← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وقال أبو سعيد حاتم بن محمد: قال موسى بن هارون الحافظ: لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن ينصبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل ما قدروا عليه. وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الفقيه الدغولي: كتب أهل بغداد إلى البخاري: المسلمون بخير ما بقيت لهم … وليس بعدك خير حين تفتقد وقال أبو بكر الخطيب: سئل أبو زرعة عن ابن لهيعة فقال: تركه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وسئل عن محمد بن حميد فقال: تركه أبو عبد الله فذكر ذلك لأبي عبد الله فقال: بره لنا قديم. قال الخطيب: وسئل العباس بن الفضل الرازي الصائغ: أيهما أفضل أبو زرعة، أو محمد بن إسماعيل? فقال: التقيت مع محمد بن إسماعيل بين حلوان، وبغداد فرجعت معه مرحلة، وجهدت أن أجيء بحديث لا يعرفه فما أمكنني، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعره. وقال أحمد بن سيار في "تاريخه": محمد بن إسماعيل الجعفي طلب العلم، وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه، وأبصر وكان حسن المعرفة، والحفظ وكان يتفقه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: رأيت أبي يطنب في مدح أحمد بن سيار، ويذكره بالعلم والفقه. وذكر عمر بن حفص الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجى بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط، وسار إليه مشايخنا وسرت فيمن سار إليه فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل فأخبرته بسلامته، وقلت: لعله يجيئك الساعة فأملى علينا وانقضى المجلس ولم يجئ فلما كان اليوم الثاني لم يجئه فلما كان اليوم الثالث قال رجاء: إن أبا عبد الله لم يرنا أهلًا للزيارة فمروا بنا إليه نقض حقه فإني على الخروج وكان كالمترغم عليه فجئنا بجماعتنا إليه فقال رجاء: يا أبا عبد الله كنت بالأشواق إليك وأشتهي أن تذكر شيئًا من الحديث فإني على الخروج قال: ما شئت فألقى عليه، رجاء شيئًا من حديث أيوب، وأبو عبد الله يجيب إلى أن سكت رجاء عن الإلقاء فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيء لم نذكره فأخذ محمد يلقي ويقول رجاء: من روى هذا? وأبو عبد الله يجيء بإسناده إلى أن ألقى قريبًا من بضعة عشر حديثًا وتغير رجاء تغيرًا شديدًا، وحانت من أبي عبد الله نظرة إلى وجهه فعرف التغير فيه فقطع الحديث فلما خرج رجاء قال محمد: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيته إلَّا أني خشيت أن يدخله شيء فأمسكت.

стр. 5602

وقال خلف بن محمد: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا فمني عليه ألف لعنة. ثم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله. وروي عن الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، ولم يكن مسلم بن الحجاج يبلغ محمد بن إسماعيل، ورأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يستمعان إلى محمد أي شيء يقول يجلسون إلى جنبه فذكر لعبيد العجل قصة محمد بن يحيى فقال: ما له ولمحمد بن إسماعيل? كان محمد بن إسماعيل أمة من الأمم وكان أعلم من محمد بن يحيى بكذا، وكذا وكان دينًا فاضلًا يحسن كل شيء. وقال أبو حامد أحمد بن حمدون القصار: سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى البخاري فقيل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك ثم قال: حدثك محمد بن سلام حدثنا مخلد بن يزيد الحراني أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في كفارة المجلس (١)، فما علته? قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا الحديث الواحد في هذا الباب إلَّا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبد

стр. 5603

الله قوله قال محمد: وهذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل فقال له مسلم: لا يبغضك إلَّا حاسد وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل ركبانًا على الخيل سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرجالة. وقال عبد الله بن حماد الآملي: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت حاشد بن إسماعيل، وآخر يقولان: كان أهل المعرفة بالبصرة يعدون خلف البخاري في طلب الحديث، وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه قالا: وكان أبو عبد الله عند ذلك شابًا لم يخرج، وجهه. أخبرني الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل المهدوي، سمعت خالد بن عبد الله المروزي، سمعت أبا سهل محمد بن أحمد المروزي، سمعت أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنت نائمًا بين الركن، والمقام فرأيت النبي ﷺ فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي، ولا تدرس كتابي? فقلت: يا رسول الله، وما كتابك? قال: "جامع" محمد بن إسماعيل. وجدت فائدة منقولة عن أبي الخطاب بن دحية أن الرملي الكذابة قال: البخاري مجهول لم يرو عنه سوى الفربري قال أبو الخطاب: والله كذب في هذا، وفجر والتقم الحجر بل البخاري مشهور بالعلم وحمله مجمع على حفظه، ونبله جاب البلاد وطلب الرواية، والإسناد روى عنه جماعة من العلماء إلى أن قال: وأما كتابه فقد عرضه على حافظ زمانه أبي زرعة فقال: كتابك كله صحيح إلَّا ثلاثة أحاديث. ذكر عبادته وفضله وورعه وصلاحه: قال الحاكم: حدثنا محمد بن خالد المطوعي، حدثنا مسبح بن سعيد قال: كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة ويقوم بعد التروايح كل ثلاث ليال بختمة. وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.

стр. 5604

قلت: صدق ﵀ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث سكتوا عنه فيه نظر ونحو هذا، وقل أن يقول: فلان كذاب أو كان يضع الحديث حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم، واه وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته يعني البخاري يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ" ويقولون: فيه اغتياب الناس فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا قال النبي ﷺ : "بئس مولى العشيرة" (١) يعني: حديث عائشة. وسمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. قال: وكان أبو عبد الله يصلي في، وقت السحر ثلاث عشرة ركعة وكان لا يوقظني في كل ما يقوم فقلت: أراك تحمل على نفسك، ولم توقظني قال: أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك. وقال غنجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن المقرئ سمعت بكر بن منير قال: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى الصلاة قال: انظروا أيش آذاني. وقال محمد بن أبي حاتم: دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه، فلما صلى بالقوم الظهر، قام يتطوع فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئًا فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر، أو سبعة عشر موضعًا،

стр. 5605

وقد تورم من ذلك جسده فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك? قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها!! وقال: سمعت عبد الله بن سعيد بن جعفر يقول: سمعت العلماء بالبصرة يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة، والصلاح. وقال أبو جعفر محمد بن يوسف الوراق: حدثنا عبد الله بن حماد الآملي قال: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله. أعدت هذا للتبويب. وقال الحاكم: حدثنا محمد بن حامد البزاز، سمعت الحسن بن محمد بن جابر، سمعت محمد بن يحيى الذهلي لما ورد البخاري نيسابور يقول: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. وقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول: جاء محمد إلى أقربائه بخرتنك فسمعته يدعو ليلة إذ فرغ من ورده: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فما تم الشهر حتى مات. وقد ذكرنا أنه لما ألف "الصحيح" كان يصلي ركعتين عند كل ترجمة. وروى الخطيب بإسناده عن الفربري قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: أين تريد? فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري فقال: أقرئه مني السلام. وقال محمد بن أبي حاتم: ركبنا يومًا إلى الرمي ونحن بفربر فخرجنا إلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة (١) فجعلنا نرمي، وأصاب سهم أبي عبد الله، وتد القنطرة الذي على نهر ورادة فانشق الوتد فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد، وترك الرمي وقال لنا: ارجعوا ورجعنا معه إلى المنزل فقال لي: يا أبا جعفر لي إليك حاجة تقضيها? قلت: أمرك طاعة قال: حاجة مهمة، وهو يتنفس الصعداء فقال لمن معنا: اذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته فقلت: أية حاجة هي? قال لي: تضمن قضاءها?

