Полный текст (9 721 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم :
بقلم محمد أيمن الشبراوي:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاْ﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
فقد قدمت إلي "دار الحديث" بالقاهرة كتاب "سير أعلام النبلاء" لمؤرخ الإسلام الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المولود سنة ثمان وأربعين وسبعمائة "٦٧٣ هـ-٧٤٨ هـ". وطلبت مني تحقيقه وخدمته الخدمة العلمية اللائقة بهذا السفر العظيم لتيسير النفع به، وتقريبه إلى جماهير القراء.
ولما كان دأبي وديدني أن لا أشرع في القيام بأي عمل من الأعمال الدنيوية أو الدينية إلا بعد القيام بأداء صلاة الاستخارة؛ فقد استخرت الله لخدمة هذا الكتاب، وكان أن شرح الله صدري للقيام بهذا العمل، ويسر لي سبل تحقيقه وخدمته حتى أنهيت هذا الكتاب في فترة زمنية ليست بالكبيرة نافت على السنة كنت أواصل فيها الليل بالنهار لإنجاز
стр. 2
هذا العمل على النحو الذي يرضي جماهير العلماء وطلاب العلم بله المثقفين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم العلمية. وكان ذلك كله بتيسير من المولى الكريم المنان ، ثم بتذليل أصحاب "دار الحديث" السبل لتيسير إخراجه للناس.
وهذا السفر العظيم الذي نقدمه لجماهير القراء يعد من أعظم كتب التراجم التي تناولت كافة العصور إلى عصر المؤلف. وقد ترجم لكثير من الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها.
وشملت تراجم الخلفاء، والملوك، والأمراء، والوزراء، والأطباء، والمحدثين، والفقهاء، والنحاة، والشعراء، والزهاد، والفلاسفة، والمتكلمين إلا أنه قد عني بالمحدثين، وآثرهم على غيرهم لأنه كان عظيم الإكبار والإجلال لهم فهم حملة العلم النبوي، وحراسه الذين يميزون بين صحيح الأحاديث من ضعيفها، ومقبولها من مردودها، فضلا عن أن الكثير منهم من رواة الأحاديث، ودراسة أحوالهم، وبيان مواليدهم ووفياتهم، وشيوخهم وتلامذتهم، وآراء العلماء فيهم مما يترتب عليه دراسة أحوال الأسانيد والحكم عليها بالصحة أو بالضعف، ونحو ذلك.
وقد بلغت عدد التراجم للمترجمين في كتابه "٥٩٦٤" ترجمة. وقد كرر بعض هذه التراجم. وقد ترجم فيه للأعلام منذ بزوغ فجر الإسلام إلى سنة "٧٣٩ هـ". وقد قسم كتابه إلى خمس وثلاثين طبقة. ولم يسر فيه على نسق واحد، فقد استوعبت الطبقة الأخيرة الخامسة والثلاثون ستة وثمانين عاما. بينما كان متوسط الطبقات بين خمسة عشر وستة عشر عاما. وبلغت بعض الطبقات تسع سنوات فقط مثل الطبقة السادسة عشرة. وقد ترجم الذهبي لبعض الملوك والأمراء وإخوتهم وأولادهم وذراريهم في موضع واحد وإن لم يكونوا من نفس طبقاتهم ليجعل القارئ متابعا للأحداث التي عادة ما تكون متصلة. وقد اتبع الذهبي أسلوبا خاصا في صياغة الترجمة؛ فبدأ باسم المترجم ولقبه وكنيته ونسبته، ثم يذكر تاريخ مولده.
ويذكر شيوخه وتلامذته ويذكر مؤلفاته وآثاره العلمية. ثم يذكر مكانته العلمية من خلال أقوال أهل العلم فيه، ثم يذكر تاريخ وفاته. وربا يذكر عدة نقولات في تاريخ الوفاة ويرجح بينها. كما يذكر في آخر الترجمة من مات مع المترجم له في نفس السنة من الأعلام.
وفي كثير من التراجم يذكر الذهبي ﵀ بعض الأحاديث التي وردت من طريق صاحب الترجمة كما يورد بعض أعمال الملوك والخلفاء والأمراء والولاة من فتوحات وغيرها من أعمال. كما يورد نماذج من أشعار الشعراء، ومختارات نثرية من كلام الأدباء. وقد أطال
стр. 3
الذهبي تراجم بعض هؤلاء الأعلام حسب قيمتهم وشهرتهم بين العلماء أو منزلتهم ومكانتهم بين الناس الذين هم من بابته (١).
وقد أفرد الذهبي الجزأين الأول والثاني للسيرة النبوية، وتراجم الخلفاء الراشدين، ولم يعد صياغتهما بل أحال على كتابه "تاريخ الإسلام" لتؤخذ منه، وتجعل مع كتاب سير أعلام النبلاء.
إن هذا الكتاب العظيم الذي ألفه الحافظ الذهبي وختم به حياته لحقيق بالإكبار والإجلال من كل العلماء المنصفين في مختلف مجالات العلم والمعرفة؛ فجزاه الله عن العلم والعلماء أعظم الأجر والثواب.
وحقيق بأمة فيها هذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والشعراء أن ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال. إنها أمة عظيمة أنجبت علماء أضاءوا بعلمهم الطريق للبشرية، فلا جرم أن يكون هؤلاء العلماء مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف العصور والدهور.
ونظرا لهذه المكانة السامقة التي تبوأها الكتاب في المكتبة الإسلامية، فقد وضعت مقدمة ضافية تكون بين يدي هذا الكتاب العظيم تبين:
أولا: نشأة الذهبي وبيئته السياسية والدينية والعلمية.
ثانيا: رحلاته في طلب العلم.
ثالثا: شيوخه.
رابعا: تلامذته.
خامسا: منزلته العلمية، وأقوال العلماء فيه.
سادسا: من آراء الحافظ في العقيدة والفقه والحديث.
سابعا: تصانيفه وآثاره العلمية.
ثامنا: منهجه في كتابه.
_________
(١) قال ابن السكيت وغيره: البابة عند العرب: الوجه، والبابات: الوجوه. والمعنى: من الوجه الذي يريده ويصلح له.
стр. 4
تاسعا: أهمية كتاب السير بين كتب التراجم.
عاشرا: وفاته.
حادي عشر: نبذة عن محقق الكتاب.
ثاني عشر: منهجنا في تحقيق الكتاب.
الله أسأل بأني أشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن يتقبل مني هذا العمل وسائر أعمالي خالصة لوجهه، وألا يجعل لأحد سواه فيها شيئا، وأن يجعلها ثقيلة ثقيلة في ميزان حسناتي. اللهم لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدما تمشي إلى خدمتك، ولا يدا تكتب حديث رسولك فبعزتك لا تدخلني النار، فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دنيك. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مصر، المنوفية، قويسنا
في سحر ليلة تاسوعاء من محرم "١٤٢٧ هـ"
الموافق يوم ٨ فبراير ٢٠٠٦ م
كتبه
محمد أيمن الشبراوي
عفا الله عنه بكرمه ومنه
стр. 5
أولا: نشأة الذهبي وبيئته السياسية والدينية والعلمية:
بعد سقوط الشام في قبضة هولاكو التتري، وخيانة ملوك الأيوبيين بمعاونتهم للتتار، كان ذلك فصل الختام لدولة الأيوبيين، وإعلانا لتنازلهم عن حقوقهم في الملك بعد أن تقاعسوا عن حماية ذلك الملك، وصار منطق الأحداث يحتم أن تزول دولة بني أيوب ليرثهم في ملكهم إما التتار وإما المماليك، حسبما تقرر المعركة المنتظرة بين هاتين القوتين.
وفي الوقت الذي أثبتت الأحداث ضعف الأيوبيين وعجزهم عن حماية المسلمين في بلاد الشام من خطر التتار؛ إذ بالمماليك يظهرون على المسرح لينزلوا بالتتار ضربة كبرى في موقعة عين جالوت سنة "١٢٦٠ م"، وبذلك ظهر المماليك في صورة القوى الكبرى في الشرق التي استطاعت أن تحمي كيان أهل مصر والشام من ذلك الخطر الوثني الرهيب.
ولا شك في أن فشل الأيوبيين في صد خطر التتار، ونجاح المماليك في القضاء على ذلك الخطر، جاء بمثابة فصل الخطاب بين المماليك والأيوبيين، وخاتمة لحركة التنافس بين هاتين القوتين على مسرح الشام، بعد أن صار من الواضح أن قوة الأيوبيين المتداعية لن تستطيع بحال الصمود في وجه قوة التتار.
وكان أن استطاعت جيوش المماليك بعد عين جالوت إجلاء التتار عن دمشق، وحماة، وحلب ومطاردتهم حتى أطراف بلاد الشام. ومعنى ذلك أن نفوذ المماليك امتد إلى بلاد الشام فجأة بعد عين جالوت.
وبعد أن استقر للماليك الأوضاع في مصر والشام حرصوا على أن يظهروا أمام أهل مصر والشام في صورة حماة المسلمين وزعمائهم في حركة الجهاد ضد الصليبيين. ولم يلبث سلاطين المماليك أن استأنفوا سياسة الأيوبيين بحيث أنه لم يكد يمضي على قيام دولة المماليك نحوا من أربعين سنة حتى تم طرد الصليبيين نهائيا من بلاد الشام، وبذلك أصبحت لا توجد قوة تهيمن على بلاد الشام غير قوة المماليك.
وقسم بلاد الشام من الناحية الإدارية إلى ستة أقسام تسمى النيابات تخضع للحكومة المركزية في القاهرة. وهذه النيابات هي نيابة دمشق، ونيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة حماة، ونيابة صفد، ونيابة الكرك. وقد كان هذا التقسيم ضروريا؛ لأنه يتفق مع طبيعة بلاد الشام الجغرافية.
стр. 6
وكان في كل نيابة من نيابات الشام أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، مثلما كان الحال تماما في مصر منذ أيام الظاهر بيبرس هذا فضلا عن الوظائف الأخرى المتعددة التي وجدت في كل نيابة من نيابات الشام والتي كان بعضها يتعلق بأرباب السيوف. والبعض الآخر يتعلق بأرباب القلم، والقسم الثالث يشغل الوظائف الدينية.
وعلى الرغم مما يتمتع به نواب النيابات الشامية من سلطان ونفوذ كبير إلا أنهم كانوا متابعين لسلطنة المماليك في القاهرة، وظل سلطان المماليك هو القوة الكبرى التي تسيطر على مصر والشام وتشرف إشرافا تاما على سير الأمور في مختلف أرجاء الدولة المماليكية الواسعة.
