قرأت على إسحاق بن طارق، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا أبو المكارم التيمي، ونبأني ابن سلامة، عن أبي المكارم، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو، حدثنا عبد الله بن أحمد بن كليب، عن الفضل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل: من ضرب مالكًا? قال: بعض الولاة في طلاق المكره، كان لا يجيزه، فضربه لذلك.
وبه، قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن علي، حدثنا المفضل الجندي، سمعت أبا مصعب، سمعت مالكًا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
ثم قال أبو مصعب: كان مالك لا يحدث إلا وهو على طهارة؛ إجلالا للحديث.
وبه، قال: حدثنا ابن حيان، حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: قال الشافعي: إذا جاء الأثر، كان مالك كالنجم، وهو وسفيان القرينان.
وبه، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا السراج، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة: أتيت المدينة بعد موت نافع بسنة، فإذا الحلقة لمالك.
وبه، حدثنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أحمد بن راشد، سمعت أبا داود يقول: حكى لي بعض أصحاب ابن وهب، عنه: أن مالكًا لما ضُرِبَ، حُلِقَ، وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك. فقال: ألا من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا مالك بن أنس، أقول. طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير، فقال: أدركوه، أنزلوه.
وبه، حدثنا إبراهيم، حدثنا السراج، حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، قال: قيل لمالك: ما تقول في طلب العلم? قال: حسن، جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه.
وبه، عن ابن وهب: سئل مالك عن الداعي يقول: يا سيدي، فقال: يعجبني دعاء الأنبياء: ربنا، ربنا.
وبه، حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم، حدثنا الأبار، حدثنا أحمد بن هاشم، حدثنا ضمرة: سمعت مالكًا يقول: لو أن لي سلطانًا على من يفسر القرآن، لضربت رأسه.
قلت: يعني: تفسيره برأيه. وكذلك جاء عن مالك، من طريق أخرى.
وبه، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا نعيم بن حماد سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
стр. 3712
قلت: ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله.
وبه، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا المقداد بن داود، حدثنا عبد الله بن عبد الحكم: سمعت مالكًا يقول: شاورني هارون الرشيد في ثلاثة: في أن يعلق "الموطأ" في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، وفي أن ينقض منبر رسول الله ﷺ ويجعله من ذهب وفضة وجوهر، وفي أن يقدم نافعًا إمامًا في مسجد النبي ﷺ . فقلت: أما تعليق "الموطأ"، فإن الصحابة اختلفوا في الفروع، وتفرقوا، وكل عند نفسه مصيب، وأما نقض المنبر، فلا أرى أن يُحْرَم الناس أثر رسول الله ﷺ وأما تقدمتك نافعًا، فإنه إمام في القراءة، لا يؤمن أن تبدر منه بادرة في المحراب، فتحفظ عليه. فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله.
هذا إسناد حسن، لكن لعل الراوي وهم في قوله: هارون؛ لأن نافعًا قبل خلافة هارون مات.
من قول مالك في السنة:
وبه، حدثنا محمد بن أحمد بن علي، حدثنا الفريابي، حدثنا الحلواني سمعت مطرف بن عبد الله، سمعت مالكًا يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها، فهو مهتد، ومن استنصر بها، فهو منصور، ومن تركها، اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وبه، إلى الحلواني: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: قال مالك: أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله?!
وبه، حدثنا الحسن بن سعيد، حدثنا زكريا الساجي، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو ثور سمعت الشافعي يقول: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت، فشاك، اذهب إلى شاك مثلك، فخاصمه.
وبه، حدثنا سليمان الطبراني، حدثنا الحسين بن إسحاق، حدثنا يحيى بن خلف الطرسوسي -وكان من ثقات المسلمين- قال: كنت عند مالك، فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق? فقال مالك: زنديق، اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلامًا سمعته. قال: إنما سمعته منك، وعظَّم هذا القول.
وبه، حدثنا ابن حيان، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، قال: قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم.
стр. 3713
وبه، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب سمعت مالكًا يقول لرجل سأله عن القدر: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وبه، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن أبي عاصم، سمعت سعيد بن عبد الجبار، سمعت مالكًا يقول: رأيي فيهم أن يستتابوا، فإن تابوا، وإلا قتلوا. يعني: القدرية.
وبه، حدثنا محمد بن علي العقيلي، حدثنا القاضي أبو أمية الغلابي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا مهدي بن جعفر، حدثنا جعفر بن عبد الله، قال: كنا عند مالك فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى? فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى علاه الرُّحَضاء (١)، ثم رفع رأسه، ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة. وأمر به فأخرج.
قال سلمة بن شبيب مرة في رواية هذا: وقال للسائل: إني أخاف أن تكون ضالا.
وقال أبو الربيع الرشيديني: حدثنا ابن وهب، قال: كنا عند مالك، فقال رجل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استواؤه? فأطرق مالك، وأخذته الرُّحَضاء، ثم رفع رأسه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كما وصف نفسه، ولا يقال له: كيف، و"كيف" عنه مرفوع، وأنت رجل سوء، صاحب بدعة، أخرجوه.
وقال محمد بن عمرو قشمرد النيساوي: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك، فجاءه رجل، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فذكر نحوه، وفيه: فقال: الاستواء غير مجهول.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" له، قال: حدثني أبي، حدثنا سُريج بن النعمان، عن عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وقال محمد بن إسحاق الصغاني: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد العُمَري، حدثنا ابن
стр. 3714
أبي أويس، سمعت مالكًا يقول: القرآن كلام الله، وكلام الله منه، وليس من الله شيء مخلوق.
قال القاضي عياض في سيرة مالك: قال ابن نافع، وأشهب -وأحدهما يزيد على الآخر: قلت: يا أبا عبد الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: (٢٢)، ٢٣]، ينظرون إلى الله? قال: نعم، بأعينهم هاتين. قلت: فإن قومًا يقولون: ناظرة: بمعنى منتظرة إلى الثواب. قال: بل تنظر إلى الله، أما سمعت قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أتراه سأل محالا? قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ في الدنيا، لأنها دار فناء، فإذا صاروا إلى دار البقاء، نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. قال -تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال القاضي: وقال غير واحد، عن مالك: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض.
قال: وقال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد. وتوقف عن النقصان.
قال: روى ابن نافع، عن مالك: من قال: القرآن مخلوق، يجلد ويحبس.
قال: وفي رواية بشر بن بكر، عن مالك قال: يقتل، ولا تقبل له توبة.
يونس الصدفي: حدثنا أشهب، عن مالك، قال: القدرية، لا تناكحوهم، ولا تصلوا خلفهم.
أحمد بن عيسى: حدثنا ابن وهب، قال: قال مالك: لا يستتاب من سب النبي ﷺ من الكفار والمسلمين.
أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمن حدث بالحديث: الذين قالوا: "إن الله خلق آدم على صورته" (١)، والحديث الذي جاء: "إن الله يكشف عن
стр. 3715
ساقه"، "وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد" (١). فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يحدث بها أحد. فقيل له: إن ناسًا من أهل العلم يتحدثون به. فقال: من هو? قيل: ابن عجلان، عن أبي الزناد. قال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالمًا. وذكر أبا الزناد، فقال: لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات. رواها: مقدام الرعيني، عن ابن أبي الغمر، والحارث بن مسكين، قالا: حدثنا ابن القاسم.
قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور، كما أن صاحبي "الصحيحين" معذوران في إخراج ذلك -أعني: الحديث الأول والثاني- لثبوت سندهما، وأما الحديث الثالث، فلا أعرفه بهذا اللفظ، فقولنا في ذلك وبابه: الإقرار، والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم.
وقال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك قال: يتنزل ربنا ﵎ أمره، فأما هو، فدائم لا يزول. قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بكير، فقال: حسن والله، ولم أسمعه من مالك.
قلت: لا أعرف صالحًا، وحبيب مشهور، والمحفوظ عن مالك ﵀ رواية الوليد بن مسلم، أنه سأله عن أحاديث الصفات، فقال: أمرها كما جاءت، بلا تفسير. فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحت رواية حبيب.
أحمد بن عبد الرحيم بن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا عمرو بن حسان: أن أبا خليد قال لمالك: يا أبا عبد الله، إن أهل دمشق يقرءون: إبراهام. فقال: أهل دمشق بأكل البطيخ أعلم منهم بالقراءة. قال له أبو خليد: إنهم يدَّعون قراءة عثمان. قال مالك: فهذا مصحف عثمان عندي. ودعا به، ففتح، فإذا فيه: إبراهام، كما قال أهل دمشق.