стр. 5606

قلت: نعم، على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة، فتقول له: إنا قد أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حل مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري، فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حل مما كان منك، وقال: جميع ملكي لك الفداء، وإن قلت: نفسي أكون قد كذبت غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في، وتد أو في ملكي فأبلغته رسالته فتهلل، وجهه واستنار وأظهر سرورًا وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوًا من خمسمائة حديث وتصدق بثلاثمائة درهم. قال وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حل يا أبا معشر فقال: من أي شيء? قال: رويت يومًا حديثًا فنظرت إليك وقد أعجبت به، وأنت تحرك رأسك، ويدك فتبسمت من ذلك قال: أنت في حل رحمك الله يا أبا عبد الله. قال: ورأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيفه كتاب "التفسير" وأتعب نفسه ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له: إني أراك تقول: إني ما أثبت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت فما الفائدة في الاستلقاء? قال: أتعبنا أنفسنا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة فإن غافصنا (١) العدو كان بنا حراك. قال: وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أعلمني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلَّا مرتين فكان يصيب الهدف في كل ذلك، وكان لا يسبق. قال: وسمعته يقول: ما أكلت كراثًا قط، ولا القنابرى قلت: ولم ذاك: قال: كرهت أن أوذي من معي من نتنهما قلت: وكذلك البصل النيئ? قال: نعم. قال: وحدثني محمد بن العباس الفربري، قال: كنت جالسًا مع أبي عبد الله البخاري بفربر في المسجد فدفعت من لحيته قذاة مثل الذرة أذكرها فأردت أن ألقيها في المسجد فقال: ألقها خارجًا من المسجد. قال: وأملى يومًا علي حديثًا كثيرًا فخاف ملالي فقال: طب نفسًا فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه فقلت: ليس شيء من هذا يرحمك الله إلَّا وأنا أرى الحظ لنفسي فيه.

стр. 5607

قال: وسمعته يقول: ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلَّا بدأت بحمد الله، والثناء عليه. وقال له بعض أصحابه: يقولون: إنك تناولت فلانًا. قال: سبحان الله، ما ذكرت أحدًا بسوء إلَّا أن أقول ساهيًا، وما يخرج اسم فلان من صحيفتي يوم القيامة. قال: وضيفه بعض أصحابه في بستان له وضيفنا معه فلما جلسنا أعجب صاحب البستان بستانه، وذلك أنه كان عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال له: يا أبا عبد الله كيف ترى? فقال: هذه الحياة الدنيا. قال: وكان لأبي عبد الله غريم قطع عليه مالًا كثيرًا فبلغه أنه قدم آمل، ونحن عنده بفربر فقلنا له: ينبغي أن تعبر، وتأخذه بمالك فقال: ليس لنا أن نروعه ثم بلغ غريمه مكانه بفربر فخرج إلى خوارزم فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني عامل آمل ليكتب إلى خوارزم في أخذه، واستخراج حقك منه فقال: إن أخذت منهم كتابًا طمعوا مني في كتاب، ولست أبيع ديني بدنياي فجهدنا فلم يأخذ حتى كلمنا السلطان عن غير أمره فكتب إلى، والي خوارزم فلما أبلغ أبا عبد الله ذلك وجد، وجدًا شديدًا وقال: لا تكونوا أشفق علي من نفسي، وكتب كتابًا وأردف تلك الكتب بكتب، وكتب إلى بعض أصحابه بخوارزم أن لا يتعرض لغريمه إلَّا بخير فرجع غريمه إلى آمل وقصد إلى ناحية مرو فاجتمع التجار، وأخبر السلطان بأن أبا عبد الله خرج في طلب غريم له فأراد السلطان التشديد على غريمه وكره ذلك أبو عبد الله، وصالح غريمه على أن يعطيه كل سنة عشرة دراهم شيئًا يسيرًا، وكان المال خمسة وعشرين ألفًا، ولم يصل من ذلك المال إلى درهم ولا إلى أكثر منه. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: ما توليت شراء شيء ولا بيعه قط. فقلت له: كيف وقد أحل الله البيع? قال: لما فيه من الزيادة، والنقصان والتخليط فخشيت إن توليت أن أستوي بغيري قلت فمن كان يتولى أمرك في أسفارك ومبايعتك? قال: كنت أكفى ذلك. قال: وسمعت محمد بن خداش يقول: سمعت أحمد بن حفص يقول: دخلت على أبي الحسن يعني: إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم من مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة قال أحمد: فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك. ثم قال أبو عبد الله: أصدق ما يكون الرجل عند الموت. قال: وكان أبو عبد الله اكترى منزلًا فلبث فيه طويلًا فسمعته يقول: لم أمسح ذكري بالحائط، ولا بالأرض في ذلك المنزل فقيل له: لِمَ? قال: لأن المنزل لغيري.

стр. 5608

قال: وقال لي أبو عبد الله يومًا بفربر: بلغني أن نخاسًا قدم بجواري، فتصير معي? قلت: نعم، فصرنا إليه فأخرج جواري حسانًا صباحًا ثم خرج من خلالهن جارية خزرية دميمة عليها شحم فنظر إليها فمس ذقنها فقال: اشتر هذه لنا منه فقلت: هذه. دميمة قبيحة لا تصلح، واللاتي نظرنا إليهن يمكن شراءهن بثمن هذه. فقال: اشتر هذه فإني قد مسست ذقنها، ولا أحب أن أمس جارية ثم لا أشتريها فاشتراها بغلاء خمسمائة درهم على ما قال أهل المعرفة، ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إلى نيسابور. وقال غنجار: أنبأنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقرئ: سمعت بكر بن منير، وقد ذكر معناها محمد بن أبي حاتم، واللفظ لبكر قال: كان حمل إلى البخاري بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم فقال: انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف فقال: إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة. وقال غنجار: حدثنا إبراهيم بن حمد الملاحمي، سمعت محمد بن صابر بن كاتب سمعت عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب ففقدناه أيامًا ثم، وجدناه في بيت، وهو عريان وقد نفد ما عنده فجمعنا له الدراهم، وكسوناه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبينت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جربت? قال: نعم دعوت ربي مرتين فاستجاب لي فلن أحب أن أدعو بعد ذلك فلعله ينقص من حسناتي أو يعجل لي في الدنيا ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل?!! وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدًا فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول: كان محمد بن إسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم. وقال: سمعت سليم بن مجاهد يقول: ما بقي أحد يعلم الناس الحديث حسبة غير محمد بن إسماعيل، ورأيت سليم بن مجاهد يسأل أبا عبد الله أن يحدثه كل يوم بثلاثة أحاديث،

стр. 5609

ويبين له معانيها وتفاسيرها وعللها. فأجابه إلى ذلك قدر مقامه. وكان أقام في تلك الدفعة جمعة. وسمعت سليمًا يقول: ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه، ولا أورع ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل. قال عبد المجيد بن إبراهيم: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يسوي بين القوي، والضعيف. ذكر كرمه وسماحته وصفته وغير ذلك: قال محمد بن أبي حاتم: كانت له قطعة أرض يكريها كل سنة بسبعمائة درهم. فكان ذلك المكتري ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين؛ لأن أبا عبد الله كان معجبًا بالقثاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانًا فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانًا. قال: وسمعته يقول: كنت أستغل كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقت كل ذلك في طلب العلم فقلت: كم بين من ينفق على هذا الوجه، وبين من كان خلوًا من المال فجمع وكسب بالعلم حتى اجتمع له فقال أبو عبد الله: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦]. قال: وكنا بفربر وكان أبو عبد الله يبني رباطًا مما يلي بخارى، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللبن فكنت أقول له: إنك تكفى يا أبا عبد الله فيقول: هذا الذي ينفعنا ثم أخذ ينقل الزنبرات (١) معه، وكان ذبح لهم بقرة فلما أدركت القدور دعا الناس إلى الطعام، وكان بها مائة نفس أو أكثر، ولم يكن علم أنه يجتمع ما اجتمع وكنا أخرجنا معه من فربر خبزًا بثلاثة دراهم، أو أقل فألقينا بين أيديهم فأكل جميع من حضر وفضلت أرغفة صالحة، وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء بدرهم. قال: وكان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهار فلا يأكل فيه رقاقة، إنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثًا وكان يجتنب توابل القدور مثل الحمص وغيره، فقال لي يومًا شبه المتفرج بصاحبه: يا أبا جعفر نحتاج في السنة إلى شيء كثير قلت له: قدر كم? قال: أحتاج في السنة إلى أربعة آلاف درهم، أو خمسة آلاف درهم قال: وكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده

стр. 5610

صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين، وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد، وكان لا يفارقه كيسه، ورأيته ناول رجلًا مرارًا صرة فيها ثلاثمائة درهم، وذلك أن الرجل أخبرني بعدد ما كان فيها من بعد فأراد أن يدعو فقال له أبو عبد الله: ارفق واشتغل بحديث آخر كيلا يعلم بذلك أحد. قال: وكنت اشتريت منزلًا بتسعمائة وعشرين درهمًا فقال: لي إليك حاجة تقضيها? قلت: نعم، ونعمى عين قال: ينبغي أن تصير إلى نوح بن أبي شداد الصيرفي وتأخذ منه ألف درهم، وتحمله إلي ففعلت فقال لي: خذه إليك فاصرفه في ثمن المنزل فقلت: قد قبلته منك، وشكرته وأقبلنا على الكتابة وكنا في تصنيف "الجامع" فلما كان بعد ساعة قلت: عرضت لي حاجة لا أجترئ رفعها إليك فظن أني طمعت في الزيادة فقال: لا تحتشمني، وأخبرني بما تحتاج فإني أخاف أن أكون مأخوذًا بسببك قلت له: كيف? قال: لأن النبي ﷺ آخى بين أصحابه فذكر حديث سعد وعبد الرحمن فقلت له: قد جعلتك في حل من جميع ما تقول، ووهبت لك المال الذي عرضته علي عنيت المناصفة، وذلك أنه قال: لي جوار وامرأة وأنت عزب فالذي يجب علي أن أناصفك لنستوي في المال، وغيره وأربح عليك في ذلك فقلت له: قد فعلت رحمك الله أكثر من ذلك إذ أنزلتني من نفسك ما لم تنزل أحدًا، وحللت منك محل الولد ثم حفظ علي حديثي الأول وقال: ما حاجتك? قلت: تقضيها? قال: نعم وأسر بذلك قلت: هذه الألف تأمر بقبوله، واصرفه في بعض ما تحتاج إليه فقبله وذلك أنه ضمن لي قضاء حاجتي ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف "الجامع" وكتبنا منه ذلك اليوم شيئًا كثيرًا إلى الظهر ثم صلينا الظهر وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئًا فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش فتوهم في ملالًا وإنما كان بي الحصر غير أني لم أكن أقدر على القيام، وكنت أتلوى اهتمامًا بالحصر فدخل أبو عبد الله المنزل وأخرج إلي كاغدة فيها ثلاثمائة درهم وقال: أما إذ لم تقبل ثمن المنزل فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك فجهدني فلم أقبل ثم كان بعد أيام كتبنا إلى الظهر أيضًا فناولني عشرين درهما فقال: ينبغي أن تصرف هذه في شراء الخضر، ونحو ذلك فاشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه، وبعثت به إليه، وأتيت فقال لي: بيض الله وجهك ليس فيك حيلة فلا ينبغي لنا أن نعني أنفسنا فقلت له: إنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة فأي رجل يبر خادمه بمثل ما تبرني إن كنت لا أعرف هذا فلست أعرف أكثر منه. سمعت عبد الله بن محمد الصارفي يقول: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته

стр. 5611

جارية، وأرادت دخول المنزل فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين? قالت: إذا لم يكن طريق، كيف أمشي? فبسط يديه، وقال لها: اذهبي فقد أعتقتك قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية? قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت. وقال عبد الله بن عدي الحافظ: سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل، ولا بالقصير. وقال غنجار: حدثنا أحمد بن محمد بن حسين التميمي، حدثنا أبو يعلى التميمي، سمعت جبريل بن ميكائيل بمصر يقول: سمعت البخاري يقول: لما بلغت خراسان أصبت ببعض بصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي، وأغلفه بالخطمي ففعلت فرد الله علي بصري. وقال محمد الوراق: دخل أبو عبد الله بفربر الحمام، وكنت أنا في مشلح الحمام أتعاهد عليه ثيابه فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها ثم ناولته الخف فقال: مسست شيئًا فيه شعر النبي ﷺ فقلت: في أي موضع هو من الخف? فلم يخبرني فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة. ذكر قصته مع محمد بن يحيى الذهلي رحمهما الله: قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت محمد بن حامد البزاز قال: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى قال لنا لما، ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى فحسده بعد ذلك وتكلم فيه. وقال أبو أحمد بن عدي ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه، واجتماعهم عليه فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق فامتحنوه في المجلس فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق? فأعرض عنه البخاري، ولم يجبه فقال الرجل: يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول فأعرض عنه ثم قال في الثالثة فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه وقعد البخاري في منزله.

стр. 5612

أنبأنا المسلم بن محمد القيسي وغيره قالوا: أخبرنا زيد بن الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي الخطيب أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب أبو بكر البرقاني أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار، حدثني محمد بن مسلم خشنام قال: سئل محمد بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظ فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد يعني أبا قدامة عن يحيى بن سعيد هو القطان قال: أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه، وقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك? قال: لا أفعل إلَّا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي، وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته. وقال الحاكم: حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى حدثنا محمد بن يوسف الفربري سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو مالك عن ربعي عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" (١). وبه قال: وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال البخاري: حركاتهم، وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وقال أبو حامد الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: إلَّا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا فأقام محمد بن إسماعيل ها هنا مدة ثم خرج إلى بخارى. وقال أبو حامد بن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير

стр. 5613

مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ، وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب فإن تاب، وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئًا بين المسلمين، ولم يدفن في مقابرهم، ومن وقف فقال: لا أقول مخلوق، ولا غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس، ولا يكلم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلَّا من كان على مثل مذهبه. وقال الحاكم: أخبرنا محمد بن أبي الهيثم ببخارى أخبرنا الفربري حدثنا البخاري قال: نظرت في كلام اليهود، والنصارى والمجوس فما رأيت أحدًا أضل في كفرهم من الجهمية، وإني لأستجهل من لا يكفرهم. وقال غنجار: حدثنا محمد بن أحمد بن حاضر العبسي حدثنا الفربري سمعت البخاري يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى، والبخاري دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله أيش الحيلة لنا فيما بينك، وبين محمد بن يحيى كل من يختلف إليك يطرد? فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك? قال: يا بني هذه مسألة مشؤومة رأيت أحمد بن حنبل، وما ناله في هذه المسألة وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري فوقف فيها فلما وقف، واحتج بأن أفعالنا مخلوقة واستدل لذلك فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو، وغيره وقد قال البخاري في الحكاية التي رواها غنجار في "تاريخه": حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يومًا عند أبي إسحاق القيسي، ومعنا محمد بن نصر المروزي فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا، وأكثروا فيه فقال: ليس إلَّا ما أقول قال أبو عمرو الخفاف فأتيت البخاري فناظرته في شي من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبد الله ههنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور، وقومس

стр. 5614

والري، وهمذان وحلوان، وبغداد والكوفة والبصرة، ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله إلَّا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت، واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به استقبلوه مرحلتين، وثلاثة فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا فليستقبله فاستقبله محمد بن يحيى، وعامة العلماء فنزل دار البخاريين فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شي من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه، وقع بيننا وبينه ثم شمت بنا كل حروري وكل رافضي، وكل جهمي وكل مرجئ بخراسان قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأ السطح والدار فلما كان اليوم الثاني، أو الثالث قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا فوقع بينهم اختلاف فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل حتى تواثبوا فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم. وقال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، سمعت ابن علي المخلدي، سمعت محمد بن يحيى يقول: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية. وقال سمعت محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أحمد بن سلمة يقول: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخراسان خصوصًا في هذه المدينة وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى? فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ [غافر: ٤٤]، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا، ولا طلبًا للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال: فأخبرت جماعة أصحابنا فوالله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره. قال: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه. فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه ومنع الناس عنه انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم فقال الذهلي يومًا: إلَّا من