ووجدت ببلاد الشام على عصر سلاطين المماليك عصبيات عنصرية مثل الأكراد والتركمان والأرمن كما وجدت ببلاد الشام في ذلك العصر عصبيات عديدة مذهبية ودينية.
من هذه العصبيات والطوائف: طائفة الكسروانيين، وهم أهل جبال كسروان، وكانوا من النصيرية والعلويين والمتأولة، وكانوا يقفون موقفا عدائيا من المماليك أثناء الصراع بين المماليك والصليبيين بالشام. ومن هذه العصبيات والطوائف: طائفة التنوخيين، وهم عشائر اعتنقت الدرزية وانتشروا في جهات متفرقة في لبنان، وظلوا يتأرجحون بين الولاء للصليبيين حينا وللمسلمين أحيانا كما تأرجحوا بين الولاء للمماليك من ناحية وخصوم المماليك من أيوبيين وتتار من ناحية أخرى. ومنهم طائفة الشهابيين الدروز الذين اشتركوا بنجاح في قتال الصليبيين ثم التتار أثناء إغارتهم على بلاد الشام.
ومنهم طائفة الإسماعيلية ويعرفون أيضا باسم الباطنية، وقد قاموا بدور مشهور في تاريخ بلاد الشام على عصر الحروب الصليبية، ولم يتورعوا عن اغتيال كثير من الشخصيات الإسلامية والصليبية سواء. ولم يرض المماليك عن الباطنية بسبب شذوذهم المذهبي من ناحية، ثم بسبب موقفهم المائع بين الصليبيين والمسلمين من ناحية أخرى لذلك فرض السلطان الظاهر بيبرس ضرائب باهظة على الهدايا التي اعتاد أن يبعث بها الصليبيون إلى شيخ الباطنية، وذلك إفسادا لنواميس الإسماعيلية، وتعجيزا لمن اكتفى شرهم بالهدية. كما كانت طائفة الإسماعيلية تدفع الجزية للسلطان الظاهر بيبرس، وكانوا يضيقون ذرعا بما يحملونه إلى بيت المال من هذه الجزية. وكانوا يطلبون إنقاص هذا المال الذي يدفعونه. وكانت العلاقة سيئة بين السلطان وطائفة الإسماعيلية، ولكن ما لبث السلطان الظاهر أن استولى على حصون
стр. 7
الإسماعيلية ببلاد الشام واحدا بعد آخر حتى انتهى أمرهم ببلاد الشام، وأقطعهم السلطان بدلا من قلاعهم الشامية بعض الجهات في مصر ليعيشوا فيها.
لم تكن الشام في عصر المماليك مجرد إقليم الدولة، وإنما كان أهم من ذلك بكثير. لقد كانت بلاد الشام الجناح الأيمن الذي بدونه يتعذر على دولة المماليك الاحتفاظ بكيانها وتوازنها والثبات في وجه الأخطار الأسيوية الضخمة التي هددت تلك الدولة حينا من جانب الأيوبيين والتتار والصليبيين، وأحيانا من جانب الأرمن والتركمان ثم العثمانيين.
وهكذا أدرك سلاطين المماليك منذ أن أقاموا دولتهم في مصر أنه لا بقاء لهم ولا لدولتهم إلا في ظل وحدة تربط بين الشام ومصر تحت حكمهم، وتضمن لهم مراقبة التيارات العديدة التي يمكن أن تؤثر في كيانهم (١).
لقد استطاعت دولة المماليك التي قامت في مصر والشام سنة " (١٢٥٠) م" أن تثبت أنها أعظم قوة معاصرة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، فنظر إليها حكام وشعوب الدول الإسلامية والعربية نظرة إكبار وإجلال، في حين نظرت إليها القوى الأخرى -خارج المحيطين العربي والإسلامي- نظرة خوف واحترام. وحسب دولة المماليك أنها استطاعت أن تواجه الأخطار الخارجية التي هددت الوطن العربي في الشرق في شجاعة وبأس فحمت الشام ومصر من خطر التتار، وطردت الصليبيين كلية من أرض الشام بل لاحقتهم في مراكزهم القريبة مثل أرمينية الصغرى، وقبرص، ورودس هذا فضلا عن أن نجاح سلاطين المماليك في إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد سقوطها في بغداد جعل لهم ولدولتهم مكانة مرموقة في العالم الإسلامي أجمع، إذ جعلهم يبدون في صورة الزعماء الحقيقيين للعالم الإسلامي أجمع بوصفهم حماة الخلافة المتمتعين ببيعتها (٢).
ذلك هو الواقع السياسي في تلك الحقبة من الزمن في الشام ومصر.
ولا جرم أن النشاط العلمي في عصر المماليك قد ازدهر، وشجع بعض سلاطين المماليك العلم والعلماء. وقد وصف ابن تغري بردي السلطان الظاهر بيبرس بأنه كان يميل إلى التاريخ وأهله ميلا زائدا ويقول: "سماع التاريخ أعظم من التجارب" (٣).
_________
(١) العصر المماليكي في مصر والشام. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور "ص ٢٠٠ - ٢٢٢".
(٢) المصدر السابق "ص ٢٣٣".
(٣) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "ج ٧ ص ١٨٢".
стр. 8
لقد رعى سلاطين المماليك النشاط العلمي، فأنشئوا المدارس، فضلا عن المؤسسات الأخرى التي قامت أحيانا بوظيفة المدارس مثل المساجد. والمعروف أن السلطان صلاح الدين عني عناية خاصة بإنشاء المدارس وأنشأ بعض المدارس الشهيرة مثل المدرسة الناصرية والمدرسة الصلاحية والمدرسة القمحية. ولكن إذا كان صلاح الدين وخلفاؤه من بني أيوب قد استهدفوا من إنشاء المدارس أن تكون قبل كل شيء مراكز لنشر المذهب السني ومحاربة العقيدة الشيعية في البلاد؛ فإن سلاطين المماليك أكثروا من إنشاء المدارس إظهارا لشعور التقوى والزلفى من ناحية، وليتخذوا من المدرسة أداة تضمن بقاء الحكم في أيديهم، وتساعدهم على تدعيم مراكزهم في أعين الشعب.
ومن المدارس العديدة التي أسسها سلاطين الممالك المدرسة الظاهرية نسبة إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي وضع أساسها سنة " (١٢٦١) م". وألحق بتلك المدرسة خزانة كتب جليلة تشتمل على مجموعة ضخمة من المراجع في مختلف العلوم. كما أنشأ المماليك مدارس كثيرة في بقاع كثيرة في مصر والشام والحجاز.
ولقد كان النشاط الديني في عصر المماليك موجها لخدمة المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها صلاح الدين الأيوبي ومن خلفه من سلاطين بني أيوب لمحاربة الشيعة والتشيع في مصر إلا أن الكثير من آثار المذهب الشيعي ظلت قائمة في عصر المماليك.
وقد لجأ سلاطين المماليك إلى استخدام العنف أحيانا لكبت الشيعة. وأمر السلطان الظاهر بيبرس " (١٢٦٧) م-٦٦٥ هـ" باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها كما أمر بألا يولى قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب (١).
وفي عصر سلاطين المماليك انتشر التصوف انتشارا واسعا واتسع نطاقه، فساد الجهل والاعتقاد بالخرافات والترهات، وانتشرت الشركيات فذبحت الذبائح عند القبور، وقدمت النذور لأصحابها. واهتم المماليك بهؤلاء الصوفية، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكان للظاهر بيبرس المتوفي سنة " (٦٧٦) هـ" شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر بن موسى العدوى، كان صاحب
_________
(١) الدرر الكامنة لابن حجر "ج ٢ ص ٤٦".
стр. 9
حال، ونفس مؤثرة، وهمة إبليسية، وحال كاهني، وكان الظاهر بيبرس يعظمه، ويزوره أكثر من مرة في الأسبوع، ويطلعه على أسراره، ويستصحبه في أسفاره لاعتقاده التام به (١).
وانتشرت الخرافات والخزعبلات والأباطيل، وساد تقديس هؤلاء المخرفين من الأشياخ.
في هذه البيئة ولد الحافظ ومؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وأصله تركماني، من أسرة تركمانية تنتهي بالولاء إلى بني تيم.
وقد نشأ الذهبي ﵀ في عائلة علمية متدينة؛ فوالده أحمد بن عثمان بن قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني، الفارقي الأصل -وهي من أشهر مدن ديار بكر- ثم الدمشقي، شهاب الدين الذهبي. قال الحافظ في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٧٥ - (٧٦) ":
والدي أحسن الله جزاءه ولد سنة إحدى وأربعين وستمائة تقريبا " (٦٤١) هـ-١٢٤٣ م" وبرع في دق الذهب وحصل منه ما أعتق منه خمس رقاب، وسمع الصحيح في سنة ست وستين وستمائة " (٦٦٦) هـ-١٢٦٧ م" من المقداد القيسي، وحج في أواخر عمره. وكان يقوم من الليل، وتوفي في آخر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وستمائة " (٦٩٧) هـ-١٥ مارس (١٢٩٨) م" ليلة الجمعة وصلى عليه الخلق يؤمهم قاضي القضاة ابن جماعة.
وكان جده عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي ثم الدمشقي نجارا. قال الحافظ الذهبي عنه في "معجم شيوخه الكبير" "١/ (٤٣٦) ":
رجل أمي حسن اليقين بالله -والله يغفر له- سمعت الشيخ أبا الحسن بن العطار يقول لي: كان جدك الفخر يسأل الله أن يتوفاه ليلة الجمعة، فأعطاه الله ذلك. قلت -أي الحافظ الذهبي: شهدت دفنه بسفح قاسيون عقيب الجمعة في سنة ثلاث وثمانين " (٦٨٣) هـ-١٢٨٤ م". وكان يرحمه الله يدميني في النطق بالراء فيقول: قل "جرة برا جرة جوا" وكثيرا ما كنت أسمعه يقول: يا مدبري ولم أدر. مات في عشر السبعين، ومات أبوه الحاج قايماز في سنة إحدى وستين وستمائة " (٦٦١) هـ-١٢٦٣ م" وقد أضر ودخل في الهرم وجاوز المائة بيسير.
وأما خاله، وقد كان من مشايخه الذي أوردهم في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٧ -
_________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي.
стр. 10
٢٨" وقال: علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي ثم الدمشقي الذهبي، الحاج المبارك أبو إسماعيل خالي. مولده سنة ثمان وخمسين وستمائة "٦٥٨ هـ ١٢٦٠ م".
وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر الأنماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة. وكان ذا مروءة وكد على عياله وخوف من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة "٧٣٦ هـ ١٣٣٦ م".
