبي قدامة: أنه كان في جيش، عليهم سلمان الفارسي، فكان يؤمّهم زيد بن صوحان، يأمره بذلك سلمان.
سماك، عن رجل: أنَّ سلمان كان يقول لزيد بن صوحان يوم الجمعة: قم، فذكر قومك.
ابن سعد: حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا عقبة الرفاعي، حدَّثنا حميد بن هلال، قال: قام زيد بن صوحان إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين! ملتَ فمالت أمتك، اعتدل يعتدلوا. قال: أسامع مطيع أنت؟ قال: نعم، قال: الحق بالشام. فطلقَّ امرأته، ثم لحق بحيث أمره.
أيوب السختياني، عن غيلان بن جرير، قال: ارتثَّ (١) زيد بن صوحان يوم الجمل، فدخلوا عليه، فقالوا: أبشر بالجنة. قال: تقولون قادرين، أو النار فلا تدرون، إنا غزونا القوم في بلادهم، وقتلنا أميرهم، فليتنا إذ ظُلِمْنَا صبرنا.
روى نحوه: العوام بن حوشب، عن أبي معشر، عن الحي الذين كان فيهم زيد .... ، فذكره.
وقال: شدوا عليَّ إزاري، فإني مخاصم، وأفضوا بخدي إلى الأرض، وأسرعوا الانكفات عني.
الثوري، عن مخول، عن العيزار بن حريث، عن زيد بن صوحان، قال: لا تغسلوا عني دمًا، ولا تنزعوا عني ثوبًا، إلّا الخفَّين، وأرمسوني في الأرض رمسًا، فإني مخاصم، أحاجّ يوم القيامة.
قال عمَّار الدهني: قال زيد: ادفنوني وابن أمي في قبر، ولا تغسلوا عنا دمًا، فإنا قوم مخاصمون.
قيل: كان قتل معه أخوه سيحان، فدُفِنَا في قبر.
وروي أنه أمر أن يدفن معه مصحفه. نقله: ابن سعد بإسناد منقطع، ثم قال: وكان ثقة، قليل الحديث.
стр. 2176
٣٥٧ - صعصعة بن صوحان (١): " س"
أبو طلحة: أحد خطباء العرب، كان من كبار أصحاب علي. قُتِلَ أخواه يوم الجمل، فأخذ صعصعة الراية.
يروي عن: علي، وابن عباس، وبقي إلى خلافة معاوية.
وثَّقه: ابن سعد. وكان شريفًا مطاعًا أميرًا، فصيحًا مفوَّهًا.
حدَّث عنه: الشعبي، وابن بريدة، والمنهال بن عمرو، وأبو إسحاق.
يقال: وفد على معاوية، فخطب، فقال: إن كنت لأبغض أن أراك خطيبًا. قال: وأنا إن كنت لأبغض أن أراك خليفة.
وقيل: كنيته أبو عمر.
стр. 2177
٣٥٨ - عبد الله بن الحارث (١): " ع"
ابن نوفل ابن عمّ رسول الله ﷺ الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السيد، الأمير، أبو محمد القرشي، الهاشمي، المدني، ولقبه: "بَبَّة".
لأبيه ولجده صحبة، وكان نوفل من أسنّ الصحابة، من أسنان حمزة، والعباس عميه.
عداده في مسلمة الفتح، ولم يروِ شيئًا.
وأمَّا الحارث، فله حديث في "مسند بقيّ بن مخلد"، وقد ولي إمرة مكة لعمر، توفي في زمن عثمان، وكان قد أتى بولده ببة إلى رسول الله ﷺ فحنَّكَه.
حدَّث ببة عن: عمر، وعثمان، وعلي، وأبي، والعباس، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وأم هانئ بنت أبي طالب، وكعب الحبر، وطائفة.
стр. 2178
وعنه: ولده؛ إسحاق، وعبد الله، والزهري، وأبو التياح يزيد بن حميد، ويزيد بن أبي زياد، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون. روى عدة أحاديث.
قال محمد بن سعد: ثقة، تابعي، أتت به أمه إلى النبي ﷺ ؛ إذ دخل عليها، فتفل في فيه، ودعا له.
وقال الزبير بن بكار: أمه هي هند؛ أخت معاوية.
قلت: وهي أخت أم المؤمنين أم حبيبة.
قال: وكانت تُنقِّزه وتقول:
يا ببة يا ببه … لأنكحنَّ ببه
جارية خِدَبَّه (١) … تسود أهل الكعبة
اصطلح كبراء أهل البصرة على تأميره عليهم عند هروب عبيد الله بن زياد إلى الشام لما هلك يزيد، ثم كتبوا بالبيعة إلى ابن الزبير، فولّاه عليهم، ثم عزله. ولما كانت فتنة ابن الأشعث (٢)، هرب عبد الله إلى الشام خوفًا من الحَجَّاج.
وقيل: مات بعمان سنة أربع وثمانين.
وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث وثمانين.
قلت: عاش بضعًا وسبعين سنة، وقارب الثمانين.
وكان من سادة بني هاشم، يصلح للخلافة لعلمه وسؤدده.
стр. 2179
٣٥٩ - حكيم بن جَبَلَة العبديّ (١):
الأمير، أحد الأشراف الأبطال، كان ذا دين وتألّه.
أمَّره عثمان على السند مدة، ثم نزل البصرة.
وكان أحد من ثار في فتنة عثمان. فقيل: لم يزل يقاتل يوم الجمل حتى قُطِعَت رجله، فأخذها وضرب بها الذي قطعها، فقتله بها، وبقي يقاتل على رجلٍ واحدة، ويرتجز ويقول:
يا ساق لن تراعي … إن معي ذراعي
أحمى بها كراعي
فنزف منه دم كثير، فجلس متكئًا على المقتول الذي قطع ساقه، فمَرَّ به فارس، فقال: من قطع رجلك؟ قال: وسادتي. فما سمع بأشجع منه، ثم شدَّ عليه سحيم الحداني، فقتله.
стр. 2180
٣٦٠ - جَبَلَة بن الأَيْهَم الغَسَّاني (١):
أبو المنذر. ملك آل جفنة بالشام، أسلم وأهدى للنبي ﷺ هدية، فلمَّا كان زمن عمر ارتدَّ ولحق بالروم.
وكان داس رجلًا، فلكمه الرجل فهَمَّ بقتله، فقال عمر: الطمه بدلها، فغضب وارتحل، ثم ندم على ردته -نعوذ بالله من العتوِّ والكبر.
стр. 2181
٣٦١ - عقبة بن نافع القرشي (١):
الفهري الأمير، نائب إفريقية لمعاوية وليزيد، وهو الذي أنشأ القيروان، وأسكنها الناس.
وكان ذا شجاعة وحزم وديانة، لم يصحّ له صحبة، شهد فتح مصر واختطَّ بها.
حكى عنه ابنه؛ الأمير أبو عبيدة مرة، وعبد الله بن هبيرة، وعلي بن رباح، وعمار بن سعد.
وهو ابن أخي العاص بن وائل السهمي لأمه.
قال الواقدي: جهزه معاوية على عشرة آلاف، فافتتح إفريقية، واختطَّ قيروانها، وكان الموضع غيضة لا يرام منالسباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء وهربوا، حتى إن الوحوش لتحمل أولادها.
فحدَّثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: نادى: إنا نازلون فاظعنوا. فخرجن من جحرتهنّ هوارب.
وروى نحوه محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: لما فاتتح عقبة إفريقية، قال: يا أهل الوادي! إنا حالّون -إن شاء الله- فاظعنوا، ثلاث مرات. فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلّا يخرج من تحته دابة، حتى هبطن بطن الوادي. ثم قال للناس: انزلوا بسم الله.
وعن مفضل بن فضالة، قال: كان عقبة بن نافع مجاب الدعوة.
وعن علي بن رباح، قال: قدم عقبة على يزيد، فردّه واليًا على المغرب سنة اثنتين وستين، فغزا السوس الأدنى، ثم رجع، وقد سبقه جلّ الجيش، فخرج عليه جمع من العدو، فقتل عقبة وأصحابه.
وقال ابن يونس: قُتِلَ سنة ثلاث وستين، رحمه الله تعالى.
стр. 2182
٣٦٢ - الوليد بن عتبة (١):
ابن أبي سفيان بن حرب. وَلِيَ لعمه معاوية المدينة، وكان ذا جود وحلم، وسؤدد، وديانة، وولي الموسم مرات.