стр. 5615

قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم رداء فوق عمامته، وقام على رءوس الناس، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال. وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه. قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذن، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيى الذهلي فقال: إلا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا فقام مسلم بن الحجاج من المجلس. رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة. قال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم، سمعت أصحابنا يقولون: لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد فخشي البخاري وسافر. وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل عبد الله البخاري فقال: يا أبا عبد الله إن فلانًا يكفرك فقال: قال النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء به أحدهما" (١). وكان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، ويتلو أيضًا: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه﴾ [فاطر: ٤٣]. فقال له عبد المجيد بن إبراهيم: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك، ويتناولونك ويبهتونك? فقال: قال النبي ﷺ : "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (٢) وقال صلى الله علية وسلم: "من دعا على ظالمه فقد انتصر" (٣).

стр. 5616

قال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: لم يكن يتعرض لنا قط أحد من أفناء الناس إلَّا رمي بقارعة، ولم يسلم وكلما حدث الجهال أنفسهم أن يمكروا بنا رأيت من ليلتي في المنام نارًا توقد ثم تطفأ من غير أن ينتفع بها فأتأول قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه﴾ [المائدة: ٦٤]. وكان هجيراه (١) من الليل إذا أتيته في آخر مقدمه من العراق: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِه﴾ [آل عمران: ١٦٠]، الآية. وقال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول لنا قدم البخاري مرو استقبله، أحمد بن سيار فيمن استقبله فقال له أحمد: يا أبا عبد الله نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمل ذا منك فقال البخاري: إني أخشى النار أسأل عن شيء أعلمه حقًا أن أقول غيره فانصرف عنه أحمد بن سيار. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق. قلت: إن تركا حديثه أو لم يتركاه البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم. ذكر محنته مع أمير بخارى: روى أحمد بن منصور الشيرازي قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم أبو عبد الله بخارى نصب له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إلَّا استقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير فبقي أيامًا قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا: لا نفارقه فأمره الأمير بالخروج من البلد فخرج. قال أحمد بن منصور: فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى فتقدمت إليه فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر? فقال: لا أبالي إذا سلم

стр. 5617

ديني. قال: فخرج إلى بيكند، فسار الناس معه حزبين: حزب معه، وحزب عليه إلى أن كتب إليه أهل سمرقند فسألوه أن يقدم عليهم فقدم إلى أن، وصل بعض قرى سمرقند فوقع بين أهل سمرقند فتنة من سببه قوم يريدون إدخاله البلد، وقوم لا يريدون ذلك إلى أن اتفقوا على أن يدخل إليهم فاتصل به الخبر، وما وقع بينهم بسببه فخرج يريد أن يركب فلما استوى على دابته قال: اللهم خر لي ثلاثًا فسقط ميتًا فاتصل بأهل سمرقند فحضروه بأجمعهم. هذه حكاية شاذة منقطعة والصحيح ما يأتي خلافها. قال غنجار في "تاريخه": سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد المقرئ، سمعت بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي، والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب "الجامع" و"التاريخ" وغيرهما لأسمع منك فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (١) فكان سبب الوحشة بينهما هذا. وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله فيقرأ "الجامع" و "التاريخ" على أولاده فامتنع عن الحضور عنده فراسله بأن يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضره غيرهم فامتنع، وقال: لا أخص أحدًا فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء، وغيره حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد فدعا عليهم فلم يأت إلَّا شهر حتى، ورد أمر الطاهرية بأن ينادى على خالد في البلد فنودي عليه على أتان، وأما حريث فإنه ابتلي بأهله فرأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلان فابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا. وقال الحاكم: حدثنا خلف بن محمد، حدثنا سهل بن شاذويه قال: كان محمد بن إسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان جماعة يختلفون إليه، يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإقامة، ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا

стр. 5618

رجل مشغب، وهو يفسد علينا هذه المدينة وقد أخرجه محمد بن يحيى من نيسابور، وهو إمام أهل الحديث فاحتجوا عليه بابن يحيى، واستعانوا عليه بالسلطان في نفيه من البلد فأخرج، وكان محمد بن إسماعيل ورعًا يتجنب السلطان، ولا يدخل عليهم. قال الحاكم: سمعت أحمد بن محمد بن، واصل البيكندي سمعت أبي يقول: من الله علينا بخروج أبي عبد الله ومقامه عندنا حتى سمعنا منه هذه الكتب، وإلا من كان يصل إليه وبمقامه في هذه النواحي: فربر وبيكند بقيت هذه الآثار فيها، وتخرج الناس به. قلت: خالد بن أحمد الأمير قال الحاكم: له ببخارى آثار محمودة كلها إلَّا موجدته على البخاري فإنها زلة وسبب لزوال ملكه. سمع إسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن عمر القواريري، وطائفة. حدثنا عنه بهمذان عبد الرحمن الجلاب، وبمرو علي بن محمد الأزرق وكان قد مال إلى يعقوب بن الليث فلما حج حبسوه ببغداد حتى مات لسنته، وهي سنة تسع وستين ومائتين. ذكر وفاته: قال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك -قرية على فرسخين من سمرقند- وكان له بها أقرباء فنزل عندهم فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فما تم الشهر حتى مات، وقبره بخرتنك. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إنه أقام عندنا أيامًا فمرض، واشتد به المرض حتى، وجه رسولًا إلى مدينة سمرقند في إخراج محمد فلما، وافى تهيأ للركوب فلبس خفيه، وتعمم فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده، ورجل أخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى ﵀ فسأل منه العرق شيء لا يوصف فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه، وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص، ولا عمامة ففعلنا ذلك فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك فدام ذلك أيامًا ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون ويتعجبون، وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر حتى ظهر القبر، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس، وغلبنا

стр. 5619

على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشبًا مشبكًا، لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر، فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب، ولم يكونوا يخلصون إلى القبر وأما ريح الطيب فإنه تداوم أيامًا كثيرة حتى تحدث أهل البلدة، وتعجبوا من ذلك وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة، والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب. قال محمد بن أبي حاتم: ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إلَّا القليل، وأوصى أن يدفن إلى جنبه. وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني: سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: ما، وقوفك يا رسول الله? قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها. وقال خلف بن محمد الخيام: سمعت مهيب بن سليم الكرميني يقول: مات عندنا البخاري ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين، وقد بلغ اثنتين وستين سنة، وكان في بيت وحده فوجدناه لما أصبح، وهو ميت. وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزاز البخاري يقول: توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلَّا ثلاثة عشر يومًا. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا ذر يقول: رأيت محمد بن حاتم الخلقاني في المنام، وكان من أصحاب محمد بن حفص، فسألته وأنا أعرف أنه ميت عن شيخي ﵀ هل رأيته? قال: نعم، رأيته، وهو ذاك يشير إلى ناحية سطح من سطوح المنزل. ثم سألته عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل. فقال: رأيته وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير. وقال أبو علي الغساني: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي، قدم علينا بلنسية عام أربعين وستين وأربعمائة قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام فاستسقى الناس مرارًا فلم يسقوا فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك قال: وما هو? قال: أرى أن تخرج، ويخرج الناس