وكان زوج خالته فاطمة، وهو من شيوخه الذين أوردهم في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٦٨" فقال ﵀: أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي بن عبد الوهاب بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الذهبي ابن الحرستاني. مات بمصر سنة سبعمائة "٧٠٠ هـ-١٣٠٠ م" في عشر الستين، وهو زوج خالتي فاطمة، وكان حافظا للقرآن كثير التلاوة.
وكانت عمته وهي من شيوخه التي أوردها في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٨٤ - ٢٨٥": قال الحافظ ﵀: ست الأهل بنت عثمان بن قايماز بن عبد الله، أم محمد، مولدها في ذي القعدة سنة ثلاثة وخمسين وستمائة "٦٥٣ هـ-١٢٥٥ م"، وهي أمي من الرضاعة.
أجاز لها ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة.
وسمعت من عمر بن القواس، وغيره.
أقعدت مدة وتوفيت سنة تسع وعشرين في شعبان "٧٢٩ هـ-١٣٢٩ م".
وكان شيخه ومؤدبه كما قال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٥٢ - ٥٣":
علي بن محمد الحلبي علاء الدين البصبص، مؤدبي. كان من أحسن الناس خطا وأخبرهم بتعليم الصبيان. أقمت في مكتبه أعوام، وتعلم عنده خلائق، ولم يكن في دينه بذاك. مات في حدود سنة تسعين وستمائة "٦٩٠ هـ-١٢٩١ م" عن نحو من ثمانين سنة.
وأنشده مؤدبه علي بن محمد في سنة اثنين وثمانين وستمائة "٦٨٢ هـ-١٢٩١ م" شعرا لأبي محمد القاسم بن علي الحريري.
ثم اتجه الذهبي بعد ذلك إلى شيخ آخر، قال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٣٣٩ -
стр. 11
٣٤٠": مسعود بن عبد الله الأغزازي المقرئ الصالح. لقنني جميع القرآن ثم جردت عليه نحوا من أربعين ختمة، وقال لي: إنه قرأ لأبي عمر على الشيخ زين الدين الزواوي. وكان خيرا متواضعا، لقن خلقا. وكان إمام مسجد بالشاغور. مات في سنة عشرين وستمائة [٦٢٠ هـ-١٢٢٣ م] وله ست وثمانون سنة.
ذلكم هي البيئة العلمية التي نشأ الحافظ الذهبي ﵀ في أحضانها وترعرع فيها وشرب منها حتى اشتد عوده.
لقد بدأ الذهبي ﵀ في طلب العلم في سن الثانية عشرة، فتعلم القراءات.
قال ﵀ في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ١٣٥" عن شيخه الذي درس عليه القراءات: إبراهيم بن داود بن ظافر بن ربيعة، شيخنا جمال الدين أبو إسحاق العسقلاني ثم الدمشقي الفاضلي الشافعي شيخ القراء.
مولده في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة "٦٢٢ هـ-١١٢٥ م" وسمع من ابن الزبيدي، وابن اللتي، والإربلي، ومن بعدهم، وصحب الشيخ علم الدين السخاوي مدة وجمع عليه بالسبع سبع ختم وانتفع به وتصدر للإقراء بالتربة الصالحية بعد ابن أبي زهران ثم حصل له فالج فكان يقرئ بمنزله، فقصدته في سنة إحدى وتسعين وستمائة "٦٩١ هـ-١٢٩١ م" أنا، وابن بضحان، وابن غدير، وشمس الدين الزنجبيلي. وشرع كل منا في الجمع الكبير -وهي القراءة الجامعة للروايات السبع- فانتهيت عليه إلى أواخر القصص، وأجاز لي مروياته، وأنشدنا أشياء منها نونية السخاوي. وسمعت منه بعض شرح الشاطبية بسماعه من السخاوي.
كما قرأ أيضا الجمع الكبير على شيخه إبراهيم بن غالي بن شاور البدوي الحميري الشافعي المتوفى سنة "٧٠٨ هـ" كما ذكر في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ١٤٨ - ١٤٩".
كما قرأ أيضا القراءات السبع على شيخه أبي عبد الله بن جبريل المصري قال الحافظ الحسيني في "ذيل تذكرة الحفاظ" "ص ٣٦": وقد جمع القراءات السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل دمشق، فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وكتاب حرز الأماني لأبي القاسم الشاطبي.
لقد أصبح الحافظ الذهبي وهو لم يتجاوز العشرين من عمره عالما في القراءات، فأجازه
стр. 12
شيخ القراءات محمد بن أحمد بن خليل بن سعادة، قاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله الدمشقي الشافعي. فقال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١٤٤" عنه: هو إمام بارع متفنن مصنف حاو للفضائل. ولد سنة ست وعشرين وستمائة "٦٢٦ هـ ١٢٢٩ م" وسمع من ابن اللتي، والسخاوي، وابن الصلاح، وغيرهم وأجاز له خلق كثير جلست بين يديه وسألني عن غير ما مسألة من القراءات، فمن الله وأجبته، وشهد في إجازتي من الحاضرين وأجاز لي مروايته. مات في رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة "٦٩٣ هـ-١٢٩٤ م".
واستمر الحافظ ﵀ في دراسة علم القراءات، فتعلم من شيخه محمد بن جوهر ابن محمد بن مالك المقرئ المجود، أبي عبد الله التلعفري الصوفي الملقن المولود سنة خمس عشرة وستمائة "٦١٥ هـ-١٢١٨ م". وكان قد جود القرآن على أبي إسحاق بن وثيق الأندلسي كما صنف مقدمة في التجويد كتبها الحافظ الذهبي عنه في سنة إحدى وتسعين وستمائة "٦٩١ هـ-١٢٩٦ م" كما درس القراءات السبع على شيخه محمد بن منصور بن موسى الإمام المقرئ النحوي شمس الدين أبي عبد الله الحلبي الحاضري الشافعي، أحد المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي.
قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٩٠ - ٢٩١": قرأ بجماعة، كتب على الكمال الضرير، والدهان. ولازم ابن مالك، وأخذ عنه جملة من العربية. قرأت عليه بالسبع أنا وابن غدير. مات في صفر سنة سبعمائة "٧٠٠ هـ-١٣٠١ م" وقد قارب السبعين.
لقد أصبح الحافظ الذهبي عالما في القراءات، فترى الحافظ الإمام المقرئ محمد بن عبد العزيز الدمياطي ينزل له عن حلقته. قال الحافظ في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢١٨":
أكملت على شيخنا الإمام المقرئ محمد بن عبد العزيز الدمياطي القراءات أنا، وابن غدير، والشيخ بدر الدين. وكان حسن الأخلاق طويل الروح، نزل لي عن حلقته في مرضه الذي مات فيه سنة "٦٩٣ هـ-١٢٩٣ م".
وطلب الحافظ الذهبي ﵀ الحديث وله ثماني عشرة سنة فسمع بدمشق من عمر ابن القواس، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، ويوسف بن أحمد الغسولي، وغيرهم.
وببعلبك من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي، وغيرهما.
وبمصر من الأبرقوهي، وعيسى بن عبد المنعم بن شهاب، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد، والحافظين أبي محمد الدمياطي، وأبي العباس بن الظاهري، وغيرهم.
стр. 13
ولما دخل إلى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وكان المذكور شديد التحري في الإسماع، قال له: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: بم تعرف؟ قال: بالذهبي، قال: من أبو طاهر الذهبي؟ فقال له: المخلص، فقال: أحسنت، فقال: من أبو محمد الهلالي؟ قال: سفيان بن عيينة، قال: أحسنت، اقرأ، ومكنه من القراءة عليه حينئذ إذ رآه عارفا بالأسماء.
وسمع بالإسكندرية من أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي، وأبي الحسن يحيى بن أحمد بن الصواف، وغيرهما.
وبمكة من التوزري وغيره.
وبحلب من سنقر الزيني وغيره.
وبنابلس من العماد بن بدران.
وأجاز له أبو زكريا ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطب ابن عصرون، والقاسم بن الإربلي.
وفي شيوخه كثرة، فلا نطيل بتعدادهم.
وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائل البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد، وهو بين أكنافها كنف لأهلها، وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طورا تراها ضاحكة عن تبسم أزهارها وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار، بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها (١).
وقال الحافظ السيوطي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٤٧ - (٣٤٨) ": طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل وعنى بهذا الشأن، وتعب فيه، وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس حكى عن شيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر أنه قال: شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ … والذي أقوله: إن
_________
(١) طبقات الشافعية للسبكي "٩/ ١٠٢ - ١٠٣".
стр. 14
المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر.
ثانيا: رحلاته في طلب العلم
رحل الحافظ الذهبي ﵀ وسمع الكثير من المشايخ كما ذكر في "معجم شيوخه الكبير"، وغيره من كتبه؛ فرحل إلى بعلبك، وطرابلس، والكرك، ومصر، وبلبيس، والإسكندرية، ومكة، وغيرها فرحل إلى بعلبك، وسمع من شيخه سعد بن محمد بن علي بن يحيى بن عبد الصمد، أبي القاسم العلوي الحسيني كما قال في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٦٤".
كما سمع ببعلبك أيضا من خاله أبي إسماعيل علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي ثم الدمشقي الذهبي المتوفى سنة "٤٣٦ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٧ - ٢٨".
وسمع من عمر بن يحيى بن أبي بكر بن طرخان أبي حفص المعري ثم البعلبكي المتوفى سنة "٦٩٩ هـ" كما قال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٨١ - ٨٢".
كما سمع من عبد القادر بن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسين اليونيني البعلي الحنبلي، كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٤٠٧".
كما رحل الحافظ إلى طرابلس، وسمع من شيخه علي بن سليم بن ربيعة الأنصاري الأذرعي القاضي ضياء الدين، أبي الحسن الشافعي المتوفى سنة "٧٣١ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٧".
وسمع من شيخه علي بن محمد بن سليمان بن حمائل المقدسي ثم الدمشقي المتوفى سنة "٧٣٧ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٤١".
ومن الشيخة فاطمة بنت محمد بن طرخان الصالحية، أم محمد المتوفاة سنة "٧٢٩ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١١٣".
كما سافر ﵀ إلى الكرك، وسمع من شيخه عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد الحنبلي، وقال الحافظ الذهبي: قرأت عليه بالكرك شيئا من صحيح مسلم عن ابن عبد الدائم، وكان شابا فاضلا مات بمصر سنة بضع وسبعمائة. قاله في "معجم شيوخه الكبير "١/ ٣٥١".