ولما جاءه نعي معاوية وبيعة يزيد، لم يشدد على الحسين وابن الزبير، فانملسا منه. فلامه مروان، فقال: ما كنت لأقتلهما، ولا أقطع رحمهما.
وقيل: إنهم أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد، فأبى.
وقال يعقوب الفسوي: أراد أهل الشام الوليد بن عتبة على الخلافة، فطُعِنَ فمات بعد موت معاوية بن يزيد.
ويقال: قدم للصلاة على معاوية بن يزيد، فأخذه الطاعون في الصلاة فلم يرفع إلّا وهو ميت.
стр. 2183
٣٦٣ - قيس بن ذريح الليثي (١):
من أعراب الحجاز، شاعر محسن، كان يشبب بأمِّ مَعْمَر لُبْنَي بنت الحباب الكعبية، ثم إنه تزوج بها. وقيل: كان أخًا للحسين ﵁ من الرضاعة.
وكان يكون بقديد وقع بين أمه وبين لُبْنَى فأبغضتها، فما زالت تتحيل حتى طلق لُبْنَى، وقال لأمه: أما إنه آخر عهدك بي، وعظم به فراق أهله، وجَهَدَه.
وهو القائل:
وكل مُلِمَّات الزمان وجدتها … سوى فُرْقَةِ الأحباب هيِّنَة الخطب
ونظمه في الذروة العليا رقة، وحلاوة، وجزالة، وكان في دولة يزيد.
стр. 2184
٣٦٤ - أسماء بن خارجة (١):
ابن حصن بن حذيفة بن بدر الأمير، أبو حسّان -وقيل: أبو هند- الفزاري، الكوفي، من كبار الأشراف.
وهو ابن أخي عيينة بن حصن؛ أحد المؤلَّفة قلوبهم.
روى أسماء عن: علي وابن مسعود.
وعنه: ولده مالك، وعلي بن ربيعة.
وفيه يقول القطامي:
إذا مات ابن خارجة بن حصن … فلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع البريد بغُنم جيش … ولا حملت على الطُّهْرِ النساء
قال المحدِّث مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء بن خارجة الفزاري: أتيت الأعمش، فانتسبت له، فقال: لقد قسم جدك أسماء قسمًا، فنسي جارًا له، فاستحيى أن يعطيه، وقد بدى غيره، فدخل عليه، وصبَّ عليه المال صبًّا، أفتفعل ذا أنت؟
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: فاخر أسماء بن خارجة رجلًا، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام. فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح ابن إبراهيم الخليل.
إسناده صحيح.
قال خليفة بن خياط: مات أسماء سنة ست وستين.
قلت: ومن أولاده: شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة. وبنو فزارة من مضر.
ولخارجة أيضًا صحبة يسيرة، ولا رواية له ولا لعيينة.
стр. 2185
٣٦٥ - حسان بن مالك:
ابن بَحْدَل بن أُنَيف، أمير العرب، أبو سليمان الكلبي. ومن أمراء معاوية يوم صفين. وهو الذي شد من مروان بن الحكم وبايعه.
قال الكلبي: سلموا بالخلافة على حسان أربعين ليلة، ثم سلم الأمر إلى مروان.
وله قصر بدمشق، وهو قصر البَحَادِلة، ثم صار يُعْرَف بقصر ابن أبي الحديد.
وهو الذي يفتخر ويقول:
فإن لا يكن منَّا الخليفة نفسه … فما نالها إلا ونحن شهود
стр. 2186
٣٦٦ - شقيق بن ثور (١):
الأمير، أبو الفضل السدوسي، سيد بكر بن وائل في الإسلام، وكان رأسهم يوم صفين مع علي، ويوم الجمل.
يروي عن: عثمان، وعلي.
وعنه: أبو وائل، وخلّاد بن عبد الرحمن.
وله وفادة علي معاوية، وقُتِلَ أبوه في فتح تستر.
قيل: إن شقيقًا هذا لما احتضر، قال: ليته لم يسد قومه، فكم من باطل قد حققناه، وحقٍّ أبطلناه. توفي سنة خمس وستين.
стр. 2187
٣٦٧ - المختار بن أبي عبيد الثقفي (١):
الكذاب، كان والده الأمير أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن ثقيف، قد أسلم في حياة النبي ﷺ ، ولم نعلم له صحبة.
استعمله عمر بن الخطاب على جيش، فغزا العراق، وإليه تنسب وقعة جسر أبي عبيد.
ونشأ المختار فكان من كبراء ثقيف، وذوي الرأي، والفصاحة، والشجاعة، والدهاء، وقلة الدِّين. وقد قال النبي ﷺ : "يكون في ثقيف كذَّاب ومبير" (٢). فكان الكذاب هذا، ادَّعى أن الوحي يأتيه، وأنه يعلم الغيب، وكان المبير الحَجَّاج -قبحهما الله.
قال أحمد في "مسنده": حدثنا ابن نمير، حدثنا عيسى بن عمر، حدثنا السدي، عن رفاعة الفتياني، قال: دخلت على المختار، فألقى لي وسادة، وقال: لولا أنَّ جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. فأردت أن أضرب عنقه، فذكرت حديثًا حدثنيه عمرو بن الحمق، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما مؤمن أَمَّنَ مؤمنًا على دمه فقتله، فأنا من القاتل بريء" (٣).
وروى مجالد، عن الشعبي، قال: أقرأني الأحنف كتاب المختار إليه يزعم أنه نبي، وكان المختار قد سار من الطائف بعد مصرع الحسين إلى مكة، فأتى ابن الزبير، وكان قد طرد لشره إلى الطائف، فأظهر المناصحة، وتردَّد إلى ابن الحنفية، فكانوا يسمعون ما ينكر. فلمَّا مات يزيد، استأذن ابن الزبير في الرواح إلى العراق، فركن إليه وأذن له، وكتب إلى نائبه بالعراق؛ عبد الله بن مطيع، يوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير، ويثني على ابن الحنفية، ويدعو إليه، وأخذ يشغب على ابن مطيع، ويمكر، ويكذب، فاستغوى جماعة، والتفت عليه الشيعة، فخافه ابن مطيع، وفَرَّ من الكوفة، وتمكَّن هو، ودعا
стр. 2188
ابن الزبير إلى مبايعة محمد ابن الحنفية، فأبى، فحصره وضيق عليه وتوعَّده، قتألَّمت الشيعة له، وردَّ المختار إلى مكة، ثم بعث معه ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة على خراج الكوفة، فقَدِم المختار وقد هاجت الشيعة للطلب بالثأر، وعليهم سليمان بن صرد، فأخذ المختار يفسدهم، ويقول: إني جئت من قبل المهديّ ابن الوصي -يريد: ابن الحنفية، فتبعه خلق، وقال: إن سليمان لا يصنع شيئًا، إنما يُلْقِي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب.
وخاف عمر بن سعد بن أبي وقاص، فذهب عبد الله بن يزيد الخطميّ نائب ابن الزبير، وإبراهيم بن محمد إلى ابن صرد، فقالا: إنكم أحبّ أهل بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، قفوا حتى نتهيأ. قال ابن صرد: قد خرجنا لأمر، ولا نرانا إلّا شاخصين. فسار ومعه كل مستميت، ومروا بقبر الحسين فبكوا، وأقاموا يومًا عنده، وقالوا: يا رب، قد خذلناه فاغفر لنا وتب علينا. ثم نزلوا قرقيسيا، فتمّ المصاف بعين الوردة، وقُتِلَ ابن صرد وعامَّة التوابين، ومرض عبيد الله بالجزيرة، فاشتغل بذلك وبقتال أهله عن العراق سنة، وحاصر الموصل.
وأمَّا المختار، فسُجِنَ مدة ثم خرج، فحاربه أهل الكوفة، فقتل رفاعة بن شداد، وعبد الله بن سعد، وعدة، وغلب على الكوفة، وهرب منه نائب ابن الزبير، فقتل جماعة ممن قاتل الحسين، وقتل الشمر بن ذي الجَوْشن، وعمر بن سعد، وقال: إن جبريل ينزل عليَّ بالوحي. واختلق كتابًا عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة، وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته، فقتل صاحب الشرطة، وسُر به المختار، وقوي، وعسكروا بدير هند، فحاربهم نائب ابن الزبير، ثم ضعف واختفى، وأخذ المختار في العدل، وحسن السيرة.
