← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمه قرآن سواه، ولله الحمد. ويقول في "السير" "٤/ ١٦٨": يجوز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام؛ فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى. وقال في "السير" "٤/ ١٧٠ - ١٧١": كان عمر يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر وغيره. فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم وعدالتهم، وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا، مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه. فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات، والأباطيل، والمستحيل في الأصول، والفروع والملاحم والزهد؛ نسأل الله العافية. فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جان على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق، كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع، وإن هو لم يعلم فليتورع، وليستعن بمن يُعينُه على تنقية مروياته -نسأل الله العافية- فلقد عمَّ البلاءُ، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام. ثم تراه يُنافحُ عن الحافظ أبي هريرة ﵁ بأوضح حجة وأنصع بيان فيقول في "السير" "٤/ ١٧٤": قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدّث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت، ونسوا. قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس! قلت -أي الحافظ الذهبي- تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول.

стр. 37

الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار. قلت -أي الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه، وجلالته، وإتقانه، وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. وانظر إلى هذا العلامة البارع كيف يحسب عمر أحد الصحابة الأعلام، فقال "٤/ ٢٣٠": كان عمرو بن العاص أكبر من عمر بنحو خمس سنين، كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁. وتراه يفسر سبب النهي عن كتابة غير القرآن ثم الإذن في الكتابة بأوجز عبارة، وأخصر بيان بأسلوب العالم الحاذق؛ قال -طيب الله ثرى قبره وأظله بسحائب مغفرته- في كتابه العظيم "السير" "٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣": كتب عبد الله بن عمرو بن العاص بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵁ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة. والظاهر أن النهي كان أولا لتتوفر هممهم على القرآن، وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم والله أعلم. وقال في "السير" "٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦": صحَّ أن رسول الله ﷺ نازل عبد الله بن عمرو بن العاص في قراءة القرآن إلى ثلاث ليال، ونهاهُ أن يقرأهُ في أقل من ثلاث، وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك. ولو تلا في أسبوع، ولازم ذلك. لكان عملا فاضلا، فالدين اليسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودُبُر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر

стр. 38

بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وكذلك قال له ﵊ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: "صم يومًا، وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇". وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود" ونهى ﵊ عن صيام الدهر. وأمر ﵊ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وكلُّ من لم يلزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين، والحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وأمرًا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحبّ الأعمال إلى الله -تعالى- أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة وجنبنا الهوى والمخالفة. وأورد في "السير" "٥/ ٣٩١": أيوب، عن عكرمة قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليُضَلَّ به. فتعقبه الحافظ الذهبي بقوله: قلت: هذه عبارة رديئة، بل إنما أنزله الله -تعالى- ليهدي به المؤمنين، وما يضل به إلا الفاسقين، كما أخبرنا في سورة البقرة.

стр. 39

وقال في "السير" "٦/ ٥٨٧": من أصول أهل القدر، فإن عندهم لا نجاة إلا بعمل، فأما أهل السنة، فيحضون على الاجتهاد في العمل، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله. وقال في "السير" "٥/ ٣٩٢": قال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه متولي المدينة، فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. فعقب الحافظ الذهبي ﵀ بقوله: قلت: ولهذا ينفرد عنه داود بأشياء تستغرب، وكثير من الحفاظ عدوا تلك الإفرادات مناكير، ولا سيما إذا انفرد بها مثل ابن إسحاق ونحوه. وقال في "المسير" "٥/ ٤٨٦": عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وروايته عن أبيه، عن جده إما منقطعة أو مرسلة، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعًا، فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عمرو، عن أبيه، عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يتأمل حديثه، ويتحايد ما جاء منه منكرًا، ويروي ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده، فقد احتج به أئمة كبار، ووثقوه في الجملة، وتوقف آخرون قليلا، وما علمت أن أحدًا تركه. وقال في "السير" "٤/ ٢٠٧": كان بين الطائفتين من أهل صفِّين ما هو أبلغ من السَّب، فإن صحَّ شيءٌ، فسبيلنا الكف والاستغفار للصحابة، ولا نحب ما شجر بينهم، ونعوذ بالله منه، ونتولى أمير المؤمنين عليًا. وقال "٦/ ١٠٦": كان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفين على أقسام: أهل سنة: وهم أولو العلم، وهم محبون للصحابة، كافون عن الخوض فيما شجر بينهم؛ كسعد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأمم. ثم شيعة: يتوالون، وينالون ممن حاربوا عليًا، ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة. ثم نواصب: وهم الذين حاربوا عليًا يوم صفين، ويقرون بإسلام عليٍّ وسابقيه، ويقولون: خذل الخليفة عثمان. فما علمت في ذلك الزمان شيعيًا كفر معاوية وحزبه، ولا ناصبيًا كفر عليًا وحزبه بل دخلوا في سبٍّ وبغض، ثم صار اليوم شيعة زماننا يكفرون

стр. 40

الصحابة، ويبرءون منهم جهلا وعدوانا، ويتعدون إلى الصديق قاتلهم الله. وأما نواصب وقتنا فقليل، وما علمت فيهم من يكفر عليا ولا صحابيا. وقال في "السير" "٧/ ٥٧ - (٥٨) ": من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه بغض وتنقص، وهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، فإن كفره فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم. ثم قال في "السير" "٧/ (٢٥٢) ": التشيع الذي لا محذوف فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا ﵁ من الصحابة فإنه قبيح يؤدب فاعله ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير، ونترضى عنهم، ونقول هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (١). فنسأل الله أن يرضى عن الجميع وألا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين ولا نرتاب أن عليا أفضل ممن حاربه، وأنه أولى بالحق ﵁. وقال في "السير" "٦/ (٢١٠) ": هشام بن عروة حجة مطلقا، ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر، وتنقص حدة ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته، وما ثم أحد بمعصوم من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلا، وإنما الذي يضر الاختلاط، وهشام فلم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به، وحديثه محتج به في "الموطأ، و"السنن" فقول ابن القطان: إنه اختلط، قول مردود مرذول فأرني إماما من الكبار سلم من الخطأ والوهم. فهذا شعبة، وهو في الذروة، له أوهام، وكذلك معمر، والأوزاعي، ومالك، رحمة الله عليهم. _________ (١) صحيح: أخرجه مسلم "٢٩١٥" "٧٠"، وأحمد "٥/ ٣٠٦ و ٣٠٧" وراجع تخريجنا له في المصدر المشار إليه