قلت: رسم المصحف محتمل للقراءتين، وقراءة الجمهور أفصح وأولى.
قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن علي وعثمان، فقال: ما أدركت أحدًا ممن أقتدي به إلا
стр. 3716
وهو يرى الكف عنهما. قال ابن القاسم: يريد التفضيل بينهما. فقلت: فأبو بكر، وعمر? فقال: ليس فيهما إشكال، إنهما أفضل من غيرهما.
قال الحسن بن رشيق: سمعت النسائي يقول: أمناء الله على علم رسول الله ﷺ ثلاثة: شعبة، ومالك، ويحيى القطان.
قال القاضي عياض: قال معن: انصرف مالك يومًا، فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية، متهم بالإرجاء، فقال: اسمع مني. قال: احذر أن أشهد عليك. قال: والله ما أريد إلا الحق، فإن كان صوابًا، فقل به، أو فتكلم قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعني. قال: فإن غلبتك؟ قال: اتبعتك. قال: فإن جاء رجل، فكلمنا، فغلبنا? قال: اتبعناه، فقال مالك: يا هذا، إن الله بعث محمدًا ﷺ بدين واحد، وأراك تَتَنَقَّل.
وعن مالك، قال: الجدال في الدين ينشئ المراء، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي، ويورث الضِّغن.
قال القاضي عياض: قال أبو طالب المكي: كان مالك ﵀ أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقضًا للعراقيين. ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. كيف استوى? فسكت مالك حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالا، أخرجوه. فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق، فلم أجد أحدًا وفق لما وفقت له.
فصل:
قال ابن عدي في "مسند مالك" بإسناد صح عن ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لقد سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط.
وقال: نشر نافع عن ابن عمر علمًا كثيرًا أكثر مما نشر عنه بنوه.
الحارث بن مسكين: أخبرنا ابن وهب، قال مالك: كنت آتي نافعًا، وأنا غلام حديث السن، مع غلام لي، فينزل من درجه، فيقف معي، ويحدثني، وكان يجلس بعد الصبح في المسجد، فلا يكاد يأتيه أحد.
سعيد بن أبي مريم: سمعت مالكًا يقول: جالس نعيم المجمر أبا هريرة عشرين سنة.
стр. 3717
قال معن: كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما.
وقال ابن وهب: قال مالك: العلم حيث شاء الله جعله، ليس هو بكثرة الرواية.
ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: حق على من طلب العلم أن يكون له وقار، وسكينة، وخشية، والعلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله -تعالى- فلا تمكن الناس من نفسك، فإن من سعادة المرء أن يوفق للخير، وإن من شقوة المرء أن لا يزال يخطئ، وذل وإهانة للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه.
القعنبي: سمعت مالكًا يقول: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه.
قال عبد الله بن نافع: جالست مالكًا خمسًا وثلاثين سنة.
قال ابن وهب: لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك: لا أدري، لفعلت.
حرملة: حدثنا ابن وهب، سمعت مالكًا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء. وسمعته يقول: قلت لأمير المؤمنين فيمن يتكلم في هذه المسائل المعضلة: الكلام فيها -يا أمير المؤمنين- يورث البغضاء.
سلمة بن شبيب: حدثنا عبد الرزاق، سمعت سفيان، وابن جريج، ومالكًا، وابن عيينة، كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
قال مخلد بن خداش: سألت مالكًا عن الشطرنج، فقال: أحق هو? فقلت: لا. قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].
قال ابن وهب: حججت سنة ثمان وأربعين ومائة، وصائح يصيح: لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس، وابن الماجِشُون.
ابن وهب، عن مالك، قال: بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى، إلا نطق بالحكمة.
ابن وهب عن مالك، قال: إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه، ذهب بهاؤه.
أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، قال: التوقيت في المسح بدعة.
عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلموا في الوقوف، وما يحبسه الناس. فقال يعقوب: هذا باطل. قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنما أطلق
стр. 3718
ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة، فأما الوقوف، فهذا وقف عمر قد استأذن رسول الله ﷺ فقال: "حبس أصلها، وسبل ثمرتها" (١)، وهذا وقف الزبير. فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقي يعقوب.
ابن وهب: حدثني مالك، قال: كان بين جدار قبلة رسول الله ﷺ وبين المنبر قدر ممر الرجل متحرجًا، وقدر ممر الشاة، وإن أول من قدم جدار القبلة حتى جعلها عند المقصورة عمر بن الخطاب، وإن عثمان قربها إلى حيث هي اليوم.
داود بن رشيد: حدثنا الوليد بن مسلم: سألت مالكًا عن تفضيض المصاحف، فأخرج إلينا مصحفًا، فقال: حدثني أبي، عن جدي: أنهم جمعوا القرآن على عهد عثمان، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا أو نحوه.
قال ابن المديني: لمالك نحو ألف حديث -يعني: مرفوعة.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: قال لي مالك: قرأت على نافع بن أبي نعيم.
وروى القعنبي، عن ابن عيينة، قال: ما ترك مالك على ظهر الأرض مثله.
قال ابن سعد: كان مالك ثقة، ثبتًا، حجة، عالمًا، ورعًا.
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث، لضللنا.
وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من "موطأ مالك".
قلت: هذا قاله قبل أن يؤلف "الصحيحان".
قال خالد بن نزار الأيلي: بعث المنصور إلى مالك حين قدم المدينة، فقال: إن الناس قد اختلفوا بالعراق، فضع كتابًا نجمعهم عليه. فوضع "الموطأ".
قال عبد السلام بن عاصم: قلت لأحمد بن حنبل: رجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه? قال: يحفظ حديث مالك. قلت: فرأي? قال: رأي مالك.
قال ابن وهب: قيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته? قالت: المصحف، التلاوة.
стр. 3719
قال أبو مصعب: كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام، وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا، قائلون برءوسهم هكذا. وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: لا، ونعم. ولا يقال له: من أين قلت ذا?
أبو حاتم الرازي: حدثنا عبد المتعال بن صالح من أصحاب مالك، قال: قيل لمالك: إنك تدخل على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلم بالحق.
وقال موسى بن داود: سمعت مالكًا يقول: قدم علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة فقال: يا مالك، كثر شيبك. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، من أتت عليه السنون، كثر شيبه قال: ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة? قلت: كان آخر من بقي عندنا من الصحابة، فاحتاج إليه الناس فسألوه، فتمسكوا بقوله.
ذكر علي بن المديني أصحاب نافع، فقال: مالك وإتقانه، وأيوب وفضله، وعبيد الله وحفظه.
ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم? -يعني أبا حنيفة ومالكًا- قلت: على الإنصاف? قال: نعم. قلت: أنشدك بالله من أعلم بالقرآن? قال: صاحبكم، قلت: نعم. قلت: من أعلم بالسنة? قال: صاحبكم، قلت: فمن أعلم بأقاويل الصحابة والمتقدمين? قال: صاحبكم. قلت: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس?
قلت: وعلى الإنصاف، لو قال قائل: بل هما سواء في علم الكتاب، والأول: أعلم بالقياس، والثاني: أعلم بالسنة، وعنده علم جم من أقوال كثير من الصحابة، كما أن الأول أعلم بأقاويل علي، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فرضي الله عن الإمامين، فقد صرنا في وقت لا يقدر الشخص على النطق بالإنصاف، نسأل الله السلامة.
قال مطرف بن عبد الله وغيره: كان خاتم مالك، الذي مات وهو في يده، فصه أسود حجري، ونقشه: حسبي الله ونعم الوكيل. وكان يلبسه في يساره، وربما لبسه في يمينه.
وعن ابن مهدي قال: ما رأيت أحدًا أهيب، ولا أتم عقلا من مالك ولا أشد تقوى.
وقال ابن وهب: ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه.
стр. 3720
وعن مالك قال: ما جالست سفيهًا قط.
قال ابن عبد الحكم: أفتى مالك مع نافع، وربيعة.
وقال أبو الوليد الباجي: روي أن المنصور حج، وأقاد مالكًا من جعفر بن سليمان الذي كان ضربه، فأبى مالك، وقال: معاذ الله.
قال مصعب بن عبد الله في مالك:
يدع الجواب فلا يراجع هيبة … والسائلون نواس الأذقان
عز الوقار ونور سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت عبد الله بن عمر بن الرماح، قال: دخلت على مالك، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصلاة من فريضة? وما فيها من سنة? أو قال نافلة، فقال مالك: كلام الزنادقة، أخرجوه.