стр. 5620

معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وقبره بخرتنك ونستسقي عنده فعسى الله أن يسقينا قال: فقال القاضي: نعم ما رأيت فخرج القاضي، والناس معه واستسقى القاضي بالناس، وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام، أو نحوها لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند، من كثرة المطر وغزارته وبين خرتنك، وسمرقند نحو ثلاثة أميال. وقال الخطيب في تاريخه: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي الحرشي بنيسابور قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي "ح"، قال الخطيب: سمعت أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب "الصحيح" لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري. ذكر الصحابة الذين أخرج لهم البخاري، ولم يرو عنهم سوى واحد: مرداس الأسلمي؛ عنه قيس بن أبي حازم، حزن المخزومي تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن زاهر بن الأسود عنه ابنه مجزأة عبد الله بن هشام بن زهرة القرشي عنه حفيده زهرة بن معبد عمرو بن تغلب عنه الحسن البصري عبد الله بن ثعلبة بن صعير، روى عنه الزهري قوله سنين أبو جميلة السلمي عنه الزهري أبو سعيد بن المعلى، تفرد عنه حفص بن عاصم سويد بن النعمان الأنصاري شجري تفرد بالحديث عنه بشير بن يسار خولة بنت ثامر عنها النعمان ابن أبي عياش فجملتهم عشرة. فصل: "تاريخ" البخاري، يشتمل على نحو من أربعين ألفًا، وزيادة وكتابه في "الضعفاء" دون السبعمائة نفس ومن خرج لهم في "صحيحه" دون الألفين قال ذلك أبو بكر الحازمي فـ"صحيحه" مختصر جدًا، وقد نقل الإسماعيلي عمن حكى عن البخاري قال: لم أخرج في الكتاب إلَّا صحيحًا قال: وما تركت من الصحيح أكثر. لبعضهم: صحيح البخاري لو أنصفوه … لما خط إلَّا بماء الذهب هو الفرق بين الهدى والعمى … هو السد بين الفتى والعطب أسانيد مثل نجوم السماء … أمام متون كمثل الشهب به قام ميزان دين الرسول … ودان به العجم بعد العرب حجاب من النار لا شك فيه … تميز بين الرضى والغضب وستر رقيق إلى المصطفى … ونص مبين لكشف الريب فيا عالمًا أجمع العالمون … على فضل رتبته في الريب سبقت الأئمة فيما جمعت … وفزت على رغمهم بالقصب نفيت الضعيف من الناقلين … ومن كان متهمًا بالكذب وأبرزت في حسن ترتيبه … وتبويبه عجبًا للعجب فأعطاك مولاك ما تشتهيه … وأجزل حظك فيما وهب

стр. 5621

٢١٣٥ - البيروتي (١): " د، س" الإمام الحجة المقرئ الحافظ، أبو الفضل العباس بن الوليد بن مزيد العذري البيروتي. وبيروت مدينة على البحر من ساحل دمشق، ما زالت بلاد إسلام منذ الفتوح إلى أن استولى عليها الفرنج فدامت دارًا لهم إلى أن افتتحها السلطان الملك الأشرف خليل في سنة تسعين وستمائة عند أخذ عكا، وبها توفي الأوزاعي وتلميذه الوليد بن مزيد، وابنه هذا. ولد سنة تسع وستين ومائة فكان ممن عمر أكثر من مائة عام بيقين. سمع أباه وتفقه به ومحمد بن شعيب بن شابور وعقبة بن علقمة البيروتي ومحمد بن يوسف الفريابي وأبا مسهر الدمشقي وعبد الحميد بن بكار وطائفة وكان مقرئًا حاذقًا بحرف ابن عامر، تلا على أبيه. حدث عنه: أبو داود، والنسائي في كتابيهما وأبو زرعة وابن أبي داود، وابن جوصا ومكحول البيروتي وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو علي الحصائري، وخيثمة بن سليمان، وأبو العباس الأصم وخلق كثير سمى الحافظ ابن عساكر منهم أربعين نفسًا.

стр. 5622

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال إسحاق ابن سيار: ما رأيت أحسن سمتًا منه. وقال أبو داود: سمع من أبيه ثم عرض عليه، وكان صاحب ليل. قال الحسين بن أبي الحسين بن أبي كامل: سمعت خيثمة يقول: أتيت أبا داود السجستاني فأملى علي حديثًا عن العباس بن الوليد فقلت: وإياي حدث العباس فقال لي: رأيته? قلت: نعم. قال: متى مات? قلت: سنة إحدى وسبعين ومائتين، كذا قال خيثمة. وأما عمرو بن دحيم فقال: مات في ربيع الآخر وعين اليوم وقال سنة سبعين ومائتين فتحرر لي أن مجموع عمره مائة سنة وثمانية أشهر، واثنان وعشرون يومًا وكان ممتعًا بقواه. قال خيثمة بن سليمان: مازح العباس بن الوليد يومًا جارية له، فدفعته، فوقع فانكسرت رجله فلم يحدثنا عشرين يومًا فكنا نلقى الجارية، ونقول: حسبك الله كما كسرت رجل الشيخ، وحبستنا عن الحديث. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن سنة ثلاث وتسعين، أخبرنا أبو محمد بن قدامة والحسين بن صصرى وأخبرنا أحمد بن عبد الحميد، وأحمد بن عبد الرحمن الحسيني قالا: أخبرنا محمد بن غسان قالوا: أخبرنا عبد الواحد بن محمد الأزدي، أخبرنا عبد الكريم بن المؤمل الكفرطابي حضورًا، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان المعدل، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة، أخبرنا العباس بن الوليد ببيروت، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني داود بن الزبرقان، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن خالد بن أبي خالد عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (١).

стр. 5623

قرأت على تاج الدين علي بن أحمد العلوي، أخبركم محمد بن أحمد بن القطيعي، أخبرنا محمد بن عبيد الله، أخبرنا محمد بن محمد الزينبي، أخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد العذري، أخبرني أبي سمعت الأوزاعي، قال: حدثني عبدة بن أبي لبابة، حدثنا زر بن حبيش، سمعت أبي بن كعب، وبلغه أن ابن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال: والله الذي لا إله إلَّا هو إنها لفي رمضان يحلف بذلك ثلاثًا، ثم قال: والله الذي لا إله إلَّا هو إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ أن نقومها ليلة صبيحة سبع وعشرين، وآية ذلك أن تطلع الشمس لا شعاع لها (١). أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي من، وجوه وأخرجه مسلم من حديث الأوزاعي، وشعبة جميعًا، عن عبدة، ورواه النسائي في تفسيره. حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن، عن جابر بن يزيد العجلي، عن يزيد بن أبي سليمان، عن زر أن أبيًّا حدثه، ولم يسمه بل قال: نبأ من لم يكذبني.

стр. 5624

٢١٣٦ - الرهاوي (١): " س" الإمام الحافظ الناقد، أبو الحسين أحمد بن سليمان بن عبد الملك الرهاوي، محدث الجزيرة. سمع: زيد بن الحباب وجعفر بن عون، ويحيى بن آدم ويزيد بن هارون، وأبا داود الحفري، وعثمان بن عبد الرحمن الحراني، ومحمد بن عبيد، وحسين بن علي الجعفي، وعبيد الله بن موسى، ويعلى بن عبيد، وأبا نعيم، وعبد بن جعفر الرقي، وخلقًا كثيرًا. حدث عنه النسائي فأكثر، وأبو عروبة، وأبو عبد الرحمن مكحول البيروتي، وآخرون وأجاز لعبد الرحمن بن أبي حاتم. ذكره النسائي فقال: ثقة مأمون صاحب حديث. قلت: توفي سنة إحدى وستين ومائتين، ومن قدماء مشيخته مسكين بن بكر. أخبرنا أحمد بن هبة الله، أخبرنا الحسن بن محمد، أخبرنا عمي أبو القاسم الحافظ، أخبرنا علي بن إبراهيم العلوي، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد، واقف السميساطية، أخبرنا عبد الوهاب الكلابي، أخبرنا مكحول البيروتي، أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا"؟ قال: لا، قال: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه" مسلم (٢). عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد.