стр. 41

وقال الحافظ في "السير" "٣/ ٢٢٦": لم يصح الخبر الذي أعلم فيه رسول الله ﷺ العباس أن الخلافة تئول إلى ولده، ولكن آل العباس كان الناس يحبونهم، ويحبون آل علي، ويودون أن الأمر يئول إليهم، حبا لآل رسول الله ﷺ ، وبغضا في آل مروان بن الحكم، فبقوا يعملون على ذلك زمانا حتى تهيأت لهم الأسباب، وأقبلت دولتهم، وظهرت من خراسان. ثم قال الحافظ ﵀: فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن -والله- ساءنا ما جرى؛ لما جرى من سيول الدماء، والسبي والنهب فإنا لله وإنا إليه راجعون فالدولة العادلة مع الأمن وحقن الدماء ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم وأنى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجمية خراسانية جبارة، ما أشبه الليلة بالبارحة. وقال في "السير" "٦/ ٢٦٧": لا ريب أن ابن إسحاق في "مغازية" قد كثر وطول بأنساب مستوفاة، اختصارها أملح، وبأشعار غير طائلة، حذفها أرجح، وبآثار لم تصحح، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح، لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح وتصحيح ورواية ما فاته. وأما "مغازي موسى بن عقبة"، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح ومرسل جيد، لكنها مختصرة، تحتاج إلى زيادة بيان، وتتمة. وقد أحسن في عمل ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في تأليفه المسمى بكتاب "دلائل النبوة". وقد لخصت أنا الترجمة النبوية، والمغازي المدنية في أول "تاريخي الكبير"، وهو كامل في معناه إن شاء الله. فما أعظم الذهبي هذا الناقد الحاذق. وقال في "السير" "٦/ ٤١١": قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟ كلهم يقول: لنفسي غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس. فعقب الذهبي الناقد البصير بقوله: قلت: ما أحسن الصدق واليوم تسأل الفقيه الغبي: لمن طلبت العلم؟ فيبادر، ويقول: طلبته لله، ويكذب، إنما طلبه للدنيا ويا قلة ما عرف منه.

стр. 42

وقال أيضا في "السير" "٦/ ٥٧٠": قال عون بن عمارة: سمعت هشاما الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث، أريد به وجه الله . فعقب الذهبي الناقد "٦/ ٥٧٠ - ٥٧١" بقوله: قلت: والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله، قنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد، وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد. وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، فهذا أيضا حسن، ثم نشروه بنية صالحة. وقوم طلبوه بنية لأجل الدنيا، وليثنى عليهم، فلهم ما نووا. قال ﵊: "من غزا ينوي عقالا، فله ما نوى". وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العلم، وإنما العالم من يخشى الله تعالى. وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب فظلموا، وتركوا القيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم، فما هؤلاء بعلماء! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار. وبعضهم اجترأ على الله ووضع الأحاديث، فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئا كبيرا، وتضلعوا منه في الجملة فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخا يقتدى به في العلم فصاروا همجا رعاعا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مثمنة، يخزنها، وينظر فيها يوما ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره. فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالما.

стр. 43

وقال الحافظ في "السير" "٧/ ٧٣": علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك، لا يحرد ولا يبرئ نفسهن بل يعترف، ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، ولا يكن معجبا بنفسه؛ لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنه يشعر، فإن هذا داء مزمن. وقال في "السير" "٦/ ٤٨٠": قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر قال: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله. فعقب الذهبي بقوله: قلت: نعم يطلبه أولا، والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم، حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها، أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم. وعلامة ذلك: أنه يقصر من الدعاوي وحب المناظرة، ومن قصد التكثر بعلمه، ويزري على نفسه، فإن تكثر بعلمه، أو قال: أنا أعلم من فلان، فبعدا له. وقال في "السير" "٦/ ٤٣٧ - ٤٣٨": روى مسعر، عن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء. وتعقبه الذهبي بقوله: إي والله، فالعجب منا، ومن جهلنا، كيف ندع الدواء، ونقتحم الداء؟ قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله، ومن أدمن الدعاء، ولازم قرع الباب، فتح له. وقال الحافظ الذهبي عن أبي الفرج بن الجوزي: ما علمت أن أحدا صنف ما صنف هذا الرجل. وقال يوما في مناجاته: إلهي لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدما تمشي إلى خدمتك، ولا يدا تكتب حديث رسولك فبعزتك لا تدخلني النار، فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دينك. نقله عن الذهبي ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب "٤/ ٣٣١".

стр. 44

وقال الذهبي في "السير" "٦/ ٤١٢": كان ابن جريج يروي الرواية بالإجازة، وبالمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري، لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط. ثم قال: قال أبو غسان زنيج: سمعت جريرا الضبي يقول: كان ابن جريج يرى المتعة، تزوج بستين امرأة! وقيل: إنه عهد إلى أولاده في أسمائهن، لئلا يغلط أحد منهم يتزوج واحدة مما نكح أبوه بالمتعة! ثم قال: في "السير" "٦/ ٤١٣": قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: استمتع ابن جريج بتسعين امرأة، حتى إنه كان يحتقن في الليل بأوقية شيرج، طلبا للجماع. وقال ﵀ "٦/ ٤٩٦": لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثير من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف. ومحمد بن إسحاق ومالك بن أنس كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك، وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرا هذا الذي عندي في حاله، والله أعلم. وقال في "السير" "٦/ ٥١٨": قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال حجاج ابن أرطاة: لا تتم مروءة الرجل حتى يترك الصلاة في الجماعة. فعقب الذهبي بقوله: قلت: لعن الله هذه المروءة، ما هي إلا الحمق والكبر كيلا يزاحمه السوقة وكذلك تجد رؤساء وعلماء يصلون في جماعة في غير صف، أو تبسط له سجادة كبيرة حتى لا يلتصق به مسلم، فإنا لله.

стр. 45

وقال في "السير" "٦/ ٥٣٠": كره طائفة من العلماء قراءة حمزة، لما فيها من السكت، وفرط المد واتباع الرسم والإضجاع -أي الإمالة- وأشياء ثم استقر اليوم الاتفاق على قبولها وبعضٌ كان حمزة لا يراه. وقال "٦/ ٥٦٢": محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أقدم لقيا للكبار من مالك ولكن مالكا أوسع دائرة في العلم والفتيا والحديث والإتقان منه بكثير. ثم قال "٦/ ٥٦٣": قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث: "البيعان بالخيار". فقال: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك. فتعقبه الذهبي "٦/ ٥٦٤" بقوله: قلت: لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخا وقيل: عمل به، وحمل قوله: "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية -أي الخوارج- وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ﵄ ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح. وقال في "السير" "٨/ ٢٧٦ - ٢٧٨": كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة، وآحاد

стр. 46

العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله -تعالى- حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة، وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا ﷺ ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وابن عمر، وسائر أهل بيعة الرضوان، الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس، وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة، ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه أو حج معه أو سمع منه ﵃ أجمعين- وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية، وسائر الصحابيات. فأما ما تنقله الرافضة، وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل، أوْ ردِّ ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة من به سكر؟! ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا، وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ، وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن والحسن من الضعيف. وإمامنا الشافعي فبحمد الله ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط، موصوف بالإتقان، متين الديانة فمن نال منه بجهل وهوى، ممن علم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه، ومقتته العلماء، ولاح لكل حافظ تخامله، وجر الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل الحل والعقد، قديما وحديثا، فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا، ووفقوا. وأما أئمتنا اليوم، وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى فقد يقال: أحسنوا ووفقوا وطاعتهم في ذلك مفترضة، لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر.