وقال منصور بن سلمة الخزاعي: كنت عند مالك، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أقمت على بابك سبعين يومًا حتى كتبت ستين حديثًا، فقال: ستون حديثًا! وجعل يستكثرها. فقال الرجل: ربما كتبنا بالكوفة أو بالعراق في المجلس الواحد ستين حديثًا، فقال: وكيف بالعراق دار الضرب، يضرب بالليل، وينفق بالنهار?
قال أبو العباس السراج: سمعت البخاري يقول: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد": هذا كتبته من حفظي، وغاب عني أصلي: إن عبد الله العمري العابد كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل. فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.
قال الحسين بن حسن بن مهاجر الحافظ: سمعت أبا مصعب الزهري يقول: كان مالك بعد تخلفه عن المسجد يصلي في منزله في جماعة يصلون بصلاته، وكان يصلي صلاة الجمعة في منزله وحده.
стр. 3721
رواية بعض مشايخه عنه:
أخبرنا علي بن عبد الغني المعدل، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف، وأنبأنا أبو المعالي الأبرقوهي، أخبرنا محمد بن أبي القاسم الخطيب، قالا: أخبرنا أبو الفتح بن البطي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن الأنباري في المحرم سنة أربع وثمانين وأربعمائة، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا محمد بن الحارث أبو بكر الباغندي، حدثنا عبيد بن محمد النساج، حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، حدثني رجل من أهل المدينة يقال له: مالك بن أنس، عن سعد بن إسحاق، عن عمته زينب، عن أبي سعيد: أنه خرج في طلب أعلاج له، ثم قدم على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث مثل حديث الناس.
وأنبأنا أحمد بن سلامة، عن جماعة: أن أبا علي الحداد أخبرهم: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا ابن الصواف، ومحمد بن حميد، قالا: حدثنا الباغندي، حدثنا عبيد النساج، حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن الزهري، عن مالك بن أنس، عن سعد بن إسحاق، عن عمته زينب، عن الفريعة أخت أبي سعيد: أن زوجها تكارى علوجًا له، فقتلوه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقالت: إني لست في مسكن له، ولا يجري علي منه رزق، فأنتقل إلى أهل أبياتي، فأقيم عليهم? قال: "اعتدي حيث يبلغك الخبر" (١).
وأخبرناه بتمامه عاليًا أبو محمد عبد الخالق بن علوان بقراءتي، أخبرنا البهاء عبد الرحمن، أخبرتنا شُهْدة الكاتبة، أخبرنا أحمد بن عبد القادر، أخبرنا عثمان بن دوست، أخبرنا محمد بن عبد الله، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا القعنبي، أخبرنا مالك، عن سعد بن إسحاق، عن عمته زينب بنت كعب بن عُجْرَة: أن الفريعة بنت مالك بن سنان -وهي أخت أبي سعيد الخدري- أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بظهر القدوم، لحقهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة. فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فخرجت، فقال: "كيف قلت"؟. فرددتُ عليه القصة، فقال: "امكثي في بيتك، حتى يبلغ الكتاب أجله". فاعتددت فيه
стр. 3722
أربعة أشهر وعشرًا (١)، فلما كان عثمان بن عفان، أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه، وقضى به.
وأخبرناه عاليًا بدرجات: أحمد بن هبة الله، عن المؤيد بن محمد، أخبرنا هبة الله بن سهل، أخبرنا سعيد بن محمد، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب، حدثنا مالك، بنحوه.
وبإسنادي إلى بن مخلد، حدثنا زكريا بن يحيى الناقد، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر.
ثم قال حماد: وحدثنا به مالك ومعمر بهذا الإسناد.
وأخبرناه عاليًا سنقر الزيني بحلب، أخبرنا الموفق عبد اللطيف، وأنجب الحمامي، وعبد اللطيف القبيطي، ومحمد بن السباك، وغيرهم قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا مالك البانياسي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، أخبرنا أبو مصعب الزهري، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (٢).
стр. 3723
وأخبرنا به إسماعيل بن عبد الرحمن، أخبرنا الإمام أبو محمد بن قدامة، أخبرنا علي بن عبد الرحمن الطوسي، أخبرنا مالك البانياسي، فذكره.
وبه إلى ابن مخلد، حدثنا عبد الملك الرقاشي، حدثنا أبو غسان يحيى بن كثير العنبري، حدثنا شعبة، عن مالك بن أنس، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره" (١). أخرجه مسلم، عن شيخ له عن العنبري، فوقع لنا بدلا عاليًا.
وبه، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرني يحيى بن معين، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن مالك، عن عمر -أو عمرو- بن مسلم بنحوه. هذا غريب، وليس ذا في "الموطأ".
الحاكم في ترجمة مالك، في كتاب "مزكِّي الأخبار"، حدثنا أبو الطيب محمد بن أحمد الكرابيسي، حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد من أصله، حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن مالك بن أنس، عن سمي، عن أبي صالح: أن رسول الله ﷺ قال: "السفر قطعة من العذاب" (٢). غريب جدًّا.
قرأت على إسحاق بن طارق، أخبرك ابن خليل، أخبرنا أبو المكارم اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا القعنبي.
وبه إلى أبي نعيم، وحدثنا محمد بن حميد، حدثنا عبد الله بن أبي داود، حدثنا عبد الملك
стр. 3724
ابن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي عن يحيى بن أيوب كلاهما عن مالك عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ في الحديبية البدنة عن سبعة (١).
وبه إلى أبي نعيم حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد حدثنا بكر بن سهل حدثنا محمد بن مخلد الرعيني حدثنا مالك عن أبي حازم عن سهل قال: قال رسول الله ﷺ : "ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد فيهما دعوة: حضور الصلاة وعند الزحف للقتال" (٢).
رواه أيضًا أيوب بن سويد وأبو المنذر إسماعيل بن عمر عن مالك نحوه.
أخبرنا أبو المعالي الهمداني، أخبرنا محمد بن أبي القاسم بحران (٣) أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا علي بن محمد الخطيب أخبرنا أبو عمر الفارسي أخبرنا محمد بن مخلد حدثنا جعفر بن أحمد بن عاصم حدثنا محمد بن مصفى حدثنا محمد بن حرب عن ابن جريج عن مالك عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة زمن الفتح وعلى رأسه المغفر (٤).
أخبرنا أبو المعالي أخبرنا محمد حدثنا محمد أخبرنا علي أخبرنا أبو عمر أخبرنا
стр. 3725
مخلد، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا شعيب بن حرب، حدثنا مالك، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة بن ربعي قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين قبل أن يقعد". اتفقا عليه، من حديث مالك (١).
الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا البَرْقاني، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني، قرئ على أبي عَروبة الحراني، حدثكم محمد بن وهب، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن مالك بن أنس، عن سعيد المقبري، عن أبيه -لا أعلمه إلا عن أبي هريرة- قال: قال النبي ﷺ : "رحم الله عبدًا كانت عنده لأخيه مظلمة في نفس أو مال فأتاه فاستحل منه قبل أن تؤخذ حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتوضع في سيئاته" (٢).
الحاكم: حدثنا عمرو بن محمد بن منصور العدل، حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثني أبي، حدثنا بكر بن مضر، حدثنا ابن الهاد، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته وينثل ما فيه فلا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه" (٣). ورواه إسحاق بن بكر بن مضر عن أبيه وقد وقع لي عاليًا كأني سمعته من الحاكم.
стр. 3726
أخبرناه عبد الحافظ بن بدران، بنابلس، أخبرنا موسى بن عبد القادر، والحسين بن مبارك، وأخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا الحسن بن مبارك، ونفيس بن كرم وعبد اللطيف بن عسكر، وأخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، وعدة بمصر، وسنقر الزيني بحلب قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر، وأخبرنا عبد الله بن محمد بن قوام، ويوسف بن أبي نصر، وعلي بن عثمان الأمين، ومحمد بن حازم، ومحمد بن يوسف الذهبي، ومحمد بن هاشم العباسي، وعمر، وأبو بكر، أخبرنا أحمد بن عبد الدائم، وسويج بن محمد، ومحمد بن أبي العز، وفاطمة بنت عبد الله الآمدية، وخديجة بنت محمد المراتبية، وفاطمة بنت إبراهيم البطائحية، وهدية بنت عبد الحميد قالوا: أنبأنا الحسين بن أبي بكر اليماني، وأخبرنا علي بن محمد الفقيه، وأحمد بن هبة الله الحاجب، ونصر الله بن محمد وأحمد بن العماد، وعلي بن أحمد، وأحمد بن محمد بن المجاهد، وعلي بن محمد الملقن، وأحمد بن رسلان، وعمر بن محمد المذهب، وأحمد بن عبد الرحمن الدائم بن أحمد الوزان، وعبيد الحميد بن أحمد، ومحمد بن علي بن فضل، وأحمد بن عبد الله اليونيني، ومحمد بن قايماز الدقيقي، وهدية بنت علي قالوا: أخبرنا الحسين بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر قالوا ستتهم: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا محمد بن عبد العزيز الفارسي سنة تسع وستين وأربعمائة، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا العلاء بن موسى إملاء سنة سبع وعشرين ومائتين، حدثنا ليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قام فقال: "لا يحلبن أحدكم ماشية أحد بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر باب خزانته فينتقل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه". أخرجه مسلم (١)، عن محمد بن رمح عن ليث.