وبعث إلى النائب بمال، وقال: اهرب. ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف درهم، فأنفق في جيشه، وكتب إلى ابن الزبير: إني رأيت عاملك مداهنًا لبني أمية، فلم يسعني أن أقره، فانخدع له ابن الزبير، وكتب إليه بولاية الكوفة، فجهَّز ابن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد، في آخر سنة ست وستين، ومعه كرسي على بغل أشهب.
وقال المختار: هذا فيه سر، وهو آية لكم، كما كان التابوت لبني إسرائيل. فحفّوا به يدعون، فتألم ابن الأشتر، وقال: اللهمَّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا، سنة بني إسرائيل؛ إذ عكفوا على العجل.
فعن طفيل بن جعدة بن هبيرة، قال: كان لي جار زيات، له كرسي، فاحتجت، فقلت
стр. 2189
للمختار: إني كنت أكتمك شيئًا، والآن أذكره. قال: وما هو؟ قلت: كرسيّ كان أبي يجلس عليه، كان يرى أنَّ فيه أثارة من علم. قال: سبحان الله! لم أخَّرته؟ فجيء به وعليه ستر، فأمر لي باثني عشر ألفًا، ودعا بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلّا وهو كائن فيكم، وقد كان في بني إسرائيل التابوت، وإن فينا مثله، اكشفوا هذا. فكشفوا الأثواب، وقامت السبائية، فرفعوا أيديهم، فأنكر شبث بن ربعي فضرب، فلمَّا انتصروا على عبيد الله افتتنوا بالكرسيّ وتغالوا فيه، فقلت: إنا لله، وندمت. فلمَّا زاد كلام الناس غيب، وكان المختار يربطهم بالمحال والكذب، ويتألَّفهم بقتل النواصب.
عن الشعبي، قال: خرجت أنا وأبي مع المختار، فقال لنا: أبشروا، فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف بقرب نصيبين. فدخلنا المدائن، فوالله إنه ليخطبنا؛ إذ جاءته البشرى بالنصر، فقال: ألم أبشركم بهذا؟ قالوا: بلى. فقال لي همداني: أتؤمن الآن؟ قلت: بماذا؟ قال: بأنَّ المختار يعلم الغيب، ألم يقل لنا: إنهم هزموا؟ قلت: إنما زعم أنَّ ذلك بنصيبين، وإنما وقع ذلك بالخازر من الموصل. قال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم.
وقيل: كان رجل يقول: قد وضع لنا اليوم وحي، ما سمع الناس بمثله؛ فيه نبأ ما يكون.
وعن موسى بن عامر، قال: إنما كان يضع لهم عبد الله بن نوف، ويقول: إن المختار أمرني به، ويتبرأ من ذلك المختار. فقال سراقة البارقي:
كفرت بوحيكم وجعلت نذرًا … عليَّ هجاءكم حتى الممات
أرى عيني ما لم ترأياه … كلانا عالم بالترهات
ووقع المصافّ، فقتل بن زياد، قدَّه ابن الأشتر نصفين، وكان بطل النخع وفارس اليمانية، فدخل الموصل، واستولى على الجزيرة، ثم وجه المختار أربعة آلاف فارس في نصر محمد ابن الحنفية، فكلموا ابن الزبير، وأخرجوه من الشعب، وأقاموا في خدمته أشهرًا، حتى بلغهم قتل المختار، فإن ابن الزبير علم مكره، فندب لحربه أخاه مصعبًا. فقدم محمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي إلى البصرة يستصرخان الناس على الكذاب، ثم التقى مصعب وجيش المختار، فقتل ابن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وانفلّ الكوفيون، فحصرهم مصعب في دار الإمارة، فكان المختار يبرز في فرسانه ويقاتل حتى قتله طريف الحنفي وأخوه طراف، في رمضان سنة سبع وستين، وأتيا برأسه مصعبًا، فوهبهما ثلاثين ألفًا، وقتل من الفريقين سبع مائة.
стр. 2190
وقيل: كان المختار في عشرين ألفًا. ثم إنَّ مصعبًا أساء، فأمَّن بقصر الإمارة خلقًا، ثم قتلهم غدرًا، وذبحت عمرة بنت النعمان بن بشير صبرًا؛ لأنها شهدت أن زوجها المختار عبد صالح. وأقبل في نجدة مصعب المهلّب بن أبي صفرة في الرجال والأموال، ولما خذل المختار قال لصاحبه: ما من الموت بد، وحبَّذا مصارع الكرام. وقلّ عليه القوت في الحصار والماء، وجاعوا في القصر، فبرز المختار للموت في تسعة عشر مقاتلًا. فقال المختار: أتؤمِّنُوني؟ قالوا: لا. إلّا على الحكم. قال: لا أحكم في نفسي. وقاتل حتى قُتِل، وأمكن أهل القصر من أنفسهم، فبعث إليهم عباد بن حصن، فكان يخرجهم مكتفين ويقتلهم. فقال رجل لمصعب بن الزبير: الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر، وابتلاك أن تعفو، وهما منزلتان؛ إحداهما رضى الله، والأخرى سخطه، من عفا عفا الله عنه، ومن قتل لم يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم، لسنا تركًا ولا ديلمًا، قاتلنا إخواننا كما اقتتل أهل الشام بينهم، ثم اصطلحوا وقد ملكتم، فأسجحوا. فرقَّ مصعب وَهَمَّ أن يدعهم، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال: اخترنا أو اخترهم. وقال آخر: قتل أبي في خمس مائة من همدان وتخليهم؟! وسمرت كف المختار إلى جانب المسجد.
وروى إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: جاء مصعب يزور ابن عمر، فقال: أي عم! أسألك عن قوم خلعوا الطاعة، وقاتلوا حتى إذا غلبوا تحصنوا وطلبوا الأمان فأعطوا، ثم قتلوا. قال: كم العدد؟ قال: خمسة آلاف. فسبح ابن عمر، ثم قال: يا مصعب! لو أنَّ امرأ أتى ماشية الزبير، فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة، أكنت تعده مسرفًا؟ قال: نعم. قال: فتراه إسرافًا في البهائم، وقتلت من وحَّد الله، أما كان فيهم مكره أو جاهل تُرْجَى توبته؟! اصبب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك.
وقد كان المختار معظمًا لابن عمر، ينفذ إليه بالأموال، وكان ابن عمر تحته صفية أخت المختار.
ونشأ المختار بالمدينة، يُعْرَف بالميل إلى بني هاشم، ثم سار إلى البصرة يظهر بها ذكر الحسين في أيام معاوية، فأخبر به عبيد الله بن زياد، فأمسك، وضربه مائةً، ودرعه عباءة، ونفاه إلى الطائف، فلما عاذ ابن الزبير بالبيت خرج إليه.
стр. 2191
٣٦٨ - عبيد الله بن زياد بن أبيه (١):
أمير العراق، أبو حفص. ولي البصرة سنة خمس وخمسين، وله ثنتان وعشرون سنة، وولي خراسان، فكان أوّل عربي قطع جيحون، وافتتح بيكند، وغيرها.
وكان جميل الصورة، قبيح السرير.
وقيل: كانت أمه مرجانة من بنات ملوك الفرس.
قال أبو وائل: دخلت عليه بالبصرة وبين يديه ثلاثة آلاف ألف درهم جاءته من خرج أصبهان، وهي كالتَّل.
روى السري بن يحيى، عن الحسن، قال: قدم علينا عبيد الله، أمَّره معاوية، غلامًا سفيهًا، سفك الدماء سفكًا شديدًا، فدخل عليه عبد الله بن مغفل، فقال: انته عمَّا أراك تصنع، فإن شرَّ الرعاء الحطمة. قال: ما أنت وذاك؟ إنما أنت من حثالة أصحاب محمد ﷺ ، قال: وهل كان فيهم حثالة، لا أمَّ لك!
قال: فمرض ابن مغفل، فجاءه الأمير عبيد الله عائدًا، فقال: أتعهد إلينا شيئًا؟ قال: لا تصلّ عليّ، ولا تقم على قبري.
قال الحسن: وكان عبيد الله جبانًا، ركب، فرأى الناس في السكك، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: مات عبد الله بن مغفل.
وقيل: الذي خاطبه هو عائذ بن عمرو المزني، كما في "صحيح مسلم" (٢)، فلعلها واقعتان.