стр. 47

وبكل حال فالجهال والضلال، قد تكلموا في خيار الصحابة، وفي الحديث الثابت: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليرزقهم ويعافيهم" (١). وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام الشافعي ﵀ فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام، ولله الحمد. ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة، وخالف شيخه في مسائل، تألموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكل. وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة فصدق والله، فرحم الله الشافعي وأين مثل الشافعي والله في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبة رحمه الله تعالى. وقال في "السير" "٨/ ٢٧٨ - (٢٧٩) ": قال الحافظ أبو بكر الخطيب في مسألة الاحتجاج بالإمام الشافعي، فيما قرأت على أبي الفضل بن عساكر، عن عبد العزيز بن محمد، أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد، أخبرنا الخطيب قال: سألني بعض إخواننا بيان علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في "الجامع"؟ وذكر أن بعض من يذهب إلى رأي أبي حنيفة ضعف أحاديث الشافعي، واعترض باعتراض البخاري عن روايته، ولولا ما أخذ الله على العلماء فيما يعلمونه ليبيننه للناس، لكان أولى الأشياء الإعراض عن اعتراض الجهال، وتركهم يعمهون. وذكر لي من يشار إليه خلو كتاب مسلم وغيره من حديث الشافعي فأجبته بما فتح الله علي: ومثل الشافعي من حسد، وإلى ستر معالمه قصد ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر من كل حق مستوره، وكيف لا يغبط من حاز الكمال، بما جمع الله له من الخلال اللواتي لا ينكرها إلا ظاهر الجهل، أو ذاهب العقل. ثم أخذ الخطيب يعدد علوم الإمام ومناقبه، وتعظيم الأئمة له وقال: أبى الله إلا رفعه وعلوه … وليس بما يعليه ذو العرش واضع إلى أن قال: والبخاري هذب ما في "جامعه" غير أنه عدل عن كثير من الأصول، إيثارا للإيجاز. _________ (١) صحيح: أخرجه البخاري "٦٠٩٩"، ومسلم "٢٨٠٤"، وقد خرجته بإسهاب في الموضع المشار إليه فراجعه ثمت.

стр. 48

قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول. فترك البخاري الاحتجاج بالشافعي، إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه، لكن غنى عنه بما هو أعلى منه، إذ أقدم شيوخ الشافعي: مالك، والدراوردي، وداود العطار، وابن عيينة، والبخاري لم يدرك الشافعي بل لقي من هو أسن منه كعبيد الله بن موسى، وأبي عاصم، ممن رووا عن التابعين، وحدثه عن شيوخ الشافعي عدة فلم ير أن يروي عن رجل، عن الشافعي، عن مالك. فإن قيل: فقد روى عن المسندي، عن معاوية بن عمرو، عن الفزاري، عن مالك، فلا شك أن البخاري سمع هذا الخبر من أصحاب مالك، وهو في "الموطأ" فهذا ينقض عليك؟! قلنا: إنه لم يرو حديثا نازلا وهو عنده عال، إلا لمعنى ما يجده في العالي، فأما أن يورد النازل وهو عنده عال لا لمعنى يختص به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف فيه، فهذا غير موجود في الكتاب، وحديث الفزاري فيه بيان الخبر، وهو معدوم في غيره، وجوده الفزاري بتصريح السماع. ثم سرد الخطيب ذلك من طرق عدة، قال: والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث ويراعيها وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمنها كتبه، فلم نجد فيها حديثا واحدا على شرط البخاري أغرب به، ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه. ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك وأما أبو داود، فأخرج في "سننه" للشافعي غير حديث، وأخرج له الترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم. ثم سرد الخطيب فضلا في ثناء مشايخه وأقرانه عليه، ثم سرد أشياء في غمز بعض الأئمة فأساء ما شاء -أعني غامزه. وقال في "السير" "١١/ ٣٠٠ - ٣٠١": قال الشيخ محيي الدين النواوي: لابن المنذر من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه فيه أحد، وهو في نهاية من التمكن من معرفة الحديث، وله اختيار فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يدور مع ظهور الدليل.

стр. 49

وعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت: ما يتقيد بمذهب واحد إلا من هو قاصر في التمكن من العلم، كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصب وهذا الإمام من حملة الحجة، جار في مضمار ابن جرير، وابن سريج وتلك الحلبة ﵏. وقال في "السير" "٧/ ١٧٦ - ١٧٨": من التزم بتقليد إمام، فإن له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، ولا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه، عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب، وزلات المجتهدين، قد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق. ولكن شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه، فإذا حفظه، بحثه وطالع الشروح، فإن كان ذكيا فقيه النفس ورأى حجج الأئمة فليراقب الله وليحتط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والمعصوم من عصمه الله. فالمقلدون صحابة رسول الله ﷺ بشرط ثبوت الإسناد إليهم، ثم أئمة التابعين كعلقمة، ومسروق، وعبيدة السلماني، وسعيد بن المسيب، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، والقاسم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي. ثم كالزهري، وأبي الزناد، وأيوب السختياني، وربيعة، وطبقتهم. ثم كأبي حنيفة ومالك والأوزارعي وابن جريج ومعمر وابن أبي عروبة وسفيان الثوري والحمادين وشعبة والليثي وابن الماجشون وابن أبي ذئب ثم كابن المبارك، ومسلم الزنجي والقاضي أبي يوسف والهِقْل بن زياد ووكيع والوليد بن مسلم، وطبقتهم. ثم كالشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وأبي ثور والبويطي وأبي بكر بن أبي شيبة ثم كالمزني وأبي بكر بن الأثرم والبخاري وداود بن علي ومحمد بن نصر المروزي وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي.

стр. 50

ثم كمحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي عباس بن سريج، وأبي بكر بن المنذر، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الخلال. ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد، ووضعت المختصرات، وأخذ الفقهاء إلى التقليد من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهي، والتعظيم، والعادة، والبلد. فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة، لعسر عليه، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل ببخارى وسمرقند، لصعب عليه، فلا يجيء منه حنبلي، ولا من المغربي حنفي، ولا من الهندي مالكي وبكل حال: فإلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل، ومراعاة المقاصد لكفاه. ومذهبه قد ملأ المغرب والأندلس، وكثيرا من بلاد مصر، وبعض الشام، واليمن، والسودان، وبالبصرة وبغداد، والكوفة، وبعض خراسان. وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة وتلاشى أصحابه، وتفانوا. وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة. وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدا وانقطع أتباع ثور بعد الثلاث مائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقى مذهب جرير إلى ما بعد الأربعمائة. وللزيدية مذهب في الفروع بالحجاز وباليمن، لكنه معدود في أقوال أهل البدع، كالإمامية، ولا بأس بمذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه. وأما القاضي عياض، فذكر ما يدل على جواز تقليدهم إجماعا، فإنه سمى المذاهب الأربعة والسفيانية والأوزاعية، والداودية. ثم إنه قال: فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم، مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم؛ للعلل التي ذكرناها. وصار الناس اليوم في الدنيا إلى خمسة مذاهب، فالخامس: هو مذهب الداودية. حق على طالب العلم أن يعرف أولاهم بالتقليد، ليحصل على مذهبه. وها نحن نبين أن مالكا ﵀ هو ذلك؛ لجمعه أدوات الإمامة، وكونه أعلم القوم.