محمد بن يوسف الزبيدي: حدثنا أبو قرة، عن موسى بن عقبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها" (٢).
стр. 3727
أخبرنا علي بن تيمية، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف، وأخبرنا الأبرقوهي، أخبرنا ابن تيمية الخطيب، قالا: أخبرنا ابن البطي، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا أبو عمر بن مهدي، أخبرنا محمد بن مخلد، حدثنا الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا أبن جريج عن سفيان الثوري، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن المسيب: أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة، وهي السمحاق بنصف ما في الموضحة. قال عبد الرزاق: ثم قدم علينا سفيان فسألناه فحدثنا به عن مالك ثم لقيت مالكًا فقلت: إن سفيان، حدثنا عنك، عن ابن قسيط، عن ابن المسيب: أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة (١) بنصف الموضحة (٢). فقال: صدق، حدثته به، قلت: حدثني قال: ما أحدث به اليوم.
أخبرنا أحمد بن عبد المنعم، أخبرنا محمد بن سعيد، وأخبرنا علي ابن محمد، وجماعة قالوا: أخبرنا الحسين بن المبارك قالا: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا محمد بن أحمد الساوي (٣)، أخبرنا أبو بكر الحيري، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن سفيان، عن مالك نحوه.
وهذا إسناد عزيز، نزل الشافعي في إسناده كثيرًا تحصيلا للعلم.
الحاكم: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبيد الحافظ، حدثنا محمد بن الضحاك بن عمرو، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا بكار بن الحسن، حدثنا إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن أبي حنيفة، عن مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (٤).
стр. 3728
أخبرنا به أحمد بن هبة الله، عن المؤيد الطوسي، أخبرنا هبة الله السيدي، أخبرنا أبو عثمان البحيري، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب، عن مالك، نحوه.
وساويت الحاكم، وقد رواه عن مالك سفيان الثوري، وشريك القاضي، وشعبة.
الحاكم: أخبرنا أبو علي الحافظ، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن أحمد المديني بمصر، حدثنا يحيى بن درست، حدثنا أبو إسماعيل القناد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، ومالك، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (١).
غريب جدًّا، ولا نعلم مالكًا اجتمع بيحيى، ولو جرى ذلك، لكان يروي عنه، ولكان من كبراء مشيخة مالك.
تفرد به أبو الطاهر وفيه مقال.
يعقوب بن شيبة السدوسي: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن مالك بن أنس، عن هانئ بن حرام، قال: كتب إلى عمر بن الخطاب في رجل وجد مع امرأته رجلا، فقتله. فكتب في السر: يعطي الدية، وكتب في العلانية: يقاد منه (٢).
стр. 3729
قال يعقوب: أراد عمر أن يُرهب بذلك.
وبإسنادي إلى ابن مخلد العطار: حدثنا أحمد بن محمد بن أنس، حدثنا أبو هبيرة الدمشقي، حدثنا سلامة بن بشر، حدثنا يزيد بن السمط، عن الأوزاعي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان" (١). أخرجه النسائي، عن يزيد بن عبد الصمد، عن سلامة به.
ووقع لنا عاليًا.
أخبرناه علي بن أحمد الحسيني (٢)، أخبرنا محمد بن أحمد القطيعي، أخبرنا أحمد بن محمد العباسي، أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبقسي (٣)، أخبرنا محمد بن إبراهيم الديبلي (٤)، حدثنا محمد بن أبي الأزهر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن دينار، بهذا.
وبإسنادي إلى ابن مخلد، قال: حدثني أحمد بن سعد الزهري، قال: ذكر علي بن بحر القطان، سمعت ابن أبي حازم يقول: رأيت البتي (٥) قائمًا على رأس مالك بن أنس.
وبه: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الحنين، حدثنا الأصمعي، عن شعبة، قال: قدمت المدينة سنة ثمان عشرة ومائة، فوجدت لمالك حلقة، ووجدت نافعًا قد مات.
стр. 3730
وبه، أخبرنا الرمادي، حدثنا الحكم بن عبد الله، أخبرني أبي، عن مالك، قال: رحت إلى الظهر من بيت ابن هرمز اثنتي عشرة سنة (١).
وبه، حدثنا الرمادي، حدثنا الحكم، أخبرنا أشهب، عن مالك، قال: حدثني ابن شهاب، فقلت له: أعده علي. قال: لا. قلت: أما كان يعاد عليك? قال: لا. فقلت: كنت تكتب? قال: لا. وكف الحديدة -يعني: اللجام.
أخبرنا أحمد بن إسحاق بن محمد المؤيدي، أخبرنا أحمد بن يوسف، والفتح بن عبد الله، قالا: أخبرنا محمد بن عمر الأرموي، أخبرنا أحمد بن محمد البزاز، أخبرنا علي بن عمر الحربي، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا معن، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "إن رسول الله ﷺ لم يكن يصافح امرأة قط" (٢). أخرجه النسائي، في جمعه أحاديث مالك، عن معاوية بن صالح الدمشقي، عن يحيى بن معين.
أخبرنا عمر بن عبد المنعم الطائي غير مرة، أخبرنا عبد الصمد بن محمد الشافعي سنة تسع وستمائة -وأنا في الرابعة- أخبرنا علي بن مسلم الفقيه، أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد الخطيب سنة خمس وستين وأربعمائة، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد الغساني بصيدا سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، حدثنا أبو روق أحمد بن محمد الهزاني (٣) بالبصرة، حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن مالك "ح" (٤). وأخبرنا بعلو أحمد بن هبة الله بن أحمد، عن المؤيد بن محمد، أخبرنا هبة الله بن سهل، أخبرنا سعيد
стр. 3731
ابن محمد، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب، حدثنا مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (١). لفظ شعبة.
أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي، أخبرنا زكريا بن علي بن حسان ببغداد، وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد ببعلبك، وأحمد بن محمد بمصر وجماعة، قالوا: أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي، قالا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى "ح". وأخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه كتابة، أخبرنا عبد القادر الحافظ، أخبرنا عبد الجليل بن أبي سعد بهراة، قالا: أخبرتنا أم الفضل: بيبى بنت عبد الصمد، قالت: أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا مصعب الزبيري، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو، وأسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليهم، ومكث فيها. فسألت بلالا حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ? فقال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى (٢).
وبه، حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته (٣).
стр. 3732
وفاة مالك:
قال القعنبي: سمعتهم يقولون: عُمُر مالك تسع وثمانون سنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: مرض مالك، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت. قالوا: تشهد، ثم قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة، فصلى عليه: الأمير عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي؛ ولد زينب بنت سليمان العباسية، ويعرف بأمه. رواها: محمد بن سعد، عنه، ثم قال: وسألت مصعبًا، فقال: بل مات في صفر، فأخبرني معن بن عيسى بمثل ذلك.
وقال أبو مصعب الزهري: مات لعشر مضت من ربيع الأول، سنة تسع. وقال محمد بن سحنون: مات في حادي عشر ربيع الأول. وقال ابن وهب: مات لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول.
قال القاضي عياض (١): الصحيح: وفاته في ربيع الأول، يوم الأحد، لتمام اثنين وعشرين يومًا من مرضه.
وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليهما الماء، ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى عليه الأمير المذكور. قال: وكان نائبًا لأبيه محمد على المدينة، ثم مشى أمام جنازته، وحمل نعشه، وبلغ كفنه خمسة دنانير.
قلت: تواترت وفاته في سنة تسع، فلا اعتبار لقول من غلط وجعلها في سنة ثمان وسبعين، ولا اعتبار بقول حبيب كاتبه، ومطرف فيما حكي عنه، فقالا: سنة ثمانين ومائة.