стр. 15
وسمع أيضا من شيخه عمر بن عبيد الله بن الجمال أبي حمزة أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة "٧٣٣ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٧٧"، وسمع من شيوخ آخرين ذكرهم في "معجم شيوخه الكبير"، وتذكرة الحفاظ.
ورحل إلى مصر، وسمع بالقاهرة من الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف الدمياطي، المتوفى سنة "٧٠٥ هـ" كما في تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٤٧٧ - ١٤٧٩"، و"معجم شيوخه الكبير" "١/ ٤٢٤"، ومن أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي الأبرقوهي، المتوفى سنة "٧٠١ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٣٧ - ٣٨".
ومن عبد الرحيم بن عبد المحسن بن ضرغام، وغيره كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٦٩". ورحل إلى الإسكندرية، وسمع من كثير مشايخها من أبرزهم تاج الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغرافي ثم الإسكندراني، شيخ دار الحديث النبيهية بالإسكندرية المتوفى سنة "٧٠٤ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١٢ - ١٣".
وسمع من يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن عبيد الله بن علي بن عبد الباقي الصواف الجذامي الإسكندراني المالكي، المتوفى سنة "٧٠٥ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٣٦٧، ٣٩٣" ومن عبد الرحمن بن مكي كما في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٣٢".
ومن عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن بن جماعة بن رجاء بن أبي القاسم الربعي الإسكندراني المتوفى سنة "٧٢٢ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٣٨٢ - ٣٨٣".
ومن عبد الرحمن بن عبد الحليم الدكالي سحنون، المتوفى سنة "٦٩٥ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٣٦٢ - ٣٦٣".
كما رحل الحافظ ﵀ إلى بلبيس، وسمع من عدد من علمائها. فسمع من سليمان بن داود بن سليمان بن حمد بن كسا، وهو من أهل بلبيس، ويكنى أبا الربيع "٦١٨ هـ-٦٩٧ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٦٩".
وقد حج الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- سنة "٦٩٨ هـ" كما ذكر في كتابه "تاريخ الإسلام". وسمع من جملة من العلماء بمكة، وعرفة، ومنى، وغيرها. فسمع بعرفة وغيرها من شيخه عبد السلام بن عبد الخالق بن علوان، أبي سعيد البعلبكي المتوفى سنة "٧٠٣ هـ".
стр. 16
وقال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٣٩٢": قرأت عليه بعرفة وغيرها مجلس البطاقة. وسمع بمكة من عثمان بن محمد بن عثمان بن أبي بكر التوزري، ثم المصري المالكي المقرئ المحدث المتوفى سنة "٧١٣ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٤٣٧".
ورحل إلى نابلس وسمع من جملة من علمائها من أبرزهم علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور أبي الحسن المقدسي، شيخ أهل نابلس، المتوفى سنة "٧٠٢ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٦٩"، و"٢/ ٣١ - ٣٢".
وسمع من الإمام عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل بن فرخان النابلسي الحنبلي المتوفى سنة "٦٩٨ هـ" كما ذكره الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٣٤٧"، وكما في "ذيل تذكرة الحفاظ" "ص ٣٤".
وسمع من السيف، وهو أبو بكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن الغابر النابلسي الحنبلي المتوفى سنة "٦٩٩ هـ" كما في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٨١".
ثالثا: شيوخه
من الشيوخ الذين عول عليهم الحافظ الذهبي ﵀ وتخرج بهم وعدتهم ستة وثلاثون شيخا كل واحد منهم إمام حافظ ثقة مشهود له بالإتقان ذكرهم الحافظ الذهبي في نهاية كتابه القيم "تذكرة الحفاظ" "٤/ ص ١٥٠٠ - ١٥٠٨" فقال -رحمه الله تعالى:
١ - ولقد انتفعت وتخرجت بشيخنا الإمام المحدث الحافظ الشهيد أبي الحسين علي بن الشيخ الفقيه ببعلبك ولزمته نيفا وسبعين يوما وأكثرت عنه، كان عارفا بقوانين الرواية حسن الدراية جيد المشاركة في الألفاظ والرجال، وانتقل إلى الله -تعالى- في رمضان سنة إحدى وسبعمائة عن إحدى وثمانين سنة، روى لنا عن ابن الزبيدي، وابن اللتي، ومكرم، وجعفر، وأبي نصر بن الشيرازي، وخلق، وكان صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب ومحاسن. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٠".
٢ - ولزمت الشيخ الإمام المحدث مفيد الجماعة أبا الحسن علي بن مسعود بن نفيس الموصلي وسمعت منه جملة، وكان دينا خيرا متصوفا متعففا قرأ ما لا يوصف كثرة، وحصل أصولا كثيرة كان يجوع ويبتاعها، وسمع بمصر والشام عاش سبعين سنة، مات سنة أربع وسبعمائة، ظهر له نصف جزء سمعه من أبي القاسم بن رواحة. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٠".
стр. 17
٣ - وسمعت من مفيد الطلبة المحدث الإمام المتقن اللغوي صفي الدين محمود بن أبي بكر الأرموي ثم القرافي الصوفي، قرأ الكثير على المشايخ وكان فصيحا فاضلا كتب شيئا كثيرا وعني بهذا الشأن وبرع في علم اللسان وصنف، روى لنا عن النجيب الحراني، والكمال بن عبد، ومات في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة عن بضع وسبعين سنة رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٠ - ١٥٠١".
٤ - وسمعت الصحيح بقراءة الإمام العالم الإمام الخطيب البليغ النحوي محدث الشام شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزاري الشافعي، وكان فصيحا مفوها عديم اللحن عذب القراءة له أنسة بالأسماء ومعرفة بالألفاظ، ويد في العربية وتواضع وكيس، مات سنة خمس وسبعمائة عن خمس وسبعين سنة رحمه الله تعالى، روى لنا عن السخاوي -وهو أبو الحسن علي بن محمد السخاوي- وجماعة وقرأ الكثير. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠١".
٥ - وسمعت الكثير بقراءة الإمام العالم الحافظ مفيد الآفاق مؤرخ العصر علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن الأحفظ زكي الدين البرزالي، وبفصاحته وحسن أدائه للحديث يضرب المثل مع الفضيلة والإتقان والتواضع، وحسن البشر، وكثرة الأصول، ولد سنة خمس وستين -يعني بعد الستمائة- وأجاز له ابن عبد الدائم وطبقته وسمع من الشيخ شمس الدين وطبقته، وله في الطلب بضع وخمسون سنة، ومعجمه في مجلدات كبار. توفي محرما في رابع ذي الحجة الحرام سنة تسع وثلاثين -يعني بعد السبعمائة- رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠١".
٦ - وسمعت مع الشيخ الإمام الفقيه المحدث النحوي بقية السلف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلبكي الحنبلي، وكان عالما بالفقه والنحو، وله اعتناء بالمعاني وبالرجال، سمع الكثير وكتب الأجزاء، وخرج وأفاد. روى لنا عن الفقيه اليونيني وابن عبد الدائم وطائفة، توفي سنة تسع وسبعمائة بالقاهرة غريبا، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠١".
٧ - وسمعت مع الإمام المحدث العابد مفيد الجماعة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن سامة، وكان معنيا بهذا الشأن، فصيح القراءة، كثير الشيوخ، واسع الرحلة خيرا متواضعا، روى لنا عن ابن عبد الدائم، وسمع من أصحاب ابن طبرزذ وهلم جرا، مات في سنة ثمان وسبعمائة عن ست وأربعين سنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠١ - ١٥٠٢".
стр. 18
٨ - وسمعت بمصر وعرفة مع الشيخ الإمام العالم المقرئ الحافظ المحدث مفيد الديار المصرية وشيخها قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصري أحد من جرد العناية ورحل وتعب وحصل وكتب وأخذ عن أصحاب ابن طبرزذ فمن بعدهم، وصنف التصانيف، وظهرت فضائله مع حسن السمت والتواضع والتدين وملازمة العلم، مولده سنة أربع وتسعين وستمائة. وتوفي في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٢".
٩ - وسمعت من الشيخ العلامة الفرضي المحدث الصالح شمس الدين أبي العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الحنفي، وكان أحد من عنى بهذا الشأن ورحل وكتب وألف، سمعت منه ووقف أجزاءه بالخانقاه. سمع من أبي الدثنة وطبقته ببغداد، ومن الفخر وطبقته بدمشق ومن ابن خطيب المزة بمصر وسمع بالحرمين وبخارى وماردين وخراسان، وكان عالما متقنا أنيق الكتابة، مات بماردين سنة سبعمائة عن ست وخمسين سنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ١٥٠٢".
١٠ - وسمعت مع الإمام المفيد المحدث العدل الكبير شمس الدين محمد بن إبراهيم بن غنائم المهندس الصالحي الحنفي الشروطي ابن المهندس، وقد سمع الكثير من أصحاب ابن طبرزذ، وكتب العالي والنازل، ثم ارتحل بأخرة إلى مصر، ونسخ الكتب الكبار، وانتقى على جماعة، سمعنا منه، مولده في سنة خمس وستين وستمائة، ومات في شوال سنة ثلاث وثلاثين -أي وسبعمائة- رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٢".
١١ - وسمعت من الشيخ الإمام المحدث المفيد المقرئ بقية السلف شيخ الحرم فخر الدين عثمان بن محمد بن عثمان التوزري ثم المصري المالكي، كان قارئ الطلبة بمصر دهرا، قرأ الكتب المطولة، وحصل الأصول، وتلا بالسبع على ابن وثيق، والكمال ابن شجاع، سمع من ابن الجميزي، والسبط، فمن بعدهما حتى أنه أخذ عن ألف شيخ، توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة بمكة عن ثلاث وثمانين سنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٢ - ١٥٠٣".
١٢ - وسمعت من الشيخ العلامة المحدث الحافظ الأديب البارع فتح الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري الأندلسي الأصلي المصري، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وسبعين في آخرها وسمع من العز، وغازي، وخلائق، ولحق بدمشق ابن
стр. 19
المجاور، ومحمد بن مؤمن، وابن الواسطي وكتب بخطه المنسوب كثيرا، وهو على حاله ثبت فيما ينقله بصير بما يحرره لم أسمع منه شيئا، توفي فجاءة في شعبان في حادي عشرة سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ١٥٠٣".
١٣ - وسمعت الكثير مع الشيخ المحدث العالم المفيد شهاب الدين أبي العباس أحمد ابن مظفر ابن النابلسي سبط الحافظ زين الدين خالد، مولده خمس وسبعين، وسمع من زينب بنت مكي، والفخر البعلي، وابن بلبان، وابن الواسطي، والتاج عبد الخالق فمن بعدهم، وأفادني أشياء، وكتبت عنه وشيوخه فوق السبعمائة شيخ، وله حظ من زعارة ونفور من الناس، والله يسامحه فعليه مأخذ لذلك لكنه متثبت متقن، مات في دمشق في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٣".