стр. 51

ثم وجه القاضي دعواه، وحسنها، ونمقها ولكن ما يعجز كل واحد من حنفي، وشافعي، وحنبلي، وداودي عن ادعاء مثل ذلك لمتبوعه، بل ذلك لسان حاله، وإن لم يَفُهْ به. ثم قال القاضي عياض: وعندنا -ولله الحمد- لكل إمام من المذكورين مناقب تقضي له بالإمامة. فعقب الذهبي بقوله: قلت: ولكن مالكا هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف، وقال قولا فصلا، حيث يقول: كل أحد يؤخذ من قوله، ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ . ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها، وسعة علم، وحسن قصد، فلا يسعه التزام بمذهب واحد في كل أقواله، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن ويقل الإمام الآخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض. لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه، أو ليصمت فيما خفي عليه دليله. قال الشافعي: العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة. فعقب الذهبي بقوله: قلت: بل وعلى سبعة معهم وهم: الأوزاعي، والثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشعبة، والحمادان. وقال في "السير" "١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤": للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود بن علي الظاهري، فمن اعتد بخلافهم قال: ما اعتدادنا بخلافهم لأن مفرداتهم حجة، بل لتحكى في الجملة، وبعضها سائغ، وبعضها قوي، وبعضها ساقط، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي، ومن أهدرهم، ولم يعتد بهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين، ولا كفرهم بها، بل يقول: هؤلاء في خير العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيا من العامة عليهم، وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان، كمسح الرجلين أدبناهم، وعزرناهم، وألزمناهم بالغسل جزما. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم يعني نفاة القياس -لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء.

стр. 52

ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية: أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام. فعقب الذهبي "١٠/ ٢٧٤" بقوله: قلت: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم فأداهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله، وندري بالضرورة أن داود كان يقرئ مذهبه، ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد، وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه ولا سعوا في منعه من بثه وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي شيخ المالكية، وابني الإمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي، بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري -يعني ابن جرير وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي، وداود، ونظرائهما. وقال الذهبي "١/ ٢٧٥" قلت: لا ريب أن كل مسألة انفرد بها داود وقطع ببطلان قوله فيها، فإنه هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف فلا تهدر. وقال ﵀ في "السير" "٥/ ٣٩٣": اليمين بالطلاق في الغضب من نزغات الشيطان فلا يقع بذلك طلاق. وقال في "السير" "١١/ ١٧١ - ١٧٢": حكى أبو علي التنوخي في "النشوار" له، عن عثمان بن محمد السلمي قال: حدثني ابن منجو القائد قال: حدثني غلام لابن المزوق قال: اشترى مولاي جارية، فزوجنيها،

стр. 53

فأحببتها وأبغضتني حتى ضجرت، فقلت لها: أنت طالق ثلاثا، لا تخاطبيني بشيء إلا قلت لك مثله، فكم أحتملك؟! فقالت في الحال: أنت طالق ثلاثا فأبلست فدللت على محمد بن جرير، فقال لي: أقم معها بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن طلقتك. فاستحسن هذا الجواب وذكره شيخ الحنابلة ابن عقيل وقال: وله جواب آخر: أن يقول كقولها سواء: أنتَ طالق ثلاثا -بفتح التاء- فلا يحنث. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: وما كان يلزمها أن يقول لها ذلك على الفور، فله التمادي إلى قبل الموت. فكيف عقب العلامة الذهبي على هذه الواقعة؟! لقد عقب بجواب ينبئ عن حذقه ورسوخ قدمه في علم الفقه فقال -رحمه الله تعالى- "١١/ ١٧٢": قلت: ولو قال: أنت طالق ثلاثا، وقصد الاستفهام أو عني أنها طالق من وثاق، أو عني الطلق لم يقع طلاق في باطن الأمر. وله جواب آخر على قاعدة مراعاة سبب اليمين ونية الحالف، فما كان عليه أن يقول لها ما قالته، إذ من المعلوم بقرينة الحال استثناء ذلك قطعا، لأنه ما قصد إلا أنها إذا قالت له ما يؤذيه أن يؤذيها بمثله، ولو جاوبها بالطلاق لسرت هي، ولتأذى هو، كما استثنى من عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، بقرينة الحال أنها لم تؤت لحية ولا إحليلا. ومن المعلوم استثناؤه بالضرورة التي لم يقصدها الحالف قط لو حلف: لا تقولي لي شيئا إلا قلت لك مثله، أنها لو كفرت وسبت الأنبياء فلم يجاوبها بمثل ذلك لأحسن. ثم يقول طائفة من الفقهاء: إنه لم يحنث إلا أن يكون -والعياذ بالله- قصد دخول ذلك في يمينه. وأما على مذهب داود بن علي الظاهري، وابن حزم، والشيعة، وغيرهم، فلا شيء عليه، ورأوا الحلف والأيمان بالطلاق من أيمان اللغو، وأن اليمين لا تنعقد إلا بالله. وذهب إمام في زماننا إلى من حلف على حض أو منع بالطلاق، أو العتاق، أو الحج، ونحو ذلك فكفارته كفارة يمين، ولا طلاق عليه. هكذا أجاب العلامة الحاذق على هذه الواقعة المشكلة فرحم الله إمامنا العلامة الحافظ الذهبي.

стр. 54

وقال في "السير" "١٢/ ٥٠٤": ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم، وقد كان أبو عبد الله بن مندة وافر الجاه والحرمة إلى الغاية ببلده، وشغب على أحمد بن عبد الله الحافظ، بحيث أن أحمد اختفى. وقال في "السير" "١٥/ ١٦٧ - ١٦٨": الإمام إذا كان له عقل جيد، ودين متين صلح به أمر الممالك، فإن ضعف عقله، وحسنت ديانته حمله الدين على مشاورة أهل الحزم، فتسددت أموره، ومشت الأحوال، وإن قل دينه، ونبل رأيه، تعبت البلاد والعباد، وقد يحمله نبل رأيه على إصلاح ملكه ورعيته للدنيا، لا للتقوى، فإن نقص رأيه، وقل دينه وعقله، كثر الفساد، وضاعت الرعية، وتعبوا به، إلا أنه يكون فيه شجاعة، وله سطوة وهيبة في النفوس، فينجبر الحال، فإن كان جبانا، قليل الدين، عديم الرأي، كثير العسف، فقد تعرض لبلاء عاجل، وربما عزل وسجن إن لم يقتل، وذهبت عنه الدنيا، وأحاطت به خطاياه، وندم -والله- حيث لا يغني الندم. ونحن آيسون اليوم من وجود إمام راشد من سائر الوجوه! فإن يسر الله للأئمة بإمام فيه كثرة محاسن وفيه مساوئ قليلة، فمن لنا به، اللهم فأصلح الراعي والرعية، وارحم عبادك ووفقهم، وأيد سلطانهم وأعنه بتوفيقك. هكذا يرسم العلامة الذهبي سياسة الحاكم الراشد الذي يتقي الله، فينصلح به حال البلاد والعباد. وقال في "السير" "٦/ ٥٧٩": قال أبو أسامة: سمعت مسعر بن كدام يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ فعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: هذه مسألة مختلف فيها: هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟ فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم، وذهنه جيد، فالعلم أولى، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مجدا في طلب لا حظ له في القربات، فهذا كسلان مهين، وليس هو بصادق في حسن نيته، وأما من كان طلب الحديث والفقه غية ومحبة نفسانية، فالعبادة في حقه أفضل، بل ما بينهما أفعل تفضيل، وهذا تقسيم في الجملة، فقل -والله- من رأيته مخلصا في طلب العلم. دعنا من هذا كله، فليس طلب الحديث اليوم على