стр. 2192
وقد جرت لعبيد الله خطوب، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين ﵁، فلمَّا جاء نعي يزيد هرب بعد أن كاد يؤسَر، واخترق البرية إلى الشام، وانضمَّ إلى مروان، ثم سار في جيش كثيف، وعمل المصافّ برأس عين.
واستخلف عاوية بن زيد شابًّا مليحًا وسيمًا، صالحًا، فتمرَّض ومات بعد شهرين. قيل له: استخلف. فقال: ما أصبت من حلاوتها، فلم أتحمّل مرارتها؟ وعاش إحدى وعشرين سنة، وصلى عليه ابن عمه عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، فأرادوه على الخلافة فأبى، ولحق بخاله ابن الزبير فبايعه. وهَمَّ مروان بمبايعة ابن الزبير، فأتاه عبيد الله بن زياد هاربًا من العراق، وكان قد خطب ونعى إلى الناس يزيد، وبذل العطاء، فخرج عليه سلمة الرياحي يدعو إلى ابن الزبير، فمال إليه الناس، فقال الناس لعبيد الله: أخرج لنا إخواننا من السجون -وكانت مملوءة من الخوارج، قال: لا تفعلوا. فأبوا، فأخرجهم، فجعلوا يبايعونه، فما تكامل آخرهم حتى أغلظوا له، ثم عسكروا.
وقيل: خرجوا يمسحون الجدر بأيديهم، ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة. ونهبوا خيله، فخرج ليلًا، واستجار بمسعود بن عمرو رئيس الأزد، فأجاره.
وأمَّر أهل البصرة عليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، فشدت الخوارج على مسعود فقتلوه، وتفاقم الشر، وصاروا حزبين، فافتتلوا أيامًا، فكان على الخوارج نافع بن الأزرق، وفَرَّ عبيد الله قبل مقتل مسعود في مائة من الأزد إلى الشام، فوصل إلى الجابية، وهناك بنو أمية، فبايع هو ومروان خالد بن يزيد بن معاوية في نصف ذي القعدة، ثم التقوا هُمْ والضَّحَّاك بمرج دمشق، فاقتتلوا أيامًا في ذي الحجة.
وكان الضحاك بن قيس في ستين ألفًا، والأموية في ثلاثة عشر ألفًا، وأشار عبيد الله بمكيدة، فسألوا الضحاك الموادعة فأجاب، فكبسهم مروان، وقتل الضحاك في عدة من فرسان قيس، وثار الخوارج بمصر، ودعوا إلى ابن الزبير يظنّونه منهم، فبعث على مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري، واستعمل على الكوفة عامر بن مسعود الجمحي، وهدم الكعبة وبناها، وألصق بابيها بالأرض، وأدخل فيها ستة أذرع من الحِجْرِ.
وأمَّا أكثر الشاميين فبايعوا مروان في أول سنة خمس، وبعث ابن الزبير على خراسان المهلب بن أبي صفرة، فحارب الخوارج ومزقهم، وسار مروان، فأخذ مصر بعد حصارٍ وقتال شديد، وتزوّج بوالدة خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله ولي عهده، فما تَمَّ ذلك، وقتله الزوجة، لكونه قال لخالد مرة: يا ابن رطبة الاست.
стр. 2193
وجهَّز إلى العراق عبيد الله بن زياد، فالتقاه شيعة الحسين فغُلِبوا، وكان مع عبيد الله حصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم الباهلي، وربيعة بن مخارق، وحميلة الخثعميّ، وقومهم.
وكانت ملحمة مشهودة، فتوثَّب المختار الكذاب بالكوفة، وجهز إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله في ثمانية آلاف، فالتقوا في أول سنة سبع وستين بالخازر، كبسهم ابن الأشتر سحرًا، والتحم الحرب، وقتل خلق، فانهزم الشاميون، وقتل عبيد الله، وحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وبعث برءوسهم إلى مكة.
ثم تمكَّن ابن الزبير، وغضب على المختار، ولاح له ضلاله، فجهَّز لحربه مصعب بن الزبير، فظَفِرَ به، وقتل من أعوانه خلائق، وكتب إلى الجزيرة، إلى إبراهيم بن الأشتر: إن أطعتني وبايعت فلك الشام.
وكتب إليه عبد الله: إن بايعتني فلك العراق، فاستشار قواده فتردَّدوا، فقال: لا أوثر على مصري وقومي أحدًا. وسار إلى خدمة مصعب، فكان معه إلى أن قُتِلَا.
وقد كانت مرجانة تقول لابنها عبيد الله: قتلت ابن بنت رسول الله ﷺ ، لا ترى الجنة -أو نحو هذا.
قال أبو اليقظان: قتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين.
قال يزد بن أبي زاد: عن أبي الطفيل، قال: عزلنا سبعة أرؤس، وغطَّينا منها رأس حصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، فجئت فكشفتها، فإذا حية في رأس عبيد الله تأكل.
وصحَّ من حديث عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت. فإذا حية تخلل الرءوس، حتى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هنية ثم خرجت وغابت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين، أو ثلاثًا.
قلت: الشيعي لا يطيب عيشه حتى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله.
стр. 2194
٣٦٩ - المجنون (١):
قيس بن الملوَّح، وقيل: ابن معاذ، وقيل: اسمه بختري بن الجعد، وقيل غير ذلك، من بني عامر بن صعصعة، وقيل: من بني كعب بن سعد؛ الذي قتله الحب في ليلى بنت مهدي العامرية.
سمعنا أخباره تأليف ابن المرزُبَان.
وقد أنكر بعضهم ليلى والمجنون، وهذا دفع بالصَّدر، فما من لم يعلم حجة على من عنده علم، ولا المثبت كالنافي، لكن إذا كان المثبت لشيء شبه خرافة، والنافي ليس غرضه دفع الحق، فهنا النافي مقدم، وهنا تقع المكابرة، وتُسْكَب العبرة.
فقيل: إن المجنون عَلِقَ ليلى علاقة الصبا، وكانا يرعيان البهم (٢). ألَا تسمع قوله؟ وما أفحل شعره:
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة … ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا … إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
وعلقته هي أيضًا، ووقع بقلبها.
وهو القائل:
أظن هواها تاركي بمضلة … من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أقضي إليه وصيتي … ولا وارث إلَّا المطية والرحل
محا حُبُّها حب الألى كنّ قبلها … وحلَّت مكانًا لم يكن حلّ من قبل
فاشتد شغفه بها حتى وسوس وتخبل في عقله، فقال:
إني لأجلس في النادي أحدثهم … فأستفيق وقد غالتني الغول
يهوي بقلبي حديث النفس نحوكم … حتى يقول جليسي: أنت مخبول
قال أبو عبيدة: تزايد به الأمر حتى فقد عقله، فكان لا يؤويه رحل، ولا يعلوه ثوب إلَّا
стр. 2195
مزقه، ويقال: إن قوم ليلى شكوا المجنون إلى السلطان، فأهدر دمه، وترحَّل قومها بها، فجاء وبقي يتمرَّغ في المحلة، ويقول:
أيا حرجات الحيّ حيث تحمَّلوا … بذي سَلَم لا جادُّكنَّ ربيع
وخيَّماتك اللاتي بمنعرَجِ اللوى … بلين بلىً لم تبلهنّ ربوع
وقيل: إن قومه حجوا به ليزور النبي ﷺ ، ويدعو، حتى إذا كان بمنَى سمع نداء يا ليلى، فغشي عليه، وبكى أبوه، فأفاق يقول:
وداعٍ دعا إذ نحن بالخيف من منًى … فهيِّج أطراب الفؤاد ولم يدر
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما … أطار بليلى طائرًا كان في صدري
وجزعت هي لفراقه وضنيت، وقيل: إن أباه قيده، فبقي يأكل لحم ذراعيه، ويضرب بنفسه، فأطلقه، فهام في الفلاة، فوجِدَ ميتًا فاحتملوه إلى الحي وغسَّلوه ودفنوه، وكثر بكاء النساء والشباب عليه.
وقيل: إنه كان يأكل من بقول الأرض، وألفته الوحش، وكان يكون بنجد، فساح حتى حدود الشام.
وشعره كثير من أرق شيء وأعذبه، وكان في دولة يزيد وابن الزبير.
стр. 2196
٣٧٠ - أبو مسلم الخَوْلاني (١): " م، (٤) "
الداراني، سيد التابعين، وزاهد العصر.