١٤ - وسمعت من الشيخ الأديب العلامة البليغ المحدث المفيد علاء الدين علي بن مظفر بن إبراهيم الكندي الدمشقي كاتب ابن وداعة، ولد على رأس الأربعين وست مائة، وتلا بالسبع على العلم أبي القاسم، وسمع من ابن أبي الحسن، وإبراهيم بن خليل، وابن عبد الدائم، وخلق وكتب الأجزاء، وحصل، ثم تعانى الإنشاء، وخدم، وكان قليل الدين متهاونا بالصلاة، في عقيدته مقال إلا أنه متثبت فيما ينقله علقت عنه، توفي سنة عشرة وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٣ - ١٥٠٤".
١٥ - وسمعت من الشيخ المحدث المفيد الفاضل نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن ركاب الأنصاري ابن الخباز المؤدب المفيد أحد من أفنى عمره في الرواية والكتابة، وأخذ عمن دب ودرج، وحصل الأصول، روى لنا عن الشيخ الضياء، وعبد الحق بن خلف، وخطه رديء سقيم، وفهمه بطيء، والله يسامحه مات سنة ثلاث وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. تذكرة الحفاظ "٤/ ١٥٠٤".
١٦ - وسمعت من الشيخ العالم المحدث شهاب الدين أحمد بن النضر بن بناء بن الدقوقي المصري، وكان ممن نسخ الكثير وعنى بالسماع ولم ينجب، حدثنا عن ابن رواح، مات في سنة خمس وتسعين وستمائة وهو في عشر الثمانين، ﵀. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٤".
١٧ - وسمعت من الشيخ الإمام المحدث المفيد بقية المشايخ ضياء الدين عيسى بن يحيى بن أحمد السبتي، مات في سنة ست وتسعين -أي وستمائة- عن ثلاث وثمانين سنة، عني
стр. 20
بهذا الشأن مدة مديدة، وسمع بقراءته من ابن المجتلي وابن الصفراوي، وابن المقير، وطبقتهم. وليس بالمكثر ولا الماهر، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٤".
١٨ - وسمعت من الشيخ الإمام المحدث المفيد شرف الدين حسن بن علي بن عيسى اللخمي بن الصيرفي، وكان قد طلب وحمل عن ابن رواح، والساوي، وابن قميرة. مات في أواخر سنة تسع وتسعين وستمائة. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٤".
١٩ - وسمعت من الشيخ العالم المحدث المفتي بقية السلف أبي الحسن علي بن إبراهيم ابن داود بن العطار الدمشقي الشافعي، صاحب الشيخ محيي الدين النواوي، وهو الذي استجاز لي ولأبي من ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، وعدة. وكان صاحب معرفة حسنة، وأجزاء وأصول، خرجت له معجما في مجلد. مات في سنة أربع وعشرين وسبعمائة عن سبعين سنة مرض بالفالج سنين، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٤ - ١٥٠٥".
٢٠ - وسمعت من الفقيه البارع المحدث الأديب نجم الدين موسى بن إبراهيم الشعراوي الحنبلي الشاهد، وكان قد قرأ الكتب الكبار، ودار على الشيوخ ونسخ الفوائد، وسمع من الحافظ الضياء، وإسماعيل بن مظفر، وقرأ على ابن عبد الدائم، وابن أبي عمر، وكان صاحب نوادر ودعابة وفضائل إلا أنه كان يدمج الإسناد ويهيمنه، مات سنة اثنتين وسبعمائة، وله ثمان وسبعون سنة. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٥".
٢١ - وسمعت من المحدث العالم العدلي المفيد كاتب الحكم شرف الدين يعقوب بن أحمد بن الصابوني روى عن أحمد بن علي الدمشقي، والنجيب، وابن علاق، وابن أبي الخير، وخلق. ونسخ الأجزاء، وساد في الشروط. مات بمصر في سنة عشرين وسبعمائة عن ست وسبعين سنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٥".
٢٢ - وسمعت من قاضي القضاة الإمام القدوة الزاهد المحدث شمس الدين محمد بن مسلم بن مالك، وسمعت بقراءة جماعة أجزاء، وكان إماما في الفقه والنحو من قضاة العدل، توفي في سنة ست وعشرين وسبعمائة عن خمس وستين سنة بالمدينة النبوية شرفها الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٥".
٢٣ - وسمعت من الفقيه المحدث الزاهد البركة أبي الحسن علي بن محمد التركي الختني الشافعي، وقد تفقه وسمع الكثير وكتب الأجزاء، سمع من الفخر علي، وطبقته. ومات كهلا سنة سبع عشرة وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٥".
стр. 21
٢٤ - وسمعت من الإمام المحدث الأوحد الأكمل فخر الإسلام صدر الدين إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الخراساني الجويني شيخ الصوفية، قدم علينا طالب حديث، وروى لنا عن رجلين من أصحاب المؤيد الطوسي، وكان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الأجزاء، حسن القراءة مليح الشكل مهيبا دينا صالحا، وعلى يده أسلم غازان الملك. مات سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وله ثمان وسبعون سنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٦".
٢٥ - وسمعت من الشيخ العالم المحدث الصادق المرتضى شمس الدين محمد بن محمد بن حسن بن نباتة المصري، وله عناية تامة بهذا الشأن ومعرفة كتب الأجزاء وحصل، وروى عن غازي والعز الحراني، وابن خطيب المزة، والطبقة، ومحاسنه كثيرة، وتواضعه حسن، وديانته متينة، ولد سنة ست وستين -أي بعد الستمائة- ومات سنة خمسين وسبعمائة كما في الدرر الكامنة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٦".
٢٦ - وسمعت من الإمام المحدث الصادق مفيد الجماعة محب الدين عبد الله بن أحمد ابن المحب المقدسي الحنبلي، ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن البخاري وطبقته، ثم طلب بنفسه، وكتب الكثير، وقرأ العالي والنازل، وأفاد الخاصة والعامة، وقد ألقى له المحبة في النفوس لخيره وإخلاصه وصلاحه وفضله، توفي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٦".
٢٧ - وسمعت من الشيخ المحدث العالم الرئيس زين الدين عمر بن حسن بن عمر بن حبيب الدمشقي نزيل حلب ومحتسبها، ولد سنة ثلاث وستين وستمائة وسمع من ابن بلبان، وابن شيبان، وابن البخاري وفي الرحلة من ابن حمدان، والأبرقوهي وكان ذكيا كتب وتعب خرجت له معجما عن أزيد من خمسمائة نفس، مات غريبا بمراغة في سنة ست وعشرين وسبعمائة، ﵀. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٦".
٢٨ - وسمعت من المحدث العالم فخر الدين عثمان بن بلبان المقاتلي، سمع الكثير ورحل وكتب وتعب، وكان مزجي البضاعة، لكنه له ذكاء وفهم وعناية بالرواية. مات بمصر سنة سبع عشرة وسبعمائة وله اثنتان وأربعون سنة. روى عن عمر بن القواس وجماعة، رحمة الله عليهم. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٧".
стр. 22
٢٩ - وسمعت من المحدث المفتي الفاضل فخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الفخر البعلبكي الحنبلي، سمع من ابن البخاري، وابن الواسطي، ثم طلب بنفسه، وجمع وخرج وقرأ الكثير، وقرأ على كراسي عدة. وكان دينا صينا عالما مات سنة اثنتين وثلاثين -أي وسبعمائة- عن بضع وأربعين سنة رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٧) ".
٣٠ - وسمعت من العلامة ذي الفنون وفخر الحفاظ قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي، صاحب التصانيف، ولد سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وسمع من ابن الصواف، والدمياطي وبدمشق من أبي جعفر ابن الموازيني، والطبقة، "وكان جم الفضائل حسن الديانة صادق اللهجة، قوي الذكاء من أوعية العلم. مات سنة ست وخمسين وسبعمائة" (١). تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٧) ".
٣١ - وسمعت من الشيخ الإمام المحدث مفيد الطلبة أمين الدولة محمد بن إبراهيم بن محمد الواني الدمشقي، رئيس المؤذنين وابن رئيسهم سمع من ابن الفراء وأبي الفضل بن عساكر، وله في طلب الحديث رحلة في سنة سبعمائة، مولده سنة أربع وثمانين وستمائة وتوفي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٧) ".
٣٢ - وسمعت من الإمام المفتي المحدث صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، سمع من القاضي تقي الدين سليمان وطبقته فأكثر وحصل وخرج وصنف، مولده سنة أربع وتسعين وستمائة "وتوفي سنة إحدى وستين وسبعمائة" (٢)، وهو عالم بيت المقدس اليوم. تذكرة الحفاظ "٤/ ص ١٥٠٧ - (١٥٠٨) ".
٣٣ - وسمعت من الإمام الفقيه المحدث الزاهد القدوة بهاء الدين أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل المكي الشافعي قرأ الفقه والقراءات والأصول، والنحو، وعني بالحديث، ورحل إلى دمشق، وحلب، سمع بيبرس العديمي، والدشتي، والقاضي.
مولده في سنة أربع وتسعين وستمائة. سكن مصر وله جهات، ثم تزهد وتوحد وتعبد بالثغر. تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٨) ".
_________
(١) ما بين الحاجزين مدرج ليس من كلام الذهبي لأنه توفي سنة "٧٤٨ هـ" فأما ذكر الوفاة فحتما. وأما ما قبله فلقوله: "وكان" والله أعلم.
(٢) ما بين الحاجزين ملحق بعد المؤلف.
стр. 23
٣٤ - وسمعت من الفقيه المفتي المحدث ذي الفضائل عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الشافعي. ولد بعد السبعمائة أو فيها وسمع من ابن الشحنة، وابن الزراد، وطائفة وله عناية بالرجال، والمتون، والتفقه، خرج وألف وناظر وصنف وفسر وتقدم.
[توفي سنة ٧٧٧] (١). تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٨) ".
٣٥ - وسمعت من المحدث العالم المفيد تقي الدين محمد ابن شيخنا سعد الدين بن سعد سمع من القاضي، وأبيه، وأبي بكر بن عبد الدائم، وخلق، وكتب، ورحل، وخرج وتميز [توفي سنة ٧٥٧] (٢). تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٨) ".