стр. 55

الوضع المتعارف من حيز طلب العلم، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية، وأخذ عن شيخ لا يعي، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم، أو لرضيع يبكي، أو لفقيه يتحدث مع حدث، أو آخر ينسخ وفاضله مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقارئ إن كان له مشاركة، فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء، سواء تصحف عليه الاسم، أو اختبط المتن، أو كان من الموضوعات. فالعلم عن هؤلاء بمعزل، والعمل لا أكاد أراه، بل أرى أمورا سيئة، نسأل الله العفو. وهكذا يرسم الحافظ الذهبي طريق الإخلاص في طلب العلم، ويوضح بأوجز عبارة وأخصر بيان أولوية طلب العلم على صلاة النافلة والتعبد لمن امتلأ قلبه بالإخلاص، وكانت نيته لله سبحانه. في طلب الحديث. وقال "٧/ ٤٤٧": النبيذ الذي هو نقيع التمر، ونقيع الزبيب، ونحو ذلك والفقاع حلال شربه، وأما نبيذ الكوفيين الذي يسكر كثيره، فحرام الإكثار منه عند الحنفية، وسائر العلماء، وكذلك يحرم يسيره عند الجمهور، ويتخرص فيه الكوفيون، وفي تحريمه عدة أحاديث. وقال في "السير" "٧/ ٢٥٨": روى أبو عمر الضرير، عن أبي عوانة قال: دخلت على همام بن يحيى، وهو مريض أعوده، فقال لي: يا أبا عوانة ادع الله أن لا يميتني حتى يبلغ ولدي الصغار. فقلت: إن الأجل قد فرغ منه فقال لي: أنت بعد في ضلالك. فعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت بئس المقال هذا، بل كل شيء بقدر سابق، ولكن وإن كان الأجل قد فرغ منه، فإن الدعاء بطول البقاء قد صح. دعا الرسول ﷺ لخادمه أنس بطول العمر، والله يمحو ما يشاء ويثبت. فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، و"لا يرد القضاء إلا الدعاء"، والكتاب الأول فلا يتغير. وقال في "السير" "١٠/ ٣٨٥": قال محمد بن إسماعيل الترمذي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها.

стр. 56

فعقب الذهبي بقوله: قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وفي ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ فرق بين القول في الذات والقول في الصفات، هذا هو مذهب السلف. وقال في "السير" "٩/ ٢٧": قال نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه، فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. فعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فقه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذموم تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أولها السلف، ولا حرفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت. المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، إنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قول لنا في تنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ -تعالى الله عن ذلك- فكذلك صفاته المقدسة، نقر بها ونعتقد أنها حقن ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. قال محمد بن مخلد العطار، حدثنا الرمادي، سألت نعيم بن حماد عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال معناه: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. وقال "٧/ ٣٧٩": الجهمية يقولون: إن الباري -تعالى- في كل مكان، والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يعني بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه استوى، كما نطق به القرآن والسنة. قال الأوزاعي، وهو إمام وقته: كنا -والتابعون متوافرون- نقول إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب

стр. 57

السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة، لا مثل لها، وكذلك صفاته -تعالى- موجودة، لا مثل لها. وقال في "السير" "٩/ ١٢٢": قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يرضى، ولا يغضب، فهو كافر، إن رأيتموه واقفا على بئر، فألقوه فيها، بهذا أدين الله . وعن أبي معمر القطيعي قال: آخر كلام الجهمية: أنه ليس في السماء إله! فعقب الذهبي بقوله: قلت: بل قولهم: إنه في السماء وفي الأرض، لا امتياز للسماء وقول عموم أمة محمد ﷺ : إن الله في السماء، يطلقون ذلك وفق ما جاءت النصوص بإطلاقه ولا يخوضون في تأويلات المتكلمين، مع جزم الكل بأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقال في "السير" "١١/ ٢٣٠" قال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، سمعت ابن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا. فعقب الذهبي بقوله: قلت: من أقر بذلك تصديقا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ وآمن به مفوضا معناه إلى الله ورسوله. ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، ونعوذ بالله من الضلال والهوى. وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقا- فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء. وقال في "السير" "١٠/ ٣٩٩": من كلام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في كتاب "النقض" له: اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله -تعالى- فوق عرشه، فوق سماواته.

стр. 58

فعقب الذهبي بقوله: قلت: أوضح شيء في هذا الباب قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة، والجدال وتأويلات المعتزلة ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. وقال في "السير" "٩/ (٣١٣) ": ورد عن إسحاق بن راهويه: أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء. فعقب الذهبي بقوله: قلت هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله، أو حوما على التكييف أو التعطيل. وقال في "السير" "١١/ (٢٤٣) ": قال أبو العباس السراج: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: "من يسألني فأعطيه"، فهو زنديق، كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. فعقب الذهبي بقوله: قلت: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك، فهذا معاند -نسأل الله الهدى- وإن اعترف إن هذا حق، ولكن لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن، وأول ذلك كله، أو تأول بعضه، فهو طريقه معروفة. وقال في "السير" "٨/ (٥٠٨) ": عن العباس الدوري سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -وذكر الباب يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين (١)، وضحك ربنا، وأين كان ربنا (٢) - فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، _________ (١) حسن: راجع تخريجنا له في الجزء الثامن بتعليقنا رقم "٥٨٨". (٢) حسن: راجع تخريجنا له في الجزء الثامن بتعليقنا رقم "٥٨٩".

стр. 59

ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره. فعقب الذهبي "٨/ ٥٠٨ - (٥٠٩) " بقوله: قلت: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكنا، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغا أو حتما، لبادروا إليه، فعلم قطعا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، ولا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله -تعالى- استأثر الله بعلم حقائقها، ولأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها، والرسول ﷺ بلغ، وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقال في "السير" "١٢/ (١٨٦) ": قال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت يحيى بن عمار الواعظ، وقد سألته عن ابن حبان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحد لله، فأخرجناه". فعقب الذهبي "١٢/ (١٨٦) " بقوله: قلت: إنكاركم عليه بدعة أيضا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نص بإثبات ذلك ولا نفيه، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١)، وتعالى الله أن يحد أو يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال "٧/ (٢١٩) ": قال أبو عبيد: ما أدركنا أحدا يفسر أحاديث الصفات، ونحن لا نفسرها. فعقب الذهبي بقوله: قلت: قد صنف أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدا، ولا فسر منها شيئا، وقد أخبر بأنه ما لحق أحدا يفسرها، _________ (١) صحيح: راجع تخريجنا له في الجزء الثاني عشر بتعليقنا رقم "٢٤٧".