ونقل القاضي عياض أن أسد بن موسى قال: رأيت مالكًا بعد موته وعليه طويلة وثياب خضر، وهو على ناقة يطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله! أليس قد مت? قال: بلى. فقلت: فإلام صرت? فقال: قدمت على ربي، وكلمني كفاحًا (٢)، وقال: سلني أعطك، وتمن علي أرضك (٣).
стр. 3733
قال القاضي عياض: واختلف في سنه: فقال عبد الله بن نافع الصائغ، وابن أبي أويس، ومحمد بن سعد، وحبيب: إن عمره خمس وثمانون سنة. قال: وقيل: أربع وثمانون سنة. وقيل: سبع وثمانون سنة. وقال الواقدي: تسعون سنة. وقال الفريابي، وأبو مصعب: ست وثمانون سنة. وقال القعنبي: تسع وثمانون سنة. وعن عبد الرحمن بن القاسم، قال: عاش سبعًا وثمانين سنة. وشذ أيوب بن صالح، فقال: عاش اثنتين وتسعين سنة. قال أبو محمد الضراب: هذا خطأ، الصواب ست وثمانون (١).
واختلف في حمل أمه به: فقال معن، والصائغ، ومحمد بن الضحاك: حملت به ثلاث سنين. وقال نحوه: والد الزبير بن بكار. وعن الواقدي: حملت به سنتين (٢).
قلت: ودفن بالبقيع اتفاقًا، وقبره مشهور يزار ﵀.
ويقال: إنه في الليلة التي مات فيها رأى رجل من الأنصار قائلا ينشد:
لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه … غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر
إمام الهدى ما زال للعلم صائنا … عليه سلام الله في آخر الدهر
قال: فانتبهت، فإذا الصارخة على مالك.
ثم أورد القاضي عياض عدة منامات حسنة للإمام، وسائر كتابه بلا أسانيد، وفي بعض ذلك ما ينكر.
قال ابن القاسم: مات مالك عن مائة عمامة، فضلا عن سواها.
وقال ابن أبي أويس: بيع ما في منزل خالي مالك من بسط، ومنصات، ومخاد، وغير ذلك، بما ينيف على خمسمائة دينار.
وقال محمد بن عيسى بن خلف: خلف مالك خمسمائة زوج من النعال، ولقد اشتهى يومًا كساء قوصيًّا، فما مات إلا وعنده منها سبعة بعثت إليه.
وأهدى له يحيى بن يحيى النيسابوري هدية، فوجدت بخط جعفر: قال مشايخنا الثقات: إنه باع من فضلتها بثمانين ألفًا.
стр. 3734
قال أبو عمرو: ترك من الناض (١) ألفي دينار وستمائة دينار، وسبعة وعشرين دينارًا، ومن الدراهم ألف درهم.
قلت: قد كان هذا الإمام من الكبراء السعداء، والسادة العلماء، ذا حشمة، وتجمل، وعبيد، ودار فاخرة ونعمة ظاهرة، ورفعة في الدنيا والآخرة، كان يقبل الهدية، ويأكل طيبًا، ويعمل صالحًا، وما أحسن قول ابن المبارك فيه:
صموت إذا ما الصمت زين أهله … وفتاق أبكار الكلام المختم
وَعَى ما وَعَى القرآن من كل حكمه … وسيطت (٢) له الآداب باللحم والدم
قال القاضي عياض ﵀ فيه:
يا سائلا عن حميد الهدي والسنن … اطلب هديت علوم الفقه والسنن
وعقد قلبك فاشدده على ثلج (٣) … لا تطوينه على شك ولا دخن (٤)
واسلك سبيل الألي حازوا نهى وتقى … كانوا فبانوا حسان السر والعلن
هم الأئمة والأقطاب ما انخدعوا … ولا شروا دينهم بالبخس والغبن
أصحاب خير الورى أحبار ملته … خير القرون نجوم الدهر والزمن
من اهتدى بهداهم مهتد وهم … نجاة من بعدهم من غمرة الفتن
وتابعوهم على الهدي القويم هم … أهل التقى والهدى والعلم والفطن
فاختر لدينك ذا علم تقلده … مشهر الذكر في شام وفي يمن
حوى أصولهم ثم اقتفى أثرًا … نهجًا إلى كل معنى رائق حسن
ومالك المرتضى لا شك أفضلهم … إمام دار الهدى والوحي والسنن
فعنه حز علمه إن كنت متبعًا … ودع زخارف كالأحلام والوسن
فهو المقلد في الآثار يسندها … خلاف من هو فيها غير مؤتمن
وهو المقدم في فقه وفي نظر … والمقتدى في الهدى في ذلك الزمن
стр. 3735
وعالم الأرض طرا بالذي حكمت … شهادة المصطفى ذي الفضل والمنن
ومن إليه بأقطار البلاد غدت … تنضى المطايا وتضحى بزل البدن (١)
من أشرب الخلق طرًا حبه فجرى … طي القلوب كجري الماء في الغصن
وقال كل لسان في فضائله … قولًا وإن قصروا في الوصف عن لسن
عليه من ربه أصفى عواطفه … ومن رضاه كصوب العارض الهتن (٢)
وجاد ملحده وطفاء هاطلة … تسقى برحماه مثوى ذلك الجنن (٣)
стр. 3736
١١٨١ - عبد القدوس (١):
ابن حبيب المحدث، أبو سعيد الكلاعي، الوحاظي الشامي.
روى عن: مجاهد، وعكرمة، وأبي الأشعث الصنعاني، والشعبي، والحسن، وعطاء، ومكحول، وابن شهاب.
وعنه: عمرو بن الحارث، وحيوة بنت شريح، والثوري -وماتوا قبله بمدة- والوليد بن مسلم، وابن شابور، وعبد الرزاق، وعلي بن الجعد، وأبو الجهم، وصالح بن مالك الخوارزمي، وإسحاق بن أبي إسرائيل.
يقع من عواليه في "الجعديات".
اتفقوا على ضعفه. كذبه: ابن المبارك.
وقال ابن معين: مطروح الحديث.
وقال الفلاس: تركوه.
وقال ابن عمار: ذاهب الحديث.
وقال ابن المبارك: لأن أقطع الطريق، أحب إليَّ من أن أروي عنه.
وقال النسائي: ليس بثقة، ولا مأمون.
قلت: بقي إلى ما بعد السبعين ومائة وعمر دهرًا.
стр. 3737
١١٨٢ - الليث بن سعد (١): " ع"
ابن عبد الرحمن، الإمام، الحافظ، شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، أبو الحارث الفهمي، مولى خالد بن ثابت بن ظاعن.
وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس، من أهل أصبهان، ولا منافاة بين القولين.
مولده: بقرقشندة -قرية من أسفل أعمال مصر- في سنة أربع وتسعين. قاله يحيى بن بكير. وقيل: سنة ثلاث وتسعين. ذكره: سعيد بن أبي مريم. والأول أصح، لأن يحيى يقول: سمعت الليث يقول: ولدت في شعبان، سنة أربع. قال الليث: وحججت سنة ثلاث عشرة ومائة.
سمع: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، ونافعًا العمري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وابن شهاب الزهري، وأبا الزبير المكي، ومشرح بن هاعان، وأبا قبيل المعافري، ويزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وعبد الرحمن بن القاسم، والحارث بن يعقوب، ودراجًا أبا السمح الواعظ، وعقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وحكيم بن عبد الله بن قيس، وعامر بن يحيى المعافري، وعمر مولى غفرة، وعمران بن أبي أنس، وعياش بن عباس، وكثير بن فرقد، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وأيوب بن موسى، وبكر بن سوادة، وأبا كثير الجلاح، والحارث بن يزيد الحضرمي، وخالد بن يزيد، وصفوان بن سليم، وخير بن نعيم، وأبا الزناد، وقتادة، ومحمد بن يحيى بن حبان، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويحيى بن سعيد
стр. 3738
الأنصاري، وخلقًا كثيرًا. حتى إنه يروي عن تلامذته، وحتى إنه روى عن نافع، ثم روى حديثًا بينه وبينه فيه أربعة أنفس، وكذلك فعل في شيخه ابن شهاب، روى غير حديث بينه وبينه فيه ثلاثة رجال.