٣٦ - وسمعت من الإمام الأوحد الحافظ ذي الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي، ولد سنة خمس أو ست وسبعمائة، وسمع من القاضي، وابن عبد الدائم، والمطعم، واعتنى بالرجال، والعلل وبرع، وجمع وتصدى للإفادة، والاشتغال في القراءات، والحديث والفقه والأصول والنحو وله توسع في العلوم، وذهن سيال، توفي في شهر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحمة الله عليهم أجمعين. تذكرة الحفاظ "٤/ ص (١٥٠٨) ".
وقد أفاد الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- من شيخه جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي المزي في سماع الحديث، وفي النظر، وفي العلم. كما أفاد من شيخه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، وسمع الحافظ الذهبي منه جملة من مصنفاته، وجزء ابن عرفة، وغير ذلك.
وقد أفاد الذهبي من شيوخ كثيرين ذكرهم في كتابه "معجم شيوخه الكبير"، وغيره من مؤلفاته ربوا على الألف شيخ. وقد أجازه كثير منهم في الصغر وفي الكبر. وقد كان لرفقته ابن تيمية والحافظ المزي، ولقياه كثير من شيوخ وعلماء الحديث عظيم الأثر في بناء شخصيته العلمية القوية التي ارتبطت بالحديث النبوي والمحدثين ارتباطا وثيقا؛ فكان له الأثر النافع في مؤلفاته خاصة التراجم التي كانت من أكثر مؤلفاته وأعماله التي أثرت المكتبة الإسلامية وكان من بعده من أهل العلم وطلابه عيال عليها.
_________
(١) و (٢) ما بين الحاجزين ملحق بعد المؤلف.
стр. 24
رابعا: تلامذته:
وقد تلقى عن الحافظ الذهبي ﵀ كثير من العلماء الحفاظ المشهود لهم بالفضل في حياة الذهبي، وانتفعوا به كما جاء في أقوالهم:
١ - فمنهم قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي. المتوفى سنة " (٧٧١) هـ" كان إماما بارعا مفتنا في سائر العلوم، وله تصانيف شتى. قال في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" "١/ (١٠١) ": "أستاذنا أبو عبد الله التركماني الذهبي بصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة جزاه الله عنا أفضل الجزاء وجعل حظه من غرفات الجنان متوفر الأجزاء، وسعده بداره طالعا في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء".
وقال العلامة ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" "٦/ (٢٢١) ": "قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وسمع بها من جماعة، وقرأ على الحافظ المزي ولازم الذهبي وتخرج به".
٢ - ومنهم العلامة قاضي القضاة كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الزملكاني الدمشقي الشافعي المتوفى سنة " (٧٢٧) هـ". كان إماما علامة بصيرا بمذهبه وأصوله، قوي العربية صحيح الذهن فصيحا أديبا ناظما ناثرا، وله مصنفات كثيرة، وقد أفتى وله نيف وعشرون سنة.
وقد قال ﵀ بعد أن طالع كتاب الحافظ الذهبي "تاريخ الإسلام": هذا كتاب عليم اجتمعت به وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه، ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (١) النقلة، بل فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف والخلف وأرباب المقالات.
_________
(١) كودنة: بلادة.
стр. 25
٣ - ومنهم الشيخ الحافظ تقي الدين محمد بن جمال الدين رافع بن هجرس بن محمد بن شافع السلامي المصري الشافعي المتوفى سنة "٧٧٤ هـ" بدمشق عن ستين سنة، وكان ﵀ إماما في الحديث رحل البلاد وقد سمع من الحافظ الذهبي، ﵀.
٤ - ومنهم الشيخ الإمام البارع الأديب المفتن صلاح الدين أبو الصفاء خليل بن الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الألبكي الصفدي، الشاعر المشهور، المتوفى سنة "٧٦٤ هـ" بدمشق، وكان إماما بارعا كاتبا ناثرا شاعرا، وديوان شعره مشهور بأيدي الناس وهو من المكثرين. وله مصنفات كثيرة في التاريخ والأدب والبديع وغير ذلك. قال في تاريخه المسمى "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٣": الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي: حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى … جمع الكثير ونفع الجم الغفير. وقد سمع من الحافظ ﵀ وانتفع به.
٥ - ومنهم الحافظ الناقد ذو التصانيف شمس الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة بن محمد بن ناصر الحسيني الدمشقي الشافعي، والمولود بدمشق سنة "٧١٥ هـ" والمتوفى بدمشق في يوم الأحد سلخ شعبان سنة "٧٦٥ هـ". وقد سمع من الحافظ الذهبي وانتفع به أيما انتفاع، وله مؤلفات وتصانيف كثيرة.
٦ - ومنهم الإمام العالم الحافظ المؤرخ علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن الحافظ زكي الدين البرزالي، المولود سنة "٦٦٥ هـ"، والمتوفى سنة "٧٣٩ هـ" وهو محرم كان فصيحا أديبا يضرب به المثل مع فضله وتواضعه. وقد سمع من الحافظ الذهبي ﵀ وانتفع به.
٧ - ومنهم الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي المتوفى سنة "٧٧٤ هـ" صاحب المؤلفات الكثيرة أعظمها تفسيره المشهور المعروف، وكتاب البداية والنهاية وقد نشأ بدمشق وسمع من الحافظ الذهبي، وكثير من علمائها وصفه الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" بالفقيه المفتي المحدث ذي الفضائل. وقال: خرج وألف وناظر وصنف وفسر، وكان من شيوخ الحافظ الذهبي، ﵀، وقد سمع منه أيضا.
٨ - ومنهم الإمام المفتي الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، المولود "٦٩٤ هـ"، والمتوفى سنة "٧٦١ هـ" له مصنفات كثيرة من أبرزها كتاب "جامع التحصيل في أحكام المراسيل"، وهو من أجمع وأحسن ما ألف في موضع الحديث المرسل. وهو من
стр. 26
شيوخ الحافظ الذهبي ﵀ الذين ذكرهم في "معجم شيوخه" ومن تلامذته الذين سمعوا منه، وأخذوا عنه، وانتفعوا به. وتولى تدريس الحديث بالناصرية، والأسدية، ودار الحديث الحمصية، كما ولي التدريس في المدرسة الصلاحية بالقدس، ثم أضيف إليه تدريس الحديث بالتنكزية، كما تولى مشيخة دار الحديث السيفية.
٩ - ومنهم العلامة الحافظ محمد بن عبد الكريم الموصلي الأطرابلسي الشافعي المتوفى سنة " (٧٦٤) هـ" قال الحافظ ابن ناصر الدين في "الرد الوافر" "ص (٦٦) ": لما قدم الحافظ محمد بن محمد بن عبد الكريم دمشق سنة " (٧٣٤) هـ" إلى الحج، قال في الحافظ الذهبي ﵀:
ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت … أخباركم قط إلا ملت من طرب
وليس من عجب أن ملت نحوكم … فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب
وقد تخرج بالحافظ الذهبي ﵀ حفاظ كثيرون، لذا قال تلميذه الحافظ الحسيني في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص (٣٦) ": وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق.
خامسا: ثناء أهل العلم عليه
كان الحافظ الذهبي ﵀ أمة وحده في الحديث، والفقه، والعقيدة، وسائر العلوم الشرعية، وأثنى عليه كل من رآه ثناء حسنا نسوق بعضا منه:
قال الصفدي: في "الوافي بالوفيات" "٢/ (١٦٣) ":
الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله الذهبي حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاله ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهبي نسبته وانتماؤه، جمع الكثير ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقف الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ﵀ على تاريخه الكبير المسمى بـ"تاريخ الإسلام" جزءا بعد جزء إلى أن أنهى مطالعته، وقال: هذا كتاب عليم، اجتمعت به، وأخذت عنه، وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه، ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (١) النقلة، بل هو
_________
(١) كودنة: بلادة.
стр. 27
فقيه النظر له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات، وأعجبني منه ما يعاينه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يتبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده.
وقال الحافظ أبو المحاسن الحسيني الدمشقي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٥ - ٣٦":
مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة، وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان، وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين، ولي مشيخة الظاهرية قديما، ومشيخة النفيسية، والفاضلية، والتنكزية، وأم الملك الصالح، ولم يزل يكتب وينتقي ويصنف حتى أضر في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى، وكان قد جمع القراءات السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل دمشق فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وكتاب حرز الأماني لأبي القاسم الشاطبي، وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق والله -تعالى- يغفر له.
وقال الحافظ ابن حجر: شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ.
وقال الحافظ السيوطي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٤٧ - ٣٤٨":
الإمام الحافظ محدث العصر وخاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني ثم الدمشقي المقرئ ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل، وعني بهذا الشأن وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس. والذي أقوله إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر.
وقال تاج الدين السبكي في "الطبقات" "٩/ ١٠٠ - ١٠١ و ١٠٣":
اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي، والبرزالي، والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهم في عصرنا فأما أستاذنا أبو عبد الله
стр. 28
التركماني الذهبي بصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها وكان محط رحال تغيبت، ومنتهى رغبات من تغيبت. تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهاري أكبادها فلا تبرح أو تنبل نحو داره. وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجعل حظه من غرفات الجنات موفر الأجزاء، وسعده بدرا طالعا في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء. وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد، وهو بين أكنافها كنف لأهليها، وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طورا تراها ضاحكة عن تبسم أزهارا، وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار، بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها.
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي في "البداية والنهاية" "١٤/ ٢٤٣":
الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه ﵀.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في "الرد الوافر" "ص ٦٥" وما بعدها:
الشيخ الإمام الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين، وإمام المعدلين والمجرحين، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي الدمشقي ابن الذهبي الشافعي … كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالما بالتفريع والتأصيل، إماما في القراءات، فقيها في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف وله المصنفات المفيدة، والمختصرات الحسنة، والمصنفات السديدة، وقال شيخه وتلميذه علم الدين البرزالي المتوفى سنة "٧٣٩ هـ":
стр. 29
رجل فاضل، صحيح الذهن، اشتغل ورحل، وكتب الكثير، وله تصانيف واختصارات مفيدة، وله معرفة بشيوخ القراءات.
سادسا: من آرائه في العقيدة، والفقه، والحديث
لقد كان الذهبي -رحمه الله تعالى- واسع العلم جدا غزير المعرفة في كل العلوم الشرعية من عقيدة، وفقه، وحديث وقراءات، وأصول، وغيرها؛ يظهر ذلك من خلال مؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتركز على الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، وفهمها على النحو الذي فهمه السلف الصالح، وترك ما يخالفها، وتنقية السنة المشرفة من الزغل الدخيل الذي وضعه الأفاكون وانتحله المبطلون وتجديد ما اندرس من معالم الدين القويم، وتحذير المسلمين من خرافات وترهات الصوفية التي شوهت جمال الدين وبهاءه، ونبذ التقليد الأعمى المقيت الخالي عن الدليل.