стр. 60

فلو كان -والله- تفسيرها سائغا، أو حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه. وقال في "السير" "٧/ ٢٠٩": كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة، فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر ورفع أهل الأهواء رءوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلاء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فكان الجدال، واشتد النزاع، وتولدت الشبه، نسأل الله العافية. هذه هي عقيدة شيخ الإسلام العلامة الحافظ الذهبي ﵀ في صفات الله ، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة التي كان عليها سلف الأمة الصحابة- ﵃ ومن تابعهم خير القرون. وها هو يرد على من قال أن الإيمان مخلوق والقرآن مخلوق، يرد على هذه الأقوال المنحرفة بأنصع بيان وأشفى حجة: قال في "السير" "١٠/ ٢١٥": ورد علي كتاب من ناحية شيراز أن فضلك الصائغ قال بناحيتهم: إن الإيمان مخلوق فبلغني أنهم أخرجوه من البلد بأعوان. فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذه من مسائل الفضول، والسكوت أولى، والذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله -تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق. وقولنا: لا إله إلا الله، فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضا من أعمالنا. وأما ماهية الكلمة الملفوظة، فهي غير مخلوقة، لأنها من القرآن، أعاذنا الله من الفتن والهوى. وقال "١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢": قال أحمد بن كامل القاضي، أخبرني أبو عبد الله الوراق: أنه كان يورق على داود بن علي، وأنه سمعه يسأل عن القرآن، فقال: أما الذي في اللوح المحفوظ: فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق.

стр. 61

فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذه التفرقة والتفصيل ما قالها أحد قبله، فيما علمت، وما زال المسلمون على أن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله، حتى أظهر المأمون القول: بأنه مخلوق، وظهرت مقالة المعتزلة، فثبت الإمام أحمد بن حنبل، وأئمة السنة على القول: بأنه غير مخلوق، إلى أن ظهرت مقالة حسين بن علي الكرابيسي، وهي: أن القرآن كلام غير مخلوق، وأن ألفاظنا به مخلوقة، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وعده بدعة، وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي. وقال أيضا: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. فزجر عن الخوض في ذلك من الطرفين. وأما داود فقال: القرآن محدث فقام على داود خلق من أئمة الحديث، وأنكروا قوله وبدعوه، وجاء من بعده طائفة من أهل النظر، فقالوا: كلام الله معنى قائم بالنفس، وهذه الكتب المنزلة دالة عليه، ودققوا وعمقوا، فنسأل الله الهدى واتباع الحق، فالقرآن العظيم، حروفه ومعانيه وألفاظه كلام رب العالمين، غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا المخلوقة، قال النبي ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم". ولكن لما كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا، والمكتوب لا ينفك عن كتابة، والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة قال، صعب فهم المسألة وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، فالذهن يعلم الفرق بين هذا وبين هذا، والخوض في هذا خطر -نسأل الله السلامة في الدين- وفي المسألة بحوث طويلة، الكف عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة. وقال في "السير" "٧/ (١٣٨) ": نهى ﵊ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم، لصارت المقبرة والبيوت شيئا واحدا، والصلاة في المقبرة فمنهي عنها نهي كراهة أو نهي تحريم، وقد قال ﵊: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" (١). فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورا. وأما دفنه في بيت عائشة -صلوات الله عليه وسلامه- فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيا وميتا في _________ (١) صحيح: أخرجه البخاري "٧٣١"، ومسلم "٧٨١" وقد خرجته في المصدر المشار إليه.

стр. 62

الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته، لأنه هو أمن عليه التغير، بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه، داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته، حتى قدم أبو بكر الصديق من السنح، فهذا كان سبب التأخير. ويرد الحافظ ﵀ ببيان ناصع وجواب ساطع على ترهات الصوفية وأباطيلهم وعلى أهل الحلول والاتحاد منهم: قال في "السير" "٩/ ٥٥٠": متى رأيت الصوفي مكبا على الحديث، فثق به، ومتى رأيته نائيا عن الحديث، فلا تفرح به، لا سيما إذا انضاف إلى جهله بالحديث عكوف على ترهات الصوفية، ورموز الباطنية نسأل الله السلامة كما قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها وقال في "السير" "١١/ ٢١١": قال السلمي: وحكي عن الحلاج أنه رؤي واقفا في الموقف، والناس في الدعاء وهو يقول: أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون!! فعقب الذهبي ﵀ "١١/ ٢١١ - ٢١٢" بقوله: قلت: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله ﷺ : "من قالها من قلبه، فقد حرم ماله ودمه". وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، ومحمدا رسول الله، فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي ﷺ منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله ﷺ ولا يعلم بهم قال الله -تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]، فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى

стр. 63

تكفير المسلم. إلا ببرهان قطعي، كا لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمون صالحا محسنا، فهو كذلك، لأنهم شهداء لله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرا أو منافقا أو مبطلا، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وأن طائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح، ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين. ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم -سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير، إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه، ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم. فتدبر -يا عبد الله- نحلة الحلاج الذي هو من رءوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق ذلك، وحاسب نفسك فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك -والعياذ بالله- أنه كان والحالة هذه محقا هاديا مهديا فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور الله يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلا. وقال في "السير" "١٢/ ١٧ - ١٨": سئل عبد الله بن منازل الزاهد عن شيخ الصوفية أبي إسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني زاهد الجبل، فقال: هو حجة الله على الفقراء، وأهل المعاملات والآداب.

стр. 64

وعن إبراهيم قال: من أراد أن يتعطل ويتبطل، فليلزم الرخص. وقال: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة. فعقب الذهبي -رحمه الله تعالى- "١٢/ (١٨) " بقوله: قلت: صدقت والله، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، أطلقه بعضهم، فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وقالوا: ما سوى الله باطل فان، والله تعالى هو الباقي، وهو هذه الكائنات، وما ثم شيء غيره. ويقول شاعرهم: وما أنت غير الكون … بل أنت عينه ويقول آخر: وما ثم إلا الله ليس سواه فانظر إلى هذا المروق والضلال، بل كل ما سوى الله محدث موجود، قال الله -تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩]. وإنما أراد قدماء الصوفية الفناء نسيان المخلوقات، وتركها، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال ﵇: "حبب إلي النساء والطيب" (١). وقال: "كأنك علمت حبنا للحم". وكان يحب عائشة ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سبطيه، ويحب الحلواء _________ (١) حسن: أخرجه النسائي "٧/ ٦١"، وأحمد "٣/ ٢٨"، وقد خرجته في الجزء الثاني عشر بتعليقنا رقم "١٩" فراجعه ثمت.

стр. 65

والعسل، ويحب جبل أحد، ويحب وطنه، ويحب الأنصار، إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط. وقال في "السير" "١٢/ ٢٨": قال الحافظ شيخ الإسلام أبو سعيد بن الأعرابي البصري الصوفي: علم المعرفة غير محصور لا نهاية له ولا لوجوده، ولا لذوقه إلى أن قال -ولقد أحسن في المقال: فإذا سمعت الرجل يسأل عن الجمع أو الفناء، أو يجيب فيهما، فاعلم أنه فارغ، ليس من أهل ذلك إذ أهلهما لا يسألون عنه لعلمهم أنه لا يدرك بالوصف. فعقب الذهبي ﵀ "١٢/ ٢٨ - ٢٩": قلت: إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا الوجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر إلا مجرد خطرات ووساوس، وما تفوه بعبارتهم صديق ولا صاحب، ولا إمام من التابعين. فإن طالبتهم بدعاويهم مقتول، وقالوا: محجوب، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن، والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون فلا حول ولا قوة إلا بالله. فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والعالم إذا عري من التصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل سواء السبيل. وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئا من اصطلاحات القوم إلا بحجة.