стр. 5625

٢١٣٧ - يعقوب بن شيبة (١): ابن الصلت بن عصفور، الحافظ الكبير العلامة الثقة، أبو يوسف السدوسي، البصري، ثم البغدادي، صاحب "المسند" الكبير العديم النظير المعلل الذي تم من مسانيده نحو من ثلاثين مجلدًا، ولو كمل لجاء في مائة مجلد. مولده في حدود الثمانين، ومائة وسماعاته على رأس المائتين. سمع: علي بن عاصم ويزيد بن هارون، وروح بن عبادة وأزهر بن سعد السمان، وبشر بن عمر الزهراني وجعفر بن عون، وأبا عامر العقدي وشجاع بن الوليد وعبد الله بن بكر السهمي، ومحاضر بن المورع وعبد الوهاب بن عطاء، وأبا النضر ويعلى بن عبيد ووهب بن جرير، وحجاج بن منهال وينزل إلى أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين ثم إلى الحسن بن علي الحلواني، وهارون الحمال ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبي بكر الأعين ثم ينزل إلى أصحاب يحيى بن معين وابن المديني، ويخرج العالي والنازل ويذكر أولًا سيرة الصحابي مستوفاة ثم يذكر ما، رواه ويوضح علل الأحاديث، ويتكلم على الرجال، ويجرح ويعدل بكلام مفيد عذب شاف بحيث إن الناظر في "مسنده" لا يمل منه، ولكن قل من روى عنه. حدث عنه: حفيده محمد بن أحمد بن يعقوب، ويوسف بن يعقوب الأزرق، وطائفة. وثقه أبو بكر الخطيب، وغيره.

стр. 5626

قال أبو الحسن الدارقطني: لو كان كتاب يعقوب بن شيبة مسطورًا على حمام لوجب أن يكتب يعني: لا يفتقر الشخص فيه إلى سماع. قال الخطيب: حدثني الأزهري، قال: بلغني أنه كان في منزل يعقوب بن شيبة أربعون لحافًا أعدها لمن كان عنده من الوراقين الذين يبيضون له "المسند". قال: ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار. ثم قال: وقيل: إن نسخه بمسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر، فكانت في مائتي جزء. قال: والذي ظهر له مسند العشرة، وابن مسعود وعمار، والعباس وعتبة بن غزوان، وبعض الموالي. قلت: وبلغني أنه شوهد له "مسند علي" في خمسة أسفار. قال أحمد بن كامل القاضي: كان يعقوب بن شيبة من كبار أصحاب أحمد بن المعذل، والحارث بن مسكين، فقيهًا سريًا، وكان يقف في القرآن. قلت: أخذ الوقف عن شيخه أحمد المذكور، وقد وقف علي بن الجعد، ومصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وجماعة وخالفهم نحو من ألف إمام بل سائر أئمة السلف والخلف على نفي الخليقة عن القرآن، وتكفير الجهمية نسأل الله السلامة في الدين. قال أبو بكر المروذي: أظهر يعقوب بن شيبة الوقف في ذلك الجانب من بغداد، فحذر أبو عبد الله منه وقد كان المتوكل أمر عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أن يسأل أحمد بن حنبل عمن يقلد القضاء قال عبد الرحمن: فسألته عن يعقوب بن شيبة فقال: متبدع صاحب هوى. قال الخطيب: وصفه أحمد بذلك لأجل الوقف. قلت: قد كان يعقوب صاحب أموال عظيمة، وحشمة وحرمة وافرة بحيث إن حفيده حكى قال: لما ولدت عمد أبواي فملآ لي ثلاثة خوابي ذهبًا، وخبآها لي فذكر أنه طال عمره، وأنفقها وفنيت واحتاج، وكان مولده قبل موت جده بنيف عشرة سنة. مات يعقوب الحافظ في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين ومائتين. وقع لي جزء واحد من "مسند" عمار له. قرأت على الحافظ أبي محمد بن خلف: أخبركم يحيى بن أبي السعود، أخبرتنا فخر النساء شهدة، أخبرنا الحسين بن أحمد النعالي، أخبرنا عبد الواحد بن محمد بن مهدي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، حدثنا

стр. 5627

جدي، حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي البختري الطائي قال: قاول عمار رجلًا فاستطال الرجل عليه، فقال عمار: أنا إذًا كمن لا يغتسل يوم الجمعة. فعاد الرجل فاستطال عليه، فقال له عمار: إن كنت كاذبًا فأكثر الله مالك وولدك، وجعلك يُوطأ عقبك. وبه قال يعقوب: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: ما نسينا الغبار على شعر صدر رسول الله ﷺ وهو يقول: "اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" إذ جاء عمار فقال: "ويحك أو ويلك يابن سمية تقتلك الفئة الباغية" (١).

стр. 5628

٢١٣٨ - ابن ميمون (١): " د، س" المحدث الإمام المعمر، أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، ثم الإسكندراني. حدث عن: الوليد بن مسلم، وسفيان بن عيينة، وسلم بن ميمون الخواص، وجماعة. وعنه: أبو داود، والنسائي في "سننهما" وأبو عوانة، وأبو بكر بن أبي داود، وابن جوصا، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر بن زياد، وإمام الأئمة ابن خزيمة وآخرون خاتمتهم علي بن عبد الله بن أبي مطر الإسكندراني. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بالإسكندرية وهو صدوق ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي في حادي عشر ربيع الأول، سنة اثنتين وستين ومائتين.

стр. 5629

٢١٣٩ - أحمد بن الفرات (١): " د" ابن خالد، الشيخ الإمام الحافظ الكبير الحجة محدث أصبهان، أبو مسعود الضبي الرازي نزيل أصبهان. ولد سنة نيف وثمانين ومائة، في خلافة هارون الرشيد. وطلب العلم في الصغر، وعد من الحفاظ وهو شاب أمرد، وارتحل إلى العراق والشام والحجاز، واليمن ولحق الكبار. سمع: عبد الله بن نمير وأبا أسامة، وحسين بن علي الجعفي، وأبا داود الحفري ويزيد بن هارون، وأبا داود الطيالسي ويحيى بن آدم، وجعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وأخاه محمد بن عبيد وأزهر بن سعد السمان، وأبا عامر العقدي وعبد الرزاق بن همام وشبابة بن سوار، وابن أبي فديك وأبا أحمد الزبيري، وأبا بكر الحنفي ووهب بن جرير، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومؤمل بن إسماعيل وعبيد الله بن موسى، وأبا نعيم وعفان وأبا صالح الكاتب، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وأبا جعفر النفيلي وأبا اليمان، وأبا عبد الرحمن المقرئ والهيثم بن جميل، وأبا الوليد ومسلم بن إبراهيم، وخلقًا كثيرًا إلى أن ينزل إلى أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن حميد وبكر بن خلف، وللطلبة اليوم جزء من حديثه من أعلى شيء يكون. حدث عنه أبو داود في "سننه"، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن يحيى بن منده، وجعفر الفريابي ومحمد بن الحسن بن المهلب، وعبد الرحمن بن يحيى بن منده أخو محمد وأحمد بن محمود بن صبيح وخلق من الأصبهانيين، آخرهم موتًا المعمر أبو محمد بن فارس شيخ أبي نعيم الحافظ. أخبرنا محمد بن قايماز الدقيقي، أخبرنا محمد بن نصر الرصافي، أخبرنا خليل بن بدر "ح". وأخبرنا إسحاق بن طارق، أخبرنا يوسف بن خليل، أخبرنا خليل الراراني ويحيى الثقفي "ح". وأخبرنا أحمد بن فرج الفقيه وعدة قالوا: أخبرنا ابن عبد الدائم أخبرنا يحيى الثقفي "ح". وأنبانا أحمد بن سلامة، عن الراراني قالا: أنبانا أبو علي الحداد ويحيى محضر، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قراءة