ولقد أبان الحافظ الذهبي ﵀ منهج أهل السنة والجماعة، وأبان الصراط المستقيم الذي يعد وسطا بين المغالين من أهل التنطع والتشدد من الخوارج وبين المفرطين والمضيعين لهدى وسنن خير المرسلين من أهل الإرجاء وغيرهم.
لقد دعا الحافظ ﵀ إلى إثبات صفات الله تعالى كما جاءت عن الله ورسوله ﷺ دون تأويل أو تكييف أو تمثيل، يظهر ذلك من ردوده على أصحاب الأقوال الشاذة من الفرق والنحل التي تنكبت طريق خير المرسلين وصحابته الغر الميامين بعدم إمرار صفات الله كما جاءت، وهذا مبثوث في أقواله التي ذكرناها وحرصنا على أن ننقلها كما هي ليقف القارئ الكريم على علمه الجم الغزير، ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة برد شبه الزيغ والارتياب لهاتيك الفرق التي تنكبت الطريق.
لقد كان الحافظ -رحمه الله تعالى- رأسا في معرفة الحلال والحرام، وهذا واضح جلي من بيانه وردوده في كثير من المسائل التي نقلناها من كلامه المبثوث في هذا الكتاب ليعلم القارئ الكريم أن الحافظ ﵀ كان راسخ القدم في علم الفقه، وأنه وصل فيه إلى مرتبة سنية ودرجة علية قل أن يصل إليها عالم من علماء زماننا، وهذا واضح في فتاويه الدقيقة السديدة، والتي لو عرضت على فقهاء زماننا لضلوا عن الحق وأخطئوه.
لقد كان الحافظ -رحمه الله تعالى- رأسا في علم التراجم والتاريخ سبق فيه من سلف، ولم يستطع اللحاق به من خلف؛ فترجم لكثير من الملوك، والأمراء، والوزراء، والأطباء،
стр. 30
والمحدثين، والفقهاء، والنحاة والشعراء، وأبان ﵀ زيغ وضلال بعض من ترجم لهم وانحرافهم عن سبيل الهدى والرشاد الذي كان عليه سيد الأولين ﷺ وصحابته المكرمين فترك الحق واضحا جليا يتضح هذا من النقولات التي نقلناها من كلامه المبثوث في كتابه هذا وسائر كتبه؛ ليعلم القارئ الكريم أن الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- كان أمة وحده في علم الاعتقاد، والحديث، والفقه، والاجتهاد. ولا غرو فقد تخرج من مدرسة شيخه العلامة عماد الدين إسماعيل بن كثير، والحافظ العلامة صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، وغيرهم من أعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين ملئوا الدنيا علما وسارت بتآليفهم الركبان في مشارق الأرض ومغاربها.
ولقد آثرت وأنا أبين آراءه العقدية والفقهية والحديثية أن أنقل كلامه بنصه وردوده على أهل الزيغ والارتياب ليعلم القارئ الكريم المنزلة السامقة التي وصل إليها علم هذا الرجل العظيم، وليكون منهجا تعليميا للعلماء وطلاب العلم في بيان طرق أهل الزيغ والضلال في طرح أفكارهم الزائفة الضالة وطريقة رد هذا الحافظ العلامة لهذا الزيغ والضلال، وإقامته للحق بنيانا لا يندرس على أنقاض أباطيل أهل الضلال مشفوعا بالأدلة الدامغة والبراهين الساطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحجج التي نسف بها حجج أهل الضلال.
لقد آثرت أن أنقل كلام أهل الزيغ والضلال بقضه وقضيضه ليقف القارئ الكريم على الأباطيل والأراجيف التي يبثها هؤلاء المنحرفون الذين تنكبوا طريق الهدى ليفيد العلماء وطلاب العلم في معرفة شبههم وزيغهم وضلالهم، فيكونوا على وعي وبصيرة بالمناهج الضالة الفاسدة الآسنة التي تعكر صفو الدين وبهاءه، وليرى العلماء وطلاب العلم علم هذا الحافظ الجليل الذي ينسف به هاتيك الترهات والأباطيل التي يبثها أهل الزيغ والضلال.
إن قلوب المحبين للحق ستحيا بقراءة آراء هذا الحافظ الجليل في العقيدة، والفقه، والحديث وردوده على أهل الزيغ والضلال التي أرسى بها قواعد الإسلام وأوضح بها مشكلات الأحكام، فصارت نبراسا منيرا يستضيء به كل من يدين بدين الإسلام، فدونك أيها القارئ الكريم أقوال هذا الحافظ النحرير وردوده على أقوال وأفكار أهل الزيغ والضلال.
قال الذهبي -رحمه الله تعالى- في موضوع الفتنة التي حدثت بين الصحابة الكرام قال في كتابه "السير" "٣/ ٢٧":
стр. 31
لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان وقال طلحة لعلقمة بن وقاص الليثي: يا علقمة! لا تلمني، كنا أمس يدا واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جيلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي، وطلبه دمي" أخرجه الحاكم "٣/ ٣٧٢".
فكيف عقب الذهبي -رحمه الله تعالى- على قول طلحة؟! لقد أجاب بإجابة عالم بصير يستشفي بها من وساوس الصدور فقال رحمه الله تعالى:
قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب، فعله باجتهاد، ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان، فندم على ترك نصرته ﵄، وكان طلحة أول من بايع عليا، أرهقه قتله عثمان، وأحضروه حتى بايع".
ولما قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله بسهم وقع في ركبته، عقب الذهبي ﵀ "٣/ ٢٨" بقوله:
"قلت: قاتل طلحة في الوزر، بمنزلة قاتل علي".
ثم قال الذهبي في آخر ترجمة طلحة بن عبيد الله "٣/ ٣١":
"أعجب ما مر بي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال: وقد خلف طلحة ثلاثمئة حمل من الذهب! ".
يقول محمد أيمن الشبراوي عفا الله عنه: تعجب الذهبي من قول ابن الجوزي إشارة منه إلى كذب هذا القول، ولكنه كان لطيف العبارة -رحمه الله تعالى- خاصة مع علماء الحديث الذي كان عظيم الإكبار لهم.
وثمة بصمات قوية تشير إلى براعته الفائقة في علم الحديث فقال ﵀ في "السير" "٣/ ٥٤ - ٥٥" حين علق على حديث دخول عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا؛ قال: وهو حديث منكر، وقال: إسناده واه. ثم عرج على المتن بقوله "٣/ ٥٥": وبكل حال فلو تأخر عبد الرحمن عن رفاقه للحساب، ودخل الجنة حبوا على سبيل الاستعارة، وضرب المثل، فإن منزلته في الجنة ليست بدون منزلة علي والزبير، رضي الله عن الكل.
ثم عرج على مناقب عبد الرحمن بن عوف "٣/ ٥٥" فقال: "ومن مناقبه أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذين قيل فيهم: "اعملوا ما شئتم" ومن أهل هذه الآية
стр. 32
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقد صلى رسول الله ﷺ وراءه.
وتراه أخي القارئ ينافح عن عبد الرحمن بن عوف في اتهامه بأنه حابى عثمان بن عفان في اختياره خليفة للمسلمين؛ فقال -رحمه الله تعالى- في أوجز عبارة وأخصر بيان في كتابه "السير" "٣/ ٦٢": "من أفضل أعمال عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمَّه، وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص".
فالله الله يا ذهبي فلقد كنت ذا عقل راجح، وفكر ناضح، وفقه متين في الدين.
وتراهُ يُنافحُ عن سيد الخلق ﷺ فيجيبُ عن سؤال هام وهو: هل شارك رسول الله ﷺ أهل الجاهلية في أفعالهم قبل البعثة؟! فيُجلِّى شمائل الرسول قبل البعثة وبعدها فيقول ﵀ في كتابه "السير" "٣/ ٨٨":
ما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قبل الوحي وبعده، ولو احتمل جواز أكله مما ذُبح على النُّصُب، فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الإباحة، وإنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول الآية، كما أن الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد، والذي لا ريب فيه أنه كان معصومًا قبل الوحي وبعده وقبل التشريع من الزنى قطعًا، ومن الخيانة، ومن الغدر، والكذب، والسكر. والسجود لوثن، والاستقسام بالأزلام، ومن الرذائل، والسفه، وبذاء اللسان، وكشف العورة، فلم يكن يطوف عريانًا، ولا كان يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة، بل كان يقف بعرفة. وبكلِّ حال لو بدا منه شيء من ذلك، لما كان عليه تبعة، لأنه كان لا يعرف، ولكن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه ﷺ تسليمًا.
الله الله يا ذهبي فما أبرع هذا الكلام، وما أحسن هذا الفهم الذي يدُلُّ على عقل راجح، وفقه متين في الدين.
وتراهُ يبين فضل سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة، ويبين عدل عمر بن الخطاب ونزاهته فيقول في "السير" "٣/ ٩١": لم يكن سعيد متأخرًا عن رتبة أهل
стр. 33
الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن عَمَّه، ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي: حابى ابن عَمَّه، فأخرج منها ولده وعصبته، فكذلك فليكن العمل لله.
وتراهُ يُبيِّنُ فضل العشرة المبشرين بالجنة، وينعى على الرافضة الذين رفضوا التسعة، واعترفوا بفضل عليٍّ حَسْب، ويبين ذلك في أوضح بيان فيقول في "السير" "٣/ ٩٣": فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمَّة في الدنيا والآخرة، فأبعد الله الرافضة ما أغواهم، وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم، وبخسوا التسعة حقهم! وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص على أنه الخليفة؟ فوالله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم، وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم، يتجر ويتكسب، لا لرغبة في أمواله، ولا لرهبة من عشيرته ورجاله، ويحك أيفعل هذا من له مسكة عقل؟! ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة، ولو جاز وقوعه من جماعة، لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف من سادة المهاجرين والأنصار، وفرسان الأمة، وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض، فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله.
وتراه يُنافح عن مسطح بن أثاثة بأوجز عبارة وأخصر بيان؛ فقال في "السير" "٣/ ١٢٠": إياك يا جري أن تنظر إلى مسطح بن أثاثة هذا البدري شذرًا لهفوة بدت منه، فإنها قد غفرت، وهو من أهل الجنة، وإياك يا رافضي أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها، فتجب لك النار.