стр. 66

وقال في "السير" "١٢/ ١١٦": قال الخلدي شيخ الصوفية أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير: مضيت إلى عباس الدوري، وأنا حدث، فكتبت عنه مجلسا، وخرجت فلقيني صوفي، فقال: إيش هذا؟ فأريته فقال: ويحك، تدع علم الخرق، وتأخذ علم الورق! ثم خرق الأوراق، فدخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى عباس، ووقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة. فعقب الذهبي بقوله: ماذا إلا صوفي جاهل يمزق الأحاديث النبوية، ويحض على أمر مجهول، ما أحوجه إلى العلم. وقال في "السير" "٩/ ٣٣٦": قال أبو زرعة: أملى علي أحمد بن عاصم الحكيم: الناس ثلاث طبقات: مطبوع غالب، وهم المؤمنون فإذا غفلوا، ذكوا، ومطبوع مغلوب، فإذا بصروا، أبصروا ورجعوا بقوة العقل، ومطبوع مغلوب غير ذي طباع، ولا سبيل إلى رد هذا بالمواعظ. فعقب الذهبي بقوله: قلت: فما الظن إذا كان واعظ الناس من هذا الضرب عبد بطنه وشهوته، وله قلب عري من الحزن والخوف، فإن انضاف إلى ذلك فسق مكين، أو انحلال من الدين، فقد خاب وخسر، ولا بد أن يفضحه الله تعالى. وقال في "السير" "٩/ ٣٤٩": قال أحمد بن حنبل في هشام بن عمار: أنه طياش لأنه بلغه أنه قال في خطبته: "الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه". فعقب الذهبي بقوله: هذه الكلمة لا ينبغي إطلاقها، وإن كان لها معنى صحيح، لكن يحتج بها الحلولي والاتحادي، وما بلغنا أنه تجلى لشيء إلا بجبل الطور فصيره دكا. وفي تجليه لنبينا ﷺ اختلاف أنكرته عائشة وأثبته ابن عباس. وقال في "السير" "١٠/ ٥٠": قال ابن عيينة: غضب الله داء لا دواء له. فعقب الذهبي بقوله: قلت: دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار، والتوبة النصوح. ويبين الحافظ الذهبي فساد مذهب الفلاسفة ويحذر من كتبهم بأوجز عبارة وأخصر بيان:

стр. 67

قال في "السير" "١٤/ ٢٧٠": قد ألف أبو حامد محمد بن محمد الشافعي الغزالي في ذم الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب "رسائل إخوان الصفا" وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية وليدمن الاستغاثة بالله وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له وينجو، إن شاء الله. وقال في "السير" "١٢/ ١٨٥": قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري مؤلف كتاب "ذم الكلام": سمعت عبد الصمد بن محمد، سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم ابن حبان قوله: "النبوة": "العلم والعمل"، فحكموا عليه بالزندقة، وهجر، وكتب فيه إلى الخليفة، فكتب بقتله. فعقب الذهبي ﵀ "١٢/ ١٨٥ - ١٨٦" بقوله: قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يعتذر عنه، فتقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله ﵊: "الحج عرفة". ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج. وكذا هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيا إلا بوجودهما، وليس كل من برز فيهما نبيا، لأن النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللدني والعمل الصالح. وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفر، ولا يريده أبو حاتم أصلا، وحاشاه، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة، وعجائب، وقد اعترف أن "صحيحه" لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه، كمن عنده مصحف لا يقدر على موضع آية يريدها منه إلا من يحفظه.

стр. 68

وقال في "السير" "١١/ (٣٢١) ": قال واعظ بلخ أبو عبد الله محمد بن الفضل بن العباس البلخي: ذهاب الإسلام من أربعة لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من العلم. فعقب الذهبي ﵀ بقوله: قلت: هذه نعوت رءوس العرب والترك وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا ولو وقفوا عن العمل بالبدعة، لوفقوا، ولو فتشوا عن دينهم وسألوا أهل الذكر -لا أهل الحيل والمكر- لسعدوا، بل يعرضون عن التعلم تيها وكسلا، فواحدة من هذه الخلال مردية، فكيف بها إذا اجتمعت؟! فما ظنك إذا انضم إليها كبر، وفجور، وإجرام وتجهرم على الله؟! نسأل الله العافية. وقال في "السير" "١١/ (٣٩٣) ": قال زاهر بن أحمد السرخسي: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: أشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبادات. فعقب الذهبي بقوله: قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي ﷺ : "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١)، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم. هذه هي عقيدة الحافظ العلامة شمس الدين الذهبي ﵀، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة التي كان عليها سلف الأمة الصحابة العظماء ومن تابعهم ﵃ أجمعين. ثم يبين أن النبي ﷺ لا يبلي -وكذا سائر الأنبياء- وأنه عاش أميا ومات أميا. قال في "السير" "٧/ (٥٧٠) ": النبي ﷺ لا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن -وما زال- أطيب ريحا من المسك وهو حي في لحده، حياة مثله في البرزخ التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ _________ (١) صحيح: راجع تخريجنا له في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "٤٤٠".

стр. 69

رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف. ومن ذلك اجتماع آدم وموسى لما احتج عليه موسى، وحجة آدم بالعلم السابق، كان اجتماعهما حقا، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا ﷺ أخبر أنه رأى في السموات آدم، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعيسى، صلى الله وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى، هذا كله حق، والذي منهم لم يذق الموت بعد، هو عيسى ﵇. فما زال نبينا طيبا مطيبا، وإن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شيء سبيله التوقيف، وما عنف النبي ﷺ الصحابة ﵃ لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: قد بليت. فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وقال في "السير" "١١/ (١١٦) ": عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب (١). فعقب الذهبي "١١/ ١١٦ - (١١٨) " بقوله: قلت: لم يرد أنه ﷺ كتب شيئا، إلا ما في "صحيح البخاري" من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه "محمد بن عبد الله" (٢). واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار، وبدعوه حتى كفره بعضهم. والخطب يسير، فما خرج عن كونه أميا بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله -تعالى- فمن حكمته لم يلهم نبيه تعلم الكتابة، ولا قراءة الكتب حسما لمادة المبطلين، كما قال -تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ومع هذا فقد افتروا وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فانظر إلى قحة _________ (١) ضعيف: في إسناده مجالد، وهو ابن سعيد، أجمعوا على ضعفه. (٢) صحيح: أخرجه البخاري "٢٦٩٨"، ومسلم "١٧٨٣" من حديث البراء بن عازب ﵁.

стр. 70

المعاند، فمن الذي كان بمكة وقت المبعث يدري أخبار الرسل والأمم الخالية؟ ما كان بمكة أحد بهذه الصفة أصلا. ثم ما المانع من تعلم النبي ﷺ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه، وقوة فهمه، ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف، ثم هذا خاتمه في يده، ونقشه: محمد رسول الله (١). فلا يظن عاقل أنه ﵇ ما تعقل ذلك، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه، وقد أخبر الله بأنه -صلوات الله عليه- ما كان يدري ما الكتاب ثم علمه الله ما لم يكن يعلم، ثم الكتاب صفة مدح، قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، فلما بلغ الرسالة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، شاء الله لنبيه أن يتعلم الكتابة النادرة التي لا يخرج بمثلها عن أن يكون أميا، ثم هو القائل: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٢). فصدق إخباره بذلك، إذا الحكم للغالب، فنفى عنه وعن أمته الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب، وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. ومن علمهم الفرائض، وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﵇ فينفي عن الأمة الحساب، فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل، فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد. فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم والشمس والقمر، والكسوف والقران (٣) بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر ﷺ الشهور ومعرفتها بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدا، ثم بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية. _________ (١) صحيح: أخرجه البخاري "٥٨٧٥"، ومسلم "٢٠٩٢" "٥٦" وقد خرجته في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "١٠٦". (٢) صحيح: أخرجه البخاري "١٩١٣"، ومسلم "١٠٨٠" "١٥" وقد خرجته في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "١٠٧" فراجعه ثمت. (٣) القران: يعني قران الكواكب.