стр. 5630

عليه في سنة أربع، وأربعين وثلاثمائة حدثنا أحمد بن الفرات الحافظ سنة سبع وخمسين ومائتين، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: ما رأيت أحدًا أعلم بالطب من عائشة فقلت: يا خالة ممن تعلمت الطب? قالت: كنت أسمع: الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه. وبه: حدثنا أحمد بن الفرات، أخبرنا أبو عامر عن ابن أبي ذئب عن سعد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبًا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي ﷺ عن قتلها (١). وبه أخبرنا أحمد، أخبرنا عبد الرزاق عن سفيان عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ينام جنبًا ما يمس ماء (٢). قال إبراهيم بن محمد الطيان: سمعت أبا مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة شيخ أدخلت في تصانيفي ثلاثمائة وعشرة، وعطلت سائر ذلك، وكتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف حديث فأخذت من ذلك خمسمائة ألف حديث في التفاسير، والأحكام والفوائد وغيره. قال حميد بن الربيع: قدم أبو مسعود الأصبهاني، مصر فاستلقى على قفاه وقال لنا: خذوا حديث أهل مصر قال: فجعل يقرأ علينا شيخًا شيخًا من قبل أن يلقاهم يعني: كان قد نظر في حديث مشايخ مصر من كتب الرحالين ووعاه. وعن أبي مسعود قال: كنا نتذاكر الأبواب، فخاضوا في باب، فجاؤوا فيه بخمسة أحاديث فجئت بسادس، فنخس أحمد بن حنبل في صدري لإعجابه بي. وروى يزيد بن عبد الله الأصبهاني، عن أحمد بن دلويه قال: دخلت على أحمد بن حنبل فقال: من فيكم? قال: قلت: محمد بن النعمان بن عبد السلام فلم يعرفه فذكرت له أقوامًا فلم يعرفهم فقال: أفيكم أبو مسعود? قلت: نعم قال: ما أعرف اليوم أظنه قال: أسود الرأس أعرف بمسندات رسول الله ﷺ منه.

стр. 5631

قال أبو عروبة الحراني: أبو مسعود الأصبهاني في عداد أبي بكر بن أبي شيبة في الحفظ، وأحمد بن سليمان الرهاوي في الثبت. قيل: إن أحمد بن الفرات قدم أصبهان أولًا، ولم يكن معه كتاب فأملى كذا كذا ألف حديث من حفظه فلما، وصلت كتبه قوبلت بما أملى فلم يختلف إلَّا في مواضع يسيرة. عن أحمد بن محمود بن صبيح: سمعت أبا مسعود الرازي يقول: وددت أني أقتل في حب أبي بكر وعمر. قال أبو بكر الخطيب: كان أبو مسعود أحد الحفاظ، سافر الكثير وجمع في الرحلة بين البصرة، والكوفة والحجاز واليمن والشام، ومصر والجزيرة وقدم بغداد، وذاكر حفاظها بحضرة أحمد بن حنبل، وكان أحمد يقدمه. قال أبو أحمد بن عدي: لا أعلم لأبي مسعود الرازي رواية منكرة وهو من أهل الصدق، والحفظ. قال أبو عمران الطرسوسي: سمعت أبا بكر الأثرم يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله ﷺ من أبي مسعود الرازي. قال أبو الشيخ سمعت ابن الأصفر يقول: جالست أحمد وأثنى على ابن أبي شيبة وذكر عدة قال: فما رأيت رجلًا أحفظ لما ليس عنده من أبي مسعود. ونقل القاضي أبو الحسين بن الفراء في "طبقات أصحاب الإمام أحمد" في ترجمة أبي مسعود أنه نقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: من دل على صاحب رأي لنفسه فقد أعان على هدم الإسلام. وعن أبي مسعود الرازي قال: كتبت الحديث وأنا ابن اثنتي عشرة سنة. قلت: بكر بطلب العلم؛ لأن أباه من أهل الحديث أيضًا وقيل: لم يلحق الأخذ عن أبيه. وعن أبي مسعود قال: ذكرت بالحفظ، ولي ثمان عشرة سنة وسميت: الرويزي الحافظ. قال أحمد بن علي بن الجارود الحافظ: سمعت إبراهيم بن أورمة الحافظ يقول: ما بقي أحد مثل أبي مسعود الرازي، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن عبد الله المخرمي. وقد سئل الحافظ أبو بكر الأعين: أيما أحفظ أبو مسعود الرازي أو سليمان الشاذكوني? فقال: أما المسند فأبو مسعود وأما المنقطع فالشاذكوني.

стр. 5632

ومما ألف أبو مسعود كتاب "الأحاديث الأفراد" روته كريمة القرشية بالإجازة. وقد توفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقد قارب الثمانين ﵀. ومات معه في العام الحافظ أحمد بن سنان القطان، محدث واسط، ومحمد بن سنجر الجرجاني صاحب "المسند" ببلاد مصر، ومحمد بن يحيى الذهلي الحافظ عالم خراسان ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه الحافظ ببغداد، والمحدث أحمد بن بديل الكوفي قاضي همذان، وأحمد بن حفص السلمي محدث نيسابور، وأحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، والمحدث هارون بن إسحاق الهمداني الكوفي، والثقة عبدة بن عبد الله الصفار، ومحمد بن إسماعيل الحساني والمحدث حفص بن عمرو الربالي، والعباس بن يزيد البحراني المحدث، ويحيى بن معاذ الرازي شيخ الصوفية، ومحمد بن عمر بن أبي مذعور المحدث، وأبو عبيدة بن أبي السفر الكوفي والقاضي الكبير جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وعلي بن حرب الجنديسابوري، والفضل بن يعقوب الرخامي الحافظ، والمحدث علي بن محمد بن أبي الخصيب، والمحدث إسماعيل بن أبي الحارث، وأحمد بن عمر حمدان البزاز، وآخرون. نعم، وغسل ابن الفرات رفيقه محمد بن عاصم الثقفي العابد صاحب ذلك الجزء العالي. وفي آخر نسخة ابن الفرات مما وقع زائدًا عند يحيى الثقفي قال أبو محمد بن فارس: سمعت من أبي مسعود سنة أربع وخمسين ومائتين قال: وتوفي سنة ست وخمسين كذا قال، وسنة ثمان أصح وما ذكر الحافظ ابن عساكر سواه. قال أبو نعيم الحافظ: أبو مسعود أحد الأئمة، والحفاظ صنف "المسند" والكتب، وحدث بأصبهان خمسًا وأربعين سنة، وكان قدم أصبهان قبل أن يرتحل إلى العراق في أيام الحسين بن حفص. قلت: إنما ارتحل أولًا إلى العراق قبل المائتين، ولحق عبد الله بن نمير وطبقته. قال ابن عدي في "الكامل": سمعت أحمد بن محمد بن سعيد سمعت ابن خراش يحلف بالله إن أحمد بن الفرات يكذب متعمدًا فقال ابن عدي: وهذا تحامل ولا أعلم له رواية منكرة. قلت: من الذي يصدق ابن خراش ذاك الرافضي في قوله?!

стр. 5633

قال أبو صالح الجلاب: بلغني أن أحمد بن حنبل كتب عن أبي مسعود حديث عبد الرحمن بن قيس عن حماد بن سلمة، "حديث العتيرة" (١). قال أبو نعيم: توفي في شعبان سنة (٢٥٨) وغسله محمد بن عاصم الثقفي.

стр. 5634

قلت: ٢١٤٠ - أبوه (١): " بخ" يروى عن: مالك بن مغول ومسعر، وأسامة بن زيد الليثي، ويونس ابن أبي إسحاق. روى عنه: إبراهيم بن موسى الفراء، ومحمد بن حميد. وثقه أبو حاتم. مات قبل المائتين. روى له البخاري في كتاب "الأدب".