روى عنه خلق كثير. منهم: ابن عجلان -شيخه- وابن لهيعة، وهشيم، وابن وهب، وابن المبارك، وعطاف بن خالد، وشبابة، وأشهب، وسعيد بن شرحبيل، وسعيد بن غفير، والقعنبي، وحجين بن المثنى، وسعيد بن أبي مريم، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن يونس، وشعيب بن الليث -ولده- ويحيى بن بكير، وعبد الله بن عبد الحكم، ومنصور بن سلمة، ويونس بن محمد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن يحيى الليثي، ويحيى بن يحيى التميمي، وأبو الجهم العلاء بن موسى، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، ويزيد بن موهب الرملي، وكامل بن طلحة، وعيسى بن حماد زغبة، وعبد الله بن صالح الكاتب، وعمرو بن خالد، وعبد الله بن يوسف التنيسي.
ولحقه الحارث بن مسكين، وسأله عن مسألة، ورآه يعقوب بن إبراهيم الدورقي ببغداد وهو صبي.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا الفتح، أخبرنا الأرموي، وابن الداية، والطرائفي، قالوا: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن، حدثنا جعفر بن محمد الحافظ، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا".
هذا الحديث حسن، عال أخرجه الترمذي (١)، عن قتيبة، فوافقناه بعلو.
أخبرنا أبو علي يوسف بن أحمد الصالحي، أخبرنا موسى بن عبد القادر الجيلي، أخبرنا
стр. 3739
أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البناء "ح". وأخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد القرافي الزاهد بمصر، أخبرنا أبو علي الحسن بن إسحاق بن موهوب بن الجواليقي سنة عشرين وستمائة ببغداد "ح". وقرأت على أبي حفص عمر بن عبد المنعم الطائي، عن أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، قالوا: أخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي الزيني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الوراق، حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث الحافظ، حدثنا عيسى بن حماد التجيبي، أخبرنا الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا، مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما فيكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه، لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها (١).
هذا حديث صحيح، وإنما يرويه الليث، عن هشام بالإجازة، لأن البخاري أخرجه في "صحيحه" تعليقًا، فقال: وقال الليث: كتب إلي هشام بن عروة … ، ذكر الحديث، فهو في "الصحيح"، وجادة (٢) على إجازة.
أخبرنا أحمد بن إسحاق: أخبرنا أكمل بن أبي الأزهر، أخبرنا سعيد بن أحمد، أخبرنا محمد بن محمد، أخبرنا محمد بن عمر بن زنبور، حدثنا أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عيسى
стр. 3740
ابن حماد، أخبرنا الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة" (١).
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، أخبرنا موسى بن عبد القادر، والحسين بن المبارك، وأخبرنا أحمد بن المؤيد، أخبرنا عبد اللطيف بن عسكر، وحسن بن أبي بكر بن الزبيدي، والنفيس بن كرم، وأخبرنا أحمد بن أبي طالب، وخلق، قالوا: أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي، قالوا ستتهم: أخبرنا أبو الوقت السجزي، أخبرنا محمد بن أبي مسعود، أخبرنا أبو محمد بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا العلاء بن موسى الباهلي، حدثنا الليث، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية، أو اليهودية، قال: إن الله حرم المشركات على المسلمين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عبيد الله (٢). أخرجه البخاري، عن قتيبة، عن الليث.
أخبرنا القاضي تاج الدين أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد بن علوان ببعلبك بقراءتي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم "ح". أخبرنا عز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن المرداوي، أخبرنا محمد بن خلف الفقيه سنة ست عشرة وستمائة "ح". وأخبرنا بيبرس المجدي بحلب، أخبرنا عبد الله بن عمر بن النخال، قالوا: أخبرتنا فخر النساء شهدة بنت أحمد الكاتبة، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري "ح". وأخبرنا أبو الفداء إسماعيل بن الفراء، أخبرنا أبو محمد بن قدامة الفقيه، أخبرنا أبو الفتح بن البطي، ويحيى بن ثابت البقال، قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسن الحافظ، وقال
стр. 3741
البقال: أخبرنا أبي، قالوا: أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب الحافظ، قال: قرأت على أبي العباس بن حمدان، حدثكم محمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث: "بينا أنا نائم، رأيتني على قليب، فنزعت ما شاء الله أن أنزع … ".
أخبرناه إسماعيل بن عبد الرحمن، وأحمد بن عبد الحميد، قالا: أخبرنا عبد الله بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو بكر بن النقور، أخبرنا علي بن محمد العلاف، أخبرنا أبو الحسن بن الحمامي، حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم نزع ابن قحافة ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، وليغفر الله له، ثم استحالت غربًا، فأخذ ابن الخطاب، فلم أر عبقريًّا من الناس ينزع نزعه حتى ضرب الناس بعطن" (١).
رواه من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد مسلم في صحيحه، عن أبيه، عن صالح، نحوه، والبخاري، عن يسرة، عن إبراهيم، عن الزهري بنفسه.
أخبرنا أبو المعالي القرافي، أخبرنا الفتح بن عبد الله، أخبرنا الأرموي، وابن الداية، والطرائفي، قالوا: أخبرنا ابن المسلمة، أخبرنا أبو الفضل الزهري، حدثنا الفريابي، حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب: أن أبا إدريس عائذ الله الخولاني، أخبره أن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل، قال: كان معاذ لا يجلس مجلسًا إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط، تبارك اسمه، هلك المرتابون.
كان الليث ﵀ فقيه مصر، ومحدثها، ومحتشمها، ورئيسها، ومن يفتخر بوجوده الإقليم، بحيث إن متولي مصر، وقاضيها وناظرها من تحت أوامره، ويرجعون إلى رأيه، ومشورته، ولقد أراده المنصور على أن ينوب له على الإقليم، فاستعفى من ذلك.
стр. 3742
ومن غرائب حديث الليث، عن الزهري، عن أنس، حديث: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار" (١). صححه: أبو عيسى، وغربه.
قال أبو مسهر الغساني شيخ أهل دمشق: قدم علينا الليث، فكان يجالس سعد بن عبد العزيز، فأتاه أصحابنا، فعرضوا عليه، فلم أر أنا أخذ ذلك عرضًا، حتى قدمت على مالك.
عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت سعيد بن أبي مريم، سمعت ليث بن سعد يقول: بلغت الثمانين، وما نازعت صاحب هوى قط.
قلت: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، ومالك، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة، فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رءوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضًا بالمعقول، فطال الجدال، واشتد النزاع، وتولدت الشبه. نسأل الله العافية.
قال ابن بكير: سمعت الليث يقول: سمعت بمكة سنة ثلاث عشرة ومائة من الزهري وأنا ابن عشرين سنة.
وقال عيسى بن زغبة، عن الليث، قال: أصلنا من أصبهان، فاستوصوا بهم خيرًا.
قال يحيى بن بكير: أخبرني مَنْ سمع الليث يقول: كتبت من علم ابن شهاب علمًا كثيرًا، وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة، فخفت أن لا يكون ذلك لله، فتركته، ودخلت على نافع، فسألني، فقلت: أنا مصري. فقال: ممن? قلت: من قيس. قال: ابن كم? قلت: ابن عشرين سنة. قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين.
قال أبو صالح: خرجت مع الليث إلى العراق سنة إحدى وستين ومائة، خرجنا في شعبان، وشهدنا الأضحى ببغداد. قال: وقال لي الليث ونحن ببغداد: سل عن منزل هشيم الواسطي، فقل له: أخوك ليث المصري يقرئك السلام، ويسألك أن تبعث إليه شيئًا من كتبك فلقيت هشيمًا، فدفع إلي شيئًا، فكتبنا منه، وسمعتها مع الليث.
قال الحسن بن يوسف بن مليح: سمعت أبا الحسن الخادم، وكان قد عمي من الكبر في
стр. 3743
مجلس يسر، قال: كنت غلامًا لزبيدة، وأتي بالليث بن سعد تستفتيه، فكنت واقفًا على رأس ستي زبيدة، خلف الستارة، فسأله الرشيد، فقال له: حلفت إن لي جنتين. فاستحلفه الليث ثلاثًا: إنك تخاف الله? فحلف له، فقال: قال الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ١٦]. قال: فأقطعه قطائع كثيرة بمصر.
قلت: إن صح هذا، فهذا كان قبل خلافة هارون.
قال محمد بن إبراهيم العبدي: سمعت ابن بكير، يحدث عن يعقوب بن داود وزير المهدي، قال: قال أمير المؤمنين لما قدم الليث العراق: الزم هذا الشيخ، فقد ثبت عندي أنه لم يبق أحد أعلم بما حمل منه.
الفسوي: حدثنا ابن بكير، قال: قال الليث: قال لي أبو جعفر: تلي لي مصر? قلت: لا يا أمير المؤمنين، إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي. فقال: ما بك ضعف معي، ولكن ضعفت نيتك في العمل لي.