اسمه على الأصح: عبد الله بن ثوب، وقيل: اسمه عبد الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن ثواب، وقيل: ابن عبيد، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف.
قَدِمَ من اليمن، وقد أسلم في أيام النبي ﷺ ، فدخل المدينة في خلافة الصديق.
وحدَّث عن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت.
روى عنه: أبو إدريس الخولاني، وأبو العالية الرياحيّ، وجبير بن نفير، وعطاء بن أبي
стр. 2197
رباح، وشرحبيل بن مسلم -وما أدركاه، وعطية بن قيس، وأبو قلابة الجرمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمير بن هانئ، ويونس بن ميسرة -ولم يلحقوه، لكن أرسلوا عنه.
قال إسماعيل بن عياش: حدّثنا شرحبيل بن مسلم قال: أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قُبِضَ النبي ﷺ ، واستُخْلِفَ أبو بكر.
فحدَّثنا شرحبيل أنَّ الأسود تنبَّأ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فأتاه بنار عظيمة، ثم إنه ألقى أبا مسلم، فيها فلم تضره، فقيل للأسود: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، فأناخ راحلته، ودخل المسجد يصلي، فبصر به عمر ﵁، فقام إليه فقال: مِمَّن الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك بالله، أنت هو؟ قال: اللهمَّ نعم، فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صُنِعَ به كما صُنِعَ بإبراهيم الخليل. رواه عبد الوهاب بن نجد، وهو ثقة، عن إسماعيل، لكن شرحبيل أرسل الحكاية.
ويروى عن مالك بن دينار أنَّ كعبًا رأى أبا مسلم الخولاني، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو مسلم، فقال: هذا حكيم هذه الأمة.
وروى معمر، عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فكان يتناول عائشة ﵂، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألَا أحدثك عن رجل من أهل الشام كان قد أوتي حكمة؟ قال: من هو؟ قلت: أبو مسلم الخولاني، سمع أهل الشام ينالون من عائشة، فقال: ألَا أخبركم بمثلي ومَثَل أمّكم هذه؟ كمثل عينين في رأسٍ تؤذيان صاحبهما، ولا يستطيع أن يعاقبهما إلَّا بالذي هو خير لهما، فسكت، فقال الزهري: أخبرنيه أبو إدريس الخولاني، عن أبي مسلم.
قال عثمان بن أبي العاتكة: علَّقَ أبو مسلم سوطًا في المسجد، فكان يقول: أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا فَتَرَ مشَقَ ساقيه سوطًا أو سوطين، قال: وكان يقول: لو رأيت الجنة عيانًا أو النار عيانًا ما كان عندي مستزاد.
إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل أنَّ رجلين أتيا أبا مسلم، فلم يجداه في منزله، فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظراه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاث مائة ركعة.
الوليد بن مسلم: أنبانا عثمان بن أبي العاتكة، أنَّ أبا مسلم الخولاني سمع رجلًا يقول:
стр. 2198
سبق اليوم فلان، فقال: أنا السابق، قالوا: وكيف يا أبا مسلم؟ قال: أدلجت من داريَّا، فكنت أول من دخل مسجدكم.
قال أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غازٍ في أرض الروم، وقد احتفر جورة في فسطاطه، وجعل فيها نطعًا، وأفرغ فيه الماء، وهو يتصلق فيه، فقالوا: ما حملك على الصيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضر قتال لأفطرت ولتهيَّأت له، وتقوَّيت، إن الخيل لا تجري الغايات، وهن بدن إنما تجري وهنَّ بدن، إنما تجري وهن ضمَّر، ألَا وإن أيامنا باقية جائية، لها نعمل.
وقيل: كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: أذكر الله، حتى يرى الجاهل أنه مجنون.
وروى محمد بن زياد الألهاني، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا غزا أرض الروم، فمروا بنهر، فقال: أجيزوا بسم الله، ويمر بين أيديهم، فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلَّا الرُّكَب، فإذا جازوا قال: هل ذهب لكم شيء، فمن ذهب له شيء فأنا ضامن له، فألقى بعضهم مخلاته عمدًا، فلمَّا جاوزا قال الرجل: مخلاتي وقعت، قال: اتبعني، فاتبعه، فإذا بها معلقة بعود في النهر، قال: خذها.
سليمان بن المغيرة، عن حميد الطويل، أنَّ أبا مسلم أتى على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فذهب عليها، ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر، ثم لهز دابته، فخاضت الماء، وتبعه الناس حتى قطعوها، ثم قال: هل فقدتم شيئًا من متاعكم، فأدعو الله أن يرده عليّ؟
عنبسة بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن عمير قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سُقِيَ.
وروى بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي مسلم، أنَّ امرأة خببَّت عليه امرأته، فدعا عليها فعميت، فأتته فاعترفت وتابت، فقال: اللهم إن كانت صادقة فاردد بصرها، فأبصرت.
ضمرة بن ربيعة، عن بلال بن كعب، أنَّ الصبيان قالوا لأبي مسلم الخولاني: ادع الله أن يحبس علينا هذا الظبي فنأخذه، فدعا الله، فحبسه فأخذوه.
وعن عطاء الخراساني، أنَّ امرأة أبي مسلم قالت: ليس لنا دقيق، فقال: هل عندك شيء؟ قالت: درهم بعنا به غزلًا، قال: ابغينيه، وهاتي الجراب، فدخل السوق، فأتاه سائل،
стр. 2199
وألحَّ، فأعطاه الدرهم، وملأ الجراب نشارة من تراب، وأتى وقَلْبُه مرعوب منها، وذهب ففتحه، فلمَّا جاء ليلًا وضعته، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدقيق، فأكل وبكى.
أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، أنَّ أبا مسلم استبطأ خبر جيش كان بأرض الروم، فدخل طائر فوقع، فقال: أنا رتبابيل مسلي الحزن من صدور المؤمنين، فأخبره خبر الجيش، فقال: ما جئت حتى استبطأتك?
قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو مسلم يرتجز يوم صفين، ويقول:
ما علَّتي ما علَّتي … وقد لبست دِرعَتي
أموت عند طاعتي
وقيل: إنَّ أبا مسلم قام إلى معاوية فوعظه، وقال: إياك أن تميل على قبيلة، فيذهب حيفك بعدلك.
وروى أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: دخل أبو مسلم على معاوية، فقام بين السماطين، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: مه، قال: دعوه، فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مسلم، ثمَّ وعظه وحثَّه على العدل.
وقال شرحبيل بن مسلم: كان الولاة يَتَيَمَّنون بأبي مسلم، ويؤمِّرونه على المقدمات.
قال سعيد بن عبد العزيز: مات أبو مسلم بأرض الروم، وكان شتا مع بسر بن أبي أرطاة، فأدركه أجله، فعاده بسر، فقال له أبو مسلم: يا بسر، اعقد لي على من مات في هذه الغزاة، فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا عن محمد بن شعيب، عن بعض المشيخة قال: أقبلنا من أرض الروم، فمررنا بالعمير على أربعة أميال من حمص، في آخر الليل، فاطَّلع راهب من صومعة، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ قلنا: نعم، قال: إذا أتيتموه فأقرءوه السلام، فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم، أما إنكم لا تجدونه حيًّا. قال: فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر -يعني: سمعوا ذلك، وكانت وفاته بأرض الروم.
وروى إسماعيل بن عيَّاش، عن شرحبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ قال: قال معاوية: إنما المصيبة كل مصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكُرَيْب بن سيف الأنصاري.
إسناده صالح، فعلى هذا يكون أبو مسلم مات قبل معاوية، إلَّا أن يكون هذا هو معاوية بن يزيد.
وقد قال المفضَّل بن غسَّان الغلابي: إنَّ علقمة وأبا مسلم ماتا في سنة اثنتين وستين، فالله أعلم، وبداريَّا قبر يزار يقال: إنه قبر أبي مسلم الخولاني، وذلك محتمل.
стр. 2200
٣٧١ - القارِّيّ (١): " ع"
عبد الرحمن بن عبد القارِّيّ المدني، يقال: له صحبة، وإنما وُلِدَ في أيام النبوة.
قال أبو داود: أتي به النبي ﷺ ، وهو صغير.
قال الزبير بن بكار: عضل والقارَّة ابنا يثيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة.