стр. 71

وأما الشعر فنزهه الله تعالى عن الشعر قال -تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فما قال الشعر مع كثرته وجودته في قريش، وجريان قرائحهم به، وقد يقع شيء نادر في كلامه ﵇ موزونا، فما صار بذلك شاعرا قط، كقوله: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب وقوله: هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت ومثل هذا قد يقع في كتب الفقه والطب وغير ذلك مما يقع اتفاقا، ولا يقصده المؤلف ولا يشعر به، أفيقول مسلم قط: إن قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، هو بيت؟! معاذ الله وإنما صادف وزنا في الجملة، والله أعلم. وقال في "السير" "١٣/ ٢٠٨": المشركون والكتابيون وغيرهم عرفوا الله -تعالى- بمعنى أنهم لم يحجدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال -تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] فهؤلاء لم ينكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جهلوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، والمؤمن يعرف ربه بصفات الكمال، ونفى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكف عما لا يعلم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عرف الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضهم أكمل معرفة لله، والأولياء فعرفوه معرفة جيدة، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بعدهم، ثم الصالحون دونهم. فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق مثلا، ثم عدد من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به والإيمان به إلى أعرابي جاهل وامرأة من نساء القرى، ودون كذلك وذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام. وقال في "السير" "٨/ ١٤٥": قال هارون بن عبد الله الحمال: ما رأيت أخشع لله من وكيع، وكان عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أخشع منه.

стр. 72

فعقب الذهبي بقوله: قلت: خشوع وكيع مع إمامته في السنة، جعله مقدما، بخلاف خشوع هذا المرجئ -عبد المجيد عبد العزيز عفا الله عنه- أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة، وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن حقا عند الله الساعة مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليهم المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قوله خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة: أن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وأن تارك الصلاة والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل الأنفس، والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار ولا يعذبون أبدا. فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة، وجسروا كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات نعوذ بالله من الخذلان. وقال الذهبي في "السير" "١١/ ٣١٢": كل من أحب الشيخين فليس بغال، بلى من تعرض لهما بشيء من تنقص فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر، فقد باء بالكفر، واستحق الخزي. وقال في "السير" "١٢/ ٤١٩": ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذي فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄ ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما -بلا شك- أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله. وقال في "السير" "١٣/ ٢٣١": قال ابن حزم: الإمامية كلهم على أن القرآن مبدل، وفيه زيادة ونقص سوى المرتضى، فإنه كفر من قال ذلك، وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسي، وأبو القاسم الرازي. فعقب الذهبي بقوله: وفي تواليف المرتضى -أبي طالب علي بن حسين بن موسى- سب أصحاب رسول الله ﷺ فنعوذ بالله من علم لا ينفع.

стр. 73

هكذا يتبرأ الحافظ ﵀ من سب الصحابة الكرام، وممن بدل القرآن، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وما كان عليه سلف الأمة قد أبانها الحافظ في أقواله المبثوثة في هذا الكتاب العظيم وفي ردوده على أهل الزيغ والضلال بيانا ساطعا يستضيء به كل باحث عن الحق. لقد كان الحافظ الذهبي ﵀ رأسا في علوم الحديث، وألف فيها كتبا كثيرة اعتمد عليها كثير من العلماء إلى يومنا هذا، وكانت له آراء حديثية هامة تهم كل عامل ومشتغل بهذا العلم الشريف، هذه الأقوال والآراء مبثوثة في كتابه "السير"، وسائر كتبه، نذكر بعض هذه الأقوال والآراء ليستضيء بها كل مشتغل بهذا العلم الجليل، وليقف القارئ على هذه المكانة السنية التي تبوأها هذا الحافظ الجليل حتى أصبح يشار إليه بالبنان بين أكابر علماء الحديث، فدونك أيها القارئ الكريم هذه الأقوال والآراء: قال في "السير" "٧/ ١١٥": قال جماعة سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول في قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته، كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه وجب عليك أن تنصت له، كما تنصت للقرآن يعمر. وقال في "السير" "٩/ ٧": ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية، وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوما. بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم. وقال في "السير" "٩/ ٢٢": قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثا كثيرا مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم. وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره، ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد

стр. 74

نشرهن وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء. والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره: علم الأوائل، وإلهيات الفلاسفة، وبعض رياضتهم -بل أكثره- وعلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة البطال المختلفة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جدا فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده وليستغفر الله تعالى وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات، لا يحل بثها إلا للتحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامها، فحسن، اللهم فاحفظ علينا إيماننا ولا قوة إلا بالله. وقال في "السير" "٧/ ٤٥٨": أكثر الأئمة على التشديد في أحاديث الأحكام، والترخيص قليلا، لا كل الترخيص في الفضائل والرقاق، فيقبلون في ذلك ما ضعف إسناده لا ما اتهم رواته، فإن الأحاديث الموضوعة والأحاديث الشديدة الوهن، لا يلتفتون إليها، بل يروونها للتحذير منها، والهتك لحالها، فمن دلسها، أو غطى تباينها، فهو جان على السنة، خائن لله ورسوله، فإن كان يجهل ذلك، فقد يعذر بالجهل، ولكن سلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وقال في "السير" "١٢/ ١٦٨": كان الحفاظ يطلقون لفظة "ثقة" على الشيخ الذي سماعه بقراءة متقن، وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون. وقال في "السير" "١٠/ ٣٤١": قال محمد بن بركة الحلبي: سمعت عثمان بن خرزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه.

стр. 75

فعقب الذهبي بقوله: قلت: الأمانة جزء من الدين، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيا ذكيا، نحويا لغويا زكيا حييا، سلفيا، يكفيه أن يكتب بيده مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنية خالصة وتواضع، وإلا فلا يتعن. وقال في "السير" "٩/ ١٢٩ - (١٣٠) ": نحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صوابا، وأندرهم خطأ، وأشدهم إنصافا، وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح، فتمسك به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه، فتندم، ومن شذ منهم، فلا عبرة به، فخل عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام، وبلسان الشريعة، وبجاه السنة، وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان. وقال في "السير" "١٠/ (١٠٤) ": من نظر في كلام البخاري في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو منهم واه. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته -يعني: البخاري- يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ" ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ : "بئس مولى العشيرة" يعني حديث عائشة (١). وسمعته يقول: ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. وقال الحافظ في "الميزان" "١/ (٦) ": نقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه. _________ (١) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٣٨"، والحميدي "٢٤٩"، والبخاري "٦٠٥٤"، "٦١٣١"، ومسلم "٢٥٩١" "٧٣" وغيرهم وقد خرجته في الموضع المشار إليه، فراجعه ثمت.
следующие страницы →