وحدثنا ابن بكير، قال: قال عبد العزيز بن محمد: رأيت الليث عند ربيعة يناظرهم في المسائل، وقد فرفر أهل الحلقة (١).
أبو إسحاق بن يونس الهروي: حدثنا الدارمي، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا شرحبيل بن جميل، قال: أدركت الناس أيام هشام الخليفة، وكان الليث بن سعد حَدَثَ السن، وكان بمصر عبيد الله بن أبي جعفر، وجعفر بن ربيعة، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبي حبيب، وابن هبيرة، وإنهم يعرفون لليث فضله وورعه وحسن إسلامه عن حداثة سنة. ثم قال ابن بكير: لم أر مثل الليث.
وروى عبد الملك بن يحيى بن بكير، عن أبيه، قال: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث.
وقال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة. فما زال يذكر خصالا جميلة، ويعقد بيده، حتى عقد عشرة: لم أر مثله.
ونقل الخطيب في "تاريخه"، عن محمد بن إبراهيم البوشنجي، سمع ابن بكير يقول: أخبرت عن سعيد بن أبي أيوب، قال: لو أن مالكًا والليث اجتمعا، لكان مالك عند الليث أخرس، ولباع الليث مالكًا فيمن يزيد.
стр. 3744
قلت: لا يصح إسنادها؛ لجهالة من حدث عن سعيد بها، أو أن سعيدًا ما عرف مالكًا حق المعرفة.
أخبرنا المؤمل بن محمد، والمسلم بن علان كتابة، قالا: أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا أبو منصور الشيباني، أخبرنا أبو بكر الحافظ، أخبرنا ابن رزق، أخبرنا علي بن محمد المصري، حدثنا محمد بن أحمد عياض بن أبي طيبة المفرض، حدثنا هارون بن سعيد: سمعت ابن وهب يقول: كل ما كان في كتب مالك: وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد.
وبه إلى أبي بكر: حدثنا الصوري، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي، أخبرنا الحسن بن يوسف صالح بن مليح الطرائفي، سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال ابن وهب: لولا مالك، والليث، لضل الناس.
قال أحمد الأبار: حدثنا أبو طاهر، عن ابن وهب، قال: لولا مالك، والليث، هلكت، كنت أظن كل ما جاء عن النبي ﷺ يفعل به.
جعفر بن محمد الرسعني: حدثنا عثمان بن صالح، قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان، حتى نشأ فيهم الليث، فحدثهم بفضائله، فكفوا. وكان أهل حمص ينتقصون عليًّا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائل علي، فكفوا عن ذلك.
محمد بن أحمد بن عياض المفرض: سمعت حرملة يقول: كان الليث بن سعد يصل مالكًا بمائة دينار في السنة، فكتب مالك إليه: علي دين. فبعث إليه بخمسمائة دينار، فسمعت ابن وهب يقول: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل بنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر. فبعث إليه بثلاثين حملا عصفرًا، فباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة.
قال أبو داود: قال قتيبة: كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة، وقال: ما وجبت علي زكاة قط. وأعطى الليث ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى مالكًا ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار الواعظ ألف دينار، وجارية تسوى ثلاثمائة دينار.
قال: وجاءت امرأة إلى الليث، فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنًا لي عليل، واشتهى عسلا. فقال: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل. والمرط: عشرون ومائة رطل.
قال عبد الملك شعيب بن الليث بن سعد: سمعت أبي يقول: ما وجبت علي زكاة منذ بلغت.
стр. 3745
وقال أبو صالح: سألت امرأة الليث منًّا من عسل، فأمر لها بزق، وقال: سألت على قدرها، وأعطيناها على قدر السعة علينا.
قال يعقوب بن شيبة: حدثني عبد الله بن إسحاق، سمعت يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: جاءت امرأة بُسكُرَّجَة (١) إلى الليث تطلب عسلا، فأمر من يحمل معها زقًّا، فجعلت تأبى، وجعل الليث يأبى إلا أن يحمل معها من عسل، وقال: نعطيك على قدرنا.
وعن الحارث بن مسكين، قال: اشترى قوم من الليث ثمرة، فاستغلوها، فاستقالوه، فأقالهم، ثم دعا بخريطة فيها أكياس، فأمر لهم بخمسين دينارًا، فقال له ابنه الحارث في ذلك، فقال: اللهم غفرًا، إنهم قد كانوا أملوا فيها أملا، فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا.
أحمد بن عثمان النسائي: سمعت قتيبة، سمعت شعيب بن الليث يقول: خرجت حاجًّا مع أبي، فقدم المدينة، فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب. قال: فجعل على الطبق ألف دينار، ورده إليه.
إسماعيل سمَّويه: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس، وكان لا يأكل إلا بلحم إلا أن يمرض.
محمد بن أحمد بن عياض المفرض: حدثنا إسماعيل بن عمرو الغافقي، سمعت أشهب بن عبد العزيز يقول: كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها: أما أولها، فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه السلطان، فإذا أنكر من القاضي أمرًا، أو من السلطان، كتب إلى أمير المؤمنين، فيأتيه العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول: نجحوا أصحاب الحوانيت، فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم. ويجلس للمسائل، يغشاه الناس، فيسألونه ويجلس لحوائج الناس، لا يسأله أحد فيرده، كبرت حاجته أو صغرت. وكان يطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز في السكر.
وبه، إلى الخطيب أبي بكر: أخبرنا البرقاني، أخبرنا أبو إسحاق المزكي، أخبرنا السراج: سمعت قتيبة يقول: قفلنا مع الليث بن سعد من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن: سفينة
стр. 3746
فيها مطبخه، وسفينة فيها عائلته، وسفينة فيها أضيافه. وكان إذا حضرت الصلاة يخرج إلى الشط، فيصلي. وكان ابنه شعيب إمامه، فخرجنا لصلاة المغرب، فقال: أين شعيب? فقالوا: حُمَّ. فقام الليث، فأذن، وأقام، ثم تقدم، فقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، فقرأ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. وكذلك في مصاحف أهل المدينة يقولون: هو غلط من الكاتب عند أهل العراق، ويجهر: ببسم الله الرحمن الرحيم، ويسلم تلقاء وجهه.
الفسوي: قال ابن بكير: سمعت الليث كثيرًا يقول: أنا أكبر من ابن لهيعة، فالحمد لله الذي متعنا بعقلنا.
ثم قال ابن بُكَير: حدثني شعيب بن الليث، عن أبيه، قال: لما ودعت أبا جعفر ببيت المقدس، قال: أعجبني ما رأيت من شدة عقلك، والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك. قال شعيب: كان أبي يقول: لا تخبروا بهذا ما دمت حيًّا.
قال قتيبة: كان الليث أكبر من ابن لهيعة بثلاث سنين، وإذا نظرت تقول: ذا ابن، وذا أب -يعني: ابن لهيعة الأب.
قال: ولما احترقت كتب ابن لهيعة، بعث إليه الليث من الغد بألف دينار.
قال محمد بن صالح الأشج: سئل قتيبة: من أخرج لكم هذه الأحاديث من عند الليث? فقال: شيخ كان يقال له: زيد بن الحباب. وقدم منصور بن عمار على الليث، فوصله بألف دينار. واحترقت دار ابن لهيعة، فوصله بألف دينار، ووصل مالكًا بألف دينار، وكساني قميص سندس، فهو عندي. رواها: صالح بن أحمد الهمذاني، عن محمد بن علي ابن الحسين الصيدناني، سمعت الأشج.
أحمد بن عثمان النسائي: سمعت قتيبة، سمعت شعيبًا يقول: يستغل أبي في السنة ما بين عشرين ألف دينار إلى خمسة وعشرين ألفًا، تأتي عليه السنة وعليه دين.
وبه إلى الخطيب: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر، حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرملي، سمعت محمد بن رمح، يقول: كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط.
قلت: ما مضى في دخله أصح.