قلت: روى عن عمر، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وغيرهم.
وعنه السائب بن يزيد -مع تقدّمه- وعروة، والأعرج، والزهري، وطائفة، وابنه محمد، وثَّقه ابن معين.
وقال ابن سعد: توفي سنة ثمانين بالمدينة، وله ثمان وسبعون سنة.
стр. 2201
٣٧٢ - عامر بن عبد قيس (١):
القدوة الولي الزاهد، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو التميمي العنبري البصري.
روى عن عمر وسلمان. وعنه: الحسن، ومحمد بن سيرين، وأبو عبد الرحمن الحُبُليّ، وغيرهم، وقلَّما روى.
قال العجلي: كان ثقة، من عُبَّاد التابعين، رآه كعب الأحبار، فقال: هذا راهب هذه الأمة.
وقال أبو عبيد في "القراءات": كان عامر بن عبد الله الذي يعرف بابن عبد قيس يقرئ الناس.
حدَّثنا عباد، عن يونس، عن الحسن، أنَّ عامرًا كان يقول: من أقرئ؟ فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر، ثم يصلي إلى العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين، ثم ينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفًا، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفًا، ويخرج.
قال بلال بن سعد، وُشِيَ بعامر بن عبد قيس إلى زياد، فقالوا: ههنا رجل قيل له: ما إبراهيم ﵇ خيرًا منك، فسكت، وقد ترك النساء، فكتب فيه إلى عثمان، فكتب إليه: انفه إلى الشام على قتب (٢)، فلمَّا جاءه الكتاب أرسل إلى عامر، فقال: أنت قيل لك: ما إبراهيم خيرًا منك، فسكت، قال: أما والله ما سكوتي إلَّا تعجب، ولوددت أني غبار قدميه، قال: وتركت النساء، قال: والله ما تركتهنَّ إلَّا أني قد علمت أنه يجيء الولد، وتشعب في الدنيا، فأحببت التخلي، فأجلاه على قتب إلى الشام، فأنزله معاوية معه في الخضراء، وبعث إليه بجارية، وأمرها أن تعلمه ما حاله، فكان يخرج من السَّحَر، فلا تراه إلَّا بعد العتمة، فيبعث معاوية إليه بطعام، فلا يعرض له، ويجيء معه بكسر فيبلها ويأكل، ثم يقوم إلى أن يسمع النداء، فيخرج، فكتب معاوية إلى عثمان يذكر حاله، فكتب: اجعله أوّل داخل وآخر خارج، ومُرْ له بعشرة من الرقيق، وعشرة من الظهر، فأحضره وأخبره، فقال: إنَّ علي شيطانًا قد غلبني، فكيف أجمع عليّ عشرة، وكانت له بغلة.
فروى بلال بن سعد عمَّن رآه بأرض الروم عليها، يركبها عقبة، ويحمل المهاجرين عقبة، قال بلال: كان إذا فصل غازيًا يتوسَّم من يرافقه، فإذا رأى رفقة تعجبه اشترط عليهم أن يخدمهم، وأن يؤذن، وأن ينفق عليهم طاقته. رواه ابن المبارك بطوله في الزهد له.
همام، عن قتادة قال: كان عامر بن عبد قيس يسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه، فكان لا يبالي أذكرًا لقي أم أنثى، وسأل ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة، فلم يقدر عليه، وقيل: إن ذلك ذهب عنه.
وعن أبي الحسين المجاشعي قال: قيل لعامر بن عبد قيس: أتحدث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي.
وعن كعب أنه رأى بالشام عامر بن عبد قيس، فقال: هذا راهب هذه الأمة.
قال أبو عمران الجوني: قيل لعامر بن عبد قيس: إنك تبيت خارجًا، أما تخاف الأسد؟ قال: إني لأستحيي من ربي أن أخاف شيئًا دونه. وروى همام، عن قتادة مثله.
стр. 2202
حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، لقي رجل عامر بن عبد قيس، فقال: ما هذا؟ ألم يقل الله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، قال: أفلم يقل الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقيل: كان عامر لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر، فينصرف وقد انفتحت ساقاه، فيقول: يا أمَّارة بالسوء إنما خلقت للعبادة.
وهبط واديًا به عابد حبشي، فانفرد يصلي في ناحية، والحبشي في ناحية، أربعين يومًا لا يجتمعان إلَّا في فريضة.
محمد بن واسع، عن يزيد بن الشخير، أنَّ عامرًا كان يأخذ عطاءه، فيجعله في طرف ثوبه، فلا يلقى مسكينًا إلَّا أعطاه، فإذا دخل بيته رمى به إليهم، فيعدونها، فيجدونها كما أعطيها.
جعفر بن برقان: حدثنا ميمون بن مهران، أنَّ عامر بن عبد قيس بعث إليه أمير البصرة: ما لك لا تزوّج النساء؟ قال: ما تركتهنَّ، وإني لدائب في الخطبة، قال: ما لك لا تأكل الجبن؟ قال: إنا بأرض فيها مجوس، فما شهد مسلمان أن ليس فيه ميتة أكلته، قال: وما يمنعك أن تأتي الأمراء؟ قال: إن لدى أبوابكم طلاب الحاجات، فادعوهم واقضوا حاجاتهم، ودعوا من لا حاجة له إليكم.
قال مالك بن دينار: حدثني فلان أنَّ عامرًا مَرَّ في الرحبة، وإذا رجل يُظْلَم، فألقى رداءه، وقال: لا أرى ذمَّة الله تخفر وأنا حي، فاستنقذه.
ويروى أن سبب إبعاده إلى الشام كونه أنكر وخَلَّص هذا الذميّ.
قال جعفر بن سليمان: حدثنا الجريري قال: لما سُيِّرَ عامر بن عبد الله الذي يقال له: ابن عبد قيس، شيّعه إخوانه، وكان بظهر المربد، فقال: إني داعٍ فأمِّنوا: اللهم من وشي بي وكذب عليّ وأخرجني من مصري، وفرَّق بيني وبين إخواني، فأكثر ماله، وأصحّ جسمه، وأطل عمره.
قال الحسن البصري: بُعِثَ بعامر بن عبد قيس إلى الشام، فقال: الحمد الله الذي حشرني راكبًا.
قال قتادة: لما احتضر عامر بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل.
وروى عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، أنَّ قبر عامر بن عبد قيس ببيت المقدس.
وقيل: توفي في زمن معاوية.
стр. 2203
٣٧٣ - أويس القرني (١):
هو القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، أبو عمرو أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني.
وقرن: بطن من مراد، وَفَد على عمر، وروى قليلًا عنه، وعن علي.
روى عنه يسير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد رب الدمشقي، وغيرهم، حكايات يسيرة ما روى شيئًا مسندًا، ولا تهيأ أن يحكم عليه بلين، وقد كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين.
عفان: حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر قال: لما أقبل أهل اليمن، جعل عمر ﵁ يستقرئ الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قَرن، فوقع زمام عمر أو زمام أويس، فناوله أو ناول أحدهما الآخر، فعرفه، فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس، قال: هل لك والدة، قال: نعم، قال: فهل كان بك من البياض شيء؟ قال: نعم، فدعوت الله فأذهبه عني إلَّا موضع الدرهم من سُرَّتي؛ لأذكر به ربي، قال له عمر: استغفر لي، قال: أنت أحق أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلَّا موضع الدرهم في سرته"، فاستغفر له، ثم دخل في غمار الناس، فلم ندر أين وقع، قال: فقدم الكوفة، قال: فكنَّا نجتمع في حلقة، فنذكر الله، فيجلس معنا، فكان إذا ذكر هو وقع في قلوبنا لا يقع حديث غيره .... ، فذكر الحديث، هكذا اختصره (٢).
"م": حدَّثنا ابن مثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر، حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال:
стр. 2204
من مراد، ثم من قرن، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلَّا موضع درهم، قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلَّا موضع درهم، له والدة، هو بها بر، لو أقسَم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل"، فاستغفر لي، قال: فاستغفر له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألَا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبرات الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حَجَّ رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رثَّ الهيئة، قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص، فبرأ منه إلَّا موضع درهم، له والدة هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فأتى أويسًا، فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي، قال: استغفر لي، قال: لقيت عمر، قال: نعم، قال: فاستغفر له، قال: ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أسير: وكسوته بردة، وكان كل من رآه قال: من أين لأويس هذه البردة؟ (١)
م: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أسير، عن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم" (٢). قال ابن المديني هذا حديث بصري.