стр. 5635

٢١٤١ - إسحاق بن بُهْلُول (١): ابن حسان الحافظ الثقة العلامة أبو يعقوب التنوخي الأنباري. مولده: بالأنبار، في سنة أربع وستين ومائة. سمع: أباه، وسفيان بن عيينة، وأبا معاوية الضرير، ويحيى بن سعيد القطان، وإسماعيل بن علية، ووكيع بن الجراح وشعيب بن حرب، وإسحاق الأزرق، وأبا ضمرة أنس بن عياض، وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن آدم، وخلقًا كثيرًا وكان أحد، أوعية العلم. حدث عنه: إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وجعفر الفريابي ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو عبد الله المحاملي ويوسف بن يعقوب بن إسحاق الأزرق حفيده وآخرون. قال أبو بكر الخطيب: صنف كتابًا في القرءات، وصنف المسند وصنف كتابًا في الفقه، وله مذاهب اختارها. يعني: أنه يجتهد ولا يقلد أحدًا. إلى أن قال: وكان ثقة. قال ولده بهلول بن إسحاق: استدعى المتوكل أبي إلى سر من رأى، حتى سمع: منه، ثم أمر فنصب له منبر، وحدث في الجامع وأقطعه إقطاعًا مغله في العام اثنا عشر ألفًا، ووصله بخمسة آلاف في السنة فكان يأخذها، وأقام إلى أن قدم المستعين بغداد فخاف أبي من الأتراك أن يكبسوا الأنبار فانحدر إلى بغداد، ولم يحمل معه كتبه فطالبه محمد بن عبد الله بن طاهر أن يحدث فحدث ببغداد من حفظه بخمسين ألف حديث لم يخطئ في شيء منها. روى هذه القصة أحمد بن يوسف الأزرق عن عمه، إسماعيل بن يعقوب عن عمه بهلول. وقال أبو طالب أحمد بن محمد بن إسحاق بن البهلول: تذاكرت أنا، وابن صاعد ما حدث به جدي ببغداد فقلت له: قال أنيس المستملي: إنه حدث من حفظه بأربعين ألف حديث فقال ابن صاعد: لا يدري أنيس ما قال، حدث إسحاق بن البهلول من حفظه ببغداد بأكثر من خمسين ألف حديث. قلت: كذا فليكن الحفظ، وإلا فلا قنعنا اليوم بالاسم بلا جسم فلو رأى الناس في، وقتنا من يروي ألف حديث بأسانيدها حفظًا لانبهروا له. مات إسحاق بن بهلول الحافظ بالأنبار في ذي الحجة في سنة اثنتين وخمسين ومائتين وقد قارب التسعين. قرأت على عبد الحافظ بنابلس، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا ابن البطي، أخبرنا على بن محمد بن محمد الأنباري، حدثنا أبو أحمد الفرضي، حدثنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق،

стр. 5636

حدثنا جدي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن عوف، عن ابن سيرين عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي (١). أخبرنا عبد الحافظ، ويوسف الغسولي قالا: أخبرنا موسى بن عبد القادر، أخبرنا ابن البناء، أخبرنا ابن البسري، أخبرنا المخلص، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا إسحاق بن بهلول، حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: حججت مع رسول ﷺ فلم يصم يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه (٢).

стр. 5637

٢١٤٢ - حُنَيْن بن إسحاق (١): العبادي النصراني علامة وقته في الطب، وكان بارعًا في لغة اليونان. عرب كتاب إقليدس وله تصانيف عدة. مات في صفر سنة ستين ومائتين. وكان ابنه إسحاق بن حنين من كبار الأطباء أيضًا.

стр. 5638

٢١٤٣ - المُزَنِي (١): الإمام، العلامة فقيه الملة، علم الزهاد، أبو إبراهيم إسماعيل، بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري تلميذ الشافعي. مولده في سنة موت الليث بن سعد سنة خمس وسبعين ومائة. حدث عن: الشافعي، وعن علي بن معبد بن شداد، ونعيم بن حماد وغيرهم. وهو قليل الرواية، ولكنه كان رأسًا في الفقه. حدث عنه: إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة، وأبو الحسن بن جوصا وأبو بكر بن زياد النيسابوري، وأبو جعفر الطحاوي وأبو نعيم بن عدي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الفوارس بن الصابوني وخلق كثير من المشارقة، والمغاربة. وامتلأت البلاد بـ"مختصره" في الفقه وشرحه عدة من الكبار بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة بـ"مختصر" المزني. أخبرنا عمر بن القواس، أخبرنا زيد بن الحسن كتابة، أخبرنا أبو الحسن بن عبد السلام، حدثنا الفقيه أبو إسحاق قال: فأما الشافعي ﵀ فقد انتقل فقهه إلى أصحابه فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني مات بمصر في سنة أربع، وستين ومائتين قال: وكان زاهدًا عالمًا مناظرًا محجاجًا غواصًا على المعاني الدقيقة صنف كتبًا كثيرة: الجامع الكبير، و الجامع الصغير والمنثور والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. قلت: بلغنا أن المزني كان إذا فرغ من تبييض مسألة وأودعها "مختصره" صلى لله ركعتين. وروي أن القاضي بكار بن قتيبة قدم على قضاء مصر، وكان حنفيًّا فاجتمع بالمزني مرة فسأله رجل من أصحاب بكار فقال: قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله فلم قدمتم التحريم? فقال المزني: لم يذهب أحد إلى تحريم النبيذ في الجاهلية ثم حلل لنا، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالًا فحرم فهذا يعضد أحاديث التحريم فاستحسن بكار ذلك منه. قلت: وأيضًا فأحاديث التحريم كثيرة صحاح، وليس كذلك أحاديث الإباحة. قال عمرو بن تميم المكي: سمعت محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله تعالى على العرش بصفاته قلت له: مثل أي شيء? قال: سميع بصير عليم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن شاذان سمعت محمد بن

стр. 5639

على الكتاني، وسمعت عمرو بن عثمان المكي يقول: ما رأيت أحدًا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم أشد اجتهادًا من المزني، ولا أدوم على العبادة منه وما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا للعلم، وأهله منه وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي. قلت: وبلغنا أن المزني ﵀ كان مجاب الدعوة ذا زهد، وتأله أخذ عنه خلق من العلماء وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الآفاق. يقال: كان إذا فاتته صلاة الجماعة، صلى تلك الصلاة خمسًا وعشرين مرة. وكان يغسل الموتى تعبدًا واحتسابًا، وهو القائل: تعانيت غسل الموتى ليرق قلبي فصار لي عادة، وهو الذي غسل الشافعي ﵀. قال ابن أبي حاتم: سمعت من المزني، وهو صدوق. وقال أبو سعيد بن يونس: ثقة كان يلزم الرباط. توفي في رمضان، لست بقين منه، سنة أربع وستين ومائتين وله تسع، وثمانون سنة. قلت: ومن جلة تلامذته: العلامة أبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي شيخ ابن سريج، وشيخ البصرة زكريا بن يحيى الساجي، ولم يل قضاء وكان قانعًا شريف النفس. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن الحنبلي غير مرة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن بن البن الأسدي سنة ثلاث وعشرين، أخبرنا جدي الحسين، أخبرنا علي بن محمد بن علي الشافعي سنة أربع وثمانين وأربع مائة، أخبرنا محمد بن الفضل الفراء بمصر، حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد الصابوني سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة، أخبرنا المزني، حدثنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال فقيل: إنك تواصل? فقال: "لست مثلكم إني أطعم وأسقى" (١). وبالإسناد أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" (٢).

стр. 5640

وبه: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر وعبد ذكر أو أنثى من المسلمين (١) متفق عليها. أخبرنا ابن الفراء، أخبرنا ابن البن، أخبرنا جدي، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا ابن نظيف قال: قال لنا أبو الفوارس السندي: ولدت في المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين وأول ما سمعت الحديث، ولي عشر سنين. قال: ومات المزني سنة (٢٦٤)، وتوفي الربيع سنة سبعين ومائتين قال: وكانا رضيعين بينهما ستة أشهر يعني في المولد. قال: ومات في سنة أربع أيضًا أحمد ابن أخي ابن، وهب ويونس بن عبد الأعلى، ويزيد بن سنان.
следующие страницы →