أحمد بن محمد بن نجدة التنوخي: سمعت محمد بن رمح يقول: حدثني سعيد الآدم، قال: مررت بالليث بن سعد، فتنحنح لي، فرجعت إليه، فقال لي: يا سعيد، خذ هذا
стр. 3747
القُنْداق، فاكتب لي فيه من يلزم المسجد، ممن لا بضاعة له ولا غلة. فقلت: جزاك الله خيرًا يا أبا الحارث. وأخذت منه القنداق ثم صرت إلى المنزل، فلما صليت، أوقدت السراج، وكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قلت: فلان بن فلان. ثم بدرتني نفسي، فقلت: فلان بن فلان. قال: فبينا أنا على ذلك، إذ أتاني آت، فقال: ها الله يا سعيد، تأتي إلى قوم عاملوا الله سرًّا، فتكشفهم لآدمي?! مات الليث، ومات شعيب، أليس مرجعهم إلى الله الذي عاملوه? فقمت ولم أكتب شيئًا، فلما أصبحت، أتيت الليث، فتهلل وجهه، فناولته القنداق، فنشره، فما رأى فيه غير: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: ما الخبر? فأخبرته بصدق عما كان، فصاح صيحة، فاجتمع عليه الناس من الحلق، فسألوه، فقال: ليس إلا خير. ثم أقبل علي، فقال: يا سعيد، تبينتها وحرمتها، صدقت، مات الليث أليس مرجعهم إلى الله؟
قال مقدام بن داود: رأيت سعيدا الآدم، وكان يقال: إنه من الأبدال.
قال أبو صالح: كان الليث يقرأ بالعراق من فوق علية على أصحاب الحديث، والكتاب بيدي، فإذا فرغ، رميت به إليهم، فنسخوه.
روى عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، قال: قيل لليث: أمتع الله بك، إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك. فقال: أو كل ما في صدري في كتبي? لو كتبت ما في صدري، ما وسعه هذا المركب. رواها الحافظ بن يونس، حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الملك، عن أبيه.
يحيى بن بكير: قال الليث: كنت بالمدينة مع الحجاج وهي كثيرة السرقين (١)، فكنت ألبس خفين، فإذا بلغت باب المسجد، نزعت أحدهما، ودخلت. فقال يحيى بن سعيد الأنصاري: لا تفعل هذا، فإنك إمام منظور إليك -يريد لبس خف على خف.
الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث، لا عمرو بن الحارث، ولا أحد، وقد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير، ما أصح حديث ليث بن سعد. وجعل يثني عليه، فقال رجل لأبي عبد الله: إن إنسانًا ضعفه. فقال: لا يدري.
وقال الفضل بن زياد: قال أحمد: ليث كثير العلم، صحيح الحديث.
стр. 3748
وقال أحمد بن سعد الزهري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الليث ثقة، ثبت.
وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس في المصريين أصح حديثًا من الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث يقاربه.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري: ليث بن سعد، يَفْصِل ما روى عن أبي هريرة، وما عن أبيه عن أبي هريرة. هو ثبت في حديثه جدًّا.
وقال حنبل: سئل أحمد: ابن أبي ذئب أحب إليك عن المقبري، أو ابن عَجلان? قال: ابن عجلان اختلط عليه سماعه من سماع أبيه، الليث أحب إلي منهم في المقبري.
وقال عثمان الدارمي: سمعت يحيى بن معين يقول: الليث أحب إلي من يحيى بن أيوب، ويحيى ثقة. قلت: فكيف حديثه عن نافع? فقال: صالح، ثقة.
وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم: قال ابن معين: الليث عندي أرفع من ابن إسحاق. قلت: فالليث، أو مالك? قال: مالك.
وعن أحمد بن صالح -وذكر الليث- فقال: إمام قد أوجب الله علينا حقه، لم يكن بالبلد -بعد عمرو بن الحارث- مثله.
وقال سهيل بن أحمد الواسطي: سمعت الفلاس يقول: ليث بن سعد صدوق، سمعت ابن مهدي يحدث عن ابن المبارك، عنه.
قال ابن سعد: استقل الليث بالفتوى، وكان ثقة، كثير الحديث، سَريًا من الرجال، سخيًّا، له ضيافة.
وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه عن الزهري بعض الاضطراب.
عن الليث، قال: ارتحلت إلى الإسكندرية إلى الأعرج، فوجدته قد مات، فصليت عليه.
وقال العجلي، والنسائي: الليث ثقة.
وقال ابن خراش: صدوق، صحيح الحديث.
عباس الدوري: حدثنا يحيى بن معين، قال: هذه رسالة مالك إلى الليث، حدثنا بها عبد الله بن صالح يقول فيها: وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك.
стр. 3749
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
وقال أبو زرعة الرازي: سمعت يحيى بن بكير يقول: أفقه من مالك، ولكن الحظوة لمالك ﵀.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك.
وقال علي بن المديني: الليث ثبت.
وقال أبو حاتم: هو أحب إليَّ من مفضل بن فَضالة.
وقال أبو داود: حدثني محمد بن الحسين: سمعت أحمد يقول: الليث ثقة، ولكن في أخذه سهولة.
قال يحيى بن بكير: قال الليث: قال لي المنصور: تلي لي مصر? فاستعفيت. قال: أما إذا أبيت، فدلني على رجل أقلده مصر. قلت: عثمان بن الحكم الجذامي، رجل له صلاح، وله عشيرة. قال: فبلغ عثمان ذلك، فعاهد الله ألا يكلم الليث.
قال: وولي لهم الليث ثلاث ولايات لصالح بن علي. قال صالح لعمرو بن الحارث: لا أدع الليث حتى يتولى لي. فقال عمرو: لا يفعل. فقال: لأضربن عنقه. فجاءه عمرو، فحذره، فولي ديوان العطاء، وولي الجزيرة أيام أبي جعفر، وولي الديوان أيام المهدي.
قال أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري: سمعت محمد بن معاوية يقول -وسليمان بن حرب إلى جنبه: خرج الليث بن سعد يومًا، فقوموا ثيابه، ودابته، وخاتمه، وما عليه، ثمانية عشر ألف درهم إلى عشرين ألفًا. فقال سليمان: لكن خرج علينا شعبة يومًا، فقوموا حماره وسرجه ولجامه، ثمانية عشر درهمًا، إلى عشرين درهمًا.
عن أبي صالح كاتب الليث، قال: كنا على باب مالك، فامتنع عن الحديث، فقلت: ما يشبه هذا صاحبنا? قال: فسمعها مالك، فأدخلنا، وقال: من صاحبكم? قلت: الليث. قال: تشبهونا برجل كتبت إليه في قليل عصفر، نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذ منه ما بعنا فضلته بألف دينار.
قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: سمعت أسد بن موسى يقول: كان عبد الله بن علي يطلب بني أمية، فيقتلهم. قال: فدخلت مصر في هيئة رثة، فأتيت الليث، فلما فرغت من
стр. 3750
المجلس، تبعني خادم له بمائة دينار، وكان في حزتي (١) هميان فيه ألف دينار، فأخرجتها، فقلت: أنا في غنى، استأذن لي على الشيخ. فاستأذن، فدخلت، وأخبرته، بنسبي، واعتذرت من الرد، فقال: هي صلة. قلت: أكره أن أعود نفسي. قال: ادفعها إلى من ترى من أصحاب الحديث.
قال قتيبة: كان الليث يركب في جميع الصلوات إلى الجامع، ويتصدق كل يوم على ثلاثمائة مسكين.
سليم بن منصور بن عمار: حدثنا أبي، قال: دخلت على الليث خلوة، فأخرج من تحته كيسًا فيه ألف دينار، وقال: يا أبا السري، لا تعلم بها ابني، فتهون عليه.
أبو صالح: عن الليث، قال لي الرشيد: ما صلاح بلدكم? قلت: بإجراء النيل، وبصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإن صفت العين، صفت السواقي. قال: صدقت.
وعن ابن وزير، قال: قد ولي الليث الجزيرة، وكان أمراء مصر لا يقطعون أمرًا إلا بمشورته. فقال أبو المسعد، ووصَّلها إلى المنصور:
لعبد الله عبد الله عندي … نصائح حكتها في السر وحدي
أمير المؤمنين تلاف مصرا … فإن أميرها ليث بن سعد
قال بكر بن مضر: قدم علينا كتاب مروان بن محمد إلى حوثرة والي مصر: إني قد بعثت إليكم أعرابيًّا بدويًّا فصيحًا من حاله، ومن حاله فاجمعوا له رجلا يسدده في القضاء، ويصوبه في المنطق. فأجمع رأي الناس على الليث بن سعد، وفي الناس معلماه: يزيد بن أبي حبيب، وعمرو بن الحارث.
قال أحمد بن صالح: أعضلت الرشيد مسألة، فجمع لها فقهاء الأرض، حتى أشخص الليث، فأخرجه منها.
قال سعيد بن أبي مريم: حدثنا الليث، قال: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إلى كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت: لو عاودته، فسألته: أسمعت هذا كله من جابر بن عبد الله? فقال: منه ما سمعته، ومنه ما حدثت به. فقلت له: علِّم لي على ما سمعت. فعلَّم لي على هذا الذي عندي.