ويبين أن ضمة القبر لسعد بن معاذ ليست من عذاب القبر بأوجز بيان، فقال في "السير" "٣/ ١٧٨":
إن ضمة القبر لسعد بن معاذ ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود وعلى النار، ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من
стр. 34
عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].
وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي، ومع هذه الهزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء ﵁ كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع، ولا ألم، ولا خوف، سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد.
ويسرد الأحداث ويبينها حسب ترتيب وقوعها، فقال في "السير" "٣/ (٤٣٠) ": كان تزويجه ﷺ بعائشة إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بني بعائشة في شوال، بعد وقعة بدر، فما تزوج بكرًا سواها، وأحبها حبًا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث أن عمرو بن العاص -وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة- سأل النبي ﷺ : أي الناس أحبُّ إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة". قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (١).
ويتكلم من غيرة عائشة من خديجة دون سائر أزواجه بأسلوب الفقيه الحاذق، فيقول في "السير" "٣/ (٤٤٦) ": من أعجب شيء أن تغار عائشة ﵂ من خديجة وهي امرأة عجوز، توفيت قبل تزوج النبي ﷺ بعائشة بمديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدَّة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشهما، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ لها، وميله إليها، فرضي الله عنها وأرضاها.
وتراه يبين مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في اليقظة والمنام بأخصر عبارة وأوجز بيان؛ فيقول في "السير" "٣/ (٤٤٧) ": لم يأتنا نص جلي بأن النبي ﷺ رأى الله تعالى بعينيه، وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها، فأمَّا رؤية المنام: فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة. وأمَّا رؤية الله عيانًا في الآخرة: فأمرٌ متيقن تواترت به النصوص، جمع أحاديثها: الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما.
ويبين لفظة يا حميراء الواردة، ويبين أنه حديث موضوع بأنصع بيان، فيقول في "السير"
_________
(١) صحيح: خرجته في الجزء الثالث في الكتاب بتعليقنا رقم "٩١٥" فراجعه ثمت.
стр. 35
"٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨": قيل: إن كل حديث فيه: يا حميراء، لم يصح، وأوهى ذلك تشميس الماء، وقول النبي ﷺ لها: "لا تفعلى يا حميراء، فإنه يورث البرص". فإنه خبر موضوع. والحمراء في خطاب أهل الحجاز: هي البيضاء بشقرة، وهذا نادر فيهم، ومنه في الحديث: رجل أحمر كأنه من الموالي، يريد القائل: أنه في لون الموالي الذين سُبُوا من نصارى الشام والروم والعجم.
ثم إن العرب إذا قالت: فلان أبيض، فإنهم يريدون الحنطي اللون بحلية سوداء، فإن كان في لون أهل الهند، قالوا: أسمر، وآدم، وإن كان في سواد التكرور، قالوا: أسود وكذا كل من غلب عليه السواد، قالوا: أسود أو شديد الأدمة، ومن ذلك قوله ﷺ : "بُعثتُ إلى الأحمر والأسود". فمعنى ذلك أن بني آدم لا ينفكون عن أحد الأمرين، وكل لون بهذا الاعتبار يدور بين السواد والبياض الذي هو الحمرة.
ويبينُ طريقة السَّلَف في الجمع بين التجارة والعبادة فيقول في "السير" "٤/ ١٥": الأفضل الجمع بين التجارة، أمَّا ترك التجارة، ولزوم العبادة، فهو طريق جماعة من السَّلَف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصِّدِّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلٌّ سائغ، ولكن لا بد من النَّهضة بحقوق الزَّوجة والعيال.
ويُبينُ بأسلوب النَّاقد الحاذق بسبب كراهية الشيعة لأبي موسى في أوجز عبارة فيقول في "السير" "٤/ ٤٧": لا ريب أنَّ غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى ﵁ لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه عليٌّ على نفسه عزله، وعزل معاوية، وأشار بابن عمر، فما انتظم من ذلك حال.
ويبين كتابة المصحف من زيد بن ثابت بأمر أبي بكر، ثم بأمر عثمان بعبارة وجيزة وأسلوب حاذق؛ فيقول في "السير" "٤/ ٧٣ - ٧٤": من جلالة زيد بن ثابت أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف، والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق، ثم تسلمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت، ونفرًا من قريش إلى كتابة هذا
стр. 36
المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمه قرآن سواه، ولله الحمد.
ويقول في "السير" "٤/ ١٦٨":
يجوز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام؛ فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى.
وقال في "السير" "٤/ ١٧٠ - ١٧١":
كان عمر يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر وغيره.
فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم وعدالتهم، وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا، مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه. فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات، والأباطيل، والمستحيل في الأصول، والفروع والملاحم والزهد؛ نسأل الله العافية.
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جان على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق، كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع، وإن هو لم يعلم فليتورع، وليستعن بمن يُعينُه على تنقية مروياته -نسأل الله العافية- فلقد عمَّ البلاءُ، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام.
ثم تراه يُنافحُ عن الحافظ أبي هريرة ﵁ بأوضح حجة وأنصع بيان فيقول في "السير" "٤/ ١٧٤":
قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدّث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت، ونسوا.
قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس!
قلت -أي الحافظ الذهبي- تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول.
стр. 37
الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار.
قلت -أي الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه، وجلالته، وإتقانه، وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. وانظر إلى هذا العلامة البارع كيف يحسب عمر أحد الصحابة الأعلام، فقال "٤/ ٢٣٠":
كان عمرو بن العاص أكبر من عمر بنحو خمس سنين، كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁.
وتراه يفسر سبب النهي عن كتابة غير القرآن ثم الإذن في الكتابة بأوجز عبارة، وأخصر بيان بأسلوب العالم الحاذق؛ قال -طيب الله ثرى قبره وأظله بسحائب مغفرته- في كتابه العظيم "السير" "٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣":
كتب عبد الله بن عمرو بن العاص بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵁ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولا لتتوفر هممهم على القرآن، وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم والله أعلم.
وقال في "السير" "٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦":
صحَّ أن رسول الله ﷺ نازل عبد الله بن عمرو بن العاص في قراءة القرآن إلى ثلاث ليال، ونهاهُ أن يقرأهُ في أقل من ثلاث، وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك. ولو تلا في أسبوع، ولازم ذلك. لكان عملا فاضلا، فالدين اليسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودُبُر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر
стр. 38
بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وكذلك قال له ﵊ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: "صم يومًا، وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇". وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود" ونهى ﵊ عن صيام الدهر. وأمر ﵊ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وكلُّ من لم يلزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين، والحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وأمرًا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحبّ الأعمال إلى الله -تعالى- أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة وجنبنا الهوى والمخالفة.
وأورد في "السير" "٥/ ٣٩١":
أيوب، عن عكرمة قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليُضَلَّ به.
فتعقبه الحافظ الذهبي بقوله: قلت: هذه عبارة رديئة، بل إنما أنزله الله -تعالى- ليهدي به المؤمنين، وما يضل به إلا الفاسقين، كما أخبرنا في سورة البقرة.
стр. 39
وقال في "السير" "٦/ ٥٨٧":
من أصول أهل القدر، فإن عندهم لا نجاة إلا بعمل، فأما أهل السنة، فيحضون على الاجتهاد في العمل، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله.
وقال في "السير" "٥/ ٣٩٢":
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه متولي المدينة، فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
فعقب الحافظ الذهبي ﵀ بقوله: قلت: ولهذا ينفرد عنه داود بأشياء تستغرب، وكثير من الحفاظ عدوا تلك الإفرادات مناكير، ولا سيما إذا انفرد بها مثل ابن إسحاق ونحوه. وقال في "المسير" "٥/ ٤٨٦":
عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وروايته عن أبيه، عن جده إما منقطعة أو مرسلة، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعًا، فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عمرو، عن أبيه، عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يتأمل حديثه، ويتحايد ما جاء منه منكرًا، ويروي ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده، فقد احتج به أئمة كبار، ووثقوه في الجملة، وتوقف آخرون قليلا، وما علمت أن أحدًا تركه.
وقال في "السير" "٤/ ٢٠٧":
كان بين الطائفتين من أهل صفِّين ما هو أبلغ من السَّب، فإن صحَّ شيءٌ، فسبيلنا الكف والاستغفار للصحابة، ولا نحب ما شجر بينهم، ونعوذ بالله منه، ونتولى أمير المؤمنين عليًا.
وقال "٦/ ١٠٦":
كان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفين على أقسام: أهل سنة: وهم أولو العلم، وهم محبون للصحابة، كافون عن الخوض فيما شجر بينهم؛ كسعد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأمم. ثم شيعة: يتوالون، وينالون ممن حاربوا عليًا، ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة. ثم نواصب: وهم الذين حاربوا عليًا يوم صفين، ويقرون بإسلام عليٍّ وسابقيه، ويقولون: خذل الخليفة عثمان. فما علمت في ذلك الزمان شيعيًا كفر معاوية وحزبه، ولا ناصبيًا كفر عليًا وحزبه بل دخلوا في سبٍّ وبغض، ثم صار اليوم شيعة زماننا يكفرون
стр. 40
الصحابة، ويبرءون منهم جهلا وعدوانا، ويتعدون إلى الصديق قاتلهم الله. وأما نواصب وقتنا فقليل، وما علمت فيهم من يكفر عليا ولا صحابيا.
وقال في "السير" "٧/ ٥٧ - (٥٨) ":
من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه بغض وتنقص، وهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، فإن كفره فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم.
ثم قال في "السير" "٧/ (٢٥٢) ":
التشيع الذي لا محذوف فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا ﵁ من الصحابة فإنه قبيح يؤدب فاعله ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير، ونترضى عنهم، ونقول هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (١). فنسأل الله أن يرضى عن الجميع وألا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين ولا نرتاب أن عليا أفضل ممن حاربه، وأنه أولى بالحق ﵁.
وقال في "السير" "٦/ (٢١٠) ":
هشام بن عروة حجة مطلقا، ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر، وتنقص حدة ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته، وما ثم أحد بمعصوم من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلا، وإنما الذي يضر الاختلاط، وهشام فلم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به، وحديثه محتج به في "الموطأ، و"السنن" فقول ابن القطان: إنه اختلط، قول مردود مرذول فأرني إماما من الكبار سلم من الخطأ والوهم.
فهذا شعبة، وهو في الذروة، له أوهام، وكذلك معمر، والأوزاعي، ومالك، رحمة الله عليهم.
_________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "٢٩١٥" "٧٠"، وأحمد "٥/ ٣٠٦ و ٣٠٧" وراجع تخريجنا له في المصدر المشار إليه
следующие страницы →