قلت: تفرَّد به أسير بن جابر، ويقال: يسير بن عمرو أبو الخباز، بصري، روى عنه ابنه قيس، وأبو إسحاق الشيباني، وابن سيرين، وأبو عمران الجوني.
قال ابن المديني: أسير بن جابر من أصحاب ابن مسعود، سمعت سفيان يقول: قدم أسير البصرة، فجعل يحدثهم، فقالوا: هذا هكذا، فكيف النهر الذي شرب منه، يعنون: ابن مسعود، قال علي: وأهل البصرة يقولون: أسير بن جابر، وأهل الكوفة يقولون: ابن عمرو، ويقال: يسير.
وقال العوام بن حوشب: وُلِدَ في مهاجر النبي ﷺ ، ومات سنة خمس وثمانين.
أبو النضر "م": حدثنا سليمان بن المغيرة، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، عن عمر:
стр. 2205
سمع رسول الله ﷺ يقول: "خير التابعين رجل يقال له أويس، وكان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه، إلَّا موضع الدرهم في سرته، لا يدع باليمن غير أمّ له، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم". قال عمر، فقدم علينا رجل، فقلت له: من أين أنت؟ قال: من اليمن، قلت: ما اسمك؟ قال: أويس، قلت: فمن تركت باليمن؟ قال: أمًّا لي، قلت: أكان بك بياض فدعوت الله فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قلت: فاستغفر لي، قال: أويستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ قال: فاستغفر لي، وقلت له: أنت أخي لا تفارقني، قال: فانملس مني (١)، فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة، قال: فجعل رجل كان يسخر بأويس بالكوفة، ويحقره، يقول: ما هذا منَّا ولا نعرفه، قال عمر: بلى إنه رجل كذا وكذا، فقال: كأنه يضع شأنه، فينا رجل يا أمير المؤمنين يقال له أويس، فقال عمر: أدرك فلا أراك تدركه، قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل على أويس قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذه عادتك، فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك: كذا وكذا، فاستغفر لي، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد، وأن لا تذكر ما سمعته من عمر لأحدٍ، قال: نعم، فاستغفر له، قال أسير، فما لبثنا أن فشا أمره في الكوفة، قال: فدخلت عليه، فقلت: يا أخي، ألَا أراك العجب ونحن لا نشعر؟ فقال: ما كان في هذا ما أتبلّغ به في الناس، وما يجزى كل عبد إلَّا بعمله، قال: وانملس مني فذهب.
وبالإسناد إلى أسير بن جابر قال: كان بالكوفة رجل يتكلّم بكلام لا أسمع أحد يتكلم به، ففقدته، فسألت عنه، فقالوا: ذاك أويس، فاستدللت عليه وأتيته، فقلت: ما حبسك عنا؟ قال: العُرْيُ، قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه، قلت: هذا برد فخذه، قال: لا تفعل، فإنهم إذًا يؤذونني، فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم، فقالوا: من ترون خدع عن هذا البرد؟ قال: فجاء فوضعه، فأتيت فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ فقد آذيتموه، الرجل يَعْرَى مرة، ويكتسي أخرى، وآخذتهم بلساني، فقُضِيَ أنَّ أهل الكوفة وفدوا على عمر، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: ما ههنا رجل من القرنين، فقام ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: "إن رجل يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه، إلَّا موضع لدرهم، فمن لقيه منكم، فمروه فليستغفر لكم" قال عمر: فقدم علينا ههنا، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا أويس، قلت: من تركت باليمن؟ قال: أمًّا لي، قلت: هل كان بك بياض، فدعوت الله، فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قلت: استغفر لي، قال: يا أمير المؤمنين! يستغفر مثلي لمثلك؟!
стр. 2206
قلت: أنت أخي لا تفارقني، فانملس منِّي، فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة، قال: وجعل الرجل يحقره عمَّا يقول فيه عمر، فجعل يقول: ماذا فينا ولا نعرف هذا، قال عمر: بلى، إنه رجل كذا، فجعل يضع من أمره، فقال: ذاك رجل عندنا نسخر به، فقال له: أويس؟ قال: هو هو، أدرك ولا أراك تدرك، فأقبل الرجل حتى دخل عليه من قبل أن يأتي أهله، فقال أويس: ما كانت هذه عادتك، فما بدا لك أنشدك الله؟ قال: لقيت عمر فقال كذا وقال كذا، فاستغفر لي، قال: لا أستغفر لك حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي، ولا تذكر ما سمعت من عمر إلى أحد، قال: لك ذاك، قال: فاستغفر له، قال أسير: فما لبث أن فشا حديثه بالكوفة، فأتيته فقلت: يا أخي ألَا أراك أنت العجب، وكنَّا لا نشعر، قال: ما كان في هذا ما أتبلّغ به إلى الناس، وما يجزى كل عبد إلَّا بعمله، فلمَّا فشا الحديث هرب، فذهب.
ورواه أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، وفي لفظ: أويستغفر لمثلك؟ وروى نحوًا من ذلك عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، وزاد فيها: ثم أنه غزا أذربيجان، فمات، فتنافس أصحابه في حفر قبره.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله، أنبأنا عبد المعز بن محمد، أنبأنا تميم بن أبي سعيد، أنبأنا أبو سعد الكنجروذي، أنبأنا أبو عمرو الحيري، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدَّثنا هدبة بن خالد، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثني أبو الأصفر، عن صعصعة بن معاوية قال: كان أويس بن عامر رجلًا من قرن، وكان من أهل الكوفة، وكان من التابعين، فخرج به وضح، فدعا الله أن يذهبه عنه، فأذهبه الله، قال: دع في جسدي منه ما أذكر به نعمك عليّ، فترك له ما يذكر به نعمه عليه، وكان رجل يلزم المسجد في ناس من أصحابه، وكان ابن عمّ له يلزم السلطان يولع به، فإن رآه مع قوم أغنياء قال: ما هو إلَّا يستأكلهم، وإن رآه مع قوم فقراء قال: ما هو إلَّا يخدعهم، وأويس لا يقول في ابن عمه إلَّا خيرًا، غير أنه إذا مَرَّ به استتر منه مخافة أن يأثم في سببه، وكان عمر يسأل الوفود إذا هم قدموا عليه من الكوفة: هل تعرفون أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا، فقَدِمَ وفد من أهل الكوفة، فيهم ابن عمه ذاك، فقال: هل تعرفون أويسًا؟ قال ابن عمه: يا أمير المؤمنين، هو ابن عمي، وهو رجل نذل فاسد، لم يبلغ ما أن تعرفه أنت، قال: ويلك هلكت، ويلك هلكت، إذا قدمت فأقرأه منِّي السلام، ومره فليفد إليّ، فقدم الكوفة، فلم يضع ثياب سفره عنه حتى أتى المسجد، فرأى أويسًا، فلَمَّ به، فقال: استغفر لي يا ابن عمي، قال: غفر الله لك يا ابن عمّ، قال: وأنت، فغفر الله لك يا أويس، أمير المؤمنين يقرئك السلام، قال:
стр. 2207
ومن ذكرني لأمير المؤمنين؟ قال: هو ذكرك، وأمرني أن أبلغك أن تَفِدَ إليه، قال: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين، فوفد عليه، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: أنت الذي خرج بك وضح، فدعوت الله أن يذهبه عنك فأذهبه، فقلت: اللهمّ دع لي في جسدي منه ما أذكر به نعمتك عليّ، فترك لك في جسدك ما تذكر به نعمه عليك، قال: وما أدراك يا أمير المؤمنين، فوالله ما اطَّلع على هذا بشر، قال: أخبرنا رسول الله ﷺ : "أنه سيكون في التابعين رجل من قرنٍ يقال له أويس بن عامر، يخرج به وضح، فيدعو الله أن يذهبه عنه فيذهبه، فيقول: اللهم دع لي في جسدي ما أذكر به نعمتك عليّ، فيدع له ما يذكر به نعمه عليه، فمن أدركه منكم، فاستطاع أن يستغفر له، فليستغفر له"، فاستغفر لي يا أويس، قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، قال: وأنت غفر الله لك يا أويس بن عامر، قال: فلما سمعوا عمر قال عن النبي ﷺ ، قال رجل: استغفر لي يا أويس، وقال آخر: استغفر لي يا أويس، فلمَّا كثروا عليه انساب فذهب، فما رؤي حتى الساعة.
هذا حديث غريب تفرَّد به مبارك بن فضالة، عن أبي الأصفر، وأبو الأصفر ليس بمعروف.
معلل بن نفيل: حدثنا محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن سالم، عن أبيه، عن جده، قال رسول الله ﷺ : "يا عمر إذا رأيت أويسًا القرني، فقل له: فليستغفر لك، فإنه يشفع يوم القيامة، في مثل ربيعة، ومضر، بين كتفيه علامة وضح مثل الدرهم".
أخرجه الإسماعيلي في مسند عمر، ومحمد بن محصن هو العكاشي، تالف.
أنبئت عن أبي المكارم التيمي، أنبأنا أبو عليّ المقرئ، أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال: فمن الطبقة الأولى من التابعين سيد العباد، وعلم الأصفياء من الزهاد؛ أويس بن عامر القرني، بشَّر النبي ﷺ به، وأوصى به، إلى أن قال في الترجمة: ورواه الضحاك بن مزاحم، عن أبي هريرة بزيادة ألفاظ لم يتابع عليها، وما رواه أحد سوى مخلد بن يزيد، عن نوفل بن عبد الله عنه، ومن ألفاظه: فقالوا يا رسول الله، وما أويس؟ قال: "أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه على صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، يتزر بإزار صوف، ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبره، ألَا وإنَّ تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألَا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع. فيشفعه
стр. 2208
الله في مثل عدد ربيعة ومضر، يا عمر ويا علي إذا رأيتماه فاطلبا إليه يستغفر لكما يغفر الله لكما". فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه، فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر، قام على أبي قبيس، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس بن مراد، فقام شيخ كبير، فقال: إنا لا ندري من أويس، ولكن ابن أخٍ لي يقال له أويس، وهو أخمل ذكرًا، وأقلّ مالًا، وأهَوْن أمرًا من أن نرفعه إليك، وإنه ليرعى إبلنا بأراك عرفات.
فذكر اجتماع عمر به وهو يرعى، فسأله الاستغفار، وعرض عليه مالًا، فأبى.
وهذا سياق منكر لعله موضوع.
أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أنبأنا يوسف بن خليل، أنبأنا أبو المكارم المعدل، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا حبيب بن الحسن، حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا خالد بن يزيد العمري، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية: عامر بن عبد الله بن عبد قيس، وأويس القرني، وهرم بن حيان، والربيع بن خيثم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبي مسلم الخولاني، والحسن بن أبي الحسن.
وروي عن هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة فلم يكن لي هَمٌّ إلَّا أويس أسأل عنه، فدفعت إليه بشاطئ الفرات، يتوضأ ويغسل ثوبه، فعرفته بالنعت، فإذا رجل آدم محلوق الرأس، كَثّ اللحية، مهيب المنظر، فسلمت عليه، ومددت إليه يدي لأصافحه، فأبى أن يصافحني، فخنقتني العبرة لما رأيت من حاله، فقلت: السلام عليك يا أويس، كيف أنت يا أخي؟ قال: وأنت، فحياك الله يا هرم، مَن دَلَّكَ عليّ؟ قلت: الله قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ الإسراء: ١٠٨]. قلت: يرحمك الله، من أين عرفت اسمي واسم أبي؟ فوالله ما رأيتك قط، ولا رأيتني، قال: عرفت روحي روحك؛ حيث كلمت نفسي نفسك؛ لأن الأرواح لها أنس كأنس الأجساد، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله، وإن نأت بهم الدار، وتفرقت بهم المنازل، قلت: حدثني عن رسول الله ﷺ بحديث أحفظه عنك، فبكى وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: إني لم أدرك رسول الله ﷺ ، ولعلّه قد رأيت من رآه؛ عمر وغيره، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي، لا أحب أن أكون قاصًّا أو مفتيًا، ثم سأله هرم أن يتلو عليه شيئًا من القرآن، فتلا عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ، يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ
стр. 2209
اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٠ - ٤٢]. ثم قال: يا هرم بن حيان مات أبوك، ويوشك أن تموت، فإمَّا إلى جنة، وإمَّا إلى نار، ومات آدم، وماتت حواء، ومات إبراهيم، وموسى، ومحمد ﵈، ومات أبو بكر خليفة المسلمين، ومات أخي، وصديقي، وصفيي عمر، واعمراه،، واعمراه قال: وذلك في آخر خلافة عمر، قلت: يرحمك الله، إنَّ عمر لم يمت، قال: بلى، إن ربي قد نعاه لي، وقد علمت ما قلت، وأنا وأنت غدًا في الموتى، ثم دعا بدعوات خفيفة، وذكر القصة، أوردها أبو نعيم\ في الحلية، ولم تصح، وفيها ما ينكر.
عن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويسًا أن يقدِم على النبي ﷺ برّه بأمه.
عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا عبد الله بن الأشعث بن سوار، عن محارب بن دثار قال: قال النبي ﷺ : "إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده أو مصلاه من العُرْي، يحجزه إيمانه أن يسأل الناس، منهم أويس القرني، وفرات بن حيان".
عبد الله بن أحمد: حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن مغيرة قال: إن كان أويس القرني ليتصدَّق بثيابه حتى يجلس عريانًا، لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة.
أبو زرعة الرازي: حدثنا سعيد بن أسد، حدثنا ضمرة، عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان إذا أمسى يقول: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى تصدَّق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثم قال: اللهمَّ من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريًا فلا تؤاخذني به.
أبو نعيم: حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا ابن جرير، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا زافر بن سليمان، عن شريك، عن جابر، عن الشعبي قال: مَرَّ رجل من مراد على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله ، قال: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجلٍ إن أصبح ظنَّ أنه لا يمسي، وإن أمسى ظنَّ أنه لا يصبح، فمبشَّر بالجنة أو مبشَّر بالنار، يا أخا مراد، إن الموت وذِكْرَه لم يترك لمؤمن فرحًا، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهبًا، وإن قيامه لله بالحق لم يترك له صديقًا.
стр. 2210
شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني، قلنا: نعم، وما تريد منه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أويس القرني خير التابعين بإحسان" (١)، وعطف دابته، فدخل مع أصحاب علي ﵁.
رواه عبد الله بن أحمد، عن علي بن حكيم الأودي، أنبأنا شريك، وزاد بعض الثقات فيه: عن يزيد، عن ابن أبي ليلى قال: فوُجِدَ في قتلى صفين.
أنبأنا وخبرنا عن أبي المكارم التيمي، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن يحيى، حدثني أحمد بن معاوية بن الهُذَيل، حدثنا محمد بن أبان العنبري، حدثنا عمرو شيخ كوفي، عن أبي سنان، سمعت حميد بن صالح، سمعت أويسًا القرني يقول: قال النبي ﷺ "احفظوني في أصحابي، فإن من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها، وعند ذلك يقع المقت على الأرض وأهلها، فمن أدرك ذلك فليضع سيفه على عاتقه، ثم ليلق ربه تعالى شهيدًا، فمن لم يفعل فلا يلومنَّ إلَّا نفسه".
هذا حديث منكر جدًّا وإسناده مظلم، وأحمد بن معاوية تالف.
ويروى عن علقمة بن مرثد، عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة بشفاعة أويس مثل ربيعة ومضر".
فضيل بن عياض: حدثنا أبو قرة السدوسي، عن سعيد بن المسيب قال: نادى عمر بمنى على المنبر: يا أهل قرن، فقام مشايخ، فقال: أفيكم من اسمه أويس، فقال شيخ: يا أمير المؤمنين، ذاك مجنون يسكن القفار، لا يألف ولا يؤلف، قال: ذاك الذي أعنيه، فإذا عدتم فاطلبوه، وبلغوه سلامي، وسلام رسول الله ﷺ ، قال: فقال: عرَّفني أمير المؤمنين، وشهَّر باسمي، اللهم صل على محمد، وعلى آله السلام على رسول الله، ثم هام على وجهه، فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهرًا، ثم عاد في أيام عليّ ﵁، فاستُشهد معه بصفين، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة.
وروى هشام بن حسان، عن الحسن قال: يخرج من النار بشفاعة أويس أكثر من ربيعة، ومضر.